الفصل الأول – رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي – معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

هذا الفصل هو جزء من كتاب: رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي – معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل.

إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

الفصل الأول

1 - المنهج الأرثوذكسى فى دراسة الانجيل

يوجد على الأقل خمسة أسباب لأهتمام الكنيسة الأرثوذكسية بقراءة الإنجيل ودراسته:

أولاً:

وفقاً للتقليد المسيحى فان الإنجيل هو الوحى الإلهى الذى يسجل تجسد الله نفسه وظهوره، ويتضمن الإنجيل اعلان المشيئة الإلهية لجنس البشر. وبالحق يعتبر الإنجيل هو مصدر الحق الذى يعلن حقيقة الله نفسه، وحالة الإنسان وهدف الخليقة كلها. وعلى كل الذين يطلبون الحق ان يستعينوا بشهادة الكتاب المقدس.

ثانياً:

يعتبر الإنجيل هو كلمة الله المسجل فيه الاعلان الإلهى الذى يتضمن الكشف عن الله وعن كلوته. وكلمة الله موجهه بصفة خاصة إلى أعضاء الكنيسة الذين هم مدعوون للاستماع إليها واستيعابها تخبئتها فى القلب والتجارب معها فى إيمان وطاعة.

ثالثاً:

تعلم الكنيسة الأرثوذكسية أن الإنجيل هو أيقونة لله نفسه. وكما أن الحوادث والأشخاص الذين يتم تصويرهم بالالوان فى الأيقونات هو تمثيل حقيقى لهم ولوجودهم. هكذا يكون حضور الله حقيقة خلال الكلمة المكتوبة فى الإنجيل. وعن طريق قراءة الكتاب المقدس ودراسته واستخدامه كمادة للصلاة والتأمل نستطيع أن نؤسس شركة وعلاقة مع الله نفسه، وعن طريق الدراسة المصحوبة بالصلاة واليقظة نستطيع أن نتلامس مع الله ويتلامس هو أيضاً معنا كما نتلامس مع الأبدية ومع الثالوث المقدس المتحد غير المنقسم.

رابعاً:

إن الحياة الليتورجية [(1)] (الأسرار والطقوس) فى الكنيسة مؤسسة على الكتاب المقدس ومقتبسة منه. ففى ليتورجية القداس الإلهى يقرأ من رسائل البولس والكاثوليكون والابركسيس (سفر أعمال الرسل) والإنجيل (من أحد البشائر الأربعة) وفى قداسات الصوم الكبير – بالاضافة إلى القراءات السابقة – يقرأ أيضاً من نبوات العهد القديم (وثمة قراءات من الإنجيل أيضاً فى ليتورجية قداس اللقان والسجدة وكل طقوس الكنيسة). ولذلك فإن كل مَن يشترك فى الليتورجية والخدمة الكنسية فإنه يتقوى ويتعمق فيما ت شمله كلمة الله المكتوبة.

خامساً:

وأخيراً فإن الإنجيل يعتبر أداة التعبير الرئيسية للتقاليد الخاصة بالكنيسة الأرثوذكسية وهكذا يقول الأب كالتوس الروسى:

[إن المسيحية الأرثوذكسية اليوم ترى أنها الوارثة والحارسة للميراث الذى تسلمناه من الماضى] ويرى أن من واجبه نقل هذا التراث غير الفاسد إلى المستقبل. ولكى يتم هذا الأمر يجب على المسيحيين أن ينتصروا على صعاب جسام كثيرة، لأن المسيحيين يواجهون العالم – بشروره – والفلسفات غير الأرثوذكسية وحركات التدين الأخرى والجماعات الدينية غير الأرثوذكسية. لأن كثيرين من الأرثوذكس قد تحولوا من الحياة الأرثوذكسية والتقاليد الحية الباقية وبذلك قد انفصلوا عن الحياة اللاهوتية بدخولهم فى السياسات المختلفة والحضارات المتطرفة وبذلك فشلوا فى الحياة فى النور والحق الإلهى. وهكذا يجب الآن على المسيحيين الأرثوذكس أن يبذلوا كل ما فى وسعهم لكى يدركوا التعاليم والليتورجيات المؤسسة على التقليد، وأن يعبّروا عن ذلك الادراك بالإيمان الحى وعندئذ يصيروا قادرين على ممارسة واجبهم فى الحفاظ على التعاليم الأرثوذكسية والقيادة الكنسية والعبادة والطقس الأرثوذكسى الذى أوجدته الأرثوذكسية عبر الأجيال كلها.

ومن أجل هذا الواجب كان علينا أن نبرز التحليل الأرثوذكسى لتسلط العالم وتسلط غير الأرثوذكسية وتحديات الإيمان ونظرة الأرثوذكسية للعالم الحاضر وهذا الكتاب يعطى اهمية خاصة لمحتويات ومعانى الكتاب المقدس. ولقد اهتم الأب جورج كرونك فى كتابه هذا «بالفكر الكتابى».

ولهذه الأسباب وغيرها فإن المسيحيين الأرثوذكس يجب أن يجعلوا قراءة الكتاب المقدس ودراسته هى مركز اهتمامهم فى الحياة.

والإنجيل هو تجميع هائل لنصوص كثيرة. وحتى لا يضيع القارئ العادى للإنجيل وسط تفاصيل النصوص المقدسة يجب عليه أن يجاهد من أجل معرفة رسالة الله المكتوبة حتى يصل إلى مجمل الكتاب المقدس.

وهدف هذا الكتاب هو الوصول إلى تماسك موضوعات الكتاب المقدس من وجهة نظر الفكر الإنجيلى اللاهوتى الأرثوذكسى لرسالة الله العامة المعلنة فى الكتاب المقدس.

2 - أسفار الكتاب المقدس

يحوى الإنجيل قسمين رئيسيين هما العهد القديم والعهد الجديد. ومنذ بداية التاريخ المسيحى والإنجيل هو كتاب الخلاص الذى يحوى إعلان عمل الله لخلاص الجنس البشرى من سلطان الشر. ولقد كان قصد الله أن يحيا الإنسان فى تبعية أبدية له، ولكن الإنسان أخطأ ضد خالقه وعندئذ تغرب عنه وانفصل عن تلك الحكمة الروحية التى هى الكمال الروحانى والحياة الأبدية التى قصد الله أن يتمتع الإنسان بها.

ونتيجة غواية الخطية تغرب الإنسان وهلك وأصبح عبداً للعالم والجسد والخطية. ولكن عمل الله فى سر التجسد هو خلاص الإنسان من حالة التغرب عنه. ولقد أعلن الله نفسه وإرادته وخطته لخلاص الجنس البشرى للآباء البطاركة (إبراهيم وإسحق ويعقوب) ولأنبياء إسرائيل ولرسل المسيح. وهذا الاعلان لم يكن بالكتابة ولكن عن طريق الرؤى المباشرة (الوحى)، وكان الإنجيل هو التسجيل الكتابى لتلك الرؤى. ويخبرنا العهد القديم عن قصة تعامل الله مع شعب بنى إسرائيل منذ ما يقرب من الفى عام قبل الميلاد حتى وقت تجسد الرب يسوع المسيح. ورسالة العهد القديم تحوى وعد الله لخلاص الجنس البشرى ولخلاص العالم كله عن طريق الرب يسوع المسيح. ويعلن العهد الجديد عن شخصية يسوع الناصرى الذى هو المسيا الموعود به الذى أكمل بحياته وأعماله الخطة الإلهية للخلاص وأصبح ممكناً للإنسان أن يتصالح مع الله.

وقد كتبت نصوص العهد القديم فى الأصل باللغة العبرية (وجزء بسيط منها بالأرامية)، وقد تم نقلها بعد ذلك إلى اللغة اليونانية. وأصبحت هاتان النسختان (العبرية واليونانية) محل نقاش بين اليهود المتأخرين الذين عاشوا فى فترة ما قبل المسيحية وفى فترة المسيحية الأولى أيضاً، وأهم هذه الخلافات هى عدد الأسفار التى يجب أن نقبلها كوحى إلهى وكأسفار قانونية. لأن هناك بعض اليهود الذين يعتبرون عدد أسفار العهد القديم القانونية هى تسعة وأربعون سفراً قانونياً بينما البعض الآخر لا يقبل سوى تسعة وثلاثون سفراً فقط بالاضافة إلى حذفهم لبعض اجزاء من سفر استير ودانيال.

وقبل نهاية القرن المسيحى الأول كان الرأى الذى ينادى بأن الأسفار القانونية للعهد القديم هى 39 سفراً فقط هو الرأى السائد وأصبحت هذه النسخة تعرف باسم النسخة العبرية.

أما النسخة المطولة للعهد القديم (49 سفراً) فهى موجودة فى الطبعة اليونانية التى صدرت وقت سلطة الملك بطليموس الثانى (285 - 246ق. م) وبقيت وعاشت من أجل احتفاظ المسيحية بالتراث الإنجيلى.

وقصة النسخة اليونانية أن الملك بطليموس أراد أن يحتفظ بأسفار موسى الخمسة Pentateuch فى مكتبة الاسكندرية المشهورة، فاستدعى اثنين وسبعين عالماً يهودياً وظلوا يعملون لمدة 72 يوماً وترجموا أسفار موسى الخمسة من المخطوط العبرى وأطلق على هذه النسخة الترجمة السبعينية Septugiant. وقبل منتصف القرن المسيحى الأول تم اضافة ترجمة 44 سفراً إلى الترجمة السبعينية الأولى.

واقتبس الذين كتبوا العهد الجديد من الترجمة السبعينية وهى الترجمة التى كانت واسعة الانتشار وسط الجماعات المسيحية الأولى. ولهذا السبب قبلت الأرثوذكسية الترجمة السبعينية أكثر من النسخة العبرية كترجمة رسمية للعهد القديم. وأصبحت الأرثوذكسية تعتمد على النسخة اليونانية (السبعينية) كنسخة رسمية موحى بها وذلك فى اقتباسات العهد الجديد مثل «هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً» بينما الترجمة العبرية «هوذا الفتاة تحبل وتلد ابناً» (اش 7: 14). وهذا النص يتحدث بلا شك عن ميلاد المسيا. وهنا يظهر الاختلاف البين بين النص العبرى والنص اليونانى. ولكن العهد الجديد قد إتبع النص اليونانى وقبله واستند عليه فى تلك الآية (مت 1: 23).

ولذلك فإن النسخة اليونانية للعهد القديم تحوى 49 سفراً يمكن تصنيفها إلى أربعة أقسام:

1 - أسفار الناموس Pentateuch وهى التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية. وهذه الأسفار تتحدث عن خليقة الله فى العالم وسقوط الإنسان منذ البداية واختيار الله لشعب بنى إسرائيل منذ وقت إبراهيم (حوالى عام 2000ق. م) وتنتهى هذه الفترة بعصر موسى النبى (1290 – 1250ق. م) وهذه الأسفار تم كتابتها فيما بين القرن العاشر والقرن الخامس قبل الميلاد. ونظراً لأن هذه الأسفار الخمسة تحوى إعلان الناموس الإلهى لشعب الله لذلك فإن اليهود يطلقون على هذه الأسفار الخمسة من الكتاب المقدس كلمة Tarab ومعناها الناموس.

2 - أما الجزء الثانى من العهد القديم فهو أسفار التاريخ وتشمل:

يشوع والقضاة وراعوث وصموئيل الأول والثانى والملوك الأول والثانى وأخبار الأيام الأولى والثانى وعزرا ونحميا واستير ويهوديت وطوبيا ومكابيين الأول والثانى والثالث. ويلحق بهذه الأسفار التاريخية أيضاً سفر عزرا الثانى – رغم أنه لم يكن فى أى وقت جزءاً من نسخة العهد القديم – وكذلك سفر المكابيين الرابع الذى يدخل فى بعض نسخ الطبعة السبعينية. ولكن هذه الكتب (المكابيين الرابع وعزرا الثانى) لم يدخلا ضمن الكتب القانونية التى يعتبرها الارثوذكس.

ولقد كتبت تلك الأسفار التاريخية فيما بين القرن الثانى عشر قبل الميلاد والقرن الأول بعد الميلاد. هذه الأسفار التاريخية تشمل حياة شعب بنى إسرائيل منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد حتى وقت السيد المسيح.

3 - ثم يأتى القسم الثالث وهو أسفار الحكمة ويشمل أسفار أيوب والمزامير والأمثال والجامعة ونشيد الأنشاد وسفر حكمة سليمان ويشوع بن سيراخ. وهذه الأسفار تحوى الشعر والحكمة والأقوال الإلهية التى تدور حول إمكانية السعادة فقط عن طريق الإيمان والطاعة لله. ولقد كتبت أسفار الحكمة فيما بين القرن الحادى عشر قبل الميلاد والقرن الأول بعد الميلاد.

4 - ثم يأتى بعد ذلك أسفار الأنبياء وهى: إشعياء وأرميا ومراثى أرميا ورسائل أرميا وباروخ وحزقيال ودانيال وهوشع ويوئيل وعاموس وعوبديا ويونان وميخا وناحوم وحبقوق وصفنيا وحجى وزكريا وملاخى. وغالبية هذه الأسفار التسعة عشر كتبت بين القرن الثامن والقرن الرابع قبل الميلاد. أما كتابى دانيال وباروخ فإنهما كتبا بعد ذلك حوالى القرن الثانى قبل الميلاد.

ومحو كتابات الأنبياء تدور حول موضوع مجئ المسيا وملكوت الله. والأسفار التى تحتويها الترجمة السبعينية ولا تحتويها النسخة العبرية هى عزرا الأول ويهوديت وطوبيا ومكابيين الأول والثانى والثالث وحكمة سليمان ويشوع بن سيراخ ورسائل أرميا وباروخ والمزمور 151 وصلاة منسى من سفر أخبار الأيام الثانى وأجزاء من سفر إستير وسفر دانيال. وبعض هذه الأسفار لم تأخذ بها الكنيسة الأول ورفضها الباحثون بعد ذلك.

ويلاحظ أيضاً بأن جميع اقتباسات آباء الكنيسة الأوائل ماخوذه من الأجزاء التى ليست محل نقاش. ولكن يجب أن نعرف أيضاً بأن كثيرين من آباء الكنيسة الأوائل يقبلون كل هذه الأسفار كأسفار قانونية موحى بها. ولقد أخذت الكنيسة الأرثوذكسية بتلك الأسفار كأسفار قانونية ثانية deuteron canonical أى أسفار قانونية ولكن من الدرجة الثانية.

ولقد اتحدت كل من الكنيسة الكاثوليكية مع الكنيسة الأرثوذكسية فى وجهة النظر هذه. إلا أن الكنيسة الكاثوليكية لم تقبل سفر عزرا الأول والمكابين الثالث والمزمور 151 وصلاة منسى كأسفار قانونية ثانية. فهذه الأسفار مسبعدة من طبعة الكاثوليك للعهد القديم. أما البروتستانت فقد قبلوا فقط الطبعة العبرية للعهد القديم كنسخة رسمية قانونية لهم. وقد سميت الأسفار المضافة فى النسخة اليونانية عند البروتستانت بأسفار الابيوكريفا، أى الأسفار غير القانونية. وفى بعض النسخ البروتستانتية وجدت هذه الأسفار بين العهد القديم والعهد الجديد او فى نهاية العهد الجديد. أما غالبية الطبعات البروتستانتية فان الأسفار المحزوفة Apocryphal غير واردة فيها بالتمام.

أما بخصوص العهد الجديد فان الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت يتفقون على أسفار العهد الجديد السبعة والعشرين التى كتبت باللغة اليونانية فيما بين سنة 50م وسنة 100م بعد الميلاد. وهذه الأسفار كتبت إما طريق الرسل (متى ويوحنا وبطرس وبولس) وإما عن طريق التلاميذ والمؤمنون الذين كانت تربطهم علاقات مع الرسل (مرقس ولوقا ويعقوب ويهوذا) وهم شهود عيان ومفسرون لاهوتيون لشخص الرب يسوع المسيح وأعماله. أما رسالة العهد الجديد فهى نوال الصلح مع الله عن طريق الإيمان بالرب يسوع المسيح وعندئذ نخلص من قوى الشر والجهل والموت.

وفى منتصف القرن الثانى الميلادى وجدت كتابات كثيرة تتحدث عن الرب يسوع ولكن بعض هذه الكتابات كانت مبالغاً فيها ومملوءة من الخيال، ولكن الكنيسة أن تحتفظ بالرسالة للخلاص فى المسيح ولذلك ميّزت بوضوح بين تلك الكتابات الرسولية وبين تلك التى لا تحتوى على اى سلطة رسولية. وبهذا الأسلوب وصلت إلينا أسفار العهد الجديد.

وقد كانت هناك مناقشات فى الكنيسة الأولى حول قانونية سفر الرؤيا ورسالة العبرانيين ورسالة يعقوب وبطرس ويوحنا ويهوذا ولكن قبل القرن الخامس الميلادى أصبحت هذه الأسفار مع الأناجيل الأربعة وسفر أعمال الرسل ورسائل بولس الرسول مقبولة من الكنيسة ورسولية وقانونية موحى بها.

أما أسفار العهد الجديد فهى سبعة وعشرون سفراً وهى تنقسم إلى أربعة أقسام:

1 - القسم الأول:

يشمل البشائر الأربعة (متى – مرقس – لوقا – يوحنا) وتسجل البشائر الأربعة الحوادث الرئيسية فى حياة السيد المسيح وتعلن (الأخبار السارة) للخلاص فى السيد المسيحز ويجدد الدارسون بالتقريب وقت كتابة الأناجيل الأربعة كالآتى:

+ إنجيل مرقس حوالى 65م.

+ إنجيل متى وإنجيل لوقا حوالى 70م.

+ إنجيل يوحنا ما بين 85 – 90م.

2 - القسم الثانى:

يشمل سفر أعمال الرسل الذى كتب حوالى عام 70م عن طريق القديس لوقا، وهو يتحدث عن تاريخ تأسيس ونمو الكنيسة فى القرن الميلادى الأول ويتحدث عن تطور الكنيسة منذ صعود السيد المسيح سنة 30م وعن رحلات القديس بولس التبشيرية عام 47م – 56م حتى سجن بولس الرسول لأول مرة فى روما عام 59 – 61م.

3 - القسم الثالث:

يشمل الرسائل وهى أحدى وعشرون رسالة من بينها أربع عشرة رسالة للقديس بولس الرسول (روميه – كورنثوس الأولى والثانية – علاطية – أفسس – فيلبى – كولوسى – تسالونيكى الأول والثانية – تيموثاوس الأولى والثانية – تيطس – فليمون – العبرانيين). والرسائل السبعة الأخرى (يعقوب – بطرس الأول والثانية – ورسائل يوحنا الثلاثة – رسالة يهوذا)، وتعرف برسائل الكاثوليكون لأنها غير مكتوبة إلى كنائس محلية مثل رومية وغلاطية او إلى أشخاص معينيين مثل تيموثاوس وتيطس، بل هى مكتوبة للجماعات المسيحية بصفة عامة ولذلك عرفت باسم رسائل الكاثوليكون universal or catholic. ورسائل بولس الرسول كتبت ما بين عام 50 - ذلك عرفت باسم رسائل الكاثوليكون ية مثل رومية وغلاطية او إلى أشخاص معينيين مثل تيموثاوس وتيطس، بل - 67م. ورسائل الكاثوليكون كتبت فيما بن عام 60 – 100م وتتضمن الرسائل الحديث عن السلوك والتعاليم التى يتضمنها الإيمان المسيحى. والذين كتبوا هذه الرسائل (يعقوب – بطرس – يوحنا – يهوذا) كانوا يسعون لبقاء الإيمان المستقيم (الأرثوذكسى) والسلوك الحسن وسط الجماعات المسيحية المتعددة التى انتشرت فى منطقة البحر الأبيض المتوسط فى منتصف القرن المسيحى الأول.

4 - القسم الرابع:

ثم يأتى أخيراً سفر الرؤيا Apocalypse وهو يحوى النبوات الخاصة بنهاية العالم. وكلمة أبو كالبس هى نبوات نهاية الزمن. وسفر الرؤيا كتب فى أعلى مستوى للرموز اللغوية، وهو يصف لنا الرؤى الخاصة بمجئ المسيح الثانى والدينونة الأخيرة والتأسيس الأخير لملكوت الله. وهذا السفر الرؤيوى كتب فى السنة الأخيرة من القرن المسيحى الأول وحسب التقليد فإن سفر الرؤيا منسوب للقديس يوحنا.

وكما رأينا فإن الكتاب المقدس يحوى العهدين القديم والجديد. وتاريخ الكنيسة يقر بوحدة الكتاب المقدس وأن كلا العهدين (القديم والجديد) موحى بهما من الروح القدس. وإن كلا العهدين يحوى موضوعاً أساسياً ورسالة هامة وهى خطة الله فى خلاص الجنس البشرى. فالكتاب المقدس يحوى اعلاناً واحداً فى كل من العهدين (القديم والجديد) موحى بهما من الروح القدس. وإن كلا العهدين يحوى موضوعاً أساسياً ورسالة هامة وهى خطة الله فى خلاص الجنس البشرى. فالكتاب المقدس يحوى اعلاناً واحداً فى كل من العهدين، وان مفتاح وحدة العهدين فى الكتاب المقدس هو الرب يسوع المسيح الذى هو المركز الأساسى فى الخطة الإلهية للخلاص التى أعلنت فى كلمة الله المكتوبة.

ومن جهة النظر المسيحية فإن العهد القديم يحوى الوعد والاستعداد لمجئ المسيا الذى به سوف يتم الخلاص لكل الجنس البشرى. أما العهد الجديد فهو يؤكد – فى شخص الرب يسوع المسيح - كمال رسالة العهد القديم فى الخلاص.

وهكذا فإن فى شخص الرب يسوع المسيح قد منح الله الخلاص لكل الجنس البشرى فى العالم.

3 - العصمة والوحى الإلهى للكتاب المقدس

الكتاب المقدس هو كتاب الكتب وهو تجميع للكتابات المقدسة، بمعنى أن أسفار الكتاب المقدس تحوى الكتابات المقدسة التى كتبت وصدرت وجمعت فى أزمنة مختلفة وأماكن مختلفة وكتاباً مختلفين، ولكن الكنيسة الأرثوذكسية تعتبر هذه الكتابات المجمعة هى الكتابات القانونية الحقيقية الحاوية للحق الذى يحوى العلاقة بين الله والإنسان بل الخليقة بأكملها. إن الكتاب المقدس هو كلمة الله المكتوبة وهو التعبيرالكامل لاعلان الله للإنسان.

إن أسفار الكتاب المقدس كتبت بواسطة أناس قديسين فى العهدين القديم والجديد، وكان الوحى الإلهى يقودهم أثناء الكتابة. والكنيسة الأرثوذكسية تؤمن منذ البدء أن الإنجيل بأكمله موحى به من الله وهذا يعنى عدم وجود أى خطأ أو تناقض فيما يتعلق بعلاقة الله مع العالم.

أما رسالة الإنجيل الشاملة فهى تحوى سقوط الإنسان تحت عبودية الشيطان، وعمل الله العظيم عن طريق التجسد لكى ينقذنا من العبودية.

ووفقاً لمبدأ عصمة الكتاب المقدس التى تؤمن به الكنيسة الأرثوذكسية فان الكنيسة هى الحارسة لرسالة الله – الأبدية وللتعاليم الروحية التى يحتويها الكتاب المقدس. والروح القدس هو الحامى (للكنيسة) من السقوط. ولذلك فإن الإنجيل هو شهادة واعلان من الكنيسة يحوى اعلان خطة الله للخلاص. وهو اعلان لا يحتويه أى خطأ فى لاهوتياته أو موضوعاته أو تصريحاته.

ولكن ليس ضرورى للكنيسة الأرثوذكسية أن تتمسك بالحق اللفظى لمحتويات الكتاب المقدس. وهناك بعض من الدارسين يعتقدون أن الإنجيل قد يحتوى على بعض الأمور غير الدقيقة فى بعض الأمور غير الأساسية مثل ما حدث فى سفر دانيال حيث أن الكاتب يصف بلشاصر أنه ملك بابل وابن الملك نبوخذ نصر (605 – 562 ق. م) بينما الحقيقة أن بلشاصر هو ابن للمل نابوقيدس (566 – 539 ق. م) وهو لم يكن ملك قط ولكنه خدم كنائب للملك خلال غياب أبيه (دا 5: 1 - 31). وكثير من الدارسين يرون أيضاً أن قصة خلق العالم كما وردت فى الأصحاح الأول من سفر التكوين توهم بأن فيها حقائق علمية تخالف الكتاب المقدس. ولكن هذا لا يلغى تماسك ووحدة الرسالة الإلهية للكتاب المقدس. وهكذا فإن الكنيسة الأرثوذكسية فى تأكيدها للوحى الإلهى للكتاب المقدس وعصمته إنما تتمسك بالحق الكامل للكتاب فيما يتعلق برسالة الخلاص.

4 - تفسير الإنجيل عن طريق التقليد

إن الكنيسة الأرثوذكسية تؤمن أنها (الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية) وقد وصف مجمع نيقية الكنيسة أنها (جماعة المؤمنين التى أسسها المسيح عن طريق الرسل) والكنيسة هى إسرائيل الجديدة تحت القيادة الروحية للأساقفة الذين يخلفون الرسل. ولما كانت طقوس الكنيسة وسلطاتها مستمدة من الناحية التاريخية من رسل المسيح لذلك فإن الكنيسة تعتبر أن تاريخ حياتها وخبراتها هى تقليد وإيمان محفوظ واستمرار للتقاليد الرسولية والتراث الروحى الذى سلمه للسيد المسيح إلى رسله القديسين الذين قاموا بتسليمه إلى أجيال المسيحيين الذين خلفوهم. ولكى نكون مسيحيين أرثوذكس يجب أن نتقبل التقاليد المقدسة للكنيسة كتقاليد للمسيحية ذاتها، وان نعتبر الكنيسة الأرثوذكسية هى الحارسة الإلهية وأنها المعلم للإيمان المسيحى وانها تحت القيادة الروحية (الممثلة فى البابا والأساقفة والكهنة) الذين هم أتباع المسيح والممثلين الشخصيين للسيد المسيح والرسل.

إن الإيمان الأرثوذكسى هو إيمان حى اختبارى يتم أولاً بالاقتناع بأن الله قد أعلن نفسه وأعلن خطة خلاصه إلى خاصته المختارين فى العهدين القديم والجديد أى إلى جماعة بنى إسرائيل وإلى جماعة المسيحيين.

وهكذا فإن المسيحيين الأرثوذكس يؤمنون أن الله قد جعل نفسه حاضراً ومعروفاً (خلال سر التجسد) وهو قد استمر فى جعل نفسه حاضراً ومعروفاً خلال الحياة المستمرة والخبرة المعاشة لشعبه وذلك خلال التقاليد المقدسة للكنيسة.

إن التقليد المقدس فى الكنيسة هو الحياة والاختبار المعلن للإيمان الأرثوكسى ولا ستمرار الكنيسة فى تجاوبها مع نعمة الله ومحبته. إن التقاليد المقدسة ليست مجرد تجميع للوثائق المكتوبة أو لتعاليم الإيمان أو ممارسات روتينية ولكن التقليد المقدس كما عرفه توماس هويكو Thomas Hopko هو: [الحياة الشاملة واختبار الكنيسة كلها الذى ينتقل من مكان لآخر ومن جيل إلى جيل، هو حياة الكنيسة الموحى بها والمرشدة عن طريق الروح القدس].

ومعنى أن يحيا أحد حسب التقاليد المقدسة للكنيسة هو أن يختبر حقيقة وجود الله وسط شعبه.

إن التقليد المقدس واضح فى مصادر مختلفة ولكن أولها هو الإنجيل المقدس أما المصدر الثانى للتقليد فهو ليتورجيات الكنيسة وكذلك من بين مصادر التقليد مجمع نيقية والمجامع المسكونية القانونية الآخرى وكتابات الآباء القديسين الذين هم المعلمين الروحيين واللاهوتيين الذين شرحوا ودافعوا عن الإيمان المسيحى خلال الأجيال. وكذلك قوانين الكنيسة وأيقوناتها وفنونها وجهادها المستمر للتعبير عن إيمانها فى الله.

وخلال هذه القوانين الخارجية للتقليد المقدس كانت رؤية الكنيسة الأرثوذكسية فى الاحتفاظ والدفاع والاعلان عن الإيمان المودع لها عن طريق الرب يسوع المسيح والرسل القديسين.

فالإنجيل هو جزء من التقليد المقدس للكنيسة، وهو جزء من حياة الكنيسة وهو تمثيل الاختبار والإيمان المتجاوب مع الله. فالإنجيل والتقليد ليس شيئين فى الإيمان المسيحى لأن التقليد المقدس هو مصدر للإنجيل وكذلك التقليد هو الإيمان الذى يعبر عنه الإنجيل المقدس.

والإنجيل يوجد ويحيا ويظهر معناه خلال التقليد فى الكنيسة. ويمكن شرح المعنى الكامل لكلمة الله المكتوبة خلال التاريخ المفتوح (حياة القديسين) وقد تم التعبير عن إيمان الكنيسة منذ بداية التقليد المقدس فقط. وخلال التقليد تم جمع النصوص التى تكوّن الكتاب القمدس، وأوجب التقليد ضرورة قراءة كل نصوص الكتاب المقدس، والتقليد هو الذى شرح الإنجيل، وهو «الحياة الشاملة المختبرة». لذلك كانت الكنيسة هى السلطة الوحيدة التى لها حق شرح الإنجيل. والسيد المسيح هو مؤسس ورأس الكنيسة والكنيسة هى جسد المسيح (أف 4: 1 - 16؛ 5: 21 - 33) وهذا دليل على أن المسيح يحيا فى الكنيسة وهو الذى يوحى ويقود كنيسته خلال الروح القدس. والمسيح فى الكنيسة وخلال الكنيسة يفسر الإنجيل التفسير الصحيح ويمنح التقليد. وهذا هو الحاصل أنه خلال التقليد المقدس للكنيسة وارشاد الروح القدس يمكن أن يتم تفسير الكتاب المقدس.

ولهذا فإن المسيحية الأرثوذكسية توجه كل الجهد نحو قراءة الكتاب المقدس فى ضوء التاريخ والإيمان الحى للكنيسة وتقودنا الأرثوذكسية أيضاً للدخول إلى حياة الكنيسة ككل والاشتراك فى الليتورجيا (القداس) والخدمات الكنسية (الأسرار) والمواظبة عليها والصلاة الحارة والدراسة اليقظة لكل عناصر التقليد المقدس وخصوصاً كتابات آباء الكنيسة القديسين.

إن المسيحية الأرثوذكسية تطلب منا فهم محتويات الكتاب المقدس التى هى تعبير عن الروحانية والتعاليم الشاملة للإيمان الأرثوذكسى.

إن حكم المسيحية الأرثوذكسية للحق الإنجيلى يجب ألا يكون قط حكماً فردياً بل يكون حكماً متناسقاً مع فكر الكنيسة العام المعبر عنه فى التقليد المقدس.


[(1)] + كلمة ليتورجيا كلمة يونانية تعنى خدمة عامة تؤدى لأجل الجماعة وهى مشتقة من كلمتين.– ليوأوليؤس وتعنى الجماعة 2 - ارجيا وتعنى عمل ووردت فى الكلمة فى سفر العبرانيين بمعنى المذبح أو الخدمة الكهنوتية (عب 8: 6؛ 9: 21) وبمرور الزمن صارت كلمة ليتورجيا تطلق على سر الافخارستيا ولكنها تطلق أيضاً على قداس اللقان وغيره من الأسرار والطقوس.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الفصل الثانى - رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي - معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات