الإصحاح الأول – إحصاء الشعب – سفر العدد – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 04- تفسير سفر العدد – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

مقدمة سفر العدد

تسمية السفر.

جاءت تسمية هذا السفر "العدد" عن الترجمة السبعينية، وهي تناسب الأصحاحين الأول والسادس والعشرين حيث ورد في كل منهما إحصاء للشعب. الإحصاء الأول تم في سيناء في السنة الثانية من خروجهم (عد ١)، والثاني بعد حوالي تسعة وثلاثين عامًا في سهول موآب (عد٢٦). لكن هذه التسمية جعلت الكثيرين يهملون دراسة هذا السفر ظنًا منهم أنه مجرد سفر إحصاء للشعب. أما النسخة العبرية فجاء فيها اسم هذا السفر بمدبار Bemidbar أي "في البرية"، وهما الكلمتان الرابعة والخامسة في الأصحاح الأول، تعبران في أكثر دقة عما حواه السفر، بكونه سفر رحلات الشعب في البرية.

محتويات السفر.

جاء هذا السفر تتمة للأسفار الثلاثة السابقة، يروي لنا قصة تيه بني إسرائيل في برية سيناء ووصولهم إلى موآب وإشرافهم على أرض الموعد.

لقد بقي الشعب حوالي عام في سيناء، تسلم فيها الشريعة الموسوية التي تنظم لهم حياتهم الروحية من عبادة وسلوك، كما تنظم حياتهم الاجتماعية اليومية. تحركوا بعد ذلك نحو الشمال تجاه كنعان، وعندما بلغوا قادش رفض ملك أدوم أن يسمح لهم بالعبور (عد ٢٠)، وإذ سمع بهم ملك عراد حاربهم وغلبهم، لكنهم عادوا وانتصروا، ثم بقوا عدة سنوات تائهين في البرية بسبب تذمرهم المستمر.

سمع ملك موآب بأخبارهم فدعا بلعام الساحر ليلعنهم، لكن الله حوّل كلمات الساحر إلى بركة ووعدهم بالغلبة. أشار عليه الساحر أن يعثرهم بالمديانيات، فانحرف إسرائيل عن الله وانهزموا، لكنهم عادوا وغلبوا، فخصصوا الأرض شرق الأردن لرأوبين وجاد نصف منسى، كما جاءت التعليمات الخاصة بتقسيم الأرض.

مميزات السفر.

إن كان السفر قد سجل بعض أحداث رحلة الشعب قديمًا في البرية، لكننا لا نستطيع القول بأن غاية السفر هو استعراض مراحل الرحلة أو كل أحداثها، إنما هو عرض لعمل الله مع الإنسان لتهيئته لدخول أرض الموعد. إن كان سفر الخروج يصف انطلاق الإنسان وتحرره من أسر العبودية خلال الدم الكريم (خروف الفصح) متجهًا بذراعٍ قوية نحو أورشليم العليا بعد عبوره مياه المعمودية المقدسة (البحر الأحمر)، فإن هذا السفر يصف مرحلة خطيرة في حياة الإنسان ألا وهي مرحلة الجهاد غير المنقطع بقوة النعمة الإلهية الساكنة فيه بغية الانطلاق به نحو السماويات.

جاء السفر يحمل مزيجًا بين الشرائع الإلهية وأحداث المرحلة، وكأن الله قد أراد أن يؤكد لنا أن "الوصية الإلهية" هي المعين للنفس في رحلتها إلى أورشليم العليا، يلزم أن تمتزج حياتها بالوصية، ويرتبط عملها بكلمة الله الحيّ الذي يسندها في غربتها ويحفظها مقدسة له.

يبرز هذا السفر عناية الله بشعبه في برية هذا العالم، يظللهم كسحابة وينير لهم ليلاً، يهتم بأكلهم وشربهم وراحتهم، ولا يتركهم معتازين شيئًا من أعمال كرامته.

