الباب الثالث : العظمَة والكبرياء – حياة التواضع والوداعة – البابا شنودة الثالث

الباب الثالث: العظمَة والكبرياء

مقاومة الله لها.

هى سَبب السقوط.

البرِ الذاتى.

نتائج ومظاهر الكبرياء.

علاقة الكبريا بالتجارب.

الذات (الأنا).

كيف التخلص من الكبرياء؟

الكبريَاء والعظمَة

خطية مركبة تلد خطايا كثيرة (أ)

المتكبر هو إنسان ضائع، ضيعته الذات. وفى كبريائه يقع فى عديد من الخطايا. وربما لا يشعر بضياعه ولا بخطاياه بسبب كبريائه. ويقول الكتاب:

"قبل الكسر الكبرياء. وقبل السقوط تشامخ الروح" (أم 16: 18).

فما هو سر هذا الكسر؟ وما هذا السقوط الذى يتعرض له؟ نذكر منه:

مقاومة الله للمتكبرين:

قد يتعرض المتكبر لمقاومة كثيرين ممن ينفرون من كبريائه، لأن الكبرياء خطية منفرة. ولكن أصعب من هذا كله مقاومة الله له. كما قال يعقوب الرسول:

"يقاوم الله المستكبرين. أما المتواضعون فيعطيهم نعمة" (يع 4: 6).

حقاً: ما أصعب هذا، وما أخطر هذا! إنه أمر مرعب أن يقاوم الله لوناً من مخلوقاته..!! والسبب هو الكبرياء.

+ + +.

أول مخلوق قاوم الله، والله قاومه، هو الشيطان:

أراد الشيطان أن يرتفع فوق الكل، وأن يصير مثل الله (أش 14: 14). وفى سقوطه لم يتضع ولم ينسحق. بل استمر فى مقاومته، وأسقط معه مجموعة من الملائكة من رتب عديدة، صاروا جنداً له، ينفذون معه خطته فى مقاومة الله.

ومازال الشيطان فى مقاومته لله ولملكوته، وفى مقاومته لأبناء الله.. حتى أنه عندما يُحل من سجنه، سيخرج "ليضل الأمم الذين فى أربع زوايا الأرض" (رؤ 20: 7).. بل يحاول أن يضل "لو أمكن المختارين أيضاً" (مت 24: 24).

+ + +.

وأخطر عدو فى آخر الزمان، دُعى أيضاً مقاوماً:

إنه "ضد المسيح" Anti – Christ الذى قال عنه الرسول إنه سيكون سبباً فى الارتداد العام الذى يسبق المجئ الثانى للسيد المسيح. ووصفه بأنه "إنسان الخطية، إبن الهلاك، المقاوم والمرتفع على كل ما يُدعى إلهاً أو معبوداً. حتى إنه يجلس فى هيكل الله كإله، مظهراً نفسه إنه إله" "الذى مجيئه بعمل الشيطان، بكل قوة وبآيات وعجائب كاذبة، وبكل خديعة الإثم فى الهالكين" (2 تس 2: 1 - 10).

من كبريائه يدعى الألوهية كمعلمه الشيطان. ومن كبريائه يكون مرتفعاً ومقاوماً، مثل الشيطان أيضاً. وتغريه الآيات والعجائب والقوة، كمعلمه أيضاً.

لذلك يقاومه الله "يبيده بنفخه فمه، ويبطله بظهور مجيئه" (2 تس 2: 8).

+ + +.

إن السيد المسيح كان يشفق على الخطاة المنسحقين، بينما يقاوم المستكبرين.

* لقد دافع عن المرأة الخاطئة الذليلة المضبوطة فى ذات الفعل. وقال لها: "وأنا أيضاً لا أدينك. إذهبى بسلام ولا تخطئ أيضاً" (يو 8: 11)... بينما قاوم الكتبة والفريسيين المتكبرين، الذين نسوا خطاياهم وأرادوا رجم تلك المرأة. وقال لهم الرب "من كان منكم بلا خطية، فليرمها بأول حجر" (يو 8: 7).

* وأشفق السيد كذلك على الخاطئة المنسحقة التى بللت قدميه بدموعها، بينما وبخ الفريسى المتكبر الذى احتقرها وأدانها (لو7).

وصلت كبرياء ذلك الفريسى إلى حد أنه شكّ فى السيد المسيح نفسه له المجد! فقال فى قلبه "لو كان هذا الإنسان نبياً لعلم من هذه المرأة وما حالها، إنها لخاطئة" (لو 7: 39). فأراه السيد الرب أن تلك المرأة أفضل منه، أن كليهما مديونان أمام الله. غير أنها تابت، وهذا الفريسى لم يتب. فاستحقت لذلك المغفرة...

+ + +.

وقاوم الرب الكتبة والفريسيين، لأنهم مراؤون ومتكبرون.

صب الويلات على أولئك الذين كانوا "يحبون المتكآت الأولى فى الولائم، والمجالس الأولى فى المجامع، والتحيات فى الأسواق.. ويغلقون ملكوت السموات قدام الناس. فلا هم يدخلون، ولا يدعون الداخلين يدخلون". دعاهم "قادة عميان" (مت 23: 13، 7، 6). (مت 23: 19، 16).

+ + +.

احذر إذن من أن تتكبر، فيقاومك الله!!

حقاً، ما أخطر ما قيل عن ذلك فى سفر اشعياء:

ورد فيه عن هذا الأمر: "إن لرب الجنود يوماً على كل متعظم وعالِ، وعلى كل مرتفع فيوضع. وعلى كل أرض لبنان العالى المرتفع، وعلى كل بلوط باشان. وعلى كل الجبال العالية، على كل التلال المرتفعة. وعلى كل برج عالِ، وعلى كل سور منيع.. فينخفض تشامخ الإنسان، وتوضع رفعة الناس. ويسمو الرب وحده فى ذلك اليوم" (أش 2: 12 - 17).

فإن خفت أن يقف ضدك ويقاومك، تواضع لأنه "يعطى المتواضعين نعمة" (يع 4: 6).. ماذا فى الكبرياء أيضاً؟

تشامخ الروح:

هناك كبرياء فى ذاتها، يشعر الإنسان فيها إنه كبير ( - عظمة).

وكبرياء أخرى مقارنة. إذ يُقارن نفسه بغيره، فيشعر أنه أكبر منه. وقد ينمو عنده هذا الشعور، حتى يظن أنه أكبر من الكل، وأنه أفضل منهم، وأنه يفوقهم جميعاً!!

وتنتقل به الكبرياء إلى المعاملة، فينظر إلى الناس من فوق!

فيتعاظم عليهم، ويكلمهم بغير احترام، بأسلوب منتفخ غير لائق. ويفقد آداب التخاطب وآداب التعامل. وربما يكونون اكبر منه سناً أو أعلى منه مقاماً. ولكنه فى كبريائه وفى تعاظمه، لا يحترم أحداً، ولا يراعى شعور أحد! ألم يقل الكتاب عن إنسان الخطية إنه "المرتفع على كل ما يدعى إلهاً"! (2 تس 2: 4). فكم بالأولى تعامله مع إنسان!

+ + +.

بينما المتواضع يحترم الكل، ولو كانوا أصغر منه أو أقل شأناً.

المتواضع يعامل الكل بالاحترام والأدب واللياقة، حتى مرؤوسيه وتلاميذه، بل وخدمه أيضاً.. ولا يحاول إطلاقاً أن يخدش شعور أى إنسان، مهما كان خاطئا أو مخطئاً فى تصرفه...

وهكذا تحدث السيد المسيح له المجد مع المرأة السامرية الخاطئة، دون أن يجرح شعورها. ولم يكلمها عن التوبة والتعفف والطهارة، بل حدثها عن الماء الحى والسجود لله بالروح والحق (يو4).

أما المتكبر، فإن تشامخه يقوده إلى خطية أخرى وهى:

الإدانة ومَسك السيرة:

فى عدم احترام المتكبر للغير، يتكلم عنه بأسلوب غير لائق، فيه الإدانة والشتائم وألفاظ التجريح والألفاظ القاسية، كأنما غيره بلا شعور ولا إحساس أمامه! وفى كل ذلك ينسى قول الكتاب:

"لا شتامون.. يرثون ملكوت الله" (1 كو 6: 10).

وقد وضع الرسول هؤلاء الشتامين ضمن قائمة من أصحاب الخطايا البشعة، كالظالمي والطماعين والسارقين والفسقة وعبدة الأصنام..! وربما المتكبر وهو يشتم غيره، لا يحسب أنه يرتكب إثماً بشعاً.. وقد يظن أنه من حقه أن يشتم وأن يدين! وقد يضع شتائمه فى قائمة الغيرة المقدسة والرغبة فى الإصلاح أو التعليم.

كبرياؤه تقوده إلى شئ آخر هو البر الذاتى...

البر الذاتى:

المتكبر بار فى عينى نفسه. وقد يكون أيضاً "حكيماً فى عينى نفسه" بينما يقول الكتاب "لا تكن حكيماً فى عينى نفسك" (أم 3: 7). وقد وبّخ هذا النوع من الناس فقال "جاوب الجاهل حسب حماقته، لئلا يكون حكيماً فى عينى نفسه" (أم 26: 5). من الصعب أن يعترف هذا النوع من الناس أنه مخطئ.

هناك أناس – من الصعب وربما من المستحيل – أن يعترفوا بأنهم قد أخطأوا!

حتى لو كان الخطأ واضحاً، سواء فى رأى أو فى تصرف..!

ولكن كبرياء القلب تأبى أن تخدش (العصمة) التى يدعيها المتكبر لنفسه! فلابد أن يدافع عن أخطائه، وأن يقاوم، وأن يهاجم من يكشف له خطأ أو عيباً. لابد أن يبرر ذاته بكافة الطرق. فتقوده الكبرياء إلى المكابرة...

المكابرة:

أو ما يسمونه بالعامية (المقاوحة).. إنه يريد أن ينتصر فى مجادلته بأية الطرق! ورغبته فى الانتصار تبعده عن الحق، وتركزه حول الذات.

والمكابرة سببها فى المتكبر: التشبث بالرأى أياً كان!

وقد ينفر الناس من أسلوب المتكبر فى مجادلته وتشبثه برأيه، مما لا يؤدى إلى أية نتيجة، إلا إلى ضياع الوقت وإرهاق الأعصاب، فيبعدون عن النقاش معه، حرصاً على سلامهم القلبى، ولكى لا يدخلوا فى صراع معه.. وربما يكلمهم أو يكاتبهم فلا يجيبون..

+ + +.

وهكذا تؤدى به المكابرة والتشبث بالرأى إلى اعتزال الناس له.

أو قد يؤدى ذلك إلى أنطوائه عن الناس ترفعاً وكبرياءً. وتتعبه العزلة وترهق أعصابه، فيزداد عنفاً إن دخل فى نقاش.

وإذا طرقت المناقشة والمكابرة موضوعاً لاهوتياً أو عقيدياً، فقد يسقط المتكبر فى البدعة أو الهرطقة.

البدعة أو الهرطقة:

كل الهراطقة والمبتدعين كانوا متكبرين وعنفاء بلا إستثناء.

ويندر أن يكون أحدهم قد وقع فى الهرطقة عن جهل. لأن الجاهل – إن كان متواضعاً – يقبل التصحيح ويقبل تغيير رأيه.

أما المتكبر فلا يستطيع. لا يمكنه أن يقول إنه قد أخطأ. وهكذا يستمر فى فكره المنحرف، ويدافع عن هذا الفكر، ويحاول أن يجد له إثباتات، أو أن يطوَع تفسير آيات الكتاب لرأيه. وبذلك يثبت فى أخطائه العقيدية، وتتحول بسبب كبريائه من أخطاء إلى هرطقة...

+ + +.

وربما تقنع الكبرياء إنساناً أن يأتى بشئ جديد لم يطرقه أحد من قبل، أو لم يكتب فيه الآباء، حتى لو كان غير مألوف أو غير مقبول.

وهكذا يقع فى البدعة، إذ يبتدع شيئاً جديداً، ويعجب بنفسه أنه قد أتى بجديد. وربما يرى فى الجديد شيئاً مشوقاً، فيعمل على نشره منتظراً أن يجلب لنفسه شهرة ومديحاً كصاحب فكر!!

وتقوده البدعة إلى أن "يرتئى فوق ما ينبغى" (رو 12: 3).

فيتحدث عن أمور ربما لم يتعرض لها الكتاب فى صراحة، أو لم تتعرض لها أقوال الآباء، أو هى فوق إدراكنا.. فى كبريائه يستحى أن يقول "لا أعرف".. فيبدى رأيه ثم يحاول أن يثبته. وقد يعتمد على مراجع غير دينية. ولا يشاء أن يقول إن ذلك مجرد رأى، أو أنه مجرد مفهومه الخاص...

+ + +.

وبالكبرياء يحاول أن يقدم رأيه الخاص كأنه عقيدة!!

أو أن يعتبر رأيه هو رأى الكنيسة وتعليمها! ويندهش إن سأله أحد "ما هو المرجع الذى اعتمدت عليه؟"، ظاناً فى نفسه أنه هو المرجع الذى يعتمد عليه الآخرون!

حقاً، إن التكلم فى اللاهوتيات يحتاج إلى تواضع قلب وإلى تواضع فكر.

+ + +.

والمتكبر يظن أنه يفهم أكثر من غيره. فلا يقبل تصحيح غيره له. لأنه من هو الذى يفهم أكثر منه، حتى يصحح له؟!

وهكذا فإن هرطوقياً مثل أريوس، لم يغير رأيه بتوجيه البابا بطرس خاتم الشهداء، ولا قبل أيضاً توجيه البابا ألكسندروس. ولم يخضع للمجمع المكانى الذى عقده البابا ألكسندروس وحضره مائة أسقف من أساقفة الكرازة المرقسية فى مصر وليبيا.

ولم يقبل شيئاً من اقناعات القديس أثناسيوس. بل لم يقبل حكم المجمع المسكونى العظيم المنعقد فى نيقية والذى حضره 318 من الأساقفة ورؤساء الأساقفة يمثلون كنائس العالم كله. وظل متمسكاً بفكره الخاطئ، لا يعبأ بأسقف ولا ببطريرك ولا بمجمع!! وهذا يدل على خطية أخرى وهى:

العناد:

المتكبر عنيد. والهرطوقى أيضاً عنيد، والمبتدع عنيد.

فإن صادفت إنساناً عنيداً، اعرف أن وراء عناده كبرياء.

وإن وجدت هرطوقياً، أعرف أن من أسباب هرطقته العناد والكبرياء.

والعناد يدخل فى أمور أخرى غير اللاهوت والعقيدة. وهو على أية الحالات طبع منفر، كأمه الكبرياء، يقود أيضاً إلى العزلة والإنطواء.

نتائج أخرى:

للكبرياء نتائج أخرى وعلامات كثيرة. لعل من بينها المجد الباطل، ومحبة المديح والكرامة، والتعالى، والتمركز حول الذات، والتقدم على الآخرين.. وأمور أخرى عديدة...

المتكبر يرتفع فيسقط.. والمتكبر دائماً يبرر ذاته المتكبر يفقد حَياة الوداعة وحياة التوبة..

يرتفع فيسقط:

شرح القديس أوغسطينوس أن المتكبرين يبيدون كالدخان، فقال:

الدخان يرتفع جداً إلى فوق. وفيما هو يرتفع يتبدد وينتهى.

بعكس اللهيب الذى لا يرتفع كالدخان، ولكنه يبقى بقوته.

وقال هذا القديس فى تفسير المزمورين 73، 37.

يقول المزمور "رأيت الشرير مرتفعاً إلى فوق، وقائماً أعلى من أرز لبنان" (مز 37: 35). فلنفترض إذن أنه مرتفع إلى أعلى، وأنه متشامخ فوق الباقين. ولكن ماذا بعد هذا؟ يستطرد المرتل فيقول عنه: "عبرت عليه، فإذا هو ليس بموجود. طلبته فما أمكن أن يعثر له على مكان".. تماماً كما لو كان دخاناً، هذا الذى عبرت عليه.

