الأصحاح الخامس عشر – تفسير رؤيا القديس يوحنا اللاهوتي – القمص أنطونيوس فكري

هذا الفصل هو جزء من كتاب: سفر رؤيا القديس يوحنا اللاهوتي – القس أنطونيوس فكري.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الإصحاح الخامس عشر

العدد 1

آية (1): -

"1ثُمَّ رَأَيْتُ آيَةً أُخْرَى فِي السَّمَاءِ، عَظِيمَةً وَعَجِيبَةً: سَبْعَةَ مَلاَئِكَةٍ مَعَهُمُ السَّبْعُ الضَّرَبَاتُ الأَخِيرَةُ، لأَنْ بِهَا أُكْمِلَ غَضَبُ اللهِ.".

فِي السَّمَاءِ = أوامر إلهية بتوجيه ضربات شديدة لمملكة الشر فى العالم، حتى يرى المؤمنين المترددين ألام الأشرار فلا يشتهوا شرورهم، وربما يتوب البعض من الأشرار.

آية = الآية هى عمل عجيب ولكنه يظهر طبيعة من عمله. والمقصود أن هذه الضربات ضد الشر الذى إنتشر فى العالم بصورة بشعة لم يعد الله القدوس قادر أن يطيل أناته عليها. لقد أطال الله أناته كثيرا لعل طول أناته تقتاد البشر للتوبة، ولكنهم تمادوا فذخروا لأنفسهم غضبا شديدا (رو2: 4 - 6). وكانت هذه الضربات إعلانا لقداسة الله الرافضة لهذه الشرور والنجاسات.

عَظِيمَةً وَعَجِيبَةً = لقد تصور الناس أن قوة الوحش جبارة ولا نهائية ولكنهم وبتدبير الله عن طريق ضرباته سيكتشفون خداعه وزيف إدعاءاته بل ضعفه وأنه لا شىء وغير قادر على شىء.

سَبْعَةَ مَلاَئِكَةٍ = رقم 7 هو رقم الكمال، والسبعة الملائكة يشيرون لأن الضربات التى سينفذها هؤلاء الملائكة السبع هى كاملة فى تنفيذ هدف الله من الضربات. الضَّرَبَاتُ الأَخِيرَةُ = فنحن الآن فى نهاية الأيام. هذه هى ضربات الأيام الأخيرة. على أننا رأينا ضربات الله للتأديب لم تتوقف عبر العصور إبتداء من ضربة الطوفان، لذلك قيل أن بِهَا أُكْمِلَ غَضَبُ اللهِ = فهذه هى ضربات الله النهائية التى بدأت بالطوفان. وهذه تأتى فى نهاية الأيام وقبل الدينونة النهائية. وقوله أُكْمِلَ أى لن تأتى ضربات ثانية على الأرض إلا الدينونة النهائية.

العدد 2

آية (2): -

"2 وَرَأَيْتُ كَبَحْرٍ مِنْ زُجَاجٍ مُخْتَلِطٍ بِنَارٍ، وَالْغَالِبِينَ عَلَى الْوَحْشِ وَصُورَتِهِ وَعَلَى سِمَتِهِ وَعَدَدِ اسْمِهِ، وَاقِفِينَ عَلَى الْبَحْرِ الزُّجَاجِيِّ، مَعَهُمْ قِيثَارَاتُ اللهِ،".

كَبَحْرٍ مِنْ زُجَاجٍ مُخْتَلِطٍ بِنَارٍ = رأينا فى (رؤ6: 4). أن أمام العرش بحر من زجاج شبه البلور، فهو يعكس مجد الله وهو مجد حقيقى. وكان هذا رمزا لأولاد الله المولودين من المعمودية ويعكسون مجد الله. ولكننا نسمع هنا قوله كَبَحْرٍ = إذاً هؤلاء ليسوا أولاد الله وليست لهم أمجاد حقيقية بل لهم أمجاد عالمية زائفة يحيا فيها أشرار العالم. وقوله مُخْتَلِطٍ بِنَارٍ فهذا إشارة لفقدانهم السلام الذى يتمتع به أولاد الله، ولألامهم النفسية، فلا سلام يقول الله للأشرار (إش22: 48) فلا سلام حقيقى خارجا عن المسيح ملك السلام. والنار أيضا تشير لضربات الله ضدهم لإضطهادهم أولاده.. نجد أولاد الله واقفين على هذا الـ (كبحر) إشارة لإحتقارهم لأمجاد وملذات هذا العالم، وعدم إهتمامهم بالإضطهادات الموجهة إليهم، وهذا الإضطهاد نتيجة لرفضهم سمة الوحش. ونتيجة لذلك صارت حياتهم صعبة فهم لا يستطيعون أن يبيعوا أو أن يشتروا لكن نرى مَعَهُمْ قِيثَارَاتُ اللهِ = والقيثارة تستخدم فى التسبيح، فالله وضع فى قلوبهم فرحا وسلاما ووضع فى أفواههم التسبيح.

وهنا يثور سؤال.. أين هم هؤلاء المسيحيين، هل هم فى السماء أم على الأرض؟

الكنيسة نصفها فى السماء (الكنيسة المنتصرة) ونصفها على الأرض (الكنيسة المجاهدة) وهى كنيسة واحدة، صفتها الأساسية أنها كنيسة مسبحة لله، سواء كانت الكنيسة المنتصرة أو الكنيسة المجاهدة، ولكن بفارق واحد، أن الكنيسة المنتصرة لا تتألم، ونحن هنا أمام كنيسة واقفة على هذا الـ (كبحر) من زجاج مختلط بنار، إذاً فى هذا إشارة على أن الكنيسة منتصرة على أمجاد هذا العالم، أى لا تشتهى بل تحتقر أمجاد هذا العالم، كما أنها منتصرة على آلامه وإضطهاداته التى هى كنار، أى لا ترهبها إضطهاداته وألامه. وبهذا يكون الأكثر منطقية أن الكنيسة المقصودة هنا هى الكنيسة المجاهدة، وما يبدأ هنا من فرح وتسبيح كهبة من الله لمن يدوس على أمجاد هذا العالم، ما هو إلا مجرد عربون لما سنحصل عليه من فرح وتسبيح فى السماء.

العدد 3

آية (3): -

"3 وَهُمْ يُرَتِّلُونَ تَرْنِيمَةَ مُوسَى عَبْدِ اللهِ، وَتَرْنِيمَةَ الْخَرُوفِ قَائِلِينَ: «عَظِيمَةٌ وَعَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ! عَادِلَةٌ وَحَق هِيَ طُرُقُكَ يَا مَلِكَ الْقِدِّيسِينَ!".

تَرْنِيمَةَ مُوسَى = لأنهم منتصرين ومتحررين من عبودية إبليس، كما تحرر موسى من عبودية فرعون هو وشعبه فسبحوا. وَتَرْنِيمَةَ الْخَرُوفِ = أى يسوع الذبيح المنتصر على إبليس بصليبه.

عَظِيمَةٌ = اعمال الله فى فدائه الذى جعل به الإنسان وارثا للأمجاد.

عَجِيبَةٌ = هل كان أحد يتصور أن الله يتضع ويخلى ذاته ويصلب ويموت.

عَادِلَةٌ وَحَق = الله فى قداسته رفض أن يسامح على الخطايا، دون أن يتحمل أحد عقوبتها، فتحملها إبنه. وأحكامه فى تأديب الأشرار هى حق.

العدد 4

آية (4): -

"4مَنْ لاَ يَخَافُكَ يَارَبُّ وَيُمَجِّدُ اسْمَكَ؟ لأَنَّكَ وَحْدَكَ قُدُّوسٌ، لأَنَّ جَمِيعَ الأُمَمِ سَيَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَكَ، لأَنَّ أَحْكَامَكَ قَدْ أُظْهِرَتْ».".

وَحْدَكَ قُدُّوسٌ = ليست هناك قداسة خارجا عنه لأن جميع الأمم سيأتون ويسجدون أمامك. هنا يتحدث بصيغة المستقبل حين يخضع الكل له (عب8: 2) + (1كو24: 15 - 28).

لأَنَّ أَحْكَامَكَ قَدْ أُظْهِرَتْ = نحن الآن لا نفهم حكمة الله فى كل الأمور، ولكننا فى السماء سنفهم كل شىء. كما قال السيد المسيح لبطرس "لست تعلم الآن ما أنا أصنع ولكنك ستفهم فيما بعد" (يو7: 13).

العدد 5

آية (5): -

"5ثُمَّ بَعْدَ هذَا نَظَرْتُ وَإِذَا قَدِ انْفَتَحَ هَيْكَلُ خَيْمَةِ الشَّهَادَةِ فِي السَّمَاءِ،".

هَيْكَلُ خَيْمَةِ الشَّهَادَةِ = من هنا خرج السبع الملائكة المكلفين بتنفيذ الضربات، وخيمة الإجتماع أطلق عليها خيمة الشهادة لأن بها لوحى الشهادة ومنقوش عليهما الوصايا، وكانا موضوعين فى تابوت العهد المغطى بدم الكفارة. والمعنى أن الضربات ستنصب على الأشرار لمخالفتهم الناموس والغير المؤمنين بالمسيح وفدائه.

العدد 6

آية (6): -

"6 وَخَرَجَتِ السَّبْعَةُ الْمَلاَئِكَةُ وَمَعَهُمُ السَّبْعُ الضَّرَبَاتِ مِنَ الْهَيْكَلِ، وَهُمْ مُتَسَرْبِلُونَ بِكَتَّانٍ نَقِيٍّ وَبَهِيٍّ، وَمُتَمَنْطِقُونَ عِنْدَ صُدُورِهِمْ بِمَنَاطِقَ مِنْ ذَهَبٍ.".

شكل الملائكة هنا يشبه شكل المسيح كما رأيناه فى (رؤ13: 1) وكان يشير للمسيح كديان (هذه ملابس القضاة) فالقضاة يتمنطقون عند صدورهم. وعمل الملائكة الآن فى ضرباتهم هو عمل دينونة. بِمَنَاطِقَ مِنْ ذَهَبٍ إشارة لأن الأحكام سمائية، فالذهب رمز للسمائيات. وكونهم مُتَسَرْبِلُونَ بِكَتَّانٍ نَقِيٍّ لونه أبيض، فهذا إشارة لأن الأحكام التى ينفذونها كلها بر وحق وعدل، فالأشرار حكموا على أنفسهم إذ رفضوا كل الإنذارات الإلهية.

العدد 7

آية (7): -

"7 وَوَاحِدٌ مِنَ الأَرْبَعَةِ الْحَيَوَانَاتِ أَعْطَى السَّبْعَةَ الْمَلاَئِكَةِ سَبْعَةَ جَامَاتٍ مِنْ ذَهَبٍ، مَمْلُوَّةٍ مِنْ غَضَبِ اللهِ الْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ.".

وَوَاحِدٌ مِنَ الأَرْبَعَةِ الْحَيَوَانَاتِ = الأربعة الحيوانات هم طغمة الكاروبيم، والكاروبيم رأيناه ولأول مرة على باب جنة عدن ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة (تك24: 3). وكان الكاروبيم هنا شاهدا على عدل الله وبر أحكامه، إذ أن الله لا يريد للبشر أن يحيوا حياة أبدية وهم مشوهين من أثار الخطية إلى أن يتم الفداء والصلح، فيكون لهم أجساد ممجدة يحيون بها أبديا. ورأينا ملاكين كاروبيم على تابوت العهد، وكانا شاهدين على مراحم الله تجاه الإنسان، فالدم يكفر عن خطية الإنسان ومخالفته لوصايا لوحى الشهادة. فالكاروب جعله الله شاهدا على بره تجاه الإنسان وعدل أحكامه ورحمته تجاه الإنسان. إذاً حين يعطى الكاروبيم السبعة الملائكة، سبعة جامات مملوءة من غضب الله فهذا يعنى أن الكاروبيم شاهد على عدل الله تجاه البشر من الأشرار، الذين لم يستفيدوا من رحمة الله وفدائه. وهذا معنى أن الكاروبيم الذى أقامه الله شرقى جنة عدن ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة (تك3: 24). فالسيف المتقلب هو كلمة الله = السيف ذى الحدين (عب4: 12) ومتقلب هذه إشارة للحدين: 1) الحد الأول هو وعود الله بالخلاص التى أعطاها الله لآدم وحواء. 2) والحد الثانى هو إنذارات بالموت للمعاندين.

جَامَاتٍ = هى أوانى مسطحة وواسعة منها ينسكب غضب الله دفعة واحدة وبلا رحمة كما سبق وقال "سيشرب من خمر غضب الله المصبوب صرفا فى كأس غضبه" (رؤ10: 14). وهى من ذهب إشارة لأن هذه الأحكام سمائية وبمعايير سمائية وليست أرضية، فالمعايير الأرضية البشرية معرضة للخطأ والإنفعالات البشرية، وهى ليست وليدة الصدفة أو أى معايير خاطئة مستندة على أحداث أرضية.

العدد 8

آية (8): -

"8 وَامْتَلأَ الْهَيْكَلُ دُخَانًا مِنْ مَجْدِ اللهِ وَمِنْ قُدْرَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ الْهَيْكَلَ حَتَّى كَمِلَتْ سَبْعُ ضَرَبَاتِ السَّبْعَةِ الْمَلاَئِكَةِ.".

امْتَلأَ الْهَيْكَلُ دُخَانًا = إشارة لأن غضب الله قد وصل للذروة، وأيضا يشير الدخان لعدم إدراك البشر لأحكام الله خصوصا مع عنف الضربات التى ستنصب على البشر فى تلك الأيام.

مِنْ مَجْدِ اللهِ = فالله قدوس لا يحتمل الخطية.

وَمِنْ قُدْرَتِهِ = فالأشرار ظنوا طول أناة الله عليهم ضعفا (2بط4: 3).

لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ الْهَيْكَلَ = إنتفت الشفاعة، والرحمة قد إستوفت زمانها. ولابد أن ضربات الله تنصب على الأشرار. فالأحكام صدرت ولا راد لها.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

الأصحاح السادس عشر - تفسير رؤيا القديس يوحنا اللاهوتي - القمص أنطونيوس فكري

الأصحاح الرابع عشر - تفسير رؤيا القديس يوحنا اللاهوتي - القمص أنطونيوس فكري

تفاسير رؤيا يوحنا اللاهوتي الأصحاح 26
تفاسير رؤيا يوحنا اللاهوتي الأصحاح 26