بقدر ما أعلن هذا السفر حب الله للإنسان واهتمامه بكل احتياجاته الروحية والنفسية والجسدية بقدر ما كشف عن نفس الإنسان الدائمة التذمر بلا سبب. لقد صوّر لنا عناد الإنسان الدائم ومقاومته لله. ومقابلة حبه بالجفاف والتذمر، حتى اضطر الله إلى تأديبهم بحرمانهم من أرض الموعد وتحقيق الوعد مع أبنائهم.

ولقد لخص المرتل هذا السفر بقوله على لسان الرب: "أربعين سنة مقت ذلك الجبل وقلت هم شعب ضال قلبهم، وهم لم يعرفوا سبلي، فأقسمت في غضبي لا يدخلون راحتي" (مز٩٥: ١٠، ١١)، هذا ينصحنا به الرسول بولس قائلاً: "فلنخف أنه مع بقاء وعد بالدخول إلى راحته يُرى أحد منكم أنه قد خاب منه" (عب ٤: ١).

أبرز بشاعة الخطيئة فهي تدان دائمًا، ويسقط مرتكبها تحت التأديب سواء كان نبيًا مثل موسى الذي حرم من دخول أرض الموعد أو رئيس كهنة كهرون الذي سقط تحت نفس التأديب (٢٠)، أو نبية كمريم التي صارت برصاء إلى حين (١٢)، أو المعتدين من اللاويين كقورح وداثان وأبيرام (١٦)، أو من الشعب الذين لدغتهم الحيات المحرقة (٢١). لكنه يعطي الشفاء خلال الإيمان (الحية النحاسية) الممتزج بالجهاد. ويبقى الله أمينًا لوعده وثابتًا بغض النظر عن أخطاء الناس أو الأشخاص أيًا كان مركزهم الروحي!

في بداية السفر ركز على تأسيس النظام الكهنوتي الأصيل وبتر المعتدين مع توضيح عمل كل فئة: رئيس الكهنة، الكهنة اللاويين (بنو قهات، بنو جرشون، بنو مراري). وكأنه أراد أن يؤكد حاجتنا إلى عمل السيد المسيح الكهنوتي، والعام في كهنته، إذ تقدسوا للرب والتزموا بواجباتهم.

أبرز هذا السفر قوة الشفاعة، إذ صلاة البار تقتدر كثيرًا من فعلها (يع ٥: ١٦)، فنرى موسى النبي كخادم لشعبه يقف دائمًا شفيعًا فيهم، وهرون يصلي عنهم. هذا هو عمل الكاهن... إنه يردد مع صموئيل النبي قائلاً: "وأما أنا فحاشا لي أن اخطيء إلى الرب فأكف عن الصلاة من أجلكم" (١صم١٢: ٢٣).

أقسام السفر.

الاستعداد للسفر في البرية ص ١ - ص ١٠: ١٠.

من سيناء إلى موآب ص ١٠: ١١ - ص ٢١.

حادثة بلعام ص ٢٢ – ص ٢٥.

الاستعداد لدخول أورشليم ص ٢٦: ص ٣٦.

الباب الأول – الاستعداد للسفر في البرية.

ص١ - ص١٠: ١٠.

الإصحاح الأول – إحصاء الشعب

إذ أخرج الله الشعب من أرض العبودية أقام نفسه ملكًا عليهم (١صم١٢: ١٢)، لا ليسيطر عليهم، وإنما لكي يرعاهم ويهتم بكل أمورهم روحيًا ونفسانيًا واجتماعيًا، لهذا قدم لهم دستوره الإلهي الوارد في سفر اللاويين، في الشهر الأول من السنة الثانية للخروج، أو في السنة الثانية لبدء ملكه عليهم. أعقب هذا مباشرةً أمره الإلهي بعمل تعداد لرجال الحرب.

الأمر الإلهي بالإحصاء ١ – ٤.

تعيين رؤساء الأسباط ٥ – ١٦.

إعفاء اللاويين ٤٧ – ٥٤.

الأعداد 1-4

الأمر الإلهي بالإحصاء

"وَقَال الرَّبُّ لِمُوسَى فِي بَرِّيَّةِ سِينَاءَ فِي خَيْمَةِ الاِجْتِمَاعِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ الثَّانِي فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِخُرُوجِهِمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ: «أَحْصُوا كُل جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيل بِعَشَائِرِهِمْ وَبُيُوتِ آبَائِهِمْ بِعَدَدِ الأَسْمَاءِ كُل ذَكَرٍ بِرَأْسِهِ" (ع١ - ٢).

تسلم الرب قيادة الشعب بنفسه كملك يدبر كل أمورهم... فأصدر أمره الملكي لخادمه "موسى النبي" في خيمة الاجتماع كما في القصر الملكي. جاء هذا بعد الإحصاء الأول الذي تم لتحصيل مساهمة الكل في تكاليف خيمة الاجتماع (خر٣٨: ٢٥، ٢٦)، لكن الإحصاء الأول لم يسجل حسب بيوت آبائهم بعشائرهم مثل هذا الإحصاء.

هل من ضرورة للإحصاء.

التزم موسى وهرون بأمرٍ إلهي لإتمام هذا الإحصاء، مع أن الله وبخ داود النبي وعاقبه بصرامة لأنه قام بعمل إحصاء (٢ صم ٢٤، ١ أي ٢١)، ذلك لأن داود النبي أراد بعمله هذا أن يشبع كبرياء قلبه بإمكانياته البشرية التي تحت سلطانه، أو أراد أن يستعرض هذه الإمكانيات أمام نفسه وأمام الآخرين الأمر الذي يحزن قلب الله ويمنع نعمة الله عن العمل في حياة الإنسان خاصة القادة الروحيين. أما الإحصاء هنا فلم يحمل شيئًا من هذا في قلب موسى أو هرون، إنما جاء بناءً على أمرٍ إلهي لتحقيق مقاصد إلهية، منها:

ربما أراد الله أن يعلن لأولاد إبراهيم أنهم يجنون ثمار إيمان أبيهم وطاعته فتحققت منهم وعود الله له: "يكون نسلك كتراب الأرض وتمتد غربًا وشرقًا وشمالاً وجنوبًا" (تك٢٨: ١٤). أراد أن يلزمهم أن يسلكوا بروح أبيهم، لكي يتمتعوا بمواعيد إلهية بفيض.

إن كان الله قد دُعي "راعي شعبه" (مز ٨٠: ١)، ففي إحصائهم تأكيد لاهتمامه بكل واحد منهم حتى لا يهلك منهم أحد. إنه يود أن يسجل أسماءهم في سفر الحياة لكي يدخل بجميعهم إلى أورشليم العليا وينعمون بالأرض الجديدة. إنه يحصي أولاده المقدسين لكي يمتعهم بالمجد. وكما يقول العلامة أوريجينوس: [أتريد الدليل على أن عدد القديسين محصي أمام الله؟ اسمع ما يقوله داود النبي: "يحصي الكواكب، يدعو كلها بأسماء" (مز١٤٧: ٤). ولم يكتف المخلص بتحديد عدد التلاميذ الذين اختارهم بل قال أيضًا أن شعور رؤوسهم محصاة "وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة" (مت١٠: ٣٠). وهو في هذا لا يقصد الحديث عن الشعر الذي نقصه ونلقيه في القمامة، أو الشعر الذي يتساقط مع كبر السن ويموت، لكنه يقصد الشعر الذي حُلق (لشمشون) الذي يحمل خلاله الروح القدس (قض١٦)... أقصد بذلك قوة الروح والفكر النابع عن قوة الإدراك والفهم، فيرمز له برؤوس التلاميذ[1]]. وكأن الله ليس فقط يحصي أولاده ويعرفهم بأسمائهم وإنما يحصي إمكانياتهم الروحية ليسندهم بالفهم الروحي ويعينهم بروحه القدوس.

أمر الله بإعداد هذا الإحصاء ليفصل بين الرجل الأصيل والغريب، ليس لأن الله يميز أحدًا، وإنما لكي يدفعنا من حالة التغرب عن الله إلى التقرب إليه، فيتأكد كل مؤمن أنه منتسب لشعب الله، عضو في العائلة السماوية. وكما يقول الرسول بولس: "فلستم إذاً بعد غرباء ونزلاء بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله" (٢: ١٩). فإن الضربة الخطيرة التي يحطم بها العدو الكثيرين هو تشكيكهم في كون الوعد لهم، وأنهم أبناء الله يهتم بهم ويرافقهم. لهذا كثيرًا ما يردد الأشرار القول: "الرب قد ترك الأرض والرب لا يرى" (حز٩: ٩). إن كان الشرير قد صار أرضًا ليس له كل شيء في السماويات يشعر أن الرب فارقه وأنه لا يراه بهذا يزداد في شره ويسقط في اليأس.

كشف هذا الإحصاء عن طريقة العمل الإلهي بكونه إله نظام وليس إله تشويش (١كو١٤: ٣٣). كان الأمر الإلهي يدقق في كل صغيرة وكبيرة لكي يسلك هذا الشعب في البرية بكل ترتيب، ليس فقط في طقس العبادة من ذبائح وصلوات دائمًا حتى في طريق سيره في البرية وفي تحديد موقع كل سبط بالنسبة للخيمة أينما حلت، الأمر الذي يفوق الوصف كما سنرى. وكأن الله يريد من مؤمنيه أن يعيشوا بروح الحكمة والتدبير في دراستهم للكتاب وصلواتهم وأصوامهم وجهادهم في الفضائل وسلوكهم، فالإيمان يؤكد الترتيب والنظام بحكمة وروحانية دون أن يستعبد الإنسان للنظام في جفاف وعدم مرونة. إنه يؤكد التدبير الكنسي العام بفهمٍ وحيوية ليعمل المؤمنين بالروح القدس الساكن فيهم دون أن تتحول حياتهم إلى روتين جاف بلا روح! لهذا يقول الرسول: "ونطلب إليكم أيها الإخوة إنذروا الذين بلا ترتيب" (١تس٥: ١٤)، كما يقول: "وليكن كل شيء بلياقة وبحسب ترتيب" (١كو١٤: ٤٠).

ربما دفع هذا الإحصاء الشعب إلى الاهتمام بنسبهم حتى يأتي السيد المسيح له المجد، كلمة الله المتجسد، فيتأكدون من شخصه أنه ابن داود الموعود به. وقد جاء المسيّا إلى العالم مخلصًا للبشرية، وانتهت سجلات النسب ولم يعد أحد يعرف من أي سبط هو.

متى تم هذا الإحصاء؟

حدد الكتاب المقدس تاريخ هذا الإحصاء بالسنة الثانية من الخروج في أول الشهر الثاني (ع١)، لم يكن هذا التاريخ بلا هدف، إنما أراد الله أن يسجل أولاده بعد اجتيازهم ستة مراحل روحية خلالها يتأهلوا لهذه الكرامة كأولاد لله مستحقين تسجيل أسماءهم في سفر الحياة، هذه المراحل هي:

انشقاقهم عن الشيطان (فرعون) وتحررهم من عبوديته، واعتزالهم إياه، هذا الذي يتسلط على النفس ويفسدها.

تمتعهم بالمعمودية المقدسة (عبورهم البحر الأحمر).

كفاحهم ضد إبليس (الحرب مع عماليق).

تمتعهم بكلمة الله السماوي غذاءً لنفوسهم (المن)، وارتوائهم من الصخرة (السيد المسيح).

اقتناء الحياة الفاضلة بسكنى الله داخلهم (خيمة الاجتماع وسط المحلة).

التمتع بالإتحاد الدائم مع الله خلال الذبيحة المقدسة (الذبائح والتقدمات) والوصية الإلهية (الشريعة).

في هذا يقول العلامة أوريجينوس: [لماذا لم يحصى الشعب عند الخروج من مصر؟ لأن فرعون كان لا يزال يتعقبهم. ولماذا لم يحصى بعد عبور البحر الأحمر عندما بلغ البرية؟ لأن الإسرائيليين لم يكونوا بعد قد جربوا، ولا هاجمهم الأعداء، ولا حاربوا عماليق، ولا نالوا النصرة. لكن نصرة واحدة لا تكفي لبلوغهم الكمال... لقد نصبت خيمة الإجتماع ومع ذلك لم يحن وقت التعداد، لكن إذا أعطيت الشريعة لموسى ورُسم طريق تقديم الذبائح وضحت طقوس التطهير ووضعت الشرائع وأسرار التقديس حينئذ صار أمر الله بتعداد الشعب[2]].

قائمة الإحصاء.

حدد الله فئة الذين يدخلون في قائمة الإحصاء بشروط تحمل مفاهيم روحية، ألا وهي:

الذكور لا الإناث (ع٢).

البالغون عشرين عامًا فما فوق (ع٣).

القادرون على الحرب (ع٣).

المنتسبون للشعب دون الغرباء (ع٤).

إعفاء اللاويين من الإحصاء (ع٤٧).

يحصى الذكور دون الإناث ليس تمييزًا لجنس على حسابٍ جنس آخر، إنما من الجانب الحرفي أعد هذا التعداد كقوائم رجال حرب، الأمر الذي هو من صميم عمل الرجال دون النساء. أما من الجانب الروحي فإن الوصية موجهة إلى كل المؤمنين هكذا: "كونو رجالاً تقووا" (١كو١٦: ١٣). هذه وصية موجهة للرجال والنساء والشيوخ والأطفال والشباب، لا تحمل المعنى الحرفي إنما تعني إلتزام كل مؤمن بالنضوج والجهاد الروحي ضد الخطيئة والشر كرجل حرب، يتحمل المسئولية ولا يعرف التدليل. لهذا يقول العلامة أوريجينوس: [طالما بقى لأحدنا صفات عجز الأنوثة والفتور... لا نتسحق أن نكون محصيين أمام الله في سفر العدد الطاهر والمقدس[3]].

يُحصى البالغون عشرين عامًا فما فوق، أي يكون المؤمن قد تخطى دور الطفولة الروحية منطلقًا إلى حياة النضوج الروحي. وكما يقول العلامة أوريجينوس: [يعلمني النص الحالي أنه إذا اجتزت سذاجة الطفولة، أي توقفت عن أن يكون لي أفكار الطفولة، إذ "لما صرت رجلاً أبطلت ما للطفل" (١كو١٣: ١١)، أقول قد صرت شابًا قادرًا على الغلبة على الشرير (١يو٢: ١٣)، فظهرت كمستحق لأن أكون بين الذين قيل عنهم أنهم يسيرون في قوة... وأُحسب أهلاً للتعداد الإلهي. لكن إن كان لأحد منا أفكار جسدانية متأرجحة... فلا يستحق أن يحصى أمام الله في سفر العدد الطاهر والمقدس[4]].

وقد لاحظ العلامة أوريجينوس[5] في تعليقه على إنجيل معلمنا متى البشير في إشباع الجموع قول الكتاب: "والآكلون كانوا نحو خمسة آلاف رجل ما عدا النساء والأولاد" (مت١٤: ٢١)، أن النساء والأولاد روحيًا قد استبعدوا إذ لم يكونوا مستحقين للإحصاء. فإنه يليق بالذين يتمتعون بالبركة الإلهية أن يكونوا رجالاً وأن يجلسوا على العشب (مت١٤: ١٩) الذي هو رمز الجسد (إش٤٠: ٦)، أي يخضعون الجسد تحت أنفسهم الناضجة القوية روحيًا!

قادرون على الحرب، إذ لا يقف الأمر عند السن، إنما يشترط فيمن يحصون أن يكونوا أقوياء روحيًا قادرين على مجابة الشيطان وحيله لحساب ملكوت الله.

منتسبون لشعب الله، إذ لا يقف الأمر عند السن والإمكانية (القوه) إنما يلزم أن يكون مقدسًا، حصل بروح الله على البنوة لله والإنتساب للعائلة المقدسة، فيتخذ له الآب أبًا والكنيسة أمًا، يجاهد قانونيًا بروح الله العامل فيه كعضو في جسد المسيح المقدس. يقول العلامة أوريجينوس[6] أن كثيرين لهم القوة لكنهم لا يستحقون التمتع بتسجيلهم في الإحصاء الإلهي، لأنهم لم يقبلو الإنتساب الروحي لله في كنيسته المقدسة. فاليونانيون مثلاً لهم قوة حسب الفكر الفلسفي لحساب المجد البشري، والكلدانيون كان لهم قوة في الدراسات الفلكية دون الإهتمام بالحياة الروحية فصار لهم العلم الذي ينفخ ما دام بغير روح، وكان للمصريين الحكمة البشرية لكن بعيدًا عن الله... إننا في حاجة لا إلى التمتع بهذه الإمكانيات فحسب وإنما أن تكون لنا خلال إنتسابنا لجسد المسيح المقدس.

إعفاء اللاويين، الأمر الذي نعود إليه في نهاية هذا الأصحاح.

الأعداد 5-46

تعيين رؤساء الأسباط

لكي يتم الإحصاء على يدي موسى وهرون كان لابد من إختيار رؤساء الأسباط يسندونهما في هذا العمل. وقد تم ذلك بتعيين إلهي كما بمرسوم سماوي، أولاً لكي يكفي موسى النبي عبء التفكير فيمن يصلح، وثانيًا لكي لا يترك مجالاً للصراعات بين الشعب على المراكز القيادية.

إقامة هؤلاء الرؤساء كشف عن إهتمام الله بتأكيد دور "الشعب" أو "العلمانيين" إن صح هذا التعبير، في حياة الكنيسة. فليس للنبي ولا لرئيس الكهنة ولا للكهنة واللاويين أن ينفردوا بالتدبير وحدهم، لكن يلتزم الشعب بالعمل معهم يسند الواحد الآخر، ويعمل الكل تحت قيادة الوصية الإلهية بروح الله.

إختار الله في تعيينه رؤساء الأسباط رجالاً يحملون أسماء لها معانٍ روحية، فقد اختار من يرون في الله أبًا لهم (آلياب) وصخرتهم (أليصور) ومكافأتهم (نثنائيل)، يتمسكون به ويضعون فيه كل رجائهم. كما جاءت بعض الأسماء تعلن عن العلاقة البشرية فيرى البعض في الأشرار إخوة لكن لا يتكئون عليهم (أخيرع) بينما في الأبرار إخوة معينين لهم (أخعيزر) وأيضًا من يحذرون الشيطان كحية مخادعة... وفيما يلي معنى أسماء الأسباط:

المعنى

رئيس السبط

معناه

إسم السبط

إلهي صخرة (سور)

الله سلام

حية (حنش)

هبة الله

إلهي أب

إلهي سمع

الله مكافأتي

أبي يدين

أخي معين

الله قابلني

الله يضيف

أخي شرير

أليصور

شلوميئيل

نحشون

نثنائيل

آلياب

اليشمع

جمليئيل

أبيدن

أخيعزر

فجعيئيل

إلياساف

أخيرع

إبن الرؤيا

مستمع

الإعتراف

الجزاء

مسكن

الثمار المضاعفة

ينسى

إبن اليمين

يدين

سعيد

متشدد

متسع

١ – رأوبين

٢ – شمعون

٣ – يهوذا

٤ – يساكر

٥ – زلوبون

٦ – إفرايم

٧ – منسى

٨ – بنيامين

٩ – دان

١٠ – أشير

١١ – جاد

١٢ – نفتالي

والعجيب أن الأسماء التي تخص علاقتنا بالله تمثل الغالبية العظمى (٩ أسماء)، وكأن الله يريدنا أن نركز أنظارنا نحوه كأب لنا يقابلنا ويسمع لنا ويكافئنا... الخ. أما عن علاقتنا بالإخوة فاقتصر على اسمين: الأخ المعين وهو الإنسان البار الذي يسندنا خلال شركة الحب التي تربطنا معًا، والأخ الشرير الذي يلزمنا أن نحتمله بقلبٍ متسع. أما عن علاقتنا بالشيطان فاكتفى باسمٍ واحد لكي يشغل ذهننا ولا نضطرب منه، إذ صار بالنسبة لنا بلا سلطان.

ويلاحظ أن أسماء رؤساء الأسباط جاءت متناسقة ومنسجمة مع أسماء الأسباط نفسها. فقد اختير لرأوبين أليصور، لكي من يجد له مكان في هذا السبط أن تكون له رؤيا إيمانية واضحة ومعرفة روحية، لأن رأوبين يعني "ابن الرؤيا"، فإنه يجد رئيسه أليصور أي يجد إلهه صخرته أو سوره فيه يلتجئ ويحتمي من كل محاربات الشيطان العدو.

ومن يلتجيء إلى سبط شمعون أن يكون "مستمعًا" لله ومطيعًا، يلتقي برئيسه شلوميئيل (الله سلام)، فمن يسمع لله ينعم بالسلام الإلهي الذي لا يستطيع أحد أن ينزعه منه، كأن طاعة الوصية الإلهية هي سرّ سلامنا الحقيقي.

لقد اختير ليهوذا "الإعتراف" نحشون "حية" رئيسًا، فإن من يؤمن بالسيد المسيح ويعترف به يطأ الحية القديمة تحت قدميه.

من يجد له سبط يساكر "الجزاء" نصيبًا يخضع لنثنائيل "عطية الله"، مدركًا أن كل مكافأة أو جزاء يتمتع بها ليست ثمرة برّ ذاتي إنما هي عطية الله المجانية، مقدمة لنا في استحقاقات الدم.

لنهرب إلى سبط زبولون "مسكن"، فيسكن الله فينا ونحن نسكن معه ونثبت فيه، بهذا نلتقي بالرئيس آلياب "إلهي أب" أي نكتشف أبوة الله.

وهكذا أختير لأفرايم "الثمر المتكاثر" أليشمع "إلهي سمع"، كأن ثمر الروح المتكاثر في حياة المؤمنين إنما هو ثمرة إستماع الله لطلبتهم. واختير لمنسى "ينسى" جمليئيل أو غمالائيل "الله مكافأتي" وكأنه إذ ينسى الإنسان مجد هذا العالم وملذاته يجد الله نفسه مكافأته. ولبنيامين "ابن اليمين" أبيدن "أبي يدين"، كأنه لا دخول لنا إلى ملكوت الله الأبدي وتمتعنا بالجلوس عن يمينه ما لم نقبل الديان أبًا لنا، أي خلال تمتعنا ببنوتنا له. ولدان "يدين" أخيعزر "أخي معين" كأنما إذ يدين الإنسان نفسه يجد أخاه معينًا له. ولأشير "سعيد" فجعيئيل "الله قابلني" لأنه لا سعادة حقيقية للنفس البشرية إلاَّ بلقائها معه. ولجاد ألياساف "الله يضيف"، فإنه إذ يكون الإنسان جادًا في حياته ومتشددًا مع نفسه يضيف إليه من نعمه أكثر فأكثر، أي يزداد نموًا في الروح. وأخيرًا لنفتالي "متسع" أخيرع "أخي شرير" فإن القلب المتسع يحمل الأشرار كإخوة ويبتلعهم بمحبته.

بدأ التعداد بأبناء ليئة ثم راحيل فالجارتين، دون التزام بتاريخ ميلادهم. وكأن الله أراد أن يؤكد أن الأمجاد الإلهية لا تعطى بحسب السن إنما حسب النمو الروحي والإتحاد العملي مع الله.

جاء تعداد يهوذا – الذي منه جاء السيد المسيح حسب الجسد – يفوق كل الأسباط، وهو الله يتقدم الموكب نحو الشرق كما سنرى، وكأن السيد المسيح هو قائد موكبنا نحو أورشليم العليا.

الأعداد 47-54

إعفاء اللاويين

لم يشمل الإحصاء سبط لاوي، هذا الذي أُفرز لخدمة الخيمة وحملها (٤٧ – ٥١). إنهم يمثلون الجانب الروحي، يعفون من هذا العمل لا ليعيشوا بلا عمل، وإنما ليتفرغوا للعمل الروحي، فيخدمون الجماعة لأجل تقديسهم، ويحرسون المحلة روحيًا. بهذا يُقدم ما لقيصر لقيصر وما لله لله.


[1] Origin: In Num. Hom 1.

[2] Ibid.

[3] Ibid.

[4] Ibid.

[5] Origen: Comm. Matt. 11: 3.

[6] In Num. , hom 1.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

الأصحاح الثاني – ترتيب المحلة - سفر العدد - القمص تادرس يعقوب ملطي