قيل أيضاً عن مثل هذا فى المزمور إنه سيفنون ويتبددون مثل الدخان. يقول "فنوا مثل الدخان، فنوا" (مز 7: 20)... تماماً مثل الدخان الذى يتبدد فيما هو يرتفع إلى فوق.. فهو فى ذات صعوده إلى أعلى، ينتفخ إلى حجم أكبر. وعلى قدر ما يعظم حجمه، تنحل مادته.. وهكذا تلاحظ أن نفس عظمته كانت قاضية عليه. لأنه كلما ارتفع وامتد إلى أعلى، تزداد رقعته ويخف، ويقل ويضيع ويضمحل.

هكذا أعداء الله: عندما يبدأون أن يتمجدوا ويرتفعوا، سريعاً ما يفنون تماماً كالدخان.. ".

[القديس أوغسطينوس].

+ + +.

هنا ونذكر أشخاصاً، حينما تعينهم النعمة، ويجدون أن حياتهم قد تغيرت إلى أفضل، يفتخرون قائلين: "حياتى قد تغيرت وتجددت. صرت إنساناً آخر". ويشرحون اختباراتهم للناس، بطريقة "كنت.. وأصبحت.."!

وإذ يفتخر الشخص بارتفاعه، تبعد عنه النعمة، فيسقط.. ليته يتذكر قول الكتاب فى ذلك:

"من يظن أنه قائم، فلينظر أن لا يسقط" (1 كو 10: 12).

إن كنت قائماً، فلا تظن قيامك وضعاً دائماً لا يتغير. وتذكّر القديسين الذين سقطوا. وهكذا يتضع قلبك، وتحترس لنفسك.

+ + +.

إن الاتضاع يحفظك، لأن الرب قريب من المنسحقين بقلوبهم.

فالإنسان المتضع: إذ يعترف بضعفه، فإنه يخاف فيحترس ويدقق. وهكذا يبعد عن العثرات فلا يسقط. أما المتكبر فيعتز بقوته ولا يبالى، فتضربه الخطية من حيث لا يدرى.

+ + +.

إن الشيطان له خبرة آلاف السنين فى محاربة بنى البشر.

وقد يجدك محترساً من خطية معينة، فلا يحاربك بها. ولكنه يهاجمك من جهة أخرى ظننت نفسك فيها قوياً، ويسقطك..

وربما لا يحاربك إلى فترة طويلة، حتى تظن أنك قد ارتفعت فوق متسوى الحروب، وتستهين بالاحتراس. وحينئذ يرجع إليك وأنت غير مستعد فى ارتفاع قلبك هذا. وإذ تسقط، تتأكد أنك لست فوق السقوط!

+ + +.

لا تظن إذن أن السقوط هو فقط للمبتدئين!

وأنك لست من المبتدئين! بعد أن قطعت شوطاً فى الحياة الروحية.

فإنك عندما كنت متضعاً ومحترساً، كنت تصلى بحرارة طالباً من الله أن يهبك معونة لكى لا تسقط. أما الآن فأنت لا تصلى لأجل هذه المعونة، بل ربما تطلبها لأجل الآخرين فقط المعرضين وحدهم للسقوط، وليس أنت! وهكذا تبقى بلا معونة فتسقط...

+ + +.

تأمل ماراسحق فى عبارة "قبل السقطة تكون الكبرياء"، فقال:

على قدر ظهور العظمة فى النفس، على قدر ما تكون السقطة، ويكون الإنكسار المسموح به من الله. فإن الله لا يرفض الإنسان ويتخلى عنه، إلا إذا وجد عقله متفاوضاً مع أفكار العظمة.

فالذين يخرجون عن طريق الاتضاع، يتعرون من المعونات الإلهية ويسقطون.. فالمتعظم بالمعرفة يُهمل فيسقط فى التجديف. والمتبجح بالنسك يُهمل فيسقط فى الزنا. والمترفع بحكمته يُهمل، فيسقط فى فخاخ الجهل المظلمة.

+ + +.

إن داوم الإنسان على الكبرياء، حينئذ يبتعد عنه الملاك المعتنى به، الذى إذا ما كان قريباً منه، حركّ فيه الاهتمام بالبر. ولكن بابتعاده عنه، يقترب منه المحتال، ولا يدعه يدرك شيئاً من عمل البر.

+ + +.

حقاً، أليس ارتفاع القلب هو سبب سقطة الشيطان...

يقول له سفر حزقيال "قد ارتفع قلبك" (حز 28: 1). "ارتفع قلبك لبهجتك. أفسدت حكمتك لأجل بهائك" (حز 28: 17).

ويقول عنه سفر اشعياء "أنت قلت فى قلبك: إصعد إلى السموات. أرفع كرسى فوق كواكب الله.. أصعد فوق مرتفعات السماء. أصير مثل العلىّ. لكنك أنحدرت إلى الهاوية، إلى أسافل الجب" (أش 14: 13 - 15).

لم يقنع بما كان له من مجد، فاشتهى مجداً أكبر. ففقد ما كان له. وهكذا الإنسان الأول: اشتهى مجد الألوهية، ففقد مجد بشريته!

+ + +.

العجيب أن غالبية المتكبرين يدّعون أنهم غير متكبرين.

وهذا بلا شك من كبريائهم، إذ أنهم على الدوام يبررون ذاوتهم. وبهذا يقعون على خطية أخرى هى تبرير الذات.

المتكبر يبرر ذاته:

باستمرار يدافع عن نفسه. لا يحب مطلقاً أن يبدو فى صورة الخاطئ. هو دائماً "بار فى عينى نفسه". ويريد أيضاً أن يكون باراً فى أعين الناس. وإن نبهه أحد إلى خطأ واضح، ربما يحاول أن يغطيه بالكذب أو بالأعذار، بعيداً عن الاعتراف والتوبة.

ابونا آدم لم يعترف بخطيئته، بل حاول أن يبرر ذاته. وهكذا فعلت أيضاً أمنا حواء (تك3). ونحن ورثنا عنهما تبرير الذات.

+ + +.

الخاطئ يضيف إلى خطيئته التى يبررها، خطيئة التبرير.

وما أكثر الحيل التى يلجأ إليها المتكبر فى تبرير ذاته: منها إلقاء التبعة على غيره، أو على الظروف المحيطة. ومنها الإنكار، أو وإدعاء القصد السليم، أو أن الناس لم يفهموه على حقيقته. وغير ذلك من الأسباب التى تخرج جميعها عن النطاق الروحى..!

+ + +.

وما أصعب كلمة "أخطأت" على المتكبر.. إنها تجرحه...

وقد يقولها أحياناً إن كانت تجلب له مديحاً! أو إن كانت صورة الاتضاع الزائف ترضى كبرياءه.. ولكنه فى داخله لا يشعر إطلاقاً بأنه قد أخطأ. تخرج الكلمة من فمه وليس من قلبه. وقد يقول كلمة "أخطأت" – إن قالها – بلون من السياسة، وليس بروح الاتضاع...

+ + +.

المتكبرون لا يعترفون، وإنما يدينون غيرهم، ليستروا أنفسهم.

لابد أن يكون غيرهم هو المخطئ، إذ ليس من المعقول أن يكونوا هم المخطئين! كما لو كانوا معصومين فى كل تصرفاتهم!

لذلك فالمتكبر كثيرا الجدل والنقاش لتبرير ذاته.

التعامل معه ليس سهلاً. والتفاهم معه ليس سهلاً. والتفاهم عنده ليس معناه أن يفهم رأى غيره أو يقبله. إنما تفاهمه مع الغير، معناه أن يقبل هذا الغير رأيه ويقتنع به...

وإن لم يقتنع غيره برأيه، قد يثور ويغضب. ويعالج الموضوع بأعصابه، مادام لم يستطع معالجته بالرأى والفكر والإقناع.

+ + +.

لهذا فإن الغضب زميل للكبرياء، يلازمها كثيراً وتلازمه.

وفى كل ذلك يفقد المتكبر وداعته. بعكس الإنسان المتواضع، فإنه إنسان رقيق لطيف وديع، سهل التعامل مع الآخرين. لذلك فهو محبوب من الكل. ويخضع لهم بروح الحب فيكسبهم. وإن صادفته مشكلة يحلها بوداعة الحكمة (يع 3: 13).

أما المتكبر، فإنه لا يخطئ فقط من الناحية الروحية، بل من الناحية الإجتماعية أيضاً، إذ يفقد محبة الكثيرين بسبب كبريائه.

+ + +.

والمتكبر فى تبريره لذاته يبعد عن حياة التوبة.

لأنه كيف يمكن أن يتوب إنسان، إن كان باستمرار باراً فى عنيى نفسه؟! فهل يحتاج الأصحاء إلى طبيب؟! (مت 9: 12). أو كيف يستطيع هذا المتكبر أن يصلح أخطاءه، إن كان باستمرار يبررها؟! وكأنه بلا خطية!

أنت لا تترك خطأ من الأخطاء، ما لم تعترف أولاً بينك وبين نفسك أنه خطأ. أما إذا اعتقدت أنك على صواب، فسوف تبقى حيث أنت، لا تغير فى نفسك شيئاً..

+ + +.

إن مشكلة العزة بالنفس والكرامة والكبرياء الذاتية، هى التى تعوق الإنسان عن الاعتراف بأخطائه، حتى أمام أب اعترافه!

قد يعترف ببعض الخطايا التى لا يخجله ذكرها، ويخفى الباقى، أو يمر عليه مروراً عابراً، أو يشير إليه من بعيد، أو يقوله دمجاً، أو يقوله ويبرره.. وقد لا يعترف إطلاقاً، ويتحول اعترافه إلى شكوى ضد غيره. وكأنه أمام أب الإعتراف يعترف بخطايا غيره وليس بخطاياه هو!

+ + +.

وفى تبرير الإنسان لذاته، قد يسمى خطاياه بأسماء فضائل!

فقد يسمى ما يقع فيه من خبث ومكر ودهاء، بأنه لون من الحكمة! وقد يسمى تدليله الخاطئ لأطفاله بأنه حب وحنان، بينما يسمى قسوته بأنها حزم وتربية. ويسمى إدانته للآخرين وثورته الخاطئة على الأوضاع، بأنها غيرة مقدسة ورغبة فى الإصلاح.. وهكذا مع باقى التصرفات...

+ + +.

على أن أخطر ما فى تبرير الذات وما فى المكابرة، أن يبدأ المتكبر المخطئ فى أن يفلسف أخطاءه ويبررها فكرياً ليقنع الناس بها!

هنا يوجد جواً من البلبلة الفكرية، حتى يحار البعض أين هو الحق؟! إن تبرير الذات فى تصرفاتها هو تبرير سلوكى يتعلق بالشخص نفسه وحده. أما تبريرها فكرياً، فهو يتعلق بالقيم والمبادئ، ويأخذ إتجاهاً عاماً.. لذلك فإن التبرير الفكرى للأخطاء له خطورة كبيرة. فإن الحق ليس هو الهدف فيه، وإنما الذات. ويندفع الشخص فيه متأثراً بعوامل نفسية.

+ + +.

المتكبر – فى تبريره لذاته – كل ما يهمه هو رأى الناس فيه، ولا يهمه مصير هذه الذات فى الأبدية، مركزاً على توقير الناس لها!

فهو يدافع عن نفسه، ويدافع عن أفكاره وتصرفاته. ويشرح، وقد يعثر الغير فى شرحه. وهو لا يهتم بشئ من ذلك. إنما المهم عنده هو أن تخرج ذاته بريئة سليمة بعيدة عن اللوم.

وقد يؤدى تبريره لذاته ودفاعه عنها، إلى اتهام الغير أو تجريحه ولا بأس لديه من ذلك، مادام ذاته هو تصل إلى تبرير يرضيها.

+ + +.

وفى تبرير الذات فى أخطائها الفكرية، وقع البعض فى البدعة أو فى الهرطقة وأصروا على ذلك، إذ منعتهم كبرياؤهم من الاعتراف بالخطأ.

وفى تبرير أخطاء الذات، يفقد ضمير المتكبر كل سلطان عليه، ويتولى قيادته روح الكبرياء وعزة النفس.

+ + +.

والعجيب أن الذين يبررون ذواتهم، قد يصلون طالبين مغفرة خطاياهم. وهم فى داخل أنفسهم لا يرون أنهم خطاة فى شئ!!

فى الحقيقى أن تبرير الذات لا يفيدها، إنما تفيدها التوبة.

لأن التوبة تنقى الذات، بينما التبرير يعمل على تغطية الذات مع بقائها فى أخطائها.. والتوبة تعنى كشف الذات ومعرفة أخطائها، وتبكيتها على هذه الأخطاء. ولكن المتكبر – للأسف الشديد، ترفض ذاته أن تنكشف وأن تعترف بالخطأ. فيبقى بعيداً عن التوبة.

إن الذى يظن فى نفسه أنه شئ، يكبر فى عينى نفسه، ويريد أن يكبر فى أعين الناس. وربما يكبر فى علاقته مع الله، ويقع بذلك فى التجديف! كما حدث مع الشيطان وكثير من الملحدين.

العجرفة:

هناك ثلاثة أنواع من العجرفة تصيب المتكبرين...

وهذه هى العجرفة. ويقسمها البعض إلى ثلاثة أنواع:

عجرفة علمانية، وعجرفة رهبانية، وعجرفة فى العقيدة واللاهوتيات.

* العجرفة العلمانية هى أن ينتفخ الإنسان من الداخل. وتظهر الكبرياء فى نظراته، وفى مشيته وجلوسه، وفى مظهره الخارجى، وفى أسلوب كلامه.. يمشي فى خيلاء وعظمة، ويتخذ مظهراً ارستقراطياً فى كل تعاملاته...

* أما العجرفة الرهبانية، فتظهر فى الافتخار بالصمت والوحدة، ولبس الخيش. كل ذلك من الخارج، دون التدرب فى الداخل على نقاوة القلب والفكر وممارسة ثمر الروح (غل 5: 23، 22). ومثل هذا الراهب يتعالى على زملائه الرهبان، ويحتقر وينتقد الذين ليسوا فى نسكه ووحده.

+ + +.

* أما العجرفة فى مجال العقيدة واللاهوتيات، فتظهر فى الدين يسعون إلى التكلم بألسنة، يقولون إنها علامة الملء بالروح.. ويتحدثون عن اختباراتهم علناً ومن فوق المنابر. ويدّعون منح الروح القدس بوضع أيديهم على الناس. ويقولون إن الشيطان تحت أقدامهم، يدوسونه بأرجلهم..!

* وقد يدعى بعضهم المعرفة اللاهوتية، وأنه يأتى فيها بجديد لم يدركه غيره، فيقع بذلك فى البدعة والهرطقة..!

العجيب أن كثيراً من الذين تكبروا، أو غالبية الذين تكبروا، كانوا من الذين قد أحسن الله إليهم، أو وهبهم إحدى المواهب.

إنسان يمنحه الله ذكاءً، أو لوناً من الفن، فينتفخ بسبب ذكائه أو فنه. وآخر يمنحه الله طاقة أو قدرة على العمل، فتكبُر ذاته بسبب قدرته. وثالث يمنحه الله غنى، فينتفخ بسبب غناه، أو يسمح الله لإنسان أن يتولى منصباً عالياً أو وظيفة مرموقة، فيرتفع قلبه بسبب مركزه أو وظيفته.. وإذا به ينظر إلى الناس من فوق، أو يتجاهل أصدقاءه القدامى.

+ + +.

أمثال هؤلاء لم يحتملوا كرامة المركز والغنى، ولا كرامة الذكاء والطاقة. وكما قال القديس أنطونيوس الكبير فى ذلك:

هناك من يستطيعون أن يحتملوا الإهانة، ولا يحتملون الكرامة. لأن إحتمال الكرامة أصعب من إحتمال الإهانة.

لأن كثيرين ممن نالوا كرامة، انتفخوا وارتفع قلبهم من الداخل، وفقدوا الاتضاع والوداعة. ومثلهم أيضاً من نالوا مواهب عقلية أو فنية، أو حتى مواهب روحية، دفعهم ذلك إلى الكبرياء أو على الأقل إلى الإعجاب بالنفس! حتى تلاميذ المسيح أنفسهم أدركهم الإعجاب بالنفس، لما خضعت لهم الشياطين بالموهبة التى منحها الرب أياها. وقالوا له وهم فرحون "يارب، حتى الشياطين تخضع لنا بأسمك". فقال لهم "لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم. بل افرحوا أن أسماءكم قد كُتبت فى السموات" (لو 10: 20، 17).

+ + +.

لأجل هذا قال أحد الأباء:

"إذا منحك الله موهبة، اطلب منه أن يهبك تواضعاً ليحميها. وإلا فليأخذها منك".

وذلك حتى لا يرتفع قلبك بسبب الموهبة، فتسقط...

حقا إن المتواضعين فقط هم الذين يأتمنهم الرب على مواهبه. كما قيل فى الكتاب "أما المتواضعون فيعطيهم نعمة" (يع 4: 6) (أم 3: 34).

+ + +.

لهذا اختار الرب أكثر العذراوات اتضاعاً لكى يتجسد منها. وتستطيع بتواضعها أن تحتمل هذه الكرامة العظيمة.

هذه التى قالت لها القديسة اليصابات "من أين لى هذا، أن تأتى أم ربى إلىّ" (لو 1: 43). ومع أنها أم الرب، إلا أنها قالت للملاك المبشر لها "هوذا أنا أمة الرب. ليكن لى كقولك" (لو 1: 38). حقاً إن القدير "نظر إلى اتضاع أمته" (لو 1: 48).

وهكذا باتضاعها احتملت حلول الروح عليها وعمله فيها، واحتملت أن تحوى جمراللاهوت داخلها "واحتملت الرؤى وظهور الملائكة وكل المعجزات التى صاحبت ميلاد الرب منها. ولم تتحدث كثيراً عن كل تلك الأمجاد. بل قيل عنها إنها كانت" تحفظ جميع هذه الأمور فى قلبها "(لو 2: 51).

+ + +.

وهكذا تلاميذ الرب، إختارهم من بين فئات متواضعة:

فقيل "إختار الله جهال العالم ليخزى الحكماء. واختار الله ضعفاء العالم ليخزى الأقوياء. واختار الله أدنياء العالم المزدرى وغير الموجود، ليبطل الموجود. لكى لا يفتخر كل ذى جسد أمامه" (1 كو 1: 27 - 29).

واختار موسى "الأغلف الشفتين" (خر 6: 30)، العارف بضعفه، الذى قال للرب – حينما دعاه – "لست أنا صاحب كلام، منذ أمس ولا أول من أمس، ولا من حين كلمت عبدك. بل أنا ثقيل الفم واللسان" (خر 4: 10). هذا العاجز عن الكلام، دعاه لكى يكون كليم الله، وصاحب المعجزات!

التجارب والمواهب:

الذين منحهم الرب مواهب، سمح لهم بالتجارب لتحميهم من الكبرياء.

* لنأخذ بولس الرسول كمثال:

كان صاحب رؤى كثيرة. رأى الرب حينما عاتبه الرب ودعاه وهو فى طريق دمشق (أع9). وظهر له الرب أيضاً فى كورنثوس فى رؤيا بالليل وقال له "لاتخف، بل تكلم ولا تسكت. لأنى أنا معك، ولا يقع بك أحد ليؤذيك. لأن لى شعباً كثيراً فى هذه المدينة" (أع 18: 10، 9). وظهر له فى الهيكل فى أورشليم، وقال له "اذهب، فإنى سأرسلك بعيداً إلى الأمم" (أع 22: 21، 17). وظهر له الرب مرة أخرى وقال له "ثق يا بولس، لأنك كما شهدت بما لى فى أورشليم، هكذا ينبغى أن تشهد فى رومية أيضاً" (اع 23: 11).

بولس هذا الذى تعب فى الخدمة أكثر من جميع الرسل (1 كو 15: 10)، والذى كان يتكلم بألسنة أكثر من الجميع (1 كو 14: 18)، والذى كان رجل استعلانات، يقول أخيراً، هذا الذى ختطف إلى السماء الثالثة (2 كو 12: 2): "ولئلا ارتفع بفرط الإستعلانات، أُعطيت شوكة فى الجسد، ملاك الشيطان ليلطمنى لئلا ارتفع.." (2 كو 12: 7).

+ + +.

سمح الله للشيطان أن يضرب بولس بشوكة فى الجسد، لئلا يرتفع.

واستمرت هذه الشوكة معه فى جسده، تُشعره بضعفه، حتى لا يرتفع قلبه من فرط ما وصل إليه من مجد روحى. على الرغم من أنه تضرع إلى الله ثلاث مرات ليشفيه. ولكن الرب قال له "تكفيك نعمتى" (2 كو 12: 9، 8). لأن قوة الله تظهر كاملة فى ضعف هذا الرسول...

+ + +.

* مثال آخر، هو داود النبى:

داود صاحب المزمار والقيثار والعود، الذى له مواهب فى الشعر وفى الموسيقى. وهو رجل حرب "جبار بأس" (1 صم 16: 18). وهو الذى هزم جليات (1 صم17). وقبل ذلك قتل الدب والأسد فى شجاعة، ولم يخف منهما (1صم 17: 36، 35). داود هذا، بما له من موهبة النبوة. وقد صار مسيحاً للرب، بعد أن مسحه صموئيل النبى، وحل عليه روح الرب (1 صم 16: 13).

داود هذا بكل مواهبه، سمح الله أن يقوم ضده شاول الملك بكل عنف، ويذل حياته.

ويطارده من برية إلى برية، ويدبر المؤامرات لقتله.. وعاش ذليلاً أمام شاول، حتى قال عن نفسه إنه برغوث وكلب ميت (1 صم 24: 14).

+ + +.

بل سمح الله أن يسقط داود ويخطئ. فكانت سقطته هذه سبب ذلّ لنفسه من الداخل، وحياة غارقة فى البكاء والدموع، حتى قال "تعبت فى تنهدى. فى كل ليلة أعوّم سريرى. بدموعى أبل فراشى" (مز 6: 6). وقال للرب:

+ + +.

"خير لى يارب أنك أذللتنى، لكى أتعلم فرائضك" (مز 119: 71).

نعم، كان خيراً له ذل الذلّ الذى عاش فيه، الذى يقيم توازناً فى داخله مع مجد النبوة، ورفاهية الملك، وموسيقى الناي والعود..!

إنه درس روحى عميق، نتعلمه من هذا المزمور أن الله قد يسمح بالذلّ لأحد أبنائه من الأنبياء، لأن ذلك خيراً له، لكى يتضع قلبه، ولا تحوله الأمجاد المحيطة به إلى الكبرياء.

+ + +.

* مثال ثالث هو أيوب الصديق.

سمح له الرب بذلّ من نوع الآخر، فيه الفقر والمرض وتحقير أصدقائه له.. هذا الذى شهد له الله مرتين إنه كامل ومستقيم (أى 1: 8) (أى 2: 3). وأنه "ليس مثله فى الأرض، يتقى الله ويحيد عن الشر".

وإلى جوار بره، كانت تحيط به العظمة من كل جانب: كان "أعظم كل بنى المشرق" (أى 1: 3). وكان محترماً جداً من الناس. "رآه الغلمان فأختبأوا، والشيوخ قاموا ووقفوا" "الأذن سمعت فطوبته، والعين رأت فشهدت له" (أى 29: 11، 8). "أنقذ المسكين والمستغيث واليتيم ولا معين له" "كان أباً للفقراء، وعيوناُ للعمى، وأرجلاً للعرج" (أى 29: 12 - 16).

+ + +.

ولهذا كله سمح الله بتجربة لأيوب. كانت شديدة. ولكنها كانت لازمة له لتنقذه، حتى لا يكون باراً فى عينى نفسه "(أى 32: 1).

إن الله يهمه جداً سلامة أولاده من الكبرياء المهلكة للنفس، لذلك فهو بالتجارب والضيقات، أو بالآلام والأمراض، يحمى نفوسهم حتى لا يضرهم المجد المحيط بهم، أو شعورهم بحياة البر التى يحيونها.

+ + +.

* مثال رابع هو يعقوب أب الآباء:

هذا الذى أحبه الله قبل أن يولد (رو 9: 11 - 13). والذى قيل له فى بركته "كن سيداً لأخوتك، وليسجد لك بنو أمك" "ليُستعبد لك شعوب، وتسجد لك قبائل" (تك 27: 29). يعقوب هذا الذى ظهر له الله فى أعلى سلم منصوبة بين السماء والأرض والملائكة صاعدة ونازلة عليها. وباركه الله وقال له: "ها أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب.." (تك 28: 12 - 15).

يعقوب هذا الذى "جاهد مع الله والناس وقدر" (تك 32: 28)، ومنحه الله البركة، ومنحه اسماً جديداً. وقد نظر الله وجهاً لوجه (تك 32: 30)...

يعقوب هذا – لكى يشعر بضعفه فلا يتكبر – "ضربه الله على حق فخذه"، وخرج من مصارعته مع الله "وهو يخمع على فخذه" (تك 32: 30).

+ + +.

ولعلك تسأل: لماذا يارب تضرب يعقوب على فخذه، فيعيش كمعوق كل أيام حياته؟ وتكون الأجابة: لأن ذلك نافع له، وأفضل من أن تضربه الكبرياء فيهلك..

ونفس الوضع بالنسبة إلى بولس الرسول: أعطى شوكة فى الجسد، "لكى لا يرتفع من فرط الإعلانات". وكذلك أيوب الصديق: ضُرب بقرح ردئ من باطن قدمه إلى هامته "لكى لا يكون باراً فى عينى نفسه"...

إن الله يهمه بالدرجة الأولى مصير أبنائه فى الأبدية. فإن كانت الضربات التى تصيبهم على الأرض نافعة لأبديتهم، إذ توصلهم إلى انسحاق القلب، فلا مانع منها. وفى هذا يقول القديس بولس الرسول:

"لذلك أسر بالضعفات والشتائم والضرورات والإضطهادات والضيقات لأجل المسيح لأنى حينما أنا ضعيف، فحينئذ أنا قوى" (2 كو 12: 10).

الضعفات والضيقات تمنع الكبرياء، وتوصل إلى تواضع القلب. وأيضاً فى هذه الضيقات – إذ يشعر الإنسان بضعفه – يلجأ إلى الله فيأخذ منه قوة. ولهذا قال القديس بولس الرسول:

"أفتخر بالحرى فى ضعفاتى، لكى تحل علىّ قوة المسيح" (2 كو 12: 9).



الباب الخامس : المجَد الباطل ومحبة المديح والكرامة

الباب الثالث : العظمَة والكبرياء

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات