تلاميذ الحمل – الباب الثاني – الأرشيدياكون نجيب جرجس

لمحات تاريخية عن حياة الاثنى عشر

الفصل الأول

القديس بطرس الرسول

(1) تعريف القديس

يحلو لنا أن نتعرف على شخصية هذا الرسول الكريم: هو سمعان بن يونا وأخو أندراوس. وسمعان علم عبرانى معناه “مستمع” كما أن يونا معناه (يهوه يعطى) وأندراوس معناه (ذو مروءة), وسمعان هذا أول من دعى ليتبع السيد المسيح. ولذا قيل عنه أنه (الأول) أى الأول فى العدد من جهة, وبالنسبة لدعوته المبكرة من جهة أخرى.

(2) نشأته

ولد هذا القديس فى سنة 12ق.م فى بلدة بيت صيدا. وهناك مدينتان بهذا الاسم أولهما على الشاطئ الشرقى لنهر الأردن قريبة من برية بيت صيدا وقد أشبع فيها المسيح الخمسة الآلاف بخمسة أرغفة والسمكتين (مت14: 15), والثانية هى بيت صيدا الجليل مدينة القديسين بطرس وأندراوس وفيلبس وذكرت فى (يو1: 44), وبيت صيدا معناها (بيت الصيد) نسبة لكثرة صيد السمك هناك.

(3) دعوته للخدمة

قبيل الدعوة الكريمة نقرأ أن السيد المسيح دخل إلى بيت سمعان, وكانت حماته بحمى شديدة ولما سألوه من أجلها تقدم نحوها وزجر الحمى فتركتها وفى الحال قامت تخدمهم (لو4: 38-59), ولعل هذه الحادثة كانت باكورة الصلة السامية بين السيد المسيح وتلميذه. وقد كانت أسرة سمعان تسكن فى كفر ناحوم (مت8, لو4).

(2) نقرأ بعد ذلك أن أندراوس أخا سمعان إذ كان تلميذاً ليوحنا المعمدان وسمع معلمه يشهد عن السيد المسيح, قال لأخيه سمعان: (قد وجدنا المسيا) الذى هو المسيح وذهب كلاهما إليه فرحب بهما وقال لسمعان “أنت سمعان بن يونا أنت تدعى صفا الذى تفسيره بطرس” (يو1: 35-40).

و(صفا) أو (كيفا), كلمة أرامية, نقلت إلى اليونانية (كيفاس), ويقابلها باللغة اليونانية (بطرس), وكلها تعنى الصخرة أو الحجر, ولقد دعا الرب يسوع سمعان بهذا الاسم نسبة لعلمه الإلهى بصلابة إيمانه وبساطة ثقته فى شخص المسيح المبارك وبثقته أنه المسيح ابن الله الحى (مت16: 7)، ليس لأنه الصخرة (بالتعريف) لأن المسيح نفسه صخرتنا (1كو10: 24), وهو حجر الزاوية (أف2: 20).

وإنما لأن الإيمان بالمسيح كابن الله الحى هو الأساس المتين الذى تقوم عليه المسيحية, ولذلك فكما اعتبر إيمان بطرس صخرة وأساساً اعتبر هكذا أيضاً إيمان جميع أنبياء العلى ورسل الفادى كما يقول الكتاب “مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية” (أف2: 20), وقد اعتبر جميع الرسل أسسا فى كنيسة العلى فى سفر الرؤيا حيث يقول “وسور المدينة كان له اثنا عشر أساساً وعليها أسماء رسل الخروف الاثنى عشر” (رؤ21: 14), كما اعتبر أيضاً جميع المؤمنين بالروح والحق (حجارة حية).

(3) حدث بعد ذلك أن السيد المسيح كان يعظ الجموع عند بحيرة جنيسارت وتسمى أيضاً بحيرة طبرية, أو بحر الجليل, وكانت الجموع تتزاحم عليه, فرأى سفينتين عند الشاطئ, والصيادون قد خرجوا منها وغسلوا الشباك فدخل يسوع إحداهما وكانت لسمعان, وشرع يعلم الجموع. وبعد أن انتهى من خطابه قال لسمعان أن يبعد إلى العمق ويلقى الشبكة للصيد. ولكن بطرس قال كلمته المشهورة “يا معلم قد تعبنا الليل كله ولم نأخذ شيئاً ولكن على كلمتك ألقى الشبكة” ولما ألقوا شبكتهم أمسكوا سمكاً كثيراً حتى صارت الشبكة تتمزق, وساعدهم رفقاؤهم فملأوا السفينتين بالسمك. أخذت سمعان دهشة وخوف مقدسان بسبب صيد السمك الكثير, ولم يسعه إلا أن خر عند ركبتى المخلص قائلاً: “يارب اخرج من سفينتى لأنى رجل خاطئ”, ولكن المسيح طمأنه وقال له: “لا تخف من الآن تكون تصطاد الناس فتركوا كل شئ وتبعوه”.

(4) ويروى كل من القديس متى والقديس مرقس هذا الخبر بالإيجاز فيقولان إن يسوع كان مجتازاً ببحيرة الجليل فرأى سمعان وأندراوس يلقيان شباكهما للصيد فدعاهما: هلم ورائى فأجعلكما صيادين للناس, فتركا كل شئ وتبعاه, ومن ذلك الوقت صارا له تلميذين. كما أنه أيضاً دعا يعقوب ويوحنا (مت4: 18-22, مر1: 16-20).

(4) بعض مواقف للقديس قبل صلب السيد المسيح

(1) فى عرس قانا الجليل: يرجح معظم المفسرين أن القديس بطرس رأى أولى معجزات السيد المسيح فى عرس قانا الجليل حيث كان المخلص حاضراً مع تلاميذه وحوَّل الماء إلى خمر ليؤمنوا به (يو2).

(2) انتشال بطرس من الغرق: بعد أن أشبع السيد الجموع من الخمسة الأرغفة والسمكتين نزل تلاميذه إلى البحر وحدهم متجهين شطر كفر ناحوم وأقبل الظلام وهاج البحر عليهم وكادوا يتعرضون للخطر. ولما كانوا قد قطعوا نحو خمس وعشرين أو ثلاثين غلوة إذ بهم يرون يسوع آتياً وماشياً على الماء فظنوه خيالاً وصرخوا من الفزع, ولكنه طمأنهم: “أنا هو لا تخافوا”. فانبرى بطرس قائلاً: “إن كنت أنت هو فمرنى أن آتى وأمشى على الماء”, فقال له المخلص أن يأتى. فنزل الرسول ومشى على الماء ولكنه إذ رأى الريح والأمواج خاف وابتدأ يغرق, وعمل فيه عامل الخوف والرهبة والإيمان وتصاغر أمام عظمة معلمه. وصرخ قائلاً: “يارب نجنى”, فمد يسوع يده وانتشله وقال له: “يا قليل الإيمان لماذا شككت؟”, وصعد كلاهما إلى السفينة فسكتت الريح, وسجد له الجميع قائلين: بالحقيقة أنت ابن الله, وأخذتهم السفينة فى الحال إلى الشاطئ (مت14: 22-33).

(3) فى الحديث عن سر الشكر: تحدث يسوع عن نفسه إلى الجموع بقوله: “أنا هو خبز الحياة  أنا هو الخبز الحى …. والخبز الذى أنا أعطى هو جسدى الذى أبذله من أجل حياة العالم” ثم أضاف قائلاً “الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم. من يأكل جسدى ويشرب دمى فله حياة أبدية وأنا أقيمه فى اليوم الأخير لأن جسدى مأكل حق ودمى مشرب حق..”, فتذمر اليهود لما سمعوا هذا الكلام, وكثيرون ممن تبعوه قالوا “هذا الكلام صعب من يقدر أن يسمعه؟”, وإذ رجع الكثيرون من ورائه نظر يسوع إلى الاثنى عشر وقال لهم: “ألعلكم تريدون أنتم أيضاً أن تمضوا؟” ولكن سمعان بطرس أجاب قائلاً: “يارب إلى من نذهب ؟ كلام الحياة الأبدية عندك. ونحن قد آمنا وعرفنا أنك أنت المسيح ابن الله الحى”، وكان هذا موقفاً مشرفاً جميلاً أعلن فيه سمعان إيمان زملائه وتمسكهم بمعلمهم حتى قال السيد معلقاً على كلامه : “أليس أنى أنا اخترتكم الاثنى عشر وواحد منكم شيطان؟” وكان يشير بذلك إلى يهوذا الاسخريوطى مسلمه (يو6: 32-71).

(4) بطرس يشهد للاهوت المسيح: كان يسوع مع تلاميذه فى نواحى قيصرية فيلبس حيث سأل تلاميذه: “من يقول الناس عنى أنا ابن الإنسان؟” فقالوا: “قوم يقولون يوحنا المعمدان وآخرون إيليا وآخرون إرميا أو واحد من الأنبياء”. قال لهم “وأنتم من تقولون إنى أنا؟” فأجاب بطرس التلميذ الصريح: “أنت هو المسيح ابن الله الحى”, فطوبه يسوع بقوله: “طوبى لك يا سمعان بن يونا إن لحماً ودماً لم يعلن لك ولكن أبى الذى فى السموات وأنا أقول لك أيضاً أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبنى كنيستى وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً فى السموات وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً فى السموات” (مت16: 12-19).

ولقد أوضح السيد المسيح بحديثه إلى بطرس عدة أمور منها:

أولاً : تطويب الإيمان : طوبى لك يا سمعان بن يونا.

ثانياً : سمو الإيمان بلاهوت المسيح: إنه ليس من إنسان, لأنه لم يعلن له من أحد من البشر بل الله الآب, هو الذى أعلنه له ولأنه “ليس أحد يقدر أن يقول إن يسوع رب إلا بالروح القدس” (1كو12: 3).

ثالثاً : قوة الإيمان : إنه الصخر الوطيد, الذى تبنى عليه الكنيسة. فلا تستطيع قوات الجحيم أن تتغلب عليها, فعلى إيمان الرسل, وعلى إيمان الأنبياء والقديسين قامت الكنيسة, وقام البناء ثابتاً وطيداً.

رابعاً: جلال السلطان: لقد أُعطى بطرس وزملاؤه وخلفاؤهم مفاتيح ملكوت السموات, وسلطان الحل والربط ولقد قال لهم له المجد بعد قيامته “اقبلوا الروح القدس من غفرتم خطاياه تغفر له. ومن أمسكتم خطاياه أمسكت” (يو20: 22, 23). هذا السلطان المقدس هو سلاح التلاميذ ودستور خلفائهم على مر الدهور والأزمان.

(5) غيرة جامحة: ومن العجيب أن بطرس الذى دفعته غيرته لأن يقر هذا الإقرار الخالد بألوهية المسيح, جعلته غيرته أيضاً ينحرف انحرافاً شديداً جعله فى صفوف الخاطئين: أخذ يسوع يُظهر أمام تلاميذه بأنه ينبغى أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفى اليوم الثالث يقوم – فأخذه بطرس إليه على انفراد وابتدأ ينتهره قائلاً: “حاشاك يارب. لا يكون لك هذا. فالتفت الرب وقال له: اذهب عنى يا شيطان. أنت معثرة لى لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس” (مت16: 21-23).

يا للعجب لم يمض بين إقرار بطرس الذى استحق لأجله التطويب وبين خطأه الذى استوجب من أجله التوبيخ والتأنيب إلا فترة قصيرة من الزمن. عبارة نطق بها فرفعته إلى أعلى الطبقات، أخرى نطق بها فجعلته يهوى إلى أدنى الدركات يا للسان كم يكون حبيباً يرفع أصحابه وكم يكون عدواً يخفضهم ويضعهم. كانت غيرة, ولكنها غير مهذبة ولا مرتبة، غيرة مبنية على المحبة الذاتية, والفكر العالمى, لا على مجد الله, وخلاص النفوس… وكم من مرة يكون الأصدقاء عثرة لأصدقائهم, والمشورات التى يقدمها أعز المخلصين لأصحابهم سبباً فى سقوطهم وهلاكهم.

(6) حديث عن الضرائب : فى كفر ناحوم, حيث كانت تسكن أسرة بطرس، وحيث كان معروفاً من الناس, تقدم جماعة الذين يجمعون الدرهمين إلى بطرس وسألوه: أما يوفى معلمكم الدرهمين؟ فأجابهم: بلى. كان جمع هذين الدرهمين بهذه الطريقة أمراً غير مشروع: صحيح أن سفر الخروج حتم أن يدفع كل إنسان عن نفسه درهمين (خر30: 3). كانت هذه تسمى فدية كما تدعى أيضاً جزية الرأس أى الفرد وكانت تدفع مرة واحدة عن كل شخص من بنى إسرائيل من ابن عشرين سنة فما فوق. ولكنها فيما بعد أصبحت تُجبَى فى كل سنة وقد أوضح يوسيفوس المؤرخ أنها كانت تجمع سنوياً أثناء وجود بنى إسرائيل فى السبى, وترسل إلى أورشليم للإنفاق منها على احتياجات الهيكل. وأخذت تُجمع بصيغة عالمية لا بالصيغة الدينية الأولى, حتى أنها أصبحت تجمع للملوك, وبذلك أصبحت جزية لا فدية. لم يجرؤ الجباة أن يسألوا المسيح مباشرة فسألوا بطرس ولما جاء المسيح, وعلم بقوة لاهوته ما جرى سأل بطرس : ماذا تظن يا سمعان ممن يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية أمن بنيهم أم من الأجانب؟ قال له بطرس: من الأجانب. قال له يسوع: فإذن البنون أحرار, ولكن لئلا نعثرهم اذهب إلى البحر وألق صنارة والسمكة التى تطلع أولاً خذها ومتى فتحت فاها تجد إستاراً فخذه وأعطهم عنى وعنك (مت17: 24-27). والإستار قطعة نقود قيمتها شاقل أو أربعة دراهم. والرب يعلمنا بذلك أن نخضع للنظم القائمة ولا نكون عثرة فى شئ للآخرين.

(7) ماذا يكون لنا؟ ويعود بطرس فيبين مدى تعلقه بمعلمه ويطلب منه أن يوضح له ولرفقائه المكافأة التى يستحقونها. وتفصيل ذلك أن المسيح كان يحدثهم عن صعوبة دخول المتكلين على أموالهم إلى ملكوت السموات بعد أن أخفق الشاب الغنى فى أن يعمل بنصيحة المسيح التى أوصاه أن يبيع أمواله ويتبعه. فابتدأ بطرس يقول: “ها نحن قد تركنا كل شئ وتبعناك فماذا يكون لنا؟” فقال لهم يسوع “الحق أقول لكم إنكم أنتم الذين تبعتمونى فى التجديد متى جلس ابن الإنسان على كرسى مجده تجلسون أنتم أيضاً على اثنى عشر كرسياً تدينون أسباط إسرائيل الاثنى عشر. وكل من ترك بيوتاً أو إخوة أو أخوات أو أباً أو أماً أو امرأة أو أولاداً أو حقولاً من أجل اسمى يأخذ مائة ضعف ويرث الحياة الأبدية. ولكن كثيرون أولون يكونون آخرين وآخرون أولين” (مت19: 28: 30). إن الرب يوضح بهذا الحديث المكانة السامية والأجر العظيم اللذين يؤهل لها تابعوه والعاملون معه والذين يضحون فى سبيله بأمور هذا العالم حقاً إنهم يتركون القليل فيأخذون الكثير, ويضَّحون بالزائلات فيكافأون بالسماويات.

(8) على جبل التجلى : وأخذ الرب معه على الجبل بطرس ويعقوب ويوحنا, ولما تجلى أمامهم وظهر معه موسى وإيليا أخذت بطرس دهشة مقدسة فجعل يقول: “يا سيد جيد أن نكون ههنا فلنصنع ثلاث مظال لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة” فكانت سحابة تظللهم وسمع التلاميذ من السحابة صوتاً يقول “هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت له اسمعوا” (مر9). لقد بهر سمعان ورفقاؤه بالمجد السماوى الذى أبرق أمامهم فخطف أبصارهم, وعزى قلوبهم. فنسوا أنهم على الجبل فقال بطرس “جيد يارب أن نكون ههنا”. إن الذين يتذوقون حلاوة الفادى, وجمال الشركة معه ينسون كل شئ من مظاهر الدنيا ولا يفكرون إلا فى الوجود الدائم فى هذه الشركة المقدسة.

(9) سؤالان:

1 – ويسأل بطرس سيده مرة: “يارب كم مرة يخطئ إلىَّ أخى وأنا أغفر له. هل إلى سبع مرات؟” فأجابه الرب “لا أقول لك إلى سبع مرات بل إلى سبعين مرة سبع مرات” (مت18: 21, 22).

(2) ضرب السيد المسيح هذا المثل لتلاميذه: “وأنتم مثل أناس ينتظرون سيدهم متى يرجع من العرس حتى إذا جاء وقرع يفتحون له للوقت. طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين. الحق أقول لكم إنه يتمنطق ويتكئهم ويتقدم ويخدمهم. وإن أتى فى الهزيع الثانى أو أتى فى الهزيع الثالث ووجدهم هكذا فطوبى لأولئك العبيد. إنما اعلموا هذا أنه لو عرف رب البيت فى أية ساعة يأتى السارق لسهر ولم يدع بيته ينقب. فكونوا أنتم إذاً مستعدين لأنه فى ساعة لا تظنون يأتى ابن الإنسان” وهنا يسأل بطرس معلمه الصالح: “يارب ألنا تقول هذا المثل أم للجميع أيضاً؟ فقال الرب فمن هو الوكيل الأمين الحكيم الذى يقيمه سيده على عبيده ليعطيهم طعامهم فى حينه طوبى لذلك العبد الذى إذا جاء سيده يجده يفعل هكذا…” (لو12: 41-43), وهو تبارك اسمه يُعلِّم المؤمنين به على مر الأجيال أن يكونوا أمناء فى عملهم, ويعيشوا ساهرين حذرين, منتظرين مجىء سيدهم الذى يأتى ليدين المسكونة فى وقت لا يعرفه أحد وفى ساعة لا يعلمها إنسان, وحينئذ يكافئ عبيده الأمناء, ويفرحون معه فى المجد.

(10) أحداث يوم خميس العهد: كان ذلك اليوم حافلاً بالأحداث الرهيبة, وقد ظهرت شخصية سمعان بطرس فى كثير من الأحداث ويمكننا أن نتأمل فى المشاهد الآتية:

( أ ) إعداد الفصح : سأل التلاميذ معلمهم أين يريد أن يعدوا له الفصح, فأرسل اثنين منهم هما بطرس ويوحنا وأمرهما أن يدخلا مدينة أورشليم فيصادفهما إنسان يحمل جرة ماء فيقولان له: “المعلم يقول إن وقتى قريب عندك أصنع الفصح مع تلاميذى” ويسألانه عن المكان الذى يأكلون فيه الفصح فيريهما علية مفروشة فيعدا فيها الفصح ففعل التلميذان الوفيان كما أمرهما الرب, وجاء يسوع مع تلاميذه فى المساء إلى ذلك البيت الذى يؤكد الكثيرون أنه بيت القديس مرقس الرسول (مت26: 17-20, مر14: 12-17, لو22: 7-13).

(ب) مشاجرة فى غير موضعها: مما يؤسف أنه حتى فى هذا الظرف المتجهم وقعت مشاجرة بين تلاميذ الرب عمن فيهم يظن أن يكون الأعظم. وكان الرب قد جلس ليأكل الفصح مع تلاميذه, وقبل أن يأكله قال لتلاميذه “شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم لأنى أقول لكم إنى لا آكل منه بعد حتى يكمل فى ملكوت الله”.

ولعل التلاميذ قد تشاجروا فيما بينهم ليختاروا المجالس القريبة من المسيح على هذه المائدة, ولكن الرب إذ عرف أفكارهم بقوة لاهوته أخذ يعاتبهم ويوبخهم قائلاً: “ملوك الأرض يسودونهم, والمتسلطون عليهم يدعون محسنين. وأما أنتم فليس هكذا بل الكبير فيكم ليكن كالأصغر والمتقدم كالخادم. لأن من هو أكبر الذى يتكئ أم الذى يخدم. أليس الذى يتكئ ولكنى أنا بينكم كالذى يخدم” ثم سما الرب ميولهم إلى ما وعدهم به من مجد سمائى لا ينطق به فقال لهم: “أنتم الذين ثبتوا معى فى تجاربى وأنا أجعل لكم كما جعل لى أبى ملكوتاً, لتأكلوا وتشربوا على مائدتى فى ملكوتى وتجلسوا على كراسى تدينون أسباط إسرائيل الاثنى عشر” (لو22: 24-30).

( ج) الرب يقدم ذاته مثالاً عملياً, والرسول يعرف قدر نفسه: قدم الرب ذاته مثالاً لهم إذ قام عن العشاء وخلع ثيابه وأخذ منشفة واتزر بها, ثم صب ماءً فى مغسل وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة مع أن هذا العمل يقوم به العبيد, ولما جاء الرب إلى سمعان بطرس, عز على التلميذ الوفى أن يغسل معلمه رجليه, فقال له: “يا سيد أنت تغسل رجلى؟!” فأجابه السيد: “لست تعلم ما أنا أصنع ولكنك ستفهم فيما بعد”, عاد بطرس وقال مستحياً ومصمماً: “لن تغسل رجلىَّ أبداً”, ولكن المخلص قال له: “إن كنت لا أغسلك فليس لك معى نصيب, فانزعج سمعان لهذا التصريح الإلهى وقال بلغة الخضوع والحب: “ياسيد ليس رجلى فقط بل أيضاً يدى ورأسى” فقال له يسوع: “الذى اغتسل ليس له حاجة إلا إلى غسل رجليه بل هو طاهر كله. وأنتم طاهرون ولكن ليس كلكم”, ولقد كان يشير بذلك إلى يهوذا مسلمه. وبعد أن غسل أرجلهم لبس ثيابه واتكأ من جديد على المائدة وابتدأ يعلمهم قائلاً: “أتفهمون ما قد صنعت بكم؟ أنتم تدعوننى معلماً وسيداً وحسناً تقولون لأنى أنا كذلك. فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض. لأنى أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضاً. الحق أقول لكم إنه ليس عبد أعظم من سيده ولا رسول أعظم من معلمه. إن علمتم هذا فطوباكم إن عملتموه” (يو13), ومن ثم رسم لهم سر العشاء الربانى, إذ أخذ الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال: “خذوا كلوا هذا هو جسدى الذى يبذل عنكم. اصنعوا هذا لذكرى”، كما أخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً: “اشربوا منها كلكم لأن هذا هو دمى الذى للعهد الجديد الذى يسفك من أجل كثيرين الحق أقول لكم إنى لا أشرب من نتاج الكرمة إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديداً فى ملكوت أبى” (مت26:26-28, مر14: 22-25, لو22: 19, 20).

( د ) الرب يعلن عن مُسَلِّمِه: وفى نفس هذه الظروف أعلم الرب تلاميذه الاثنى عشر أن واحداً منهم سيسلمه, وهو الذى يغمس يده معه فى الصحفة, وأخذت التلاميذ الحيرة وتطلع بعضهم إلى بعض, وكان يوحنا متكئاً على صدر يسوع, فأومأ إليه سمعان بطرس أن يسأله عن هذا الذى يسلمه, ولما سأل يوحنا معلمه, أجاب يسوع “هو ذاك الذى أغمس أنا اللقمة وأعطيه”. وأعطى اللقمة ليهوذا, وقال له “ما أنت تعمله فاعمله بأكثر سرعة”, ولم يفهم التلاميذ مراد السيد من هذا القول, أما يهوذا فلما أخذ اللقمة خرج للوقت ليتكلم إلى اليهود فى أمر تسليم المخلص” (يو13).

(ها) نصح وتحذير: جعل الرب ينبئ تلاميذه بما سيصادفهم من الشدائد, وينصحهم ويحذرهم لكى يثبتوا فى التجربة, وقد نال سمعان بطرس الكثير من هذه التحذيرات لأن الرب بعلمه السابق علم ما كان ينتظر هذا التلميذ المحب المخلص من الظروف الضيقة. فبعدما خرج يهوذا الخائن وأفرز نفسه من إخوته, قال الرب “الآن تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه. إن كان الله قد تمجد فيه فإن الله سيمجده فى ذاته ويمجده سريعاً. يا أولادى أنا معكم زماناً قليلاً بعد. ستطلبوننى وكما قلت حيث أذهب أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا أقول لكم أنتم الآن…”.

قال بطرس بنفس متحسرة: “يا سيد إلى أين تذهب؟”, أجابه يسوع “حيث أذهب لا تقدر الآن أن تتبعنى, ولكنك ستتبعنى أخيراً” قال الرب هذا مشيراً إلى عمل الرسل بعد القيامة والصعود وحلول الروح القدس إذ يقومون بالبشارة بالإنجيل ويشهدون للمخلص وفى سبيله يتحملون شدائد واضطهادات وقد يموتون شهداء, ولكنهم سيصلون أخيراً إلى معلمهم والى المجد. ولكن بطرس إذ سمع هذه الأسرار التى تعلو على إدراكهم قال بلغة مخلصة محبة: “يا سيد لماذا لا أقدر أن أتبعك. إنى أضع نفسى عنك”, أجابه يسوع: “أنت تضع نفسك عنى؟! الحق الحق أقول لك لا يصيح الديك حتى تنكرنى ثلاث مرات” (يو13: 30-38) ويرجح أن الرب كان يتكلم هذه العبارات وبغيرها وهو بعد فى البيت, وفى طريقه إلى جبل الزيتون وإلى ضيعة جثسيمانى أيضاً, زيادة فى تحذيرهم وتنبيههم.

من ذلك أن الرب قال لهم مؤكداً ومحذراً “كلكم تشكون فى هذه الليلة لأنه مكتوب أنى أضرب الراعى فتتبدد الخراف” (مر14: 27), ثم قال لسمعان بالذات, “سمعان سمعان هوذا الشيطان طلبكم لكى يغربلكم كالحنطة ولكنى طلبت من أجلك لكى لا يفنى إيمانك وأنت متى رجعت ثبت إخوتك” (لو22: 21, 22).

ولقد شدد فى تنبيههم لأنه عرف بقوة لاهوته ما كان يحدق بهم من الأخطار الروحية والمادية, وعلم أن الشيطان يحاول أن يسقطهم من إيمانهم الأقدس ببنوة المسيح لله, وعلم التجربة المرة التى كانت تنتظر تلميذه المخلص سمعان بطرس, ولأجل ذلك طلب من أجل تلاميذه, ومن أجل سمعان بنوع خاص حتى لا يفنى إيمانه أمام التجربة, ثم أمره متى نهض من سقطته التى أنكر فيها المسيح ونجا من الشرك الذى نصبه له إبليس, أن يثبت إخوته, ويؤكد لهم سعة مراحم الله ومحبته بما أنه جاز هذا الاختبار الصعب وتعرض لهذا الظرف العصيب وأعانه الرب فى تجربته. وفى كل مرة كان بطرس يظهر غيرته ومحبته ويقول إنه لن يشك فى المسيح حتى وإن شك فيه الجميع, ويؤكد أنه مستعد أن يمضى معه حتى إلى السجن وإلى الموت, وهكذا كان يقول الجميع. ولكن المسيح قال له إنه لن يصيح الديك مرتين حتى يكون قد أنكره ثلاث مرات, يقصد بذلك الصياحين اللذين للديكة, الصياح الأول الذى يكون فى نصف الليل تقريباً والصياح الثانى الذى يكون فى الفجر (مت26: 31-35, مر14: 27-31, لو22: 31-38, يو13: 38). وسنرى كيف تحققت أقوال الفادى عن هذا التلميذ الغيور.

(و) مع المسيح فى البستان: وأخذ الرب تلاميذه إلى ضيعة اسمها جثسيمانى (الجثسمانية), عند سفح جبل الزيتون, وأمرهم أن يمكثوا فى مكان ما حتى يمضي ويصلى, أما بطرس ويعقوب ويوحنا فأخذهم معه إلى الموضع الذى كان مزمعاً أن يصلى فيه حيث أظهر لهم حزنه العميق, وكان يصلى أمامهم وعرقه يتصبب كقطرات الدم ولعله برحمته وحكمته أمر جماعة التلاميذ أن ينتظروه بعيداً نوعاً ما حتى لا يشهدوا آلامه وأحزانه فيتشككوا فى حقيقة شخصه المبارك, أما بطرس ويعقوب ويوحنا فلقد كانوا أبعد عن أن يشكوا لأنهم سبقوا فرأوا مجده على جبل التجلى وسمعوا صوت الآب يشهد له, ولعله برحمته أيضاً جعلهم فى المكان البعيد عنه حتى تسنح لهم فرصة للهرب متى رأوا الخطر محدقاً بهم. هناك فى البستان قال للثلاثة تلاميذ : “نفسى حزينة جداً حتى الموت” وأمرهم أن يسهروا معه ويصلوا, وابتعد عنهم على مسافة مرمى حجر وصلى إلى الآب, ولكنه لما عاد إليهم وجدهم نياماً من شدة الحزن, فقال لبطرس: “أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معى ساعة واحدة؟ اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا فى تجربة. أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف” (مت26: 40, 41), ويروى القديس مرقس البشير أنه وجه خطاباً خاصاً أيضاً إلى سمعان يقول له: “يا سمعان أنت نائم؟ أما قدرت أن تسهر ساعة واحدة؟”.

وجه الرب حديثاً خاصاً إلى سمعان لأنه التلميذ الذى سبق منذ لحظات فأكد أنه مستعد أن يمضى معه إلى السجن وإلى الموت”.

ولأن التجربة ثقيلة وظرفاً عصيباً سيواجهانه فينكر المعلم الصالح, وانفرد الرب عنهم للصلاة لثانى مرة وعاد أيضاً ووجدهم نياماً, وصلى لثالث مرة, وقال لهم بعدها “ناموا الآن واستريحوا هوذا الساعة قد اقتربت وابن الإنسان يسلم إلى أيدى الخطاة”. قال لهم هذا معلناً أن الساعة قد حانت حيث يسلم فيها إلى أيدى اليهود ويتمم قصده الإلهى فى خلاص البشر.

وعرف بلاهوته أيضاً أن يهوذا قادم مع اليهود ليقبضوا عليه فقال لبطرس ورفيقيه: “قوموا ننطلق هوذا الذى يسلمنى قد اقترب”. ويعنى بذلك أن يذهبوا معه لمواجهة اليهود حتى يتسنى لهم أن يمسكوه ويسلموه إلى المحاكمة ثم الصلب.

( ز) الجندى المتحمس يضرب ضربته الأخيرة: وحسب قول الرب أقبل اليهود والجند يقودهم يهوذا الخائن ليلقوا القبض على المسيح, وسأل التلاميذ وهم مضطربون: “يارب أنضرب بالسيف؟”, ولم ينتظر سمعان بطرس جواب سيده بل تحمس وضرب ضربته الأخيرة قبل صلب المخلص إذ استل سيفه وضرب أذن عبد رئيس الكهنة اليمنى وقطعها, وكان اسم العبد ملخس, ولكن يسوع الوديع الهادئ قال له: “رد سيفك إلى مكانه لأن كل الذين يأخذون بالسيف بالسيف يهلكون. أتظن أنى لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبى فيقدم لى أكثر من اثنى عشر جيشاً من الملائكة؟ فكيف تكمل الكتب أنه هكذا ينبغى أن يكون؟” ومد له المجد يده وأبرأ الأذن المقطوعه” (متى26، لو22).

(11) التلميذ ينكر معلمه: وسيق يسوع إلى بيت رئيس الكهنة للمحاكمة, وتبعه بطرس ويوحنا ولكن من بعيد, ولأن يوحنا كان معروفاً عند رئيس الكهنة دخل إلى البيت, أما بطرس فوقف عند الباب خارجاً, ولكن يوحنا طلب إلى البوابة فأدخلته, وأوقد العبيد والخدام ناراً ليصطلوا وكان بطرس يصطلى معهم. وهنا وقعت المأساة الكبيرة التى فيها أنكر التلميذ معلمه الصالح؛ قالت له الجارية: “ألست أنت تلميذ هذا الإنسان أنت جليلى ولغتك تظهرك”. فأجاب “لست أنا”, وعاد قوم وسألوه: “ألست أنت أيضاً من تلاميذه؟” فأجاب للمرة الثانية: “لست أنا”. وبعد فترة رآه أحد عبيد رئيس الكهنة, وكان نسيب ملخس الذى قطع بطرس أذنه, فقال له: “أما رأيتك معهم فى البستان؟” وأمام التجربة المُرة خارت قوى بطرس الروحية, ووهنت عزيمته, ونسى مواثيقه ووعوده فأخذ يلعن ويقسم أنه لا يعرف ذلك الإنسان وهكذا أنكر بطرس سيده أمام عوامل الخوف والتهديد, وصاح الديك صيحته الثانية فى الهزيع الأخير من الليل, ونظر إليه يسوع من الداخل نظرة فاحصة عاتبة مذكرة. وهنا تذكر بطرس, وصحا ضميره, وذاب قلبه, وخرج خارجاً وبكى بكاء مراً. وهكذا غسل بدموع توبته النقية خطية إنكاره وجحوده.

وكان هذا آخر مشهد رأينا فيه بطرس قبل صلب السيد المسيح, وأُسدل الستار على هذه الحوادث الجليلة الرهيبة, لنعود من جديد نعاين مشاهد القيامة الرائعة المجيدة.

(5) مواقف لبطرس بعد القيامة

(أ) صلب السيد, ودفن, وقام من الأموات فى فجر الأحد, وتوجه الرسول المتوقد بالحب إلى القبر باكراً جداً فلم يجد الجسد (يو20: 2-9). ولما ظهر الملاك المبشر بالقيامة للنسوة أنبأهن بقيامة المسيح وقال لهن: “اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس أنه يسبقكم إلى الجليل” (مر16: 7) وقد ذكر اسم بطرس بنوع خاص ليكون ذلك تعزية له فى حزنه الشديد بعد إنكاره للفادى.

(ب) وظهر الرب لزمرة التلاميذ مرات كثيرة كان من بينها ظهوره عند بحر طبرية حيث وجه حديثاً خاصاً إلى بطرس الرسول، وتفصيل ذلك كما يروى القديس يوحنا أن جماعة من التلاميذ ومن بينهم بطرس كانوا يتصيدون السمك عند بحر طبرية, ولم يمسكوا شيئاً طول ليلتهم, وفى الصبح رأوا يسوع على الشاطئ دون أن يعرفوا شخصه فسألهم: “ألعل عندكم إداماً؟” فأجابوه (لا) فأمرهم أن يلقوا الشبكة على جانب السفينة الأيمن, ولما فعلوا أمسكوا سمكاً كثيراً, وللوقت عرفوه. وقال يوحنا لبطرس: “هو الرب”, واتزر بثوبه وألقى بنفسه فى الماء لكى يصل إلى البر. وأما الباقون فجاءوا بالسفينة ووجدوا السيد وقد أعد لهم سمكاً مشوياً موضوعاً على حجر وخبزاً, وأمرهم أن يُحضروا أيضاً من السمك الذى صادوه. وخرج بطرس من الماء وأخرج الشبكة. وأمرهم السيد أن يأكلوا.

وبعد أن تغدوا سأل يسوع سمعان وقال له: “يا سمعان بن يونا أتحبنى أكثر من هؤلاء؟ ” فأجابه “نعم يارب أنت تعلم أنى أحبك” فقال له: “ارع خرافى” وسأله مرة ثانية: “يا سمعان بن يونا أتحبنى؟ ” أجابه: “نعم يارب أنت تعلم أنى أحبك” قال له: “ارع غنمى” كرر يسوع السؤال ثلاثاً لأن بطرس أنكره ثلاثاً, فكأنه له المجد أراد أن يؤنبه تأنيباً لطيفاً, مشفوعاً بتعزية إلهية وتشجيع سماوى. وقد كرر عليه الأمر برعاية الخراف حتى يكون صاحياً واعياً على الرعية التى ائتمنه الله عليها, وحتى يكون رفقاؤه أيضاً بل وحتى يكون كل الرعاة من بعدهم صاحين فى الخدمة المقدسة التى يؤتمنون عليها, وأردف يسوع حديثه لبطرس بإنبائه عن الآلام التى سيتحملها فى سبيل الإنجيل, والميتة التى كان مزمعاً أن يموتها فى سبيل المسيح, فقال له: “الحق الحق أقول لك لما كنت أكثر حداثة كنت تمنطق ذاتك وتمضى حيث تشاء, ولكن متى شخت فإنك تمد يديك وآخر يمنطقك ويحملك إلى حيث لا تشاء”، ولقد تحقق قول الفادى هذا لأن بطرس فيما بعد, وبعد أن أكمل جهاده, أُسلم لنيرون الطاغية ومات شهيداً، ثم أمره أن يتبعه, فتبعه, وتبعه يوحنا أيضاً. وسأل بطرس الرب “يا سيد وهذا ما له؟ ” فقال له يسوع “إن كنت أشاء أن يبقى حتى أجئ فماذا لك؟ اتبعنى أنت” (يو21).

(6) بطرس فى ميدان الجهاد

كان للقديس مواقف عظيمة فى الجهاد الروحى. ولقد ائتمنه الرسل على تبشير اليهود ليكون رسولاً للختان, كما ائتمنوا القديس بولس ليكون رسولاً للأمم, وبناء عليه فقد كان بطرس الرسول يكرز لليهود أينما وجدوا. وهناك رأيان بخصوص خط سيره فى الخدمة:

1 – فالرأى الأول يقول أصحابه إن الرسول خدم فى اليهودية حتى سنة 35م, ثم توجه إلى أنطاكية حيث أسس الكرسى البطرسى هناك, وقد دعى المؤمنون مسيحيين فى أنطاكية ومكث القديس بها نحو سبع سنوات أو تسع سنوات, ومنها توجه إلى رومه. حوالى سنة 42م ومكث بها نحو خمس وعشرين سنة كان خلالها يترك رومية ليزور اليهودية وأماكن متنوعة, إلى أن استشهد أخيراً بيد نيرون الطاغية سنة 65م.

2 – أما الرأى الثانى وهو الأرجح فإنه يقول إن ذهاب القديس إلى رومية كان فى أواخر حياته وكان الغرض منه مقاومة سيمون الساحر. ويستبعد جداً أن يكون القديس قد ترك قارة آسيا فى سنة 42م لأسباب منها:

( أ ) أن سفر الأعمال يذكر أن القديس كان فى أورشليم سنة 44م حيث قبض عليه هيرودس أغريباس وسجنه ونجاه الله من السجن (أع12), ويستبعد أن يتوجه القديس إلى رومية ليؤسس كنيسة هناك ويتركها بعد شهور.

(ب) وكان فى أورشليم أيضاً فى المجمع الرسولى الذى انعقد سنة 50م (أع15).

(ج) وحوالى ذلك الوقت عمل بطرس أيضاً فى إنطاكية حيث وبخه القديس بولس الرسول (غل2).

( د) ومن أنطاكية تجول فى جهات أخرى فى آسيا وهى بنتس (1بط1).

(ها) ويذكر الكتاب أن كلوديوس قيصر طرد اليهود الذين كانوا فى رومية (أع 18: 2) ويؤكد التاريخ أنه طرد المسيحيين أيضاً معهم. وقد ملك كلوديوس من سنة 40 م إلى سنة 54 م فلا يمكن أن يكون الرسول فى رومية بعد طرد المسيحيين.

(و) وفى سنة 57 م أو 58 م كتب بولس الرسول رسالته إلى رومية ولم يذكر فيها اسم القديس بطرس دليلاً على أنه لم يكن هناك وقتئذ.

(ز) وحتى عندما سجن الرسول بولس فى رومية من سنة 61 م إلى سنة 62 م تقريباً لم يذكر اسم القديس بطرس أيضاً فى رسائله التى كتبها فى السجن وهى رسائله إلى فليمون وكولوسى وأفسس وفيلبى.

وبناء على هذا فقد كانت مراحل خط سير الرسول التبشيرى كالآتى:

المرحلة الأولى : بطرس الرسول فى اليهودية

( أ ) إقامة متياس رسولاً: بعد صعود الفادى اجتمع أكثر من مائة وعشرين من المؤمنين فى أورشليم, وقام بطرس فى وسطهم وألقى خطابه الأول وحثهم على إقامة رسول يأخذ مكان يهوذا الذى شنق نفسه, وألقوا القرعة فوقعت على متياس وحسب مع الأحد عشر (أع1: 15-26).

(ب) بطرس فى يوم الخمسين: حل الروح القدس على جماعة المؤمنين فى يوم الخمسين, فطفقوا يتكلمون بألسنة مختلفة الأمر الذى جعل غير المؤمنين يستهزئون بهم ويحسبونهم سكارى؟ فوقف بطرس فى الوسط أيضاً وألقى خطاباً عميقاً, ذكرهم فيه بمواعيد الله للآباء, وكشف لهم القناع عن سر التجسد العجيب, واجتذبهم إلى الإيمان بالمسيح ومما قاله الرسول فى خطابه: “أيها الرجال اليهود والساكنون فى أورشليم أجمعون, ليكن هذا معلوماً عندكم واصغوا إلى كلامى. لأن هؤلاء ليسوا سكارى كما أنتم تظنون لأنها الساعة الثالثة من النهار, بل هذا ما قيل بيوئيل النبى, يقول الله: ويكون فى الأيام الأخيرة أنى أسكب من روحى على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويرى شبابكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلاماً, وعلى عبيدى أيضاً وإمائى أسكب من روحى فى تلك الأيام فيتنبأون, وأعطى عجائب فى السماء من فوق وآيات على الأرض من أسفل دماً وناراً وبخار دخان. تتحول الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل أن يجئ يوم الرب العظيم الشهير ويكون كل من يدعو باسم الرب يخلص…”، واستطرد الرسول فى حديثه مؤكداً لهم أن يسوع الذى أنكره هوهو المسيح الذى تنبأ عنه الأنبياء, ومات الصديقون على رجاء مجيئه، فنخس فريق كبير من السامعين فى قلوبهم وسألوا الرسل: “ماذا ينبغى أن نفعل؟” فقال لهم بطرس: “توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس”. فآمنوا واعتمدوا وانضم فى ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس (أع2).

(ج) شفاء الأعرج: صعد بطرس ويوحنا إلى الهيكل فى ساعة الصلاة التاسعة, وكان هناك رجل أعرج من مولده يحملونه ويضعونه عند أحد أبواب الهيكل المسمى الجميل, وقد ظل الرجل مريضاً نحو أربعين سنة ولما رأى الرسولين سألهما صدقة, فتفرس فيه بطرس وقال له انظر إلينا, فزاد أمل الرجل أكثر فى أخذ الصدقة منهما, فقال له بطرس: “ليس لى فضة ولا ذهب ولكن الذى لى فإياه أعطيك. باسم يسوع المسيح الناصري قم وامشِ” وقام الرجل فى الحال, وأخذ يطفر ويسبح الله” (أع3).

ولما رأى اليهود هذه المعجزة الباهرة اندهشوا, فوقف بطرس أيضا وألقى خطاباً ثانياً أعلمهم فيه أن الرجل قام صحيحاً بقوة الإيمان بيسوع الذى صلبوه, وحثهم فى خطابه أن يتوبوا ويؤمنوا (أع3), وآمن أيضاً بتأثير معجزة الرسولين وحديثهما بضعة آلاف من الأنفس (أع4:4).

( د) بدء هبوب العاصفة: بلغ عدد الذين آمنوا بالكلمة نحو خمسة آلاف، وتضجر الكهنة والصدوقيون من تعليم الرسولين, وألقوهما فى السجن, ثم أخرجوهما وأخذوا يسألونهما عن تعليمهما, فوقف بطرس وشهد لمعلمه الصالح, وبعمله الفدائى العظيم, وعرف الكهنة أنهما من تلاميذ يسوع. وأرادوا أن يقتلوهما لولا خوفهم من الشعب. فأوصوهما ألا يناديا باسم المسيح، ولكن بطرس الشجاع قال لهم قوله المأثور: “إن كان حقاً أمام الله أن نسمع لكم أكثر من الله فاحكموا, لأننا نحن لا يمكننا أن لا نتكلم بما رأينا وسمعنا”.

وهددوهما وأطلقوهما. فجاءا إلى إخوتهم وأخبراهم بما كان, فسبحوا الله وصلوا من أجل خلاص الجميع وانتشار الملكوت (أع4).

(ها) حنانيا وسفيرة: كان الكثيرون من المؤمنين يبيعون أملاكهم ويأتون بأثمانها إلى الرسل ليوزعوها على من له احتياج, فباع رجل اسمه حنانيا ملكاً. وأتى بجزء من ثمنه إلى الرسل, موضحاً أنه الثمن كله. ولكن بطرس علم بالروح كذبه ووبخه قائلاً: “لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس وتختلس من ثمن الحقل, أليس وهو باق كان يبقى لك ولما بيع ألم يكن فى سلطانك, فما بالك وضعت فى قلبك هذا الأمر؟ أنت لم تكذب على الناس بل على الله” , فلما سمع حنانيا هذا وقع ميتاً فى الحال ونهض الأحداث وحملوه ودفنوه وبعد ساعات جاءت سفيرة زوجة حنانيا وهى لا تعلم بما جرى لزوجها, فسألها بطرس: “قولي لي أبهذا المقدار بعتما الحقل؟” ولما أجابت بالإيجاب. قال لها: “ما بالكما قد اتفقتما على تجربة روح الرب؟ هوذا أرجل الذين دفنوا رجلك على الباب وسيحملونك خارجاً”، فوقعت فى الحال ميتة, وحملت ودفنت ووقع خوف على الجميع (أع5).

(و ) جلال المعجزات الإلهية: ويتحدث الكتاب عن روعة المعجزات التى جرت على أيدى الرسل حتى أنه يقول إن الناس كانوا يحملون المرضى ويضعونهم على فرش وأسِّرة حتى إذا جاء بطرس يخيم ولو ظله عليهم فيبرأون (أع5: 12-16). وهكذا حقق الله وعده الصالح لعبيده الأمناء.

(ز) العاصفة تهب من جديد: عاد الحاسدون وألقوا الرسل فى الحبس, ولكن ملاك الرب فتح أبواب السجن وأخرجهم وأمرهم أن يذهبوا ويكلموا الشعب بكلام الحياة, ودخلوا فى الصباح إلى الهيكل ليبشروا, وافتقدهم الخدام فلم يجدوهم فى الهيكل, مع أنهم وجدوا الحبس مغلقاً بحرص, والحراس واقفين, ولكنهم لم يجدوا أحداً فى الداخل وعبثاً حاول رؤساء الكهنة أن يمنعوهم عن التبشير, لأن بطرس قال لهم: “ينبغى أن يطاع الله أكثر من الناس”.

وتشاور الكهنة لكى يقتلوهم ولكن العلامة غمالائيل حذرهم من أن يعملوا هذا الشر العظيم وقال لهم: “تنحوا عن هؤلاء الناس واتركوهم لأنه إن كان هذا الرأى أو هذا العمل من الناس فسوف ينتقض وإن كان من الله فلا تقدرون أن تنقضوه”.

وجلد اليهود الرسل ثم أطلقوهم فمضوا فرحين لأنهم حسبوا أهلاً أن يتألموا من أجل اسمه (أع5: 17-42).

المرحلة الثانية: بطرس بعد تشتت المؤمنين

تشتت المؤمنون من جراء الضيق والاضطهاد فى كور اليهودية والسامرة, ماعدا الرسل الذين بقوا فى أورشليم ومع ذلك فالذين تشتتوا ظلوا يبشرون بالكلمة. وقد كان لبطرس نصيب واسع فى الخدمة في هذه الكور, من هذا:

( أ ) عمله فى السامرة: بشر فيلبس فى السامرة وآمن الكثيرون على يديه ومن بين الذين آمنوا سيمون الساحر الذى كان قبلاً يدهش السامريين بسحره. ولما سمع الرسل الذين فى أورشليم أن السامرة قبلت الإيمان انتخبوا بطرس ويوحنا وأرسلوهما إليها. ولما ذهب الرسولان صليا لكى يحل الروح القدس على المؤمنين الذين كانوا قد اعتمدوا باسم الرب, ولما وضعا الأيدى عليهم حل الروح القدس. ولما رأى سيمون هذا قدم لهما دراهم, وطلب منهما أن يعطياه القوة التى بها يضع يديه على أى واحد فيقبل الروح القدس, فقال له بطرس: “لتكن فضتك معك للهلاك لأنك ظننت أن تقتنى موهبة الله بدراهم. ليس لك نصيب ولا قرعة فى هذا الأمر. لأن قلبك ليس مستقيماً أمام الله. فتب من شرك هذا واطلب إلى الله عسى أن يغفر لك فكر قلبك لأنى أراك فى مرارة المر ورباط الظلم”. فأجاب سيمون وقال: “اطلبا أنتما إلى الرب من أجلى لكى لا يأتى علىَّ شئ مما ذكرتما” (أع8). ولا يزال المسيحيون ينظرون إلى هؤلاء الذين يحاولون أن يقتنوا مواهب الله أو يبيعوها بالدراهم, ويدعون هذا العمل الدنئ (السيمونية) نسبة إلى سيمون الساحر. وسنقرأ أيضاً عن هذا الساحر الأثيم فى خلال هذه السيرة العطرة للقديس بطرس الرسول.

(ب) الرسول يعود إلى أورشليم: عاد بطرس ويوحنا إلى أورشليم ليواصلا العمل فيها وفى القرى المحيطة بها.

(ج ) بطرس فى لدة وفى يافا:

(1) شفاء إينياس: نزل بطرس أثناء جولاته إلى بلدة لدة وهى اللد بفلسطين, فصادف إنساناً مفلوجاً منذ ثمانى سنوات اسمه إينياس. فقال له: يا إينياس يشفيك الرب يسوع, قم وافرش لنفسك فقام فى الحال (أع9: 32-35).

(2) إقامة طابيثا من الموت: وكانت فى يافا فتاة صالحة اسمها طابيثا ومعناها غزالة ويقول عنها الكتاب إنها كانت ممتلئة أعمالاً صالحة وإحسانات كانت تعملها, ماتت هذه الفتاة, فحزن عليها المؤمنون كثيراً وأرسلوا إلى لدة إلى بطرس يستدعونه للحال, ولما ذهب إليهم رأى الأرامل يبكين ويرينه أقمصه وثياباً مما كانت تصنعه غزالة لهن, فأخرج بطرس الجمع, وصلى إلى الله ثم قال للفتاه الميتة: “يا طابيثا قومى”, فقامت فى الحال, وآمن الكثيرون وأقام فى يافا أياماً عند سمعان الدباغ (أع9: 36-43).

المرحلة الثالثة : بطرس يعمل بين الأمم

(1) كرازته لكرنيليوس: كان بطرس يعمل أولاً بين اليهود, وأراد الله أن يستخدمه للتبشير بين الأمم أيضاً. وكان رجل اسمه كرنيليوس يسكن فى قيصرية التى كانت من أهم المدن فى فلسطين, بناها هيرودس الكبير ودعاها قيصرية باسم أوغسطس قيصر, وكان كرنيليوس يخاف الله ويعمل الخير, فظهر له ملاك الله فى الساعة التاسعة من النهار وأمره أن يرسل إلى يافا ليستدعى سمعان بطرس الذى كان نازلاً عند سمعان الدباغ ليعلمه طريق الخلاص, فأرسل خادمين وعسكرياً وكان ذلك فى سنة 40م.

وبينما كان بطرس على السطح يصلى فى الساعة الثالثة جاع ووقعت عليه غيبة, ورأى رؤيا شاهد فيها ملاءة نازلة من السماء مربوطة بأطرافها وبها جميع أنواع الدواب والوحوش والزحافات والطيور وسمع صوتاً يناديه: “قم يا بطرس اذبح وكل”. فقال: “كلا يارب لأنى لم آكل قط شيئاً دنساً أو نجساً”, فقال له الصوت: “ما طهره الله لا تدنسه أنت” وكان هذا على ثلاث مرات ثم استيقظ بعدها. وبينما كان يفكر فى الرؤيا وصل رسل كرنيليوس, وأرشده الروح أن يذهب معهم, فأضافهم وفى الصباح سافر معهم إلى قيصرية وهناك قص عليه كرنيليوس رؤياه, فبشره بطرس, فآمن كرنيليوس وأنسباؤه وأصدقاؤه بالكلمة وحل عليهم الروح القدس واعتمد هو والذين له. (أع10: 1) وقد أعطى الله بطرس هذه الرؤيا لكى يشجعه على تعليم الأمم أيضاً، حتى لا يعتبر أن هناك أمة دنسة لأن الخلاص بالمسيح لجميع الذين يؤمنون من جميع الشعوب.

ولما سمع بعض الإخوة بما فعله بطرس تذمروا عليه لأنه دخل إلى بيت الأمميين, فقص عليهم بطرس رؤياه وأمر الله له بتبشيرهم وبإيمانهم وحلول الروح القدس عليهم, فمجدوا الله لأن الله قد أعطى الأمم أيضاً التوبة للحياة (أع11).

المرحلة الرابعة: بطرس يلقى فى السجن

فى سنة 44 للميلاد قتل هيرودس أغريباس يعقوب الرسول إرضاءً لليهود, ثم أخذ بطرس فى عيد الفطير ووضعه فى السجن لكى يقدمه لهم أيضاً بعد الفصح, ووضعوا فى يديه سلسلتين, وأمر هيرودس بحراسة السجن بعناية ولكن الكنيسة صلت من أجله بلجاجة. وفى منتصف الليل, جاء ملاك الرب وأضاء نور الرب فى البيت وضرب الملاك جنب بطرس قائلاً: قم عاجلاً. فسقطت السلسلتان من يديه فوراً. وسار بطرس يتبع الملاك, فانفتحت أمامهما أبواب السجن, وكان يخيل لبطرس أنه يرى رؤيا, فلما خرج خارجاً لم ير الملاك فتأكد أنه حقيقة وسار إلى بيت مرقس حيث كانت الكنيسة مجتمعة للصلاة من أجله. ولما قرع الباب جاءت جارية اسمها رودا لترى من بالباب. ولما سمعت صوت بطرس لم تصدقه لشدة دهشتها, ودخلت وأخبرت المؤمنين, فحسبوه خيالاً, وإذ فتحوا له وقص عليهم كيف خلصه الله فرحوا فرحاً عظيماً ومجدوا الله (أع12).

المرحلة الخامسة: بطرس الرسول فى المجمع المقدس من جديد (أع15)

كان الرسول بولس وبرنابا يعملان فى أنطاكية, فانحدر قوم من الذين تنصروا من اليهودية وأخذوا يعلمون بضرورة الختان للمتنصرين من الأمم, فتوجه بولس وبرنابا إلى أورشليم واجتمعوا بباقى الرسل, وفى المجمع المقدس الذى عقدوه ألقى بطرس خطاباً معلناً أن الخلاص للجميع ولا حاجة للختان ومما جاء بخطابه: “فالآن لماذا تجربون الله بوضع نير على عنق التلاميذ لم يستطع آباؤنا ولا نحن أن نحتمله؟ لكن بنعمة الرب يسوع المسيح نؤمن أن نخلص كما أولئك أيضاً”. وألقى يعقوب أيضاً خطابه, وأخيراً أصدر المجمع قراره ومحتواه بأن لا حاجة للختان لأبناء المعمودية وإنما يمتنع المؤمنون عن الأكل من ذبائح الأصنام والدم والمخنوق والزنا وأرسل الرسل القرار إلى المؤمنين فى كل مكان. ومما هو جدير بالذكر أن هذا الخبر هو آخر ما نقرأه عن القديس بطرس الرسول فى سفر أعمال الرسل, وبقية تاريخه المجيد تستنتجه من الرسائل وأقوال الآباء والمؤرخين والتقليد.

المرحلة السادسة : رحلات أخرى للرسول

( أ ) بطرس فى أنطاكية: ظل بطرس يعمل فى اليهودية حتى سنة 52م, وفى سنة 53 توجه إلى أنطاكية وقد أسس القديس كنيسته فى أنطاكية وجعلها مقراً لكرسيه. وهناك فى أنطاكية وقع خلاف بينه وبين القديس بولس الرسول, لأن بطرس امتنع عن مخالطة المسيحيين الذين لم يختتنوا خوفاً من المتنصرين من يهودى أورشليم الذين سبقوا فعارضوا فى تبشير كرنيليوس, ولكن بولس الرسول وبخه وقال: “إن كنت وأنت يهودى تعيش أممياً لا يهودياً فلماذا تلزم الأمم أن يتهودوا؟” (غلا2: 14), فوافقه بطرس وأذعن لنصيحته, ثم رسم الرسولان بأنطاكية أفوديوس أسقفاً على مسيحيى الأمم. وأغناطيوس أسقفاً على مسيحيى اليهود. ويروى المؤرخون أن القديس بطرس أقام فى أنطاكية نحو سبع سنوات وكلف أفوديوس للقيام بمهام الخدمة لكى يذهب هو لمواصلة عمله فى جهات أخرى. ويذكر ابن العبرى وغيره أن القديس بطرس شيد بأنطاكية كنيسة عظيمة باسم السيدة العذراء.

(ب) متابعة عمله: ثم سافر إلى شتات اليهود الذين فى بنطس وغلاطية وكبادوكية وآسيا وبيثينية (1بط1:1).

(ج ) زيارته لمصر: وفى سنة 58م زار مصر حيث التقى بالقديس مامرقس الرسول وكتب رسالته الأولى فى زيارته لبابليون التى دعاها فى رسالته (بابل) (1بط5: 13).

( د ) بطرس فى رومية: يوضح العلامة أوريجانوس فى تفسيره لسفر التكوين فى الكتاب الثالث أن بطرس الرسول توجه إلى روما فى آخر حياته وكان القديس بولس الرسول قد سبقه إليها كما كانت المسيحية مزدهرة بها ويرى البعض أن بولس أسس الكنيسة المسيحية بها, والأرجح أن الذى أسس الكنيسة هناك اليهود الذين تنصروا وتشتتوا بسبب الضيق والاضطهاد (أع8: 1-4), وكان غرض القديس بطرس من الذهاب إلى روما مقاومة سيمون الساحر وهو من قرية اسمها (جتو gitto ) من قرى السامرة, وقد آمن بالمسيح على يد القديس فيلبس المبشر, وهو الذى طلب أن يقتنى مواهب الروح القدس بالدراهم فقال له بطرس وقتئذ “لتكن فضتك معك للهلاك” (أع8). ولما رأى المعجزات الباهرة التى تجرى على أيدى الرسل وعرف أنه لا يستطيع أن يقف أمامهم بسحره ترك آسيا وأخذ يتجول فى البلاد سيما فى أوروبا, وكان يعلن أنه قوة الله العظمى وأن ابن الله لليهود والروح القدس للأمم, وقد توجه إلى روما ونشر ألاعيبه السحرية, فزاد نفوذه وصار معتبراً عند أناس كثيرين, ولا سيما عند نيرون الملك, وقد اعتبره الناس إلهاً وأقاموا له تمثالاً بالمدينة وتعبدوا له.

وكان التمثال مقاماً فى الجزيرة التى فى وسط نهر التيبر, وقد نقشوا عليه باللغة اللاتينية (simni dea soneto ) ومعنى العبارة : (إلى سيمون الإله القدوس). ولما وصل القديس بطرس إلى روما وأخذ يعمل معجزاته الإلهية, وابتدأ نفوذ سيمون يضعف, فأراد مرة أن يظهر ألعوبة كبيرة بسحره, وهى أنه طلب من الشياطين أن تحمله وتصعد به فى الجو, فرفعته الشياطين حتى بهت الرومانيون وصاحوا: عظيمة هى قوة سيمون، ولما رأى بطرس هذه الضلالة جثا على ركبتيه وصلى إلى الله بأن يخجله, وفى الحال تركته الشياطين فسقط إلى الأرض وانكسرت ساقاه, ونقله تلاميذه إلى أحد المنازل, ولشدة حزنه ألقى بنفسه من سطح المنزل ومات منتحراً.

(7) خاتمة حياة القديس

اتسع نطاق المسيحية فى روما وفى غيرها مما هيج سخط الوثنيين ولا سيما نيرون الطاغية, فأخذ ينكل بالمسيحيين ويضطهدهم, فطلب المؤمنون فى روما إلى الرسول أن يهرب من المدينة فهرب. وهناك رواية تقول إنه بينما كان هارباً ظهر له السيد المسيح فى الطريق فسأله بطرس: “إلى أين أنت ذاهب ياربى” (كوفاديس) فقال له الرب: “لأصلب مرة ثانية فى روما بدلاً منك”، فشعر بطرس بالخجل وتذكر قول السيد له المجد له عند بحر طبرية “لما كنت أكثر حداثة كنت تمنطق ذاتك وتذهب إلى حيث تشاء ولكن متى شخت فإنك تمد يدك وآخر يمنطقك ويحملك حيث لا تشاء”, وللوقت رجع بطرس إلى روما فقبض عليه نيرون وألقاه فى السجن حيث كان القديس بولس مسجوناً أيضاً. وقد ظل معه بالسجن تسعة شهور. وقد روى أن اثنين من حراس السجن وهما القديس بروستوس والقديس مرتيفيانوس آمناً بالمسيح ومعهما سبعة وأربعون آخرون فعمدهم الرسول, وقيل إن هذا السجن كان من أقدم الأبنية ويسمى السجن الممرتينى نسبة إلى الملك (مرتيوس) أو (ممرتيوس) الرابع، ثم أخرجوه من السجن وحكموا عليه بالموت صلباً. وبعد أن جلدوه رفض أن يصلب مثل سيده, وطلب أن يصلب منكساً, فصلبوه كما أراد على جبل الفاتيكان بروما, كما قطع رأس القديس بولس بالسيف وكان ذلك سنة 66م. وهناك تقليد يقول إن زوجته التى كان متزوجاً بها قبل أن يتبع المسيح وكان قد تركها بموافقتها قد استشهدت أيضاً بروما بحضوره وكان القديس قد شجعها بقوله (لا تنسى الرب إلهك) ويذكر التقليد أن بطرس كان له ابنة اسمها (بترونللا). ويؤكد استشهاده فى رومية فى عهد نيرون آباء كثيرون منهم بابياس وإيرونيموس وكليمندس الإسكندرى وترتليانوس وكايوس وأوريجانوس, ومؤرخون منهم يوسابيوس وابن العبرى. وعلى جبل الفاتيكان الذى صلب عليه هذا الرسول العظيم شيدت كاتدرائية القديس بطرس الرسول, ولا تزال النقرة التى ركز فيها الصليب موجودة, يذكر بها المسيحيون فى كل أنحاء الأرض ما لاقاه رسل ربنا من التعذيب والآلام محبة فى فاديهم القدوس, ورغبة صادقة فى تخليص النفوس.

ويروى المؤرخون أن إحدى العصائب (الأربطة) التى كان رأسه مربوطاً بها بسبب الجراح انحلت وسقطت فى الطريق فالتقطها بعض المؤمنين واحتفظوا بها, ويقال إن الملك قسطنطين البار بنى فيما بعد كنيسة فى المكان الذى سقط فيه هذا الرباط وحفظه بها. ويروى أيضاً أن اثنين من المؤمنين ظلا بجوار صليبه وكانا يجمعان الدم المتدفق من جسده فحنق عليهما الجلادون وساقوهما إلى المحاكمة فحكم عليهما بالموت وماتا شهيدين, والكنيسة القبطية تعيد بذكرى شهادته فى اليوم الخامس من شهر أبيب كما أن الغربيين يحتفلون له فى اليوم التاسع والعشرين من شهر حزيران (يونيو). وفى فناء كنيسة القديس بطرس حيث يرجح أنه مكان استشهاده قام المنقبون بالحفر فعثروا على بقايا كنيستين الواحدة فوق الأخرى, وقد عثر بالسفلى على عظام شيخ قوى البنية يظن أنها عظام القديس.

8 – آثار القديس

كتب الرسول رسالتين بعث بهما إلى المؤمنين وهما:

(أولاً) الرسالة الأولى

كتبها سنة 63م من بابل, وقد ارتأى البعض أنها بابل الحقيقية, ورأى البعض الآخر أن المقصود بها روما, على أن الرأى الأرجح أنها بابل مصر (بابليون) أى مصر العتيقة. وقد أرسلت بيد سلوانس (5: 18) وهى مقسمة إلى خمسة أصحاحات وأهم  موضوعاتها:

(أولاً) حث المؤمنين على الصبر على الضيقات والاضطهادت اقتداء بسيدهم, ووعدهم بالحياة الأبدية.

(ثانياً) حثهم على الطهارة ليكونوا هياكل حية مبنية على المسيح وأن يتجنبوا شهوات الجسد.

(ثالثاً) حث الجميع سادة كانوا أو عبيداً, رجالاً أو نساءً أن يسلكوا باستقامة, وحث الرؤساء والرعاة على التواضع.

(ثانياً) الرسالة الثانية

كتبت سنة 65م قبل استشهاده بمدة وجيزة من بابل أيضاً, وقد جاءت فى ثلاثة أصحاحات وتشمل:

(أولاً) حث المؤمنين على التمسك بجميع ما جاء بالكتاب, وما كتبه الأنبياء والرسل, وتدعيمه لرسائل زميله بولس, وإيضاح أن الكتاب جميعه موحى به من الله.

(ثانياً) تحذيرهم من الأنبياء الكذبة والمعلمين المبتدعين الذين كانوا يقولون إن يوم مجىء الرب قد مضى.

(ثالثاً) وصف ليوم مجىء الرب والمخاوف التى تكتنفه.

 

الفصل الثانى

القديس أندراوس الرسول

(1) تعريف القديس

مر بنا أن أندراوس هو أخو بطرس, وأبوه يونا من بيت صيدا وكانوا يشتغلون بالصيد. ومعنى اندراوس (ذو مروءة) ويسمى القديس فى الكنيسة الشرقية باليونانية (بروتوكلينوس) أى أول مدعو إلى السيد المسيح.

(2) كيف صار تلميذاً

كان أندراوس أولاً متتلمذاً ليوحنا المعمدان. وكان واقفاً مرة مع معلمه وتلميذ آخر قيل إنه يوحنا الحبيب وفى ذلك الوقت اجتاز يسوع, فأشار إليه يوحنا المعمدان قائلاً: “هوذا حمل الله” فسار التلميذان وراءه, فالتفت إليهما يسوع وسألهما: “ماذا تطلبان ؟” فقالا له: “ربى الذى تفسيره يا معلم أين تمكث”, فقال لهما: “تعاليا وانظرا”, فعرفا مكانه ومكثا معه طول ذلك اليوم ثم ذهب أندراوس وبشر أخاه بطرس قائلاً: “قد وجدنا المسيا الذى تفسيره المسيح, وأتى به إلى يسوع ” (يو1: 35-41) ويغلب أنه كان فى عرس قانا الجليل مع السيد المسيح (يو2), وفى يوم بينما كان هو وأخوه سمعان عند بحر الجليل يلقيان الشباك للصيد مر بهما يسوع وأمرهما أن يتبعاه فتركا كل شئ وتبعاه (مت4: 18-20).

(3) بعض مواقفه

( أ ) فى إشباع الجموع: حينما اجتمع الخمسة آلاف رجل ليستمعوا إلى تعاليم المسيح, وأراد المسيح أن يطعمهم كان أندراوس هو التلميذ الذى قال: “هنا غلام معه خمسة أرغفة شعير وسمكتان ولكن ما هذا لمثل هؤلاء” (يو6: 8).

(ب) فى حديث مع اليونانيين: لما صعد السيد المسيح إلى أورشليم فى أحد السعف تقدم جماعة من اليونانيين إلى فيلبس يقولون له “نريد أن نرى يسوع”, فأتى فيلبس وأخبر أندراوس, وقال أندراوس وفيلبس ليسوع فأجابهما: “قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان” (يو12: 20).

(ج ) سؤال عن نهاية الأيام: وحينما كان السيد يتكلم عن خراب الهيكل كان أندراوس من بين التلاميذ الذين سألوه على انفراد قائلين: “قل لنا متى يكون هذا وما هى العلامة عندما يتم جميع هذا؟”, وكان هؤلاء التلاميذ هم بطرس ويعقوب ويوحنا وأندراوس (مر13: 3, 4).

(4) أعماله التبشيرية

(1) سافر القديس إلى بلاد العجم وقد اجتاز بكبادوكية وغلاطية وبيثينية حول البحر الأسود.

(2) عاد إلى بيزنطة (وهى الآن القسطنطينية) وقد أقام كرسيه هناك, وأقام عليها أسقفاً اسطاخيس ثم تركها وسار فى طريقه يواصل جهاده.

(3) بشر أيضاً فى كورنثوس.

(4) وقيل أيضاً إنه بشر فى اللد بفلسطين, ولما دخل مدينة اللد التى كان القديس بطرس الرسول قد بشر بها كان معه تلميذه فليمون وكان ذا صوت شجى, فأمره معلمه أن يصعد إلى المنبر ويقرأ, فخرج كهنة الأوثان ومعهم أسلحتهم لكى يستمعوا إليه ويروا إن كان يذم أصنامهم, فسمعوه يرنم ويقول المزمور: “أصنامهم فضة وذهب عمل يدى الناس لها أفواه ولا تتكلم لها أعين ولا تبصر لها آذان ولا تسمع لها مناخر ولا تشم لها أيد ولا تلمس لها أرجل ولا تمشى ولا تنطق بحناجرها مثلها يكون صانعوها بل من يتكل عليها” (مز115: 4-8), فأعجبوا بكلمة الله وبحسن صوته ودخلوا الكنيسة وركعوا أمام القديس أندراوس الرسول وطلبوا إليه أن يعمدهم.

(5) وذهب أيضاً إلى بلاد الأكراد, زار مدن أكيس وأرجناس وأسيفوس وعازرينوس وكان معه برثلماوس الرسول فى عازرينوس حيث عمل الرسولان عجائب كثيرة حتى آمن خلق كثير, وأما الباقون من الوثنيين فعملوا مؤامرة ضد الرسول وأرسلوا رسلاً لاستدعائه لكى يفتكوا به. ولما واجهه هؤلاء الرسل ورأوا نور السماء على وجهه آمنوا ولم يعودوا إلى مرسليهم, فأصر الوثنيون على الذهاب إليه وإحراقه بالنار, فصلى الرسول لما رأى أعداءه فشاهد هؤلاء ناراً تنزل من السماء عليهم فارتعبوا وآمنوا بالمسيح.

(6) ووصل أخيراً إلى إقليم (أخائية) الواقعة جنوبى اليونان, وظل يعمل بنجاح عظيم حتى استشهد فى (بتراس) أحد مدن الإقليم.

(5) طرف من أعماله

1 – كان القديس يغار كثيراً على خلاص النفوس ومما يروى عنه أنه كان فى كورنثوس رجل شيخ اسمه نيقولاوس قد بلغ الرابعة والستين من عمره, ومع ذلك فقد كان يعيش فى الفسق والدنس ويتردد على بيوت الفساد, فطفق القديس أندراوس يصلى من أجله. وفى يوم من الأيام دخل الشيخ كعادته بيتاً من بيوت الفساد وبيده الإنجيل, فلما رأته إحدى العاهرات شعرت شعوراً رهيباً جعلها ترتعد منه, وطردته فى الحال وطلبت منه ألا يقترب منها لأنها رأت فيه أموراً عجيبة خفية، فتوجه الشيخ إلى القديس أندراوس وتوسل إليه أن يصلى من أجله لكى يرفع الله عنه ميوله نحو الخطية, فصام القديس خمسة أيام مصلياً من أجله فأوحى الله إليه أنه مستعد أن يقبله على شرط أن يذلل نفسه, فنصحه القديس بتذليل نفسه, فتاب إلى الله وعاش فى زهد وورع حوالى نصف سنة توفى بعدها وقبله الله بين أتقيائه.

2 – قصة الشاب سسترانوس: كان شاباً طاهر السيرة اسمه سسترانوس أرادت أمه أن تغريه على ارتكاب عمل ردئ, فلم يقبل فوشت به أمه زوراً لدى الحاكم الذى عزم على التنكيل به, فشكا أمره إلى القديس أندراوس ولما حاول القديس أن يتوسط فى نجاته غضب الحاكم وأمر بأن يودع القديس فى السجن, وأن يوضع الشاب فى كيس ويخاط عليه, ولكن القديس جعل يصلى فاهتزت الأرض وأرعدت السماء وومضت البروق ونزلت الصواعق حتى خاف الناس وسقط الملك من على كرسيه, وصعقت المرأة الطاغية وماتت, وفى الحال أمر الملك بالإفراج عن القديس وعن الشاب فهدأت الطبيعة فى الحال وآمن خلق كثير بالمسيح.

(6) استشهاد القديس

قضى القديس أيامه الأخيرة فى أخائية ودخل مدينة بتراس وازدهر الإيمان ازدهاراً ظاهراً, مما أغضب حاكمها (أجيا) فجعل يضطهد المسيحيين اضطهاداً عنيفاً, وتوجه إليه القديس وجرى بينهما الحديث التالى:

قال القديس: كان يجب عليك يا أجيا حاكم البشر أن تعرف الإله الخالق وتتعبد له, وترذل عبادة الأصنام الكاذبة. فأجابه الحاكم: أأنت أندراوس الذى يهدم هياكل الآلهة, ويحض الناس على اعتناق الديانة المرذولة من القياصرة ؟ فأجابه القديس بالإيجاب, وأخذ يشرح له أسرار الدين الحقيقى, وذبيحة الفداء العجيب, وحاول الملك أن يقنعه بترك دينه والخضوع لأمره, ولكنه لم يستطع أن يثنه عن عزمه. فحبسه فى السجن ثم أوقفه أمامه اليوم التالى, وأخذ يعده ويتوعده, ولما لم يجد فائدة من الحديث معه, غضب وأمر بضربه بالسياط, فضربوه حتى سال دمه على الأرض, ثم أمر بصلبه, فأخذه الجند وطافوا به عرياناً ثم ألقوه فى السجن, فقضى ليلة مصلياً حيث ظهر له السيد المسيح وشجعه قائلاً: لا تقلق ولا تضجر فقد قرب وقت انطلاقك من العالم, فاطمأن قلب القديس وفى الغد أخرجه الجنود من السجن وذهبوا إلى موضع تنفيذ الحكم, وبينما كان الجند يسوقونه صرخ الشعب المسيحى قائلاً: ماذا صنع هذا البار صديق الله حتى يصلب؟ ولكن القديس توسل إليهم أن يسكتوا حتى يتمتع بشرف الاستشهاد, ولما رأى الصليب المعد له من بعيد ناجاه قائلاً: (السلام لك أيها الصليب الكريم الذى تقدس بأعضاء يسوع المسيح إلهى حين علق عليه, لقد كنت قبل أن يعلق عليك ابن الله منظراً مكروهاً مخيفاً, أما الآن فبعد أن مات ابن الله عليك صرت منظراً مبهجاً…).

ثم علق القديس بالحبال على صليب له وضع خاص لأن ساقيه يرتكزان فى الأرض كعلامة (×) وقد دعى فيما بعد صليب أندراوس, وظل على هذا الحال يومين فتجمهر نحو عشرين ألفاً من المسيحيين وثاروا على الحاكم, فخاف وأمر بإنزال القديس من على الصليب. ولكن الجنود الذين تقدموا لإنزاله يبست أيديهم فى الحال, وصلى القديس إلى الله قائلاً: (لا تسمح يارب لعبدك الذى صلب حباً بك أن ينحدر عن الصليب. إن نفسى تتوق إليك من زمن طويل فدعنى أنطلق لأحظى بك وأملك معك). وفى الحال أشرق عليه نور سماوى بهيج أحاط به مدة نصف ساعة ثم أسلم القديس روحه الطاهرة, واختفى النور حالاً. وكانت بالمدينة سيدة غنية تقية اسمها مكسميله فأخذت جسد القديس وكفنته ودفنته, ولم يستطع الوالى التعرض لها. وبعد مدة وجيزة اعترى الوالى شيطان فصار يصرخ صراخاً شديداً, ومات شر ميتة, وآمن بالمسيح جمع كبير, وقيل إن القديس رجم بالحجارة بعد صلبه كعادة تلك البلاد, وقال بعض الآباء إن قبر القديس كان يسيل منه منّ لذيذ الطعم زكى الرائحة, وظل ينزل فى كل سنة, وقد نال الشفاء كثيرون من المرضى الذين استعملوا هذا المن العجيب. ونقل جسد هذا الرسول فيما بعد إلى القسطنطينية, ثم إلى (أمالفى) القريبة من (نابولى) بإيطاليا, ويقال إن رأسه الآن فى رومية. وتعيد له الكنيسة القبطية فى اليوم الرابع من شهر كيهك, كما تعيد له الكنيسة الغربية فى الثلاثين من تشرين الثانى (نوفمبر).

الفصل الثالث

القديس يعقوب الكبير

(1) نشأته

هو ابن زبدى وأخو القديس يوحنا الرسول, وأمه كانت تدعى سالومة (قارن مت27: 56 مع مر15: 40, 16: 1) ودعى الكبير تمييزاً له عن القديس يعقوب بن حلفى الذى دعى للخدمة بعده, ويقول البعض إنه كان أكبر التلاميذ سناً وقد ولد فى بيت صيدا فى إقليم الجليل, ويظهر أن ذلك كان حوالى سنة 10 أو سنة 12 ق.م. عمل هو وأبوه وأخوه فى الصيد, وكانوا رفقاء لبطرس وأندراوس فى هذه الحرفة (لو5: 10), ويظهر أن أباه زبدى كان ذا يسار لأنه كان له أجرى يعملون معه فى الصيد (مر1: 20), كما أن أمه سالومة كانت من النساء اللاتى كن يتبعن المسيح ويخدمنه بأنفسهن وغالباً بأموالهن أيضاً (لو8: 3, مت 27: 55, 56, مر15: 40, 41), وكانت من النساء اللاتى أخذن حنوطاً وذهبن بها إلى قبر المخلص, وسمعن الخبر بقيامته من الأموات من الملاك, وقد أمرهن الملاك أن يذهبن ويبشرن التلاميذ بقيامته المجيدة (مر16: 1-8).

كان بطرس وأندراوس ويعقوب ويوحنا الأربعة الأولين الذين ابتدأت بهم قائمة أسماء الاثنى عشر فى مواضع مختلفة من البشائر بالنسبة لأنهم كانوا باكورة الذين دعاهم المسيح وتبعوه (مت4: 18-22, 3:10).

(2) دعوته

( أ ) كان أول تعرف هذا القديس بالسيد المسيح حينما كان مع أبيه وأخيه يوحنا فى السفينة الأخرى مع سفينة سمعان بطرس فى بحيرة جنيسارت فى اليوم الذى عمل فيه المسيح معجزة صيد السمك, وقد دعاه سمعان لمساعدته فى إخراج الشبكة وملأوا السفينتين بالسمك (لو5).

(ب) ودعا الرب بطرس وأندراوس ليتبعاه فتركا كل شئ وتبعاه (مت4: 18-20).

( ج) ثم اجتاز الرب هناك قليلاً ورأى يعقوب ويوحنا مع أبيهما زبدى فى السفينة يصلحان شباكهما فدعاهما أيضاً, فتركا أباهما والسفينة (مت4: 21, 22).

(3) بعض ما ذكر عنه فى الأناجيل

1 – أنه هو وبطرس الرسول ويوحنا كانوا الثلاثة الذين صحبهم المسيح فى إقامة ابنة يايرس من الموت, وفى التجلى, وفى بستان جثسيمانى, وأنه قد اشترك مع بطرس ويوحنا وأندراوس فى سؤال المسيح عن خراب أورشليم وعن علامات مجيئه (مر13: 3).

2 –  وقد دعاه السيد المسيح هو ويوحنا (بوانرجس) وتفسيرها (ابنا الرعد) (مر3: 17) إشارة إلى حماسهما وقوتهما الروحية وقوة تعليمهما الذى يرهب الأشرار ويخيفهم كما سنرى وربما أيضاً لطبيعتهما الحادة, فقد طلبا مرة من المسيح أن تنزل نار من السماء لتهلك مدينة للسامريين ومرة أخرى طلبا من المسيح أن يمنع الشخص الذى كان يخرج الشياطين باسمه, ومرة طلبا أن يجلس أحدهما عن يمينه فى ملكوته والثانى عن يساره وهكذا كما سنرى.

3 – قبل صلب السيد المسيح بمدة وجيزة عزم المخلص أن يصعد إلى أورشليم, وأراد أن يزور أولاً قرية للسامريين يقال إنها (عين جنيم) التى تفسيرها (بئر البساتين), فأرسل رسلاً ليمهدوا له سبيل الزيارة, ولكن أهلها لم يقبلوه, فتحمس يعقوب ويوحنا وقالا له: “يارب أتريد أن نقول أن تنزل نار من السماء فتفنيهم كما فعل إيليا أيضاً؟ ” وكان يشيران إلى ما فعله إيليا مع رؤساء الخماسين (2مل1) ولكن المسيح هدأ من ثورة غضبهما وانتهرهما قائلاً: “لستما تعلمان من أى روح أنتما لأن ابن الإنسان لم يأت ليهلك أنفس الناس بل ليخلص”, ومضوا إلى قرية أخرى (لو9: 51-56).

4 – ومرة قال أحدهما وهو يوحنا : “يا معلم رأينا واحداً يخرج الشياطين باسمك فمنعناه لأنه ليس يتبعنا فقال المسيح لا تمنعوه لأنه ليس أحد يصنع قوة باسمى ويستطيع سريعاً أن يقول علىَّ شراً, لأن من ليس علينا فهو معنا” (مر9: 38-40).

5 – ولما أنبأ المسيح تلاميذه بأنه لابد أن يصلب ويقوم من الأموات تقدمت أم يعقوب ويوحنا إلى المسيح وجثت أمامه وطلبت منه قائلة “قل أن يجلس ابناى هذان واحد عن اليمين والآخر عن اليسار فى ملكوتك” وكان ابناها يشتركان معها فى الطلب, فأجاب يسوع وقال: “لستما تعلمان ما تطلبان. أتستطيعان أن تشربا الكأس التى سوف أشربها أنا وأن تصطبغا بالصبغة التى أصطبغ بها أنا؟” قالا له: نستطيع, فقال لهما “أما كأسى فتشربانها وبالصبغة التى أصطبغ بها أنا تصطبغان وأما الجلوس عن يمينى وعن يسارى فليس لى أن أعطيه إلا للذين أعد لهم من أبى. فلما سمع العشرة اغتاظوا من أجل الأخوين فدعاهم يسوع وقال: “أنتم تعلمون أن رؤساء الأمم يسودونهم والعظماء يتسلطون عليهم فلا يكون هكذا فيكم بل من أراد أن يكون فيكم عظيماً فليكن لكم خادماً. ومن أراد أن يكون فيكم أولاً فليكن لكم عبداً. كما أن ابن الإنسان لم يأت ليخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين” (مت20: 22-28).

(4) أعماله التبشيرية واستشهاده

1 – جاء فى التاريخ أن الرسول بشر أولاً فى اليهودية والسامرة, وهكذا عملت نعمة الرب فى التلميذ الذى طلب مرة من معلمه أن ينزل ناراً من السماء لتحرق السامريين, فجعلته يبشر السامريين أنفسهم طالباً لهم الخلاص.

2 –  ثم توجه إلى أسبانيا ونشر الإيمان المسيحى هناك, وبنى كنيسة على اسم السيدة العذراء.

3 – عاد إلى اليهودية وواصل عمله هناك, فاغتاظ اليهود وضربوه ضرباً مبرحاً أمام هيرودس أغريباس, ثم سلموه له وإذ كان الملك مكروهاً من اليهود وجباناً أراد أن يرضى اليهود, فأسلم القديس إليهم فحكموا عليه بالموت فضرب رأسه بالسيف (أع12: 1). وكان ذلك قرب عيد الفصح سنة 43م وهكذا كان القديس أول من استشهد على اسم المسيح من الاثنى عشر تلميذاً. قال القديس كليمندس الإسكندرى إن الجندى الذى وشى بالقديس وقبض عليه, إذ رأى شهامة القديس وشجاعته ندم وجثا أمامه طالباً الصفح منه, واعترف علانية بالإيمان المسيحى. فقال له القديس (حييت يا ولدى, سلام لك لقد عفى عن ذنبك). وقد استشهد هذا الجندى أيضاً بالسيف على اسم المسيح.

أما هيرودس أغريباس فإن الله قد انتقم منه أشد نقمة إذ يروى سفر الأعمال أنه جلس فى يوم معين على كرسى الملك وعليه الحلة الملوكية وأخذ يتكلم إلى أهل صور وصيدا الذين حضروا ليستعطفوه, ولما سمعوه يتكلم قالوا: “هذا صوت إله لا صوت إنسان” وانتفخ العاتية لهذا المديح الباطل ولم يعط المجد لله, فضربه ملاك الرب وصار الدود يأكله وهو حى ومات ميتته الشنيعة. أما عن جسد القديس يعقوب الرسول فقد نقل إلى أسبانيا إلى مدينة تدعى قومبوستيلا. وتذكاره فى الكنيسة القبطية فى اليوم السابع عشر من شهر برمودة وفى الكنيسة الغربية فى اليوم الخامس والعشرين من تموز (يوليو).

الفصل الرابع

القديس يوحنا الرسول

(1) تعريف القديس

هو أخو يعقوب وابن زبدى وسالومة (راجع تاريخ القديس يعقوب الكبير), وقد سمى (يوحنا الحبيب) لمحبة المسيح له وتناهيه هو أيضاً فى حبه, كما دعاه الكتاب كثيراً “التلميذ الذى كان يسوع يحبه”, ودعى أيضاً (يوحنا الرائى) نسبة إلى سفر الرؤيا الذى كتبه, و(يوحنا اللاهوتى) لأنه تكلم كثيراً عن ألوهية السيد المسيح, وقد مر بنا أن أسرته كانت من بيت صيدا. وكانت تشتغل بالصيد. وهو أصغر من أخيه يعقوب, ويقول القديس إيرونيموس أن عمره كان خمساً وعشرين سنة حينما دعاه السيد المسيح, ويدعوه القديس إيرونيموس (الرسول البتول).

(2) تعرفه بالسيد المسيح ودعوته

1 – كان القديس يوحنا أولاً من تلاميذ يوحنا المعمدان, ويروى فى بشارته أن يوحنا المعمدان كان واقفاً مع اثنين من تلاميذه أحدهما أندراوس (يو1: 35-40), ولاشك فى أن الثانى كان يوحنا ولكنه لم يذكر اسمه حينما ذكر اسم أندراوس إنكاراً لذاته, وكانت  هذه عادته فى الكتابة عن نفسه, فكان يكتفى بالإشارة إلى نفسه كواحد من التلاميذ, أو التلميذ الذى كان يسوع يحبه أو التلميذ الآخر وهكذا (يو13: 23, 18: 15, 19: 26, 20: 3, 21: 20).

2 – فلما رأى يوحنا المعمدان أن يسوع ماشياً أشار إليه قائلاً: “هوذا حمل الله”, وسمعه تلميذاه أندراوس ويوحنا, فتبعا المسيح, ولما رآهما السيد سألهما: “ماذا تطلبان”, فأجاباه “ربى الذى تفسيره يا معلم, أين تمكث؟” قال لهما يسوع: “تعاليا وانظرا” فعلما الموضع الذى كان يمكث فيه وقضيا معه ذلك النهار, وكان هذا أول تعرفهما بالمخلص.

3 – وقد شهد يوحنا بعد ذلك معجزة صيد السمك, حيث امتلأت سفينة سمعان بطرس وأخيه أندراوس وطلب سمعان من زميليه يعقوب ويوحنا أن يأتيا ويساعداه فامتلأت السفينتان بالسمك, وبهر الجميع أمام شخص الفادى (لو5: 1-11). ويروى القديس لوقا خبر تلمذتهما ليسوع مجملاً فيقول إنهم لما جاءوا إلى البر تركوا كل شئ وتبعوه, ويروى القديسان متى ومرقس هذا الخبر بالتفصيل حيث يذكران أن يسوع دعا بطرس وأندراوس, ثم سار إلى مسافة قريبة حيث كان يعقوب ويوحنا قد أخذا فى إصلاح شباكهما, فدعاهما أيضاً فتبعاه (مت4: 18-22, مر16: 20).

(3) بعض ما ذكر عنه فى الأناجيل

(أولاً): ابن الرعد

مر بنا أن السيد المسيح دعاه هو وأخاه (بوانرجس) أى ابنى الرعد, وقد مر شرح هذا فى سيرة القديس يعقوب.

(ثانياً): بطرس ويعقوب ويوحنا

وقد عرفنا أن بطرس ويعقوب ويوحنا اختارهم الرب ليشهدوا معجزة التجلي وإقامة ابنة يايرس من الموت وصلاته الأخيرة في بستان جثسيماني.

(ثالثاً): سؤال المسيح عن خراب الهيكل

كما أنه هو أحد الذين سألوا المسيح عن علامات مجيئه وخراب الهيكل (مر13: 1).

(رابعاً): الرسول يطلب الانتقام من السامريين

مر بنا فى تاريخ القديس يعقوب أن إحدى مدن السامرة حينما رفضت قبول المسيح غضب الأخوان وسألا المسيح ليطلب أن تنزل نار من السماء فتهلك أهلها, ولكن المسيح قال لهما: “لستما تعلمان من أى روح أنتما” وعرفهما أنه إنما جاء ليخلص لا ليهلك.  (لو9: 51-58).

(خامساً) طلبه مركزاً ممتازاً بين التلاميذ

وقد عرفنا أيضاً أن أمه طلبت إلى المسيح أن يجلس واحد من ابنيها عن يمينه والآخر عن يساره فى ملكوته, وانتهرهما المسيح وعرفهما كيف يكونان متواضعين منكرين لذواتهما.

(سادساً): الرسول يطلب منع الآخرين من إجراء المعجزات

قال يوحنا مرة لمعلمه: (يا معلم رأينا واحداً يخرج الشياطين باسمك وهو ليس يتبعنا فمنعناه لأنه ليس يتبعنا” فأجابه السيد: “لا تمنعوه لأن ليس أحد يصنع قوة باسمى ويستطيع سريعاً أن يقول علىَّ شراً لأن من ليس علينا فهو معنا” (مر9: 38-40).

(سابعاً): يوحنا يعد الفصح

يذكر القديس مرقس أن يسوع أرسل اثنين من تلاميذه ليعدا له الفصح فى أورشليم, ويوضح القديس لوقا أن هذين التلميذين كانا بطرس ويوحنا وقد أعطاهما السيد علامة بأن رجلاً يحمل جرة ماء يقابلهما, ويريهما المكان الذى يعدان فيه الفصح, وقد تم كل هذا فأراهما الرجل عُلية مفروشة أعدا فيها الفصح ويذكر التاريخ أن هذا الرجل هو مرقس الرسول (مر14:14, لو22: 8).

(ثامناً): التلميذ الذى كان يسوع يحبه

ذكر فى الكتاب المقدس أن الرب يسوع كان يحب هذا التلميذ كثيراً (يوحنا 13: 22, 19: 26, 21: 7) وقد حققت الأحداث الكثيرة مما قرأناه وما سنقرأه عن حقيقة الحب المتبادل بينه وبين المسيح.

(تاسعاً): يوحنا على صدر يسوع

بناء على ذلك فقد كان متكئاً على صدر المسيح ليلة الصلب, ولما قال المسيح لتلاميذه إن واحداً منهم سيسلمه أومأ بطرس إلى يوحنا ليسأله عمن هو, فأجابه المسيح بقوله: هو ذاك الذى أغمس أنا اللقمة وأعطيه (يو13: 21-27).

(عاشراً): يوحنا يتبع المسيح فى المحاكمة

ولما قبض على السيد المسيح وسيق إلى بيت رئيس الكهنة, تبعه يوحنا, ولأنه كان معروفاً عند رئيس الكهنة دخل إلى البيت, وهو الذى تكلم مع البوابة فأدخلت بطرس أيضاً (يو18: 16).

(حادى عشر): يوحنا يتبع المسيح حتى إلى الصليب

ويذكر الكتاب أن هذا الرسول الأمين لم يتبع المسيح إلى دار رئيس الكهنة أثناء المحاكمة فقط, بل وتبعه أيضاً إلى الصليب, حيث كان واقفاً قريباً منه لا يبالى بالأخطار التى كانت محدقة بأتباع الرب يسوع ومناصريه.

(ثانى عشر): الرسول يأخذ العذراء البتول إلى خاصته

وقد امتاز هذا الرسول بنعمة عظيمة لأنه بينما كان واقفاً بقرب صليب المخلص نظر السيد المسيح إلى أمه وقال لها: “هذا هو ابنك”, ثم نظر إلى يوحنا وقال له: “هذه هى أمك”. ومن هذه الساعة أخذها يوحنا إلى خاصته, لذلك فإن علماء الكتاب يستنتجون أن الرسول كان له بيت فى أورشليم عاش فيه مع القديسة العذراء البتول حسب وصية الفادى. ويروى التاريخ أن هذا الرسول ظل يعولها إلى أن تنيحت.

(ثالث عشر) الرسول أول من آمن بقيامة المسيح

أما بعد القيامة فقد جاء فى الكتاب المقدس أن مريم المجدلية إذ جاءت إلى القبر فى فجر الأحد ورأت الحجر مرفوعاً عن القبر أسرعت وقالت لبطرس ويوحنا: “أخذوا سيدى ولست أعلم أين وضعوه”. فأسرع التلميذان إلى القبر يتراكضان وسبق يوحنا بطرس ووصل قبله إلى القبر وانحنى ورأى الأكفان موضوعه ولكنه لم يدخل, ثم دخل بطرس القبر ورأى الأكفان موضوعة والمنديل موضوعاً وحده ودخل يوحنا أيضاً القبر حيث يلقب نفسه (التلميذ الآخر), ورأى وآمن (يو20: 1-10).

(رابع عشر): عند بحر طبرية بعد القيامة

وحين ظهر المسيح بعد قيامته لتلاميذه عند بحيرة طبرية وتحدث إلى بطرس, وأمره أن يتبعه تطلع بطرس فرأى يوحنا أيضاً يتبعهما فقال ليسوع: “يارب وهذا ماله؟” فأجابه المسيح “إن كنت أشاء أن يبقى حتى أجئ فماذا لك”، ولقد ظن التلاميذ من هذا القول أن يوحنا سيظل حياً حتى مجىء المسيح ولكن يوحنا يعلق على قول سيده بقوله “لم يقل يسوع إنه لا يموت بل إن كنت أشاء أنه يبقى حتى أجئ فماذا لك” (يو21: 22).

ويقول بعض المفسرين أن المسيح قصد بمجيئه فى هذا الحديث انتشار ملكه على الأرض, وقد تحقق وعده المجيد لأن يوحنا عمَّر أكثر من باقى التلاميذ, ومات موتاً طبيعياً بعد أن انتشر الإيمان المسيحى انتشاراً بيناً.

(4) أعماله فى التبشير

أولاً: فى اليهودية

(1) كان القديس مع التلاميذ ومع المؤمنين فى العلية بعد صعود الفادى إلى السماء, واشترك مع التلاميذ فى إجراء القرعة التى عين الرب بها متياس الرسول بدلاً من يهوذا الإسخريوطى (أع1) وكان معهم أيضاً عند حلول الروح القدس فى يوم الخمسين (أع2).

(2) وقد مر بنا فى تاريخ القديس بطرس أنه صعد معه إلى الهيكل, حيث أجرى الله على أيديهما معجزة شفاء الرجل الأعرج منذ ولادته, وقد كانت هذه المعجزة بركة آمن بسببها ألوف من الشعب مما أثار حنق رؤساء اليهود وشيوخهم على الرسولين, فوضعوهما فى الحبس إلى اليوم التالى, ثم أخرجوهما وهددوهما حتى لا ينطقا باسم المسيح, ولكن الرسولين لم يباليا بالتهديد (أع4).

(3) وقد وضع ثانية مع الرسل فى حبس العامة, وجلد مع الرسل من اليهود, ولكنهم جميعاً سروا بالضربات التى أصابتهم “وذهبوا فرحين من أمام المجمع لأنهم حسبوا مستأهلين أن يهانوا من أجل اسمه (أع5: 41).

(4) وبعد موت القديس استفانوس اضطهد اليهود الكنيسة اضطهاداً عنيفاً, حتى تشتت الكثيرون من المؤمنين, أما الرسل ومن بينهم القديس يوحنا فبقى فى أورشليم يداوم على خدمته.

(5) وبعد دخول القديس بولس الإيمان المسيحى امتدح القديسين يعقوب وصفا (بطرس) ويوحنا, ووصفهم بأنهم (أعمدة) وقال إنهم أعطوه مع برنابا (يمين الشركة) فى العمل المقدس ليكون هو وبرنابا رسلاً للأمم وأما هم فللختان (غلا2: 9).

(6) يقول بعض المؤرخين إنه بقى فى أورشليم حتى نياحة السيدة العذراء فى سنة 62م, حيث توجه بعد ذلك إلى أفسس كما سنرى, والبعض يرون أنه اصطحب العذراء معه إلى أفسس فترة من الزمن قبل هذا التاريخ.

ثانياً: عمله فى السامرة

كانت السامرة قد قبلت الإيمان على يدى القديس فيلبس الشماس, وسمع الرسل بإيمان أهلها فأرسلوا إليها بطرس ويوحنا, فمنح الرسولان المؤمنين هنالك سر الميرون (التثبيت) بوضع أيديهما عليهم, فقبلوا موهبة الروح القدس حتى بهت سيمون الساحر وفكر أن يشترى مواهب الرب بدراهم حتى أن كل من يضع يده عليه يقبل الروح القدس أيضاً فوبخه بطرس الرسول كما مر ذلك فى تاريخه المقدس. وأنه من نعمة الله العجيبة أن القديس الذى طلب مرة أن تنزل نار من السماء لتهلك مدينة للسامريين, أصبح ينادى ببشارة الخلاص فى السامرة ويضع يده على أهلها ليقبلوا الروح القدس.

ثالثاً: عمله فى أفسس وفى كنائس آسيا

1 – سافر القديس إلى آسيا الصغرى إلى مقر خدمته فى مدينة أفسس وكان القديس تيموثاوس قد رسم من قبل أسقفاً بيد بولس الرسول, وتعاون مع القديس يوحنا فى الخدمة. وكان معه تلميذه بروخورس فى أفسس, وكان عمل الرسول يوحنا واسعاً جداً لأنه عمل فى مواضع أخرى من آسيا وفى الغالب كان يشرف على كنائسها السبع, وهى التى أمر الرب أن يكتب رسائل إلى أساقفتها يشجعهم وينذرهم ويعلمهم (رؤ1-3).

2 – وهناك تقليد جميل يروى قصة مجيئه إلى أفسس, فلقد ركب مركباً مع تلميذه بروخورس وجماعة من المسافرين وهاج البحر وكسر السفينة وتعلق الركاب بألواحها. ودفعت الأمواج تلميذه بروخورس إلى إحدى الجزر الصغيرة. أما القديس يوحنا فظل بتدبير الله فى البحر أياماً تتقاذفه الأمواج, وأخيراً حملته بقوة الله إلى نفس الجزيرة حيث تقابل مع تلميذه وأقلعا معاً إلى أفسس ليعملا فى كرم الرب. وكان أهلها قساة, وقلوبهم غليظة, ودبرت عناية الله أن يسقط ابن وحيد لامرأة فى مستوقد الحمام, وأخرجه الناس ميتاً, وجعلت الأم تندب ابنها, فأشفق عليها القديس وصلى إلى الله فأقام ابنها من الموت مما أثار دهشة الناس وأقبلوا إلى القديسين ليستمعوا إلى تعليمهما وآمن منهم جماعة كبيرة. ولما اغتاظ كهنة الأوثان أرادوا الفتك به. ولكن الله حفظه, وظل يمارس خدمته فى المدينة, ورأى الناس فيه روح المحبة والوداعة, فآمنوا بالمسيح.

ويؤكد الكثيرون من آباء الكنيسة أن القديس عمل فى أفسس, من بين هؤلاء الآباء القديسون بابياس وإيرونيموس وأمبروسيوس وأغسطينوس ويوحنا فم الذهب وإيريناوس وترتليانوس وكليمنضس الإسكندرى وغيرهم, كما يؤيد هذا أيضاً يوسابيوس القيصرى المؤرخ. ويؤكدون أيضاً أنه تنيح فيها.

3 – وقد عاصر القديس أربعة من أباطرة الرومان هم نيرون ودومتيانوس ونرفا (نيرون الصغير) الذى ملك سنة واحدة وتراجان.

4 – فى سنة 95م أثار دومتيانوس الاضطهاد ضد المسيحيين, وقبض على القديس يوحنا وأرسله مقيداً إلى روما وهناك أمر بإلقائه فى خلقين (إناء كبير) به زيت يغلى, فوقف القديس فى الزيت عدة ساعات دون أن يصيبه أى ضرر مما أدهش الجميع وتعجب والى المدينة نفسه وأمر بإخراجه من الزيت.

يقرر هذه الرواية الكثيرون من بينهم إيرونيموس وترتليانوس وأغسطينوس.

5 – وحنق الإمبراطور دومتيانوس ونفى القديس إلى جزيرة بطمس, وهى إحدى جزر الأرخبيل الرومى على بعد أربعة وعشرين ميلاً من آسيا الصغرى من جهة الغرب حيث كتب هناك سفر الرؤيا. ويروى ابن العبرى فى كتابه (تاريخ مختصر الدول) أن القديس وهو فى منفاه وصلته رسالة من القديس ديوناسيوس الأريوباغى أسقف أثينا يشجعه ويعزيه وقد جاء بالرسالة: (لا يعتريك الضجر والملل فإنه لا يطول سجنك, فالمسيح يعمل لك الخلاص “النجاة” فألهم نفسك بالصبر). وبعد قليل قتل دومتيانوس فى مجلسه.

6 – وبعد أن قتل دومتيانوس تولى الإمبراطور نرفا. الذى رأى أن يرفع الاضطهاد عن المسيحيين, وقرر مجلس الأعيان إعادة المتعبين منهم إلى ديارهم, فعاد القديس يوحنا إلى أفسس ووجد القديس تيموثاوس قد استشهد بأيدى الوثنيين, وكان استشهاده سنة 97م ويرى بعض المؤرخين أن الرسول يوحنا ظل فى النفى سنة ونصف سنة, وآخرون يرون أنه ظل ست سنوات, ولأجل التعذيبات التى أصابت القديس من وضعه فى الزيت المغلى إلى النفى لقب شهيداً وإن كان استشهاده بدون سفك دم.

7 – وهناك تقليد قديم لدى أهل مدينة باسورة (البصرة) فى بلاد العراق يقول إن الذى هدى أهلها إلى الإيمان المسيحى هو القديس يوحنا الإنجيلى الذى بشر فيها. وهذا يدل على اتساع المناطق التى تجول فيها هذا القديس منادياً بالكلمة.

5 – طرائف حكيمة عن القديس

( أ ) أحبوا بعضكم بعضاً

لما كبر القديس وعجز عن المشى كان المؤمنون يحملونه إلى الكنيسة لكى يعظهم, فكان يعظهم دائماً بهذه الكلمات: (يا أولادى أحبوا بعضكم بعضاً). ولما سألوه مرة لماذا لا يعظهم بموضوع آخر, قال لهم: (إن هذه هى وصية الرب وإذا عملنا بها فهى وحدها تكفينا).

(ب) غيرته على خلاص النفوس

كان القديس شديد الغيرة على خلاص النفوس. ومما يروى عنه أنه كان يعلم مرة فى إحدى مدن آسيا الصغرى قيل إنها مدينة أزمير, فأبصر شاباً ذكياً فأخذه إليه. ولما عزم على السفر إلى أفسس سلم الشاب إلى أسقف مدينته وأوصاه أن يحتفظ به كوديعة ثمينة. فأخذ الأسقف يعتنى بالشاب حتى قبل الإيمان على يديه ونال سر الشركة المقدسة, ولما اطمأن إليه أطلق حريته. ولكن الشاب اصطحب بعضاً من أصدقاء السوء وتوغل فى عمل الشر إلى أن صار رئيس عصابة للصوص.

وبعد سنتين عاد القديس يوحنا إلى هذه المدينة ليتفقدها وسأل أسقفها عن الوديعة, وظن الأسقف أنه يسأل عن وديعة مالية, فأفهمه القديس أنه يقصد الشاب الذى كان قد سلمه إياه, فبكى الأسقف وقال إنه قد مات, وساله الرسول عن طريقة موته, فقال له إنه قد مات بالخطية حيث صار رئيساً لجماعة من اللصوص. وللوقت تأثر القديس, وأخذ فرساً ودليلاً وذهب يتوغل فى الجبال يسعى وراء هذا الشاب الضال, فأبصره اللصوص وقبضوا عليه وساقوه إلى رئيسهم, ولما رآه الشاب عرفه فشعر بخجل وخوف وجعل يعدو هارباً أمامه. فأخذ القديس يجرى وراءه ويناديه: (لماذا تهرب يا ابنى من وجه أبيك وهو شيخ وأعزل من السلاح؟ ارحم نفسك وارحم شيخوختى ولا تخف لأن الرجاء لا يزال متوفراً لخلاصك وأنا كفيلك عند المسيح, ومستعد أن أدفع حياتى لأجلك كما دفع المسيح حياته لأجلنا), فتأثر الشاب وذاب قلبه أسفاً وندماً, ورجع إلى القديس الشيخ وأخذ يجهش بالبكاء, فأخذه بفرح إلى الكنيسة وصلى وصام من أجله حتى صار أهلاً للشركة المقدسة من جديد.

(ج) غيرته على التعليم الصحيح

1 – وكان هذا القديس غيوراً جداً على التعليم الصحيح. وخصماً لدوداً للمهرطقين والمعلمين الكذبة. ومما يروى عنه أنه دخل الحمام مرة مع بعض المؤمنين فوجد به كيرنثوس المهرطق فصاح بأبنائه قائلاً: (لا تدخلوا حيث عدو المسيح, وخرج فى الحال من الحمام وجرى وراءه المؤمنون هاربين. وكيرنثوس هذا مبتدع ظهر فى القرن الأول المسيحى وحاول ببدعته أن يعمل ديناً جديداً يخلط فيه بين المسيحية واليهودية ومبادئ الكنوسيين الذين كانوا يقولون بسقوط المملكة التى خلقها خالق العالم, وبأنهم قادرون على أن يعلموا الناس ما قصدوه من معرفة الإله الأعظم. وعندهم أن الإله الأعظم هو الإله الحق, أما خالق العالم فهو الذى سن شريعة اليهود, وبعد أن فسدت هذه الشريعة أراد الإله الأعظم أن يجدد البشرية ويخلصها بأيون يسمى المسيح الذى أرسله فى شبه حمامة ليحل على شخص بار اسمه يسوع, وحارب المسيح إله اليهود (خالق العالم) فحرض هذا اليهود عليه فأرادوا صلبه, ولكنهم لما قبضوا عليه ارتفع المسيح إلى السماء تاركاً يسوع ليصلب, ولابد أن يعود المسيح ليتمجد بيسوع الملك مع المؤمنين فى فلسطين ألف سنة.

2 – وكذلك قاوم القديس يوحنا أبيون ونيقولاوس المبتدعين وغيرهما. ومؤدى بدعة أبيون أن المسيح كان مجرد إنسان ولد ولادة طبيعية من يوسف ومريم وأنه يجب على المسيحيين أن يحفظوا جميع نواميس موسى كالختان وحفظ السبت وغيرهما, وقد عدل عن هذه المبادئ وسار إلى رومية وكان يعمل سر الشكر بالفطير والخمر الصرف (بدون أن يمزجه بالماء). وظهر هذا المبتدع فى منتصف القرن الأول المسيحى, أما نيقولاوس فيظهر أنه الشماس المذكور بين الشمامسة السبعة الذين انتخبهم الرسل للخدمة (أع6: 5) ولكنه إذ زاغ واشترك فى خطية بلعام الذى جعل الشعب يخطئ بأكله ذبائح الأوثان والاشتراك فى نجاسات الأمم نبه عنه السيد المسيح أسقف كنيسة برغامس بقوله (إن عندك أنت قوماً متمسكين بتعليم النيقولاويين الذى أبغضه رؤ2: 14).

( د ) الرياضة العقلية

كان هذا القديس فى شيخوخته يروض نفسه ببعض الرياضات البريئة. من ذلك أنه كان يلعب أحياناً بطائر صغير فرآه أحد الصيادين مرة يفعل هذا فتعجب جداً أن يلعب وهو شيخ فسأله القديس عما يحمله فى يده, فأجابه الصياد بأنه يحمل قوسه الذى يستعمله فى الصيد. فسأله القديس: لم لا يجعل القوس مشدوداً بالسهم باستمرار, فأجابه الصياد لئلا ينقطع الوتر.فقال له القديس: هكذا عقل الإنسان يا ولدى إذا لم يروضه صاحبه يتعرض للضرر والتلف.

(6) نياحة القديس

يرى البعض أن القديس يوحنا استشهد, ولكن معظم الآباء والمؤرخين أوضحوا أنه مات موتاً طبيعياً, وكان موته فى عهد الإمبراطور تراجان الذي ملك من سنة 98 إلى سنة 117م، ويشهد بنياحته في عهد الملك تراجان الكثيرون من الآباء من بينهم القديسان إيريناوس وكليمندس الإسكندرى. وإذ شعر القديس بقرب نياحته اجتمع بشعبه فى أفسس وأقام لهم القداس الإلهى وناولهم من الأسرار المقدسة ووعظهم, ثم خرج خارج المدينة مع نفر من تلاميذه وأمرهم فحفروا له حفرة فى الأرض, ونزل فيها, ووقف يصلى إلى الله, ثم ودع تلاميذه وأوصاهم بالثبات على الإيمان بقوله: (إنى برئ الآن من دمكم, لأنى لم أترك وصية من وصايا الرب إلا أعلمتكم بها. والآن اعلموا أنكم لا تعودون ترون وجهى فيما بعد, وسيجازى الله كل واحد حسب عمله), فلما سمعوا منه هذا بكوا وقبلوا يديه ورجليه, وانطلقوا إلى المدينة ليخبروا الشعب, فأتوا جميعاً, ووجدوه قد أسلم الروح وقد تنيح القديس فى سنة 100م أو بعد ذلك بقليل حيث كان فى الرابعة والتسعين من عمره, وقيل فى المائة من عمره, وهو الرسول الوحيد الذى مات موتاً طبيعياً دون أن يقتل. وتذكار نياحته فى اليوم الرابع من شهر طوبة, وفى الكنيسة الغربية فى اليوم السابع والعشرين من كانون الأول (ديسمبر).

(7) آثــاره

كتب هذا القديس الإنجيل الرابع, وسفر الرؤيا, وثلاث رسائل. وترى كتبه تدور حول مسألتين ظاهرتين:

أولاهما: إثبات ألوهية السيد المسيح, والثانية المحبة, ولأنه كان يحلق كثيراً فى عالم الإلهيات شبهه آباء الكنيسة بالنسر وقالوا إن الحيوان الرابع الذى يشبه النسر يشير إليه (رؤ4: 7). وإليك بعض الملاحظات عن كتبه.

أولاً: إنجيل يوحنا

هو البشارة الرابعة وقد كانت طريقة الوحى بها عجيبة وطريفة فلقد عمّر القديس أكثر من باقى الرسل وكان قد ظهر بعض المبتدعين الذين أنكروا لاهوت المسيح, فطلب إليه المؤمنون أن يدحض آراءهم. فصلى إلى الله طويلاً وأمر المؤمنين أن يصلوا أيضاً, وفى يوم وقع عليه سبات عميق, ولما استيقظ منه نطق بالآية الأولى من الإنجيل: “فى البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله” (يو1:1), ثم أكمل كتابة إنجيله بوحى الروح القدس ويؤكد الآباء والمؤرخون أن القديس كتب إنجيله في أفسس في أواخر الجيل الأول، من هؤلاء الآباء تلميذه بوليكاربوس وإيريناؤس تلميذ بوليكاربوس ويوستينوس الشهيد وترتليانوس وإيرينموس وأثناسيوس الرسولي ويوسابيوس المؤرخ وغيرهم. وقد كتب الإنجيل باللغة اليونانية.

تقع هذه البشارة فى 21 أصحاحاً وأهم محتوياتها:

1 – ظهور يوحنا المعمدان وشهادته للسيد المسيح. والبشارة تشتمل على الحديث المفصل بين يوحنا المعمدان وتلاميذه.

2 – تفصيل أعمال السيد المسيح وأقواله.

3 – ذكر صلبه وقيامته وصعوده إلى السماء.

4– الكلام بالتفصيل عن لاهوته تفنيداً لبدع المهرطقين مثل أبيون وكيرنثوس وغيرهما.

وقد انفرد يوحنا بذكر بعض الحوادث التى لم يذكرها البشيرون الثلاثة الآخرون منها:

(1) حث يوحنا المعمدان بعض تلاميذه ليتبعوا المسيح (1: 37, 40).

(2) معجزة تحويل الماء إلى خمر فى عرس قانا الجليل (يو2).

(3) حديث المسيح مع نيقوديموس (يو3).

(4) حادث المرأة السامرية (يو4).

(5) معجزة إبراء المريض عند بركة بيت حسدا (يو25).

(6) حديثه المستفيض عن إعطائه جسده ودمه للمؤمنين (يو6).

(7) معجزة شفاء الأعمى منذ ولادته (يو9).

(8) معجزة إقامة لعازر من الموت (يو11).

(9) حديثه المستفيض مع التلاميذ وصلاته لأجلهم, وحديثه عن الروح القدس (يو14-17).

(10) ظهوره لتلاميذه بعد القيامة عند بحيرة طبرية وحديثه مع بطرس (يو21).

ثانياً: الرسالة الأولى

كتبت فى أفسس فى سنة 98م إلى اليهود الساكنين فى فاريتا (باريتا) وما جاورها. و(فارتيا) جزء من بلاد الفرس ولعلها الآن (خراسان) وأهلها دعوا (فرتيين) وكانوا قد حضروا إلى أورشليم فى يوم الخمسين (أع2: 9). والرسالة تقع فى خمسة أصحاحات ومن موضوعاتها:

(1) حقيقة تأنس المسيح وإثبات لاهوته دحضاً لبدعة الغنوسيين الذين ادعوا أن جسد المسيح كان جسداً روحياً لا حقيقياً وأن المادة شر فلا يتسنى أن يأخذ المسيح جسداً مثل البشر.

(2) التكلم عن الثالوث الأقدس, ووجوب الإيمان بالله الواحد بالذات المثلث الأقانيم لنوال الخلاص.

(3) أيضاً كون المسيحيين أولاد الله وحثهم على المحبة وحفظ الوصايا ليؤهلوا لهذه النسبة المقدسة.

(4) تحذير المؤمنين من المعلمين الكذبة.

ثالثاً: الرسالة الثانية

يرجح أنها كتبت فى سنة 99م وهى فى أصحاح واحد حررت إلى سيدة شريفة تقية اسمها كيرية كانت تسكن بجوار أفسس وأهم موضوعاتها:

1 – مدح السيدة هى وأهل بيتها لتمسكهم بالإيمان.

2 – حثهم على المحبة والتمسك بالقداسة .

3 – تحذيرهم من المعلمين الكذبة.

رابعاً: الرسالة الثالثة

كتبت إلى غايس أحد الأتقياء ويرى المفسرون أنه غايس الدربى المذكور فى (أع20: 4) أو غايس الكورنثى المذكور فى (رو16: 24, 1كو1: 14) وهى فى أصحاح واحد أيضاً يمدح فيه هذا الرجل التقى لأنه كان سخياً فى إكرام خدام الكلمة, ويحثه على عدم التشبه بالبخلاء أمثال ديوتريفس, ويعده بحضوره إليه شخصياً ليتحدث إليه مشافهة.

خامساً: سفر الرؤيا

كتب فى جزيرة بطمس بينما كان القديس منفياً, ويرى البعض أن ذلك كان فى سنة 68م فى عهد نيرون الطاغية, ويرى آخرون أنه كتب فى سنة 96م فى عهد دومتيانوس وهذا الرأى أرجح.

ويحتوي على 22 أصحاحاً تشتمل على عدة أمور سامية:

(1) خطاب موجه إلى الكنائس السبع فى آسيا التى كان يمثلها أساقفتها وفيها مديح وإنذارات ووعود ونصائح جليلة (رؤ1, 2). ومن المناسب أن تعرف أن آسيا هذه يقصد بها الجزء الجنوبى من آسيا الصغرى المطلة على البحر المتوسط وكانت تشتمل على ثلاث مقاطعات هى ميسيا وليدية وكاريا.

(2) منظر الله الرهيب على عرشه والأربعة الحيوانات والأربعة والعشرون قسيساً حول العرش (رؤ4).

(3) رؤيته سفراً مختوماً, وعجز جميع القوات عن فتحه وفك ختومه ولم يفتحه إلا السيد المسيح وحده الذى ظهر فى شكل الخروف المذبوح فمجدته جميع القوات والخلائق.

(4) الحوادث التى تصادف الكنيسة المجاهدة.

(5) الحرب بين إبليس وقواته المظلمة وبين رئيس الملائكة ميخائيل وقواته النورانية, وانتصار قوات النور على قوات إبليس.

(6) ظهور المسيح الدجال واضطهاداته للمؤمنين.

(7) انتصار المسيح على أعدائه, وغلبة الكنيسة على مقاوميها.

(8) مناظر مجيدة عن السماء والمجد الذى يحظى به المؤمنون الغالبون مع سيدهم, والعذاب الذى سيلقاه الشيطان وأتباعه.

(9) تعزية الله لنفوس المستشهدين من أجل اسمه.

الفصل الخامس

القديس فيلبس الرسول

(1) نشأته

موطن هذا الرسول بيت صيدا, وفيلبس علم يونانى معناه (المحب للخيل) أو (الرجل الفارس).

وقد كان منذ صباه مواظباً على قراءة الكتب المقدسة فعرف من نبوات الأنبياء الكثير عن مجىء المسيح لخلاص العالم ولذلك تعرف بالمسيح قبل دعوته, ولما دعاه ليتبعه قبل الدعوة فى الحال.

(2) دعوته

دعى هذا القديس فى اليوم التالى الذى جاء فيه أندراوس بأخيه بطرس إلى المسيح, حيث كان يسوع يسير فى الجليل فوجد فيلبس وقال له: اتبعنى. ثم وجد فيلبس نثنائيل فقال له: “قد وجدنا الذى كتب عنه موسى فى الناموس والأنبياء يسوع بن يوسف الذى من الناصرة”, فقال نثنائيل: “أمن الناصرة يمكن أن يكون شئ صالح؟” قال له فيلبس: “تعال وانظر” (يو1: 46) ومن هذا كان القديس فيلبس سبب هداية نثنائيل ولغيره أيضاً لأنه قادهم إلى معرفة الرب يسوع.

(3) بعض مواقفه فى الأناجيل

(1) رأى القديس كليمندس الإسكندرى أن فيلبس هو التلميذ الذى قال للسيد المسيح “ائذن لى أن أمضى وأدفن أبى” فقال له المخلص “اتبعنى ودع الموتى يدفنون موتاهم” (مت8: 21, 22).

(2) فى معجزة إشباع الجموع سأل المسيح فيلبس ليمتحن إيمانه قائلاً: “من أين نبتاع خبزاً ليأكل هؤلاء؟” فأجاب فيلبس “لا يكفيهم خبز بمائتى دينار ليأخذ كل واحد منهم شيئاً يسيراً” (يو6: 5-8).

(3) ولما صعد يسوع إلى أورشليم واستقبله أهلها حاملين سعف النخيل, تقدم قوم من اليونانيين الذين صعدوا ليسجدوا فى أورشليم إلى فيلبس وقالوا له: نريد أن نرى يسوع. فأتى فيلبس وقال لأندراوس, وقال كلاهما ليسوع وقال السيد: “الآن قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان. الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة فى الأرض وتمت فهى تبقى وحدها ولكن إن ماتت تأتى بثمر كثير…”.

ثم قال: “أيها الآب مجد ابنك…” فجاء صوت من السماء قائلاً: “مجدت وأيضاً أمجد”, وسمع الجمع هذا فقال بعضهم: “قد حدث رعد, وآخرون قالوا “قد كلمه ملاك”, فقال يسوع: “ليس من أجلى صار هذا الصوت بل من أجلكم” (يو12: 20-30).

(4) وفيلبس هو الذى قال للسيد المسيح حينما كان يخاطبهم مرة “يا سيد أرنا الآب وكفانا”, فأجابه: “أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفنى يا فيلبس. الذى رآنى فقد رأى الآب. فكيف تقول أنت أرنا الآب. ألست تؤمن أنى أنا فى الآب والآب فىَّ؟” (يو14: 8-10) وبهذا نطق المخلص بهذه الكلمات الواضحة التى تظهر للأجيال وحدته مع أبيه ومساواته له فى الجوهر.

(4) عمله التبشيرى

(1) بعد حلول الروح القدس كان نصيبه فى التبشير فى إقليم فيريجية وأعالى آسيا يؤيد ذلك بعض الآباء مثل بابياس وبوليكراتس.

(2) ثم وصل أيضاً إلى بلاد العجم وبشر هناك ومما جاء فى التاريخ عنه أنه لما دخل مدينة إيرابوليس إحدى مدن فيريجية بآسيا الصغرى وجد أهلها يتعبدون لأفعى دعيت باسم كوكب (المشترى) الذى اعتبروه إلهاً فتألم القديس كثيراً وصلى إلى الله من أجلهم, ثم أخذ يبشرهم بالإله الحقيقى فقبلوا دعوته وندموا على عبادتهم الكاذبة وآمنوا, ومن هذا الوقت ازدهرت المسيحية فى هذه البلاد.

(5) استشهاد القديس

اغتاظ كهنة الأصنام من القديس فهجموا عليه وقيدوه ورغم أن القديس كان يبتسم لهم ويسألهم بمحبة وغيرة على خلاصهم: “لماذا ترفضون الحياة الآن ولا تفكرون فى خلاص أنفسكم؟” ولكنهم رغم هذا لم يبالوا بمحبته, وعذبوه, ثم صلبوه, وذكر البعض أنه صلب منكساً, ولما كان على الصليب أحدث الله فجأة زلزالاً شديداً جعل الشعب يخاف, وفر الأعداء من شدة الفزع وتقدم المؤمنون وأرادوا أن ينزلوا القديس من على الصليب ولكنه طلب منهم أن يتركوه حتى يكمل جهاده وأسلم القديس روحه ومات شهيداً, ودفن فى إيرابوليس.

(6) مكانة القديس

كان لعيد القديس مكانة عظيمة فى الكنيسة الشرقية. وقد ذكر التاريخ من معجزاته أن الملك ثيئودوسيوس الكبير لما كان يحارب أوجانيوس ورأى أن جيش أوجانيوس أقوى من جيشه خاف كثيراً والتجأ إلى الله بالصلوات, فظهر له في رؤيا القديسان يوحنا وفيلبس الرسولان فى صورة جنديين يلبسان الملابس البيضاء ويمتطيان جوادين, وشجعاه ووعداه بالغلبة, فاستيقظ فى الصباح وكانت دهشته عظيمة أن أحد جنوده الأتقياء رأى نفس الرؤيا, فاطمأن الملك, ولما دخل الحرب انتصر انتصاراً عظيماً على أوجانيوس.

الفصل السادس

القديس متى الرسول

(1) نشأته

نشأ هذا القديس فى قانا الجليل واسمه أيضاً لاوى ومعنى لاوى “مقترن” كما أن معنى متى “عطية الله” وكان متى رئيساً للعشارين ولذلك كان محتقراً من اليهود. شأنه جميع العشارين الذين كانوا يحصلون الجزية للدولة الرومانية, وكانوا يظلمون الناس ويستبدونهم.

(2) دعوته

يذكر الكتاب المقدس أن متى كان جالساً عند مكان الجباية خارج كفرناحوم فى الموضع الموصل إلى الميناء حينما مر عليه السيد المسيح وقال له: اتبعنى, فترك كل شئ وقام وتبعه, وعمل للسيد المسيح وليمة كبيرة, واعترض اليهود لأن المسيح دخل بيت رجل خاطئ، فقال السيد كلمته المأثورة “لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى فاذهبوا وتعلموا ما هو إنى أريد رحمة لا ذبيحة لأنى لم آت لأدعو أبراراً بل خطاة إلى التوبة” (مت9).

(3) أعماله التبشيرية

(1) وبعد الخمسين بشر القديس أولاً فى اليهودية, وقد ظل يبشر هناك حوالى ثلاث سنوات. ولما أراد أن يترك شعبه ليبشر فى جهات أخرى طلبوا إليه فكتب لهم إنجيله باللغة الآرامية التى كانت شائعة فى أورشليم, وهى مزيج من اللغة السريانية واللغة الكلدانية, وتعتبر اللغة الآرامية اللهجة الدارجة للعبرانية. ويرى البعض أن القديس كتب إنجيله باللغتين العبرية واليونانية.

وجاء فى التاريخ أن المؤمنين حينما عثروا على جسد القديس برنابا فى قبرص وجدوا على صدره نسخة من إنجيل متى مكتوبة بخطه, كما جاء أيضاً أن البابا ديمتريوس لما أوفد العلامة بنتينوس رئيس المدرسة اللاهوتية بالإسكندرية فى مهمة إلى بلاد الهند عثر هذا العلامة فى بلاد اليمن فى مروره بها نسخة من إنجيل متى وأحضرها معه إلى الإكندرية. ثم توجه إلى فارس ثم  حبشة آسيا وبشر هناك.

(2) وذهب بعد ذلك إلى بلاد فارس, ويرى بعض الآباء مثل القديس إيرونيموس أنه استشهد هناك ولكن الرأى الأرجح أن استشهاده كان فى أثيوبيا كما سنرى.

(3) ثم وصل إلى حبشة أفريقيا (أثيوبيا) وجاهد جهاداً كبيراً, ويقول المؤرخون إنه قضى هناك ثلاثاً وعشرين سنة كان يأكل فيها البقول والنباتات فقط, وعند وصوله إلى هذه البلاد قابله الخصى الحبشى وزير كنداكة الذى كان قد قبل الإيمان على يد فيلبس الشماس (أع8) ففرح بمجىء الرسول وأكرمه كثيراً. لاقى القديس فى بلاد الحبشة شدائد كثيرة منذ دخوله إلى مدينة نادابير عاصمة الأحباش آنئذ وقد صادفه ساحران كانا يغويان الناس بسحرهما كثيراً, ولكن القديس تغلب عليهما بما عمله أمامهما من معجزات إلهية باهرة, ولما اغتاظ الساحران استحضرا إلى المدينة ثعبانين هائلين ليدهشا الناس, ولكن القديس صلب عليهما بعلامة الصليب فاستأنسا وصارا كحيوانين أليفين وأمرهما القديس أن يعودا إلى وكرهما فعادا. ومن معجزاته أن ابن الملك مات فاستحضر الملك الساحرين لكى يقيماه فلم يستطيعا, فصلى القديس متى من أجله فقام من موته وآمن الملك وجمع غفير من الشعب, وقيل إن القديس صلى إلى الله فأنزل عليه مائدة من السماء وأحاط به نور عظيم هو ومن معه, مما جعل الساحرين نفسيهما يؤمنان بالمسيح.

وفى يوم بينما كان الرسول يعظ الناس عن العفة والطهارة تأثرت (أفجانيا) ابنة الملك الكبرى وتقدمت نحوه ونذرت أن تعيش بتولاً, وتبعها عدد كبير من الفتيات وعشن عيشة النسك والطهر والعفاف, ولما مات ملك هذه البلاد اغتصب أخوه المدعو برتكوس ملكه, مع أنه كان من حق أفجانيا, ولكي يثبت الملك لنفسه أراد أن يتزوج منها ولكنها امتنعت وعرفته أنها قد نذرت بتوليتها للسيد المسيح, فاستدعى الملك القديس متى, وطلب إليه أن يقنعها بالزواج منه ولكن الرسول نصحها بالثبات على عزمها المقدس, فاغتاظ الملك, وأمر جنوده أن يفتكوا به, وحدث بينما كان القديس يقدس الأسرار الإلهية دخل الجنود البيعة وما كاد ينتهى من القداس حتى هجموا عليه وضربوه ضرباً قاسياً حتى مات. وقيل إنه مات بطعنة رمح وكان ذلك سنة 62م. يؤيد خبر استشهاده فى الحبشة معظم الآباء والمؤرخين مثل سقراط وروفينوس. حاول الملك بعد ذلك أن يستميل أفجانيا بقوة السحر فلم يفلح, فعزم على قتلها فاعتراه مرض عضال وأصيب بالجنون, ومات شر ميتة لأنه قتل نفسه, وعاشت القديسة بسلام واطمئنان.

(4) وفى أثناء وجود الرسول فى الحبشة زار البلاد التى كان يسكنها آكلو لحوم البشر واستطاع أن يهديهم إلى الإيمان وأبطل هذه العادة الوحشية, وقيل إنه أدخل استعمال الماء المصلى عليه إلى بلاد الحبشة ويذكر السنكسار خبر استشهاده فى اليوم الثانى عشر من بابة كما يعيد له الغربيون فى اليوم الحادى والعشرين من أيلول (سبتمبر).

(4) آثــاره

كتب متى إنجيله بينما كان فى فلسطين ويرجح أن ذلك كان حوالى سنة 39م أى قبل خراب أورشليم وقبل مبارحته اليهودية, ويرى البعض أنه كتب سنة 61م بعد أن تجول مبشراً فى آسيا وأفريقيا حيث رجع ليزور شعبه فى اليهودية ويفتقدهم.

وقد كتب هذا الإنجيل فى الغالب باللغة الآرامية وقصد متى أن يثبت فى إنجيله أن يسوع هو المسيح الذى تنبأ عنه الأنبياء, ولذلك أكثر من الاستشهاد بنبوات الأنبياء, وأوضح من سلسلة الأنساب أن يسوع هو ابن إبراهيم وداود. ويقع هذا السفر فى 28 أصحاحاً ومن موضوعاته:

1 – ايضاح مجىء المسيح من نسل إبراهيم وداود.

2 – مولد المسيح وطفولته والحوادث الهامة التى تعلقت بهما.

3 – ظهور يوحنا المعمدان وعماد المسيح وصومه وتجربته.

4 – طائفة كبيرة من معجزات الفادى.

5 – عدة أقوال ذهبية من تعاليمه مثل العظة على الجبل, وحديثه إلى التلاميذ عند إرسالهم للتبشير أولاً فى اليهودية.

6 – حوادث الأسبوع الأخير من دخوله إلى أورشليم حتى صلبه وقيامته.

7 – صعوده إلى السماء بعد أن أوصى تلاميذه بأن يكرزوا فى جميع الأمم ووعدهم بأن يكون معهم كل الأيام إلى انقضاء الدهر.

هذا ومن الأمور التى انفرد متى بذكرها:

1 – زيارة المجوس للمسيح (مت2).

2 – هروبه إلى مصر وقتل هيرودس للأطفال (مت2).

3 – مثل العذارى الحكيمات والجاهلات (مت25).

4 – حلم امرأة بيلاطس (مت27).

5 – قيام بعض القديسين من الموت عند موت المسيح (ص27).

6 – ادعاء رؤساء الكهنة أن تلاميذه أتوا وسرقوا جسده وتقديم رشوة للحراس ليقولوا هذا (مت28).

الفصل السابع

القديس توما الرسول

(1) تعرف بالقديس

موطنه الجليل ويغلب أنه كان صياداً, وكان مولعاً بقراءة الكتب المقدسة. ولذلك كان على استعداد لقبول المسيا, وقد صار له تلميذاً.

و(توما) باليونانية (ديديموس) ومعناه (التوأم) وربما كان الرسول فعلاً أحد توأمين.

2 – بعض ما ذكرته عنه الأناجيل

( أ ) إظهار حبه العظيم للمسيح:

(1) عندما أنبأ السيد المسيح تلاميذه بموت لعازر وأعلمهم بأنه يجب أن يذهبوا إلى بيت عنيا بلد لعازر مع أن اليهود كانوا يطلبون رجمه قال توما بدافع المحبة والغيرة “لنذهب نحن أيضاً لكى نموت معه” (يو11: 16) ظناً منه أن اليهود لابد وأن يفتكوا بالمسيح, وأنه من الواجب أن يصحبوه إلى الموت ويموتوا معه.

(ب) توما يسأل عن الطريق:

حين قال المسيح لتلاميذه إنه سيذهب ليعد لهم مكاناً وإنهم يعلمون أين يذهب ويعلمون الطريق قال توما: “يا سيد لسنا نعلم أين تذهب فكيف نقدر أن نعرف الطريق؟” فأجابه السيد: “أنا هو الطريق والحق والحياة” (يو14: 1-6).

(ج) موقفه من قيامة المسيح:

وبعد القيامة ظهر المسيح لتلاميذه فى العلية ولم يكن توما معهم, ولما أتى توما قالوا له “قد رأينا الرب” فقال لهم متشككاً “إن لم أبصر فى يديه أثر المسامير وأضع إصبعى فى أثر المسامير وأضع يدى فى جنبه لا أؤمن” وبعد ثمانية أيام ظهر لهم المسيح ثانية وكان توما معهم فقال له: “هات إصبعك إلى هنا وأبصر يدى وهات يدك وضعها فى جنبى ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً”, فأجاب توما بخشوع وإيمان: “ربى وإلهى”, فقال له المسيح: “لأنك رأيتنى يا توما آمنت. طوبى للذين آمنوا ولم يروا” (يو20: 26-29).

(د ) مواقف أخرى بعد القيامة:

(1) وذكر فى الكتاب أن توما كان موجوداً مع التلاميذ الذين ظهر لهم المسيح عند بحيرة طبرية بعد القيامة وشاهدوا معجزة صيد السمك واستمعوا إلى حديث المسيح مع بطرس (يو21).

(2) كما أنه كان فى العلية مع الرسل بعد صعود المخلص (أع1).

(3) أعماله التبشيرية

(1) بشر هذا الرسول الكريم أولاً فى اليهودية. ويروى تاريخ الكنيسة أنه هو الذى شاهد صعود جسد السيدة العذراء بعد نياحتها. وتفصيل ذلك أن السيدة العذراء لما أسلمت روحها الطاهرة كفنها التلاميذ ودفنوها ولم يكن توما حاضراً وقت نياحتها, ولكنه حضر بعد دفنها بثلاثة أيام فشاهد ملائكة يحملون جسدها ويصعدون به وسمع أحدهم يقول له: أسرع وقبل جسد السيدة الطاهرة, فأُسرع وقبله. ولما أتى إلى التلاميذ وأخبروه بنياحتها أراد أن يتدرج معهم حتى يعلمهم بنبأ صعود جسدها فقال لهم: (أنا لا أصدق حتى أعاين جسدها, أنتم تذكرون كيف شككت فى قيامة المسيح), فأخذه التلاميذ إلى قبرها ولما لم يجدوا الجسد أنبأهم توما بالمعجزة الباهرة التى رآها حين إصعاد جسدها الطاهر.

(2) انتقل إلى بلاد ما بين النهرين والعجم وقيل إنه تقابل هناك بالمجوس الذين سجدوا للسيد المسيح وعمدهم فصاروا يساعدونه فى الخدمة.

(3) وجاء فى تقليد أنه ذهب مع تداوس أحد السبعين رسولاً إلى أورقا المعروفة بالرها وشفى ملكها أبجر (أبيفاريوس) من مرضه, أو أنه أرسل تداوس إلى هناك, وسوف نرى تفصيل هذا فى ترجمة القديس تداوس.

(4) وذهب القديس أيضاً إلى حبشة آسيا وبشر هناك وقد جاء فى القصص التاريخية التى كتبها البرتغاليون عن أنفسهم أنهم رأوا مسيحيى ملبار, يقولون فى كتب صلواتهم: (إن القديس توما اجتذب إلى الإيمان المسيحى الحبشة والصين والعجم.)

(5) وأخيراً عزم على أن يذهب إلى الهند فباع نفسه كعبد لتاجر يسمى (حابان), وكان هذا صديقاً للملك, فأهداه إليه وأحبه الملك لذكائه وتقواه, ولما سأله عن صناعته أعلمه بأنه بناء ماهر, وطلب من الملك أن يعطيه مبلغاً من المال ليبنى له به قصراً فأعطاه الملك مبلغاً كبيراً وزعه القديس على الفقراء, وبعد مدة سأله الملك عن القصر أجابه بأن المبلغ لم يكف وطلب منه مبلغاً آخر, ولما أعطاه الملك وزعه أيضاً ثم قال للملك (إننى بنيت لك قصراً فى السماء), فاغتاظ منه الملك وأمر بسلخ جلده, فسلخوه ولكنه لم يمت بل شفاه الله وكان يسير أحياناً يحمل جلده الذى سلخه الملك. وكانوا كلما وضعوا جلده على مريض يشفى من مرضه. وحدث أن أخا الملك مرض مرضاً شديداً ورأى فى رؤيا قصراً منيفاً فى الهواء ورأسه فى السحاب, ولما سأل: (لمن هذا القصر؟) قيل له إنه القصر الذى بناه العبد العبرانى للملك, فاستيقظ من سباته وقص الرؤيا على أخيه فأطلق الملك سراح القديس وسمح له بالتبشير بالمسيح.

حدثت بعد ذلك معجزة أخرى باهرة وهى أن أمواج البحر حملت خشبة ضخمة جداً, وأراد الملك إخراجها للانتفاع بها فلم يتمكن أحد من ذلك لضخامتها فطلب منه توما أن يعطيها له ليبنى بها كنيسة إذا تمكن من إخراجها بمفرده فسمح له الملك بذلك. فما كان من القديس إلا أن ربط الخشبة بمنطقته ورسم عليها علامة الصليب وصار يجرها كأنها شئ صغير جداً فتعجب الملك, وآمن بالمسيح, وآمن معه جمع كبير من الشعب واستخدم هذا القديس هذه الخشبة فى بناء كنيسة.

(4) استشهاده

انتشر الدين المسيحى فى الهند فحقد كهنة البراهميين على القديس, وعزموا على قتله, وحدث فى مدينة ملبار الواقعة على الساحل الغربى للهند أنه بينما كان راكعاً يصلى طعنه أحدهم برمح فمات ودفن فى ملبار بالهند, ثم نقل جسده فيما بعد إلى الرهاء، ومما يؤيد انتشار المسيحية فى الهند أنه فى سنة 1625م عثر على صليب حديدى يرجع تاريخه إلى سنة 239م كما عثر بها على عمود منقوش باللغة السريانية بيد أحد الرهبان المسيحيين, ووجدت نسخة من بشارة القديس متى.

وتعيد الكنيسة لهذا الرسول فى اليوم السادس والعشرين من شهر بشنس, وتعيد له الكنيسة الغربية فى اليوم الحادى والعشرين من كانون الأول (ديسمبر).

الفصل الثامن

القديس يعقوب بن حلفى

(1) من هو

هو أحد الاثنى عشر رسولاً ويوضح الكتاب المقدس أن أباه هو حلفى وهو علم سريانى معناه تبادل واسمه باليونانية (كلوبا) ومعناه (ذو قريحة), وكلوبا أو حلفى هو زوج مريم أخت العذراء وخالة السيد المسيح بالجسد, وكان أولاده يعقوب ويوسى وسمعان ويهوذا الذين دعوا إخوة الرب أي أبناء خالته, وقد جرت العادة أن يدعى القريب أخاً كما دعى لوط أخاً لإبراهيم (تك12: 8) ويعقوب أخا للابان (تك29: 25) (راجع مت13: 55, مت27: 56, مر 15: 40, 16: 1, لو24: 10, يو19: 25). ويقول القديس أغناطيوس أنه دعى أيضاً أخا الرب لأنه كان بينه وبين السيد شبه كبير جداً.

عرف هذا الرسول منذ نشأته بالتقوى والفضيلة وذكر يوسيفوس عنه أن المطر امتنع فى سنة من السنين فصلى يعقوب إلى الله فأنزلت السماء مطراً غزيراً وحل الخصب فى البلاد مما جعل اليهود يحترمونه ويحبونه وقد لقبوه بالبار أو الصديق, وسموه بالسريانية (أوبل) أى سند الشعب, وكان القديس زاهداً ناسكاً كثير الركوع على ركبتيه فى الصلاة حتى تصلب لحوم ركبتيه وأصبحتا كركبتى الجمل, وكان يأكل البقول ويمشى حافى القدمين.

وقد دعى أيضاً (يعقوب الصغير) تمييزاً له عن القديس يعقوب بن زبدى وأخى يوحنا ربما لأنه كان أصغر منه سناً أو أقصر قامة أو لأنه دعى بعده, كما دعى أيضاً أخا الرب كما مر بنا (غل1: 19) وقد ذهب البعض إلى أن (يعقوب بن حلفى) هو غير (يعقوب بن كلوبا) فقالوا إن الأول هو أحد الاثنى عشر وأنه أخو متى الرسول وأنه بشر فى غزة وصور وبلاد العرب ومات شهيداً حيث صلب فى أوستراسينا القريبة من الإسكندرية, أما الثانى فكان من السبعين وهو الذى دعى أخا الرب أى قريبه. ولكن الرأى الأرجح الذى أخذ به الكثيرون أن الاسمين لرسول واحد, وهو من الاثنى عشر الذين اختارهم الرب, وقد أيد الكثيرون من الآباء ومن المؤرخين مثل أوسابيوس أنه من الاثنى عشر.

(2) أعماله فى الخدمة

1 – ذكر القديس بولس الرسول أن السيد المسيح ظهر ليعقوب بعد القيامة (1كو15: 7) ويقول القديس إيرونيموس عن تقليد قديم إن هذا القديس عزم أن يصوم من ليلة العشاء الربانى فلا يأكل أو يشرب حتى يقوم المسيح من الأموات حسب وعده لتلاميذه, فظهر له الرب بعد قيامته بوقت قصير.

2 – وكان هذا الرسول حاضراً مع الرسل فى المجمع المقدس للبحث فى مسألة الختان وكان رئيساً للمجمع وبعد أن تحدث بطرس وبرنابا وبولس ألقى يعقوب خطابه, وطلب فيه ألا يثقلوا على المؤمنين من الأمم فى مسألة الختان وغيرها من أعمال الناموس بل يرسلوا إليهم لكى يمتنعوا عن ذبائح الأصنام والزنا والمخنوق والدم ووافق الرسل على ذلك (أع15).

3 – دعى هذا القديس مع بطرس ويوحنا أعمدة فى البيعة (غل2: 9).

4 – استحق هذا الرسول أن يرسم أسقفاً على أورشليم وقيل إن الرب هو الذى أقامه أسقفاً عليها حين ظهر له بعد قيامته, أو أن الرسل هم الذين أقاموه على هذا الكرسى الذى يعتبر بحق من أشرف الكراسى, حتى لقب رأس الكنيسة لأن أورشليم وغيرها من اليهودية هى التى تشرفت بوجود الرب فيها بالجسد وأعماله وصلبه وقيامته وصعوده فيها.

5 – بشر أيضاً فى غزة وصور وبلاد العرب.

(3) استشهاده

انتشر الدين المسيحى على يدى هذا القديس, فاستاء حنان رئيس الكهنة وغيره من رؤساء الشعب, وأرادوا أن يوقفوا انتشار هذا الدين, فحاولوا أن يقنعوا القديس يعقوب بالإقلاع عن التبشير, ويلزمونه بحث الشعب على ترك الإيمان المسيحى حتى يكون رجوعه عاملاً على رجوع جميع شعبه معه, وفعلاً انتهزوا فرصة موت الوالى فستوس, ولم يكن الوالى الجديد أليبيوس قد وصل بعد إلى المدينة, فاستحضروا القديس فى يوم عيد الفصح وقالوا إننا استدعيناك لرد الشعب عن الضلال لأن معظمهم آمنوا بيسوع الناصرى واعتقدوا أنه المسيح المنتظر, وحيث إن اليهود يعدونك صديقاً محباً للحق نأمل أن تقف فى مكان عال فى الهيكل وتعظهم ذاكراً ما تعتقده بيسوع.

فوقف القديس على منبر عال وقيل على جناح الهيكل فسأله الشعب:

أخبرنا أيها البار ماذا يجب أن نعتقد فى يسوع المصلوب؟

فتكلم إليهم بصوت عال قائلاً:

اسمعوا لي أيها الإخوة واقبلوا شهادة الحق, اعلموا أن يسوع ابن الإنسان الذى تسألون عنه هو جالس فى السماء عن يمين الآب لأنه ابن الله حقاً وسيأتى على سحاب السماء كى يدين الجميع.

فهتف الشعب جميعه قائلاً: أوصنا لابن داود.

فاغتاظ الكهنة جداً, وصرخوا قائلين: “لقد ضل البار”. ثم صعدوا إلى المنبر وطرحوا القديس إلى أسفل, فركع على ركبتيه وابتدأ يصلى ويطلب لهم الغفران, ومع ذلك أخذوا يرجمونه بالحجارة, وأخيراً تأثر واحد من المكابيين وقال لهم موبخاً: (أترجمونه وهو يصلى لأجلكم؟), ولكنهم لم يبالوا وتناول أحدهم دبوساً وضرب رأس القديس فشجه وأسلم الروح. وكان ذلك فى عيد الفصح فى سنة 69م وتعيد له الكنيسة فى العاشر من شهر أمشير كما تعيد له الكنيسة الغربية فى اليوم الأول من آيار (مايو).

ولعظم مكانته فى القلوب, تأثر الكثيرون لقتله, ومن بينهم يوسيفوس المؤرخ اليهودى الذى قال إن سبب خراب أورشليم هو قتل اليهود ليعقوب البار, والواقع أنها خربت لأنها رفضت المسيح ورسالته, كما رفضت رسله فيما بعد, وكان المسيح قد أنبأهم بخرابها (مت24).

(4) آثــاره

أولاً: رسالة يعقوب: كتبها بأورشليم سنة 61م. وهى تقع فى خمسة أصحاحات تشمل عدة أمور:

1 – الحث على احتمال التجارب والتذرع بالصبر.

2 – وجوب اقتران الإيمان بالأعمال, لأن الإيمان بدون أعمال ميت.

3 – وجوب المساواة بين الأغنياء والفقراء وعدم المحاباة.

4 – حث المؤمنين على صيانة ألسنتهم حتى لا تجمح بهم.

5 – وجوب التوبة والإقلاع عن الخطية.

6 – الحث على ممارسة سرى التوبة ومسحة المرضى.

7 – ردع الأغنياء المتهافتين على عبادة أموالهم أو حثهم على التوبة والتواضع.

ثانياً: القداس: كتب هذا الرسول قداساً سمى باسمه ولا يزال الأرمن يصلون به ويقول بعض الآباء كالقديس أغسطينوس والقديس يوحنا فم الذهب إنه أول قداس عمل فى الكنيسة المسيحية. وأن الرسول يعقوب هو أول من قدس الأسرار الإلهية, وكان ذلك فى اليوم الرابع لعيد العنصرة فى علية صهيون التى كانت فى بيت القديس مرقس الرسول.

الفصل التاسع

القديس سمعان القانوى

(1) من هو ؟

ذهب بعض العلماء مثل نيكوفورس وبارنيوس أن هذا التلميذ كان هو العريس فى عرس قانا الجليل ورأى آخرون أنه كان من الحاضرين فى العرس وشهد المعجزة التى أجراها الرب (يو2:2) وقد دعى (سمعان الغيور) إما لغيرته فى حب المسيح, وإما لانتسابه إلى حزب الغيورين وهو الرأى الأرجح. وهذا الحزب كان حزباً سياسياً إرهابياً تزعمه فى الغالب يهوذا الجليلى (أع5: 37) سنة 6م. ولقد دعى أصحاب الحزب (غيورين) لشدة غيرتهم على ناموس موسى, وقد جعلوا مثلهم الأعلى فينحاس بن هرون الكاهن الذى غار للرب وقتل الرجل اليهودى والمرأة المديانية لإثمهما وفجورهما (عد25: 6-12) وقد قام الحزب وشعاره مقاومة الحكومة الرومانية والولاة المعينين من قبلها مثل هيرودس, وكانوا يحملون المدى والأسلحة ويقتلون كل من اشتبهوا فى إخلاصه للأمة وللشريعة, فقتلوا بذلك أبرياء كثيرين من أمتهم وزاد تهورهم وتطرفهم حتى استاء حكام الرومان وفكروا فى إبادتهم, واضطر الملك فسبسيان إلى تكليف ابنه تيطس بمحاصرة أورشليم. وتحصن الغيورون فى الهيكل وزادت مقاومتهم للرومانيين الأمر الذى أدى أخيراً إلى إحراق الهيكل والتنكيل باليهود وتشتيتهم سنة 70م, مما جعل بعض المؤرخين يقولون: (إن تطرف الغيورين كان عاملاً على التعجيل بخراب بلادهم وسقوط أمتهم).

وإنه لأمر عجيب أن يكون بين الاثنى عشر شخصيات متناقضة روحياً وسياسياً واجتماعياً, فمتى مثلاً كان ممن يعملون لحساب الدولة الرومانية, وسمعان الغيور كان ممن يعملون ضدها, ولكن الرب بحكمته وبنعمته جذب كل الشخصيات إلى محبته وطاعته وحولهم للعمل الروحى المقدس تحت رايته.

وسمعان دعى أيضاً (القانوى) ويظن البعض أنه لقب هكذا نسبة إلى قانا الجليل موطنه, ولكن الأصح أن كلمة (قانوى) الآرامية معناها الغيور وبالتالى فهى تعنى (القانونى) أى المتمسك بقانون (ناموس) موسى والغيور عليه.

وهذا الرسول هو خلاف سمعان بطرس وسمعان أخى الرب.

(2) أعماله التبشيرية

1 – بعد صعود المخلص وحلول الروح القدس بشر أولاً فى آسيا فى أقاليم سوريا وبابل وبارثيا (فرتية) التى كانت تمتد من نهر السند وبحر قزوين شرقاً إلى الخليج العربى ونهر دجلة غرباً, وكان بها الكثيرون ممن حضروا فى يوم الخمسين (أع2: 9). وقد مر بنا فى ترجمة القديس يوحنا الرسول أنه كتب رسالته الأولى إلى المسيحيين الفرتيين وغيرهم.

2 – ثم أرشده الروح القدس ليعمل فى أفريقيا حيث جاء إلى مصر لينتقل منها إلى أقاليم أفريقيا وقد لقبوه فى مصر (دورثيؤس) أى عطية الله.

3 – ومن مصر توغل فى أحراش أفريقيا منادياً بالكلمة.

4 – ثم توجه إلى بريطانيا, فى قارة أوروبا.

5 – رجع أخيراً إلى بلاد العجم حيث تقابل مع القديس يهوذا الرسول الملقب أيضاً تداؤس ولباؤس ولاقى الاثنان شدائد كثيرة فى سبيل الخدمة.

كان أهل هذه البلاد يعتقدون كثيراً فى السحر والشعوذة واستنطاق الشياطين, وتصادف عند وصول الرسولين أن ملك البلاد كان قد أعد جيشاً لمحاربة الهند وعين رجلاً اسمه (برداش) قائداً للجيش. وبمجرد دخول الرسولين إلى البلاد صمتت الشياطين ولم تستطع أن تنطلق مطلقاً, أو ترد جواباً على الناس كما كانت تفعل من قبل.

فتحير رجال الجيش وسألوا أحد الأصنام عن سبب صمت الآلهة, فأجاب الصنم بأنه دخل المملكة رسولان هما سمعان ويهوذا, وهما اللذان أبكما الآلهة, فاغتاظ كهنة الأصنام وطلبوا إلى القائد برداش أن يفتك بالرسولين, ولكنه تمهل فى الأمر وأخذ يلاطفهما. وأراد القائد أن يستشير السحرة هل يخرج إلى الحرب أم لا, فأنبأوه بأن الحرب ستكون طويلة المدى, محفوفة بالمخاطر, ولما استشار الرسولين سمعان ويهوذا طمأناه وأعلماه بكذب السحرة, وقالا له إنه فى اليوم التالى سيأتيه رسل من قبل ملك الهند يطلبون منه الصلح. وقد تم هذا بالفعل, مما جعل القائد يعتنق المسيحية, ومعه جمع غفير من الجيش, وسمح للرسولين أن يبشرا فى البلاد, فأخذا يبشران ويصنعان العجائب حتى اغتاظ كهنة الأصنام, وتحينوا الفرص للإيقاع بالرسولين, وبينما كانا يبشران فى إحدى المدن, هيجوا عليهما الناس, فقبضوا عليهما ونشروا القديس سمعان من وسطه بالمنشار وقطعوا رأس القديس يهوذا.

ويقول التاريخ إنه فى ساعة موتهما انسحقت جميع الأوثان وسقطت هياكلها ومات جميع الذين كانوا سبباً فى قتل الرسولين, وتعيد الكنيسة للقديس سمعان فى التاسع من أبيب، كما تعيد الكنيسة الغربية له وللقديس يهوذا فى الثامن والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر).

الفصل العاشر

القديس يهوذا الرسول المدعو تداوس ولباوس

(1) من هو

1 – هذا الرسول هو ابن كلوبا أو حلفى وأخو يعقوب الصغير ويوسى وسمعان وقد دعوا جميعاً إخوة الرب أى أبناء خالته كما مر بنا (يو6:6) ودعى هو بمفرده أخا الرب (مت13: 55, مر6: 3).

ولهذا الرسول اسمان آخران, فلقد دعى تداوس ولباؤس (مت10: 3, مر3, 18).

يهوذا معناه (حمد) وتداوس معناه (اعتراف ومديح) ولباؤس معناه (لبيب أو ربما شجاع أو حكيم) وقد دعاه الكتاب أيضاً يهوذا ليس الإسخريوطى (يو14: 22) تمييزاً له عن يهوذا الإسخريوطى الذى أسلم المسيح.

2 – جاء فى الإنجيل أن السيد المسيح حينما قال لتلاميذه فى خطابه الوداعى “بعد قليل لا يرانى العالم وأما أنتم فتروننى إني أنا حى فأنتم ستحيون…” أن يهوذا قال له: “يا سيد ماذا حدث حتى أنك مزمع أن تظهر ذاتك لنا وليس للعالم؟”, فأجابه المخلص: “إن أحبنى أحد يحفظ كلامى ويحبه أبى وإليه نأتى وعند نصنع منزلاً” (يو14: 19، 23).

(2) أعماله التبشيرية

1 – بشر هذا الرسول أولاً فى بلاد اليهودية والسامرة والجليل.

2 – ذهب إلى بلاد ما بين النهرين وبلاد العرب.

3 – وبشر أيضاً فى ليبيا.

4 – وأخيراً وصل إلى بلاد (العجم) وهناك تعاون مع القديس سمعان القانونى, وحدث ما وقع لهما مع القائد برداش وكهنة الأوثان, وأخيراً قطع رأسه ومات شهيداً كما ذكر بالتفصيل فى ترجمة القديس سمعان فى الفصل السابق.

(3) آثــاره

كتب هذا الرسول الرسالة المعروفة باسمه حوالى سنة 65م وهى أصحاح واحد وأهم موضوعاتها:

1 – حث المؤمنين على حفظ الإيمان قوياً وظاهراً.

2 – تحذيرهم من المعلمين الكذبة والأنبياء المضلين.

3 – فيها تمجيد للثالوث الأقدس والإشارة للاهوت السيد المسيح كما فى (ع1, 4, 17, 19, 25) وقد انفرد هذا الرسول بذكر أمرين هما:

1 – الحرب التى وقعت بين رئيس الملائكة ميخائيل وإبليس بسبب جسد موسى, لأن إبليس كان يريد أن يظهر جسد هذا النبى العظيم لكى يجذب بنى إسرائيل إلى عبادته ولكن رئيس الملائكة جاهد فى إخفائه, وانتصر على إبليس بقوة الله (ع9).

2 – نبوة أخنوخ السابع من آدم عن مجئ الرب العظيم (ع14).

وتعيد له الكنيسة فى الثانى من شهر أبيب والكنيسة الغربية تعيد له فى الثامن والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر).

الفصل الحادى عشر

القديس برثولماوس

(1) من هو

يجمع المفسرون على أن هذا القديس هو نفس القديس نثنائيل. وهو من قانا الجليل وكانت صناعته الزراعة, وبرثولماوس معناه (ابن تلماوس) كما أن نثنائيل معناه (عطية الله).

(2) دعوته

عرفنا من دراسة سيرة القديس فيلبس أن فيلبس لما دعى ليتبع المخلص, صادف نثنائيل وقال له “وجدنا الذى كتب عنه موسى فى الناموس يسوع بن يوسف الذى من الناصرة”, وقال له نثنائيل: “أمن الناصرة يمكن أن يكون شئ صالح” فقال له فيلبس: “تعال وانظر”, وأبصر السيد المسيح نثنائيل مقبلاً من بعيد فقال عنه: “هوذا إسرائيلى حقاً لا غش فيه”. سأله نثنائيل: “من أين تعرفنى؟” فقال له المسيح: “قبل أن دعاك فيلبس وأنت تحت التينة عرفتك”، فأجاب نثنائيل: “يا معلم أنت ابن الله, أنت ملك إسرائيل” وقال له يسوع: “هل آمنت لأنى قلت لك إنى رأيتك تحت التينة؟ سوف ترى أعظم من هذا.. وقال له الحق أقول لكم من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان” (يو 45:1-51).

وللمفسرين آراء جميلة فى قول المخلص لنثنائيل “وأنت تحت التينة عرفتك”, فيقول بعضهم إن حديث فيلبس مع نثنائيل عن يسوع واستبعاد نثنائيل أن يكون المسيا من الناصرة كان تحت التينة وتلطف يسوع فى حديثه معه بأنه يعرف كل ما جرى بينهما من الحديث, ويقول البعض إن نثنائيل كان يركع مصلياً تحت التينة نادماً على إثم اقترفه من زمن أو ربما كان فى صلاته تحت التينة قد رأى اختباراً روحياً عميقاً خاصاً.

ويقول البعض الآخر إنه وهو صبى, كان قد قتل شخصاً ووارى جثته تحت التينة, كما يقول آخرون إن أم نثنائيل كانت قد أخفته تحت التينة وهو طفل حتى لا يقتله هيرودس مع أطفال بيت لحم. وسواء أكان هذا الرأى أم ذلك فإن نثنائيل قد فهم من هذه العبارة أن السيد المسيح عالم بكل شئ, لا يقيد علمه مكان أو زمان, ولذلك أعلن إيمانه بقوله: “أنت ابن الله. أنت ملك إسرائيل”. ومن هذا اليوم انضم إلى جماعة التلاميذ.

(3) أعماله فى التبشير واستشهاده

1 – بشر القديس أولاً فى بلاد آسيا الصغرى.

2 – ثم عمل فى بلاد الأرمن.

3 – واتجه أيضاً إلى بلاد الهند وبشر فى بعض أجزاء منها وكان يحمل معه إنجيل القديس متى مكتوباً باللغة العبرية.

4 – وبشر أيضاً فى بلاد اليمن. ويقول المؤرخون إن بنتينوس الفيلسوف الإسكندرى زار بلاد اليمن فى القرن الثانى المسيحى ووجد هناك إنجيل القديس متى وعرفه أهلها أنهم تسلموه من القديس برثولماوس.

5 – وعاد القديس إلى آسيا الصغرى ليواصل جهاده مع القديس فيلبس الرسول, وهناك قبض عليهما وصليا ووقعت معجزة الزلزلة فنجا القديس برثولماوس من الصلب, أما القديس فيلبس فأكمل جهاده على الصليب كما مر فى ترجمته.

6 – وعاد أيضاً إلى أرمنيا, وكان يطوف مبشراً فى لوكانيا القريبة من بحر كسبيان, فهاج عليه الكهنة الوثنيون وحرضوا عليه الوالى حيث قبض عليه وأمر بصلبه, وقال بعض المؤرخين إنه أمر بسلخ جلده وقطع رأسه, كما يقول البعض إنه عذب بالنوعين من العذاب, فصلبه الوالى ثم سلخ جلده وقطع رأسه.

 

 

 

الفصل الثانى عشر

يهوذا الإسخريوطى

(1) مقدمة

هذا التلميذ المسكين, أصبح أحدوتة على كل لسان, على مدى الأجيال, كمثال للدناءة والخسة والخيانة والغدر وعدم الوفاء.

هذا هو التلميذ الذى قطع مرحلة طويلة من الطريق, ولكنه وقع صريعاً قبل أن ينتهى الشوط. هذا هو الذى وضع يده على المحراث, ولكنه عاد ونظر إلى الوراء, فخسر جعالته, وفقد إكليله. هذا هو الذى وضع أساس البرج, ولكنه لم يستطع أن يكمل البناء, فأضحى موضعاً لاستهزاء الأجيال وسخريتها.

سنحت له فرصة ذهبية للتلمذة للرب, وكان فى إمكانه أن يكون تلميذاً ناجحاً, ولكنه يا للأسف لم يستفد من هذه الفرصة, فأخفق فى حياته, وكان مثالاً للفشل والإخفاق.

هذا هو يهوذا الذى أشارت إليه النبوات فى أكثر من موضع من كتب العهد القديم, فقال عنه المرنم “أعدائى يتقاولون علىَّ بشر. متى يموت ويبيد اسمه. وإن دخل ليرانى يتكلم بالكذب, قلبه يجمع لنفسه إثماً. يخرج فى الخارج يتكلم… أيضاً رجل سلامتى الذى وثقت به. أكل خبزى رفع علىَّ عقبه…” (مز41: 5-9), وقال أيضاً: “فأقم أنت عليه شريراً وليقف شيطان عن يمينه. إذا حوكم فليخرج مذنباً وصلاته فلتكن خطية. لتكن أيامه قليلة وأسقفيته ليأخذها آخر… مز109: 6-8), وقال زكريا النبى “إن حسن فى أعينكم فأعطونى أجرتى وإلا فامتنعوا, فوزنوا أجرتى ثلاثين من الفضة فقال لى الرب ألقها إلى الفخارى الثمن الكريم الذى ثمنونى به. فأخذت الثلاثين من الفضة وألقيتها إلى الفخارى فى بيت الرب” (زك11: 12, 13), ولم يكن بيع إخوة يوسف لأخيهم غدراً إلا صورة ورمزاً لبيع يهوذا الغادر للرب يسوع المسيح.

ومما نلاحظه أن اسمه فى أسفار العهد الجديد كان يقترن فى معظم المواضع بكلمة أو بعبارة تشير إلى غدره وإلى فعلته الشنعاء. ففى قائمة الاثنى عشر تلميذاً يقول عنه البشيرون (يهوذا الإسخريوطى) الذى أسلمه (مت10: 4, مر3: 19) ويهوذا الإسخريوطى الذى صار مسلماً أيضاً (لو6: 16), ويقول عنه القديس لوقا “فدخل الشيطان فى يهوذا الذى يدعى الإسخريوطى وهو واحد من جملة الاثنى عشر…” (لو22: 3), ويقول عنه القديس بطرس فى خطابه إلى المؤمنين بعد صعود المخلص بأيام “يهوذا الذى صار دليلاً للذين قبضوا على يسوع” (أع1: 16)….. وهكذا.

ومما نلاحظه أيضاً أن اسمه كان دائماً يذكر فى آخر الكل بالنسبة لعمله الشاذ, وموقفه المزرى الذى لم يقف نظيره تلميذ من تلاميذ الرب.

(2) أصله

ذكر هذا التلميذ باسم (يهوذا الإسخريوطى) (يو6: 71) فأبوه يدعى سمعان. ومن جهة موطنه فقد رأى البعض أنه دعى (الإسخريوطى) أما بالنسبة إلى بلده (قرتة) التى كانت من مدن سبط زبولون وأعطيت لعشائر المراريين من اللاويين (يش21: 34) وتقع جنوبى جبل الكرمل بنحو تسعة أميال, أو إلى بلدة (قريتايم أو قرتان) وكانت ملكاً لسبط نفتالى وأعطيت لعشائر الجرشونيين وموقعها شمالى شرقى عين آبل.

على أن الرأى الأرجح أن (الإسخريوطى) هى (إيس خريوط) أو (إيس قريوط) ومعناها (رجل قريوط) أو (رجل من قريوط), وقريوط أو (كربوت, خربوت) كانت مدينة فى جنوب يهوذا (يش15: 25).

ويكون يهوذا بذلك هو التلميذ الوحيد الذى لم يكن جليلياً بينما الأحد عشر الآخرون كانوا من الجليل.

(3) يهوذا من الاثنى عشر

كان يهوذا من الاثنى عشر تلميذاً, ولقد يسأل المرء متعجباً: ألم يكن الرب يسوع عارفاً بأمر يهوذا وبعمله الذى كان مزمعاً أن يعمله؟ إذن فلماذا اختاره؟ بلى: لقد كان يسوع يعلم كل شئ عنه, وهو العالم دائماً بكل شئ, وقد قال عن نفسه “إنى أنا هو الفاحص القلوب والكلى” (رؤ2: 23), وقال عنه الكتاب “ولكن يسوع لم يأتمنهم على نفسه لأنه كان يعرف الجميع ولأنه لم يكن محتاجاً أن يشهد أحد عن الإنسان لأنه علم ما فى الإنسان (يو2: 24, 25), ولقد سبق مراراً فكشف عن حقيقة يهوذا الإسخريوطى ولهذا نسمع البشير يقول “لأن يسوع من البدء علم من هم الذين لا يؤمنون ومن هو الذى يسلمه (يو6: 64), وقال فى نفس الأصحاح “أجابهم يسوع أليس أنى أنا اخترتكم الاثنى عشر وواحد منكم شيطان ؟ قال هذا عن يهوذا سمعان الإسخريوطى لأن هذا كان مزمعاً أن يسلمه وهو واحد من الاثنى عشر” (يو6: 70, 71), وسنرى الكثير من إشارات الرب وتصريحاته عما كان هذا التلميذ البائس مزمعاً أن يفعله.

أما عن اختياره ليكون تلميذاً من الاثنى عشر فإن هذا بلا شك يرجع إلى حكمة الله التي لا تستقصى, وكل ما يقدمه المؤمنون من إجابات هو من باب الخواطر فقط. قد يظن البعض أن المسيح اختاره لكى يحقق به نبوات الأنبياء عن يهوذا نفسه, ولكن الحقيقة إن يهوذا ليس شخصية ذات بال بهذا المقدار فالنبوات لم تكتب لكى يسلم يهوذا سيده, وإنما كتبت لأن الرب بعلمه السابق عرف خيانته وغدره وتسليمه للفادى, فأوحى إلى الأنبياء أن يكتبوا عنه, فالنبوات عن فعلته كانت نتيجة مبنية على علم الله السابق بسوء تصرف يهوذا, ولم يكن تصرف يهوذا نتيجة للنبوات.

ولهذا يرى البعض أن الرب الذى قصد بمحبته للبشر وتدبيره الأزلى أن يسلم إلى اليهود ويصلب ويموت ويقوم لأجل خلاص جنس البشر اختار هذه الشخصية التى كانت بطبيعتها فاسدة وميالة إلى الغدر, كأداة لإنجاز العمل الذى دبره الله, ولو لم يسلم يهوذا المسيح لعمل أعمالاً أثيمة أخرى فيها هلاكه أيضاً, فالله لا يقدر للإنسان أن يهلك, ولكن الإنسان هو الذى يعمل على هلاك نفسه بتصرفاته الشريرة.

ولقد يكون من رحمة الله بهذا التلميذ أن اختاره بين صفوته ليهيئ له فرصة للتوبة ولإصلاح سيرته, وحتى مع علم الله بأن قلبه سيظل متقسياً, ولكن الله دائماً يعمل الخير مع الإنسان ويهيئ له كل وسائط النعمة حى لا يكون له عذر فى خطيته.

ولقد يكون اختياره أيضاً لكى يعطى الرب به درساً للأجيال, حتى لا يظنوا أن الوسط الصالح أو العمل الصالح الذى يشترك فيه المرء يمنع الشيطان عن أن يحاربه, وينصب له الشباك ليسقطه, ولأجل هذا يجب على جميع المؤمنين أن يسهروا على أنفسهم ويحترسوا من مكايد إبليس لأنه لا يفتأ يعمل جاهداً فى محاربة الناس حتى الصديقين والعاملين والمجاهدين منهم فى كل الأوساط وفى كل البيئات وفى كل المناسبات.

ولقد يكون اختياره لحكمة أو لحكم يعلمها الله وحده.

(4) تنبيهات وتحذيرات مستمرة

لم يفتأ الرب أن ينبه تلاميذه بإشارات خفية, وربما كان يهوذا يفهم أنها تشير إليه وكان من الواجب أن ينخسه ضميره ويثوب إلى رشده ولكنه للأسف لم يفعل.

ولقد مر بنا قوله تبارك اسمه لتلاميذه: “أليس أنى أنا اخترتكم الاثنى عشر وواحد منكم شيطان” (يو6: 70) وكان هذا فى حديثه عن خبز الحياة, وسنرى أنه تحدث إليهم كثيراً فى هذا الموضوع سيما فى ليلة آلامه, ومع كل هذا فإن يهوذا قسى قلبه ولم يشأ أن يصلح طريقه.

(5) أمين للصندوق ولكنه سارق

1 – كان يهوذا أميناً للصندوق يحفظ النقود القليلة التى تعطى للرب ولتلاميذه للإنفاق منها على احتياجات المعيشة وعلى الفقراء (يو13: 29), وكان معظم هذه المبالغ وربما كلها من صدقات المؤمنين بالمسيح أمثال النسوة الصالحات اللاتى كن يخدمنه بأموالهن (لو8: 3).

ربما يكون يهوذا هو الذى طلب هذا العمل لنفسه, وربما يكون التلاميذ هم الذين أسندوه إليه بالنسبة لحرصه ومهارته فى الأمور المالية والحسابية, وربما الذى أسنده إليه هو الرب يسوع نفسه. وحتى إسناد هذا العمل إليه كان كفيلاً بأن يذكره بأنه أصبح موضع ثقة, ومن اللائق أن يكون عند حسن ظن الجميع.

غير أنه مما يؤلم أن هذا الذى ائتمنوه على الصندوق كان سارقاً وكان يحمل ما يلقى فى الصندوق (يو12: 6).

سنرى موقفاً من مواقفه المزرية فى الحادث التالى.

(6) غيرة كاذبة

كان هذا قبل عيد الفصح بأيام حيث ابتدأت جماهير الشعب تتوافد على أورشليم من كل المدن والقرى للاحتفال بالعيد والتمتع بالوجود فى المدينة العظيمة أياماً قبل العيد.

ورأى الرب وهو فى طريقه إلى أورشليم أن ينزل مع تلاميذه فى بيت عنيا البلدة الحبيبة إلى نفسه, حيث كان يسكن لعازر الذى أقامه من الموت, وأختاه مريم ومرثا.

وقد وصل إليها الرب مساء يوم الجمعة السابقة لأحد الشعانين, وهو ما ندعوه جمعة ختام الصوم, وكان ليوم السبت السابق لعيد الفصح شأن عظيم عند اليهود, وكانوا يسمونه السبت العظيم, وهو ما تسميه الكنيسة أيضاً سبت لعازر بالنسبة لظهور لعازر وأختيه على مسرح الأحداث المجيدة والحبيبة لدى المؤمنين فى ذلك اليوم, وقد قضى الرب السبت فى بيت عنيا, وفى المساء صنع له سمعان الأبرص وليمة, وكان لعازر من المتكئين فى الوليمة, ومرثا تقوم بخدمة المدعوين, أما مريم فكان لها دور آخر.

فبينما كان يسوع متكئاً إذا مريم تأتى بقارورة طيب ناردين كثير الثمن وتسكبه على رأسه, ثم دهنت قدميه أيضاً بالطيب ومسحتهما بشعر رأسها حتى امتلأ البيت برائحة الطيب.

وهنا ينبرى يهوذا معترضاً: لماذا هذا الإتلاف, لماذا لم يبع هذا الطيب بثلاثمائة دينار ويعطى للفقراء؟

ولابد أنه حرض غيره من التلاميذ وغيرهم لينضموا إلى رأيه, أو أن قوله كان بلباقة حتى تأثروا به ووافقوه عليه حتى أن القديس متى يذكر أن التلاميذ أنفسهم اغتاظوا وقدموا نفس الاعتراض, والقديس مرقس يذكر أن قوماً مغتاظين فى أنفسهم اعترضوا (مت26: 6-13, مر14: 3-9, يو12: 1-6).

فهل يا ترى كانت هذه الغيرة التى تزعمها يهوذا غيرة أمينة صادقة؟ وهل كان يهوذا محباً للفقراء والمساكين فى اعتراضه على عمل المحبة وشعور الوفاء اللذين أظهرتهما مريم؟ كلا, لأن الوحى يعلن أن غيرته كانت كاذبة, ويحلل نفسية هذا الرجل المسكين تحليلاً دقيقاً فيقول على لسان القديس يوحنا الحبيب إن يهوذا “قال هذا ليس لأنه كان يبالى بالفقراء بل لأنه كان سارقاً وكان الصندوق عنده وكان يحمل ما يلقى فيه” (يو12: 1-6), أى أنه كان يتمنى لو يباع هذا الطيب ويودع ثمنه عنده حتى يتسنى له أن يسرق جانباً من ثمنه.

وكم من غيرة كاذبة يظهرها الناس يكون الهدف منها النفع الشخصى والمجد الذاتى لا مجد الله. والرب الذى يعرف قلوب الناس ونواياهم قال لجماعة المعترضين: “اتركوها لماذا تزعجونها؟ قد عملت بى عملاً حسناً لأن الفقراء معكم فى كل حين ومتى أردتم تقدرون أن تعملوا بهم خيراً. وأما أنا فلست معكم فى كل حين. عملت ما عندها. قد سبقت ودهنت بالطيب جسدى للتكفين – الحق أقول لكم حيثما يكرز بهذا الإنجيل فى كل العالم يخبر أيضاً بما فعلته هذه تذكاراً لها”.

فيا لبؤسك يا يهوذا لأنك أظهرت بمنطقك الملتوى ما كان يكنه قلبك من الأنانية والطمع, والرغبة فى السرقة والسلب.

وهنيئاً لك يا مريم ما أضمرت وما قدمت: لقد أظهر الرب بكلامه الحى أنك لم تكونى مدفوعة فقط بالحب والولاء بل وبالإرشاد والإلهام الإلهيين أيضاً, وبعملك أكرمت الرب حياً, وأكرمتيه أيضاً ميتاً بالجسد بإرادته وتدبيره, إذ سبقت فسكبت الطيب على جسده لتكفينه.

(7) الرب يسوع ينبئ مراراً عن موته وقيامته

مراراً كثيرة أنبأ الرب يسوع عن صلبه وموته وقيامته من الأموات, ففى بدء حياته العملية عندما سأله اليهود عن أية آية يصنعها قال لهم “انقضوا هذا الهيكل وأنا فى ثلاثة أيام أقيمه” (يو2: 19), وعندما طلبوا منه آية أيضاً قال لهم: “جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له إلا آية يونان النبى لأنه كما كان يونان فى بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان فى قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال” (مت12: 39، 40).

ومراراً كثيرة أعلن لتلاميذه بنوع خاص بهذا التدبير الإلهى العظيم الذى دبره لفداء البشر بموته وقيامته, ففى وجوده فى قيصرية فيلبس, ثم فى ترددهم فى مدن الجليل أعلن لهم أنه ينبغى أن يصعد إلى أورشليم ليسلم إلى شيوخ الشعب ورؤساء الكهنة ليصلب ويموت ثم يقوم فى اليوم الثالث (مت 16: 21, مر17: 22, 23). ولثالث مرة وهم صاعدون إلى أورشليم قبيل أحد الشعانين العظيم قال لهم فى إقليم بيرية: “ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يسلم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت ويسلمونه إلى الأمم لكى يهزأوا به ويجلدوه ويصلبوه وفى اليوم الثالث يقوم” (مت20: 17-19), ثم قال لهم أيضاً قبل الفصح بيومين: “تعلمون أنه بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يسلم ليصلب” (مت26: 1, 2), هنا وفى حادث اعتراض يهوذا يعلن الرب أن مريم تسكب الطيب على جسده لأجل تكفينه. وكل هذا يدل على أن صلب الرب وموته وقيامته كانت بتدبيره السابق وعلمه وسلطانه.

(8) المؤامرات الغادرة

طالما تآمر رؤساء الكهنة وقادة اليهود وزعماؤهم على الرب يسوع نتيجة لعدم نضجهم الروحى, وحسدهم وحقدهم, ولقد بدأت مؤامرتهم تتخذ شكلاً عملياً جدياً فى الأيام الأخيرة خصوصاً كلما كان يعمل معجزة جديدة يتجلى فيها مجده, وكلما كان الشعب يتعجب لمعجزاته ويندفع إلى الإيمان به.

من هذه المواقف لليهود الحاسدين موقفهم بعد إقامة الرب للعازر من الموت حتى أنهم جمعوا مجمعاً ليروا ماذا يصنعون بيسوع صانع المعجزة العظيمة, ومن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه (يو11: 47-53), وبعد وليمة سمعان الأبرص إذ كان الرب مع تلاميذه فى بيت عنيا, وإذ توافد الناس لزيارة بيت عنيا لا لكى يروا يسوع فقط بل لكى يروا أيضاً لعازر الذى أقيم حياً من الأموات بعد أربعة أيام اغتاظ رؤساء اليهود وفكروا أيضاً فى قتل لعازر نفسه حتى لا يذهب اليهود ليروه فيؤمنوا بيسوع.

وجعل الغل والحقد يغليان فى صدور هؤلاء القوم البؤساء الذين ظنوا أنفسهم رؤساء وقادة, وزادت حدته بعد دخول السيد إلى أورشليم كملك حيث استقبله الناس بفرح وتهليل وهم يحملون سعف النخل وأغصان الزيتون.

ولقد كانت الأيام القليلة التالية لأحد الشعانين العظيم حافلة بالأحداث والأعمال والأقوال والأمثال التى ضربها الرب على أمة اليهود والإنذارات التى فاه بها عنهم وعن رؤسائهم, بل وكانت حافلة أيضاً بالتحديات من جانبهم, وهم يمثلون الباطل, ومن جانبه وهو يمثل الحق لأنه هو الحق نفسه (يو14: 6, مت20-25, مر11-13, لو20-21).

كانت هذه القلوب التعسة تغلى كالمرجل, وإذ لم تستطع حمل ما بها من نار الأحقاد والضغائن, وإذ كانت وشيكة الانفجار, أرادت أن تنفس عن نفسها بتنفيذ الفعلة الشنعاء التى طالما حلمت بها وفكرت فيها, وهى قتل الرب يسوع, ومما يؤلم النفس أن الذى ساعدهم على حبك مؤامرتهم وإخراجها إلى حيز التنفيذ كان واحداً من الاثنى عشر هو يهوذا الإسخريوطى.

وربما عمل يهوذا معهم اتصالات مبدأية عن قرب ذلك بأيام, ولكن المؤامرة الرسمية كانت فى يوم الأربعاء الأخير الذى يبدأ من مساء الثلاثاء. ويفصل الإنجيليون هذا الخبر حيث يقول القديس متى: “حينئذ اجتمع رؤساء الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب إلى دار رئيس الكهنة الذى يدعى قيافا وتشاوروا لكى يمسكوا يسوع بمكر ويقتلوه ولكنهم قالوا ليس فى العيد لئلا يكون شغب فى الشعب…. حينئذ ذهب واحد من الاثنى عشر الذى يدعى يهوذا الإسخريوطى إلى رؤساء الكهنة وقال: “ماذا تريدون أن تعطونى وأنا أسلمه إليكم؟ فجعلوا له ثلاثين من الفضة. ومن ذلك الوقت كان يطلب فرصة ليسلمه” (مت26: 3-5, 14-16). ويروى القديس مرقس نفس المؤامرة ويذكر أنهم إذ ذهب يهوذا ليتفاوض معهم “فرحوا ووعدوه أن يعطوه فضة” (مر14: 1, 2, 10, 11), ويقول القديس لوقا أيضاً: “وقرب عيد الفطير الذى يقال له الفصح وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يقتلونه لأنهم خافوا الشعب. فدخل الشيطان فى يهوذا الذى يدعى الإسخريوطى وهو من جملة الاثنى عشر فمضى وتكلم مع رؤساء الكهنة وقواد الجند كيف يسلمه إليهم, ففرحوا وعاهدوه أن يعطوه فضة, فواعدهم. وكان يطلب فرصة ليسلمه إليهم خلواً من جمع “أى فى وقت لا يكون فيه بين الجموع لئلا يثور الشعب على رؤسائه الحاقدين (لو22: 1-6).

وهكذا حيكت المؤامرة الدنيئة, وفرح كهنة الشعب ورؤساؤه لأنهم ظنوا بذلك أنهم يعملون عملاً عظيماً, وأما يهوذا المسكين فأخذ يتحين الفرص ليسلم سيده ومعلمه إزاء ثلاثين من الفضة, وهى ثمن عبد (خر21: 32), مبلغ تافه قد يساوى أربعة جنيهات, وشاقل الفضة بوجه عام يقدر بحوالى خمسة جرامات فيا ترى ما سر هذا التصرف الذميم لهذا التلميذ؟ ليت شعرى ألم يكن من الاثنى عشر ؟ ألم ير معجزات يسوع الباهرة, ويسمع تعاليمه النقية السامية, بلى لقد تمتع بكل شئ. بل لقد اشترك مع التلاميذ فى تعليمهم وتبشيرهم وأعمالهم, وأعطى السلطان مثلهم لكى يشفى المرضى ويطهر البرص ويقيم الموتى ويخرج الشياطين (مت9: 8) إذن فلماذا تخلف عن الركب ولم يستطع أن يساير التلاميذ, بل تألب على معلمه وخانه؟

إن المرء لا يمكن أن يجزم جزماً تاماً فى معرفة سر هذا الأمر. قد يكون حبه للمال وجشعه الأعمى عاملين هامين فى تسليمه للرب, مع أن المبلغ الذى تقاضاه مبلغ تافه جداً ولو بقى الصندوق معه لحفظ له إيراداً ثابتاً وحصل منه على أكثر من هذا المبلغ بكثير.

قد يكون الذى دفعه إلى هذا حسده لبعض التلاميذ الذين تميزوا بمكانة أو بمواقف خاصة بالنسبة لاستعدادهم الخاص والثقة التى هم جديرون بها مثل يوحنا الذى عرف من هو الخائن بكونه التلميذ الذى كان يسوع يحبه, ومثل بطرس ويعقوب ويوحنا أيضاً الذين أخذهم الرب معه فى تجليه على الجبل وفى إقامة ابنة يايرس. وحتى فى هذا يكون يهوذا مخطئاً أيضاً لأنهم ميزوه بأن أوكلوا إليه أمانة صندوق الجماعة.

قد يكون خروجه عن الجماعة لأن المبادئ التى نادى بها المخلص لم تتفق مع طبيعته المادية العالمية الجامدة, فالرب نادى بالمحبة المطلقة, وبالسلام, وبالتسامح, وبالطهارة الكاملة, ودعا إلى الزهد فى حب المال وعدم عبادة العالم، وإلى الكمال الروحى والأدبى, وربما كانت كل هذه لا تروقه، وتعاليم المسيح السامية كثيراً ما تكون حجر عثرة يصطدم بها الضعفاء ويفشلون, ويرتدون.

وقد يكون هذا بالنسبة لأنه حسب نفسه غريباً بين المسيح وتلاميذه, غريباً من الجهة المادية, ومن الجهة الروحية. أما غربته مادياً فلأنهم جميعاً جليليون وهو وحده غير جليلى. ولو درى المسكين لتذكر أن الرب جاء ليجمع الجميع فى شخصه الواحد. فالرب الذى خلص السامرية وأهل بلدها, وأحسن إلى الكنعانية, وضرب مثل السامرى الصالح, ونادى بالمساواة بين جميع الناس من جميع الأجناس, لا يهمه إن كان واحد من تلاميذه جليلياً أو غير جليلى.

وأما عن غربته عنهم روحياً فلأن قلبه المظلم, وميوله المنحرفة وجنوحه نحو الشر, لم يستطع بها أن يساير التلاميذ الذين كانوا على استعداد أن يرقوا روحياً وأدبياً, على أنه لو تذكر أيضاً أن المسيح دافع عن الخطاة, وأكل مع العشارين, ووقف بجانب المرأة التى أُمسكت فى الزنى حتى يجذبها إلى التوبة, لتشجع وسار فى طريقه مع المسيح إلى النهاية.

ربما كان رجوعه إلى الوراء ونكوصه فى وسط الطريق يرجع إلى أنه رأى أن المسيح المبارك قد خيب آماله وآمال جميع اليهود فيه.. لقد كانوا جميعاً ينتظرون المسيا ملكاً عالمياً مثل داود وسليمان, له وزراء وقواد وجيوش, يخلص الأمة من الرومانيين ويقود جيوشه للحرب ليعيد مجد شعبهم. ولكنهم رأوه بعكس ذلك يدعو للسلام ويبنى ملكه على المحبة, وحتى لما أرادوا أن يجعلوه ملكاً هرب من بينهم وأعلن أن مملكته روحية سماوية وليست من هذا العالم, لأنه جاء ليملك على القلوب ويجدد الأرواح. لا قلوب اليهود وأرواحهم فقط, بل وقلوب وأرواح جميع الشعوب أيضاً. كان يهوذا ومعظم التلاميذ ينتظرون أن يتبوأ كل منهم مركزاً مرموقاً فى مملكة المسيح, وقد طلب يعقوب ويوحنا ابنا زبدى مثل هذا من معلمهم, ولكن الرب أعلن لهما أن هناك كأساً وصبغة أمامهما, وأما الجلوس عن اليمين وعن اليسار فلن يعطى إلا للذين أعد لهم من قبل الآب السماوى. كل هذه الأفكار وغيرها جاشت فى صدر يهوذا المسكين. والآن وهو يرى المسيح ينبئهم بتأكيد أنه لابد أن يسلم إلى اليهود وإلى الرومان ويصلب ويموت, وحتى إذ أكرمته مريم بالطيب أعلن أن هذا لتكفينه, كأن موته قريب على الأبواب, إذن فلا داعى فى نظره للاستمرار فى صحبته, مادام لم يحقق حلمه وأحلام جميع بنى شعبه, ومادام سيموت بعد قليل.

والواقع أننا لا نستطيع أن نعلم يقيناً سر هذه الشخصية المحطمة والنفسية المضطربة. الله وحده يعلم. وكل ما نستطيع أن نقوله إن الشيطان نصب شركاً ليهوذا, إذ لم يسهر على نفسه ويحذر من كيد الشيطان, سقط فى الشرك الذى نصبه له, وسلخ نفسه من بين جماعة التلاميذ, وحرم نفسه من عشرة يسوع الحلوة, وهذا يعود بنا إلى القول الإلهي الذى نطق به البشير لوقا: “فدخل الشيطان فى يهوذا الذى يدعى الإسخريوطى وهو من جملة الاثنى عشر فمضى وتكلم مع رؤساء الكهنة وقواد الجيش كيف يسلمه إليهم”.

(9) آكل خبزى رفع علىَّ عقبه

حان يوم خميس العهد الذى أكل فيه السيد الفصح مع تلاميذه كما مر ذلك فى سيرتىْ القديسين بطرس ويوحنا, ونرى شخصية هذا التلميذ تلعب دوراً كبيراً فى هذه الليلة المجيدة, ومن مشاهد الدور الأثيم الذى يحيط بيهوذا:

1- الشيطان يلعب دوره معه:

1 – يبدأ القديس يوحنا حديثه عن أحداث هذه الليلة بقوله “فحين كان العشاء وقد ألقى الشيطان فى قلب يهوذا سمعان الإسخريوطى أن يسلمه” (يو13: 2).

2 – “أنتم طاهرون ولكن ليس كلكم” :

قام الرب عن العشاء وغسل أرجل تلاميذه كما رأينا, ولما هال هذا الأمر تلميذه سمعان بطرس وأبى أن يغسل الرب رجليه, قال له الرب “إن كنت لا أغسلك فليس لك معى نصيب” فقال بطرس “يا سيد ليس رجلى فقط بل أيضاً يدىَّ ورأسى”، قال له يسوع “الذى قد اغتسل ليس له حاجة إلا إلى غسل رجليه بل هو طاهر كله” ثم قال له المجد “وأنتم طاهرون ولكن ليس كلكم”, وكان يقصد بذلك تلميذه الذى سنحت له الفرصة لكى يعيش طاهراً كإخوته, ولكنه رفض الحياة الطاهرة النظيفة مؤثراً عليها الحياة الملوثة بالظلم والعدوان.

3 – “لست أقول عن جميعكم” :

يا للأسف, إن الرب فى مشاهد كثيرة يستثنى يهوذا من جماعة التلاميذ, فلقد استثناه منهم كجماعة بسيطة طاهرة, وهنا يستثنيه حتى من السير وراء مبادئه الحية التى يلقنهم إياها.

لقد غسل أرجلهم وأعطاهم مثالاً لكى يتبعوا خطواته, مثالاً فى التواضع والخدمة الصادقة بعضهم لبعض, وقال لهم فى ذلك: “لأنى أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضاً. الحق الحق أقول لكم إنه ليس عبد أعظم من سيده ولا رسول أعظم من مرسله. إن علمتم هذا فطوباكم إن عملتموه. لست أقول عن جميعكم. أنا أعلم الذين اخترتهم. لكى يتم الكتاب الذى يأكل معى الخبز رفع علىَّ عقبه”.

وهكذا حرم يهوذا نفسه من كل امتياز كان لرفقائه، وجرد نفسه من كل نعمة.

4 –  إنباء بالعمل المشئوم

1 – اتكأ يسوع لكى يأكل الفصح مع تلاميذه, وبينما هم فى هذه الوليمة التذكارية المباركة اضطرب بالروح وقال لهم مصرحاً: “الحق الحق أقول لكم إن واحداً منكم سيسلمنى”.

اضطرب بالروح لأنه عز عليه أن واحداً من تلاميذه سلم نفسه للشيطان, واستعبد ذاته لحب المادة, وبالتالى خسر نفسه وجهاده, والرب دائماً يغار على خلاص البشر ويتألم لسقوطهم وهلاكهم.

كان الرب من قبل يصرَّح تصريحاً مطلقاً بأنه سيسلم إلى اليهود, أما الآن فيصرح بأن الذى سيسلمه واحد من الاثنى عشر, ولذلك كان تصريحه مفاجأة أليمة صدمت جماعة التلاميذ, فأخذوا ينظرون بعضهم إلى بعض فى حيرة فيمن يقول الرب عنه.

2 – وجعل التلاميذ الواحد تلو الآخر يسألون الرب وهم فى حزن وأسى: “هل أنا هو يارب؟” والله الذى يستر خطايا عبيده لم يشأ أن يشهر بتلميذه يهوذا, أجاب تلاميذه قائلاً “الذى يغمس معه يده معى فى الصحفة هو يسلمنى”, ولم يفهم التلاميذ من هو المقصود لأن أكثرهم كانوا يغمسون أيديهم فى الصحفة. والرب برحمته أجاب هذه الإجابة.

ثم أردف الرب قائلاً: “إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان. كان خيراً لذلك الرجل لو لم يولد”.

“إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه” : أى أن الله الكلمة الظاهر فى الجسد لابد أن يسلم نفسه للموت لخلاص البشر حسب التدبير الإلهى والقصد السماوى الموضوع منذ القدم, سواء سلمه يهوذا أو لم يسلمه, فويل إذن لذلك الإنسان المسكين الذى يرضى أن يكون هو الأداة لتسليم الرب إلى أيدى اليهود القتلة الحاسدين فيشترك بهذا فى خطاياهم.

3 – ويظهر أن ضمير يهوذا حاول أن ينهض عند سماعه الويلات التى صبها الرب على الشخص الذى تسول له نفسه ذلك, فسأل هو أيضاً بدوره: “هل أنا هو يا سيدى؟”

فأجابه الرب بقوله له: “أنت قلت”, أى أنت هو ذلك الشخص المسكين.

وحتى هذه العبارة قالها الرب بينه وبين يهوذا حتى لا ينفضح أمره أمام التلاميذ حتى لا يثوروا عليه، أو يضربوه، أو بالحرى لعله يراجع نفسه ويعدل عن إثمه، ولكن هيهات فهذا المسكين لم يشأ أن يكسب أى فرصة أو يستمع لأى تلميح أو تصريح.

4 – ورسم الرب العشاء الربانى وأعطى تلاميذه جسده ليأكلوه ودمه ليشربوه, ويرى فريق من المفسرين أن يهوذا خرج من بين الجماعة قبل رسم هذا السر, والآخرون يرون أنه اشترك فيه معهم. وإن كان قد اشترك فيه, يكون هذا فرصة جديدة له لينتبه لذاته, ولكنه مع ذلك لم ينتبه أو ربما أراد أن يحاكى باقى التلاميذ ويخفى ما فى ضميره السيئ.

5 – ساد الوجوم جماعة التلاميذ, وتملكتهم الحيرة. وكان يوحنا الحبيب متكئاً فى حضن سيده فأومأ إليه بطرس أن يسأله عمن هو هذا التلميذ الذى يسلمه, فاتكأ على صدر حبيبه وسأله من عسى أن يكون هذا الإنسان الذى قال عنه, فهمس الرب فى أذنه قائلاً: “الذى أغمس أنا اللقمة وأعطيه”.

وهنا غمس الرب لقمة وأعطاها ليهوذا ففهم يوحنا, ويرجح أنه أفهم بطرس أيضاً, وظل أمر يهوذا أيضاً سراً مكتوماً بين التلميذين وبين معلمهما.

وكان من عادة الجالسين على الموائد أن يغمس بعض الأفراد لقمة بين الحين والحين, إما فى المرق أو يلف اللقمة وبداخلها شئ من اللحم أو الطعام المطبوخ كالأرز ويعطيها لآخر من رفقائه كنوع من التحية والإكرام وكعلامة لتوطيد الشركة والمحبة والعهد بين الجميع. وكان رئيس الوليمة بوجه خاص يفعل هذا مراراً مع مضيفيه وكان على يهوذا وهو يأخذ اللقمة أن يشعر بخطأه ويندم, ويتذكر كم من جميل عملته هذه اليد الإلهية المباركة معه, وكم من خير قدمته له ولغيره من الناس, ولكن الوحى للأسف الشديد يقول إن يهوذا بعد أن أخذ اللقمة “دخله الشيطان”, أى استحوذ عليه وعلى أفكاره وعلى إرادته, وفى نفس الوقت استسلم يهوذا له ولم يشأ أن يقاومه أو يخالف مشورته.

وهكذا كلمة الله ونعمه وعطاياه, وأعماله… كل هذه قد يتلقاها الإنسان بإيمان وتواضع فتكون له رائحة حياة لحياة وتثمر فيه ثمراً طيباً شهياً, وقد يتلقاها بعناد وكبرياء وقسوة وإصرار على الشر فتكون له رائحة موت لموت, فتودى به وتقضى عليه.

6 – ولم يفضح الرب أمره أيضاً, بل ترفق به وقال له: “ما أنت تعمله فاعمله بأكثر سرعة”.

أى أن موتى لابد منه, وأنت قد سلمت نفسك للشر وأصررت على فعله, فافعل ما بدا لك فإنك رفضت رفضاً كلياً أن تقبل الإنذار والتعليم, وأن الساعة قد حانت لأتمم وعدى للبشر بالخلاص, وأن نفسى لتتوق إلى هذه الساعة التى من أجلها أتيت (يو12: 27).

7 –  لم يفهم أحد من التلاميذ لماذا قال له الرب هكذا وظن قوم منهم إذ كان الصندوق مع يهوذا أن يسوع يأمره أو يشترى ما يحتاجون إليه فى العيد أو أن يعطى شيئاً للفقراء (يو13: 28, 29). وهذا يرينا أن يسوع هو وجماعته الصغيرة كانوا معتادين أن يعطوا للفقراء والمساكين حتى من الدريهمات القليلة التى كانت فى صندوقهم المتواضع.

8 –  ويستطرد يوحنا البشير فيقول: “فذاك لما أخذ اللقمة خرج للوقت وكان ليلاً” خرج ليلاً لأن ظلمة حياته لم تتفق مع النور الذى أحاط بهذه الجماعة المباركة, وخرج لكى يتصل برؤساء اليهود ويسلم إليهم الفادى حسب وعده لهم.

9 –  ولما خرج قال يسوع بلغة الانتصار والظفر: “الآن تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه”, لأن صلب المسيح وكل ما يحل به من الآلام, وموته ودفنه, ثم قيامته من الأموات, فيها تمجيد لله الآب والابن والروح القدس الإله الواحد, لأنه بهذه يتم التدبير والقصد الإلهيان إذ يكمل الخلاص للخليقة التى خلقها على صورته ومثاله.

واستمر يسوع يلقى على تلاميذه خطابه الوداعى العظيم ويصلى من أجلهم ومن أجل جميع الأجيال بعدهم (يو13: 31-38, 14-17).

(10) جريمة مع سبق الإصرار

1 – ظلت الجريمة مبيتة فى قلب يهوذا, وظل هو مصراً على الجريمة, وأبى ألا يخرجها إلى حيز التنفيذ. أخذ يسوع تلاميذه إلى بستان جثسيمانى للصلاة, وكان البستان فى وادى قدرون الذى يسميه يوسيفوس (وادى يهوشافاط), ويسمى الآن (وادى ستى مريم). وكان يهوذا يعرف هذا البستان القريب من أورشليم (يو18: 2) لأن يسوع كان يجتمع فيه مراراً مع تلاميذه, أحياناً لتعليمهم على انفراد, وأحياناً للصلاة, وربما أحياناً للمبيت فيه. ولما أخذ يهوذا اللقمة من يد المخلص, ذهب ليلاً إلى رؤساء كهنة اليهود ومع الكهنة والفريسيين والجند. واتفق معهم على أن يمضوا معه إلى حيث يسوع ليسلمه إليهم.وأعطاهم علامة أن الذى يقبله هو هو. وعليهم أن يمسكوه ويمضوا به بحرص.

2 – وكما مر بنا فى تاريخ القديسين بطرس ويعقوب ويوحنا ابنى زبدى, أن يسوع أخذ هؤلاء الثلاثة معه إلى داخل البستان قريباً من الموضع الذى كان يصلى فيه, وأوصاهم أن يسهروا ويصلوا, وذهب هو وصلى مرتين, وكان كلما رجع إليهم وجدهم نياماً, ولما صلى للمرة الثالثة عاد ووجدهم نياماً أيضاً من شدة الحزن, وإذ كان يسوع يعلم بكل شئ قال لهم:

– ناموا الآن واستريحوا. يكفى قد أتت الساعة. هوذا ابن الإنسان يسلم إلى أيدى الخطاة ثم قال لهم بلغة التصميم والعزم, حاثاً لهم على أن يقوموا ليواجهوا الأعداء بأنفسهم:

– قوموا ننطلق, هوذا الذى يسلمنى قد اقترب.

3 – وللوقت وهو يتكلم دخل الدليل الخائن يقود جمعاً كثيراً بسيوف وعصى من عند رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب، وكان بينهم جند وخدام, وكان بعضهم يحملون مشاعل ومصابيح. وأراد الخائن أن يلعب آخر مشهد أثيم فى دوره مع معلمه, فتقدم إلى الرب وقبَّله فى جبينه قائلاً: “السلام يا سيد”.

جعل القبلة وهى رمز المحبة والوفاء, علامة للخيانة والغدر, ونطق بالسلام وهو لا يعرف السلام, بل يكن الضغينة والبغضاء, فتم فيه القول الذى فاه به المرنم: “ألقى يديه على مسالميه نقض عهده. أنعم من الزبدة فمه وقلبه نصال، ألين من الزيت كلماته وهى سيوف مسلولة (مز55: 20, 21).

ويهوذا فى كل هذا يمثل الكثيرين فى كل الأجيال, الذين يتكلمون مع أصحابهم بالخير والسلام, ويتظاهرون بالحب والإخلاص, وهم يكنون كراهية وحقداً وسوءاً وبغضاء.

4 – ويفصل القديس يوحنا هذا المشهد فيذكر أن يسوع رب القوة والجبروت قال لهذه الجموع: “من تطلبون؟” فأجابوه: “يسوع الناصرى”. فقال لهم الرب: “أنا هو ولما سمعوا القول رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض وعاد الرب ثانية وسألهم: “من تطلبون؟ ولما أجابوه: (يسوع الناصرى), قال لهم: ” قد قلت لكم إنى أنا هو, فإن كنتم تطلبوننى فدعوا هؤلاء يذهبون, قال هذا مشيراً إلى تلاميذه, ليتم القول الذى قاله “إن الذين أعطيتنى لم أهلك منهم أحداً”. لا عجب فهو الذى قال عن نفسه أيضاً: “أنا هو الراعى الصالح والراعى الصالح يبذل نفسه عن الخراف…”.

وقبضت الجموع على يسوع، واستل بطرس سيفه وضرب أذن عبد رئيس الكهنة, ولكن الرب أبرأها, وأمره أن يكف عن استعمال سيفه وأن يرده إلى غمده, ثم التفت إلى الجموع وقال لهم:

“كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصى لتأخذوني. كل يوم كنت معكم فى الهيكل أعلم ولم تمسكونى, ولكن هذه ساعتكم وسلطان الظلمة, ولكى تكمل كتب الأنبياء.

وحينئذ تركه تلاميذه وهربوا, بينما قاده الجمع إلى المحاكمة, ثم إلى الصلب. وهكذا أتم يهوذا مؤامراته الغادرة. ونفذ جريمته النكراء, إذ سلم سيده ومعلمه, وهى جريمة فى نظر العدل والقانون (جريمة مع سبق الإصرار).

(11) النهاية الأليمة للشخصية الأثيمة

(مت27: 2-10, أع1: 15-29)

1 – ظهر يهوذا فى كل هذه المشاهد, ولم ينته دوره بعد. فلقد سبق يسوع البار إلى المحاكمة أمام رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب, واستجوب, وقام عليه شهود زور وأخرجوا القضية الظالمة أنه مستحق الموت, وساقوه إلى بيلاطس البنطى الحاكم الرومانى وقتئذ ليحاكم أيضاً. كل هذا ويهوذا يراقب عن كثب ليرى ماذا تكون النتيجة, ولما رأى أن يسوع البار قد دين نخسه ضميره وابتدأ يقف موقفاً مغايراً لمواقفه السالفة.

ويقول القديس متى الإنجيلى فى هذا : “حينئذ لما رأى يهوذا الذى أسلمه أنه قد دين ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة الشيوخ قائلاً: “قد أخطأت إذ سلمت دماً بريئاً. فقالوا ما علينا. أنت أبصر”.

لقد اعترف ببراءة يسوع, ورد إليهم الفضة ظناً منه أنهم يطلقونه, لكنهم قالوا له     (ما علينا) أى ما لنا ولك إن كنت قد أخطأت أو لم تخطئ، إن غايتنا كانت القبض على يسوع وها قد تحققت غايتنا وقبضنا عليه (أنت أبصر) أو (أنت وشأنك), أى تصرف مع نفسك كما تشاء أن تتصرف.

ورأى المسكين أنه لا فائدة من محاولاته فألقى الفضة إليهم فى الهيكل, لأن هذا المال الذى ظنه ربحاً لنفسه, لم يسبب له إلا الحزن والأسى والجزع والخسارة.

ولو أن يهوذا قرن ندمه هذا بالتوبة والاستغفار لأحسن صنعاً, وقبله الرب فى رحمته كما قبل تلميذه بطرس الذى أنكره, ولكن المسكين يئس من رحمة الله. وسلم ذاته للشيطان, فقاده إلى أن يشنق نفسه, بأن علق نفسه فى مكان عالٍ ومن خطاب القديس بطرس فيما بعد نعرف أن جسمه ثقل فانقطع الحبل الذى كان معلقاً به, فسقط على وجهه وانشق من وسطه وانسكبت أمعاؤه كلها (أع1: 18), ويرجح العلماء أنه خنق نفسه فى وادى هنوم الواقع إلى الجنوب والغرب من أورشليم.

وهكذا انتهى المطاف بذلك الرجل الذى باع نفسه لعمل الشر, فكان الموت أجرة لخطيته, وخسر ماله وآماله, والشركة مع معلمه الصالح, وأضاع إكليل الرسولية, ودنياه وآخرته, بل ونفسه أيضاً, فانطبق عليه تمام الانطباق اللقب الذى لقبه به رب المجد أنه (ابن الهلاك) (يو17: 12).

(12) حقل الدم (مت27: 6-10)

لم يشأ رؤساء الكهنة أن يدخل مبلغ الثلاثين من الفضة إلى خزانة بيت الرب. وهى الصندوق الذى كانت توضع فيه العطايا, وقالوا فيما بينهم: ” لا يحل أن نلقيها فى الخزانة لأنها ثمن دم” وقد أقروا بذلك أنهم اشتروا بها دماً هو دم المسيح الذى كانوا قد عقدوا النية على قتله, وتشاوروا فيما بينهم واشتروا بها حقل الفخارى ليكون مقبرة للغرباء أو قد دعى هذا الحقل هكذا لأن الفخارين كانوا يأخذون منه التراب لعمل الآنية الفخارية, ويقع الحقل فى الجانب الجنوبى من وادى هنوم.

يا للعجب لقد ألبسوا عملهم الردئ وجريمتهم البشعة ستاراً من التدين الظاهرى ومن الخيرية والإنسانية لأنهم لم يدخلوه إلى بيت الرب واشتروا مقبرة لدفن الغرباء, ولكن بماذا؟ بثمن دم ذكى برئ وكم من أناس مساكين يعرجون بين الفرقتين, فيحاولون أن يخلطوا بين الشر الذى يعملونه ويعيشون فيه والخير الذى يتظاهرون به, بين خدمة العالم وعبادة المال. وبين خدمة الله. ينادون بالإشقاق على الفقراء والمساكين والغرباء وقد يعملون أعمالاً جليلة نافعة, وهم لا يستنكفون من اقتراف الجرائم, والمظالم, والسلوك الردئ الذى لا يرضى الله.

ولقد سمى ذلك الحقل حقل الدم أو حقل دما, وهى الكلمة السريانية التى تعنى الدم, وظل هذا الحقل كشاهد عليهم بأنهم باعوا ضمائرهم واشتروا الدم البرئ الذى سفكوه على الصليب.

ولقد تحققت بهذا نبوة زكريا النبى التى قالت: “هكذا قال الرب إلهى ارع غنم الذبح الذين يذبحهم مالكوهم ولا يأثمون وبائعوهم يقولون مبارك الرب قد استغنيت, ورعاتهم لا يشفقون عليهم… فقلت لهم إن حسن فى أعينكم فأعطونى أجرتى وإلا فامتنعوا, فوزنوا أجرتى ثلاثين من الفضة, فقال لى الرب ألقها إلى الفخارى الثمن الكريم الذى ثمنونى به, فأخذت الثلاثين من الفضة وألقيتها إلى الفخارى فى بيت الرب (زك11: 4, 5, 12, 13).

وتنطبق هذه النبوة على كل ما جرى فى قضية اليهود مع المسيح المبارك:

( أ ) لأنه كما أمر الرب زكريا أن يرعى الخراف البائسة التى كاد الرعاة غير الأمناء أن يذبحوها, رعى المسيح شعبه الضال المسكين الذى كاد يهلك من مظالم كهنته.

(ب) وكما أعطوا زكريا أجراً تافهاً لأنهم (ثمنوه) بثلاثين من الفضة, وقد دعاه زكريا من باب التهكم والاستهزاء (الثمن الكريم), كذلك ثمنوا المسيح الغالى بنفس هذا المبلغ وهو ثمن عبد.

(ج) وكما أمر الرب زكريا بإلقاء هذا المبلغ إلى الفخارى بالنسبة لتفاهته, إما لشراء حقله, وإما لكى يدير به عمله وهو صنع الفخار والمتاجرة به وهما عملان يكفيهما أقل مبلغ من المال, كما كان هذا هو الحال مع زكريا, رأى كهنة اليهود أن يشتروا بالثلاثين من الفضة حقل الفخارى الذى جعلوه مقبرة للغرباء.

(13) متياس بديلاً ليهوذا (أع1: 12-26).

وبعد قيامة الفادى من الأموات وصعوده إلى السموات, كان التلاميذ ينتظرون حلول الروح القدس فى أورشليم كما أمرهم الرب, وكان معهم جمهور من المؤمنين, فوقف بطرس فى وسطهم وقال: “أيها الرجال الإخوة. كان ينبغى أن يتم هذا المكتوب الذى سبق الروح القدس فقاله بفم داود عن يهوذا الذى صار دليلاً للذين قبضوا على يسوع, إذ كان معدوداً بيننا وصار له نصيب فى هذه الخدمة, فإن هذا اقتنى حقلاً من أجرة الظلم. (والكلام فيه مجاز يقصد به أن يهوذا بعمله الدنئ كان عاملاً على شراء اليهود للحقل) وإذ سقط على وجهه وانشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها, وصار ذلك معلوماً عند جميع سكان أورشليم حتى دعى ذلك الحقل فى لغتهم حقل دماً أى حقل دم. لأنه مكتوب فى سفر المزامير: “لتصر داره خراباً ولا يكن فيها ساكن وليأخذ أسقفيته آخر. فينبغى أن الرجال الذين اجتمعوا معنا كل الزمان الذى فيه دخل إلينا الرب يسوع وخرج منذ معمودية يوحنا إلى اليوم الذى ارتفع فيه عنا يصير واحداً منهم شاهداً معنا بقيامته”.

ومن ثم استجابت الكنيسة لنداء بطرس الذى فاه به بالروح القدس وأقاموا اثنين بينهم هما يوسف الذى يدعى بارسابا الملقب يوستس ومتياس, ولما صلوا وألقوا القرعة بينهما وقعت القرعة على متياس ليكون بين الاثنى عشر بديلاً ليهوذا سمعان الإسخريوطى, ونقرأ هذا بالتفصيل فى ترجمة القديس متياس الرسول.