الأصحاح الخامس عشر – سفر يهوديت – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 18- تفسير سفر يهوديت – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الأصحاح الخامس عشر

هزيمة جيش أشور.

فوجئ الأشوريون بما حدث فأصيبوا بصدمة تحولت إلى حالة من الفزع الشديد والارتباك، فلم يكونوا قادرين على التفكير والتشاور فيما بينهم [1 - 2]. لم يكن أمامهم إلا الهروب، فتحرك شمال إسرائيل لاقتفاء أثرهم [4 - 5]، وبعد ذلك تحرك سكان أورشليم. أما بيت فًلْوى فوجدوا الفرصة سانحة للتمتع بغنائم الأشوريين وغناهم [6 - 7]. وجاء يهوياقيم بنفسه من أورشليم ليشهد لعمل الله الصالح معهم، وليرى يهوديت ويمتدحها [8]. جاء ومعه الشيوخ يمتدحون هذه البطلة التقيّة [9].

أتى يوياقيم الكاهن من أورشليم إلى بيت فًلْوى مع جميع شيوخه، وباركوا يهوديت، قائلين: "أنتٍ مجد أورشليم وفرح إسرائيل وفخر شعبنا" (15: 10).

1. هروب الأشوريين في ضعفٍ 1 - 3.

2. هزيمة أشور وتمتع المؤمنين بالغنيمة 4 - 7.

3. الكل يبارك يهوديت 8 - 10.

4. فرح وسط الشعب 11 - 14.

الأعداد 1-3

1. هروب الأشوريين في ضعفٍ

ولَمَّا سَمِعَ الَّذينَ كانوا في الخِيَام النحيب،.

دَهِشوا مِمَّا جَرىِ [1].

إذ سمع المعسكر بكل فئاته من قادة وجند وفرسان ما حلّ بأليفانا، فقدوا قدرتهم على التفكير، وتحول المعسكر إلى مأتمٍ يسوده النحيب والعويل. حلّ عليهم الخبر كالصاعقة، فلم تكن لهم القدرة على مواجهة موقفٍ لم يكن في حسبانهم، ولا في حسبان أحدٍ في كل العالم في ذلك الوقت.

من يقدر أن يقبل أن امرأة تدخل وسط أقوى جيش في العالم في ذلك الحين، وتخترقه بكل جسارةٍ وبغير ترددٍ، لتقطع ذاك الذي يحسب نفسه أقوى أقوياء العالم، يعمل لحساب تأليه الملك؟

  • ارتعب الفارسيون من جرأتها (يهو 15: 1 الخ)... إنها لن ترتعب حتى من خطر الموت، ولا حتى من خطر الحياء الذي كانت عليه، الأمر الذي له أهمية كبرى لدى النساء الصالحات. لم تخشَ أن يبوق أحد الأندال، ولا من أسلحة كل الجيش. إنها امرأة وقفت بين صفوف المصارعين – بحقٍ في وسط جيوش منتصرة – لا تبالي بالموت. من يتطلع إلى الخطر المحدق بها، يُمكن القول إنها ذهبت لتموت. ومن يتطلع إلى إيمانها يقول إنها ذهبت لتحارب[209].

القديس أمبروسيوس.

ووَقَعَت علَيهِمِ الرِعدَةُ والخَوف،.

ولم يَبقَ رَجُلٌ أَمامَ قَريبِه،.

بل تَفَرَّقوا بِأَجمَعِهم،.

وهَرَبوا في جَميعِ طُرُقِ السَهلِ والناحِيةِ الجَبَلِيَّة [2].

إن كان القادة الأشوريون قد تطلعوا إلى المؤمنين بالله كفئران خارجة من جحورها لفنائها، فقد اكتشفوا أنهم هم وجنودهم قد هربوا من خيامهم فجأة وبلا تدبيرٍ أو نظام، في بلبلة ورعب وخوف. كانت جلبة المؤمنين وأصوات الأبواق تحطم نفسياتهم وتحل أعصابهم وتفقدهم كل قدرة على التفكير المتزن. وكما قيل: "تقع عليهم الهيبة والرعب، بعظمة ذراعك يصمتون" (خر ١٥: ١٦). وكما سبق فوعد الله: "قد طرد الرب من أمامكم شعوبًا عظيمة وقوية. وأما أنتم فلم يقف أحد قدامكم إلى هذا اليوم. رجل واحد منكم يطرد ألفًا، لأن الرب إلهكم هو المحارب عنكم كما كلمكم" (يش ٢٣: ٩ - ١٠) وجاء في تث ٣٢: ٣٠ "كيف يطرد واحد ألفًا، ويهزم اثنان ربوة، لولا أن صخرهم باعهم والرب سلمهم".

في وسط ذهولهم لما سمعوا وتحققوا منه، وقبل التفكير في مواجهة الموقف سمعوا صوت اليهود المقبلين عليهم، حاملين السلاح لمهاجمتهم. للحال تركوا خيامهم وأمتعتهم وغنمهم وبقرهم وكل ممتلكاتهم، وهربوا في البراري المحيطة بهم، جائلين في الطرق بغير مرشدٍ، لا يشغلهم شيء سوى الهروب من وجه الشعب.

كانوا في الحقيقة يريدون الهروب من وجه الرب الذي في جسارة كانوا يعيرونه ويجدفون عليه.

يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن إمكانيات المؤمن في مواجهة إبليس وإغراءاته وعنفه، قائلاً: [إن رآك الشيطان مرتبطًا بالسماء، ساهرًا، فإنه لن يجرؤ قط أن يحدق فيك]، [السيرة الطاهرة تسد فم الشيطان نفسه وتبكمه.].

والمُعَسكِرونَ في الناحِيةِ الجَبَليَّةِ حَولَ بَيتَ فًلْوى،.

ولّوا هارِبينَ هم أيضًا.

حينئذٍ اندفع علَيهم جَميعُ المُحارِبينَ مِن الإِسْرائيليين [3].

طلب عُزِّيا من قواد المدن والقرى الشمالية الغربية التضييق على الأعداء الهاربين خشية أن يستتروا في الشعاب الجبلية حتى تنتهي ثورة اليهود، ومن ثم يعيدون تنظيم صفوفهم للقيام بهجومٍ مضاد على اليهودية.

لقد تحقق الوعد الإلهي بأن واحدًا منهم يطرد ألفًا، وأن الأعداء يخرجون عليهم من طريقٍ واحدٍ، وفي سبع طرق يهربون قدامهم (تث٢٨: ٧، ٢٥).

موقف الأشوريين يشبه موقف عدو الخير من المؤمن. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن إبليس يشبه كلبًا، إن أظهرنا الخوف منه يهجم علينا بعنفٍ، وإن لم نَخَفْهُ يهرب منا ويخشانا.

  • ماذا يقول سفر أيوب عنه؟ هو مخيف ومرعب (أي 40: 18؛ 41: 7). جنباه نحاس، وظهره حديد مسبوك، أحشاؤه من حجارة. يقول عنه الكتاب المقدس هذا وأكثر منه. هذا هو قائد الفرق الشيطانية العظيم والقدير. ولكن ماذا يدعوه صاحب القوة والفريد الحق؟ إنه "ثعلب صغير!" (نش 2: 15)... الله يدعوهم بذات الاسم "الثعالب الصغيرة"، ويحث الصيادين ضدهم[210].

القديس غريغوريوس النيسي.

  • لا يخيفكم أي عدو خارجي. انتصروا على أنفسكم، فتغلبوا العالم كله. ماذا يستطيع أي مجرِّب خارجي أن يفعل ضدكم سواء أكان الشيطان أو خادمه؟

دعوا الذي يضع أمامكم أمل الربح لإغرائكم أن لا يجد فيكم طمعًا، حينذاك ماذا يستطيع أن يفعل بكم الذي يرغب في تجربتكم عن طريق المكسب؟ فإن وجد فيكم الطمع فستحترقون عند رؤية المكسب وتصادون بطُعم من ذلك الطعام الفاسد. وأما إذا لم يجد فيكم طُعمًا فسيبقى الفخ منصوبًا.

وإذا وضع المُجرِّب أمامكم بعض النسوة فائقي الجمال فإن وُجدَت في الداخل عفّة فسيغلب على الظلم الخارجي (الذي للمجرِّب). حاربوا شهواتكم الداخلية حتى لا يقتنصكم بطُعم جمال امرأة غريبة.

إنكم لا تدركون عدوكم إدراكًا محسوسًا بل تدركون شهواتكم. أنكم لا ترون الشيطان بل ترون المادة التي تشغلكم. فلتسيطروا إذن على ما تلمسونه داخلكم. حاربوا ببأس لأن الذي يجددكم هو قاضيكم. لقد أعد القوائم وبعد الإكليل، ولكن ستُهزمون بدون شك إن لم تأخذوه لمساعدتكم، لذلك قولوا في الصلاة "لا تدخلنا في تجربة". غضب القاضي أسلم البعض لشهواتهم. يقول الرسول. بولس "أسلمهم الله (أيضًا) في شهوات قلوبهم"، كيف أسلمهم. ليس بإجبارهم بل بالتخلي عنهم[211].

القدّيس أغسطينوس.

الأعداد 4-7

2. هزيمة أشور وتمتع المؤمنين بالغنيمة

وأَرسَلَ عُزِّيا إلى بَيتَ مُستَئيم Betomasthem.

وبيباي Bebai وخوبا Choba وكولا Cola،.

وإلى بِلادِ إِسْرائيلَ كُلِّها،.

رُسُلاً يُخبِرونَ بِما جَرى،.

ويَسأَلونَهم أَن يَسرعوا جميعًا في مواجهة أَعدائهم ويُبيدوهم [4].

تحرك عُزِّيا رئيس المدينة كقائدٍ حربيٍ ليقوم بدوره خلف يهوديت، فأرسل إلى كل مناطق إسرائيل يخبرهم بعمل الله معهم، ويطالبهم بسرعة الحركة لتحطيم قوات الظلمة.

إن كان الله بحبه لنا يهبنا النصرة على الخطايا التي نظنها كبيرة، فمن واجبنا أن نتحرك بسرعة دون تهاون، متسلحين بنعمته الإلهية لإبادة كل أثر للخطية في حياتنا.

كثيرون يتمتعون بالنصرة على الخطايا التي تبدو خطيرة، وخلال تهاونهم مع الثعالب الصغيرة تسيطر الخطية عليهم، ويتسلم عدو الخير عجلة القيادة في حياتهم من جديد.

سمح فرعون لبني إسرائيل أن يخرجوا بنسائهم وأولادهم "غير أن غنمكم وبقركم تبقى" (10: 24). وكانت الإجابة: "لا يبقى ظلف" (10: 26). نخرج جميعنا بنسائنا وأولادنا ومواشينا، مقدمين كل شيء للرب، ولا نترك لإبليس موضعًا في حياتنا. لن نترك له ظلفًا في حياتنا، حتى لا يكون له مجال للعمل الشرير في داخلنا. لقد أصر موسى النبي ألا يترك ظلف في بلد العبودية.

يحذرنا الكتاب المقدس من الثعالب الصغيرة: "خُذُوا (أمسكوا) لَنَا الثعَالِبَ الثعَالِبَ الصغَارَ الْمُفْسِدَةَ الْكُرُومِ، لأَنَّ كُرُومَنَا قَدْ أَقْعَلَتْ (أزهرَتْ)". وفي تكراره كلمة "الثعالب" تحذير منها، إذ هي تزحف بخفة وتدخل من الثقوب الصغيرة لتفسد الكرم في بدء نموه. بهذا تفسد كميات ضخمة من الثمار المقبلة، فمع صغرها تفسد نمو الإنسان ونضوجه.

يرى العلامة أوريجينوس أن هذه الثعالب الصغيرة [هي قوى الشياطين المضادة التي تُحطم زهور الفضائل في النفس، وتبدد ثمر الإيمان خلال الأفكار الفاسدة والمفاهيم المضللة التي تبثها[212].] كما يقول أيضًا: [إنه بالتأكيد في لحظة الخطية، يكون روح شرير ما حاضرًا في قلب الإنسان، وهناك يعمل. إننا نسمح له بالدخول ونستقبله في داخلنا بميولنا الشريرة[213].].

وكما يقول القديس مرقس الناسك: [يقدم لنا الشيطان خطايا صغيرة تبدو كأنها تافهة في أعيننا، لأنه بغير هذا لا يقدر أن يقودنا إلى الخطايا العظيمة[214].].

ولَمَّا سَمِعَ الإِسْرائيليون،.

اِنقَضُّوا جَميعًا علَيهِمِ انقِضاض رَجُل واحِدٍ،.

وكسَروهم إلى خوبا Choba.

وقَدِمَ كذلِك الَّذينَ مِن أُورَشَليمَ ومِنَ الناحِيةِ الجَبَلِيَّةِ كُلِّها.

فقد أُخبِروا بِما حَدَثَ في مُعَسكَرِ أَعْدائِهم.

والَّذينَ في جِلْعادَ والَّذينَ في الجَليلِ حاصروهم وذبحوهم،.

إلى أَنِ اقتربوا مِن دِمَشقَ وتخومها [5].

إن كانت يهوديت قد تحركت، وقد أخذت معها وصيفتها لتشترك معها في العمل، وعُزِّيا رئيس المدينة تحرك ونادى بالعمل الجماعي، فإننا نسمع أن إسرائيل قد تحرك معًا بروح جماعية.

كثيرون يفشلون في جهادهم الروحي، لأنهم لا يشتركون مع إخوتهم، ولا يتركون إخوتهم يعملون معهم. حتى في التوبة كثيرًا ما يقدم لنا الكتاب المقدس صورة رائعة للتوبة الجماعية. فنحميا في صراخه للرب وهو متذلل أمامه، يعترف باسم الجماعة كلها.

من يجاهد من أجل طهارة إخوته وقداسة حياتهم يتأهل لعمل نعمة الله في حياته الخاصة. لهذا يقول المرتل: "هوذا ما أحسن وما أجمل أن يجتمع الإخوة معًا" (مز 133: 1)، ليس حسب الجسد فحسب، وإنما نجتمع معًا بالروح الواحد، والفكر الواحد، والهدف الواحد، والتوبة معًا!

لا يقف المؤمن موقف المدافع عن نفسه من إبليس وجنوده، وإنما موقف المهاجم له، مشتاقًا أن يسلب منه كل ما سبق أن اغتصبه العدو منه ومن إخوته، مشتاقًا أن يحطم بالمسيح يسوع مملكة الظلمة لحساب مملكة النور.

وأَمَّا سائرُ سُكَّانِ بَيتَ فًلْوى.

فانقَضُّوا على مُعَسكَرِ أشور ونَهَبوه،.

فاغتَنَوا كَثيرًا [6].

إذ هرب الأشوريون أمام رجال الحرب الإسرائيليين الذين حاربوهم حتى بأسلحتهم التي استولوا عليها من خيامهم، خرج سائر سكان بيت فًلْوى يجمعون الغنائم التي تركها الأشوريون.

كان العدو يعتز بكثرة العدد، فمدينة بيت فًلْوى لا تحتاج إلى كل هذه الألوف من الجند للاستيلاء عليها، لكن الله حوّل هذا للخير. فقد حدثت حالة ارتباك شديدة، ومع كثرة العدد لم يعد أي قائد قادرًا على التخطيط لأمرٍ هكذا مفاجئ مع اضطراب هذا الكم الهائل من جنودٍ هاربين ومشتتين في اتجاهات مختلفة. بهذا صار الجيش نفسه غنيمة كما استولى اليهود على الأسلحة والأمتعة، وربما استخدموا مركباتهم نفسها وأسلحتهم لمطاردتهم. هكذا تحولت إمكانيات الأشرار الجبارة لدمارهم وليس لدمار المؤمنين.

والقوات الإِسْرائيلية التيَ عادت مِنَ المَجزَرةِ.

استَولَت على الغَنائِم الباقِية،.

والقُرى والمدن في الناحِيةِ الجَبَلِيَّةِ والسَّهْلِ أَخَذَت غَنائمَ وافِرة،.

فقَد كانَ مِنها شَيءٌ كثيرٌ جِدًّا [7].

إن كان سائر سكان بيت فًلْوى قد اغتنوا جدًا بالغنائم التي استولوا عليها، فإن جيش إسرائيل الذي هاجم الأشوريين وساروا وراءهم وقتلوهم رجعوا ليجدوا الكثير من الغنائم. لم تكن هناك مشكلة، فإن الغنائم أكثر بكثير مما كان الجيش والشعب يتخيل.

إنها صورة رمزية للغنائم التي ننالها بنصرتنا على إبليس وجنوده. فالمؤمنون يرتقون إلى تلك الدرجة الملائكية العظمى التي سقط منها إبليس، وينعمون بما فقدوه من حياة سماوية مفرحة وبهية.

إن كان إبليس بحسده دخل بالإنسان إلى الموت، فإن ربنا يسوع المسيح بحبه يهبنا النصرة والحياة الأبدية لنصير أشبه بطغمة سماوية سامية ننعم بالأمجاد الأبدية.

الأعداد 8-10

3. الكل يبارك يهوديت

وقَدِمَ رئيس الكَهَنة يواقيم وشُيوخُ بَني إِسْرائيلَ السَّاكِنينَ في أُورَشَليم،.

لِيُشاهِدوا ما صَنَعَ الربُّ إلى شعبه مِن العظائم،.

وليرَوا يَهوديت، ويحيّوها [8].

وقف رئيس الكهنة الذي كان اليأس يحطمه يومًا بعد يوم، بل لحظة بعد لحظة، وقد توقع ما سيحل بالشعب والمدينة المقدسة والهيكل والمذبح من دمارٍ وتدنيس، الآن استطاعت امرأة بيد الرب أن تحوّل المرارة إلى عذوبة، والمراثي إلى تسابيح، واليأس البشع إلى رجاءٍ مفرح.

هذه الأنشودة الفائقة التي نطق بها رئيس الكهنة يمتدح فيها يهوديت، هي أنشودة السمائيين التي يتغنون بها يوم عرسنا الأبدي، وهم يتطلعون إلى الكنيسة عروس المسيح تتمتع بشركة الأمجاد السماوية، وقد تحطم إبليس عدوها تمامًا وصار مصيره جهنم الأبدية. هي أنشودة تقدم لكل مؤمنٍ تمتع بالمسيح يسوع بالغلبة على قوات الظلمة.

ولَمَّا التقوا بها،.

بارَكوها جَميعُهم بِصَوتٍ واحدٍ،.

وقالوا لَها:

"أَنتِ مَجدُ أَورَشَليم!

أَنتِ بطلة إِسْرائيلَ!

أَنتِ فَخْرُ شعبنا! [9].

جاء رئيس الكهنة وشيوخ إسرائيل من أورشليم إلى بيت فًلْوى ليلتقوا بالقديسة يهوديت التي تم بنعمة الله على يديها الخلاص للشعب كله. فرحوا جدًا بعمل الله معها، ومدحوها بألقاب تليق بها، فقد صارت سبب مجد أورشليم وكل إسرائيل وفخرهم ونصرتهم.

استطاعت يهوديت بحياتها التقوية أن تفوق رئيس الكهنة وكل القيادات المدينة والعسكرية.

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على العبارة "سلّموا على مريم التي تعبت لأجلنا كثيرًا" (رو 16: 6)، قائلاً: [ما هذا؟ لقد كُرمت امرأة وحسبت متنصرة! أفلا نخجل نحن كرجال؟... إننا نحسبه كرامة لنا أن توجد نساء بيننا كهذه[215].].

[قدّمت خدمات أخرى كثيرة محتملة مخاطر، من جهة المال والأسفار. فإن نساء تلك الأيام كنّ روحيات أكثر من الأسود (في القوّة)، ساهمن مع الرسل في التعب لأجل الإنجيل[216].].

ويقول القديس كيرلس الكبير: [المرأة التي أعلنت مرة خدمة الموت، الآن هي أول من تقبّل سرّ القيامة المهوب وأخبرت به. بهذا حصل جنس المرأة على الخلاص من العار ومن اللعنة.].

بهذه الرسالة السماويّة اِستعادت المرأة كرامتها، فبعد أن كرزت لآدم قديمًا برسالة الهلاك في الفردوس، ها هي تكرز ببشارة القيامة للتلاميذ!

  • هذه التي كانت قبلاً خادمة للموت قد تحرّرت الآن من جريمتها بخدمة صوت الملائكة القدّيسين، وبكونها أول كارز بالأخبار الخاصة بسرّ القيامة المبهج[217].

القدّيس كيرلس الكبير.

صَنَعتِ كُلَّ ذلك بِيَدِكِ،.

أَحسَنتِ إلى إِسْرائيلِ، فرَضِيَ اللهُ عَمَّا صَنعتِ.

ليبارَكَكِ الربُّ القَديرُ أَبَدَ الدُهور! ".

وقالَ الشعبُ كُلُّه: آمين! "[10].

امتدحوها من أجل ما صنعته بنفسها دون مساندة إنسانٍ ما، قدمت كل عملٍ صالحٍ من أجل شعب الله، فسَّر الله بها. أيَّد كل الحاضرين هذا الحديث المفرح، وطلبوا لها أن يعوضها الله عن هذا العمل بالبركة الأبدية.

الأعداد 11-14

4. فرح وسط الشعب

ونَهَبَ الشعبُ كلُه المُعَسكَرَ مُدَّةَ ثَلاثينَ يَومًا.

وأَعطَوا يَهوديتَ خَيمةَ أليفانا،.

وجَميعَ ما كانَ لَه مِن أَواني فِضَّةٍ وأَمتِعَةِ مَنَامَهُ وآنِيَةٍ وأَثاث.

فأَخَذَته وحَمَّلَت بعضها على بَغالَها،.

وقَطَرَت عَرَباتِها وكَدَّسَته علَيها [11].

كانت الغنيمة من الكثرة حتى لم يستطع المؤمنون أن يحملوها إلى بيوتهم لمدة ثلاثين يومًا. كانوا يخرجون كل صباح ويحملون ما كان في خيام الأشوريين ويعودون إلى مساكنهم بخيراتٍ لا حصر لها.

قرر الشعب ألاَّ تمتد يد إلى خيمة أليفانا وكل ما فيها من جواهره وأدواته الثمينة وآنيته وأثاثاته سوى يد يهوديت كمكافأة رمزية لها. هذه التي اختارت الحياة النسكية وزهدت كل ثمينٍ أفاض الله عليها بما لم يكن في حسبان أحد. أخذته لا لتنشغل بما وُهب لها، بل قامت بعد ذلك بتوزيعها (١٦: ٢٤).

"أمتعة منامه": أي حجرة نومه الثمينة التي كانت تليق بقائدٍ عظيمٍ مثل أليفانا، ولعلها تعني الجناح الخاص بحياته الشخصية في خيمته الضخمة.

هذه الغنائم جمعها جيش أليفانا من الشعوب والأمم التي استسلمت وسلمته هو وجيشه كل ما يُمكن تقديمه، حتى لا تمتد إليهم أياديهم بالأذية خاصة القتل.

واجتمعَت جَميعُ نِساءِ إِسْرائيلَ لِيَرَوها وبارَكْنَها،.

وأَقامَ بَعضُهُنَّ رقصات لَتكريمها.

فأَخَذَت يَهوديتُ فروع شجر مجدول بيَدِها،.

ودَفَعَتها إلى النساءِ اللَّواتي كُنَّ معَها [12].

لم يكن ممكنًا لكل الشعب سواء القادة الروحيين أو المدنيين أو العسكريين أن يعبروا عن فرحهم بيهوديت، وشعر الكل أنهم مدينون لها بكل حياتهم وكرامتهم وسلامهم. حتى النساء لم يدخل الحسد إلى إحداهن من جهتها، بل بكل قلوبهن اشتقن إلى رؤية هذه البطلة في الرب، والتي تستحق كل تكريم، وعبَّرن عن ذلك برقصات جماعية لها. أما هي فلم تنشغل بتكريمها، إنما كان قلبها متهللاً بعمل الله مع شعبه ولحساب مجد اسمه. كانت تحمل فروع الأشجار وتلوَّح بها، وتدفعها للنساء اللواتي معها، لتعلن أن الرب قدم النصرة للجميع وليس لحسابها شخصيًا.

وكَلَّلت نَفسَها بِأكاليل الزيتون،.

هي واللَّواتي معَها،.

وتقَدَّمتِ الشعبَ كُلَّه تُديرُ جَوقةَ النساءِ جَميعًا.

وفي نفس الوقت كانَ رِجالِ إِسْرائيل يَتبَعونَهن مُسَلَّحينَ ومُكَلَّلين،.

وينشدون أَناشيدُ الحمد [13].

يا للعجب الأرملة التي أصرَّت أن ترتدي ثياب الحزن بعد موت رجلها، ورفضت الارتباط برجلٍ آخر، الآن تقود احتفالات النصرة الضخمة للنساء يتبعهن الرجال. وكما قيل: "حينئذ تفرح العذراء بالرقص، والشبان والشيوخ معًا، وأحوّل نوحهم إلى طربٍ وأعزيهم، وأفرّحهم من حزنهم" (إر ٣١: ١٤).

وأَنشَدَت يَهوديتُ نَشيدَ الشُكرِ هذا أمام كُلِّ إِسْرائيل،.

واستجابَ الشعبُ قلبيًا بِهذا النشيد [14].

كان الشعب يبحث عن أيّة وسيلة للتعبير عن شكره وتكريمه لهذه القديسة البطلة، أما هي فكان قلبها مرتفعًا نحو السماء تقدم له الشكر والحمد وتمجده باسم الشعب كله.

من وحي يهوديت 15.

لتنحلّ مملكة الظلمة وتتهلل مملكة النور!

  • منذ سقوط أبوينا الأولين،.

ويظن إبليس أنه صار سيد العالم.

يحسب نفسه إله كل الممالك.

ليس من يقف أمامه،.

ولا من يقدر أن يقاومه!

أراد أن يخضع الكل له طوعًا أو جبرًا!

  • لكن مجيء الرب شمس البرّ،.

بدّد الظلمة وحطّم مملكتها.

ارتعب إبليس أمامه،.

وانهارت كل قوات الظلمة!

لم يعد للعدو ولا لحيله سلطان علينا!

  • بصليبك حملتنا كما على كتفيك.

ودخلت بنا إلى أحضانك.

كنا غنائم إبليس، مستعبدين له.

كان يظن أننا لن نفلت من يديه.

  • حررتنا يا أيها القدوس مخلِّص العالم.

حملتنا كغنائمٍ تدخل بنا إلى سماواتك.

حوَّلت حياتنا إلى عيدٍ لا ينقطع.

عوض النحيب، صار لنا التهليل الدائم.

عوض البؤس، تمتعنا بطوباوية ملكوتك.

عوض الأسْر صار لنا حرية مجد أولاد الله!

  • ماذا نقدم لك يا أيها العجيب في خلاصك!

نسبحك ونمجدك ونشكرك كل أيام حياتنا!


[209] Duties of the Clergy, Book 3: 13: 83.

[210] Commentary on Song of Songs, homily 5.

[211] Lessons on N. T. 7: 9.

[212] Origen: Com. on Cant. 3: 15.

[213] Hom. Num 4: 3.

[214] مقالتان عن الناموس الروحي ٩٤ (الفيلوكاليا ١٩٦٦، ص ١٢٦).

[215] In Rom. hom 31.

[216] In Rom. hom 31.

[217] Comm. on Luke , ch. 24.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

الأصحاح السادس عشر - سفر يهوديت - القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الرابع عشر - سفر يهوديت - القمص تادرس يعقوب ملطي

تفاسير سفر يهوديت الأصحاح 17
تفاسير سفر يهوديت الأصحاح 17