الأصحاح الأول – تفسير الرسالة إلى غلاطية – القمص أنطونيوس فكري

رسالة بولس الرسول إلي أهل غلاطية (المقدمة)

رحلة بولـس الرسول الأولى.

بولس هو الذي بشر غلاطية (غل13: 4 + أع16: 16 + أع23: 18).

غلاطية وكيليكية وكبدوكيا وميسيا هي أقاليم كبيرة في آسيا الصغرى (تركيا) وعاصمة إقليم غلاطية هي أنقرة (عاصمة تركيا الآن).

في سنة 25م ضمت الدولة الرومانية المدن التالية إلى إقليم غلاطية: إنطاكية بيسيدية، أيقونية، دربة، لسترة، وذلك لأسباب إدارية.

رحلة بولس الرسول الأولى بدأت من أنطاكية (سوريا) وشملت دربة ولسترة وأيقونية وإنطاكيا بيسيدية. إذاً فقد بشر إقليم غلاطية في رحلته الأولى. وهذه المدن كانت قد انضمت في وقت سابق لإقليم غلاطية.

زمن كتابة الرسالة:

غالباً في حدود سنة 49م عشية إجتماع الرسول ببقية الرسل في أورشليم (أع26: 14 - 2: 15).

ملحوظة: الغلاطيون شعب عنيد ومحاربون أشداء، وصفهم أحد شعرائهم بالشعب الغبي. وذاعت عنهم هذه الصفة. واستعارها منه بولس الرسول (راجع غل1: 3 + 3: 3).

مقدمـــــــــة.

سبب كتابة الرسالة:

ورد لبولس الرسول أن كنائس غلاطية وقعت فريسة لبعض اليهود المتنصرين المتعصبين للناموس، وهؤلاء ينادون بضرورة الختان والإلتزام بالناموس بالنسبة للمسيحيين، وأنه لا خلاص بدون حفظ الناموس والختان، وأسماهم بولس بالإخوة الكذبة، فهم إخوة لأنهم متنصرين، وهم كذبة لأنهم رفعوا موسى فوق المسيح، هم تنصروا ولكن بقى فيهم الفكر اليهودي. وأسماهم أيضاً بالمزعجين إذ تابعوه وأثاروا الكنائس ضده في كل مكان (غل7: 1 + أع12: 18، 13).

وهاجم هؤلاء الإخوة الكذبة بولس الرسول وتهجموا على رسوليته قائلين إن الرسل الحقيقيين هم فقط الاثنى عشر، لذلك دافع بولس عن إرساليته من أول آية في الرسالة (غل1: 1). ولو إلتزمت المسيحية بتعاليم هؤلاء لصارت المسيحية مجرد طائفة من طوائف اليهود. ولقد سميت المسيحية فعلاً أولاً الطريق (أع2: 9) وسميت الشيعة (أع5: 24، 14). والمعنى أن هؤلاء فهموا أنها طائفة يهودية، لكن لها طريق أو فهم مختلف (أع17: 5).

ولأن هؤلاء المتهودين شككوا في صدق إرساليته لذا اضطر بولس أن يكتب عن نفسه وعن صدق وحق إرسالية المسيح له. بل وتكلم عن نفسه قبل إرساليته وإعترف باضطهاده للمسيحيين في جهالة قبل أن يؤمن. ولاحظ أنه إذا ثبت صدق إرسالية المسيح لبولس ثبتت صدق تعاليمه. وهو يؤكد صدق إرساليته بأن التلاميذ الأعمدة إعترفوا برسوليته (9: 2) وبأن الله اختاره وهو بعد في بطن أمه (15: 1 - 17).

وهذه الرسالة هي دفاع ضد بدعة التهود، وفيها يشرح بولس أن التبرير يكون بالإيمان بدون ناموس، فالنعمة تحل تماماً محل أعمال الناموس. ونرى فيها أن عمل الروح القدس هو أن ينشئ الحياة الجديدة للمؤمن في المسيح يسوع. فالمؤمن يولد من الروح القدس في المسيح فيحسب ابناً حراً لله غير خاضع للناموس.

ولأن هؤلاء المتهودين قالوا إن ما يعلم به بولس ضد ما يعلم به الإثنى عشر الذين يسمحون بالختان وبحفظ السبت وغيره، إضطر بولس أن يشير لأن الله اختاره من بطن أمه وأن إرساليته هي من المسيح مباشرة، وليس من الإثنى عشر. لذلك فهو غير مخطئ في تعاليمه لأنها من السماء رأساً وهو فعل هذا ليثبت صدق الإنجيل، أي البشارة التي يبشر بها (غل11: 1، 12) ثم يورد قصة الأزمة التي حدثت بينه وبين بطرس ليكشف عن عدم إستقامة ما فعله بطرس، إذ كان يفرق بين مسيحيي الأمم ومسيحيي الختان (الذين من أصل يهودي غل11: 2 - 14). وبولس قصد إبراز هذه القصة ليبرز فيها خطأ الأخذ بضرورة الختان، لأن بطرس معروف عنه أنه بشر بيت كرنيليوس الأممي وعمدهم (دون أن يختتنوا) وهو صاحب قرار مجمع أورشليم الذي أقر فيه رسمياً أنه من غير الواجب أن يضاف على كاهل الأمم الداخلين للمسيحية شيئاً من أعمال الناموس (أع7: 15 - 11). وبطرس فعل هذا (التفريق بين الأمم واليهود) ليس عن عقيدة إنما مجاملة لليهود (هناك رأيين في هذا، انظر تفسير إصحاح 2). ونلاحظ أن هؤلاء المعلمين المتهودين إستندوا على مثل هذه المواقف (كموقف بطرس هنا) من الأمم ليثبتوا صحة عقيدتهم في ضرورة الإلتزام بالناموس.

وكان التلاميذ يخشون المجاهرة بعدم ضرورة حفظ الناموس أمام مسيحيي الختان الذين تربوا على الإلتزام بالناموس حتى لا يتشككوا في المسيحية، بل أن يعقوب أقنع بولس أن يتظاهر بحفظه للناموس أمام هؤلاء القوم (أع17: 21 - 27) حتى لا يتشككوا مع عدم إقتناع يعقوب نفسه ولا التلاميذ بضرورة ذلك، كما وضح في قرارات مجمع أورشليم.

ومن هنا نرى أن التهود (أي أن يلتزم الأممي الذي يدخل المسيحية بناموس موسى) كان مشكلة كبيرة جداً في بداية المسيحية، بل كان يمكنه هدم المسيحية لولا صلابة دفاع بولس الرسول ورفضه لمبدأ التهود. ولاحظ تردد بطرس الرسول في عماد كرنيليوس، أي (قبول الأمم) لولا رؤيا الملاءة، ثم حلول الروح القدس على كرنيليوس أمام بطرس (أع1: 10 - 18: 11).

تعليق:

هناك سؤال يثار هنا.. كيف يختلف بولس وبطرس في الرأي وكلاهما مملوء من الروح القدس؟!

والإجابة ببساطة إن الامتلاء من الروح القدس لا يعطل حرية الإرادة وطالما نحن في الجسد، سيكون لنا إرادة قد تختلف مع إرادة الله وقد تتفق معه، وهذا تفسير قول الرسل: "رأى الروح القدس ونحن أن.." (أع15: 28) وتفسير هذا أن الرسل اجتمعوا وتباحثوا في الأمر وتوصلوا لقرار بإرادة شخصية وبحرية، ثم صلوا فأعلن الروح القدس لهم نفس ما توصلوا إليه. وربما لو صلى بطرس قبل أن يعتزل الأكل مع الأمم لكان الروح القدس قد منعه عن ذلك. لكن هنا يتضح أن بطرس كان له رأى وبولس له رأى مخالف. ونقول ربما لو صلى بطرس لكان روح الله قد منعه.. لسبب بسيط أن القديس يوحنا ذهبي الفم يفسر موقف بطرس بأنه موقف مقصود، قصد به بطرس أن يتكلم بولس ويعلن تعليمه الجديد بأن الأمم مقبولين دون ختان أو تهود، ويتحمل بطرس توبيخ بولس حتى لا يحزن من هم من أصل يهودى.

عموماً وجود موقفين مختلفين كموقف بطرس وموقف بولس إستفادت منه المسيحية في بدايتها. فالختان (اليهود المتنصرين) ما كانوا سيقبلون غير موقف بطرس وإلا تركوا المسيحية. والأمم (الوثنيون المتنصرين) ما كانوا سيقبلون غير موقف كموقف بولس وإلا تركوا المسيحية. والله سمح بوجود بطرس بموقفه ليحتضن الختان وبولس بموقفه ليحتضن الأمم، إلى أن ينصهر كلاهما، الختان والأمم في بوتقة المسيحية. لكن بالنسبة لنا فإنه علينا أن نفهم أنه طالما نحن في الجسد فستظل لنا إرادة قد تخالف الروح القدس (وهذا ما يسبب لنا أحزاناً وآلاماً كثيرة) والروح القدس يحاول أن يقنع كل منا بما يريده الله (إر7: 20). ومن يقتنع وتكون إرادته كإرادة الله يفرح. وأما في السماء فلن نريد سوى ما يريده الله، ولن نطلب سوى مجد الله. وهذا تفسير لقول السيد المسيح "تدينون أسباط إسرائيل.." (مت28: 19) فإرادتنا ستكون هي نفس إرادة الله. ربما لو علمنا هنا أن أحد أقاربنا سيدان في اليوم الأخير لإضطربنا بسبب عواطفنا البشرية، ولكن في السماء لن تكون لنا إرادة مخالفة لإرادة الله.

ونلاحظ أن بولس كان له رأى مخالف لإرادة الله، فهو يريد أن يشفيه الله، وطلب هذا ثلاث مرات، حتى أقنعه الله أن الشفاء ليس هو إرادة الله، فكف عن الطلب.

وفي رسالة غلاطية نرى بولس يهاجم الختان ويثبت عدم نفعه للخلاص (1: 5 - 4). ويهاجم باقي أركان الناموس الطقسية (9: 4، 11). ووصف من يفعل ذلك ويلتزم بالناموس بالغباء (غل3: 3) ويحرم من يُعلِّم بهذا (9: 1). وبولس رسول الأمم نراه في (أف2: 3 - 9) يتحدث عن السر الذي أعلنه له الله وهو أن الأمم سيخلصون بالنعمة وليس بأعمال الناموس. فالخلاص المجاني صادر للجميع يهود وأمم.

وكان بولس صلباً في صراعه ضد هؤلاء المتهودين ليحفظ حق الإنجيل وهو الخلاص بالنعمة (غل4: 2، 5) لا بالناموس. وأن الخلاص هو مجاناً وليس بأعمال الناموس. وبالنعمة يصير المؤمن خليقة جديدة (غل15: 6). هذا ما يصنعه الروح القدس في المُعمَّد ليصبح ابناً لله حسب الروح. وإنها لخسارة فادحة أن يترك المؤمن كل هذا ليتبع رأى المتهودين واليهود ناموس موسى (غل3: 3، 10).

نلاحظ غضب بولس الرسول من أهل غلاطية في أسلوبه في هذه الرسالة فلا أشواق ولا بركات ولا تحيات ولا كلمة مديح بل أسماهم أغبياء. لكن في مقابل كلماته العنيفة نراه في بعض الأحيان في منتهى الرقة بل يتضرع إليهم (12: 4 + 18: 6). وهذا التوازن يكشف شخصية بولس الرسول فهو أب قلبه مملوء حب ورحمة وحزم، وحين يؤنب ويعنف فهو خائف على هلاك من تمخض بهم أي أولاده. والأب إذا تعامل بلطف مع أولاده حين يكون الأمر محتاج إلى تعنيف فهو بهذا يفسدهم كما حدث في حالة عالي الكاهن وأولاده.

ونرى أسلوب بولس مُطبقاً في كلام المسيح لبطرس مرة باللين ومرة بالعنف (مت17: 16، 23). وحتى تكتشف أسلوب بولس العنيف الغاضب في هذه الرسالة، قارن إفتتاحية رسالة غلاطية مع أفسس وتسالونيكي، ففي الأخيرتين كان بولس فرحاً بحالة شعبي أفسس وتسالونيكي.

في نهاية الرسالة أمسك بولس بالقلم وبعين مريضة كتب بأحرف كبيرة وصيته من جهة رفضه للختان كشرط للخلاص، كتب هو بنفسه بخط يده ليثبت كذب هؤلاء الإخوة الكذبة وكذب تعاليمهم.

هذه الرسالة هي الأساس الذي بُنيت عليه رسالة رومية، إذ لهما نفس الأفكار، ولكن رسالة رومية أوسع في أفكارها، أما غلاطية فهي الأسبق. ونلاحظ أن الذين بشروا في رومية كانوا من مسيحيي الختان (اليهود المتنصرين).

تنقسم الرسالة إلى قسمان: الأول هو الجزء العقيدي (1: 1 - 12: 5).

الثاني هو الجزء التعليمي (13: 5 - الآخر).

هذه الرسالة وأيامنا الحاضرة:

الختان في حد ذاته لن يضر المؤمن في شئ فمعظم الرجال يُختنون الآن. ولكن أن يقول أحد إن الختان ضروري للخلاص فهذا هو الخطأ. ولهذا لم يسمح بولس لهذا الخطأ أن ينتشر. ومع أنه خطأ بسيط إلا أنه حاربه بصلابة ولم يسمح بأي تعديل ما مهما كان بسيطاً في الإيمان المسلَّم مرة للقديسين (يه3). وهكذا استشهد أباؤنا حتى لا يتم أي تعديل في إيمان الكنيسة، فمن يسمح بتعديل صغير سيدخل من هذا الباب تغيير أكبر وأكبر إلى أن يفسد الإيمان، ولنحذر من الثعالب الصغيرة. لقد حارب أثناسيوس ونُفي خمس مرات واستشهد الآلاف حتى لا يتم تعديل حرف "O" في قانون الإيمان ليصبح "I" وكان هذا هو كل ما يطلبه أريوس وأتباعه والملك. فلندافع إذاً عن صحة عقيدتنا ونتمسك بها إلى النفس الأخير.

الخــــلاص:

الخلاص كلمة تشير لخلاص الإنسان من عواقب الخطية. وعواقب الخطية كانت هلاك أبدي وموت بأنواعه (أبدي وأدبي وجسدي وروحي) وأمراض جسدية ونفسية وعبودية وإنتشار المظالم والألم.. الخ. وهناك في الكتاب المقدس طريقان للخلاص: الخلاص في المفهوم اليهودي، والخلاص في المفهوم المسيحي. وهما ليسا طريقان مختلفان، بل إن ما أشار له العهد القديم كان رمزاً لما فهمناه في العهد الجديد. ولكن حين أتى المرموز إليه بَطُلَ الرمز.

الخلاص في المفهوم اليهودي:

خلق الله الإنسان وله ضمير. والضمير هو وصايا الله مطبوعة على القلب. فكان الضمير الإنساني هو الذي يحكم البشر. وهذا ما أسماه بولس الرسول ناموس الطبيعة أو الناموس الطبيعي (رو14: 2، 15). ومع السقوط تشوه الضمير بل تبلد. وزادت التعديات وتحولت قلوب البشر إلى أحجار، وما عادت وصايا الله ظاهرة فيها. لذلك تدخل الله وأعطى الناموس لموسى حتى يكبح جماح البشر، وأعطى الله الناموس لموسى مكتوباً على ألواح من حجر لتتناسب مع حالة قلوب البشر. كان الناموس معيناً للإنسان إذ تحجر قلبه "أعطيتني الناموس عوناً" القداس الغريغوري. وحدد الله للإنسان فرائض إذا إلتزم بها الإنسان يحيا (لا4: 8، 5). "افعل هذه فتحيا" وهذه الفرائض تشمل الختان وحفظ بعض الأيام. فالسبت مقدس وأيام أوائل الشهور مقدسة، وكل خطية يقدم عنها ذبيحة. ولكن كانت هناك عقوبات توقع على المخطئ وتصل لرجم المخطئ.

وكانت المشكلات الناجمة عن هذا الناموس هي كالآتي:

  1. لم يستطع أحد مهما كان باراً أن يلتزم بهذا الناموس ويحفظ وصاياه كاملة، وقد اعترف تلاميذ المسيح ورسله بهذا (أع10: 15).
  2. الذبائح لم تحل مشكلة الضمير المُلوث. فالإنسان الخاضع للناموس إذا أخطأ يقدم الذبيحة المطلوبة، وبها يتطهر من الخارج أي يظهر أمام الناس أنه بار إذ قدم الذبيحة فغفرت خطيته، ولكن ضميره داخلياً يظل يئن لأنه يشعر في قرارة نفسه أنه يشتهي الخطية ولكنه خائف من نتائجها، أي عقوبات الناموس، وبهذا يحيا الإنسان في ظل الناموس في كبت داخلي. لذلك قال الرسول هنا أن الناموس كان مؤدبنا إلى المسيح (غل24: 3) أي هو لكبح جماح الناس بصورة مؤقتة إلى أن يأتي المسيح (وقارن مع عب22: 10 + 14: 9).
  3. كانت هناك مشكلة ظهرت في تطبيق الناموس، وهي أن من إلتزم بوصايا الناموس إعتبر نفسه باراً، ودخله البر الذاتي أي شعر أن بره الذاتي هو الذي يخلِّصه، وهذا قاده للكبرياء. ولاحظ أن بولس وهو في ظل الناموس يقول عن نفسه إنه بلا لوم (في6: 3). وفي ظل الإنجيل يقول إنه أول الخطاة (1تي15: 1).

وبالرغم من عيوب الناموس فإنه جعل اليهود أبر ممن حولهم بمراحل، وتفوقوا في القداسة عن الأمم الوثنية التي بلا ناموس، وأفرز الناموس قديسين عظماء وأنبياء أبرار.

ولكن المثالية كانت في المسيحية وكان الناموس ظلاً للخيرات العتيدة (عب9: 9، 11 + 1: 10) فالذبائح كانت تشير لذبيحة الصليب، والذبيحة المقدمة يومياً على مذابح الكنائس، والختان يشير للمعمودية، والسبت يشير للراحة التي حصلنا عليها بفداء المسيح، هنا على الأرض بصورة جزئية وهي السلام الذي يملأ القلب، والراحة الحقيقية في السماء حيث يمسح الله كل دمعة من العيون. لقد كان العهد القديم وسيلة لشرح وإيضاح أفكار الخلاص. كان البار في العهد القديم يحصل على البركة التي كانت خيرات مادية مثل ميراث الأرض والعمر الطويل، وكان هذا رمزاً لميراث السماء والحياة الأبدية.

طريق التبرير والتقديس والتمجيد: هنا ننتقل لمرحلة العيان ونرى الله وجهاً لوجه.

القيامة والحصول علي الجسد الممجد (1كو43: 15).

(2كو18: 3)

هذاهوالمجد العتيد ان يستعلن فينا (رو18: 8).

الموت بالجسد (رو24: 7).

من يسكن الله فيه فهذا هو المجد (زك5: 2) ولكن مالنا من المجد الآن فهو مخفي غير ظاهر.

من يتقدس يصير مسكناً للثالوث (يو23: 14) + (1كو16: 3).

التقديس هو أن نتخصص ونتكرس لله وتصير أعضائنا تعمل لحساب مجد إسمه.

كلما نسير في طريق التبرير تموت أعضائنا عن الخطية فلا تكون آلات إثم بل تتخصص لله وتكون آلات بر (رو13: 6).

التبرير طريق التقديس.

بهذا يتحقق "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ" (غل20: 2).

طريق التبرير

الروح يأخذ من بر المسيح وحياته ويعطي للمؤمن (2كو21: 5).

الروح يبكت علي بر (يو8: 16) أي يقنع المؤمن بأن يعمل أعمال بر إيجابية.

عمل الروح القدس (النعمة) يعطي للمؤمن قوة ليصلب شهواته فيُصلَبْ مع المسيح.

الروح القدس يقنع المسيحي بفساد طريق الخطية (أر7: 20).

الروح القدس يبكتنا علي كل خطية نرتكبها (يو8: 16) ثم سر الإعتراف.

بالمعمودية نصير أولاداً لله ثم بالميرون يحل علينا الروح القدس.

بالمعمودية غفران الخطايا وبهذا يتبرأ الإنسان من خطيته (رو7: 6). إذ دفع المسيح الثمن.

الخطوة الثانية هي المعمودية وهي موت وقيامة مع المسيح (رو3: 6 - 8).

المدخل للتبرير هو الإيمان "وإذ قد تبررنا بالإيمان" (رو1: 5).

التبرير والتقديس والتمجيد يسيروا معا وليس كالرسم، ولكن هذا الرسم هو للشرح فقط.

ملخص فكرة الخلاص في المسيحية:

  1. نفهم من كلام بولس الرسول أن كل البشر سواء كانوا يهوداً أم أمم قد زاغوا وفسدوا (رو12: 3). فالأمم عبدوا أوثانهم، واليهود معظمهم لم يلتزم بالناموس ومن التزم به دخله البر الذاتي والكبرياء (يو34: 9 + يو48: 8، 33).
  2. فسدت كل الخليقة واستحقت الموت، ولذلك احتاجت مخلص من السماء يموت بدلاً عنها، ويجددها فتصير خليقة جديدة بها نخلص.
  3. في المسيح نصير خليقة جديدة (2كو17: 5).
  4. ولكن كيف يتجدد الإنسان، يكون هذا بموت الإنسان العتيق وقيامة إنسان جديد مكانه. ورسم السيد المسيح سر المعمودية ليحدث فيه هذا، إذ في المعمودية نُدفن ونموت مع المسيح، ثم نقوم في حياة جديدة (رو3: 6 - 6) ولكن الإيمان قطعاً يجب أن يسبق المعمودية، فمن آمن وإعتمد خلص (مر16: 16)، وهذه الولادة الجديدة في المعمودية تتم بعمل الروح القدس في الماء (يو5: 3).
  5. بعد المعمودية نحصل على الروح القدس في سر الميرون ليسكن فينا (1كو16: 3)، ونحن لا نستحق حلول الروح القدس فينا، ولكن هذا يحدث لأننا نقوم في المعمودية متحدين بالمسيح ابن الله.
  6. عمل الروح القدس في الإنسان إنه يظل يُجدِّد فيه حتى يصل إلى صورة المسيح (كو9: 3، 10 + غل19: 4). وذلك بأن يبكت المؤمن إن أخطأ ويقنعه بفساد طريق الخطية (إر7: 20 + يو8: 16) (كلمة يبكت يمكن ترجمتها أيضاً يقنع ويوبخ). وحينما يقتنع الإنسان يعطيه الروح القدس قوة جبارة تعينه، فهو "يعين ضعفاتنا" (رو26: 8 + رو13: 8). هذه القوة تعين المؤمن على ترك طريق الخطية، بل وأن يكون كما لو كان مصلوباً ميتاً أمام الخطية، أو أن تكون الخطية مائتة داخله (رو3: 8). هذا إن كان المؤمن يصلب جسده أى شهواته الخاطئة بإرادته، ويحيا مجاهداً أن يحسب نفسه ميتاً عن الخطية إذ يقتنع بتبكيت الروح له (رو11: 6 + كو5: 3 + غل20: 2).
  7. ثم يبدأ الروح القدس يبكت الإنسان على بر أي يبكته على إنه لا يعمل أعمالاً إيجابية، أي أعمال بر، وحينما يقتنع ويجاهد ويبدأ في العمل يعطيه الروح القدس أن يثبت في المسيح فتكون له حياة المسيح (في23: 1) ويكون له بر المسيح (غل20: 2 + 2كو21: 5). بل أن الروح القدس ينقل لنا فكر المسيح (1كو16: 2 + في5: 2).
  8. عمل الروح القدس في المؤمن هو عمل جبار ويسميه الكتاب (النعمة) والنعمة هي عطية مجانية. ولكن علينا أن نفهم أن كل عطايا الله لنا هي نعمة، وتعني أنها تُعطَى لنا ونحن لا نستحقها. وتنقسم هذه العطايا أي النعمة إلى:
  9. عطايا عامة حصل عليها الكل، كل من يؤمن. مثل فداء المسيح وحلول الروح القدس علينا. هذه أعطيت لنا لا لبر عملناه، بل مات المسيح عنا ونحن بعد خطاة (رو8: 5).
  10. القوة التي تعمل في المؤمن فتغير طبيعته، وتسمى أيضاً نعمة، ولكن هذه لا تُعطَى للمتراخي والكسول، بل تعطي لمن يجاهد. والجهاد نوعان:
  11. سلبـي: أن نقف أمام الخطية كأموات.
  12. إيجابي: صلاة وصوم وتسابيح وخدمة.

ومن يجاهد تنسكب عليه النعمة التي تغير طبيعته، ولا نعمة بدون جهاد (راجع كتاب تفسير رومية). ولنأخذ هنا مثالاً واحداً. فبولس الرسول يقول إمتلئوا بالروح. والامتلاء بالروح قطعاً هو نعمة أي عطية مجانية فما هو العمل الذي نستحق عليه أن نمتلئ بالروح؟!. ولكن لا نُعطَي الروح القدس أو الإمتلاء بالروح ما لم نجاهد. وهذا يظهر في تعليم السيد المسيح أولاً. إن الروح القدس يُعطَي للذين يسألونه (لو13: 11). وبولس نفسه حين قال إمتلئوا بالروح رسم لنا طريق الجهاد المطلوب للإمتلاء (أف18: 5 - 20). وبهذا نفهم أنه لنحصل على الإمتلاء بالروح يلزمنا أن نجتهد بلجاجة بصلوات وتسابيح وشكر دائم.. إلخ.

عمل النعمة:

الضمير

ناموس

الخطية

.

* إنسان ما قبل المسيح وما قبل الناموس.

+ الضمير هو الناموس الطبيعي.

نجد هنا أن ناموس الخطية له قوة ضاغطة على الإنسان.

والضمير يقاوم الخطأ ولكن ناموس الخطية له سطوة.

* الإنسان في عهد ناموس موسى.

+ صار الناموس بما له من قوة تأديب وعقاب مساعداً للناموس الطبيعي ضد ناموس الخطية. لذلك قال بولس الرسول أن الناموس مؤدبنا إلى المسيح (رو24: 3) "أعطيتني الناموس عوناً".

* المؤمن المسيحي.

* المؤمن المسيحي = هذا يتمتع بمعونة النعمة.

  1. الخلاص يتم لمن صارت له الطبيعة الجديدة (غل15: 6). وهذه الطبيعة الجديدة أو الخليقة الجديدة (2كو17: 5) تعملها فينا النعمة. لذلك يقول بولس الرسول "بالنعمة أنتم مخلصون" (أف5: 2). عمل النعمة هنا يُغيِّرني لأصير على شكل المسيح (غل19: 4 + كو9: 3). ويجعل الخطية بلا سلطان عليَّ (رو14: 6). ويجعل الداخل (الضمير) يتطهر (عب14: 9 + 22: 10). وإذا كانت النعمة هي القوة المغيِّرة لطبيعتي، وبهذا أخلص. إذاً علىَّ أن لا أفتخر بأي عمل أعمله. بل أنسب كل ما هو صالح فيَّ لله (يع17: 1 + 1كو7: 4 + أف8: 2، 9). أما من يفتخر بأعماله فيكون مثل اليهودي المتكبر الذي دخل فيه البر الذاتي فصار يتفاخر بأعماله. المؤمن المسيحي يجاهد ويعمل ولكنه يثق أن الذي يعمل فيه هو الله، هو الذي تجسد ومات وقام وأرسل الروح القدس ليُغيِّر طبيعته التي بها يخلص، فإذا افتخر فهو يفتخر بما فعله المسيح لأجله، هو عليه أن يغرس ويسقى ولكن الله هو الذي ينمي (1كو7: 3). وقطعاً من لا يغرس أو يسقى (لا يجاهد) لن يجد ثماراً، أي لن يخلص (غل7: 6، 8).
  2. إذاً الخلاص عند اليهود هو مجموعة من الوصايا، من يفعلها يحيا بها. وهذه لم يستطع أحد أن يفعلها بالكامل. وبهذا صار الناموس يحكم بالموت على الكل. أما الخلاص في المسيحية، فإن المسيح يعطيني حياته أحيا بها، والروح القدس يغرس فيَّ طبيعة جديدة. بل صرنا مسكناً للثالوث. كلما نجاهد تعمل فينا النعمة لتغيِّر طبيعتنا ونقترب من الصورة السمائية، فنفرح هنا على الأرض وتكون لنا حياة أبدية في السماء. والنعمة تعطينا قوة بها لا تسود الخطية علينا، وإن أخطأنا فباب التوبة والاعتراف مفتوح أمامنا، ودم يسوع المسيح يطهرنا من كل خطية (1يو7: 1 - 10).
  3. عقيدة الخلاص المجاني هذه، وإن الله بنعمته يريد أن يخلص كل إنسان، تدفع كل خاطئ يائس إلى أن يقبل إلى الله بإيمان طالباً أن يخلصه.
  4. أكبر دليل على عمل النعمة هو تحول بولس الرسول من مضطهد للمسيحية إلى كارز بها.

عمل الروح القدس في تجديد طبيعة الإنسان:

  1. خلق الله الإنسان على صورته، والله محبة، لذلك كان آدم يحب الله. أي كانت شهواته مقدسة (أي مخصصة لله أي يحب الله من كل القلب). وكما كانت لذة الله في بني آدم (أم31: 8) كانت بالتأكيد لذة آدم في الله.... ألم يكن على صورته.
  2. المحبة تترجم إلى فرح (إسأل نفسك.. إذا تقابلت مع شخص تحبه جداً، ألن يمتلئ قلبك فرحاً) ولهذا نسمع أن آدم كان يعيش في جنة عدن، وعدْنْ تعني فرح وإبتهاج. فالمحبة تحولت لفرح، لأن آدم كان يحب الله فهو مخلوق على صورة الله، والله محبة.
  3. هذه المحبة في قلب آدم كانت تعني شيئاً آخر، فهو في محبته كان يطيع وصايا الله، فمن يحب يطيع وصايا من يحبه (يو21: 14).
  4. وسقط آدم وتحول الحب في داخله للعالم، صار يحب العالم ويشتهيه، يشتهي ملذاته وأمواله.. واستُعبد لهذه الملذات، وتحول حب الله إلى حب للعالم، لهذا عاش آدم وعاش أولاده في غم وهم وألم وقلق. وتحجر القلب، وإزدادت الخطية والتعدي، فما عاد القلب مملوءاً من حب الله. لقد صارت القلوب حجرية، ومات الضمير. ثم كان الناموس عوناً.
  5. وكان تجديد الخليقة بالفداء، ثم بحلول الروح القدس الذي كان من أول ثماره المحبة (غل22: 5). وهو سكب محبة الله في قلوبنا (رو5: 5). وبهذا فهو يعيدنا للحالة الأولى قبل السقوط. والنتيجة الطبيعية للقلب المملوء محبة لله هي أنه يعيش في فرح. (إستعاد الإنسان الحالة الفردوسية الأولى). لذلك نسمع أن ثاني ثمار الروح القدس: فرح (غل22: 5).
  6. والقلب المملوء محبة لله سيطيع وصايا الله (يو21: 14). فالقلب المملوء محبة، قلب زالت منه صفة الحجر، وصار قلب لحم. وكان هذا هو وعد الله أن يحول قلوبنا من قلوب حجرية إلى قلوب لحمية (حز19: 11) وكان هذا هو معنى الوعد أن الله يكتب وصاياه على قلوبهم (إر33: 31).
  7. وبهذا المفهوم نسمع أن الله يطلب من شعبه في كل زمان ومكان أن يحبوه من كل القلب والنفس والقوة (تث5: 6) لا لأن الله محتاج لهذا الحب منا ولكن لأن الله يعرف أن حبه هو الطريق الوحيد للفرح الكامل. أما أي محبة أخرى تذل وتستعبد صاحبها. إن أي محبة لشهوات العالم تعطي لذة مؤقتة يعقبها مذلة وحزن.
  8. إذاً الروح القدس يكبت فينا محبة العالم وشهوته، ويحول هذه المحبة لتكون محبة لله، فنستعيد الحالة الفردوسية الأولى. ونصير خليقة جديدة. وما عجز الناموس عن أن يتممه بأوامره، عمله الروح القدس في المؤمن (رو3: 8).

نرى في هذه الرسالة عمل الثالوث:

الآب: هو أبانا الذي يحبنا كأبناء (4: 1).

الابن: هو محررنا بدمه من الخطية والعبودية ومن لعنة الناموس، وبالنعمة نصير على صورة المسيح (4: 1 + 13: 3 + 19: 4).

الروح القدس: هو روح التبني يعمل فينا ليحضرنا للآب في المسيح كأبناء له، أحرار. أرسله الله ليعمل فينا (6: 4 + 5: 3)، ونناله بالإيمان (2: 3)، ويسكن في قلوبنا (6: 4)، ويبدأ العمل ويكمله (3: 3)، وهو واهب الثمر (22: 5 - 24).

تعبير ملء الزمان.

وعد الله حواء أن نسل المرأة يسحق رأس الحية، فظنت أن النسل الموعود به هو إبنها قايين. ولكن كان هناك زمانا يراه الله مناسبا ليأتى المسيح الذى سيسحق رأس الحية. وعلى قدر فهمنا المحدود فهمنا بعض الظروف التى كان يجب أن تتوافر ليولد المسيح المخلص، ويتم الخلاص ومنها: -.

  1. كان لا بد أن يفهم البشر ماذا تعنى الخطية وأثارها من موت ومرض وعبودية. ورأينا كل هذا فيما عانى منه الإنسان (راجع مقدمة سفر التكوين).
  2. كان لا بد أن نرى عقوبات الخطية لنفهم معنى غضب الله بسببها (طوفان..).
  3. كان لابد لله أن يشرح فكرة الخلاص الذى سيتم حتى يفهم البشر عمل المسيح. فرأينا فى فلك نوح معنى خروج حياة من الموت، ثم وضحت الفكرة فى قصة تقديم إبراهيم إسحق إبنه ذبيحة ورجوعه حيا.
  4. كان لا بد أن يطبع الله فى ذهن البشر أنه بدون سفك دم لا تحدث مغفرة. وكان هذا عن طريق الذبائح الدموية فى خيمة الإجتماع ثم الهيكل.
  5. كانت النبوات والرموز التى تشير للمسيح لنفهم أن خطة الخلاص أزلية.
  6. كان لابد من وجود الشخصيات التى سيتم عن طريقها الفداء، وكيف تتواجد كل هذه الشخصيات فى وقت الصليب * قيافا رئيس الكهنة الشرير / * يهوذا التلميذ الخائن / * شعب يهودى وصل لدرجة العمى بسبب بره الذاتى ليوافق على صلب المسيح / * تلاميذ قديسين يستلمون التعليم ليكرزوا به للعالم / * والى رومانى وحكم رومانى يحكم بالصلب...
  7. عذراء قديسة طاهرة يأتى منها المسيح، متواضعة حتى لا تنتفخ مما ستحصل عليه من حمل وولادة لرب المجد، يوجد فى داخلها نار اللاهوت ولا تحرقها نيرانه ولا تحرقها نيران الإنتفاخ كما لم تحق النيران العليقة.
  8. إعداد العالم لإنتشار الإنجيل. وكان ذلك بإعطاء معونة للإسكندر الأكبر فيستعمر كل العالم المعروف، وينشر اللغة اليونانية فى العالم كله، ويترجم العهد القديم للغة اليونانية قبل الميلاد بحوالى 180 سنة. ويأتى الإنجيليين ليكتبوا العهد الجديد باللغة اليونانية. وتظل اللغة اليونانية هى لغة العالم كله حوالى 14 قرنا (من سنة 300 ق. م إلى القرن الحادى عشر).

تأتى الدولة الرومانية لتجعل العالم كله دولة واحدة وطرقها مؤمَّنة فتسهل حركة الرسل.

الإصحاح الأول

العدد 1

آية (1): -

"1بُولُسُ، رَسُولٌ لاَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاللهِ الآبِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ،".

من أول آية يؤكد بولس أن إرساليته من الله حتى يثبت صدق تعاليمه عن الخلاص بالإيمان بدون أعمال الناموس. وبولس يؤكد على صدق إرساليته ليس عن إفتخار بل لأنه لو ثبت أن الله أرسله وهو يتكلم به وفيه، فكلامه صدق وبذلك يثبت كذب تعاليم الإخوة الكذبة.

لاَ مِنَ النَّاسِ: يقصد بالناس البشرية كلها، فهو لم يُدعَى بفكر إنسان، فلو إن رسالته من الناس لكانت تحتمل الخطأ. لكن دعوته سمائية، إذاً هى لا تحتمل الخطأ.

وَلاَ بِإِنْسَانٍ: لم يكن هناك وسيط فى دعوته، ولا حتى أرسله الإثنى عشر لأن الإثنى عشر ظلوا على عوايدهم وكانوا يصلون فى الهيكل (أع46: 2، 1: 3). بل نرى أن بولس يقول إن المسيح يحيا فيه، وبه يحيا ويكرز ويتكلم (غل20: 2 + 2كو20: 5) بل أنه لم يعد له فكر شخصى (1كو16: 2) فالمسيح الذى فيه يلقنه ما يقول وما يفعل وما يعلم به. بولس فهم أن المسيحية هى أن يموت عن العالم فيحيا المسيح فيه. ومع كل هذا نرى دور الكنيسة فى إرسالية شاول، فهو اعتمد على يد حنانيا وعلَّمه حنانيا الأوليات (أع6: 9، 18، 7) ثم وضعوا عليه اليد ثانية لينال نعمة الكهنوت والرسولية (أع2: 13، 3). فمع أن الله هو الذى أفرزه وعلَّمه، فلقد احتاج بولس للكهنوت الذى فى الكنيسة، فالله هو الذى وضع نظام الكهنوت فى الكنيسة، ولذلك هو لا يخالفه.

بَلْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاللهِ الآبِ: فى (أع2: 13) نرى أن الذى قال إفرزوا لى شاول هو الروح القدس، وهنا نرى أن الذى دعاه الابن والآب. ولاحظ أنه ذكر الابن قبل الآب. وفى (غل3: 1) نجده يضع الآب قبل الابن، وهكذا فى (مت19: 28). والذى قابله فى الطريق إلى دمشق كان المسيح. من كل هذا نرى وحدانية الثالوث والمساواة بين الأقانيم، ونلاحظ أنه لم يقل بيسوع المسيح والله، فهذا يعنى أن يسوع المسيح ليس هو الله. ولكن نفهم من قوله بيسوع المسيح والله الآب الوحدة بين الآب والإبن. فمشيئة الآب هى مشيئة الابن. ولماذا يذكر الرسول الآب؟ لأن الآب أرسل الرسول ليشهد للمسيح ويبشر به. والله الآب دعا بولس الرسول بواسطة ابنه الذى ظهر له فى الطريق. فالله الآب يدعو خدامه لخدمة المسيح والتعرف عليه.

الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ: هذه الكلمات تشير لعمل المسيح معنا، فالمسيح حين مات متنا معه فى المعمودية فتبرأنا من الخطية، وحينما قام قمنا معه فى قيامته فصرنا أولادًا لله الآب فى المسيح. بولس هنا يشهد أن المسيح الذى أرسله هو الذى رآه فى طريقه إلى دمشق قائمًا من بين الأموات. هو يركز هنا على هذه القيامة التى صرنا بها أبناء لله الآب. هذا هو التبرير الذى ليس من الناموس. ولأن هذه الرسالة هدفها إثبات التبرير بالنعمة وليس بأعمال الناموس، هذه النعمة حصلنا عليها بالقيامة من الأموات، قيامة المسيح، وبالإيمان والمعمودية صرنا نقوم مع المسيح. لذلك فمن أول آية فى الرسالة يشير للقيامة من الأموات التى حصل بواسطتها التبرير. فالرسول يدخل فى الموضوع من الآية الأولى.

العدد 2

آية (2): -

"2 وَجَمِيعُ الإِخْوَةِ الَّذِينَ مَعِي، إِلَى كَنَائِسِ غَلاَطِيَّةَ:".

بولس فى غضبه قال إِلَى كَنَائِسِ غَلاَطِيَّةَ: دون أن يصفهم بالأحباء أو بالقديسين كما تعود فى باقى رسائله، بل وبلا أى كلمة مديح. وَجَمِيعُ الإِخْوَةِ: هو ذكر جميع الإخوة هنا ليشير أن جميعهم متفقين معه فى الإيمان الذى يكرز به.

العدد 3

آية (3): -

"3نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ الآبِ، وَمِنْ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ،".

الرسول يعطيهم البركة الرسولية ويطلب لهم ملء النعمة كقوة صادرة من المسيح لكل من يؤمن، وهذه النعمة تحفظ المؤمن من الهرطقات. ويطلب لهم السلام الذى يحفظهم من الإنزعاج والتشويش الذى يثيره الإخوة الكذبة. وهم بإرتدادهم عن النعمة يفقدون السلام مع الله. فمن له النعمة يكون له السلام. وسلام الإنسان مع الله علامة على رفع حالة الغضب الإلهى عن الإنسان كمتعدٍ على الله. والنعمة هى عطية الله المجانية، ومن يريد أن يعود للناموس يسقط من النعمة (غل21: 2 + 4: 5). مِنَ اللهِ الآبِ، وَمِنْ رَبِّنَا يَسُوعَ: فالله الآب أكمل لنا نعمة الخلاص بالمسيح الابن. الآب يريد لنا الخلاص، والابن يحوِّل هذه الإرادة إلى عمل. فالابن والروح القدس هما أقنومى التنفيذ.

العدد 4

آية (4): -

"4الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِ خَطَايَانَا، لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ حَسَبَ إِرَادَةِ اللهِ وَأَبِينَا،".

هنا بولس يُذَكِّر أهل غلاطية بأن خطاياهم غُفرت بالفداء وليس بالختان أو أعمال الناموس، وراجع ما قاله فى (غل21: 2 + 4: 5) فهو مكمل لهذه الآية.

وهذه الآية حين تأتى بعد آية 3 نفهم من هذا أن موت المسيح ليغفر خطايانا كان هو السبب فى حصولنا على النعمة والسلام.

لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ: هذا نفس ما قاله السيد المسيح "لست أسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير... أيها الآب إحفظهم فى إسمك" (يو11: 17، 15) ونلاحظ أن العالم نفسه ليس شرًا ولكن المشكلة فى الإستخدام الخاطئ للعالم، فالأشجار ليست شرًا، ولكن الشر فيمن أخذ خشب الأشجار وصنع منها تماثيل ليعبدها. فالعالم إذًا ليس شرًا ينبغى علينا أن نتركه، لكن الرسول يطلب من الله أن ينقذنا من المبادئ الفاسدة والأفعال الآثمة التى فى العالم. نحن قد غُفرت خطايانا بالمعمودية ولكننا نظل نعيش فى العالم معرضين لحروب وخداعات ولا غنى لنا عن معونة المسيح حتى لا نهلك (2كو3: 11 + أف12: 6 + 1يو19: 5) والله فى محبته لا يطفئ فتيلة مدخنة، فهو يدرك أولاده بنعمته ليحفظهم، وإن تهاونوا كأهل غلاطية يرسل لهم خدامه الأمناء مثل بولس الرسول، وإذا أصر المؤمن على أن يبتعد عن الله قد يسمح الله بتجربة تعيده إلى صوابه (كما فعل مع الابن الضال إذ سمح له بمجاعة)، ولو فشلت كل هذه الوسائل يترك الله الإنسان لمصيره.

حَسَبَ إِرَادَةِ اللهِ وَأَبِينَا،: فالله يريد أن الجميع يخلصون (1تى4: 2) لذلك دبر الفداء، وبالفداء حصلنا على البنوة التى لم نكتسبها بالناموس، فلماذا العودة للناموس.

اللهِ وَأَبِينَا: هذه تعنى الله الذى هو أيضاً أبينا.

العدد 5

آية (5): -

"5الَّذِي لَهُ الْمَجْدُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ.".

بولس إذ تحدث وشعر بعمل المسيح لأجله يسبحه بهذه التسبحة.

العدد 6

آية (6): -

"6إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيل آخَرَ!".

فى الآيات (6، 9) نجد الرسول يشير إلى موضوع رسالته دون أى كلمة مديح لهم، بل بدأ بتقريعهم مباشرةً وذلك يعبر عن إنزعاجه وغضبه (غل20: 4).

تَنْتَقِلُونَ: استخدمت هذه الكلمة فى نقل المواريث. وكان هذا ممنوعًا فى العهد القديم، فالله صاحب الأرض، وهو أعطاها لهم كأمانة، فليس من حقهم بيعها والمعنى الروحى أننا لنا نصيب فى ميراث السماء وعلينا ألاّ نبيعه بشهوة أو لذة خاطئة فهذا ثمن رخيص. وتعنى أيضًا ألاّ نغيِّر ما ورثناه من عقائد. أسلمها الله للكنيسة.

عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ: الذى دعاهم هو الله الآب نفسه، وبهذا فهم يتحولون عن الله نفسه (1كو9: 1 + غل 16، 15: 1).

بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ: نعمة المسيح هى قوة، فكيف إرتد الذين دعاهم الله ولهم هذه النعمة؟! أولاً لأنهم استهانوا بما حصلوا عليه ولم يتمسكوا به وذلك تحت إغراء الحية فى شخص الإخوة الكذبة، فتسرب سم الحية من أفواه الإخوة الكذبة إليهم. ولكن نجد المسيح لا يترك أولاده فهو بنعمته أرسل لهم بولس الرسول بهذه الرسالة. والمسيح بنعمته قادر أن يستعيد لهم نور الروح القدس المنطفئ فى قلوبهم ليعيدهم إلى حظيرة النعمة. ومن يتمسك بالنعمة التى فيه ويقاوم صوت العدو لا تقدر قوة فى الدنيا أن تزعزعه.

إِلَى إِنْجِيل آخَرَ!: أى بشارة أخرى أو تعليم آخر.

العدد 7

آية (7): -

"7لَيْسَ هُوَ آخَرَ، غَيْرَ أَنَّهُ يُوجَدُ قَوْمٌ يُزْعِجُونَكُمْ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُحَوِّلُوا إِنْجِيلَ الْمَسِيحِ.".

لَيْسَ هُوَ آخَرَ: هم انتقلوا من بشارة النعمة المجانية إلى بشارة لها الخلفية المسيحية ولكن عمادها الختان وعوائد الناموس، وهذه ألغاها إنجيل المسيح. ونلاحظ أن لفظ "آخَر" فى (آية 6) فى اليونانية مختلف عن (آية 7). ففى (آية 6) "آخر" تعنى من نوع مختلف تمامًا (مثل إنجيل المسيح وناموس موسى)، أما فى (آية 7) "آخر" تعنى إنجيل ثان قد يكون من نفس النوع أو المضمون (مثل إنجيل مرقس وإنجيل يوحنا مثلاً). وبهذا يقصد الرسول بولس أنهم تحوَّلوا إلى إنجيل آخر مختلف فى المضمون. لأن الناموس يلغى النعمة. وبالتالى فهم تحوَّلوا إلى لا شئ، أى لا إنجيل بالمرة. ونلاحظ أن كل ما دعا إليه الإخوة الكذبة هو الإحتفاظ بالختان والسبت، وهذا سبب كل هذا الغضب لبولس وأسمى بشارتهم إنجيل آخر، فماذا عن الطوائف التى تغيِّر أساسات التعليم المسيحى، إن من يسمح بأقل إنحراف عما تسلمناه يفتح الباب لأكبر إنحراف.

يُزْعِجُونَكُمْ: يريدون تغيير الإنجيل بالقوة أو بالحيلة أو التشكيك.

العدد 8

آية (8): -

"8 وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا».".

أَنَاثِيمَا: باطل أو محروم. وفى الحروب اليهودية كانوا يقتلون من حَرَّمَه الله ويحرقون كل ماله. إذاً أناثيما تعنى ملعونًا وخاسرًا لحياته الأبدية. وفى (رؤ18: 22، 19) من يزيد أو ينقص كلمات الله يصير محرومًا بهذا المعنى. وبشارة الإخوة الكذبة باطلة وتؤدى إلى حرمان المؤمنين وسقوطهم من نعمة المسيح التى دُعوا إليها.

نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ: هم قالوا إن بطرس ويعقوب أى الإثنى عشر يقولون بعكس ما تقول... فقال ولو حتى ” مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ” قال بعكس ما أقوله فليكن محروماً فما أقوله هو ما تسلمته من الرب مباشرة، والرب هو خالق الملائكة. وقوله ملاك من السماء تمييزاً عن كهنة الكنائس الذين يسمون ملائكة أيضًا (راجع سفر الرؤيا ص 3، 2، 1). بولس يريد هنا أن يقول بنوع من المبالغة إنه حتى لو ملاك من السماء قال غير ما قلته، وليس فقط الإثنى عشر، فليكن محرومًا. فليس المهم مَنْ الذى يبشر بل نوع البشارة التى نسمعها. والمبالغة التى إستخدمها هنا، استخدمها أيضًا فى (رو38: 8). وبولس هنا لا يمجد نفسه فهو أدخل نفسه فى دائرة الحرمان لو علَّم بغير ما سبق وقاله لهم ويقوله لهم أيضًا فى هذه الرسالة.

العدد 9

آية (9): -

"9كَمَا سَبَقْنَا فَقُلْنَا أَقُولُ الآنَ أَيْضًا: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»!".

التكرار للأهمية. ونلاحظ أن أى تغيير فى العقيدة يتسبب فى الحرمان.

العدد 10

آية (10): -

"10أَفَأَسْتَعْطِفُ الآنَ النَّاسَ أَمِ اللهَ؟ أَمْ أَطْلُبُ أَنْ أُرْضِيَ النَّاسَ؟ فَلَوْ كُنْتُ بَعْدُ أُرْضِي النَّاسَ، لَمْ أَكُنْ عَبْدًا لِلْمَسِيحِ.".

يقصد بولس هنا أنه مسوق من الله ليقول هذا التعليم، وأيضًا هذا الكلام العنيف. هو ينفذ وصايا سيده ويرضيه، ولا يهتم إن كان هذا الكلام يرضيهم أم لا. بل ولا يهتم فى كلماته بأن يرضى الإخوة الكذبة أو يرضى اليهود حتى وإن صمموا على قتله وغالباً فقد رَوَّجَ الإخوة الكذبة إشاعة ضد بولس أنه يداهن البشر لأجل منفعته أو ليرضى جماعة ما. وبولس يرد هنا أنه لو كان يخدعهم لما استطاع أن يخدع الله، أما لو أراد أن يرضى الناس. لكان الأصلح له أن يبقى مع اليهود مضطهدًا للكنيسة، أو بعد أن صار مسيحيًا أن يرضى المتهودين، وبهذا يرضى اليهود أيضًا ويرضى الرومان الذين يعترفون باليهودية كدين رسمى فى الدولة. أما الآن فهو يعرض نفسه لغضب الرومان واليهود والمتهودين.

الأعداد 11-12

الآيات (11 - 12): -

"11 وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الإِنْجِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ، أَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَبِ إِنْسَانٍ. 12لأَنِّي لَمْ أَقْبَلْهُ مِنْ عِنْدِ إِنْسَانٍ وَلاَ عُلِّمْتُهُ. بَلْ بِإِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.

يبدأ هنا بولس الرسول فى سرد جزء من حياته الشخصية لنرى أنه إستلم هذا الإنجيل من الله مباشرة. والإنجيل الذى استلمه يتلخص فى أن المؤمن يخلص بفداء المسيح بالنعمة وليس بأعمال الناموس. والله اختاره من بطن أمه خاصة لنشر هذا الإنجيل. وهو لم يستلم ما يُعلِّم به من الرسل، فالرسل مازالوا يمارسون الصلوات فى الهيكل ويمارسون الختان، بل أن يعقوب نصح بولس الرسول أن يحلق شعره...

العدد 13

آية (13): -

"13فَإِنَّكُمْ سَمِعْتُمْ بِسِيرَتِي قَبْلاً فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ، أَنِّي كُنْتُ أَضْطَهِدُ كَنِيسَةَ اللهِ بِإِفْرَاطٍ وَأُتْلِفُهَا.".

هنا نرى بولس الرسول قبل أن تفعل فيه النعمة فعلها. وإعتراف الرسول العلنى هنا يريد به إثبات عمل النعمة فيه.

العدد 14

آية (14): -

"14 وَكُنْتُ أَتَقَدَّمُ فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ عَلَى كَثِيرِينَ مِنْ أَتْرَابِي فِي جِنْسِي، إِذْ كُنْتُ أَوْفَرَ غَيْرَةً فِي تَقْلِيدَاتِ آبَائِي.".

نرى هنا أن بولس الرسول يشير إلى أن تعمقه فى الديانة اليهودية أدى إلى وحشيته ضد كنيسة الله فلماذا يريدون الإرتداد لليهودية؟

ولكن هل اليهودية والتعمق فيها تقود للوحشية، كيف وهى ديانة إلهية؟!

هنا نلاحظ دقة تعبيرات بولس الرسول فهو يقول:

إِذْ كُنْتُ أَوْفَرَ غَيْرَةً فِي تَقْلِيدَاتِ آبَائِي: ومن هنا نفهم أن الدين اليهودى فى حد ذاته لا يؤدى للوحشية فهو من كلمات الله نفسه، وكلمات الله لا تؤدى للوحشية ولكن نرى أن ما قاده للوحشية:

1ـ تَقْلِيدَاتِ الآبَاء: فهو استلم الغيرة الجاهلة والتعصب المجنون من آبائه، وما أوصلهم لهذا هو البر الذاتى والأنا. فالمتعصب دائمًا يتعصب لنفسه وليس لله. والمتعصب يصل للتوحش.

2ـ الغَيْرَةً: وهى التعصب المجنون دون فهم وهذا ما أسماه فى (رو2: 10) أنها غيرة ليست حسب المعرفة. هذه هى التى أدت لهذه الوحشية. ولكن لو كان بولس تعمق فى اليهودية بتواضع لصاحبته نعمة الله ولصار مثل الاثنى عشر. ولكن الغيرة مع التعصب والكبرياء والذات تصل بالإنسان للضلال. وهذا هو الفارق بين سمعان الغيور (لو15: 6) ويهوذا الجليلى (أع37: 5). لذلك قال بولس الرسول: "حسنةٌ هى الغيرة فى الحسنى" (غل18: 4). ونفهم أن بولس فى غيرته اليهودية ما كانت قوة فى الدنيا قادرة على إقناعه، وإنما إقناعه تم بنعمة إلهية وقوة فائقة. ولقد إنتشله الله كشعلة منتشلة من النار (زك2: 3) وجعلته النعمة خليقة جديدة (2كو17: 5).

إذًا ما قاد بولس للوحشية ليست الديانة اليهودية بل تفسيرات وتعاليم آباء اليهود الخاطئة والتى شوهت الديانة اليهودية، وهذا ما هاجمه السيد المسيح أيضًا (مت1: 15 – 9 + 16: 23 - 22).

العدد 15

آية (15): -

"15 وَلكِنْ لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ.".

أَفْرَزَنِي: كلمة فريسى تعنى مفرزًا للناموس، فكانت مسرته السابقة أن يكون مفرزاً للناموس. ولكن مسرة الله دعته ليكون مُفرزًا للإنجيل. ولكى نفهم أن النعمة مجانية، نرى بولس يشرح هذا، بأن الله دعاه وهو مازال فى بطن أمه دون أن تكون له أعمال مثل التى يدعون للعودة إليها كالختان وأعمال الناموس.

الرسول يريد أن يقول: أنتم تقولون إن الخلاص بالختان وأعمال الناموس والله أفرزنى وإختارنى بدونها وأنا مازلت فى بطن أمى. وبولس لم يخترع شيئاً جديداً إذ قال هذا. فإرمياء سبق وقال نفس الشىء (5: 1).

العدد 16

آية (16): -

"16أَنْ يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ لأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، لِلْوَقْتِ لَمْ أَسْتَشِرْ لَحْمًا وَدَمًا.".

دعوة بولس الرسول هى من الله (1كو1: 9 + 8: 15 + أع14: 22، 18).

وحين آمن بولس وعرف المسيح، صار المسيح حياته، وصار له فكر المسيح، صار المسيح يحيا فيه (غل20: 2 + فى21: 1 + 1كو16: 2). وبهذا كانت تعاليم بولس ليست من كتب وقراءات أو من مصادر خارجية بل من المسيح الذى يحيا فيه: يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ لأُبَشِّرَ بِهِ: المسيح الذى فى بولس أنار عقله وقلبه فتكلم باختبار حى. المسيح هو كلمة الله، فحينما سكن الله فى بولس سكنت كلمة الله فيه. هو إختبر الابن متحدثًا فيه. هو لا يقدم شيئًا عن المسيح بل يقدم المسيح ذاته (غل1: 3). لأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ: فالله دعاه وأعطاه هذه الرؤيا لينفذ خطة معينة، وليتمم عملاً هو بشارة الأمم. والله يضع لكل منا خطة ويطلب منا عملاً معيناً خلقنا لأجله (أف 10: 2).

لَمْ أَسْتَشِرْ لَحْمًا وَدَمًا: لم أسأل الرسل الإثنى عشر، ولم أستشر حتى نفسى ورغائبى. فحتى لو كانت رغبتى ضد دعوة المسيح لما إستجبت لرغبتى. فيونان مثلاً تشاور مع نفسه ورفض دعوة الله. ونحن علينا أن ننفذ وصايا الله دون حتى أن نفكر أو نتشاور مع أنفسنا.

العدد 17

آية (17): -

"17 وَلاَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، إِلَى الرُّسُلِ الَّذِينَ قَبْلِي، بَلِ انْطَلَقْتُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ رَجَعْتُ أَيْضًا إِلَى دِمَشْق.".

من إستلم إرساليته من الله لا يحتاج أن يستشر أحداً وقوله هذا ليس فيه شبهة كبرياء. بل هو لتأكيد أن إرساليته من الله. ولو كان قد سأل الرسل لكان فى شك مما قاله له الله ويريد أن يتأكد. هو يقول هذا ليقطع الطريق على المعلمين الكذبة الذين يشككون فى صدق إرساليته.

انْطَلَقْتُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ: العربية هى شرق بلاد الشام أى سوريا، فبعد ظهور الرب لبولس فى الطريق احتاج لمزيد من الوجود فى حضرة الرب لمراجعة الحياة برمتها، أى ما عرفه وتعلمه كيهودى من الكتاب المقدس وما استلمه حديثاً من الرب. والروح القدس كان يرشده. وهذه هى الخلوة المطلوبة لكل واحد منا، ولذلك يوصى بولس تلميذه تيموثاوس بالتعليم. فى هذه الخلوة وسط ضجيج العالم نسمع صوت الروح القدس يعلمنا ويكلمنا عن المسيح (يو14: 16) وهذا لا يمكن سماع صوته إلاّ فى الهدوء، كما سمع إيليا صوت الله فى الهدوء (1مل12: 19) وليس وسط الأسواق (نش2: 3). إن ما نسمعه فى الخلوة الهادئة من صوت الروح القدس هو الذى ينطبع فى قلوبنا ويؤثر فينا فعلاً. مثال: لقد قرأنا مئات المرات قول الكتاب: "لا تخف" ونعرف عددها فى الكتاب وإنه 365 مرة بعدد أيام السنة، فهل فعلاً نحن لا نخاف؟! لكن إذا سمعنا صوت الروح فى الداخل خلال خلوتنا اليومية فى هدوء لإنتزع الخوف من داخلنا ولشعرنا بسلام عجيب.

ذهب بولس للعربية ليتزود بالروح ويسمع صوت الروح، يعلِّمه كنوزًا جددًا وعتقاء. قبل أن ينطلق للكرازة، محتملاً آلامًا فى سبيل الرب. وغالبًا فهو قد كرز هناك، وكانت كرازته عظيمة بدليل غضب الحارث والى دمشق عليه. ولكنه لتواضعه لم يحكى لنا عن نجاحاته فى العربية.

ثُمَّ رَجَعْتُ أَيْضًا إِلَى دِمَشْقَ: وهناك كان الحارث الذى سمع بأخبار كرازته فنصب له كمينًا ليقتص منه ولكنه هرب من السور فى سلٍ (أع25: 9ـ30 + 2كو32: 11، 33).

العدد 18

آية (18): -

"18ثُمَّ بَعْدَ ثَلاَثِ سِنِينَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَتَعَرَّفَ بِبُطْرُسَ، فَمَكَثْتُ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.".

إذًا نفهم أن بولس قضى 3 سنوات يكرز بالمسيح دون أن يذهب للرسل فهو إذًا لم يستلم إرساليته منهم. لأَتَعَرَّفَ: لا ليتعلم منه أو ليضيف شيئًا لإيمانه. بل هو أراد أن يتعرف ويتباحث مع من هو عمود الكنيسة، هذا الذى سمع عنه كثيرًا، فيتعزوا ويفرحوا معًا بعمل الله فى الكنيسة. وهو قد ذهب إلى بطرس فى محبة متحملاً مشقات السفر. إذًا نزاعه معه بعد ذلك لم يكن بدافع شخصى بل لحماية الإيمان. ولقد ترك بولس الرسول أورشليم بعد ذلك إثر رؤيا (أع17: 22، 21). فالله لا يريد له البقاء فى أورشليم بل أن ينطلق للأمم.

العدد 19

آية (19): -

"19 وَلكِنَّنِي لَمْ أَرَ غَيْرَهُ مِنَ الرُّسُلِ إِلاَّ يَعْقُوبَ أَخَا الرَّبِّ.".

أَخَا الرَّبِّ: من زوجة سابقة ليوسف أو ابن خالة أو ابن عم.

العدد 20

آية (20): -

"20 وَالَّذِي أَكْتُبُ بِهِ إِلَيْكُمْ هُوَذَا قُدَّامَ اللهِ أَنِّي لَسْتُ أَكْذِبُ فِيهِ.".

هو يؤكد أقواله أمام الله حتى لا يتهمه أحد بالكذب.

قُدَّامَ اللهِ: إن بولس دائمًا يشعر أنه فى حضرة الله (رو8: 1، 9).

العدد 21

آية (21): -

"21 وَبَعْدَ ذلِكَ جِئْتُ إِلَى أَقَالِيمِ سُورِيَّةَ وَكِيلِيكِيَّةَ.".

الله دعا بولس الرسول سنة 36م. ثم قضى 3 سنوات فى العربية. ثم زار أورشليم سنة 38 م ولم يرى فيها سوى بطرس ويعقوب. ثم ذهب لسوريا وكيليكية فى شمال البحر المتوسط (شمال شرق)، وطرسوس هى عاصمة كيليكية.

الأعداد 22-23

الآيات (22 - 23): -

"22 وَلكِنَّنِي كُنْتُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِالْوَجْهِ عِنْدَ كَنَائِسِ الْيَهُودِيَّةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ. 23غَيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ: « أَنَّ الَّذِي كَانَ يَضْطَهِدُنَا قَبْلاً، يُبَشِّرُ الآنَ بِالإِيمَانِ الَّذِي كَانَ قَبْلاً يُتْلِفُهُ».".

بولس كان غير معروفًا بالوجه لكنهم كانوا يسمعون عنه، كيف أنه كان مضطهداً للمسيحية ثم تحوَّل إلى كارز لها، لكنهم لم يعرفوه أو يسمعوه ككارز. هم أشاعوا عنه أنه علَّم فى اليهودية بضرورة الختان (غل5: 11)، وهنا ينفى أنه علَّم أصلاً فى اليهودية.. معنى كلامه هنا: من أين أتيتم بهذا الكلام وهذه الإشاعات.

العدد 24

آية (24): -

"24فَكَانُوا يُمَجِّدُونَ اللهَ فِيَّ.".

لم يقل أعجبوا بى، بل مجدوا الله لعمله فىَّ، أى أعطوا المجد لله لأنه غيَّر بولس كل هذا التغيير (ملحوظة: حينما نمجد الخادم نجعله ينتفخ. إذًا فلنمجد الله الذى يعمل فى الخادم). فى هذه الآيات يثبت بولس أنه لم يكن هناك عداء بينه وبين مسيحيى الختان فى كنائس أورشليم واليهودية.

No items found

الأصحاح الثاني - تفسير الرسالة إلى غلاطية - القمص أنطونيوس فكري

تفاسير الرسالة إلى غلاطية الأصحاح 25
تفاسير الرسالة إلى غلاطية الأصحاح 25