الإستشهاد في فكر الآباء – موقف المسيحيين في وسط العالم في أيام الاضطهاد – القمص أثناسيوس فهمي جورج

عدم مقاومة الشر

الصلاة

المحبة

الارتباط السري بين الصلاة وقبول الآلام

الاستعداد للآلام بفرح

عدم مقاومة الشر

تلخَّص موقف المسيحيين في عدم المُقاومة ولا حتى ظِل المُقاومة، وبالطبع دون أي مُقاومة مُسلحة.

التزم المسيحيون تجاه الاضطهاد المُنظَّم ضدهم بالتطبيق المُباشِر والبسيط لمبدأ ”لا تُقاوموا الشر“ فتركوا أنفسهم بهدوء وتسليم للإبادة وأحنوا رؤوسهم ورِقابِهِم للسيف لا صاغرين بل فَرِحين غالبين الآلام، الأمر الذي أدهش الوثنيين.

وعندما أدركتهم الضيقات قبلوا الموت بقلب راضِ وأحنوا رؤوسهم للسيَّاف بلا مُقاومة ولا حتى مُجادلة، وهم شاكرين قابلين الآلام، حتى ارتجف الجنود من شدة إيمانِهِم.

تعال لترى معي إستفانوس العظيم رئيس الشمامسة وأول الشهداء ماذا قال لراجميه؟ ”يارب لا تقِم لهم هذه الخطية“.

فكما غفر المسيح ربنا ورب الجميع لصالبيه لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون، هكذا فَعَلْ إستفانوس شهيد المسيحية الأول، وهكذا سلك كل شهود وشُهداء المسيح.. شهادِة الحق بوداعة، شهادِة الدم بلا مُقاومة ولا حتى مُجادلة..

إنَّ الاضطهاد والآلام هِبة وهدية مُقدمة من الرأس إلى أعضاء جسدهِ حتى تنمو الكنيسة بلا مُقاومة ولا إكراه، بل بالحب والكرازة وبشارِة الفرح.

الصلاة

كانت الصلاة هي حصنهم المنيع سواء الصلاة الفردية أو الصلوات الجماعية (الليتورچيَّة)، لأنها سلامهُم الوحيد، مواظبين على الصلوات مُدركين وِحدتهم الروحية مع رب المجد يسوع وفي ذلك كمال الفرح وكثرِة التعزية فأي فرح يشملنا لأننا شُركاء المسيح ومن أجله نتألم!!.. ”نالني ضيق وحُزن وباسم الرب دعوت“ (مز 116).

حتى أنَّ كثير من الشهداء صلُّوا لكي ينالوا عطيِة الشهادة فنالوها، وصلُّوا لكي يهِبهُم الله روح النُّصرة عندئذٍ رأوا ولمسوا عمل الله في شهادتِهِم، واقترنت العبادة بحدوث المُعجزات والعجائِب، بنعمة الرب العاملة فيهم.

ازدهار الكِتابات اللاهوتية والروحية:

في عصور الاستشهاد، صاحب الصلوات والعبادة ازدهار الكِتابات اللاهوتية والروحية لأنَّ الآلام والاضطهاد كما قال القديسون هي بمثابِة معصرِة العنب أو فرك الزهور ذات الرائِحة الطِّيِبة فهي تُسفِر عن رؤية روحية ومعرفة إلهية لأعماق حقائِق الإيمان… لذا نجد الآباء المُلتمسين أو المُدافعين Apologists مثل أكليمنضُس السكندري والعلاَّمة أوريجانوس وهيبوليتيس والبابا ديونيسيوس السكندري وخُلفائِهِم وتلاميذِهِم الذين ازدهرت كتاباتِهِم اللاهوتية والدفاعية وكذا رسائِلهم مثل رسائِل كبريانوس وأوريجانوس (الحث على الاستشهاد) والمُدافِع ترتليان (ترياق العقرب Scorpiacum)، ودِفاعات لكتانتيوس ويوستين الشهيد وغيرِهِم من الآباء الذين تركوا لنا تُراثًا حيًا.

المحبة

إنَّ الثبات والاحتمال والوداعة التي أثبتها المُعترفون والشهداء بلا استثناء أمام أعدائِهِم، كانت خبرة المحبة المسيحية الحقيقية..

لم يثوروا ولم يتمردوا، بل أحبَّ الشهداء أعدائِهِم، وشهدوا بمحبتهم قبل أن يشهدوا بدمائِهِم وصمودِهِم وصبرِهِم ووداعتِهِم، فالتزم الكل بأعمال المحبة وهم في عمق أتون الاضطهاد، ومحبة لكل المُضطهدين والمُقاومين، فغلبوا بمحبتِهِم مُعذبيهم الذين اقتبلوا الإيمان لمَّا رأوا ولمسوا محبة شُهداء المسيحية، الذين حسبوا العالم كله نِفاية من أجل فضل معرفة الله، وحسبوا الشتائِم منفعة لهم، والاضطهادات بركة الحياة وشهادِة الدم أقصر طريق للأبدية.

فالاستشهاد حُب مُنسكِب بالروح القدس في قلب الشهيد، حُب لرب المجد يسوع، وحُب للمُضطهدين والمُضايقين، فكثيرون قد تُسفك دمائِهِم وليس لهم نصيب مع الشهداء وكثيرون لم تُسفك دمائِهِم يُشارِكون الشهداء أكاليلهم..

إنَّ هناك قُوة جبارة دفعت شُهداءنا لقبول الآلام، تلك هي المحبة التي جعلتهم يتقدمون الصفوف، وهناك من كانت قلوبهم تلتهِب حُبًا نحو الرب، ولم تُتَح لهم فرصة لسفك دمائِهِم.

لقد أحبوا فاستحقوا، ولم يفصلهم عن محبة المسيح لا عُلو ولا عُمق ولا خليقة أخرى… فغمرتهم محبِة الفادي ليشهدوا حتى الدم لمحبتهم من أجل الرجاء العتيد.

الارتباط السري بين الصلاة وقبول الآلام

يظُن البعض أنَّ الاستشهاد عمل بطولي مثله في هذا مثل الأعمال البطولية الأخرى في كافة الميادين… لكن الاستشهاد المسيحي يتميز بأنه شَرِكة حقيقية مع آلام رب المجد يسوع المُتألِم… فالصلاة تنتعِش وتزكو رائِحتها في معصرة الاضطهادات إذا كانت بحق شَرِكة في الآلام والعذابات…

فهل نحن الآن نعيش بنفس الروح الإنجيلية الآبائية والرسولية التي تسلمناها في بدايِة المسيحية؟ هل نعيش ببساطِة الإيمان بقوة الروح وخبرِة المخافة وقبول الألم بشكر وصلاة؟

هذا الاختبار السرِّي اجتازه المسيحيون الأوائِل ببساطة لذلك تمجَّد الله في آلامهم وعذاباتهم وأظهر لهم قُّوته ومجده، حتى أنه كلما كان اضطهادهم شديدًا كلما كان عيدهم بهيجًا، وكان المكان الذي يذوقون فيه أشد العذابات لابد أن يُقيموا فيه أهم الاحتفالات.

ولقد ميَّز المسيحيين ظاهرتان واضحتان، هما شهوِة الاستشهاد ومحبة البتولية، تلك الروحانية العميقة التي عاشوها والسمو العجيب الذي حققوه باحتقار الجسد فحيث الاستشهاد لابد أن توجد الطهارة، لذلك كانت الحياة الرهبانية هي ظِل الاستشهاد، وجاءت الرهبنة بعد عصر الاستشهاد مباشرةً، وكأنَّ الاستشهاد والشهادة لم تنتهي… بل مستمرة وحتى مجيء ربنا يسوع الثاني ليأخذ كنيسته.

وأكَّد الاستشهاد على صِدق الإيمان المسيحي فلو أنه مجرد خُرافات مُصطنعة لِمَا قدَّم هؤلاء الشهداء دماءِهِم رخيصة من أجل محبة الملِك المسيح، هو تألم وهم يتألمون من أجله.

الاستعداد للآلام بفرح

كانت نفسية الشُهداء والمُعترفين فَرِحة وشُجاعة واثقة، تسندهم المعونة الإلهية التي وعد الله بها جميع المُضطهدين من أجل اسمه (لو 21: 21).

لقد أحس المُعترفون بشرف تألُّمهم (في 3: 10 ؛ كو 1: 24) مُتطلعين إلى المجد العظيم الذي ينتظرهم وينتظر جميع الذين يُحبون ظهوره أيضًا.. وقد تعزُّوا من الرؤى العظيمة المُشجعة، والتي جعلتهم يرون أكاليلهم ويتطلعون لميراثهم الأبدي حيث المسكن المُستعِد في المدينة التي لها الأساسات.

لقد استعذبوا الألم وسعوا ورائه، فبهروا العالم كله لا في قبولهم الآلام واحتمالهم العذابات المُرَّة، بل بفرحِهِم بها وشكرهم عليها وسعيهم ورائها كعطية، فحوَّلوا السجون إلى كنائِس يُسمع فيها صوت التسبيح… ليُعطينا الرب أن نفرح في الضيق وأن نُسبِّح في الألم، عالمين أننا نتألم لنتمجَّد..

كثير من الأُمهات كُنَّ يرفُضنَ الاستشهاد، إلاَّ بعد الاطمئنان على استشهاد أبنائِهِنَّ أمام أعيُنهِن خوفًا عليهم من البقاء بين الوثنيين، وكثيرون أرسلوا يُشجعون أقربائِهِم في السجون ويحسدونهم على نعمة الاستشهاد، حقًا إنَّ الآلام صعبة لكن الانشغال بالمسيح الإكليل واللؤلؤة يُعطي للألم لذة وللنَّفْس سلام وثبات.

لقد عانق الشُهداء الموت في فرح وهدوء وتسليم عجيب أذهل مُضطهديهم، بعد أن أيقنوا حلاوة المجد الأبدي والميراث الذي ينتظرهم.

ويُمكننا أن نقول أنَّ كل من تمتَّع بخلاص الله العجيب اتحد بالمُخلِّص المصلوب يُصلب عن العالم، ومن مات عن العالم تمتَّع بالعِشق الإلهي والفرح.

كيف أعدت الكنيسة أولادها للاستشهاد؟

إنَّ الاستشهاد اختبار تَقَوِي يومي يحيا فيه المؤمن، والكنيسة كجسد المسيح المُتألِم، يلزمها قبول سِمَات المسيح الرأس حتى تكون لها شَرِكة الحُب الحقيقي والوحدة التي بين العريس المُتألم وعروسه، بين الرأس والجسد (الأعضاء).

لذلك الكنيسة العروس تُكمِّل نقائِص شدائِد المسيح بالألم (كو 1: 24) فالمسيح هو العريس والرأس وحجر الزاوية…

ولمَّا كانت الكنيسة أُم جميع المؤمنين، لذلك سلَّمت أولادها صراحة الإيمان، وجعلتهم يستعدون للمعركة الروحية غير واضعين أمامهم سوى مجد الحياة الأبدية وإكليل الاعتراف بالرب، غير مُهتمين بما يُقابلهم من عذابات، لأنها ستكون كتلك التي عبرت وانتهت…

ولأنَّ الحرب قاسية وشديدة تلك التي تُهدد جنود المسيح، لذلك هيَّأتهم ليشربوا كأس دم المسيح اليومي حتى يُعطيهم إمكانية تقديم دمهم مسفوكًا لأجله، لأنَّ من قال أنه ثابِت فيه ينبغي أن يسلُك كما سَلَكَ ذاك (1يو 2: 6).

المسيح عريس الكنيسة ورأسها وأُسقفها هو الذي يُتوِج خُدامه الذين أُعِدَّت أفكارهم وحياتهم للاعتراف والاستشهاد … فهو لا يرغب في دَمِنَا بل يطلُب إيماننا.

لهذا حرصت أُمنا البيعة المُقدسة على إعداد أولادها للاستشهاد لا بخوف كالعبيد بل بحُب كما يليق بأبناء أحرار، فيا لها من كنيسة مجيدة ومُطوبة تلك التي صار فيها دم الشُهداء مُمجدًا!!

لقد كانت بيضاء قبل استشهاد هؤلاء العِظَام، والآن بعد أن أعدَّتهُم الكنيسة للشهادة فشهدوا، صارت قُرمُزية بدم الشُهداء، ولم يعُد ينقُصها زهور بيضاء ولا زنابِق حمراء. . لذلك تُجاهد الكنيسة لتُعِد أولادها بجهاد عظيم غير مُتزعزِع لأجل المجد، فينال أولادها أكاليل بيضاء بجهادِهِم في غير زمن الاستشهاد، وينالون أكاليل قُرمُزية مُخضبَّة بدِماء شهادتِهِم في زمن الاستشهاد، عندئذٍ يكون في السماء لكلٍ منهم زهوره التي يتمجد بها جنود المسيح.

دور الكنيسة في الاستعداد للاستشهاد

كان دور الكنيسة الأساسي الذي قامت به أثناء الاضطهادات المُريعة التي صادفتها خلال الثلاثة قرون الأُولى، هو إعداد أبنائها لاجتياز تلك الاضطهادات التي كانت في عهد الأباطرة المُضطهدين:-

(1) نيرون سنة 64 م.
(2) دوميتيان سنة 81 م.
(3) تراجان سنة 106 م.
(4) أوريليوس سنة 161 م.
(5) ساويرُس سنة 193 م.
(6) مكسيميانوس سنة 235 م.
(7) ديسيوس سنة 250 م.
(8) ڤالريان سنة 257 م.
(9) أورليان سنة 274 م.
(10) دقلديانوس سنة 303 م. لكنه سالم الكنيسة منذ تَوَلِّيه سنة 284 م. حتى سنة 303 م.

ومن إحصائية قام بها بعض المؤرخين للسنوات التي عاشتها الكنيسة تحت الحرمان والاضطهاد، تبيَّن ما يأتي:-

القرن الأول سِت سنوات اضطهاد ، مُقابِل 28 سنة تسامُح.
القرن الثاني 86 سنة اضطهاد، مُقابِل 14 سنة تسامُح.
القرن الثالِث 24 سنة اضطهاد، مُقابِل 76 سنة تسامُح.
القرن الرابِع 10 سنوات اضطهاد ، حتى صدور مرسوم ميلان.

فالكنيسة عاشت تحت الحرمان والاضطهاد والمُطاردة ابتداءً من عصر نيرون سنة 64 م إلى سنة 313 م، حتى مرسوم ميلان السلامي الذي أصدره قسطنطين الكبير… ومع أنَّ الاضطهادات لم تكن بدرجة واحدة في العُنف، إلاَّ أنَّ الكنيسةمن سنة 249 م حتى تملَّك قسطنطين الكبير ذاقت اضطهادات ومُطاردات ومذابِح عظيمة.

وكانت الأجيال المُتلاحِقة تُدرِك تمامًا أنها تعيش تحت خطر الاستشهاد الذي ينبغي الاستعداد له… فكان هذا واجب الأساقفة وقادة الكنيسة من إكليروس وعلمانيين.

فكانت تُلقِن أولادها إنهم مُجاهدون لأنَّ حياة المُجاهِد تستوجِب التدريب على النُسك والجهاد.. ويذكُر التاريخ والتقليد الكنسي أنَّ هناك شُهداء لم يكونوا مُستعدين ولا مُدربين لذلك عجزوا عن الشهادة، وكذلك نجد أنَّ القديس كبريانوس الأسقف والشهيد سنة 249 م يُؤكد على حمل سلاح الله.. فصار تدريب الكنيسة الروحي المُستمر هو الاستعداد للموت وتصفية النَّفْس.

وتكلَّم أيضًا العلاَّمة ترتليان عن مبدأ الاستعداد بقوله: يجب أن تجعل النفس تألف السجن وتُمارِس الجوع والعطش وتقبل الحرمان من الطعام حتى يمكن للمسيحي أن يدخل السجن، بنفس الكيفية كما لو كان خارجًا منهُ حالًا، فيصير تعذيب العالم لنا ممارسة عادية… فلنمضي للجهاد بكل ثقة دون جزع كاذِب، وليصير الجسد مُدرع بسلاح فيوجد يابسًا. لذلك نقرأ في سيرِة الشهيد يوحنا الهرقلي أنه عاش كيوحنا المعمدان بتولًا، والشهيد أنبا إيسي من صعيد مصر الذي فضَّل البتولية وحذا حذو أُخته تكلة.

الكتاب المقدس المُعاش

كما وحرصت الكنيسة على أن يهتم أولادها بالكتاب المُقدس، يحملونه وينسخونه ويعيشونه، فالكنيسة تُغذِّي أولادها بكلمة الحياة منذ حداثتهم ليشُبُّوا بقلوب مُستنيرة لا يهابون الوُلاة بل بجرأة مُنقطِعة النظير يشهدون للمسيح الراعي والفادي والمُخلِّص.

وقامت الكنيسة بتصوير أمثلة وقصص العهد القديم على الفرسكا والرخام والنقش على الأحجار لتعميق الأثر الإنجيلي في قلب الشعب عن طريق الرؤية الروحية، ومن أبرز المناظِر الإنجيلية التي ركِّزت عليها الكنيسة في أزمِنة الاضطهاد:

الفتية في الأتون.

دانِيال النبي في جُب الأُسود.

يونان في بطن الحوت.

تلك المشاهِد التي تُلهِم الثقة بالمعونة الإلهية وتُوحي بنجاة إعجازية اقتناعًا بخلاص الرب الذي يصنعه في حينه، فيتم التعليم عن طريق تصوير أمثلة وقصص العهد القديم، من أجل التلمذة على الكتاب المُقدس (الإنجيل المُعاش).

ففي سيرِة شُهداء سكيلِّلي شمال أفريقيا الذين استُشهِدوا بقرطاچنة سنة 180 م يسأل الوالي ساتورنينوس أحدهم: ما هذا الذي تحمِله على صدرك؟ أجاب سبارتوس: كُتُب ورسائِل مُعلِّمنا بولس…

والقديسة تكلة الشهيدة من صعيد مصر تُوصي ابنها أبولونيوس بالاهتمام بالكتب المُقدسة للبيعة.

الثقافة الروحية والتعليم الكنسي

واهتمت الكنيسة أيضًا بدراسِة الحقائِق اللاهوتية، وكان التعليم الكنسي مهمة البطارِكة والأساقفة، وهنا برزت في التاريخ الكنسي شخصيات عظيمة أمثال المُدافِع يوستين الشهيد، والعلاَّمة أوريجانوس، والقديس كيرلُس الأورشليمي، والقديس كيبريانوس أسقف قرطاچنة الشهيد الأفريقي، والقديس البابا كيرلُس الأول عمود الدين، والبابا العظيم أثناسيوس الرسولي الذي لُقِّب بمُؤسس المسيحية الثاني…

ولمَّا كانت الثقافة الروحية والتعليم الكنسي مُتأصِل لدى الشعب بل وحتى لدى العامة، لذا تمسَّك الشُهداء بعقيدتهم حتى الدم مُحتملين العذابات والتقطيع.

فكيف لشعب لم يتعلَّم عقيدته ولم يعرِف إيمانه أن يُقدم شهادِة دم أو شهادِة فم (كرازة)؟… وكنيستنا كنيسة العِلم واللاهوت كانت سبَّاقة في تعليم أعضائها العقيدة القوية وتسليمهم صراحِة الإيمان المُسلَّم مرَّة للقديسين.

وكانت الكنيسة تُوزِع مقالات وكتابات أعدَّها مُعلِّمو البيعة بخصوص الحث على الاستشهاد للتذكير بالوصايا والمواعيد الإلهية والأمجاد السمائية، وتعليم الشعب حقائِق الإيمان وجوهر العقيدة، مع التحذير من الضعفات..

وقد انبرى آباء الكنيسة وقاموا بدور عظيم، مثل القديس أنطونيوس الكبير الذي أرسل عدَّة رسائِل إلى الكهنة والشمامِسة يحثهم على تشجيع المُعترفين وتثبيتهم في الإيمان.. فقامت بمهمة تثبيت المُعترفين في سجونِهِم وتعزيتهم في وسط ظلام السجون، مع تقديم العون لهم والسهر على روحياتِهِم.

وعلَّمت الكنيسة أولادها حياة التسبيح والتهليل حتى إذا تقدموا في حلبِة الاستشهاد، امتزجت دماؤهم بالصلوات والتسابيح المُفرِحة واحتفظوا بشجاعة ناصعة بلا عيب. . فبلغوا إلى الموت مُسبِحين الحي إلى أبد الآبدين، ثابتين غير هيَّابين ولا مهزومين في الإيمان، بعزم الإرادة والاعتراف وسط القيود، بتسبيح شكر يُتمم مجد الاستشهاد.

وقد اهتمت الكنيسة اهتمامًا خاصًا لا يتناقص بمن هم في السجون، الذين اعترفوا بالرب اعترافًا حسنًا، وخدمت هؤلاء البواسِل، واعتنت بأجساد من فارقوا الحياة وانتهوا نهاية مجيدة في السجون، أو ماتوا قبل التعذيب، فشجاعتهم ليست أقل ممن عُذِّبوا، بعد أن قاسوا ما كانوا عازمين ومُستعدين أن يُقاسوه واعترفوا وصبروا إلى النهاية.

الثبات في روح الحب للجميع حتى المُضطهِدين

كما وسلَّمت الكنيسة أبناءها روح الحُب، من خلال موائِد (الأغابي) ، وافتقاد السجون وزيارِة المُعترفين ورعايتهم عن طريق ولائِم المحبة (الأغابي) والتي كانت تُقام بالسجون.

لم تُعلِّم الكنيسة أولادها التذمُر بل كانت تُثبِّت فيهم روح الحب للجميع وبالأخص للمُضطهدين، وتُصلي من أجل أولادها لأنها تعرِف ضعف البشرية ونقصها… وعلِّمت الكنيسة أولادها البُعد عن الإثارة حتى أنَّ القديس بطرس خاتِم الشُهداء قدَّم نفسه للاستشهاد خِفية، حتى لا يثور الشعب ضد المُضطهدين، ولكن في الوقت عينه دافعت الكنيسة عن أولادها، وكتب الآباء باستفاضة دفاعيات قُدِّمت بشجاعة للولاة الوثنيين، دون أن يحرضوا أو يُثيروا الشعب.

ركِّزت الكنيسة في برنامجها الروحي على أنَّ الصوم يُعلِّم الاستشهاد، لذلك علِّمت أولادها الجهاد والنُسك، لأنه كيف لإنسان أن يُقدِّم دمه وهو لم يتدرب أن يصوم أو يعطش من أجل الله، وكيف للنَّفْس التي لم تتهذب بالجهاد والأصوام والتداريب أن تتقدم بثبات أمام الأتون والهنبازين والصُلبان وكل صنوف العذابات، فالنُسك كحياة زُهد هو المدرسة الأُولى التي تتلمذ فيها المسيحي استعدادًا للاستشهاد.

ولأنَّ كنيستنا كنيسة نُسكية علِّمت المسكونة كلها النُسك والرهبنة، لذلك هي أيضًا أُم الشُهداء، التي بتدريبها لأبنائها على الصوم والجهاد جعلت منهم مُصارعين وشُهداء، فلا يخافون من أي عدو خارجي، لأنهم انتصروا على أنفُسهم فغلبوا العالم كله، والنُّصرة إنما تبدأ من داخل…

لم تنسَ الكنيسة الرعاية الاجتماعية لأُسَر الشهداء، من خلال حياة الشَرِكة (الكينونيا) κοινωνία، فكان الأغنياء يضمون إليهم المُشردين، وكان البطارِكة والأساقفة يتخفون في ملابِس الفقراء ويزورون الأُسَر المُشرَّدة ويُقدِّمون لهم العطاء، مع مُتابعة هذه الأُسَر اجتماعيًا وروحيًا ومساعدتهم ماديًا. . حتى أنَّ العلاَّمة ترتليان في رسالته إلى بعض المُعترفين الذين في السجون، يقول لهم ”أنَّ الكنيسة لم تترُككُم مُعوزين شيئًا“.

عمل الرعاية والخدمة في الكنيسة

ونستطيع أن نقول أنَّ الذين يجرأون على تقديم عمل نبيل للشُهداء وسط الأخطار، تهون عليهم حياتهم إذا تعرَّضوا للاستشهاد.

أيضًا قامت الكنيسة برعايِة المُعترفين، وسهرت على الذين قدَّموا حياتهم ثمنًا للإيمان بالثالوث القدوس ونالوا العذابات.. اهتمت بهم وهم في السجون وتحت المُحاكمة.

ولم يفُت الكنيسة أن تقوم بالرعاية النفسية لأبنائها المُقبلين على الاستشهاد، سواء بالافتقاد للمحبوسين، أو بمُساندتهم روحيًا بالعِظات والرسائِل التي تحِث على الثبات وتُوضِح بركات الاستشهاد، فضلًا على اهتمام الكنيسة بإقامِة الصلوات الخاصة من أجل طلب مراحِم الله ومعونته من أجل هؤلاء الشُهداء أبناء الكنيسة، مع تسجيل يوم استشهاد كُلًا منهم حتى يمكن الاحتفال بتذكاره بين الشُهداء.

وقامت الكنيسة بالرعاية الروحية لهم، ونبِّهت المُعترفين والشُهداء إلى الاحتراس من المديح والسقوط روحيًا، وإيقاظ وعيهم ببركات الألم، حتى أنَّ كبريانوس الشهيد بعث رسالة للمُعترفين يقول فيها ”كأننا نحن محبوسين بينكم، لأننا بالقلب معكم… نفتخِر بافتخاركم“.

ركِّزِت الكنيسة على الأعضاء الضعيفة، والمُرتدين والجاحدين، بالإرشاد والصلوات والافتقاد وبمزيد من الرعاية.

واهتمت الكنيسة بالرعاية الروحية وتجديد النفوس وشحنها روحيًا عن طريق الحث والتعليم الروحي، كذلك اهتمت ببُناء النفوس في الإيمان الأقدس من خلال الاجتماعات الروحية، والمواظبة على الصلاة، وخدمِة التعليم والوعظ والليتورچيات.

حثت الكنيسة أولادها على حياة التوبة (الميطانيا) من أجل قبول بركِة ونِعمة الاستشهاد، وقدِّمت لهم الإنجيل (كيريجما) مشروحًا بالآباء ومُعاشًا في القديسين، وأيضًا حفِّزتهم على الخدمات المُتنوعة (دياكونيا) من أجل نمو الكنيسة بالنعمة والتعليم، ولم تُهمِل الكنيسة خدمة التدبير الرعوي (الأيكونوميا) بالافتقاد والرعاية المُركزة لكل نفس من أجل خلاصها وإعدادها للشهادة (مارتيريا) من أجل اسم المسيح…

وثِمة ركيزة هامة أعدَّت بها الكنيسة أولادها، تلك هي العبادة الليتورچية، التي يختبِر فيها كل عضو اتحاده بالرأس وبالأعضاء سواء كانت الأعضاء المُنتصرة في السماء، أو الأعضاء المُجاهدة على الأرض.. فتدرب أولادها على المواظبة الليتورچية والتقدُّم إلى شَرِكَة كأس المسيح وجسده. . لأنه بهذا فقط يُمكنهم أن يسفكوا دماءِهِم لمن سُفِكَ دمه عنهم، وحرصت الكنيسة على أن تُقدِّم الزاد السمائي أي الجسد والدم لنفوس الذين يتقدمون إلى الشهادة سواء في السجون أو أماكن الاستشهاد، فكانت تُقدِّم الأسرار للمؤمنين قبل الاستشهاد لأنهم لابد أن يستعدوا ويتسلحوا لأجل الجهاد.. وكيف أنَّ شخصًا لم يتحِد بالمسيح الذبيح يصير هو نفسه ذبيحة وكيف أنَّ الذي لم يُواظِب على شَرِكَة كأس دم المسيح أن يُقدِّم هو دمه؟

لذلك لم تترُك الكنيسة أولادها بدون ذخيرة دفاعية، بل ليصطفوا فِرَقًا فِرَقًا تحت سِتار جسد ربنا يسوع المسيح ودمه، تُشبِعهم الكنيسة من الزاد السمائي (الافخارستيا) دِرعهم الحصين، وبهذا الاهتمام الشديد كانت تُعِد أبنائها للاستشهاد، مُعتنية بتكوينهم الروحي والأخلاقي والأدبي وبمعرفتهم للكتاب وعَيْشُه لكي تُكمِل ذبيحة الذين يعترفون بالمسيح يسوع ويضمن عبورهم تلك الضيقات والعذابات بروح مسيحية عالية.

أخيرًا عَنَت الكنيسة بالحفاظ على ذخائِر الشُهداء وأجسادِهِم، مع جمع سِيَرهِم والحِفاظ على إيمانهم لأنه بركة الكنيسة كلها، مع الحِرص على كتابِة وثائِق سِيَرِهِم وأعمال شهادتِهِم وإرسال كل شهيد إلى بلده.