الفصل الثامن شهادة الرسائل الجامعة الكاثوليكون – رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي – معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

هذا الفصل هو جزء من كتاب: رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي – معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل.

إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

الفصل الثامن شهادة الرسائل الجامعة الكاثوليكون

هناك سبع رسائل من بين الواحد والعشرين رسالة الموجودة فى العهد الجديد تُعرف باسم الرسائل الجامعة وهى رسالة القديس يعقوب والرسالة الأولى والثانية للقديس بطرس والرسالة الأولى والثانية والثالثة للقديس يوحنا ورسالة القديس يهوذا. وهذه الرسائل الجامعة وضعت فى مجموعة واحدة فى القرن الثانى الميلادى أولاً لان كاتبها ليس هو بولس الرسول ولذلك عرفت بانها الرسائل الجامعة فى القرنين الثالث والرابع الميلادى. وثانياً لان كلمة الكاثوليكون أو الجامعة تعنى أن طبيعة هذه الرسائل لها صفة العمومية فهى موجهة للكنيسة لصفة عامة وليس إلى كنائس معينة أو أشخاص محدودين. وهذه التسمية ولو أنها لا تنطبق تماماً على الرسالة الثانية والثالثة من رسائل يوحنا الرسول. إلاَّ أن هذه الرسالة الثانية موجهة إلى كنيسة غير محددة من كنائس آسيا الصغرى والرسالة الثالثة هى رسالة شخصية من الكاتب إلى غايس وهاتان الرسالتان ضمن الرسائل الجامعة لانتسابها إلى القديس يوحنا. ورسائل الكاثوليكون كتبت خلال القرن الأول الميلادى.

ورسائل الكاثوليكون تتحدث عن المشاكل التى تواجه الكنيسة من العالم خلال الفترة من صعود المسيح حتى مجيئه الثانى. وان العلاقة بين الكنيسة والعالم هى دائماً مصدر صعوبات لمن يتبعون المسيح. لانه ليس سهلاً أن نكون فى العالم وفى نفس الوقت لسنا من العالم. وهناك بلا شك أزدواجية فى سلوك الإنسان فى العالم، فمن ناحية فإن العالم هو خليقة الله وأيده بحبه ولكنه تغرب اخيراً عن الله، ولكن رغم ذلك فإن هناك قصداً إلهياً لفداء العالم ومصالحته مع الله. ومن ناحية أخرى فإن العالم قد سيطر عليه الشيطان وجعله يسير بطريقة بعيداً عن الله وجعله ينحدر نحو أهداف مادية لا تستحق وملذات ذاتية تختلف عن الأهداف التى يسير عليها المسيحيون وهم لا يتجهون نحو العالم الكافر بل يتجهون نحو السيد الحقيقى. وبينما يظل هذا العالم جاحداً وكافراً ولذلك فهناك عدم تكيف للمسيحيين فى هذا الوسط أو البيئة التى يعيشون فيها. لان المسيحيين لا يمكن أن يشعروا بأنهم فى وطنهم وهم ساكنون فى العالم، لأن وطنهم هو فى مكان آخر غير هذا العالم.

وبسبب هذا فان الكنيسة غريبة على الأرض (عب 11: 13)، ويحيا المسيحيون فى العالم كغرباء ونزلاء، فالمسيحيون يحاربون مثل بقية البشر بشهوات الجسد «أيها الأحباء أطلب إليكم كغرباء ونزلاء أن تمتنعوا عن الشهوات الجسدية التى تحارب النفس» (1بط 2: 11). ويحاول العالم الساقط أن يجذب المسيحيين إليه والشيطان أيضاً يحاول أن يخدعهم إلى الأمور العالمية والخطية وارضاء ملذات الجسد. وإذا ما نحن رفضنا اتباع طرق العالم فإن الشيطان يعمل على اثارة العالم ضدنا وعندئذ تواجه الكنيسة الاضطهاد.

والرسائل الجامعة تحذر المؤمنون الذين يقرأونها من الأخطار الروحية ومن التجارب العالمية وتعرفنا بالاضطهادات التى تحل علينا حينما نقاوم العالم. ويجب على المسيحيين أن يعملوا فى العالم من أجل خلاص الجنس البشرى ولكن يجب أن يكونوا حذرين من الفساد العالمى بان يكونوا مستعدين ومشتاقين أن يتألموا من أجل إنجيل المسيح. ويجب ألا يسمحوا للعالم – سواء عن طريق التجارب أو عن طريق الاضطهاد – أن يحيد الكنيسة أو يحرفها عن الهدف الإلهى الموضوع لها. وأحد المشاكل التى كانت تزعج الذين كتبوا العهد الجديد على وجه الخصوص هو موضوع قيام الهراطقة وسط جماعة المؤمنين. والهراطقة علامة لدخول الأمور العالمية فى الكنيسة وتلاميذهم. وكان أولها هو موضوع التهود الذى نادى به المسيحيون الذين من أصل يهودى ونادوا بأن الخلاص يتوقف على الخضوع لناموس موسى وأن الخلاص هو بأعمال الناموس. وكثيرمن كتابات القديس بولس الرسول موجهة ضد هرطقة التهود هذه. ثم ظهرت الهرطقة الثانية وهى التى تنادى بأن الخلاص هو بالإيمان فقط ولا داعى أن نهتم بالأعمال الصالحة. ومنذ بداية حركة المسيحيين المتهودين الثقافية. والأرثوذكسية تهتم بهذه الأمور وتدعو لأهمية الأعمال والممارسات. ولقد كتب القديس يعقوب الرسول رسالة لدحض هذه البدعة على وجه الخصوص. وكانت الهرطقة الثالثة التى ظهرت فى القرن المسيحى الأول هى أخطر هرطقة وهى الغنوسية المسيحية. والغنوسية المسيحية الرسولية تعارض وتقف ضد العالم ولكن الغنوسية تختلف عن المسيحية لأنها تنادى بأن كل المخلوقات هى نوع من الشرور لان الشيطان وليس الله هو الذى خلقها وأوجدها، والمخلوقات المادية تختلف تماماً عن حياة الروح. وتعلم الغنوسية بأن المادة هى من صنع الشيطان ولذلك فهم ينكرون أن المسيح صار جسداً وينكرون قصد الله فى فداء العالم المادى.

ورسائل بطرس الرسول ويوحنا ويهوذا كتبت لدحض أخطار الغنوسية. ولكن نعرف التقاليد الرسولية المسيحية بخصوص الرسائل الجامعة فهى تعتمد على الاحتياج للتقوى والعمل على رفض العالم. والرسائل الجامعة تحدد التقوى بأنها احتواء كل معرفة الحق (الإيمان) والسلوك بالبر (الأعمال الصالحة).

1 - رسالة يعقوب:

الرسالة الأولى من رسائل الكاثوليكون كتبها القديس يعقوب خادم الله والرب يسوع المسيح إلى جماعات المسيحيين اليهود الذين فى الشتات (يع 1: 1) ويخبرنا التقليد بأن كاتب هذه الرسالة هو القديس يعقوب أسقف أورشليم المعروف بيعقوب البار وهو «أخو الرب» وأول أسقف يقام على مدينة أورشليم.

ويحوى خطابه أولاً حث المؤمنين وتعلم الحكمة فى النطاق العام. وهذه الرسالة كُتبت عام 60م وتحوى الحديث عن الديانة الحقيقية والحكمة الحقيقية والمسيحية العملية والحقيقية وهى موجهة ضد التعليم اليهودى الذى دخل إلى المسيحية وأشرنا إليه من قبل (التهود) وقد أثار يعقوب الرسول فى رسالته بأن المسيحية هى الإيمان الحقيقى. ولكن بالنسبة لإولئك الذين ينكرون أهمية الأعمال الصالحة فإن القديس يعقوب أفاد بأن الإيمان الحقيقى فى المسيح لابد أن يكون عاملاً وحياً فى السلوك العملى للحياة «هكذا الإيمان أيضاً إن لم يكن له أعمال ميت فى ذاته» (يع 2ك 17). والإيمان المسيحى العملى يجب أن يكون عاملاً ويجب أن يكمل فى أعمال البر السلوكية «فترى أن الإيمان عمل مع أعماله وبالأعمال أكمل الإيمان» (يع 2: 22). ولذلك «كما أن الجسد بدون روح ميت هكذا الإيمان أيضاً بدون أعمال ميت» (يع 2: 26) وبخصوص العلاقة بين الإيمان والأعمال فإن القديس يعقوب قد أعطى عدة أمثلة ليدلل على أن الأعمال السلوكية كيف تكون تعبيراً وتكميلاً للإيمان المسيحى «الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب هى هذه افتقاد اليتامى والأرامل فى ضيقتهم وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم» (يع 1: 27).

فالمسيحى يجب أن يرفض العالم ويشارك الآخرين فى ضيقاتهم. ووفقاً للناموس الملوكى للمحبة فإن الكنيسة يجب ألاَّ تحابى الأغنياء على حساب الفقراء بل يجب أن تفضل الفقراء على الأغنياء، لأنه وفقاً لرأى القديس يعقوب فإن الأغنياء دائماً ظالمون ومستغلون (يع 2: 1 - 13؛ 5: 1 - 6) ويجب أن يجاهد المسيحيون من أجل ضبط النفس. ولكن هذا ليس سهلاً على الإنسان ألا ينخدع من شهوته الخاصة لأن الشهوة إذا حبلت تنتج خطية والخطية تنتج موتاً « ولكن كل واحد يجرب إذا انجذب وانخدع من شهوته. ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطية والخطية إذا كملت تنتج موتاً» (يع 1: 15، 14).

وهذا الميل للشهوة والخطية والموت يجب أن يقاوم مهما كانت صعوبة تلك المقاومة. ويتحدث يعقوب الرسول عن ضبط النفس والصعوبات التى تنتج عن ذلك مركزاً فى ذلك على أهمية ضبط اللسان (يع 3: 1 - 12) ثم يتحدث بعد ذلك عن تحذيرات كثيرة بخصوص خطية العثرة «لا يذم بعضكم بعضاً أيها الأخوة. الذى يذم اخاه ويدين أخاه يذم الناموس ويدين الناموس» (يع 4: 12، 11). وخطورة الثقة الخادعة فى هذا العالم (يع 4: 13 - 17) وتحدث أيضاً عن تجربة الغنى (يع 5: 1 - 6)، ويحث المؤمنين أن يكونوا صابرين بخصوص المجئ الثانى وأن يتجنبوا الحلف (يع 5: 12).

ولقد تحدث يعقوب الرسول أيضاً عن الحكمة الحقيقية وقارن حكمة هذا العالم وحكمة الله (يع 3: 13 - 18). وتشير رسالة يعقوب مثل أسفار الحكمة فى العهد القديم بأن الحكمة هى الفهم العملى لمشيئة الله. وهذا الفهم هو الذى يجعل الإنسان يحيا فى سلام مع الرب ومع الإنسان رفيقه. أما هدف السلوك الأخلاقى لتصور القديس يعقوب الرسول عن الحكمة هو فى العلاقة بين الإيمان والأعمال. وهكذا لكى يصير الإنسان حكيماً يجب أن يكون فى صداقة مع الله (الصداقة الشاملة للإيمان والطاعة) مفضلاً تلك الصداقة عن الصداقة مع العالم. أما الأعمال العالمية الشريرة فإنها تقود الإنسان إلى العبودية للشيطان وخلال الخطية والموت يصير الإنسان عدواً لله (يع 4: 1 - 10).

ولذلك ينصح الرسول يعقوب المؤمنون «فاخضعوا لله. قاوموا إبليس فيهرب منكم. اقتربوا إلى الله فقترب إليكم» (يع 4: 8، 7).

وهكذا فإن الحياة التى تقودها الحكمة التى من فوق هى الحياة فى المسيح. والحياة فى المسيح هى حيث يصير إيماننا فى الرب حى وعامل بأعمال البر.

2 - رسالة بطرس الرسول الأولى:

كتب بطرس الرسول رسالته الأولى من روما فى حدود عام 60 إلى 80م. وقد كُتبت إلى عدة كنائس مسيحية فى آسيا الصغرى إلى المؤمنين الذين تحولوا أساساً من الوثنية إلى المسيحية (1: 2، 1) ويعتقد بعض الدارسين أن الرسالة كتبت من بطرس الرسول إلى أحد أصدقائه المخلصين، سلوانس أو سيلا. وفى الرسالة يحث الرسول بطرس أولئك المختارين على «تقديس الروح للطاعة» (1: 2) وان يحفظوا رجائهم فى المسيح وأن يحيوا حياة القداسة خلال الكنيسة وأن يسلكوا فى السلوك المستقيم. والموضوعان الرئيسيان فى رسالة بطرس الرسول الأولى هما أولاً معنى المعمودية وثانياً مشكلة الاضطهاد.

أولاً – معنى المعمودية:

تحدث بطرس الرسول فى رسالته الأولى عن المعمودية (1: 3 – 4: 11) ورسالته عن المعمودية موجهة إلى المسيحيين المتحررين المعمدين وهى تتضمن معنى تحولهم من الوثنية إلى المسيحية وإلى أولئك المولودين ثانياً يعلن لهم أن المعمودية هى « ولادة ثانية لرجاء حى بقيامة يسوع المسيح من الأموات لميراث لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل محفوظ فى السموات» (1: 3 - 5) وتحدث أيضاً عن الإيمان الحقيقى الذى للإنسان وضرورة اختباره بالنار. لانه خلال التجارب والآلام والجهاد ضد سلطان الظلمة فان الإنسان سوف يحصل على خلاص نفسه.

والميلاد الثانى الحقيقى يجب أن يعبر عنه بحياة القداسة. ويجب أن يتحول ألى أعمال صالحة (1: 13 – 2: 3).

ونحن ولدنا ثانية فى المسيح لكى نحيا حسب أرادة الله. وخلال المعمودية والميلاد الثانى فإن المؤمن يصير شريكاً فى المسيح وفى كنيسته ويصير حجراً حياً ويصبح عمله هو أن يعلن فضائل الذى دعاه من الظلمة إلى نوره العجيب (2: 4 - 10).

ولذلك يجب أن يتعلم المسيحيون كيف ينموا فى حياة القداسة فى الكنيسة وعن طريق الكنيسة. ويتحدث بطرس الرسول عن عدة نصائح عن طبيعة حياة البر فهو يحث قارئيه أن يسلكوا سلوكاً حسناً وسط الأمم (2: 12، 11)، وان يخضعوا للسلطات (2: 13 - 20)، ويتحدث عن العلاقة الواجبة بين الأزواج والزوجات (3: 1 - 7). وأخيراً فهو يدعو كل المسيحيين إلى حياة السلوك بأخلاق حميدة (3: 8، 9، 12).

ثانياً – معنى الاضطهاد:

فى نهاية حديث بطرس الرسول عن المعمودية (3: 13 – 4: 11) يتحدث عن الموضوع الثانى وهو مشكلة الاضطهاد والألم بصفة عامة. لأن المعمودية هى شركة فى آلام المسيح وموته ودفنه وقيامته (3: 13 - 22؛ 2: 21 - 25). والمعمودية أيضاً هى استعداد لمجئ المسيح الثانى حتى يصير الإنسان مستعداً لنهاية كل الأشياء. وان آلام الكنيسة الناتجة عن اضطهاد العالم لها هى علامة لمجئ المسيح لدينونة الشر. ولذلك فإن القديس بطرس يحث القارئ أن يثبت فى الإيمان ويصف له الأشياء التى يحيا فيها والأشياء الأخرى التى لا يجب أن يحيا فيها «فتواضعوا تحت يد الله القوية لكى يرفعكم فى حينه. ملقين كل همكم عليه لانه هو يعتنى بكم. واصحوا واسهروا لان إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمساً من يبتلعه هو. فقاوموه راسخين فى الايمان عالمين أن نفس هذه الآلام تجرى على اخوتكم الذين فى العالم» (5: 6 - 11).

ومعنى أن تعتمد للمسيح هو أن تعتمد لآلامه وموته لكن أيضاً تقوم معه فى قيامته وصعوده ولذلك فإن بطرس الرسول يضع مشكلة الألم فى شكل اسكاتولوجى بالنظر إلى مجئ المسيح الثانى الذى يعطى معنى لألام الكنيسة وهو يتفق مع قول بولس الرسول «فإنى أحسب أن ألام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا» (رو 8: 18).

3 - رسالة بطرس الرسول الثانية:

هناك عدة أراء حول موضوع كاتب الرسالة الثانية لبطرس الرسول، وتاريخ كتابتها أيضاً محل نقاش ولكن التقليد ومعظم المفسرين التقليديين ينسبون الرسالة إلى القديس بطرس الرسول ويؤكدون بأن الرسالة كُتبت حوالى عام 60 – 68م ولكن هناك قليلاً من المفسرين يعتقدون بأن الرسالة كُتبت بعد عام 90م (أى بعد موت بطرس الرسول سنة 67م) عن طريق أحد المسيحيين الذى اعتبر نفسه امتداد للشهادة الرسولية للقديس بطرس. ولكن الرأى الغالب هو أن بطرس الرسول هو كاتب الرسالة الثانية من روما وموجهة إلى الكنائس المسيحية فى آسيا الصغير وهى تتحدث عن عمل الخلاص ومشكلة الهراطقة فى الكنيسة ومجئ المسيح الثانى. وهذه هى موضوعات الرسالة:

أولاً – العلاقة بين الإيمان والأعمال فى الخلاص:

يحث الرسول بطرس المسيحيين فى الأصحاح الأول من رسالته الثانية أن يضعوا إيمانهم فى حيزة الممارسة العملية للأعمال الصالحة وأن يحيوا الحياة المسيحية وان الإنسان يجب أن يقتنى البر كما يقتنى المعرفة. واقتناء معرفة الله فى المسيح يجب أن يقترن بالجهاد للسلوك فى بر الله والمخلص يسوع المسيح «إلى الذين نالوا معنا إيماناً ثميناً مساوياً لا ببر إلهنا والمخلص يسوع المسيح» (1: 2، 1). وفى إيماننا بالمسيح قد أعطانا الله كل ما هو للحياة والتقوى. وفى المسيح نحن دعينا إلى مجد الله «كما أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوى بمعرفة الذى دعانا بالمجد والفضيلة» (1: 3).

وهدف حياتنا فى المسيح هو «قد وهب لنا المواعيد العظمة والثمينة لكى تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية هاربين من الفساد الذى فى العالم بالشهوة» (1: 4) والمقصود بالفساد هنا شهوات الجسد.

ولكن لكى ندرك الخلاص الذى فى المسح يجب أن نبذل كل اجتهاد نحو الفضيلة وممارسة السلوك العملى لمعرفتنا بالله. وان نجاهد فى تلك الأمور « وأنتم باذلون كل اجتهاد قدموا فى إيمانكم فضيلة وفى الفضيلة معرفة وفى المعرفة تعففاً وفى التعفف صبراً وفى الصبر تقوى وفى التقوى مودة أخوية وفى المودة الأخوية محبة» (1: 5 - 7) هكذا يجب أن نثبت إيماننا ودعوتنا واختيارنا خلال القداسة والبر التى نمارسها فى العالم. لان الإيمان الحى (أى المقترن بالأعمال) هو مدخل الحياة الأبدية التى لربنا ومخلصنا يسوع المسيح (1: 9 - 11).

ثانياً – مشكلة الهراطقة:

إن هرطقة الغنوسية الفكرية تختلف من واحد لآخر، ففى القرن المسيحى الأول كانت الغنوسية تقبل غالبية الإيمان الرسولى. ولكن الغنوسية عكس التهود إذ تنادى بأن الخلاص هو من الإيمان فقط، وان الأعمال الصالحة غير مطلوبة ولا أهمية لها فى موضوع الخلاص. ولكن الغنوسيين ذهبوا إلى ما وراء ذلك فانكروا صلاح المخلوقات المادية وانكروا أيضاً خلقة الله للعالم المادى، وظنوا فى يسوع أنه مجرد ملاك أخذ شكل إنسان (لكنه لم يصير إنساناً حقيقياً بل مجرد شكل) لكى يقدم المعرفة المطلوبة للخلاص من الشر المادى. والخلاص فى نظرهم هو الانفصال عن المادة لكى يتحد الإنسان بالروح الطاهرة حتى يستطيع أن يخلص.

فالغنوسية غريبة عن الأرثوذكسية لأنها مجرد فكر عقلى. وكانوا ينادون بإنكار الناموس الأخلاقى للسلوك بمعنى أن الإنسان ممكن أن يخلص بالايمان فقط دون أعمال.

وكثيرون من الغنوسيين عاشوا عكس التعاليم الأخلاقية التى كانت تنادى بها الكنيسة خصوصاً التعاليم الخاصة بالعفة الجنسية. ولذلك كان لهم صيت قبيح فى مووع الفسق. فالغنوسى لا يعطى أهمية للأعمال الصالحة مثل أعطائه أهمية للثقافة العقلية ومن وجهة نظر الغنوسية كانت الخطية الجنسية تعتبر عملاً صالحاً. وهم ينادون بأن خضوع الإنسان لشهوات جسده والنهم والسكر والعبث هو الذى يقود إلى حياة الروح لأنهم ينكرون الأخلاق الروحية للمادة والجسد.

ولكن الرسول بطرس يؤكد المفهوم الأرثوذكسى لكل من الإيمان والأعمال حتى نقتنى الخلاص وهذا عكس ما ينادى به الغنوسيين الذين كانوا يمثلوا الهرطقة المسيحية الأولى «لاننا لم نتبع خرافات مصنعة إذ عرفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه بل قد كنا معاينين عظمته» (1: 16). وقال أيضاً « ولكن كان أيضاً فى الشعب أنبياء كذبة كما سيكون فيكم أيضاً معلمون كذبة الذين يدسوّن بدع هلاك» (2: 1) وهؤلاء الهراطقة ضد المسيح وهم يقودون الناس إلى النجاسة والهلاك (2: 2، 1) لان كثيرين من المسيحيين غير الثابتين سوف «يذهبون وراء الجسد فى شهوة النجاسة» (2: 10) «لأنهم إذ ينطقون بعظائم البُطل يخدعون بشهوات الجسد فى الدعارة» (2: 18 - 22).

والقديس بطرس يحذر أولئك المقاومين أن يتركوا الإيمان الرسولى.

وأولئك الذين يمارسون أو يعلمون بانكار الناموس الأخلاقى antinomianism سوف يواجهون الدينونة والعقاب الأبدى فى يوم الدينونة مع الشيطان والملائكة الساقطين. أما أولئك الذين يحفظون الإيمان ويحبون فى البر فإنهم سوف يخلصون من الشر وسيحيون إلى الأبد فى ملكوت الله (2: 4 - 10).

ثالثا – مجئ المسيح الثانى:

كُتبت رسالة بطرس الرسول الثانية على الأقل بعد ثلاثين عاماً من الصلب والقيامة والصعود وقد وعد السيد المسيح خلال – خدمته على الأرض – أنه سوف يأتى ثانية لكى يقود شعبه إلى ملكوت الله (مت 24: 29 - 31؛ مر 13: 24 - 27؛ لو 21: 25 - 28؛ يو 14: 1 - 4). واعتقد كثيرون من المسيحيين بأن مجئ المسيح الثانى سوف يتم خلال فترة حياتهم على الأرض، ولكن بمرور الوقت عرفوا بأن وقت المجئ الثانى لا يمكن أن يعرف مقدماً وأنه لا يتم حسب توقعات الناس. ثم كتب بطرس الرسول رسالته الثانية (60 – 68م) وأصبح تأخير المجئ الثانى يكوّن مشكلة للكنيسة وتهجم البعض الآخر وسخر من إيمان الكنيسة فى المجئ الثانى «سيأتى فى آخر الأيام قوم مستهزئون سالكين بحسب شهوات أنفسهم. وقائلين أين هو موعد مجيئه» (3: 4، 3). وقد رد عليهم بطرس الرسول وحذرهم « وأما السموات والأرض الكائنة الآن فهى مخزونة بتلك الكلمة عينها محفوظة للنار إلى يوم الدين وهلاك الناس الفجار» (3: 7) وقد فسر لهم بأن تأخير المجئ الثانى هو من أجل عودة ورجوع الخطاة «لا يتباطأ الرب عن وعده كما يحسب قوم التباطوء لكنه يتأنى علينا وهو لا يشاء أن يهلك أناس بل أن يقبل الجميع إلى التوبة» (3: 9). وهكذا تأخر المجئ الثانى وهو فرصة للتوبة ورجوع الخطاة بعد معرفة أخطائهم وعيوبهم. وهو يحث المؤمنين أن يكونوا مستعدين لمجئ المسيح الثانى وللدينونة الإلهية التى سوف تلقح العالم.

ويعلن بطرس الرسول بأن يوم الرب سوف يأتى فجأة وبلا توقع مثل اللص وعندئذ «تزول السموات بضجيج وتنحل العناصر محترقة. وتحترق الأرض والمصنوعات التى فيها» (3: 10).

وفى رجاء انتظار مجئ الرب فإن المسيحيين يجب أن يجاهدوا لكى يحيوا حسب القداسة والتقوى (3: 12، 11)، وحتى يأتى المجئ الثانى علينا أن «ننمو فى النعمة وفى معرفة ربنا ومخلصنا يسوع المسيح» (3: 18)، وذلك حتى يكون لنا نصيب فى «السموات الجديدة والأرض الجديدة التى يسكن فيها البر» (3: 13).

4 - رسائل القديس يوحنا:

كُتبت رسائل القديس يوحنا الرسول الثلاث عام 90م من مدينة أفسس. وينسب آباء الكنيسة هذه الرسائل الثلاث للقديس يوحنا الرسول أسقف كنائس آسيا الصغرى الذى عاش فى أفس سفى السنين الأخيرة من القرن المسيحى الأول. وكما أوضحنا سابقاً أن الرسالة الأولى هى فقط الرسالة الجامعة بالمعنى الصحيح أما الرسالة الثانية فهى موجهة إلى إحدى جماعات الكنائس المحلية فى آسيا الصغرى. والرسالة الثالثة موجهة إلى غايس وهو صديق شخصى ليوحنا الرسول.

رسائل يوحنا الرسول وخصوصاً الرسالتين الأولى والثانية كتبت لدحض إنتشار الغنوسية فى الكنائس الأولى. وكان محور تعاليم الغنوسية هو مبدأ الثنائية فهم ينكرون صلاح وروحانية الخليقة المادية. وينادون بالخلاص نتيجة الاستنارة والمعرفة بحيث يتحرر الإنسان من العبودية للمادة بنوال نوع خاص من المعرفة. والذين ينتسبون للغنوسية هم الذين يستطيعون أن ينالوا تلك المعرفة. لأن الله قد كشف حقيقته للغنوسية فقط ويفرق الغنوسيين بين أنواع ثلاث من البشر: أولها الإنسان الروحى الذى أثمرت فيه أسرار الغنوسية، والنوع الثانى الإنسان النفسى الذى يسعى نحو حكمة الغنوسية، والنوع الثالث الإنسان الجسدى وهو الإنسان غير الشغوف بالغنوسية وهو الذى غرق فى عالم الشر بلا رجاء. ويوجد أناس قليلون نفسانيين وقليلون روحيين وغالبية البشر من رجال الجسد. فالغنوسية هى نوع من الارستقراطية الروحانية التى تضع غالبية البشر موضع الازدراء.

أما الذين انحرفوا عن المسيحية وقبلوا تعاليم الغنوسية ولكن بطرقة سرية فهم رأوا أنفسهم أنهم نخبة روحية من الكنيسة ورأو أن تعاليم الرسل الإيمانية التى أعلنت للكل أنها مجرد همسات للرسل فقط وأنها مجرد تعاليم خادعة.

وتعاليم الرسل بأن العالم المادى مخلوق من الله هى تعاليم صالحة حقيقية. والتعاليم بأن كلمة الله قد صار جسداً فى شخص يسوع الناصرى يتناقض مع تعاليم الغنوسيين ضد المادية antimaterialism. والذين ينحازون لتعاليم الرسل هم فى رأى الغنوسيين من الأناس الجسدانيين أو على الأقل من النفسانيين. وهكذا هددت الغنوسية وحدة الكنيسة التى هى جسد المسيح.

وكانت الغنوسية نوعاً من الروحانية الارستقراطية حيث يدعون بأن لديهم اعلاناً روحياً خاصاً بهم.

ويوحنا فى رسائله يدحض فكرة الارستقراطية الروحية الخاصة بالغنوسية، ويدحض أيضاً فكرة إنكار الناموس الأخلاقى ويرفض تعاليمهم الخاصة بالتجسد. وبخصوص تعاليمهم المزيفة فإن القديس يوحنا تحدث عن الاحتياج للخلاص فى شخص يسوع المسيح وأعماله حتى نخلص من الخطية وتحدث أيضاص عن الاحتياج للطاعة لناموس الله السلوكى، واحتياج كل المسيحيين أن يحبوا بعضهم بعضاً كأخوة وأخوات فى المسيح.

وقاوم الرسول يوحنا فى رسائله إنساناً يدعى كيرنثوس Cerinthus وقاوم تعاليمه Cerinthianism. وكيرنثوس هذا كان قائداً لطائفة الغنوسية فى أفسس وادعى أنه يحمل مفتاح الحق المسيحى الحقيقى. وأنكر كيرنثوس مثل الغنوسيين اللاهوت الكامل والناسوت الحقيقى لشخص المسيح. وجعل تميزاً بين الآب والابن وقال بان المسيح الابن هو مجرد انبعاث من الآب وليس هو الله الحقيقى وهو ينكر حقيقة التجسد ويقول أن التجسد ليس حقيقياً ولكن هو مجرد تشابه فى ظهور يسوع الناصرى بشكل جسدى. والفعل يشبه To Seem فى اليونانية هو dokeo ولذلك فإن الغنوسيين يطلقون على التجسد Docetism أى تشابه. ففى رأى كيرنثوس هذا أن يسوع الناصرى هو إنسان عادى حتى لحظة العماد من يوحنا المعمدان. وفى لحظة العماد نزل على يسوع شخص المسيح واستمر عليه حتى كمال انتهاء الاعلان الذى جاء من أجله. فالمسيح فى نظره هو فوق مستوى الطبيعة Supernature ولكن ليس هو الله ثم رجع يسوع إلى انسانيته العادية وعندئذ صُلب، ولا دلالة لموت يسوع لان المسيح قد تركه.

ولقد اعتبر القديس يوحنا كبرنثوس أنه نبى كاذب antichrist. وبخصوص وحدة الآب والابن أعلن يوحنا الرسول «هذا هو ضد المسيح الذى ينكر الاب والابن.. كل مَنْ ينكر الابن ليس له الآب ومَنْ يعترف بالابن فله الآب ايضاً» (1يو 2: 23، 22). ويتحدث يوحنا ايضاص عن تجسد كلمة الله «الذى شاهدناه ولمسته ايدينا من جهة كلمة الحياة. فإن الحياة اظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التى كانت عند الآب واظهرت لنا» (1يو 1: 2، 1). ومنْ ينكر ان كلمة الحياة قد ظهر فى شخص يسوع الناصرى وأن يسوع هو المسيح الذى جاء فى الجسد فهو كاذب (1يو 2: 22؛ 4: 2؛ 2يو 7 - 11) وذهب يوحنا إلى أكثر من هذا فى دحض تعليم كيرنثوس فاعلن القديس يوحنا بأن لاهوت المسيح قد ظهر فى كل من المعمودية والصليب «هذا هو الذى أتى بماء (المعمودية) ودم (الصليب) يسوع المسيح» (1يو 5: 6).

والإيمان الحقيقى فى رأى يوحنا الرسول هو الإيمان بتجسد الله قد شخص الابن يسوع المسيح. وخلال هذا الإيمان فى الاقنوم الثانى من الثالوث حيث اتحد الله مع الإنسان فإن المؤمن يدخل إلى ملكوت السموات. وكل مَنْ يؤمن أن يسوع هو المسيح فهو مولود من الله والمولود من الله يغلب العالم وهذه هى الغلبة «التى تغلب العالم إيماننا. مَنْ هو الذى يغلب العالم إلا الذى يؤمن أن يسوع هو ابن الله» (1يو 5: 5، 4) « ومَنْ لم يثبت فى تعليم المسيح (كما يبشر به الرسل) فليس له الله. ومن يثبت فى تعليم المسيح فهذا له الآب والابن» (2يو 9).

وبالاضافة إلى موضوع التركيز على الاحتياج للإيمان الصحيح فان يوحنا أيضاً يحث قارئيه المسيحيين أن يمارسوا السلوك الحسن «إن قلنا إن لنا شركة معه وسلكنا فى الظلمة نكذب ولسنا نعمل الحق» (1يو 1: 6) وأيضاً «بهذا نعرف أننا قد عرفناه إن حفظنا وصاياه» (1يو 2: 3). ويجب أن نبذل كل جهدنا أن نحفظ وصايا الله السلوكية وان نثبت أنفسنا فى صورة الله ومثاله فى المسيح يسوع «مَنْ قال انه ثابت فيه (فى المسيح) ينبغى انه كما سلك ذاك هكذا يسلك هو أيضاً (أى الطاعة الكاملة لله) » (1يو 2: 6).

والمسيحيون لم يصلوا بعد إلى كمال المسيح لأنهم كثيراً ما يخطئون (1يو 8 - 10). ولكن المولود من الله لا يمكن أن يسلك سلوكاً فاسداً أو مخالفاً ولا يمكن أن يخطئ. لأن المسيحى الحقيقى له طبيعة إلهية ويسكن فيه الروح القدس ويتجاوب دائماً مع الروح القدس لأجل التقديس (1يو 3: 4 - 10؛ 4: 13 - 15). وحينما يفشل المسيحى أن يحيا فى المستوى الروحى أو السلوكى اللائق بالله فانه سوف يعترف بخطيئته (فى سر الاعتراف) ويطلب الغفران والتجديد خلال المسيح والكنيسة (1يو 1: 9 – 2: 2). وعلى عكس تعاليم الغنوسية فاننا بعد دخولنا فى البنوية الإلهية للمسيح والحياة الأبدية التى للثالوث المقدس فإننا يجب أن نسلك فى حياة البر وفقاً للناموس الإلهى السلوكى (1يو 3: 1 - 3؛ 2يو 4 - 6). لأن «من يصنع الخير هو من الله ومن يصنع الشر فلم يبصر الله» (3 يو 11).

ويهاجم يوحنا أيضاً ارستقراطية الغنوسية فيقول أن الذى نال الاستنارة فى المسيح فانه يحب أخوته وأخواته فى الكنيسة «مَنْ قال أنه فى النور وهو يبغض أخاه فهو إلى الآن فى الظلمة. مَنْ يحب أخاه يثبت فى النور وليس فيه عثرة. وأما مَنْ يبغض أخاه فهو فى الظلمة وفى الظلمة يسلم ولا يعلم أين يمضى» (1يو 2: 9: 11). والمسيحى الحقيقى – بعكس الغنوسى لا يكره اخوته بسبب جهلهم (بالمسيحية) بل يحبهم ويصلى من أجل رجوعهم إلى الحق فى الإيمان.

إن حياة المحبة المسيحية هى ضرورية جداً او أساسية للحياة مع الله لأن الله نفسه هو مصدر أساس المحبة (1يو 4: 7 - 12، 16، 17، 19 - 21). فنحن يجب أن نحيا ليس فقط فى حق (عدل) الله بل أيضاً فى محبته (2يو 1 - 6) لان من يحيا فى إيمان الرسل ويطلب أن يحيا فى وحدة المحبة مع بقية أعضاء كنيسة المسيح فانه سوف يحيا فى نعمة ورحمة وسلام الله الآب.

فالحياة فى الله تتطلب الإيمان الصحيح والسلوك المستقيم والحب الحقيقى وحياتنا فى العالم يجب أن تؤسس على محبتنا لله ومحبتنا للاخوة فى الكنيسة. ويجب علينا باسم إنجيل المسيح أن نكون فى العالم ولكن لا نكون من العالم. ويحثنا القديس يوحنا ألاَّ نحب العالم لأنه «إن أحب احد العالم فليست فيه محبة الآب. لأن كل ما فى العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة ليس من الآب بل من العالم. والعالم يمضى وشهوته» (1يو 2: 15 - 17).

وإذا قبلنا المسيح كمخلص وسيد وجاهدنا لكى نثبت فى مشيئة الله فإننا نأخذ ملء الروح القدس وسوف نثبت فى المحبة (1يو 3: 21 - 24). وبخصوص حديث يوحنا عن الجماعة الرسولية فانه اعلن «من يثبت فى المحبة يثبت فى الله والله فيه» (1يو 4: 16) فإذا عشنا فى الله حسب الإيمان الصحيح فإننا سوف نسلك السلوك المستقيم تحت سلطان ناموس الله السلوكى (الوصايا) وسوف نحب زملائنا المسيحيين بالحب الذى أحبنا به يسوع المسيح.

5 - رسالة يهوذا:

الرسالة الأخيرة من رسائل الكاثوليكون كتبها يهوذا «عبد يسوع المسيح وأخو يعقوب». ولم يعرف من هو يهوذا هذا، فالبعض يظن أنه تلميذ قديم ليسوع المسيح وربما يكون أحد الرسل السبعين، بينما يظن البعض الآخر أنه أحد قادة الكنيسة فى القرن المسيحى الأول. وهناك أراء متعددة بخصوص زمن كتابة الرسالة، فالبعض يظن أنها كُتبت حوالى عام 60م بينما ظن الآخرون أنها كُتبت فى حدود عام 150م. وكان هناك مباحثات حول مدى قانونية رسالة يهوذا فى الكنيسة الأولى ولكنها قبلت تماماً كجزء من العهد الجديد وحكم بقانونيتها فى القرن الرابع الميلادى.

والرسالة موجهة إلى كل المسيحيين، ومثل بقية رسائل الكاثوليكون تهتم بالهراطقة فى الكنيسة. وهدف يهوذا هو الدفاع عن الإيمان المسلّم مرة للقديسين، وهذه هى الشهادة الرسولية «أيها الأحباء إذ كنت أصنع كل الجهد لأكتب إليكم عن الخلاص المشترك اضطررت أن أكتب إليكم واعظاً أن تجتهدوا لأجل الإيمان المسلّم مرة للقديسين» (عدد 3).

وهو يتحدث عن الكنيسة التى امتلأت بالمعليمن المزيفين الذين تسربوا داخل الكنيسة «لأن دخل خلسة أناس قد كُتبوا منذ القديم لهذه الدينونة فجار يحولون نعمة إلهنا إلى الدعارة وينكرون السيد الوحيد الله وربنا يسوع المسيح» (عدد 4). وربما تكون الغنوسية هى الهرطقة التى كانت فى ذهن يهوذا، لأننا كما نعرف أن الغنوسية تنكر لاهوت يسوع المسيح وتحث تابعيها أن ينكروا أهمية الناموس الأخلاقى. وينبه يهوذا قارئيه بأن الله سوف يعاقب الهراطقة (15، 16) ويدعوهم أن يحيوا حسب تعاليم الرسل (2، 20، 21). وكل الهراطقة سوف يواجهون دينونة الله فى اليوم الأخير ويجب أن يعمل المسيحيون لانقاذ النفوس الضعيفة من الهرطقة البغيضة « وارحموا البعض مميزين. وخلصوا البعض بالخوف مختطفين من النار» (22، 23). وتنتهى رسالة يهوذا بخاتمة رائعة « والقادر أن يحفظكم غير عاثرين ويوقفكم أمام مجده بلا عيب فى الابتهاج الإله الحكيم الوحيد مخلصنا له المجد والعظمة والقدرة والسلطان الآن وإلى كل الدهور آمين» (24، 25).

إن الرسائل الجامعة تهتم خصوصاً بمشكلة الهراطقة فى الكنيسة وتهتم أيضاً بموضوع فساد الكنيسة بتجارب العالم وتهتم أيضاً بموضوع الأعمال كاهتمامها بموضوع الإيمان المسيحى ويؤكد القديسون يعقوب وبطرس ويوحنا ويهوذا أن الإيمان المسيحى يتطلب الإيمان والأعمال الصالحة معاً. ولن نخلص عن طريق الإيمان فقط، ولن نخلص أيضاً عن طريق الأعمال فقط.

ووفقاً للتقاليد الرسولية نحن ندخل فى شركة مع الطبيعة الإلهية خلال الإيمان بالمسيح وخلال حياة الجهاد السلوكى والروحى والنمو فى قوة الروح القدس.

وحياتنا فى الكنيسة هى حياة النمو من أجل الاتحاد مع الله عن طريق الإيمان فى شخص الرب يسوع المسيح وأعمال وفى تقديس نعمة الروح القدس لنا.

وهذه هى الأفكار العامة لرسائل الكاثوليكون الجامعة.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الفصل التاسع رؤيا يوحنا عن ملكوت السموات - رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي - معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

الفصل السابع لاهوت المسيح فى رسائل بولس الرسول - رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي - معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات