الأصحاح الرابع – تفسير رسالة كورونثوس الأولى – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: تفسير رسالة كورونثوس الأولى – القمص تادرس يعقوب ملطي. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

1corinthians

الأصحاح الرابع

أبوة الرسول.

في الأصحاحات الثلاثة السابقة وجه الرسول بولس الكنيسة إلى التمتع بالوحدة الكنسية القائمة على التمتع بحب اللَّه الفائق خلال عمل الابن الخلاصي أو خلال الصليب (ص1)، وشركة الروح القدس (ص2)، وقبول رعاية الآب الذي يهتم بكنيسته بكونها فلاحة اللَّه أو بناء اللَّه (ص3). وكأن الرسول يود ألا ينشغلوا بالانقسامات بل باللَّه الكلي الحب. الآن يلتزم بالدفاع عن نفسه، ليس لكي يسحب أنظارهم إليه، ولا من أجل مجدٍ زمنيٍ يشتهيه، وإنما لتأكيد هذه الوحدة الكنسية. إنه خادم للمسيح الواحد ووكيل أسرار اللَّه الواحد، وهو أب لهم في المسيح يسوع لا يُسر بتكوين فرقة تنسب نفسها إليه وإنما بتحقيق رسالته بأمانة وانشغال المؤمنين باللَّه مخلصهم.

قدم لنا هذا الاصحاح صورة حية لالتزام الخادم بالأمانة: أمانة للَّه كوكيل أسراره، أمانة للكلمة المتجسد ليهتم بخدمة الخلاص، وأمانة للكنيسة ليحمل سماتها المتواضعة، وأمانة للخدمة فيقدم أبوة حانية ملتزمة.

1. وكيل أسرار اللَّه 1 - 4.

2. عدم إدانة الخدام 5 - 6.

3. عدم كبرياء الخدام 7 - 8.

4. متاعب الخدمة 9 - 14.

5. أبوة الرسول 15 - 16.

6. إرساله تيموثاوس 17.

7. وعده بزيارتهم 18 - 21.

1. وكيل أسرار اللَّه

إذ يتحدث الرسول بولس عن الوحدة الكنسية يكشف عن الدور الحقيقي للرسول أو الخادم أو المعلم، فهو مجرد خادم للسيد المسيح ووكيل لأسرار اللَّه، ما يشغله هو تمتع شعبه بعمل المسيح الخلاصي وأن يوجد أمينًا في وكالته لأسرار اللَّه، إذ يقول:

"هكذا فليحسبنا الإنسان.

كخدام المسيح ووكلاء سرائر اللَّه "[1].

بقوله "يحسبنا" يشير إلى نفسه وإلى أبُلّوس وإلى أي رسول أو معلم في الكنيسة. وبقوله "يحسبنا الإنسان" يعلن الرسول أن رسالته أن يعمل لحساب المسيح ليس في حياة المؤمنين وحدهم، بل وفي حياة كل إنسان. يود أن يكون في أعين كل البشرية خادمًا للمسيح ووكيلاً لأسرار اللَّه.

أولاً: يؤكد الرسول بولس أن عمله الرئيسي هو الخدمة لحساب المسيح، فلا يطلب كرامة أو مجدًا لنفسه. إنه ليس بالسيد الذي يسيطر ويملك، بل الخادم الذي يعمل لحساب سيده. إنه الوكيل الذي يتمم مشيئة سيده، ليس صاحب الوكالة الذي يتصرف حسب أهوائه. إنه عامل بسيط يأخذ أوامره من سيده ويفرح أن يرى أولاد سيده يمثلون أسرة سماوية واحدة.

يسوع المسيح شخصيًا هو راعي الكنيسة ومؤسسها "أبني كنيستى" (مت18: 26). هي من عمله هو ولا آخر سواه. يدرك ذلك جيدًا من يشعر بقيمة المهر الذي قدمه لها "عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب... بل بدمٍ كريمٍ كما من حملٍ بلا عيب ولا دنس دم المسيح" (1 بط 16: 1، 19)؛ فمن يقدر أن يفلح كرم الرب أو يرعى قطيعه؟!

يسوع المسيح في رعايته ليس بمحتاجٍ إلى رعاة مساعدين، إنما من قبيل حبه غير المتناهي للإنسان، دعاه ليشاركه في هذا العمل. وإن كنا مع هذا نُدعى رعاة مجازًا، لأن الذي يرعى ليس نحن بل الراعي ذاته فينا، فلا زال هو الراعي الوحيد رغم دعوتنا نحن رعاة!

ثانيًا: إنه وكيل أسرار اللَّه، يقدم الأسرار الإلهية والكلمة طعامًا للنفوس. لا يقدم شيئًا من عنده، بل مما هو لسيده. وما هي أسرار اللَّه سوى سرّ الحب الذي يربط السمائيين والأرضيين معَا في وحدة أبدية مجيدة. فليس من حق الخادم أن يدعي الحكمة والمعرفة فيما لا يخص خلاص اخوته. فلا يستغل محبتهم له وثقتهم فيه ليقدم غير أسرار اللَّه السماوية، إنما يترك كل عملٍ في أيدي المتخصصين: السياسة لرجال السياسة والعلم لرجال العلم والقضاء لرجال القانون! إنه وكيل مملكة النعمة الإلهية، ينهل منها ليقدم للجميع. إنه قبل كل شيء هو كارز وخادم للكلمة يقدمها مائدة سماوية لكل إنسانٍ!

تذمر أحدهم على أحد الأساقفة قائلاً بأنه لا يؤمن أن الخبز والخمر يتحولان إلى جسد الرب ودمه على يد كاهنٍ شريرٍ، فطلب منه أن يحضر خاتمًا للقربان من الذهب. ثم أتى بقطعة من العجين وختم نصفها بالخاتم الذهبي والآخر بالخشبى، وقال له: ميزّ إن أمكنك أي القربانتين خُتمت بخاتم الذهب وأيهما بخاتم الخشب؟ وعندئذ نصحه ألا يدين الكاهن سواء أكان ذهبًا أو عشبًا، فإن اللّه سيدينه، لكنه يقبل البركة التي ينالها من يد الكاهن مهما كان شريرًا... وهو لشره تكون إدانته أقسى من الشعب.

- لا تنظر إلى استحقاقات الأشخاص، بل إلى وظيفة الكهنة...

إن كنت تنظر إلى الاستحقاقات، اعتبر الكاهن كإيليا... ففي القديم نزلت نار منظورة حتى يؤمنوا. أما بالنسبة لنا نحن المؤمنون، فإن اللَّه يعمل بطريقة غير منظورة لأن ما حدث في القديم كان رمزًا، وفي نفس الوقت هو تحذير لنا.

آمن إذن أن الرب يسوع هو الحاضر أثناء صلوات الكاهن... لأنه إن كان قد قال: "إن اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون أنا في وسطهم" (مت 20: 18)، فكم بالأكثر يهبنا حضوره عندما تجتمع الكنيسة (الكهنة) وتتم الأسرار؟!

القديس أمبروسيوس.

ثالثًا: كوكيل للَّه يستحق الكرامة في الرب، لكنها ليست كرامة للكبرياء والتسلط، إنما كرامة لحساب صاحب الأسرار نفسه.

رابعًا: كوكيل لأسرار اللَّه يليق به أن يدرك أن عمله الرئيسي كما قلنا هو تقديم الأسرار الإلهية لا للتدخل في حياة الناس اليومية وربطهم به بطريقة بشرية.

خامسًا: جاء التعبير اليوناني oihsnomous يعني أنه المدبر أو نائب عن السيد في تدبير أمور أسرته، يهتم بتقديم المئونة للبيت في الوقت المناسب وبكميات مناسبة. عليه التزام بمسؤوليات خطيرة. تحت يديه خزانة سيده ليقدم منها ما هو لازم للعائلة، على أن يعطي حساب الوكالة أمام سيده. إنه ليس مصدر العطايا إنما مؤتمن على مخازن سيده.

سادسًا: سرائر اللَّه هي الإنجيل أو التعاليم الإلهية الخاصة بخلاص العالم. خلال آلام السيد وصلبه وقيامته، التي أعلنها لنا اللَّه عمليًّا.

سابعًا: إذ ظن الكورنثوسيون أنهم رؤوس ورؤساء يريدون أن يحركوا حتى الرسل حسب أهوائهم يؤكد الرسول أنه هو وزملاءه يحسبون أنفسهم عاملين لدي المسيح، منه يأخذون التعليمات لتحقيق إرادته، ومنه وحده ينالون المكافأة. لن يقدر أحد مهما استخدم من ضغوط أو إغراءات أن يغير سلوكهم في الخدمة.

يعتز الرسول بولس وغيره من الرسل بتعبير "خادم المسيح". هكذا يليق بالكاهن أن يدرك أن عمله هو مشاركة السيد المسيح غسله للأقدام، فلا يظن في نفسه رئيسًا. بهذا لن يقبل إقامة فريق باسمه في الكنيسة مما يسبب الانشقاقات.

كوكيل ليس من حقه إخفاء الأسرار الإلهية عن الشعب بل إعلانها للجميع. وكوكيل يلتزم بالآتي:

- يكرس كل طاقاته ووقته لحساب موكله، وليس لحساب آخر.

- أن يكون أمينًا على الوكالة [1 - 2] فلا يبددها أو يفسدها [4].

- يُدرك أنه مُعيّن من قِبل المسيح نفسه لا من البشر [3].

- لا يرتبك بحكم زملائه بل بحكم الموكل نفسه، يقدم حسابًا له [3 - 4].

- ينشغل بيوم الرب، يوم سيده لا يوم بشرٍ [5].

يميز العلامة أوريجينوس بين خادم المسيح ووكيل أسرار اللَّه، قائلاً: [يوجد فارق كبير بين أن يكون الشخص خادمًا للمسيح وأن يكون وكيل سرائر اللَّه. أى بين شخصٍ يقرأ الكتاب ليمكنه أن يكون خادمًا للمسيح وشخص يلتزم أن يدخل إلى أعماق الأسفار المقدسة فيكون وكيلاً لسرائر اللَّه. كان بولس يعمل كوكيلٍ لأسرار اللَّه عندما عهد للوقا أن يكتب إنجيله, وعندما أرسل تيموثاوس (1 تى 1: 1 - 4) يفرز (التعاليم الصادقة عن الخرافات) في كنيسة أفسس. أتجاسر أيضًا فأقول أن بولس عمل كخادم المسيح في كورنثوس بينما صار وكيلا لأسرار اللَّه في أفسس.].

إنه كخادم المسيح ووكيل أسرار اللَّه يفرز نفسه عن الرسل الكذبة الذين يخدمون أنفسهم ويطلبون كرامتهم الذاتية فيقَّسمون كنيسة المسيح الواحدة.

- قال بولس هذا لأن بعض الكورنثوسيين قد أهانوه. إنه لم يكرز بشيء مختلف عما بشّر به الرسل. فإذ يدعو نفسه خادمًا للمسيح ووكيل أسرار اللَّه يشير بطريقة عملية كاملة لا تحتمل الشك إلى الرسل الكذبة من هم. إنه يرفض القول بأنهم يكرزون بالمسيح, لأن كرازتهم لا تتفق مع التقليد الرسولي.

أمبروسياستر.

- "هكذا فليحسبنا الإنسان كخدام المسيح ووكلاء سرائر اللَّه". يقوم الوكيل بإدارة أمور موكله حسنًا دون أن ينسب لنفسه ما لموكله، بل على العكس ينسب ما لديه لسيده... أتريد أن ترى مثالاً لوكلاء مؤمنين؟ اسمع ما يقوله بطرس: "لماذا تشخصون إلينا كأننا بقوتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشى؟" (أع 12: 3).

وعند كرنيليوس أيضا قال: "قم أنا أيضًا إنسان"... وبولس الرسول لا يَقِلْ عنه أمانة فيقول: "أنا تعبت أكثر من جميعهم، ولكن لا أنا بل نعمة اللَّه التي معي" (1 كو 10: 15).

وعندما قاوم الرسول أولئك الأشخاص غير الأمناء قال: "وأي شيء لك لم تأخذه؟".

القديس يوحنا ذهبى الفم.

"ثم يسال في الوكلاء لكي يُوجد الإنسان أمينًا" [2].

ماذا تعني الأمانة هنا سوى التزام الخادم بتقديم الوصية الإلهية طعامًا لائقًا للأسرة الإلهية أو كنيسة اللَّه. يقدم السيد المسيح الكلمة على المائدة لكي تشبع النفوس منه وتتحد به، فتصير جسده الواحد.

في ذهن الرسول بولس كل خادمٍ أو كل مؤمنٍ يلتزم أن يكون وكيلاً أمينًا في الشهادة للحق الإلهي بروح القوة والشجاعة والحكمة.

يكون أمينًا للَّه الآب لكي يدخل هو واخوته إلى أحضانه الإلهية كابناءٍ له.

يكون أمينًا للسيد المسيح لكي يتمتع الكل بشركة آلامه وصلبه ويختبر الكل قوة قيامته.

يكون أمينًا للروح القدس لكي يشكل البشرية أيقونة حية للعريس السماوي.

يكون أمينًا لكنيسة اللَّه ليعمل بروح القداسة والنقاوة، فيشهد لإيمانه بأعماله في الرب.

ويكون أمينًا لخدمته حتى لا يُلام إنجيل المسيح، فيسلك الطريق الملوكي المعتدل، ويقود قطيع المسيح بحسب فكر المسيح لا فكره الشخصي.

إن كان الرسل يخشون على الدوام أن يسألهم الموكل السماوي عن مدى أمانتهم في الوكالة، فكم يليق بنا نحن أن ندقق في حياتنا وخدمتنا حتى نستطيع مجاوبة اللَّه في يوم الرب العظيم؟

- إن كان بولس ينطق بهذا عن أناس مثله ومثل بطرس وأبلوس فكم يكون هذا بالأكثر صادقًا بالنسبة لنا؟ يلزمنا أن نكون حذرين ومتيقنين أن نوجد وكلاء أمناء.

العلامة أوريجينوس.

يشعر الخادم الحقيقي أنه كوكيل لأسرار اللَّه مدين له بكل قدراته ومواهبه ومعرفته للحق، وأنه عاجز عن التمتع بسمة الأمانة بدون عون إلهي. لهذا لن يكف عن الصلاة الدائمة لكي تعمل نعمة اللَّه فيه.

- إذ تسلمتم كل شيء, أدعو اللَّه في كل شيء. اعلموا دومًا أنكم مدينون له.

القديس أمبروسيوس.

كوكيل لأسرار اللَّه يشعر الخادم بالالتزام بالأمانة من جانبين: الجانب الأول أنه أمين علي مخازن اللَّه فلا يُقدم طعامًا غاشًا بل طعامًا سماويًا من مخازن موكله السماوي. ومن الجانب الثاني فقد أوتمن على نفوس أبناء سيده، فكل نفسٍ تهلك بسبب تراخيه يُطلب دمها من يديه! هذه هي الوكالة التي يُسأل عنها خادم الرب.

- لا يمكن للصراف أن يستهين ويستخف بودائع الآخرين, إنما بالأحرى يهتم بها لكي يحفظها في آمان إذ هو الشخص الذي وثقوا فيه.

ثيؤدورت أسقف قورش.

"وأما أنا فاقل شيء عندي أن يُحكم فيَّ منكم أو من يوم بشرٍ،.

بل لست أحكم في نفسي أيضًا "[3].

يؤكد الرسول بولس أنه لا يرتبك بالناقدين له، هؤلاء الذين أقاموا أحزاب في الكنيسة تحت اسماء بطرس وأبُلوّس والمسيح لمهاجمة الرسول بولس. فإنه لا يطلب ما هو لمجده الشخصي بل ما هو لمجد سيده الذي يطلب خلاص كل النفوس.

المقياس الذي به يتعرف الرسول على أمانته ليس حكم الناس ولا حكمه الشخصي ولكن انشغاله بيوم الرب العظيم الذي فيه يكشف اللَّه السرائر الخفية.

بقوله "أقل شيء عندي" يظهر الرسول أنه لا يستخف بهم ولا بحكمهم عليه، لكنه أن قورن الأمر بحكم اللَّه فلا وجه للمقارنة.

"يوم بشرٍ" أو "يوم إنسانٍ". كل يومٍ قبل يوم الرب يُحسب "يوم بشرٍ".

- واضح أن بولس لم يكن قلقًا من جهة نفسه إذ كان له ضمير نقي.

أمبروسياستر.

- يتهم بولس أهل كورنثوس بأمرين؛ الأول أنهم يبالغون في المديح, والثاني أنهم يحكمون على الآخرين عندما لا يجوز لهم ذلك.

ثيؤدورت أسقف قورش.

"فإني لست أشعر بشيء في ذاتي،.

لكنني لست بذلك مبررًا،.

ولكن الذي يحكم فيَّ هو الرب "[4].

إذ يُسلم الرسول نفسه بالكلية للَّه الموكل والمعين والديان، ولا ينشغل حتى بالحكم على نفسه، يحمل شعورًا مقدسًا في الرب. فمن جانب يتصاغر أمام عيني نفسه بروح التواضع، وفي نفس الوقت لا يعاني من الشعور بالذنب. ففي تواضع يعلن أنه ليس مبررًا، لأن ما يتمتع به من برَّ هو من فضل النعمة الإلهية.

ومن جهة أخرى يعلن عدم معاناته من الشعور بالذنب إذ يقول: "لست أشعر بشيء (من عدم الأمانة) في ذاتي". لا يعني أنه بلا خطأ، إنما الرب يحكم عليه خلال رحمته ونعمته الفائقة. يشعر بالتقصير مهما كان أمينًا لكن الرب يكمل ضعفاته ويبرره. فلماذا يحكم أهل كورنثوس عليه كمخطئ؟ كأنه يقول: "من جهتي لست أحسب نفسي شريرًا أو غير أمين في وكالتي". إذ له ضمير صالح، لن يشك في أن الله يبرره (رو 5: 1)، لكنه لا يحسب نفسه بلا ضعف. لكنه يحرص ألا يفقد إكليله في يوم الرب العظيم (1 كو 3: 14 - 15).

مع مقاومة حتى الذين خدمهم له، يبقى الرسول مملوء بروح الرجاء واليقين أن خدمة المسيح لن تفشل وخطة اللَّه حتمًا تتحقق!

- يعرف بولس أنه وإن كان قلبه لم يزل يميل إلى الخطية إلا أن أعماله مستقيمة.

العلامة أوريجينوس.

- ألا ترون أنه لا ينتفخ، بل بكل وسيلة يتواضع، وأنه بقي هكذا حتى بلغ إلى القمة.

القديس يوحنا ذهبي الفم.

2. عدم إدانة الخدام

"إذًا لا تحكموا في شيء قبل الوقت حتى يأتي الرب،.

الذي سينير خفايا الظلام ويظهر آراء القلوب،.

وحينئذ يكون المدح لكل واحدٍ من اللَّه "[5].

يطالب الرسول المهتم بخلاص نفسه وخلاص اخوته ووحدة الكنيسة أن توضع الأمور في نصابها. فمن جانب لا يستطيع أحد أن يحكم عليه، فلا يأتمن حتى قرار نفسه الداخلي لأن فحص القلوب هو من سلطان اللَّه وحده. ومن جانب آخر فإن اللَّه ترك الحكم إلى يومه العظيم وأيضا هو وحده القادر أن يمدح بتقديم المكافأة السماوية والمجد الذي لا يزول ولا يفسد! فلماذا نغتصب كرسي اللَّه بإدانة الآخرين؟ لنترك الحكم في يد القادر على إصدار الحق والعارف بخبايا القلوب، ولا نتعجل الزمن، فالوقت مقصر ويوم الرب قادم سريعًا، والمجد مُعد لنا! كأنه يقول: "إن كان اللَّه ينتظر حتى اليوم الأخير لكي يمدح السالكين بأمانة لينالوا مجدًا سماويًا، فلماذا تنشغلون بإدانة الخدام وتحكمون عليهم كمن يجد لذة في هلاك الآخرين؟".

نحن الآن ننظر ما هو من الخارج لكن لا يقدر أحد أن يدرك نية الغير ودوافعه، فلا يستطيع أن يحكم على أمانته. لذا يليق الانتظار حتى يحل يوم الرب فيكشف الداخل ويكون المدح من الله لا الناس (يع5: 7).

- إن كنت عاجزًا عن الحكم على نفسي، فكيف أدعى الحق في الحكم على الآخرين؟

ثيؤدورت أسقف قورش.

- سيحكم اللَّه في وقته المناسب. فإن القاضى يُهان متى ادعى خادم ونطق بحكم قبل معرفة قرار الحكم الذي للقاضي.

أمبروسياستر.

يحاول العدو أن ينحرف بنظر الكنيسة عن العريس الحقيقي إلى صديق العريس، تمجده في ذاته أو تذمه. والكنيسة من حيث هي عروس للعريس الواحد يسوع، ليس لها آخر سواه، ليس لها إلا أن يسيطر العريس وحبه والتفكير في مجيئه على أفكارها وعواطفها فيملأ قلبها وعقلها وحياتها من كل جانب. والعدو من حيث لا يطيق أن يرى نفسًا تنشغل بيسوع المسيح يعمل جاهدًا على الانحراف بنا عن العريس نحو آخر، ولو كان صديقًا للعريس فننشغل بالرعاة الصالحين بتمجيدهم في ذواتهم ومدحهم، دون أن تمجد اللَّه معطي البشرية هذا السلطان أو هذه الإمكانية. أما الأشرار فتدينهم وتنقدهم. وهكذا يتحول فكرها من حب العريس إلى الإدانة بالمدح أو الذم.

- إن حام بن نوح، جلب على نفسه اللعنة، لأنه ضحك عندما رأى عورة أبيه. أما اللذين سترا عورة أبيهما فقد نالا البركة.

القديس أمبروسيوس.

- من جهة الرعاة الصالحين يجب علينا ألا نضع رجاءنا فيهم بسبب أعمالهم الصالحة، إنما نمجد اللَّه أبانا السماوى الذي جعلهم صالحين هكذا. وأما الرعاة الأشرار الذين أشار إليهم الرب بالكتبة والفريسيين فقد أوصانا عنهم بأنهم يعملون بما هو صالح رغم أعمالهم الشريرة.

فبخصوص الرعاة الصالحين قال: "أنتم نور العالم. لا يمكن أن تخفى مدينة موضوعة على جبل ولا يوقدون سراجًا ويضعونه تحت المكيال بل على المنارة، فيضىء لجميع الذين في البيت. فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكى يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات" (مت 5: 14 - 16).

أما عن الرعاة الأشرار، فقد أوصى الرعية قائلاً: "على كرسى موسى جلس الكتبة والفريسيون فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه. ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا لأنهم يقولون ولا يفعلون" (مت23: 2 - 3).

يا قطيع المسيح، عندما تصغون حتى إلى المعلمين الأشرار، اسمعوا صوت يسوع، وبهذا تقتاتون في آمان، ولو كان الذين في مرعى الرب رعاة أشرارَا!...

أما بالنسبة لأولئك الذين يرونهم صالحين، فانهم لا يكتفون بسماع أقوالهم بل يقتدون بأعمالهم. ومن بين هؤلاء الرعاة كان الرسول القائل: "متمثلين بي كما أنا أيضًا بالمسيح" (1 كو11: 1). إنه نور استضاء بالنور السرمدى أي بالرب يسوع المسيح نفسه الموضوع على منارة متمجدًا على صليبه. أما عن الرسول نفسه فقد قال: "حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به قد صلب العالم لي وأنا للعالم" (غلا 6: 14). فلم يكن يطلب لنفسه شيئًا بل يطلب ما هو ليسوع المسيح لذلك بينما يطلب ممن ولدهم خلال الإنجيل أن يتمثلوا به (1كو4: 15)، نجده يعنف بشدة أولئك الذين سببوا انقسامات تحت أسماء الرسل، زاجرًا إياهم ".. ألعل بولس صلب لأجلكم؟! أم باسم بولس اعتمدتم؟!" (1 كو 1: 13).

فالرعاة الصالحون هم الذين لا يطلبون ما لذواتهم بل ما ليسوع المسيح، والقطيع الصالح هو الذي رغم تمثله برعاته الصالحين الذين بخدمتهم يجمعونه، لكنهم (المؤمنون) لا يضعون رجاءهم في رعاتهم بل في الرب، الذي خلصهم بدمه. حتى أنهم إن خضعوا لرعاة أشرار، يبشرون بتعاليم المسيح غير عاملين بها، فانهم يعملون بما يسمعون منهم لا بأعمالهم، دون أن يتركوا مراعي الكنيسة الواحدة بسبب الرعاة الأشرار. ففي الكنيسة الجامعة ستجد رعاة صالحين ورعاة أشرارًا.

- لكوني كنت جاهلاً بهذه الأمور، فقد هزأت بأبنائك وخدامك القديسين، ولكن لم أربح من وراء هذا سوى ازدرائك بي.

القديس أغسطينوس.

- أضف إلى ذلك، لو أعطى ملك هذا الشرف لأحد الخاضعين له، واهبًا إياه سلطانًا أن يسجن من يراهم يُسجنون ثم يطلق من يستحق أن يُطلق، فإن هذا الشخص يكون موضوع حسد واحترام كل الناس، فكم بالأحرى ذلك الذي نال من اللَّه هذا السلطان العظيم جدًا، بقدر سمو السماء عن الأرض، وعظمة الأنفس عن الأجساد، مع أن البعض يبدو لهم كما لو أنهم نالوا شيئًا قليل القيمة...

ليُنزع عنا مثل هذا الجنون!! لأن الازدراء بعملٍ عظيمٍ كهذا هو جنون مطبق لأن بغيره يستحيل الحصول على الخلاص أو نوال الأمور الصالحة التي وعدنا بها. فإن كان أحد لا يدخل إلى ملكوت السماوات ما لم يولد من الماء والروح، ومن لا يأكل جسد الرب ويشرب دمه يُستبعد من الحياة الأبدية، وهذه جميعها تتم على أيديهم المقدسة، أقصد أيدى الكهنة، فكيف يمكن لأحد بدونهم أن يهرب من نار جهنم أو يقدر أن يربح تلك الأكاليل المعدة للفائزين؟

القديس يوحنا الذهبي الفم.

لاحظ العلامة أوريجينوس أن الرسول بولس لم يقل: "يكون المدح والذم لكل واحد من اللَّه"، فإن اللَّه لا يود أن يذم أحدًا ولا أن يهلك أحدًا، بل أن يمدح ويمجد!

- لماذا يشير بولس فقط إلى المدح الذي من اللَّه, ولم يشر إلى شيء من الإدانة؟ يبدو لى أن السبب أن ما يستحق المديح يصل إلى أذني اللَّه, أما الأمور الأخرى فتعبر في سكون. بل ويمكنني أن أقول أكثر من هذا بأن اللَّه يتقبل الأمور المستحقة المديح, أما الأمور الأخرى فتعبر إلى إبليس.

العلامة أوريجينوس.

- اعترف أنني أخطئ كل يوم بخصوص هذا، فإنني لست أعرف متى وكيف ألاحظ حكم الكتاب المقدس: "الذين يخطئون وبّخهم أمام الجميع لكي يكون عند الباقين خوف" (1تي20: 5) والحكم: "اذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما" (مت15: 18)، وبين الحكم: "لا تحكموا في شيء قبل الوقت" [5]. فإنه لا يُعرف أحد من آخر بدقة كما يعرف الشخص نفسه. بل ولا يعرف الشخص حتى ذاته حتى يتأكد من سلوكه في الغد ماذا سيكون. لذلك فإنه بالرغم من أن كثيرين يُعرفون من ثمارهم، فالبعض يبهجون أقرباءهم بحياتهم الصالحة بينما يحزن الآخرون أقرباءهم بحياتهم الشريرة، إلا أن أذهان البشر غير مدركة وغير مستقرة، لذا فإنه من باب الحكمة العلوية أن يحثنا الرسول: "لا تحكموا في شيء قبل الوقت حتى يأتي الرب الذي سينير خفايا الظلام ويظهر آراء القلوب، وحينئذ يكون المدح لكل واحدٍ من اللَّه".

- كم تكون خطيتنا ضد الآخرين عندما نستخدم نفس الطريقة التي يستخدمونها عندما يوبخنا هؤلاء الذين يجدون خطأ في آرائنا فيشتهون أن يجرحوننا لا أن يصححوا خطأنا.

حقًا هذا يحدث بسبب العداوة المرة بين الأشخاص حتى بين المرتبطين ببعضهم البعض بعاطفة قوية وصداقة حميمة، عندما "يفتكروا فوق ما هو مكتوب كي لا ينتفخ أحد لأجل الواحد على الآخر" [6]. وبينما يعض الواحد الآخر ويفترسه يلزم أن نخاف لئلا يهلك الواحد الآخر (غلا 15: 5).

القديس أغسطينوس.

واضح أن حديثه هنا عن "خفايا الظلام" لا يعني أعمال الظلمة أو الليل، أو ما كان يمارسه البعض خفية في هياكل الأوثان ليلاً، وإنما يقصد الأمور السرية، أي نيات القلب ودوافعه وأسراره وخططه التي تبدو كما في مكان خفي مظلم، فلا تقدر الأعين البشرية أن تعاينها. تبقي هذه جميعها مخفية حتى يكشفها الديان القدير في يوم الرب العظيم. لا يعني هنا أعمال الظلمة الشريرة، إنما كل النيات الصالحة أو الفاسدة المخفية عن أعين البشر، والتي يكشفها يوم الرب العظيم.

"فهذا أيها الاخوة حولته تشبيهًا إلى نفسي وإلى أبلوس من أجلكم،.

لكي تتعلموا فينا أن لا تفتكروا فوق ما هو مكتوب.

كي لا ينتفخ أحد لأجل الواحد على الآخر "[6].

جاءت الكلمة اليونانية المترجمة تشبيهًا تعني تغيير شيء بآخر أو تحويل شيء إلى آخر ليكون رمزًا له.

لقد أشار الرسول بولس إلى نفسه وإلى أبلوس في تشبيه حتى يخفي أسماء المتهمين الكورنثوسيين الحقيقية لكي يمنع استياء الناس إليهم حتى يرجعوا ويتوبوا.

الاثنان كخادمين أمينين للمسيح يحملان ذات الفكر. فلا يحسبوا هذه الرسالة شخصية منه إنما تحمل فكر الإنجيل الذي يكرز هو به ويكرز به أبلوس أيضًا.

ماذا يتعلمون منهما؟

يليق بهم أن يروا خطة القديسين بولس وأبلوس وعمل اللَّه في حياتهما وخدمتهما، كيف عملا بكل طاقتهما بروح الحب والتواضع والانسجام معًا، دون أن يطلب أحدهما أن يكون رئيسًا للكنيسة، ولا سببا انشقاقًا. لهذا لاق بالخدام والشعب في كورنثوس عوض أن يقيموا فرقًا تحت اسميهما أن يسلكوا بروحهما.

3. عدم كبرياء الخدام

بعد أن تحدث الرسول عن التزام الشخص بعدم إدانة خدام المسيح ووكلاء أسرار اللَّه كشف لهم عن مرارة نفسه من جهة ما أصاب بعض الخدام من كبرياء.

يسألهم ما هو أساس كبريائهم؟ ما هو الذي يميز المؤمن عن أخيه أو حتى عن غير المؤمن؟ فإن كل ما يتمتع به هو عطية إلهية. فمن الغباء والجهالة أن ينسب المعلم أو المؤمن ما قد ناله كأنه من قدرته، بل يليق به أن يسبح اللَّه قائلاً: "ليس لنا يارب، ليس لنا، لكن لاسمك أعطِ مجدًا، من أجل رحمتك، من أجل أمانتك" (مز 115: 1).

"لأنه من يميزك؟

وأي شيء لك لم تأخذه؟

وإن كنت قد أخذت فلماذا تفتخر كأنك لم تأخذ؟ "[7].

هنا يوجه الرسول حديثه إلى بعض المعلمين الذين نالوا مواهب معينة ككلمة الوعظ أو المعرفة الخاصة بإنجيل المسيح. فهو يسألهم لماذا يفتخرون بما وهبهم اللَّه، ألم يقدمها اللَّه لهم لكي يحملوا روح التواضع لا الكبرياء؟

إن كان اللَّه قد ميز البعض بمواهب معينة فهي هبات مجانية مقدمة لا عن استحقاق الشخص ولا من أجل جهاده الشخصي ومهارته وسعيه بل من أجل بنيان الجماعة المقدسة. لهذا يليق بالمعلم الموهوب أن يشكر اللَّه الذي ميزه بمواهب معينة فلا يرد العطية بالعجرفة والجحود بل بروح الشكر في تواضعٍ.

- لا يمكن بإرادة أي إنسان أو رغبته مهما كانت غيرته واشتياقه للفضيلة أن يصل إلى مكافأة الكمال وشرف الطهارة المستقيمة، وإن تكون هذه الإرادة كافية، طالما هو مُحاط بالجسد الذي يحارب الروح ما لم تسنده مراحم اللَّه.

ولكي يدرك رغبته العظيمة التي يسعى إليها عليه أن يدرك "أن كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق نازلة من عند أبي الأنوار" (يع17: 1)، "لأنه من يميزك وأي شئ لك لم تأخذه، وإن كنت قد أخذت، فلماذا تفتخر كأنك لم تأخذ؟!" (1كو7: 4).

القديس يوحنا كاسيان.

- ما كنا نصلي لكي لا ندخل في تجربة لو كانت إرادتنا فيها الكفاية لحمايتنا... لذلك تُقدم لنا الإرادة عندما نصير حكماء بعطيته (الإلهية)، لكن يلزمنا أن نصلي لكي نصير قادرين على تحقيق ما نريده. في الواقع إذ تبدأ في ممارسة هذه الحكمة الحقيقية تجد مجالاً لتشكر: "أي شيء لك لم تأخذه؟ وإن كنت قد أخذت فلماذا تفتخر كأنك لم تأخذ؟" [7]، إي إن كنت قادرًا أن تأخذ من عندك. إذ تعلم من أين أخذت هذه اسأل ذاك الذي بعطيته بدأت أن تنال حتى تصير العطية كاملة.

القديس أغسطينوس.

يدفعهم الرسول بولس إلى التواضع بطريقة لطيفة، فإنهم يظنون أنهم مكتفين وملوك وحكماء أفضل من الرسل.

"إنكم قد شبعتم،.

قد استغنيتم،.

ملكتم بدوننا،.

وليتكم ملكتم لنملك نحن أيضًا معكم "[8].

الشبع هنا يشير إلى الشبع من الطعام خاصة في الاحتفالات والأعياد. فقد ظنوا أن سعادتهم وغناهم في الفلسفات الزمنية والحكمة الزمنية أو في المواهب الروحية التي أعطيت لهم (1 كو 14: 26)، فصاروا أغنياء وملوكًا، يتمتعون بأمور كثيرة، في كرامة ومجدٍ. فحسبوا بروح الكبرياء أنهم ليسوا في عوز إلي أحد.

يشتهي بولس الرسول أن يملكوا بالحق، فإنهم إذ يبلغوا الملكوت يصيرون إكليل فرحه في حضرة ربنا يسوع (1 تس 2: 19).

4. متاعب الخدمة

إذ وبخهم الرسول علي كبريائهم وتشامخهم بدأ يكشف لهم عما يحتمله الرسل وخدام المسيح الحقيقيين من أجلهم.

"فإني أرى أن اللَّه أبرزنا نحن الرسل آخرين،.

كأننا محكوم علينا بالموت،.

لأننا صرنا منظرًا للعالم، للملائكة والناس "[9].

اقتبس الرسول هذا الأمر مما كان يحدث في المسارح الدموية الرومانية حيث كان المجرمون المحكوم عليهم بالموت يُقدمون إلى الساحة ليصارعوا مع الوحوش المفترسة أو ليُقاتلوا بعضهم البعض. وكان الشخص الغالب لا ينجو من الموت إذ يدخل مع معركة ثانية وثالثة حتى ينتهي مصيره بسفك دمه.

وكانوا أحيانًا يُلزمون بدخول الساحة عراة ليسخر الكل منهم، ويجد الكل مسرتهم في ما يعانوه من جراحات قاتلة. إذ كان الأباطرة الرومان يلقون المجرمين في الساحة كنوع من الترفيه عن الشعب الذي يجد لذته في هذه العروض العنيفة.

وصف سنيكا هذه المشاهد في رسالته السابقة بأنها كانت مجازر، وأن الذين كانوا يلقون للوحوش المفترسة الجائعة في الصباح يُحسبون أنهم يُعاملون بالرحمة والشفقة عن الذين يتركون إلى الظهيرة ليقاتل المحكوم عليهم بالموت بعضهم البعض.

حُسب الرسل كسيدهم ليسوا أهلاً أن يعيشوًا كمن حُكم عليهم بالموت لكي يتخلص العالم منهم. يرى البعض أن الرسول بولس يكتب هذا وفي ذهنه عادة عامة بين كثير من الدول الوثنية أن يقدموا ذبائح بشرية في وقت الكوارث الخطيرة وحلول الأوبئة. غالبًا ما يختاروا أشر الأشخاص وأدناهم في المركز الاجتماعي وأسوأهم خلقًا. هذا وكان البعض في العصور الأولى يتطلعون إلى المسيحيين كمصدر غضب الآلهة وعلة حدوث الكوارث الطبيعية أو الهزيمة أمام الأعداء، فكانت الجماهير تثور عليهم وتلقي القبض عليهم وتقدمهم ذبائح للآلهة كي يرفعوا غضبهم عنهم. كانوا يحسبونهم كأقذار العالم ووسخ كل شيء، ينبغي الخلاص منهم تمامًا. إنهم لا يستحقون الحياة.

يرى البعض أنه يقصد هنا "الملائكة الأشرار" حيث يجد إبليس وملائكته لذتهم في السخرية بالمؤمنين وتعذيبهم.

ولعل الرسول يعلن هنا بأن البشر جميعًا، حتى غير المؤمنين، لا يقدروا أن ينكروا طول أناة الرسل وقبولهم حكم الموت بفرحٍ، بل وتدهش الملائكة لعمل نعمة اللَّه فيهم.

يسمح السيد المسيح لتلاميذه ورسله أن يعانوا هذه المتاعب لكي يصيروا منظرًا للناس والملائكة، حيث تتجلى أمانتهم وتُعلن نعمة اللَّه التي تهبهم قوة واحتمالاً وتدخل بهم إلى الأمجاد السماوية.

- كان بولس أهلاً أن يكون منظرًا للملائكة إذ جاهد لينال مكافأة المسيح, فقد صارع ليقيم حياة الملائكة على الأرض, وأن ينزع شر الملائكة في السماء, إذ صارع مع الشر الروحي. بحق كان العالم يتطلع إليه ليقتفي آثاره.

القديس أمبروسيوس.

- كانت الملائكة تتعجب لاحتمال الرسل. أما بالنسبة للبشر فالبعض يفرحون بأحزان الرسل, بينما آخرون يشفقون عليهم ولكن ليس لهم ما يقدمونه من عون لهم.

ثيؤدورت أسقف قورش.

"نحن جهال من أجل المسيح، وأما أنتم فحكماء في المسيح.

نحن ضعفاء، وأما أنتم فأقوياء.

أنتم مكرمون، وأما نحن فبلا كرامة "[10].

 واضح أن ما قيل هو أن بولس ورفقاءه كانوا ضعفاء بينما كان الكورنثوسيون أقوياء.

سفيريان أسقف جبالة.

يحدثهم الرسول بنوعٍ من التوبيخ الهادئ إذ لم يكن بولس الرسول جاهلاً ولا ضعيفًا ولا بلا كرامة، وهم ليسوا حكماء ولا أقوياء ولا مكرمين، هذه وجهة نظرهم من نحوه ونحوهم. إنه لا يعترض علي ذلك ولا يثور علي اتهاماتهم ضده وضد سائر الرسل، وإنما يقبل هذا "من أجل المسيح".

بقوله: "أنتم حكماء في المسيح" تعني أنه من أجل المسيح يراهم الرسول حكماء أو في طريقهم لنوال الحكمة الروحية.

- الذين يحبون المسيح هم جهلاء كما يحسبهم العالم.

أمبروسياستر.

"إلى هذه الساعة نجوع ونعطش ونُعرى ونُلكم وليس لنا إقامة" [11].

يستعرض الرسول بولس متاعبه هو والعاملين معه فإنه "إلي هذه الساعة" , أي بعد خدمتهم بينهم وبين كنائس كثيرة لا يزالوا يجوعون ويعطشون ويتعرون ويلكمون كعبيدٍ (1 بط 2: 20)، ليس لهم مكان إقامة يستقرون فيه، ويعملون بأيديهم لأجل احتياجاتهم اليومية بالرغم من التزاماتهم ومسئولياتهم العظيمة التي في أعماقهم نحو العالم. يالها ما صورة مؤلمة لرسل ملك الملوك الذين يحتاجون إلى أكل وشرب وملبس ومكان يستقرون فيه فلا يجدون! لكنهم لم يبلغوا بعد الفقر الذي للسيد المسيح الذي ليس له أن يسند رأسه (لو 9: 58؛ مت 8: 20).

تبدو هذه الصورة لخدام المسيح الحقيقيين قاتمة للغاية، فمن أجل الخدمة ليس فقط يتهموا بالجهل والضعف ويصيبهم الهوان [10]، وإنما يعانون من الجوع والعطش والعري واللكم والتشريد. لكن هذه الصورة تصير بهية للغاية إن أدرك الخادم أن ما حلّ به لا يقُارن بما حلّ بسيده، الذي لم يكن له موضع يسند فيه رأسه (لو 9: 58). إنه يشاركه جوعه وعطشه وعريه علي الصليب وآلام الصلب والرفض حتى من خاصته! الحب يحول الآلام والأتعاب إلى شركة مجد مع المصلوب!

بقوله "إلى هذه الساعة" يؤكد الرسول أن الآلام والضيقات ليست عارضة ولا أحداث ماضية لكنها مستمرة خلال الخدمة، هي جزء لا يتجزأ من العمل الرسولي. وهي ليست خاصة بشخصٍ معين، بل بكل الرسل والخدام، إذ يتحدث الرسول بصيغة الجمع.

بكامل حرية إرادتهم يود الرسل أن يشاركوا سيدهم آلامه فيصومون حتى يجوعوا ويعطشوا، أما أنهم يتعروا فتحمل معنى تحركهم المستمر حتى تبلى ثيابهم ولا يجدوا مالاً يشترون به ثيابًا جديدة.

لم يخجل بولس الرسول من الوقوف أمام ملوك وولاة بثياب بالية, لأنها تبلى بسبب خدمة سيده.

لم تمنعه ثيابه البالية من الدخول إلى بيت الرب والوقوف أمام اللَّه للعبادة. إنها في عيني اللَّه مجد وكرامة لبولس!

لا يخجل الرسول من القول بأن "ليس لنا إقامة" يُطردون من موضع إلى آخر ويجولون بلا موضع استقرار. ليس له عائلة مستقرة تعطيه شيئًا من التعزية خلال السلام الأسري.

بينما يظن الكورنثوسيون أنفسهم ملوكًا [8] إذ به يُلكم، أي يُعامل كعبدٍ مرذولٍ (ا بط 2: 20)، فقد لُكم سيده وهو في طريقه إلى الموت كعبدٍ (مت26: 67).

"ونتعب عاملين بأيدينا،.

نُشتم فنبارك،.

نُضطهد فنحتمل "[12].

يالها من صورة رقيقة عجيبة، فإن الإنسان بطبعه، بعد السقوط، متعجرف يود أن ينتقم لنفسه، فيرد الشتيمة بشتيمة، مدافعًا عن كرامته وعن مصالحه. إنها نعمة اللَّه هي التي تفتح قلب المؤمن كي لا يقاوم المسيئين إليه بل يحبهم، مباركًا لاعنيه، مقدمًا خيرًا لمن يضايقونه.

يعلنون عمليًا عن فكر مخلصهم الذي قابل شر البشرية بالحب وطول الأناة. إنها نعمة اللَّه القادرة وحدها أن تهبهم الشركة في سمات السيد المسيح.

- إن حفظنا وصايا المسيح، إن احتملنا مضرات، إن سمحنا بأن نُحرم من المكاسب، إن شُتمنا نبارك، إن اضطهدنا نفعل صلاحًا؛ إن كانت هذه هي الممارسة العامة بيننا فليته لا يكون أحد متوحشًا كمن لم يتغير إلى الصلاح. بإظهار هذا، فإن بولس كان رجلاً واحدًا لكنه كم من الناس جذبهم ليكونوا مثله؟!

- يأخذ المسيحيون موقفًا مناقضًا من أجل المغفرة للآخرين ونسيان تعدياتهم. فقد قيل: "نُُشتم فنبارك، نُضطهد فنحتمل". اسمع إسطفانوس يقول: "يا رب لا تقم لهم هذه الخطية" (أع 6: 6).

القديس يوحنا ذهبي الفم.

- "سمعتم أنه قيل: تحبُّ قريبك وتبغض عَدُوَّك. وأما أنا فأقول لكم أَحِبُّوا أعداءَكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مُبغِضيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئُون إليكم ويطردونكم. لكي تكونوا أبناءَ أبيكم الذي في السموات... فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل".

ولكن من أين لنا القدرة على احتمال كل تلك الأضرار السابق الإشارة إليها، إلا إذا كنا قد نفذنا أوامر السيد المسيح بمحبتنا لأعدائنا ومضطهدينا؟

فإن كمال الرحمة والمحبة والاحتمال لا يمكن أن يمتد إلى أكثر من الأعداء. لذلك اختتم رب المجد ذلك بقوله: "فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل؟" على أنه ينبغي أن نذكر أن كمال اللَّه يختلف عن كمال نفوسنا كبشر...

القديس أغسطينوس.

"يُفترى علينا فنعظ.

صرنا كأقذار العالم،.

ووسخ كل شيء إلى الآن "[13].

جاءت الكلمة اليونانية المترجمة "يُفتري" بمعنى يُجدف علينا. يُفترى علي اللَّه حين يُجدف عليه بإنكار وجوده ومقاومة الإيمان به أو الإساءة إلى سماته وعنايته الإلهية ونعمته ومقاومة تعاليمه ووصاياه؛ حينما يحتقر الشخص هذه الأمور أو ينكرها أو يقاومها. ويُجدف علي الإنسان حين يؤذيه أحد في شخصه أو كرامته أو سلوكه أو ممتلكاته.

لكي نفهم هذه العبارة يليق بنا أن نعرف بعض العادات التي كانت تسود العالم الوثني. عندما كانت تحل كارثة عامة كانت الجماهير تختار بعض الأشخاص المرذولين والبائسين والأدنياء في أعينهم الذين يقوم المجتمع بإعالتهم طول السنة، ويقودونهم بعد وضع أكاليل من الورود علي رؤوسهم ليقدموهم ذبائح كفارية لإرضاء الآلهة. يلقون باللعنات التي للبلد كلها علي رؤوسهم ثم يجلدونهم سبع مرات، ويحرقونهم أحياء، ويأخذون الرماد ليلقونه في البحر بينما تقول الجماهير: "كونوا كفارة عنا".

هكذا يري الرسول بولس أن رسل السيد المسيح الذين هو كفارة عن العالم كله، يُعاملون كمن حُكم عليهم بأنهم لا يصلحون لشيء سوي أن يكونوا ذبائح كفارية للشياطين وذلك من أجل السلام والصالح العام.

كلمتا "أقذار" و "وسخ" في اليونانية تشيران إلى تقديم ذبيحة خلاصية للتطهير. كما تشيران إلى الزبالة التي تجمع من البيت وتُلقي فيصير البيت نظيفا. في مثل هذه الحالات يُلقي الشخص في البحر مثل الذبيحة. يقول العلامة أوريجينوس أن ربنا في تقديم ذاته كفارة عن خطايانا كان أكثر من تلاميذه الذين هم ذبيحة تطهير للعالم، وذبيحة معينة عن كل البشر.

كأن الرسول يعني أنه هو وزملاءه كانوا يعاملون ككائنات بائسة حُكم عليهم ألا يصلحوا في شيء إلا أن يكونوا ذبائح بشرية لاسترضاء الآلهة من أجل سلام الآخرين وخلاصهم.

بقوله: "أقذار العالم" يعني هنا أنه يُنظر إليهم أنه لا يوجد في العالم من هم أكثر منهم خسة وحقارة ليتخلص منهم.

بعد أن أبرز ما يلحق بهم هو وزملاءه من إهانات حتى حُسبوا كأقذار العالم ووسخ كل شيء يجب الخلاص منهم لأجل تطهير العالم منهم، يتحدث معهم بلغة الحب واللطف. إنه أب وليس رئيسًا، إذ ينذر إنما في حب أبوي وحنو. أبوته تلزمه أن ينذرهم ليخجلهم ويصلح من شأنهم.

"ليس لكي أخجلكم أكتب بهذا.

بل كأولادي الأحباء أنذركم "[14].

كأنه يقول: "لست أكتب إليكم كمن يبحث عن خطأ ضدكم، ولا كمن يطلب منكم حتى الاحتياجات الضرورية للحياة" (1 كو9: 15)، بل كأبٍ يبحث عن بذل ذاته لأجل أبنائه المحبوبين لديه جدًا.

لست أكتب إليكم لكي أخجلكم متي قارنتم أتعابكم بأتعابي. هذا ليس هو هدفي أن أخجلكم فأظهر كمن غلبكم وأفحمكم. إني أب، لن أقبل أن تكونوا في عارٍ أو خزيٍ.

- يعمل بولس هنا كطبيبٍ صالحٍ يهدئ من الألم الذي تسبب من العملية التي قام بها ليزيل المر, حتى يُشفي المريض.

أمبروسياستر.

5. أبوة الرسول

"لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح لكن ليس آباء كثيرون،.

لأني أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل "[15].

كأبٍ يكتب إليهم لا لتوبيخهم أو إبراز أخطائهم كأعداءٍ له، بلا خلال أحشائه الأبوية يطلب بنيانهم. يشتهي إصلاحهم وتقديسهم لا دينونتهم والحكم عليهم.

إذ ينذرهم يميز بينهم وبين خطاياهم، يحبهم كأولاد له، ولا يطيق خطاياهم إذ يطلب تقديسهم في الرب.

يميز الرسول بين المعلمين والأب، فهم محتاجون إلي معلمين يرشدوهم ويدربوهم علي الحق، لكنهم لم يبلغوا أحشاء الأب الذي ولدهم في الإنجيل فحملهم إلى البنوة للَّه. هو وضع الأساس إذ أنشأ الكنيسة هناك وآخرون أقاموا البناء عليه.

كأنه يصرخ إليهم أن يدخلوا إلي أحشائه ليجدوا فيها دفء الحب الفائق في المسيح يسوع. يحمل أبوة روحية لهم إذ قبلوا الإيمان بالمسيح علي يديه خلال كرازته. لقد وضع الأساس الإنجيلي ويأتي من بعده من يكمل البناء فيكون هو كمن ولدهم والآخرون يرشدونهم.

كلمة "المرشدون" هنا تشير إلى المدربين الذين يقودون الأطفال إلى المدرسة ويراعون سلوكهم أثناء المدرسة حتى يهذبون حياتهم. كما تحمل معنى المعلمين بصفة عامة الذين يقدمون تعاليم للتلاميذ من أي نوع.

وما هي المدرسة؟ "في المسيح"، فهم مرشدون روحيون يدخلون بهم إلى المعلم الحقيقي والمهذب الإلهي القادر وحده بروحه القدوس أن يجدد أعماقهم.

بقوله: "ربوات من المرشدين" واضح كثرة عدد الخدام والمعلمين في كورنثوس.

يكشف لنا القديس يوحنا الذهبي الفم عن مفهوم الأبوة الروحية للخادم في صورة رائعة، سبق أن اقتبست منها بعض عبارات تعبر عن خبرته الحية العجيبة.

- ليس أحب إليّ أكثر منكم،.

لا، ولا حتى النور! إني أود أن أقدم بكل سرور عيني ربوات المرات وأكثر، إن أمكن، من أجل رجوع نفوسكم!

عزيز عليّ جدًا خلاصكم، أكثر من النور نفسه...

لأنه ماذا تفيدني أشعة الشمس إن أظلم الحزن عينيّ بسببكم؟...

أي رجاء يكون لي إن كنتم لا تتقدمون؟

وعلى العكس أي يأس يقدر أن يحل بي مادمتم نامين؟ فإنني إذ أسمع عنكم أخبارًا مفرحة أبدو كمن صار له أجنحة... تمموا فرحي...

إني أحبكم، حتى أذوب فيكم، وتكونون ليّ كل شيء، أبي وأمي واخوتي وأولادي.

القديس يوحنا الذهبي الفم.

ويحدثنا القديس يوحنا الذهبي الفم عن أبوة الرسول بولس العملية لكل البشرية فيقول في عظاته في مدح الرسول:

[لقد رأيتم إنسانًا جاب الأرض كلها، لأن طموحه وهدفه هما أن يقود كل إنسانٍ إلى اللَّه. وقد حقق بكل ما ادخره من قوة هذا الطموح، وكأن العالم كله قد صاروا أبناءه، لهذا كان على عجلة من أمره.

كان دائم التجوال، كان دائم الحماس لدعوة كل البشرية لملكوت السموات، مقدمًا الرعاية والنصح والوعود والصلاة والمعونة وانتهار الشياطين، طاردًا الأرواح المصرة على التحطيم.

استخدم إمكانيته الشخصية ومظهره والرسائل والوعظ والأعمال والتلاميذ وإقامة الساقطين بجهده الشخصي. فكان يسند المجاهدين ليثبتوا في جهادهم، ويقيم كل من طُرح ساقطًا على الأرض. كان يرشد التائبين ويعزي المتألمين ويحذر المعتدين، ويراقب بشدة المقاومين والمعارضين. شارك القائد والطبيب الشافي في الصراع، فمدّ يد المعونة ليهاجم أو يدافع أو يرشد حسب الحاجة في ساحة العمل، فكان كل شيءٍ للمنشغلين بالصراع.].

- الأب هو ذاك الذي غرس بذرة الإنجيل في نفوسهم. المرشدون هم الذين أخذوا الطفل بعد ولادته وأعانوه لكي ينمو.

العلامة أوريجينوس.

- يخبر بولس الكورنثوسيين بأنه ليس أحد غيره سيحبهم مثله.

أمبروسياستر.

- إذ لا يطلب ما لنفسه، بل مما ليسوع المسيح، وهو يحث الذين ولدوا بالإنجيل أن يتمثلوا به ومع هذا فإنه يوبخ بعنف الذين يسببون انشقاقات تحت أسماء الرسل، ويوبخ الذين يقولون: "أنا لبولس، هل صُلب بولس لأجلكم؟ أو هل اعتمدتم باسم بولس؟" (12: 1، 13).

القديس أغسطينوس.

تتحقق بنوتنا للَّه خلال عمل الثالوث القدوس، فالروح القدس يهبنا البنوة إذ يربطنا بالابن الوحيد الجنس ويُقيم منا أعضاء جسده. والكلمة نزل إلينا ليسكن فينا ونحن فيه فنتمتع بالبنوة خلاله، أما الآب فمسرته أن يحقق الخلاص بابنه الوحيد الجنس لنتأهل للبنوة له.

- الآن قد تسلمنا في الإنجيل الثلاثة أقانيم والثلاثة أسماء خلالهم يتحقق الميلاد الجديد أو تجديد المؤمنين. من يولد من هذا الثالوث يولد من الآب والابن والروح القدس. فيتحدث الإنجيل عن الروح أن "المولود من الروح روح هو"، ويلد بولس "في المسيح"، والآب هو "أب الجميع".

- يعلن في أقوال اللَّه في أية مناسبة يكون الحبل والميلاد أمرًا صالحًا، وأي أنواع من الولادات الكثيرة يشتهيها قديسو اللَّه. فإن كلا من إشعياء النبي والرسول الإلهي أوضحا ذلك وأكّداه. صرخ أحدهما: "بخوفك يا رب أنا حبلت". والآخر يفتخر أنه صار والدًا لأضخم أسرة، إذ أنجب مدنًا بأسرها وأممًا، ليس فقط الكورنثوسيين الذين شكّلهم للرب بالآلام، بل الكل في دائرة أورشليم حتى إلليريكيون (رو 15: 19)، فقد ملأ أبناؤه العالم، مولودين بواسطته في المسيح خلال الإنجيل.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص.

يذكر آدم كلارك أنه جاء عن الحاخام شيموث أن فتاة فقدت والديها فقام الوصي بتربيتها وكان رجلاً أمينًا ومخلصًا. وإذ بلغت الفتاة سن الزواج أراد أن يُظهر حبه لها فتقدم لزواجها. إذ بدأ الكاتب يسجل عقد الزواج سأل الفتاة عن اسمها فأجابته. عاد يسألها عن اسم والدها فصمتت طويلاً حتى دُهش الكل. تطلع إليها الوصي وقال لها: "لماذا تصمتين؟" أجابت الفتاة: "لأني لا أعرف لي أبًا سواك، لأن من يهذب طفلاً في حياة صالحة هو أفضل من الأب الذي ولده". ربما كانت هذه هي مشاعر الرسول بولس الذي اهتم بتربية مخدوميه في المسيح بعد أن قدم لهم الإنجيل ونالوا الولادة الجديدة في المعمودية.

"فأطلب إليكم أن تكونوا متمثلين بي" [16].

يسألهم أن يتمثلوا به كما هو بالمسيح (1 كو 11: 1).: انه يقول: "إني تلميذ المسيح، أريدكم كأبناء لي لا أن تكونوا تلاميذي بل تلاميذ المسيح نفسه الأمناء. بكل أمانة قد جلس في السماويات ويسلك نحو السماء". إنه يسألهم أن يتمثلوا به فيحملوا معه ذات الخبرة، ويسلكوا نفس الطريق.

هنا لم يطلب الرسول بولس من الخدام والشعب أن يطيعوا وصاياه بل كأطفال يقلدون أباهم عمليًا ويحملون روحه. حقًا كثيرًا ما نجد من يقدم تعاليم ووصايا لكن قليلين هم الذين يقدمون حياتهم عظة عملية للمخدومين.

يرى ثيؤدرت أسقف قورش أن الرسول هنا يدعوهم للاقتداء به في تواضعه واحتماله الآلام فيجدوا مجدهم في قبولهم المصاعب بفرحٍ لا في نوالهم مواهب معينة.

- يقول بولس للكورنثوسيين: "تواضعوا كما أنا متواضع. احتملوا الآلام كما أتألم أنا. فإنكم ستكافئون لا على مواهبكم بل على آلامكم".

العلامة أوريجينوس.

- يود بولس أن يكونوا مقتدين به في تلك الأمور, كما احتمل مصاعب من غير المؤمنين لأجل خلاصهم ولا يزال يحتمل ما دام يكرز بعطية نعمة اللَّه المجانية ليلاً ونهارًا, حتى يبقوا في إيمانه وتعليمه ولا يقبلوا التعاليم الشريرة التي للرسل الكذبة.

أمبروسياستر.

6. إرساله تيموثاوس

يوبخ الرسول أولئك الذين أشاعوا بأنه لم يرد أن يزورهم بل اكتفي بإرسال الشاب تيموثاوس استهانة بهم.

"لذلك أرسلت إليكم تيموثاوس الذي هو ابني الحبيب والأمين في الرب،.

الذي يذكركم بطرقي في المسيح.

كما أعلِّم في كل مكان في كل كنيسة "[17].

أرسل إليهم تلميذه الشاب تيموثاوس ليس استخفافًا بهم لكنه هو الابن الحبيب والابن في الرب، قادر أن يذكرهم بكلمات الرسول وسلوكه العملي في الرب. دعاه ابنه لأنه قبل الإيمان بالسيد المسيح علي يديه (أع 14: 6 - 7).

ما يقدمه القديس تيموثاوس ليس بالأمر الجديد إنما يجدد أذهانهم ليتذكروا ما سمعوه وما رأوه في الرسول بولس. هذا وأن ما كرز به الرسول في كورنثوس هو بعينه قدمه في كل مكان: الحق الإنجيلي الواحد. فإن الإنجيل هو طريق كل عصر ويناسب كل إنسانٍ، فالسيد المسيح هو هو أمسًا واليوم وإلي الأبد (عب13: 8).

لم يقل أنه يعلمكم لئلا يتضايقوا بسبب صغر سنه إنما يذكرهم بما علمهم به الرسول بولس.

- بقوله: "طرقي في المسيح" يعني بولس أعماله الصالحة التي أخذت شكلاً ثابتًا. إنه يخبر الكورنثوسيين أن يتذكروها, فإنها تحمل شهادة ذاتية ولا تحتاج إلى من يعلم بها.

العلامة أوريجينوس.

- حقًا إن محبته له (لتيموثاوس) واضحة في كل موضع (1 كو 17: 4؛ 1 كو 10: 16 - 11؛ عب 23: 13).

القديس يوحنا الذهبي الفم.

7. وعده بزيارتهم

"فانتفخ قوم كأني لست آتيًا إليكم" [18].

- كان بعض الكورنثوسيين غاضبين لأن بولس لم يأتِ إليهم, ليس لأنهم كانوا يريدونه، وإنما لأنهم كانوا متكبرين، وكانوا يظنون أن بولس يحسبهم غير أهلٍ لزيارته لهم. في الواقع كان بولس يود أن يذهب لكنه كان مشغولاً بأعمال أهم.

أمبروسياستر.

"ولكني سآتي إليكم سريعًا إن شاء الرب،.

فسأعرف ليس كلام الذين انتفخوا بل قوتهم "[19].

يتحدث هنا عن بعض المعلمين الذين ظنوا في أنفسهم شيئًا، فسلكوا بروح العجرفة، وأشاعوا بأن بولس يحتقرهم ويرفض زيارتهم.

في خطته أن يذهب إليهم لكنه لن يجزم بذلك، لأنه أداة في يد الرب الذي يقوده حسب مشيئته. أخبرهم ماذا سيفعل عندما سيأتي إليهم. إنه لا يدخل مع المتعجرفين المقاومين له في حوار، لكن حضوره سيكون إجابة وافية مقنعة وقوية ضد افتراءاتهم عليه. من جهة يعدهم الرسول بالزيارة لكى يتهيأوا باصلاح أمورهم في الرب, وفي نفس الوقت يؤكد أنه لا يتحرك بدون مشيئة اللَّه.

- ليس الكلام اللطيف هو الذين يعلن عن حضرة ملكوت اللَّه بل القوة. متى وجدت قوة في الكلمات يكون الملكوت حاضرًا فيها.

العلامة أوريجينوس.

- يقدم بولس وعده بأنه سيأتي بارادة اللَّه, لأن اللَّه يعرف أكثر من الإنسان. إن كان هناك نفع لزيارة بولس لكورنثوس فسيكشف اللَّه عن ذلك. أما إذا لم يتحقق ذلك فليعلم الكورنثوسيون أن اللَّه لا يشاء هذا.

أمبروسياستر.

"لأن ملكوت اللَّه ليس بكلامٍ بل بقوةٍ" [20].

ملكوت اللَّه هو تمتع بالحياة المُقامة في المسيح يسوع، والتي تحول المؤمن كما إلي كائنٍ سماوي، يحمل روح القوة.

- إننا نصير متساوين مع الملائكة. يٌقدم لنا الملكوت فنُحسب متحدين مع المسيح. إننا نعلم أننا بدون الفضيلة نصير أدنى من الحيوانات العاقلة، لذا يليق بنا أن نتدرب أن نكون بشرًا، لا بل بالأحرى نكون ملائكة، لكي ننعم بالبركات الموعود بها خلال نعمة ومحبة بنا يسوع المسيح.

- يمكننا إن أردنا وبمعونة نعمة اللَّه العاملة فينا أن ننافس بأرواحنا الأرواح السماوية، بل وقد نفوقها.

القديس يوحنا ذهبي الفم.

- لا تكفي الكرازة بملكوت اللَّه للخلاص, إنما يليق بالشخص أن يسلك الطريق اللائق بالملكوت.

ثيؤدورت أسقف قورش.

- يليق بنا ألا نخدع أنفسنا بالأمان الكاذب, ظانين أن الإيمان دون التجاوب معه بأعمال صالحة يمكن أن يخلصنا في يوم الدينونة.

قيصريوس أسقف آرل.

"ماذا تريدون؟

أبعصا آتي إليكم أم بالمحبة وروح الوداعة؟ "[21].

ما هي العصا التي لا يريد الرسول بولس أن يستخدمها سوي سلطانه الرسولي للتأديب، لقد قدم لهم حق الخيار بين استخدامه السلطان الرسولي الأبوي أن أصروا علي العناد والمقاومة، أو استخدام روح اللطف والحنو إن أظهروا توبة ورجوعًا إلى الحق. بالنسبة له فهو يفضل الاختيار الأخير لا الأول، لكن الأمر بين يديهم، وهم أصحاب القرار الأخير.

في قصتي حنانيا وسفيرة وعليم الساحر وغيرهم واضح أنه كان للرسل سلطان التأديب العلني للعصاة لكي يكونوا عبرة للكل.

- هكذا يعلم بولس ويسير في خطوات سيده مقدمًا مقاله حسب احتياجات تلاميذه، فيستخدم تارة السكين والمشرط وأحيانًا الأدوية البسيطة.

القديس يوحنا ذهبي الفم.

- لا تعني العصا عدم وجود المحبة, ولكن المحبة مخفية وراء ضرباتها, ولا يدركها ذاك الذي تسقط عليه.

العلامة أوريجينوس.

- يشير بولس أولاً إلى العصا لكي يعطيهم بعد ذلك الراحة بروح الوداعة.

القديس أمبروسيوس.

- يقصد بولس بالعصا قوة الروح المُلزمة, التي اعتاد أن يستخدمها ضد عليم, والتي استخدمها اللَّه ضده.

سفيريان أسقف جبالة.

من وحي 1كو4.

هب لي روح الأبوة.

يا أب كل البشرية.

- في أحضانك الإلهية أجد دفء الحب،.

اجتمع مع كل مؤمن بروح الوحدة الحقّة،.

واشتهي أن أجد كل البشرية معي!

- حسبتني خادمًا لك، ووكيل أسرارك الإلهية.

وأي خدمة ألتزم بها سوى الكرازة بالحب؟

وأية أمانة أقدمها لك سوى ممارسة الحب؟

هب لي القلب المتسع،.

فيحمل أيقونة حبك،.

ويضم كل نفسٍ إليك.

هب لي أن أكون سفيرًا بالحب العملي،.

يا أيها الحب الحق!

- في أحضانك أنشغل بما يشغل قلبك،.

أنشغل بخلاص كل نفس!

فلا أجد فرصة لإدانة خادم أو مخدوم!

لا أطلب في حب استطلاع أن أعرف ما في قلوبهم،.

ولا أتعجل يوم الدينونة،.

ولا أسرق كرسي حكمك!

هبني بالبساطة أرى في كل أحد بهاء مجدك.

أراك في الجميع فتفرح نفسي بك،.

ولا يتسلل فكر الدينونة إلى قلبي!

- عِوض الإدانة أقدم ذبيحة شكر لك.

أراك مصدر كل موهبة روحية لي ولكل خادم، بل ولكل مؤمن!

قلبي يرنم لك تسبيحًا جديدًا.

ونفسي تغني لك أغنية فائقة.

ولساني يلهج دومًا بالشكر لك.

لم تنقصني وأخوتي شيئًا،.

ولم تعوزنا من مواهبك،.

بل بكل فيض تهب ولا تعير!

- مع كل أغنية شكر أقدم تسبحة المحبة.

اشتهي أن يملك الجميع بدوني،.

وأن يتمجد الكل على حسابي،.

ويستريح الكل وسط آلامي معك.

ليغتنوا، أما أنا فغِناي هو شركة فقرك.

ليتمجدوا، فعاري هو شركة عار صليبك!

- حكموا عليك بالموت يا واهب الحياة.

فلماذا تئن نفسي إن حسبوني منظرًا للتسلية.

ولماذا أتضايق إن صرت منظرًا للناس والملائكة.

لأُطرد، وأموت معك.

فأحسب عارك مجدًا فائقًا.

- هب لي روح الأبوة يا أب كل البشرية.

لاحتضن الكل في أحشائي، يا من تحتضني في أحشائك.

لأحب الكل أكثر من النور الزمني،.

فأشاركك حبك يا من سلمت نفسك من أجلي!

- ماذا أطلب منك يا أبي؟

لن أطلب إلا أن أكون أيقونة حيّة لك.

كل ما في داخلي أبوة مُحِبْة وحكيمة!

الباب الثانى.

معالجة الانحطاط الخلقي.

5 - 6.

الانحطاط الخلقي.

إذ كان الرسول يهتم بوحدة الكنيسة خلال الصليب والسلوك الروحي خاصة التواضع اهتم بقداسة كل عضوٍ. فإنه لن تتحقق الوحدة الصادقة بدون القداسة حيث يتحد الكل في الله الواحد القدوس. ففي حزمٍ شديدٍ طلب عزل الخميرة الفاسدة، مؤكدًا أنه من واجب الكنيسة أن تدين من هم بالداخل من هم بالخارج، إذ يقول "فاعزلوا الخبيث من بينكم" (13: 5).

يتطلع الرسول إلى الكنيسة كمن في حالة عيدٍ، تحتفل دائمًا بعيد الفصح الحقيقي. والمسيح هو فصحها، أي عيدها الدائم، ولا يمكن أن يُحتفل بالعيد بخميرة فاسدة. فرحنا لن يتحقق مع وجود الفساد المحطم للسلام مع الله.

هكذا يربط الرسول بين الوحدة الكنسية والحياة المقدسة والفرح الدائم، فهذه الأمور الثلاثة تقدم صورًا عملية للحياة السماوية، وتحقق للكنيسة شخصيتها كأيقونة السماء.

الإصحاح الخامس.

جريمة فاضحة!

بعد أن عالج الرسول بولس مشكلة الانقسامات التي حلت بكنيسة كورنثوس قدم قضية لجريمةٍ فاضحةٍ أساءت إليهم جميعًا.

قبل أن يناقش موضوع "خميرة الشر" التي يجب عزلها أوضح الرسول بولس أمرين: الأول أُبوّته في المسيح يسوع (15: 4) التي كلفته موته اليومي من أجل خلاص النفوس. والثاني هو ملكوت اللَّه أنه ليس بكلام بل بقوة (20: 4).

حياتنا هي تمتع ببرّ المسيح، هذا البرّ نناله منه ونمارسه لأجله. هو خبرة يومية تعيشها الكنيسة كعروس للعريس البار، لذا فهي تحرص على عزل الخمير الفاسدة لا للعقوبة، وإنما لتأديب الفاسد حتى ينحل فساده ويتمتع ببرّ المسيح خلال التوبة الصادقة.

1. خطورة القضية 1.

2. نزع الخميرة الفاسدة 2 - 6.

3. الاحتفال بعيدٍ دائمٍ 7.

4. عزل الأخ الخبيث 8 - 13.

1. خطورة القضية.

"يُسمع مطلقًا أن بينكم زنى،.

وزنى هكذا لا يُسمى بين الأمم حتى أن تكون للإنسان امرأة أبيه "[1].

كلمة "زنى" هناporneia تحمل المعنى الواسع للزنا وعدم الطهارة، خاصة الزنا في صورته البشعة.

يظن البعض أن هذه السيدة كانت أممية قبلت اليهودية، وبحسب الشريعة اليهودية فإن مثل هذه السيدة في حل من كل علاقاتها الماضية حتى زوجها غير المؤمن، فمن حقها أن تطلق رجلها وتتزوج مؤمنًا حتى وإن كان ابنا لزوجها غير المؤمن.

بالرغم من إنها قد تكون حالة فردية لكن يليق بالكنيسة أن تقف في حزمٍ ضد فسادٍ كهذا. هنا نتلمس كيف لم يستطع الرسول بولس أن يشتم رائحة الزنا تفوح من عضوٍ في الكنيسة، سواء كان قائدًا أو من الشعب. فإن كانت الطهارة أو القداسة هي العين التي بها نعاين القدوس، فإن الزنا يعكر القلب فلا يعاين اللََّه.

- أحرص على طهارة جسمك وسلامة قلبك، فإنك إن تحققت من نوالهما تبصر اللََّه ربك.

- حب السلام والطهارة فتتأهل لمعاينة وجه الرب إلهك.

- كما أن البخور يعطي لذة للأنف، هكذا يُسر الروح القدس بالطهارة ويسكن في الإنسان.

مار إفرام السرياني.

-.

الطهارة هي تأله البشر، زينة الفضائل، تكريس الجنس، رباط العفة، ينبوع النقاء، راحة المسكن، تاج التآلف...

الطهارة لا تبحث عن شيء يزينها، لأنها هي بهاء ذاتها. إنها توصي الرب بنا، وتجعلنا متحدين مع المسيح...

بعكس عدوتها، النجاسة، المبغوضة دائمًا، صانعة بقعة قذرة وقبيحة لمن يخدمونها، غير تاركة الأجساد ولا النفوس من قذارتها. لأنه حينما يسود طبعها تجعل الإنسان كله تحت نير شهوتها... تبدأ بالإغراء وتنتهي بخرابٍ عظيم للنفس التي استمالت نحوها.

القديس كبريانوس.

لم يوجه الرسول اللوم إلي زوجة الأب، ربما لأنها لم تكن قد قبلت الإيمان بالسيد المسيح.

أجرة الخطية بلا شك أن هي موت، فلماذا يقول الرسول: "زنا هكذا"؟ تميز الكنيسة بين السقوط في الخطية عن عمدٍ، والسقوط عن ضعفٍ. وبين السقوط مع شخصٍ غريبٍ والسقوط مع شخص من المحرم الزواج بهم كالابنة أو الابن أو أحد الوالدين أو زوجة الأب أو زوج الأم الخ.

- نتعلم من هذا أنه توجد أنواع كثيرة من الزنا, بعضها أكثر خطورة من الأخرى. عندما يدينها اللَّه, فإنه يضع في الاعتبار عوامل الخطورة ويجعل العقوبة مختلفة حسبها. في هذه الحالة يعلمنا بولس بأنه حتى وإن تم زواج شرعي, فإنه إن كان ذلك ضد شريعة اللَّه يُحسب الزواج زنا ويستحق الدينونة.

العلامة أوريجينوس.

يري البعض أن ما ارتكبه هذا الشخص يرفضه حتى الأمم، وبحسب الشريعة الموسوية يستحق الموت، فكيف يتجاسر مؤمن مسيحي أن يرتكب مثل هذه الخطية؟

- كان هذا الشخص مستحقًا الموت (حسب الشريعة الموسوية) بسبب جريمته, وأما الذين كانوا يسندونه فهم أيضًا غير أبرياء.

أمبروسياستر.

2. قطع الفساد.

"أفأنتم منتفخون؟

وبالحري لم تنوحوا حتى يُرفع من وسطكم الذي فعل هذا الفعل "[2].

يبدو أن هذا الزاني كان قائدًا بليغًا، له موهبة الكلام، فكانوا يفتخرون به عوض أن ينوحوا عليه ويعزلوه.

ويرى البعض أن فريقًا مضادًا إذ سمعوا عن زناه افتخروا بأنه لا يوجد بينهم فساد مثل هذا، فكانوا يعيرون الفريق الأول بدلاً من الاهتمام بخلاص نفسه والبكاء عليه. هذه هي إحدى ثمار الانقسام أن يعير كل فريق الآخر بضعفاته عوض الاهتمام بقداسة الكنيسة كلها.

"يُرفع من وسطهم" تعني عزله أو حرمانه من العضوية الكنسية.

- يحدر بولس كبرياءهم لكن بطريقة بها يرغبون في التعاون معه ولا يكونوا غاضبين.

أمبروسياستر.

"فإني أنا كأني غائب بالجسد ولكن حاضر بالروح قد حكمت،.

كأني حاضر في الذي فعل هذا هكذا "[3].

اعتبر الرسول بولس أنه حاضر بالروح بالرغم من غيابه بالجسد بكونه الكارز الأول لهذه المدينة، فإذ ينعقد مجمع كنسي لبحث هذه القضية يحسب نفسه مسئولاً عن الكنيسة حاضرًا في المجمع بروحه كرئيسٍ له.

- لاحظوا طاقته، فإنه لم يسمح لهم بالانتظار إلى حين حضوره، ولا أن يستقبلوه أولاً وبعد ذلك يصدر الحكم... ولكن كمن ينتزع العدوى قبل أن تنتشر في بقية الجسم فأسرع بحصرها.

- هذا هو معنى أنه حاضر بالروح، كما كان إليشع حاضرًا مع جيحزي وقال له: "ألم يذهب قلبي معك؟" (2مل26: 5) يا للعجب! يا لعظمة قوة هذه العطية إذ تجعل الكل معًا كأنهم واحد، وتؤهلهم لمعرفة الأمور البعيدة: "قد حكمت كأني حاضر".

القديس يوحنا ذهبي الفم.

"باسم ربنا يسوع المسيح إذ أنتم وروحي مجتمعون،.

مع قوة ربنا يسوع المسيح "[4].

باسم ربنا يسوع المسيح بكونه رأس الكنيسة، وبسلطانه يتم كل أمر. حضوره بروحه ليحكم علي هذا الزاني ربما يقصد به سلطانه الرسولي الذي تسلمه من الرب.

- لئلا يظنوا أنه متسلط جدًا وأن نغمة صوته تحمل تشبثًا برأيه لاحظوا كيف جعلهم شركاء معه في الحكم.

- ما هو هذا؟ "إذ أنتم مجتمعون باسم الرب"، بمعنى: "اسمه الذين فيه تلتقون وتجتمعون معًا" ومع "روحي". مرة أخرى يقيم نفسه كرأس لهم حتى يصدر الحكم. فإنه ليس لهم إلا أن يقطعوا العاصي كأنه حاضر، وإلا يتجاسر أحد ويحكم عليه بالعفو، واضعًا في اعتباره أن بولس يعلم كل التفاصيل والحيثيات.

القديس يوحنا ذهبي الفم.

- كان يليق بالكورنثوسيين أن يعزلوا هذا الرجل ليس فقط بالموافقة الجماعية بينهم، وإنما أيضًا في قوة المسيح التي كان بولس وكيلاً لها.

أمبروسياستر.

"أن يُسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد،.

لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع "[5].

يرى البعض أنه إذ يشعر الزاني بأنه قد عُزل من الكنيسة يصير في مرارة نفس، ويشعر كأن الموت قد حلّ به، فيهزل جسده جدًا، أو يقبل حياة الإماتة، ويصير في حكم الموت، بهذا يرجع إلي نفسه بالتوبة ويتمتع بخلاص نفسه.

ويرى آخرون أن الرسول بولس يطلب بسلطانٍ رسوليٍ من السيد المسيح أن يسمح لهذا الزاني أن يُسلم لأمراض جسدية ومتاعب حتى يصير كمن في حكم الموت وكمن هو تحت سلطان إبليس، فيكون ذلك فرصة لعودة قلبه إلي مخلصه.

أشار التلمود إلي درجات للعزل أو الحرمان التالية:

 nidduy منع الشخص من أن يأكل مع آخرين لمدة معينة، غالبًا ثلاثين يومًا.

 cherem أناثيما لمدة 90 يومًا.

 shamata استقصاء دائم من الجماعة المقدسة.

يرى آباء الغرب أن الكتاب المقدس يقدم لنا مملكتين لا ثالث لهما، هما ملكوت اللَّه ومملكة إبليس، فتسليم الشخص للشيطان إنما يشير إلى عزله من الكنيسة، مملكة اللَّه، فيكون منتميًا إلى مملكة إبليس التي اختارها بإصراره علي شره ورفضه التوبة، حتى متى أدرك حاله يتوب فيرجع إلي مملكة اللَّه وتخلص نفسه.

لعل هذا التعبير يشير إلي السماح بتأديب الشخص أو دخوله في ضيق، كقول اللَّه للشيطان عن أيوب: "ها هو في يدك ولكن احفظ نفسه" (أي 2: 6). وقول الرسول بولس: "هيمينايس والإسكندر اللذان أسلمتهما للشيطان لكي ويُؤدبا حتى لا يجدفا" (1 تي 1: 20).

لم يقل لهلاك الجسم بل لهلاك الجسد مشيرًا إلى إماتة شهوات الجسد، أما الجسم فيشارك النفس المجد الأبدي، فإن الجسد الفاسد لا يرث ملكوت اللَّه. "هلاك الجسد" لا يعني موته أو هلاك جسمه، إذ عاد الرسول يطلب من أهل كورنثوس أن يردوه إلى شركتهم (2 كو 2: 7). إنما يقصد هنا أعمال الجسد كقول الرسول: "وأعمال الجسد ظاهرة التي هي زنى عهارة نجاسة دعارة" (غلا 5: 20). إذن يقصد هلاك شهوات الجسد الفاسدة.

- لم يقل أنه "ييأس منه" بل "يُسلّم" للشيطان، فيفتح أمامه أبواب التوبة، ويسلمه كما لناظر مدرسة.

يقول: "مثل هذا" دون ذكر اسمه. "لهلاك الجسد" كما حدث في حالة الطوباوي أيوب، ولكن ليس على نفس الأساس؛ لأنه في الحالة الأخيرة كانت له أكاليل بهيّة، أما هنا فلأجل إزالة الخطايا وبعض الأمراض الأخرى.

القديس يوحنا ذهبي الفم.

يجيب القديس يوحنا ذهبي الفم على السؤال: ألم يكن في سلطان الرسول أن يعاقب؟

- لم يكن هذا لكي يٌعاقبوا بل لكي يتعلّموا. فإنه قد أظهر أن له سلطان كما جاء في عبارات أخرى: "ماذا تريدون: أبعصا آتي إليكم أم بالمحبة وروح الوداعة؟" (1 كو 21: 4). مرة أخرى يقول: "لكي لا استعمل جزمًا وأنا حاضر حسب السلطان الذي أعطاني إيّاه الرب للبنيان لا للَّهدم" (2 كو 10: 13). لماذا إذن دعا الشيطان ليعاقبهم؟ لكي يكون عارهم أعظم فيكون الضيق والعقوبة أكثر إثارة.

القديس يوحنا ذهبي الفم.

- إن كان أحد ما قد مُنع من الصلاة (الجماعية) بسبب خطأ ما قد ارتكبه، فليس من حق أحد أن يصلي معه قبل إتمام ندامته على أساس سليم، ويتمتع بالمصالحة والعفو عن معصيته علانية بواسطة الأب قدام جميع الاخوة. فإنه بهذه الخطة يعزلون أنفسهم عن الشركة معه في الصلاة للسبب التالي. فإنهم يعتقدون أن الذي مُنع من الصلاة كما يقول الرسول: "سُلِّم للشيطان". فإن تحرك أحد بعاطفة شريرة وأقام شركة معه في الصلاة قبل أن يقبله الشيخ يجعل من نفسه شريكًا معه في اللعنة التي حلَّت به، ويُسلِّم نفسه بكامل إرادته للشيطان الذي سُلِّم له الآخر من أجل تصحيح جريمته. وهو بهذا يسقط في معصية أكثر خطورة، لأنه بالاتحاد معه خلال الشركة سواء بالكلام أو الصلاة يعطيه فرصة ليبقى في تشامخه ويشجع العاصي ليجعله أكثر عنادًا.

القديس يوحنا كاسيان.

- ينتقد أتباع ماني العهد القديم ولا يعترفون به لأجل تلك الأحكام (التأديبية). ولكن عليهم أن يتأملوا ما قاله بولس الرسول بخصوص الخاطئ الذي أُسلم إلى الشيطان لهلاك الجسد "لكي تخلص الروح" (1 كو 5: 5). ورغم أن هذا النص لا يُفهم منه موت الجسم إلا أن الرسول كان يفرض هذا التأديب لا عن كراهية بل في حبٍ كما يتضح من قوله "لكي تخلص الروح".

القديس أغسطينوس.

- إن كل ما يحل بنا هو بواسطة اللَّه أو بسماحٍ منه، سواء ما يظهر في الوقت الحالي محزنًا أو مفرحًا، فإنه لأجل نفعنا كما من أبٍ فائق الحنان وطبيب عظيم الترفق. ولهذا فإن البشر كما لو كانوا تحت عناية معلمين يُذلون هنا حتى إذا ما رحلوا من هذا العالم يصيرون في الحياة الأخرى في حال أعظم نقاوة. إنهم ينالون هنا عقابًا خفيفًا حتى كما يقول الرسول: يُسلمون في الوقت الحاضر "للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع" (1 كو 5: 5).

الأب سيرينوس.

3. نزع الخميرة العتيقة.

"ليس افتخاركم حسنًا.

ألستم تعلمون أن خميرة صغيرة تخمر العجين كله؟ "[6].

إذ كان هذا الرجل في مركز قيادي فإنه وإن أخطأ كحالة فردية لكنه يمثل خميرة تفسد العجين كله، أي يجلب فسادًا علي كنيسة اللَّه.

- إن لم يُعزل هذا الشخص لن تخلص روح الكنيسة في يوم الدينونة, لأن مصدر العدوى قد أصاب الكل.

- كما أن خطية شخص واحد تعدي الكثيرين إن لم تُعالج في الحال متى اُكتشفت، هكذا تكون أيضًا خطية الكثيرين متى عرفوها ولم يحيدوا عنها أو يتظاهروا كمن لم يلاحظوها. تبدو الخطية كأنها ليست خطية إن لم تُصحح أو يتجنبها الشخص.

أمبروسياستر.

- لا يُؤخذ هذا بمعنى حرفي. ما يعنيه بولس أن هذا الشخص يُعزل من الكنيسة، فيلتزم أن يحيا في العالم الذي يسيطر عليه الشيطان. بهذه الوسيلة سيتعلم مخافة الرب ويهرب من العقوبة العظمى المقبلة.

ثيؤدور أسقف المصيصة.

- يسلم بولس للشيطان من هم قد جدفوا بكامل إرادتهم.

القديس جيروم.

- إنه لا يعني أنه يسلمه لقوى الشرير, بل بالأحرى إلى شرور هذه الحياة مثل الأمراض والأحزان والآلام والظروف الأخرى المنسوبة للشيطان. هذا المعنى هو ما استخدمه بولس. ما يعنيه أن هذا الإنسان يلزم أن يُطرد ليواجه متاعب الحياة.

سفيريان أسقف جبالة.

- نتعلم من هذا أن ابليس يقتحم الذين انفصلوا عن جسد الكنيسة إذ يجدهم محرومين من النعمة.

ثيؤدورت اسقف قورش.

- "خميرة صغيرة": لست أود أن أُكمّل العبارة، بل بالأحرى أرغب أن أتوسل إليكم وأنصحكم أن تتحول الخميرة ذاتها إلى ما هو أفضل، لئلا تغير العجين كله إلى ما هو أردأ كما حدث فعلاً.

القديس أغسطينوس.

"إذًا نقوا منكم الخميرة العتيقة.

لكي تكونوا عجينًا جديدًا كما أنتم فطير،.

لأن فصحنا أيضًا المسيح قد ذُبح لأجلنا "[7].

يطلب النقاوة من الخميرة العتيقة لكي تكون الكنيسة كلها بوجه عام طاهرة ومقدسة للرب، لا تضم أعضاء فاسدين ودنسين. هكذا يليق بالكنيسة ككلٍ كما بكل عضوٍ فيها أن يحفظ حياة الطهارة والنقاوة في الرب.

إذ قتل اليهود السيد المسيح (الفصح الحقيقي) حفظوا العيد بفطيرٍ بلا خميرة، أما نحن فيليق بنا أن نحفظ عيدنا لا لمدة سبعة أيام بل كل أيام حياتنا بلا خميرة من الفساد. يليق بنا أن نموت مع مخلصنا عن الخطية، ونحمل شبه موته بالإماتة عن الخطية، ونتمتع بقوة قيامته بتمتعنا بالحياة الجديدة المقدسة في الرب، في الداخل كما في الخارج.

يسألهم لا أن ينزعوا الخميرة الفاسدة التي يتحدث عنها هنا "الزنا" بل كل خميرة فاسدة، أي كل خطية، لأنهم إذ قبلوا الولادة الجديدة صاروا "فطيرًا" لا موضع للفساد فيهم. فلا يليق بهم أن يعودوا ويسمحوا للشر أن يدخل في حياتهم ويفسد طبيعتهم الجديدة، الإنسان الجديد المخلوق علي صورة المسيح.

كما كان يلزم لليهود أن ينزعوا كل أثر للخميرة من مساكنهم حتى يعيدوا الفصح، هكذا يليق بنا نحن أن ننزع كل فسادٍ في حياتنا مادمنا نعيد بالمسيح فصحنا. وكما كان الحمل رمزًا للسيد المسيح حمل اللَّه الحامل خطية العالم، هكذا ترمز الخميرة إلي الفساد الذي يلزم نزعه من القلب.

- كان اليهود دائمًا ينسون إحسان اللَّه لهم. لهذا فإن اللَّه ربط معنى هذه الأمور، إحسانه، ليس فقط بزمنٍ معينٍ بل وبعاداتهم مثل الأكل. لهذا كانوا يأكلونه متمنطقين وأحذيتهم في أرجلهم (خر 11: 15). فإن سُئلوا عن السبب يقولون: كنا مستعدّين للرحلة، كنا على وشك الخروج من مصر إلى أرض الموعد، كنا مستعدّين لخروجنا. هذا إذن هو الرمز التاريخي.

لكن الحقيقة هي أننا نحن أيضًا نأكل فصحنا المسيح، لأنه قد ذبح لأجلنا [7]. ماذا إذن؟ يلزمنا أن نأكله متمنطقين وأحذيتنا في أرجلنا. لماذا؟ لكي نكون نحن أيضًا مستعدّين لخروجنا، لرحيلنا من هنا.

- لنشرح لماذا نُزعت الخميرة من كل الجوانب. ما هو معناها الخفي؟ يليق بالمؤمن أن يهرب من كل شر. فكما يفسد (العجين) متى وُجدت فيه خميرة قديمة هكذا نحن أيضًا إذ وُجد فينا شر فستكون العقوبة عظيمة.

- لدي اقتناع قوي بأن القول بخصوص الخميرة يخص أيضًا الكهنة الذين يسمحون بالتعامل مع الخميرة القديمة أن تكون في الداخل ولا ينزعونها خارج حدودهم، أي خارج الكنيسة، الطمّاعين والعنفاء وكل المُستبعدين من ملكوت السموات. فالطمع حتمًا هو خميرة عتيقة، ومهما بدا بسيطًا ودخل أي منزل يجعله غير نقي؛ ربما تكسب قليلاً لكن بظلمك يختمر الكل!

القديس يوحنا ذهبي الفم.

- أنه بسبب هذه البداية للحياة الجديدة، بسبب الإنسان الجديد الذي أمرنا أن نلبسه ونخلع الإنسان العتيق (كو 9: 3 - 10) يلزمنا أن ننقي الخميرة العتيقة لكي تكون عجينًا جديدًا، لأن المسيح فصحنا مُقدس لأجلنا (1كو7: 5).

القديس أغسطينوس.

- للخميرة العتيقة هنا معنى مزدوج. فمن جانب تشير إلى التعليم الخاطئ كما حذر يسوع تلاميذه أن يتحرزوا من خمير الفريسيين (مت 16: 6 - 12؛ مر 8: 15؛ لو 12: 1). ومن جانب آخر تشير أيضًا إلى خطية الزنا التي يعالجها هنا. يعلم بولس أن الفصح هو ذبيحة وليست خروجًا كما يظن البعض. الذبيحة تأتي أولاً, وبعد ذلك يصير ممكنًا الانتقال من الحياة العتيقة إلى الحياة الجديدة. لهذا السبب فإن الصليب هو الحقيقة المخلصة التي أشار إليها فصح العهد القديم.

أمبروسياستر.

"إذا لنعيد ليس بخميرة عتيقة،.

ولا بخميرة الشر والخبث،.

بل بفطير الإخلاص والحق "[8].

يحذرنا الرسول من الاستهانة بأية خطية مهما بدت تافهة، فإنها كالخميرة تفسد العجين كله، سواء علي مستوى الفرد أو الجماعة.

مسيحنا هو الحمل الذي بلا عيب، الفصح الطاهر، مات لكي نكون نحن طاهرين، قدس القدوس نفسه لأجلنا لكي نكون له قديسين.

يقدم لنا الرسول بولس مفهومًا جديدًا للحياة المسيحية، وهي احتفال مستمر ودائم بعيد الفصح مادمنا نقبل صلبه وموته ونختبر قيامته كل يومٍ. الحياة الكنسية هي عيد مفرح عل الدوام إذ هي شركة مع المسيح مصدر فرحنا الحقيقي.

- إنه عيد، كل أيام حياتنا. فمع قوله "لنحفظ العيد" فإنه لم يقل هذا بخصوص حلول الفصح أو البنطقستي، وإنما يشير إلى كل الزمن كعيد للمسيحيين، وذلك بسبب سمو الخيرات التي نتقبّلها.

- إنه عيد، يمتد كل زماننا. لذلك يقول بولس: "افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضًا افرحوا" (في4: 4). في أيام العيد لا يرتدي أحد ثيابًا قذرة. هكذا ليتنا نحن أيضًا لا نفعل ذلك. فقد تحقق الزواج، الزواج الروحي، لأنه يقول: "يشبه ملكوت السموات إنسانا ملكًا صنع عرسًا لابنه" (مت2: 22).

- ليته لا يدخل أحد ملتحفًا بخرقٍ... فإن كان حيث يوجد الكل بمظهر بهي وُجد شخص واحد في العرس مرتديًا ثيابًا قذرة قد طُرد بمهانة، فكم يكون الأمر يتطلب غاية الدقة وبكل طهارة لمن يدخل في حفل العرس هذا.

القديس يوحنا ذهبي الفم.

- إن سعادة عيدنا يا إخوتي هي قريبة منا جدًا، ولن يفشل في بلوغها من يرغب في تبجيله، لأن "الكلمة" هو قريب، هذا الذي هو بالنسبة لنا كل شيء لخيرنا.

لقد وعدنا ربنا يسوع المسيح أن يكون معنا على الدوام... قائلاً: "ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر" (مت20: 28).

فإذ هو الراعى، ورئيس الكهنة، والطريق، والباب، وكل شيء في نفس الوقت لأجلنا، هكذا يظهر أيضًا "عيدًا" لنا كقول الطوباوى بولس: "لأن فصحنا المسيح قد ذبح" (1 كو 7: 5).

إنه هو ما كنا ننتظره، لقد أضاء على مرتل المزامير القائل: "وأفرح برحمتك، لأنك نظرت إلى مذلتي وعرفت في الشدائد نفسي" (مز 7: 31).

إنه بحق فرح حقيقي، إذ يخلصنا من الشر، وهذا يبلغه الإنسان خلال تبنيه الأحاديث الصالحة، وتزكية فكره بخضوعه للّه.

البابا أثناسيوس الرسولي.

- كما أن خميرة قليلة تخمر العجين كله, هكذا الحياة الشريرة تفسد الإنسان كله. لهذا يريدنا بولس أن نتجنب ليس فقط الأفعال الشريرة, بل وكل اهتمامات الخطية, حتى بالاخلاص تغتسل حياتنا ويُنزع الحق كل خداع.

أمبروسياستر.

4. عدم الشركة مع الاخوة الزناة.

"كتبت إليكم في الرسالة أن لا تخالطوا الزناة" [9].

بينما يرى البعض أن الرسول يشير هنا إلى رسالة سبق فكتبها إليهم بخصوص هذا الأمر, يرى البعض أنه يتحدث هنا عن ما سبق فكتبه في نفس هذه الرسالة. يرى القديس يوحنا ذهبي الفم وثيؤدورت وأغلب المفسرين اللاتين مع إجماع الكتاب الألمان بأن النص هنا يشير إلى ذات الرسالة وليس إلى رسالة سابقة مفقودة.

- يعني بولس أنه من الأفضل الموت (الخروج من العالم) عن الاختلاط بزملاء مؤمنين يخطئون مثل الزاني موضوع الحديث هنا, لأن الموت يضع نهاية لذلك حالاً دون تأخير.

أمبروسياستر.

- غير المؤمنين الزناة لا يستطيعون أن يؤذوا الكنيسة, أما المؤمنون الزناة فيفسدونا في الداخل, لهذا يجب تجنبهم وعزلهم.

العلامة أوريجينوس.

- واضح أنه إن كان يجب ألا نشاركهم في الطعام العادي, يلزم ألا نشترك معهم في مائدة الرب.

ثيؤدورت أسقف قورش.

"وليس مطلقًا زناة هذا العالم أو الطماعين أو الخاطفين أو عبدة الأوثان،.

وإلا فيلزمكم أن تخرجوا من العالم "[10].

يخطئ الزناة في حق أنفسهم، إذ يفقدوا طهارتهم ونقاوتهم. ويخطئ الطامعون والخاطفون في حق اخوتهم، أما عبدة الأوثان فيخطئون في حق اللَّه.

"وأما الآن فكتبت إليكم أن كان أحد مدعو أخًا زانيًا أو طماعًا أو عابد وثن أو شتامًا أو سكيرًا أو خاطفًا أن لا تخالطوا ولا تؤاكلوا مثل هذا" [11].

- يمكن أن يوجد أناس ليسوا أبناء حقيقيين، مثل أولئك الذين قيل عنهم: "إن كان أحد مدعو أخًا..." [11]. هنا يوجد بالإيمان، لكنه ليس ابنًا حقيقيًا. حقيقة هو ابن، لأنه نال مرة النعمة وتجدد (وُلد ثانية)، لكنه ليس بالابن الحقيقي، لأنه غير أهلٍ لأبيه الذي هجره وصار أسير سلطان آخر.

- ليتنا لا نطرد النعمة. لقد أخبرنا أن ننسحب من كل أخ يسلك بلا ترتيب. هذا كان شرًا عظيمًا يجب فصله عن كل جسد الاخوة. بهذا في الواقع يعاقب الكل، وكما في موضع آخر في رسالته إلى أهل كورنثوس يقول: "لا تُواكلوا مثل هذا" [11]. لكننا نجد الآن الغالبية لا يعتقدوا أن هذا شر عظيم. إنما كل شيء مرتبك وفاسد، فنختلط مع الزناة والطمّاعين بلا ضابط، كأنه أمر حتمي.

إن كان يجب أن ننسحب ممن كان ينال معونة وهو كسلان فماذا يكون الحال مع الآخرين؟

يجب أن تعرفوا كم هو أمر مرعب أن يُفصل أحد من جماعة الاخوة، وأي نفع ينالونه عندما يُوبّخ هؤلاء بفكرٍ سليمٍ. اسمع ماذا حدث مع ذاك الرجل الذي افتخر بخطيته وبلغ قمّة الشر، الذي ارتكب مثل هذا الزنا الذي لا يُسمّى حتى بين الأمم، والذي لم يشعر بجرحه هذا والذي فسد، فإنه بعد هذا كله، فإن هذا قد انحنى وتواضع. حتى أن بولس قال: "مثل هذا يكفيه هذا القصاص الذي من الأكثرين... اطلب أن تُمكّنوا له المحبة" (2 كو 6: 2، 8). إذ كان في ذلك الوقت كعضوٍ منفصل عن بقية الجسم.

القديس يوحنا ذهبي الفم.

- ماذا نفعل بخصوص هذه الحقيقة وهي أن الرسول نفسه قدم لنا قائمة ضخمة من الرذائل، وأشار من بينها إلى السُكر وختمها بالتحذير من أن نأكل خبزًا مع من يخطئون بمثل هذه الأمور؟

- إنه لأمر مثير للشفقة مذكّرًا إيّانا مدى خطورة الأكل مع الذين هم يخطئون بالنهم حتى في بيوتهم.

القديس أغسطينوس.

"لأنه ماذا لي أن أدين الذين من خارج.

ألستم أنتم تدينون الذين من داخل؟ "[12].

استخدم بعض المفسرين هذه العبارة للَّهجوم علي الحياة الرهبانية كحياة غير إنجيلية، فيها انسحاب من العالم وانغلاق وعدم شهادة للإنجيل أمام الغير. ولعل سرّ هذا عدم إدراكهم للفكر الرهباني الإنجيلي الحق. فالرهبنة منذ بدء نشأتها هي انطلاق النفس نحو السماء، واتساع القلب بالحب نحو كل البشرية. الراهب حتى في توحده يرفع يديه نحو السماء، حاملاً في قلبه كل البشر مشتهيًا خلاص الكل. فتح القديس أنبا انطونيوس أب كل الأسرة الرهبانية في العالم مغارته لكثير من الفلاسفة الوثنيين، وكسب بعضهم للسيد المسيح. وقام الرهبان الروحيون بخدمة الكثيرين، في الكنيسة وفي العالم.

- أيها الاخوة، هذا هو عملي أن أتحدث إليكم، عملي أن أتكلم مع المسيحيين، "لأنه ماذا لي أن أدين الذين من خارج؟" [12].

القديس أغسطينوس.

- سأل الرسول: "لأنه ماذا لي أن أدين الذين من خارج؟" حقًا هؤلاء الأشخاص هم خارج المحكمة التي فيها تُنطق كلمات أسرارنا، إنهم لا يُنصبون تحت سقف اللَّه، وإنما في دير الشرير. إنهم يؤسرون بواسطته بإرادته. لهذا فهم لا يفهمون أن كل الفضائل توجد في الاعتدال وإن أي انحراف من أي جانب يتحول إلى رذيلة.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص.

- لا يستطيع الأسقف أن يصنع شيئًا مع غير المؤمنين. أما الأخ الذي يُمسك مرتكبًا مثل هذا الأشياء فُيمكن للأسقف أن يمنعه ليس فقط عن الأسرار بل وعن الأحاديث العادية العامة مع زملائه, حتى متى تجنبوه يشعر بالخجل فيتوب.

أمبروسياستر.

- طالما يصعب علينا معرفة هدف الآخرين من اكتنازهم للأشياء الزمنية... فقد يكون قلبهم بسيطًا أو مزدوجًا، لذلك يليق أن يُقال: لا تدينوا لكي لا تدانوا. لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون. وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم.

أظن أننا من هذه الوصية نتعلم ضرورة افتراض أحسن قصدٍ ممكنٍ لأعمال الآخرين التي يمكن أن نشك في نيتها.

أما عندما كُتب: "من ثمارهم تعرفونهم" فقد قصد بها الثمار التي لا يُمكن الشك فيها مثل الدعارة والتجديف والسرقة والسكر وأمثال ذلك التي سُمح بالحكم فيها (من الكنيسة) حيث يقول الرسول: "لأنه ماذا لي أن أدين الذين من الخارج؟ ألستم أنتم تدينون من الداخل؟" (1 كو 12: 5) فلا ندين إنسانًا من أجل أكل معين، فقد يأكل بنية صالحة بدون شهوة. لهذا يمنع الرسول الممتنعين عن أكل اللحم وشرب الخمر عن إدانة من يأكلونه ويشربونه، قائلاً: "لا يزدري مَنْ يأكل بمَنْ لا يأكل. ولا يدِنْ مَنْ لا يأكل مَنْ يأكل". كما يقول: "مَنْ أنت الذي تدين عبد غيرك. هو لمولاهُ يثبت أو يسقط" (رو 3: 14 - 4).

القديس أغسطينوس.

"أما الذين من خارج فاللَّه يدينهم،.

فاعزلوا الخبيث من بينكم "[13].

الكنيسة في اتساع قلبها لا تدين الذين في الخارج بل تصلي لأجلهم لكي يكشف لهم الرب القداسة الحقة خلال نعمة اللَّه الغنية. لكنها ملتزمة أن تعيش طاهرة ومقدسة، لذا تكون حازمة مع الذين في الداخل، وكلما نال العضو مركز قياديًا أكبر وأخطأ يكون التأديب أكثر حزمًا.

- اصنع ما في وسعك أن تستبعد الإنسان الشرير, فإنه إذ يرحل يحضر المسيح فيك.

العلامة أوريجينوس.

من وحي 1كو5.

انزع فسادي،.

فأفرح بك يا عيدي الدائم.

- بإرادتي سمحت لعدوّي أن يتسلل إلى قلبي،.

ويسيطر على إرادتي،.

فأسلك بما لا يليق كابنٍ حقيقيٍ لك!

- مع كل تهاونٍ وتراخٍ واستهتارٍ،.

مع كل خطيةٍ ارتكبها،.

أُُهين بنوتك يا أيها الكلّي القداسة.

- قل كلمة،.

هب لي روح القوة،.

فلن اسمح للخميرة الفاسدة أن تفسد عجين حياتي.

اطرد بقوة كل فسادٍ في داخلي،.

فأصير لك فطير الحق بلا خميرة فساد.

وأتهلل بعيد فصحٍ دائم، يا أيها الفصح الحقيقي.

- أراك دومًا على الصليب يا حمل اللََّه.

تُقدم ذاتك فصحًا، لتعبر بي من أرض العبودية.

تُخرجني من المرارة إلى عذوبة الحرية.

أنت فصحنا جميعًا.

حوّلتَ حياتنا إلى عيدٍ دائم لا ينقطع!

أقمتَ في داخلي حفل عُرس لا ينتهي!

حوّلتَ نوحي إلى فرح!

- هب لي بروحك ألا أقبل دنسًا في أعماقي،.

بل بالحق أصير أيقونتك يا أيها القدوس.

أتقدس فلا أدين أحدًا في الخارج.

بل أدين نفسي في الداخل!

- هب لكنيستك روح القوة والقداسة.

بروحك تنتزع كل فسادٍ،.

لا لتدين بل لتؤدب.

لا بروح النقمة بل بدموع الحنان.

تبتر الشر وتبكي على الشرير.

لا تطيق رائحة الفساد،.

ولا تحتمل هلاك أحد!

لتحكم أنت فيها يا أيها الحب الحقيقي الحازم!

الأصحاح السادس.

لوم علي محاكمات الإخوة.

في الأصحاح السابق أوضح القديس بولس أنه ليس من حق الكنيسة أن تدين الذين في الخارج، بل من هم في الداخل. الآن يُعالج الرسول موضوع "المحاكم الزمنية". هل يمكن للأخ أن يشتكي أخاه في المحكمة؟

في هذا الاصحاح يوبخهم الرسول بولس، لأنهم يقودون بعضهم البعض إلي المحاكم من أجل أمورٍ تافهةٍ، كان يمكن للكنيسة أن تحكم فيها. إذ لا يليق كسر المحبة الأخوية بالدخول في قضايا ومحاكم من أجل أمور زمنية. وكما يقول سليمان الحكيم أن كسب الأخ أفضل من كسب مدينة بأكملها: "الأخ أمنع من مدينة حصينة، والمخاصمات كعارضة قلعة" (أم 18: 19). من يتحصن بالحب الأخوي أفضل ممن يتحصن في مدينة حصينة، ومن يدخل في مخاصمات يكون كمن دخل وراء قضبان قلعة لا يقدر أن يخرج منها.

1. التجاء المسيحيين إلي المحاكم الوثنية 1 - 6.

2. لنحتمل الظلم ولا نمارسه 7 - 8.

3. لن يرث الأشرار ملكوت الله 9 - 10.

4. ربنا يبررنا من خطايانا 11.

5. ليس كل ما يحل لنا يوافقنا 12.

6. قدسية الجسد 13.

7. قيامة المسيح مصدر قيامتنا 14.

8. عضويتنا في جسد المسيح 15 - 17.

9. خطورة الزنا 18.

10. الجسد هيكل للروح القدس 19 - 20.

1. التجاء المسيحيين إلي المحاكم الوثنية.

"أيتجاسر منكم أحد له دعوى على آخر أن يحاكم عند الظالمين.

وليس عند القديسين؟ "[1].

بينما يدعو القضاة الوثنيين "ظالمين" يدعو رجال الكنيسة قديسين، فإنه يليق بالمسيحيين أن يحملوا روح القدوس، فيسلكوا في القداسة.

التجاء الإخوة إلى المحاكم الزمنية فيه مضيعة للوقت والمال، وفيه تحطيم للحب الأخوي، يدفع الطرفين إلي الثورة والغضب، وربما إلي الألفاظ القاسية غير اللائقة، تفقدهما سلامهما الداخلي وفرحهما، وتدفعهما إلى تجاهل رسالتهما كسفيرين للسيد المسيح، كما تهين الكنيسة بيت القديسين.

لم يرد بولس أن يُدانوا من الذين في الخارج، لأنه لم يرد أن يكون التقصير الذي يحدث من أولئك الذين تعلموا السلوك الحسن والبرّ أن يسبب عثرة للذين هم خارج الكنيسة[262].

ثيؤدور أسقف المصيصة.

لماذا دعي القضاة الوثنيون ظالمين مع أن بعضهم اتسم بنوع من العدالة؟

الله هو مصدر العدل الحقيقي، في عدله حب، وفي حبه عدالة، يشتاق أن الكل يخلصون وإلي معرفة الحق يقبلون. لذا فإن الوثنيين وقد عزلوا أنفسهم عن الحق، صاروا لا يبالون بخلاصهم ولا بخلاص من يحكمون بينهم. فإنهم وإن مارسوا العدالة الزمنية لكنهم يتجاهلون خلاص الناس فيُحسبون ظالمين.

"ألستم تعلمون أن القديسين سيدينون العالم؟

فإن كان العالم يُدان بكم،.

أفأنتم غير مستأهلين للمحاكم الصغرى؟ "[2].

سيدين الاثنا عشر رسولاً الاثني عشر سبطًا لإسرائيل إن لم يؤمنوا بل يرفضوا المسيح. سيدين بقية القديسين الأمم الذين لم يتركوا عبادة الأوثان ويؤمنوا بالله الحقيقي[263].

سفيريان أسقف جبالة.

سيدين القديسون هذا العالم لأن عدم إيمان العالم سيُدان بمثال إيمانهم[264].

أمبروسياستر.

"ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة؟

فبالأولى أمور هذه الحياة "[3].

يوضح لهم الرسول استفحال خطأهم، فإن كان المؤمنون يدينون العالم بحياتهم المقدسة والملائكة الأشرار في يوم الرب العظيم، أليس بالأولى يحكموا في الأمور الزمنية التافهة؟ كأن الالتجاء إلي المحاكم بالنسبة للإخوة فيه إهانة للقديسين.

أخبرنا السيد عن تلاميذه الاثني عشر أنهم يجلسون علي كراسيهم ليدينوا أسباط إسرائيل الاثني عشر (مت 19: 28). وفي موضع آخر نسمع عن ربوات القديسين الذين يدينون في يوم الرب العظيم (يه 14 - 15)، فإنه سيأتي مع قديسيه للدينونة (1 تس 3: 13). لا يعني هذا أنهم يشاركون السيد المسيح في إدانة الناس، إنما يجلسون علي كراسي الكرامة لينظروا دينونة العالم الشرير.

إذ يتمجد المؤمنون في يوم الرب العظيم ويجلسون عن يمين الديان كملكة تجلس عن يمين الملك، يدين الملك الملائكة الأشرار في حضور الملكة كمن تشاركه عمله. يرى البعض أن المؤمنين ينالون كرامة أفضل من الملائكة، إذ يتمتعون بعمل الله الخلاصي ويشاركونه مجده، فيكرمهم الملائكة القديسون.

قيل عن القديسين أنهم سيظهرون أمام الديان ويدينهم، عندئذ يملكون معه، لكنهم لا يشاركونه الدينونة. فالدينونة هنا تشير إلي تمتعهم بالمجد كشهادة قوية ودينونة ضد غير المؤمنين والملائكة الأشرار.

ولعل إدانة الملائكة الأشرار قد بدأت بالصليب حيث جرد الرئاسات والسلاطين أشهرهم جهارًا ظافرًا بهم فيه (كو 2: 15). أعطي للكنيسة سلطانًا أن تحطم مملكة إبليس وتطرده من كثيرين. هكذا يحطم المؤمنون الحقيقيون سلطان إبليس وجنوده ويدينونه.

في الإصحاح السابق يتحدث الرسول عن نفسه ومعه الرسل أنهم صاروا منظرًا للملائكة، حيث يجد الشياطين بهجتهم في اضطهاد المؤمنين ومضايقتهم، ولم يدركوا أن هؤلاء المؤمنين سيكونون شهادة عليهم في يوم دينونتهم.

لا يتحدث بولس هنا عن ملائكة حقيقيين بل عن الكهنة ومعلمي الشعب الذين سيُدانون بواسطة القديسين بسبب بطلان تعليمهم الخاص بالمسيح[265].

سيفريان أسقف جبالة.

يقول البعض إنه يشير هنا إلى الكهنة، لكن الأمر بعيد تمامًا عن هذا. حديثه هنا عن الشياطين. فلو أنه كان يتحدث عن الكهنة الفاسدين لكان يعني ذلك في العبارة: "إن القديسين سيدينون العالم" [2]. (لأن الكتاب المقدس اعتاد أن يدعو الأشرار أيضًا "العالم")، ولما كرّر الأمر مرّتين[266].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

يقصد بولس هنا بالملائكة الشياطين الذين كانوا قبلاً ملائكة[267].

ثيؤدورت أسقف قورش.

وإن كان بولس قد تعب أكثر من جميعهم (1 كو 10: 15) إلا إنه ليس له كرسي للحكم. لكنه بحق يحسب نفسه ضمن القضاة عندما يقول: "ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة؟" [3] [268].

القديس أغسطينوس.

"فإن كان لكم محاكم في أمور هذه الحياة.

فاجلسوا المحتقرين في الكنيسة قضاة "[4].

ربما يقصد بالمحتقرين المؤمنين غير المسئولين بعملٍ قيادي. فقد كان المجتمع اليهودي يضم خمس درجات من مجالس القضاء:

1. مجلس السنهدرين الأعظم Sanhedrin يضم 72 شيخًا، يجتمعون في أورشليم، لهم أعلى سلطة قضائية دينية.

2. مجلس السنهدرين الأصغر يضم 25 شخصًا في المدن الكبرى خارج أورشليم.

3. كرسي القضاء الثلاثي Bench of three في كل مجلس.

4. الكرسي المعتمد Authorized or Authentic bench.

5. الكرسي غير المعتمد، يُدعي هكذا لأنه لا يستمد سلطانه من السنهدرين، إنما يُختار أعضاؤه من الأطراف المتنازعة للفصل في منازعاتهم دون الدخول إلى مجالس رسمية.

"المحتقرون" والترجمة الحرفية هي "الذين بلا كرامة". لعله يقصد بالمحتقرين الذين لا يُوثق فيهم، هؤلاء سيكونون أفضل من الوثنيين المقاومين للحق الانجيلي. وكأن الرسول يقول لهم إن لم تجدوا إنسانًا يصلح من بين القيادات الكنسية، فاختاروا أنتم ممن يظنهم البعض محتقرين لكي يحكموا في قضاياكم الداخلية.

يريد الرسول أن يقوم الأشخاص الحكماء المؤمنون الذين تأسسوا حسنًا في مواضع مختلفة بالحكم في مثل هذه الأمور، وليس الأشخاص المشغولون بالكرازة والذين يتنقلون هنا وهناك... إن لم يوجد قضاة حكماء، فإنه يود أن يقيموا أشخاصًا أقل ومحتقرين حتى لا تُقدم أمور المسيحيين إلى أعين العامة[269].

القديس أغسطينوس.

إذ أراد أن يعلمنا كما بقوة قدر المستطاع أنه ينبغي أن لا نسلم أنفسنا (في القضاء) للذين في الخارج، مهما كان الأمر، أثار بما يبدو كأنه اعتراض وأجاب عليه... فما يقوله هو هكذا: ربما يقول أحد: "ليس بينكم أحد حكيمًا ولا من هو قادر على إصدار حكم؛ الكل محتقرون". الآن ماذا يلي هذا؟ يقول: "حتى وإن لم يوجد بينهم حكيم، فأنا أمر أن توضع الأمور بين يديّ المحتقرين" [270].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

"لتخجيلكم أقول:

أهكذا ليس بينكم حكيم ولا واحد يقدر أن يقضي بين إخوته؟ "[5].

كان الكورنثوسيون يفتخرون بأنهم أصحاب فلسفات وحكمة ويظنون أنهم أفضل من بعضهم البعض بينما لا يجدون إنسانًا حكيمًا واحدًا يقدر أن يفصل في قضايا الإخوة دون أن تبلغ المحاكم الوثنية. ولعله بسبب الانشقاقات التي عانت منها الكنيسة في كورنثوس لم يستطع المسيحيون أن يستقروا علي حكيمٍ واحد قادر أن يفصل في الخصومات بين الإخوة، مما جعل الأفراد يلجأون إلى قضاة وثنيين. لهذا يوبخهم قائلاً: "أهكذا ليس بينكم حكيم ولا واحد يقدر أن يقضي بين إخوته؟".

يهاجم بولس الكورنثوسيين لأنهم وإن كانوا بالحق في وسط اليونان (مركز الفلسفة والحكمة) لم يوجد بينهم أناس حكماء مع أن كثيرين جاءوا إليهم يبشرون بالحكمة[271].

العلامة أوريجينوس.

"لكن الأخ يحاكم الأخ،.

وذلك عند غير المؤمنين "[6].

لدينا رؤساء الكنيسة الذين يجب أن نلجأ إليهم في منازعاتنا حتى لا نُستدعى أمام المحاكم الشرعية لغير المؤمنين[272].

العلامة أوريجينوس.

هذا لا يتعارض بأية كيفية مع ما جاء في رسالته إلى أهل رومية (ص13) حيث يخبرهم بولس أن يكرموا المسئولين.

إنه لا يطلب منا مقاومة السلطات العلمانية، إنما بالأحرى ألا نلجأ إليهم[273].

ثيؤدورت أسقف قورش.

الاتهام مزدوج وهو الذهاب إلى القضاء والوقوف أمام غير المؤمنين. فإن كان الدخول مع الأخ في محاكمة خطأ، فإن تحقيق ذلك أمام غرباء كيف يُغفر له؟ [274].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

2. لنحتمل الظلم ولا نمارسه.

"فالآن فيكم عيب مطلقًا،.

لأن عندكم محاكمات بعضكم مع بعض،.

لماذا لا تُظلمون بالحري؟

لماذا لا تُسلبون بالحري؟ "[7].

كأنه يقول لهم إن لم يوجد بينهم حكيم واحد يفصل بين الإخوة فإن ما سيحل بأحدهم من ظلم خلال التدخل الكنسي أهون من استخدام حق القضاء ضد الإخوة في محاكم وثنية. فسلام القلب مع احتمال شيءٍ من الظلم أفضل من الدخول في مخاصمات ومنازعات أمام القضاء، خاصة إن كان القاضي وثنيًا يكره الإيمان ويقاومه، فيسئ استخدام الموقف.

أي عيب مطلق فيهم؟ التجاؤهم إلي المحاكم الوثنية فيه فقدان للسلام والحب الأخوي والثقة المتبادلة بين المؤمنين ومخافة الرب. لهذا يقول: "لكن أنتم تظلمون وتسلبون وذلك للإخوة" [8]. ربما يشير هنا إلى الإنسان الذي يزني مع زوجة أبيه.

يليق بالمسيحى ألا ينشغل برفع قضايا نهائيًا، ولكن إن كان الأمر خطير للغاية لا يمكن تجاهله فليعرض قضيته على الكنيسة[275].

ينتهر بولس الذين يسلكون بالخطأ، فيبدأون بالمشاحنات. فإن هؤلاء معرضون ليس فقط للعقوبة بسبب الخطأ الذي ارتكبوه، وإنما أيضًا يساهمون في خطأ الذين يلتزمون بسبب ما أصابهم من ضررِ وغشِ أن يذهبوا إلى غير المؤمنين ليحكموا في أمرهم[276].

أمبروسياستر.

بهذه الطريقة نحن ننقذ خصمنا أيضًا من النتائج الشريرة ولو بغير إرادته. ونحن أنفسنا لا نستهين بوصية الله، فكخدام له لا ندخل في مشاحنات ولا في طمعٍ، بل نهدف باستقامة لإعلان الحق ولن نتعدى حدود الغيرة[277].

القديس باسيليوس الكبير.

مرة أخرى فإن الجريمة مضاعفة وربما مثلثة بل وأربعة أضعاف.

أولاً: أنك لا تعرف كيف تحتمل، فهذا خطأ.

ثانيًا: أنك تمارس الخطأ.

ثالثًا: أنك تعرض الأمر حتى على الظالمين.

رابعًا: أنك تفعل هذا ضد الأخ. فإن أخطاء الناس لا يُحكم عليها بقانونٍ واحدٍ بعينه، فما يُرتكب ضد شخص عفوًا غير ما يرتكب ضد عضو (في نفس العائلة أو الكنيسة) [278].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

3. لن يرث الأشرار ملكوت الله.

"أم لستم تعلمون أن الظالمين لا يرثون ملكوت الله؟

لا تضلوا،.

لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعو ذكور.

ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله "[9 - 10].

"لا تضلوا" أو "لا تنخدعوا"، فالرسول بولس يخشى أن يصيروا في خطر "الانخداع". والأخطر أن الذي يخدعهم ليس بإنسانٍ من الخارج، بل تخدعهم قلوبهم وأفكارهم الخاطئة، أو لعل الذين يخدعهم القادة الذين كان يجب أن يقودوهم في الطريق الملوكي الحق.

يقدم الرسول هنا عشرة طبقات تحرم نفسها من التمتع بحقوق أبناء الله فلا يرثون الله، ولا يرثون مع المسيح (رو 8: 17). قدم الحق واضحًا وصريحًا، وهو أن مثل هؤلاء الخطاة المصممين علي عدم التوبة لن يرثوا ملكوت الله. فالذين يمارسون عمل إبليس لن يتمتعوا بالمكافأة الإلهية، بل أجرة الخطية هو موت (رو 6: 23). يليق بهم ألا يخدعوا أنفسهم، فإنه يستحيل أن يزرع إنسان ما للجسد ويحصد ما هو للروح.

يحذرهم الرسول من ثلاثة مخاطر:

أ. أن يفقدوا ملكوت الله.

ب. أن تسقط نفوسهم في شباك الخداع.

ج. أن يذهبوا إلي جهنم.

انظروا ما يقوله بولس... ألا ترون كيف أن كل أنواع الشر قد غلبت؟ إنها حالة ظلمة ملبّدة وفساد لكل ما هو حق[279].

أولاً فإن السُكر أمر لا يُستهان به ولا الشتيمة، متطلّعين إلى أن المسيح نفسه سلم من يقول لأخيه يا أحمق لجهنم[280].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

علينا ألا نُخدع لمجرد تسميتهم باسم المسيح دون أن يكون لهم الأعمال، بل ولا الأعمال ولا المعجزات أيضًا تخدعنا، لأن الرب الذي صنع المعجزات لغير المؤمنين حذرنا من أن نُخدع بالمعجزات، ظانين أنه حيثما وجدت المعجزة المنظورة توجد الحكمة غير المنظورة. لذلك أضاف قائلاً: "كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب أَليس باسمك تنبَّأْنا؟ وباسمك أخرجنا شياطين؟ وباسمك صنعنا قوّاتٍ كثيرة؟ فحينئذٍ أصرّح لهم إني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" (مت 7: 22)، فهو لا يعرف غير صانعي البرّ. لهذا منع الرب تلاميذه من أن يفرحوا بصنع المعجزات مثل خضوع الشياطين لهم قائلاً: "بل افرحوا بالأحرى أن أسماءَكم كُتِبَت في السماوات" (لو20: 10)، أي في مدينة أورشليم التي لا يملكها سوى الأبرار والقديسون كما يقول الرسول: "ألستم تعلمون أن الظالمين لا يرثون ملكوت الله؟" (1 كو 9: 6) [281].

القديس أغسطينوس.

لا تنخدعوا يا إخوتي، فإن مفسدي البيوت لن يرثوا ملكوت الله[282].

القديس أغناطيوس النوراني.

ملكوت الله ينبغي أن يتطهر من كل خطية وزنا حتى يملك الله فيه[283].

العلامة أوريجينوس.

إن قال أحد أنه لا يريد ملكوت الله، وإنما يطلب الراحة الأبدية يلزمه ألا يخدع نفسه، فإنه لا يوجد سوى موضعان لا ثالث لهما. إن لم يستحق الإنسان أن يملك مع المسيح فبالتأكيد سيهلك مع الشيطان[284].

قيصريوس أسقف آرل.

يلزمنا أن نصارع ضد هذه الرذائل التي أشرنا إليها حتى نبلغ إلى استقرار الحياة. يلزمنا في رحلتنا أن نمارس التقوى والرحمة والتواضع وبرَّ الحياة الكامل، والطهارة والتعقل والسلام والإيمان والمحبة. فإنكم لن تبلغوا إلى الميراث الموعود به ما لم تنتزعوا في حياتكم الرذائل التي تثقل الجسم[285].

الأب فاليريان.

4. ربنا يبررنا من خطايانا.

"وهكذا كان أناس منكم.

لكن اغتسلتم، بل تقدستم، بل تبررتم،.

باسم الرب يسوع، وبروح إلهنا "[11].

هم بالطبيعة بائسون وخطاة، لكنهم يغتسلون بمياه المعمودية، ويتمجدون علي الدوام بالروح القدس، ويتبررون بدم المسيح وحده. بهذا يتأهلون للتمتع بالله القدوس في مجده والسكني الأبدية في السماء.

اغتسل بعضهم بمياه المعمودية (تي 3: 5، عب 10: 22)، فتعهدوا أن يسلكوا كما يليق بأبناء القدوس. وتقدسوا، أي عزلوا أنفسهم عن الأوثان ليكرسوا القلب للَّه القدوس، وتبرروا، أي صاروا موضع سرور الله في المسيح البار. هذا ما تمتعوا به باسم الرب يسوع ونالوه بقوة روحه القدوس.

يبدأ بالغسل في مياه المعمودية حيث ننال الميلاد الجديد، ثم التقديس حيث يعمل روح الله علي تقديسنا اليومي، وأخيرًا إذ نحمل برّ المسيح نتبرر أمام الآب.

نال الكورنثوسيون كل منافع النقاوة في عمادهم، التي هي أساس حق الإنجيل. في العماد يغتسل المؤمن ويتطهر من كل خطاياه، ويصير بارًا باسم الرب، وبروح الله يصير ابنًا للَّه بالتبني. بهذه الكلمات يذكرهم بولس بمدى عظمة النعمة التي نالوها في التقليد الحق. لكنهم بعد ذلك إذ صاروا يفكرون ضد قانون الإيمان الخاص بالمعمودية حرموا أنفسهم من كل هذه المنافع. لهذا فهو يحاول أن يردهم إلى طريق تفكيرهم الأصلي حتى يستردوا ما قد سبق فنالوه[286].

أمبروسياستر.

خلاص إسرائيل من فرعون كان خلال البحر، وخلاص العالم من الخطيئة يتم بغسل الماء بكلمة الله (أف 26: 5) [287].

القديس كيرلس الأورشليمي.

لكي نفهم معنى الأردن الذي يطفئ الظمأ ويروي النعم من المفيد لنا أن نشير أيضا إلى نعمان السرياني الذي برأ من البرص...

ليس نهر آخر ينزع البرص من الإنسان إلا ذاك النهر الواحد (الأردن) إن دخله الإنسان بإيمان وغسل نفسه في يسوع...

السبب في ذلك أن الذين يغسلون فيه يخلصون من عار مصر (محبة العالم) [إذ عبر فيه يشوع بعد ترك مصر والبرية]، ويصيرون قادرين على الصعود إلى السماء [عبر فيه إيليا قبل ارتفاعه] ويتطهرون من البرص المرعب للغاية [نعمان السرياني]، بهذا يصيرون متأهلين لقبول الروح القدس[(1)].

لم يتطهر أحد إلا نعمان السرياني الذي ليس من إسرائيل.

انظر، إن الذين يغتسلون بواسطة إليشع الروحي الذي هو ربنا ومخلصنا، يتطهرون في سرّ المعمودية، ويغتسلون من وصمة الحرف (الذي للناموس).

لقد قيل لك: "قم، اذهب إلى الأردن واغتسل فيتجدد جسدك".

لقد قام نعمان وذهب واغتسل رمزا للمعمودية، فصار جسمه كجسم صبي صغير. من هو هذا الصبي؟ إنه ذاك الذي يولد في جرن التجديد.

العلامة أوريجينوس[289].

لكي يخجلهم بالأكثر أضاف هذا، وكأنه يقول لهم: "تأملوا من أية شرور خلّصكم الله منها، وأية خبرات وبراهين على رأفاته العظيمة قدمها لكم!

لم يحدّ خلاصه بإنقاذكم، بل امتد بدرجة عظيمة لنوال منافع، إذ غسلكم. هل هذا هو كل ما قدمه؟ لا، بل أيضًا قدّسكم. ولا هذا هو كل ما قدّمه، فإنه أيضًا برّركم. فإن كان الخلاص من خطايانا هو عطية عظيمة إلا أنه قد ملأكم ببركات لا تُحصى. هذا ما فعله باسم ربنا يسوع المسيح، وليس بهذا الاسم أو ذاك، نعم وبروح إلهنا[290].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

بعد قراءتهم هذه العبارات أطلب منهم أن يتأملوا كيف يمكن للمؤمنين أن يسمعوا هذه الكلمات: "لكن اغتسلتم" إن كانوا لا يزالوا يقاومون هذا في قلوبهم، أي في هيكل الله الداخلي فيهم، ويسمحون برجاسات مثل هذه الشهوات التي يُغلق أمامها ملكوت السموات[291].

القديس أغسطينوس.

5. ليس كل ما يحل لنا يوافقنا.

"كل الأشياء تحل لي، لكن ليس كل الأشياء توافق،.

"كل الأشياء تحل لي، لكن لا يتسلط علي شيء" [12].

قد يعترض أحد قائلاً: "أليس من حقي الدفاع عن حقوقي ضد أخي إن كان ظالمًا، حتى وإن كان الأمر يستلزم الوقوف أمام محاكم وثنية؟" الإجابة هي إن كل الأشياء تحل لي، ولكن ليس كل الأشياء توافق.

ينطبق نفس المبدأ على الأكل من اللحوم التي قدمت ذبائح للأوثان وتُباع في الملحمة. كل الأطعمة محللة، لكن لا يليق بالمؤمن أن يكون نهمًا أو سكيرًا، فيفقد سلطانه علي بطنه أو فكره أو إرادته أو اتزانه.

يحدثنا هنا عن ناموس الإنسان المسيحي وهو:

ناموس الحرية، كل الأشياء تحل لي [12؛ 23: 10].

ناموس الغلبة، فلا يتسلط عليّ شيء [12].

ناموس الابن، السلوك بما يليق بي [12].

ناموس النمو الدائم، فأسلك بما يبنيني [23: 10، 24].

كل الأشياء شرعية، لكن من الواضح يجب أن تكون على أساس ضبط النفس[292].

القديس إكليمنضس السكندري.

بقوله: "كل الأشياء" يفترض بولس الأشياء التي يحتويها الناموس الطبيعي، والتي هي شرعية بالنسبة لزملائه الرسل. إنها لا تشير إلى ناموس موسى، لأن موسى منع أمورًا كثيرة بسبب قسوة قلب الشعب غير المؤمن الغليظ الرقبة[293].

أمبروسياستر.

إذ نحن لسنا تحت الناموس لنا حرية الاختيار، ولكن يلزم إدراك أن بعض الخيارات صحيحة والبعض خاطئة[294].

ثيؤدورت أسقف قورش.

إنه يتطلع إلى النهمين. فإنه إذ قصد مقاومة الزناة مرة أخرى، ولما كان الزنا يثيره الترف وعدم الاعتدال لهذا بكل قوة يعاقب هذا الهوى... لاحظ كيف أن كل واحدٍ منهم يقول: "من حقي أن أعيش في ترفٍ". يجيب: "إذ تفعلون هذا لا تعملون بعد كمن له سلطان على شيءٍ، بل بالأحرى كمن أنتم أنفسكم تخضعون لمثل هذا السلطان. لأنه ليس لكم سلطان حتى على بطونكم ما دمتم تتسيّبون في سلوككم، بل هي التي لها سلطان عليكم. نقول نفس الشيء بالنسبة للغنى والأمور الأخرى[295].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

6. قدسية الجسد.

"الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة،.

والله سيبيد هذا وتلك،.

ولكن الجسد ليس للزنا، بل للرب،.

والرب للجسد "[13].

الجسم ليس للزنا، فإن الله لم يخلقه لهذا الهدف، وإنما لخدمة الله ومجده، كأداة للبرّ في القداسة (رو 6: 19)، فلا يليق استخدامه في النجاسة. الجسم للرب حيث يمجد الرب بخدمته، والرب للجسد، إذ بذل ذاته من أجل تقديس الجسد، لأجل قيامته وتمجيده مع النفس.

حتمًا يأتي وقت فيه لا يحتاج الجسم إلى طعام حين يحمل طبيعة جديدة، ويصير له حق التمتع بالسماويات.

يقدم لنا الرسول نظرة مسيحية للجسد بكونه:

عضوًا في جسد المسيح (13، 15؛ 27: 12).

خيمة الروح الإنسانية (2 كو 1: 5، 6).

إناء فيه كنز (2 كو 7: 4).

ذبيحة حية للَّه (رو 1: 12).

يلزمنا أن نضبط البطن ونحفظها تحت توجيه السماء. فإن الله في النهاية سيحطم كل ما هو للبطن كما يقول الرسول[296].

القديس إكليمنضس السكندري.

إذ يُكرس الجسد للَّه ينال مكافأة روحية من أجل استحقاق من يحكمها، أي النفس العاقلة[297].

أمبروسياستر.

"الأطعمة للجوف" [13]. لا يقصد بالجوف هنا المعدة، بل نهم المعدة. وذلك كما يقول: "إلههم بطنهم" (في 19: 3)، فلا يقصد جزءً من الجسم بل النهم... يقول: "الأطعمة" بمعنى النهم، ومع النهم فهي لا تستطيع أن تقودنا إلى المسيح بل تسحبنا إليها. فإن النهم هو هوى قوي بهيمي يجعلنا عبيدُا...

لا يقول هذا عن الطعام والجسم بل عن هوى النهم والمبالغة في الأكل، الأمر الذي يوبّخه، هذا ما يظهره حديثه بعد ذلك. "والله سيبيد هذا وتلك". إنه لا يتحدث عن المعدة، وإنما عن الشهوة المبالغ فيها، ليس عن الطعام، بل عن الأكل المستمر. فإنه لا يغضب على الطعام، إنما يضع له قواعد للالتزام بها، قائلاً: "فإن كان لنا قوت وكسوة فنكتفِ بهما" (1 تي 8: 6). على أي الأحوال فإنه يجد أن هذا الأمر ككلٍ معيب، أما إصلاحه (بعد تقديم النصح لهم) فيُترك للصلاة[298].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

حسنًا يليق بالذين يخشون أن يطلبوا أي شيء يبيد يومًا ما كأمر رئيسي يشتهونه، متطلّعين إلى أن كل شخصٍ يشترك بنصيبٍ مما يتعبد به، وقد حذر الرسول من ذلك عندما قال: "إلههم بطنهم" (في19: 3). وفي موضع آخر يقول: "الأطعمة للجوف، والجوف للأطعمة، والله سيبيد هذا وتلك" [13] [299].

القديس أغسطينوس.

7. قيامة المسيح مصدر قيامتنا.

"والله قد أقام الرب،.

وسيقيمنا نحن أيضًا بقوته "[14].

أوضح كيف أن الرب للجسد، بقيامته وهب الجسد قوة القيامة. وهبه عدم الفساد عوض الفساد، والخلود عوض الموت، والطبيعة الروحية عوض الطبيعة الترابية، فكما لبسنا صورة آدم الأول الترابي سنلبس صورة آدم الثاني السماوي.

الرجاء في القيامة التي صارت حقًا لنا في المسيح القائم من الأموات يحفظنا من تسليم الجسد لعبودية الفساد والشهوات.

إذ صار السيد المسيح ممثلاً لنا أقامه الأب كعربون لقيامتنا التي تتحقق خلال قوة قيامة المسيح، فنشاركه مجده.

هل تدركون مرة أخرى حكمته الرسولية؟ فإنه على الدوام يؤسس الإيمان بالقيامة بالمسيح خاصة الآن. فإن كان جسمنا هو عضو المسيح، والمسيح قائم، بالتأكيد يلزم للجسم أن يتبع الرأس[300].

إن كان ينسب قيامة المسيح للآب لا تضطربوا قط. فإنه ليس كما لو كان المسيح بلا سلطان عندما قال هذا، إذ هو نفسه يقول: "انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أُقيمه" (يو 19: 2)، وأيضًا: "لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضًا" (يو 18: 10). ويقول لوقا في سفر الأعمال: "الذين أراهم أيضًا نفسه حيًّا" (أع 3: 1). فلماذا يقول بولس ذلك؟ لأن كلا من أعمال الابن لحساب الآب، وأعمال الآب لحساب الابن. لذلك يقول: "لأنه مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك" (يو19: 5) [301].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

لبس الفادي ثياب الموت...

تشبه بأهل المكان،.

أشرق نوره على السكان،.

فانطلقت التسابيح تشكر الديَّان.

وعندما سمع آدم صوت الابن الحنان،.

ابتهج وقدم آيات الولاء والشكران.

كما فعل يوحنا في بطن أمه،.

عندما زارتها العذراء،.

فعل آدم في أرض الفناء،.

لقد انتهي العقاب وفتحت الأبواب،.

وزالت سلطة زبانية (شوكة) الهاوية.

لأن الرب أراد أن يرفع يدهم عن مخلوقاته برأفته المتناهية.

نزل إلى مدينة الأموات،.

ليفك قيود أسرى الخطيئة والخطاة.

حطم الأغلال وفك القيود.

جاء المخلص وانتهت المأساة،.

وفتحت أبواب الحنان للمؤمنين الصالحين،.

بفضل رب الجنة والتكوين.

وأخذ داود قيثارة ينشد مزاميره وأشعاره،.

يقول: جاء الحي إلى الأموات ليعيد لهم الحياة،.

سبحوا الرب يا سكان الأرض.

سبحوا الرب على المعجزة، فالحرّ يحل بين الأموات[302].

القديس مار يعقوب السروجي.

لقد مسحني السرّ الإلهي... وإنني اتحد بالسرّ، الذي يحضرني إلى هذا اليوم العظيم المشرق، واهبًا عونًا لضعفي، فيعطيني ذاك الذي قام من الأموات في مثل هذا اليوم، حياة لنفسي أيضًا، ويلبسني الإنسان الجديد (أف 23: 4، 24)، ويجعلني من الخليقة الجديدة هؤلاء الذين ولدوا من الله... فأكون مستعدًا أن أموت معه وأقوم أيضًا معه...

بالأمس (أول أمس) [303] ذبح الحمل، ورشت القوائم بدمه... وعبر الملاك المهلك بسيفه المهلك مرتعبًا وخائفًا... لأننا محفوظون بالدم الثمين...

بالأمس قد صلبت مع المسيح، واليوم أنا ممجد معه!

بالأمس مت معه، واليوم وهبت حياة معه!

بالأمس دفنت معه، واليوم أقوم معه!

القديس غريغوريوس النزينزي.

8. عضويتنا في جسد المسيح.

"ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح؟

أفأخذ أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء زانية؟ حاشا "[15].

يتطلع المؤمن إلي كل أعضاء جسمه بكل وقارٍ بكونها أعضاء المسيح، وهيكلاً لروحه القدوس.

إذ يستخدم الجسم كأعضاء للمسيح يلزم ألا يكون أعضاء لزانية.

إذ تتحد النفس مع المسيح بالإيمان يصير كل كيان الإنسان عضوًا في جسد المسيح السري. يتحد الجسد كما النفس مع السيد المسيح. يا لكرامة المسيحي! فقد صار جسمه عضوًا في جسد المسيح.

جميعكم أعضاء المسيح، إذ اتحدتم معه بميلادكم الثاني بالروح. لكم الرجاء أنكم ستقومون كما قام هو[304].

الأب ثيؤدور أسقف المصيصة.

ليس شيء يرعب مثل هذا التعبير، إنه لم يقل: "آخذ أعضاء المسيح وأجعلها مرتبطة بزانية"، بل ماذا قال: "وأجعلها أعضاء زانية"، الأمر الذي يثيره بحذاقة! [305].

حقًا إن الخوف من العقوبة كفيل أن يحفظهم في العفة، لكنه إذ لم يرد بالخوف وحده أن يضع هذه الأمور في نصابها، استخدم مع التهديد البراهين العقلية[306].

إنه يتحدث معهم كأبناء من أصل شريف[307].

كل الأشياء تنتمي للرب: الجسد والنفس والروح... لاحظوا كيف قدّم الكل للتأمل في المسيح، كيف رفعنا إلى السماء. إذ يقول: "أنتم أعضاء المسيح"، "أنتم هيكل الروح". فلا تصيروا بعد أعضاء لزانية لأنه هذا ليس جسدكم بالمرة بل خاص بالمسيح[308].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

"أم لستم تعلمون أن من التصق بزانية هو جسد واحد؟

لأنه يقول يكون الاثنان جسدًا واحدًا "[16].

يقول الله لآدم "لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكونان جسدًا واحدًا" (تك 2: 24، مت 19: 5).

الفساد الجنسي يجعل الاثنين واحدًَا في الطبيعة كما في الخطية[309].

أمبروسياستر.

الإنسان الذي يرتكب الزنا وعدم الطهارة الصادرة عنه يهين زواجه وزوجته. إنه يخطئ ضد جسمه، وبالتالي ضد زوجته لأن الاثنين جسد واحد[310].

أوكيمينوس.

"وأما من التصق بالرب، فهو روح واحد" [17].

ليست من خطية مرعبة مثل الزنا، فإنها تجعل الإنسان متغربًا عن السيد المسيح باتحاده مع زانية، فيصير معها جسدًا واحدًا. لن يمكن أن يتم اتحاد بين المسيح والزناة؛ خطية الزنا تسيء إلي رأس المؤمن وسيده السيد المسيح.

من يتحد بزانية يصير معها جسدًا واحدًا وليس روحًا واحدًا، إذ لا يتمتعان بعمل الروح القدس، أما من يلتصق بالرب، فيقبل روح الرب فيه، فيصير معه واحدًا (يو 15: 1 - 7؛ 17: 21؛ يو 3: 6).

يقيم روح الله شركة بين الله والكائنات البشرية عندما نتحد مع الرب[311].

أمبروسياستر.

إذ يغسلنا من كل خطية ويطهرنا يدخل القديس يوحنا إلى علاقة حسنة مع برِّه وبرّ أبيه، فحسنًا يقول الرسول: "من التصق بالرب فهو روح واحد" [17] [312].

القديس أغسطينوس.

الكلمة صار جسدًا، وجسد الإنسان يرتفع إلى مجد الله[313].

الأب بطرس خريسولوجوس.

الالتصاق يجعل الاثنين واحدًا ولا يبقيا بعد اثنين[314].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

9. خطورة الزنا.

"اهربوا من الزنى.

كل خطية يفعلها الإنسان هي خارجة عن الجسد،.

لكن الذي يزني يخطئ إلى جسده "[18].

ليست خطية في بشاعة الزنا إذ تربط جسم الإنسان بجسد زانية ويصيرا جسدًا واحدًا. لنهرب منها كما هرب يوسف الشاب من شهوات سيدته المصرية.

بالهروب السريع وحده يمكننا أن نتحفظ من عنف سيدة قاسية كهذه، ونهرب من عبودية شريرة كهذه[315].

القديس أمبروسيوس.

لاحظ أن بولس لم يقل إنه يلزم أن نكره الزنا، بل أن نتحفظ منه كأناس يحذرون ضرر الشر[316].

ثيؤدورت أسقف قورش.

لم يقل: "امتنعوا عن الزنا" بل قال: "اهربوا من الزنا"، أي بكل غيرة لكي تخلصوا من هذا الشر... يقول: "ماذا إذن، أليس المُحرّم يدنّس يداه؟ وماذا عن الشخص الطمّاع والعنيف؟ أظن أنه واضح أن هذا لكل أحد. ولكن إذ لا يمكن الإشارة إلى شيءٍ أردأ من الزنا، فقد أوضح ضخامة الخطية بطريقة أخرى بحديثه عن الزاني، إنه يجعل الجسد كله دنسًا. يفسد الجسد ككله كمن سقط في إناء من الرجاسة وغطس في النجاسة[317].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

يثير شيطان الزنا الشهوة الجسدية، ويشن هجومه على النساك، ويجاهد لكي يتخلوا عن نسكهم، زارعًا في نفوسهم بأن نسكهم هذا بلا نفع. فإذا ما استطاع أن يدنس النفس، يبتدئ يهيئها لقول وسماع بعض الأحاديث (الشريرة) حتى يبدو كما لو أن العمل (الشرير) ذاته ماثل أمام أعينهم[318]..

الأب أوغريس الراهب.

10. الجسد هيكل للروح القدس.

"أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم،.

الذي لكم من الله، وأنكم لستم لأنفسكم؟ "[19].

بالخضوع للسيد المسيح بروحه القدوس تصير أجسامنا هيكل الروح القدس، فمن يزني يهين هيكل الرب نفسه. هكذا يليق بالمؤمن أن يحفظ قدسية هذا الهيكل ولا يسيء إلى الساكن فيه.

بقوله "جسدكم" وليس "أجسادكم" واضح أنه يتحدث عن كل جماعة المؤمنين كجسدٍ واحدٍ، إنهم هيكل الروح القدس. وكأن الكنيسة صارت هي الشكينة التي كان الله يتحدث من خلالها لموسى وللشعب (خر 25: 22).

كما لو أن الشخص يصير روحًا مع أن الجسد يحوط به. فإنه عندما لا يكون حوله ما هو مادي أو كثيف أو أرضي، فإن الجسد مجرد يحوط به لكن إدارة حياته كلها هي بالنفس والروح. بهذا يتمجد الله[319].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

في نظر أفلاطون الجسم سجن، أما في نظر بولس فهو هيكل الله لأنه في المسيح[320].

العلامة ترتليان.

"لأنكم قد اشتريتم بثمن،.

فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي للَّه "[20].

الله الذي خلق الجسم كما الروح يتمجد في كيان المؤمن كله، فيستخدم الجسم كما الروح لحساب ملكوته. كما يُشتري العبد بثمنٍ فيصير في ملكية سيده، هكذا اُشترينا بدم السيد المسيح، فلم نعد ملك أنفسنا بل نحن ملك فادينا، نكرس الجسم مع الروح بكل الطاقات لحسابه.

"فمجّدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم" [20]. يقول هذه الأمور لا لكي نهرب من الزنا في الجسد فحسب، بل وفي الروح وفي الذهن، فنمتنع عن كل فكرٍ شرير، ومن انتزاع النعمة عنا[321].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

لا تستسلموا للشهوات العالمية، "قد اشتُريتم بثمن" [20]. فمن أجلكم صار الكلمة جسدًا، ومن أجلكم صار ابن الله ابن الإنسان، حتى تصيروا أنتم أبناء البشر أبناء الله[322].

القديس أغسطينوس.

الذي أُشتري ليس له سلطان أن يأخذ قرارات، بل يقوم الشخص الذي اشتراه بذلك. ونحن إذ اُشترينا بثمنٍ غالٍ جدًا يليق بنا أن نخدم سيدنا بالأكثر، لئلا بإهانة ذاك الذي حررنا نعود فنسقط في الموت[323].

أمبروسياستر.

إذن لنمجد الله، ونحمله في أجسادنا وأرواحنا. ربما يقول أحد: كيف يمجده الإنسان في الجسد؟ وكيف يمجده في الروح؟ هنا يدعو النفس روحًا ليُميّزها عن الجسد. ولكن كيف نمجده في الجسد والروح؟ يمجده في الجسد ذاك الذي لا يرتكب زنا والذي يتجنب النهم والسُكر، ولا يبالي بالاستعراضات الخارجية، ومن لا يطلب مئونة أكثر مما يلزم لصحته، وهكذا بالنسبة للمرأة فإنها لا تهتم بالروائح والمكياج، بل تكتفي بما خلقها الله عليه ولا تضيف شيئًا من عندها[324].

ليتنا لا نهتم بالمظهر الجميل الباطل وبلا نفع. ليتنا ألا نعلم أزواجنا أن يعجبوا بالشكل الخارجي المجرد. لأنه إن كانت زينتكِ هي هذه، فإنه يعتاد على رؤية وجهك هكذا فيمكن لزانية أن تُأسره بسهولة من هذا الجانب. لكن أن تعلم أن يحب أخلاقك الصالحة وتواضعك، فإنه لا يكون معدًا للضياع، إذ لا يجد في الزانية ما يجذبه إليها، هذه التي لا تحمل هذه السمات بل نقيضها. لا تعلّميه أن يُؤسر بالضحك ولا بالملابس الخليعة لئلا تهيّئين له السم[325].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

لنمجد الله ونحمله في جسمٍ طاهرٍ بلا غضن، وفي حفظٍ كاملٍ. ليت هؤلاء الذين يخلصون بدم المسيح يخضعون لقانون مخلصهم في طاعةٍ كاملةٍ كخدام. لنهتم ألا نقدم شيئًا نجسًا أو دنسًا في هيكل الله، لئلا إذ يُهان يترك المسكن الذي يقطن فيه[326].

الشهيد كبريانوس.

من وحي 1كو 6.

بروحك أسلك بما يليق.

فأنا ابن لك!

وهبتني بروحك القدوس البنوة للَّه أبيك.

نزلت معك إلى نهر الأردن،.

ليحل روحك ويشكّلني أيقونة لك.

نعم، هب لي روحك الناري أن يجدد على الدوام طبيعتي،.

فأسلك لما يليق كابنٍ وعضوٍ في جسدك.

أنت الحاكم والديّان قبلتَ أن تُحاكم،.

هب لي ألا أُحاكم أحدًا،.

ولا أدين أحدًا،.

بل بفرحٍ أحب وأربح حتى الذي يظلمني.

حبي لأخي أعظم من نوال أي حق بشري!

لأحتمل ظُلمه، فإني لا احتمل هلاكه الأبدي!

أنت القدوس سلكت معي على أرضي،.

شاركتني الحياة هنا،.

هب لي قداستك عاملة فيّ،.

فبدون القداسة لا أقدر أن أعاينك،.

ولا أستطيع العبور إلى ملكوتك.

ليس من أثرٍ للخطية يقدر أن يعبر معي إلى سماءك!

فإن سماءك هي مقدس إلهي!

أنت البار، وحدك بلا خطية.

لأقتنيك، فبك وحدك أتبرر.

وبدونك أبقى أسيرًا للخطية والفساد!

أنت الإله، من يقدر أن يقاومك؟

لك الحق أن تفعل ما تشاء.

بحبك لي صرت عبدًا ولم تطلب حقًا لك.

اسمح لي أن اقتفي آثارك.

اسمح لي أن أحمل روحك.

اسمح لي ألا أُمارس إلا ما يوافقك!

أنت الكلمة الأزلي، صرت جسدًا من أجلي!

يا لفرحي! يا لكرامتي! سيدي يحمل جسدًا مثلي!

فكيف احتقر الجسد بعد؟

كيف أستخف به؟

متى أراه يُشارك جسدك مجد القيامة؟

متى يعبر مع النفس ليتمتع بالأمجاد الأبدية؟

جسدي عطية إلهية،.

سأعرف حقًا قيمتها عندما يصير جسدًا مجيدًا!

أنت القيامة وواهبها!

لتدخل إلى قبري وتحملني إلى الحياة الجديدة.

من يقدر أن ينزع موتي ويهبني الحياة غيرك؟

من يحطم فسادي ويهبني عدم الفساد؟

من ينزع ضعف الجسد وهوانه ويهبه القوة والكرامة؟

لك المجد يا أيها الغني في عطائه.

أنت الرأس مدبر كل أعضاء الجسم ومقدسها.

قدسني بروحك،.

فلن يقدر الزنا أن يلتصق بي،.

ولا تقدر النجاسة أن تقترب إلى حياتي.

أقم مني هيكلاً لروحك القدوس.

فيه تحل مع أبيك وروحك القدوس.

فيه تقيم سماءً جديدة.

فيه يحل الفرح الذي لا ينقطع!

الباب الثالث.

مشاكل اجتماعية.

7 - 10.

مشاكل اجتماعية.

الكنيسة في قدسيتها تهتم بوحدة الجماعة وتقديس كل عضوٍ كما بتقديس العائلة والجماعة.

عالج الرسول بولس في الإصحاحات السابقة ما سمعه من عبيد خلوي عن المشاكل التي كانت قائمة في كورنثوس، الآن يجيب على التساؤلات التي قُدمت على يدي مندوبيهم:

1. أسئلة تدور حول الزواج والبتولية والعلاقات الجسدية الخ. (ص 7).

2. التساؤل بخصوص الطعام المكرّس للآلهة الوثنية إن كان يجوز أكله أم لا (ص 8).

3. حقوق الرسول والكارز بالإنجيل لدى الشعب (ص9).

4. ما هو موقف المؤمن من الولائم في هيكل وثني؟ وما موقفه من اللحوم في السوق العام؟ وما موقفه من وليمة في بيت صديق وثني؟ (ص 10).

الأصحاح السابع.

الزواج والبتولية.

النظرة إلى الزواج والبتولية في العصر الرسولي.

يجيب الرسول في هذا الأصحاح عن بعض الأسئلة التي بعث بها الكورنثوسيون إليه، منها هل يليق بالمؤمن ألا يتزوج في الظروف المعاصرة في كورنثوس؟ غالبًا ما قام بالتساؤل بعض المسيحيين الذين من أصل أممي وبعض ممن هم من أصل يهودي.

كان اليهود يرون الزواج أمرًا ضروريًا، ويحسبون من لا يريد الزواج قد ارتكب جرمًا. بينما يتطلع كثير من الفلاسفة إلى الزواج كشرٍ يجلب متاعب لا حصر لها، لكنه شر لا بد منه.

في قوانين Lycurgus كان غير المتزوجين يمنعون من مشاهدة الألعاب العامة، وفي قوانين Sportans كان غير المتزوجين يُعاقبون. وأعلن أفلاطون بأن هؤلاء لا يستحقون أية كرامة، ومع هذا وجد فلاسفة يونانيون يدافعون عن العزوبية وعدم الزواج.

أدت النظرة الخاطئة للجسد إلى تطّرفين: الأول الاستهانة به كعنصر ظلمة كله شهوات، فأسلمه هذا الفريق للزنا. والثاني دنسوا النظرة إلى العلاقات الزوجية الجسدية، فنادوا بامتناع المتزوجين عن المعاشرة الزوجية.

دافع العلامة أوريجينوس، كما فعل من قبله معلمه القديس إكليمنضس السكندري، عن شرعية الزواج، ضد الإنكراتيين Encratites، الذين كان أغلبهم مرقيونيين Marcionites ومونتانيين Montanists. فيشير إليهم كـ "أتباع تعاليم الشياطين" كقول القديس بولس في 1 تي 3: 4. في مرات كثيرة أشار إلى تحريمهم للزواج، ومناداتهم بالنسك (لكون بعض الأطعمة دنسة) [327]. جاء في كتابات أوريجينوس ضد المرقيونيين أنه ليس شيء خلقه اللَّه غير طاهر في ذاته. وأنه لا يتنجس شيء ما إلا بالأفكار والنيات الشريرة للبشر. إنهم يُحرمّون الزواج الذي حققته العناية الإلهية[328]. دافع أوريجينوس عن الزواج المسيحي، بصفته نموذجًا للاتحاد بين الكنيسة والمسيح.

ويمكن تلخيص ما ورد في هذا الإصحاح عن الزواج والبتولية في النقاط التالية:

ا. يعلن الرسول عن سمو الحياة البتولية [1، 8] بالنسبة لمن لم يتزوج أو البتول. فقد عاش الرسول بولس بتولاً، متفرغًا للخدمة دون تحرق. فالبتولية ليست غاية في ذاتها، بل هي تكريس الطاقات والإمكانيات للعبادة أو الكرازة. فإن كان الرسول يشتاق أن يقتدي الكل به، ذلك ليس لأن الزواج خطية، وإنما لأجل الرب لمن وُهبوا هذه العطية. "فأريد أن تكونوا بلا همّ. غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضي الرب. وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضي امرأته" [33].

ب. يلزم إلا يمتنع أحد عن العلاقات الزوجية كأمرٍ دنسٍ. إنما يمكن الامتناع إلى حين، للتفرغ للعبادة، وبموافقة الطرفين.

ج. إن قبل أحد الزوجين الإيمان المسيحي، وقبل الطرف الثاني، وهو غير مسيحي، أن يبقى معه فلا يمتنع الأول. لأن غير المؤمن مقدس في المؤمن، وإلا يُحسب الأولاد نجسين. هذا لا يعني التصريح للمسيحي بالزواج بغير المؤمنة، إنما يتحدث عمن كانا متزوجين قبل قبول أحدهما الإيمان بالمسيح.

د. لا يليق بالمتزوج أن يندم على زواجه، ويمكن للبتول أن يبقى هكذا، لكنه إن تزوج لا يخطئ. من لا يضبط نفسه فليتزوج، “لأن التزوج أفضل من التحرق” [9]. ولكل مؤمن موهبته الخاصة من اللَّه: الزواج أو البتولية [7].

يقول ثيؤدورت أسقف قورش: [سأل أهل كورنثوس بولس إن كان من حق المسيحيين المتزوجين، وقد نالوا العماد أن يتمتعوا بالعلاقات الجسدية بين الزوجين. أجاب بولس أنه يمدح العفة، ويدين الزنا ويسمح بالعلاقات الزوجية[329].].

1. الزواج أفضل من التحرق 1 - 9.

2. السماح بالبقاء مع غير المؤمنين 10 - 16.

3. البقاء في الحال الذي عليه 17 - 24.

4. البتولية أفضل 25 - 35.

5. موقف الإنسان من عذرائه 36 - 38.

6 - اعتزاز الأرامل بمركزهن 39 - 40.

1. الزواج أفضل من التحرق.

"وأما من جهة الأمور التي كتبتم لي عنها.

فحسن للرجل أن لا يمس امرأة "[1].

كانت الكنيسة في كورنثوس تعاني بجانب الانشقاقات تحت أسماء قادة معينين من صراعات بسبب مفاهيم الجنس والعلاقات الجسدية والزواج. فمن جهة كانت كورنثوس تفتخر بهيكل أفروديت وما تمارسه الكاهنات المكرسات للفساد لحساب الهيكل. ولعل البعض كان يحسب هذا التسيب علامة من علامات التحضر والتقدم. وأن العفة والطهارة نوع من التزمت غير اللائق بمواطني مدينة عظيمة مثل كورنثوس.

ومن الجانب الآخر تطلع البعض إلى الزواج وكأنه زنا مباح فقام بعض المعلمين الكذبة ينادون بالامتناع عن الزواج لأنه نجاسة وإشباع لشهوات جسدية. جاء رفضهم للزواج كمظهر من مظاهر القداسة والتقوى.

وظهرت آراء كثيرة متضاربة بين هذين التطرّفين، لهذا بعث البعض بأسئلتهم في هذا الشأن إلى القديس بولس الرسول بكونه مؤسس الكنيسة هناك والمسئول عنها، يطالبونه بإجابة محددة على أسئلتهم.

إذ أُثيروا بواسطة الأذهان الفاسدة للرسل الكذبة الذين في ريائهم علّموا برفض الزواج حتى يحملوا مظهر القداسة أكثر من الآخرين، لهذا كتب أهل كورنثوس إلى بولس يسألونه عن هذه الأمور. وإذ كانوا غير سعداء بهذا التعليم تجاهلوا كل ماعدا ذلك وركزوا على هذا الأمر وكثفوا أسئلتهم[330].

أمبروسياستر.

يقول البعض أن هذا المقال يوجهه الرسول إلى الكهنة؛ لكنني أرى مما جاء بعد ذلك أن الأمر ليس كذلك، وإلا ما كان يقدم نصيحته في عبارة عامة. فلو أن هذه الأمور خاصة بالكهنة لقال: "جيد بالمعلم أن لا يمس امرأة" [331].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

بدأ إجاباته على أسئلتهم بوضع المبدأ العام: "حسن للرجل أن لا يمس امرأة". وهو هنا يقدم تقديره الخاص لحياة البتولية التي يراها أنها حياة أفضل، لكنها ليست ملزمة للجميع.

إذا كانت شرور البشر تحتاج إلى قوانين رادعة، فإن البتولية تأخذ مكانها المساوي للملائكة[332].

القديس كبريانوس.

كل الكلمات البشرية قاصرة عن أن تضيف شرفًا أكبر لنعمةٍ فائقة كالبتولية.

ما انفصلت البتولية قط عن الملتصق بواهب صفات الألوهية... إن كل قواميس اللغة وأساليب البلاغة تُحتقر احتقارًا إن اُستخدمت في مدحها.

البتولية رفيقة الإنسان في عمله الروحاني، ومساعدة له في البلوغ إلى الهدف السامي للحياة... إنها الطريق العملي في علم الحياة الإلهية. وهي تهب الأشخاص قوة حتى أنهم يتشبّهون بالطبائع الروحانية[333].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص.

يعتبر أوريجينوس البتولية أعظم المواهب كمالاً بعد الاستشهاد. ففي ذبيحة البتولية، يكون الإنسان هو الكاهن من خلال فكره، والذبيحة من خلال جسده، وذلك على مثال المسيح فوق الصليب. تمثل البتولية حلقة وصل متميزة بين السماء والأرض، حيث كان اللَّه قادرًا أن يتحد بالبشرية فقط من خلال جسد "مقدس" أخذه من امرأة عذراء بدون علاقة زوجية[334].

"ولكن لسبب الزنى ليكن لكل واحد امرأته،.

وليكن لكل واحدة رجلها "[2].

بجانب حياة الشركة والتعاون الأسري، فإن أحد أهداف الزواج هو حماية الغرائز الجنسية من الانحراف، فعلى الزوجين مسئولية اهتمام كل منهما بالآخر. تقدم لنا الحكمة الإلهية الزواج كعلاجٍ عملي ضد الزنا بكل أنواع الشهوات غير اللائقة. لكي يتجنب الإنسان السقوط في الزنا فيكون للرجل زوجته، وللزوجة رجلها.

لا يظن أحد أنني أُقلل من قيمة الزواج كسُنّةٍ ونظام. نحن لا نجهل أن الزواج ليس غريبًا عن بركة اللََّه[335].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص.

البتولية ليست احتقارًا للزواج... ولا تلمح هذا الاستعلاء، لأن العلاقة بين الرجل والمرأة كعلاقة المسيح بالكنيسة[336].

القديس أغناطيوس الثيؤفورس.

من حيث أنه في الابتداء ظن أبونا أنهما اثنان، أنظر كيف لصقهما وضمهما معًا ليكونا جسدًا واحدًا بواسطة سرّ الزواج. لأنه يقول عِوض هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسدًا واحدًا.

القديس يوحنا ذهبي الفم.

كيف يمكننا أن نعبَّر عن سعادة الزوجية التي تعقدها الكنيسة، ويثبتها القربان، وتختمها البركة؟ [337].

العلامة ترتليان.

"ليوفِ الرجل المرأة حقها الواجب،.

وكذلك المرأة أيضًا الرجل "[3].

يسمح اللَّه لنا بالزواج، إذ ليس كل إنسانٍ قادرًا على حالة السموّ المُلزم بالنقاوة المطلقة[338].

إنك تمتنع عن زوجتك التي ارتبطت بها. تقول إنني لا أسيء إليها وتظن أنك تقدر أن تعيش عفيفًا في نقاوة أعظم. أنظر كيف تحطم زوجتك البائسة كنتيجة لتصرفك، فإنها عاجزة عن احتمال طهارتك! يجب أن تلتصق بها جسديًا، لا من أجلك وإنما من أجلها هي! [339].

العلامة أوريجينوس.

هذا هو السبب لماذا يدعو الأمر دينًا (يفي به) ليظهر أنه ليس أحد سيدًا على نفسه بل كل منهما خادم للأخر… الآن إن كان ليس للزوج أو الزوجة سلطان على جسديهما، بالأكثر ليس لهما سلطان على ممتلكاتهما. هذه مساواة عظمى في الكرامة وليس لأحدهما سلطان خاص أو حق خاص[340].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

يلزم للزوج والزوجة أن يخضع كل للآخر في هذا الأمر. إذ صار الاثنان جسدًا واحدًا وإرادة واحدة حسب ناموس الطبيعة[341].

أمبروسياستر.

تقتضي النواميس البشرية أن تكون النساء عفيفات وإن لم تكن هكذا تعاقب، ولا تطالب بذلك بالنسبة للرجال. ذلك لأن الرجال هم الذين وضعوا الشرائع فلم يضعوا أنفسهم على قدم المساواة مع النساء، بل أعطوا لأنفسهم تقديرًا أكثر. أما الرسول القديس الذي أوحى له بالنعمة الإلهية فهو أول من وضع قانون العفة موضع تطبيق للرجال أيضًا[342].

ثيؤدورت أسقف قورش.

"ليس للمرأة تسلط على جسدها بل للرجل،.

وكذلك الرجل أيضًا ليس له تسلط على جسده بل للمرأة "[4].

ليس للرجل أن يتسلط علي جسده بل يقدمه لزوجته، وأيضا ليس للزوجة تسلط علي جسدها بل تقدمه للزوج. بهذا فإن الزنا وتعدد الزوجات هما خرق لقانون الزواج، حيث سلم كل منهما جسده للطرف الآخر، وليس من حقه أن يسلمه لشخص ثالث.

"لا يسلب أحدكم الآخر إلا أن يكون على موافقة إلى حين،.

لكي تتفرغوا للصوم والصلاة،.

ثم تجتمعوا أيضًا معًا،.

لكي لا يجربكم الشيطان لسبب عدم نزاهتكم "[5].

بالنسبة للمتزوجين فقد صاروا في ملكية متبادلة، كل يقدم جسده للآخر كملكٍ له، ليس له حق الامتناع عن العلاقة الجسدية وإلا صار سالبًا حق الآخرين [5]. فامتناع أي طرف من العلاقة الجسدية دون رضا الطرف الآخر هو سلب لحقوق الزواج. وبالأولي الالتصاق بطرف ثالث سلب لها. يمكن الامتناع إذا اتفق الاثنان للتفرغ للصوم والصلاة إلي حين، دون ضغط من أحد الطرفين على الآخر [5].

يُلاحظ أن الرسول لم يقل: "للصوم والصلاة"، وإلا كان ذلك معناه أن العلاقة دنسة، إنما “لكي تتفرغوا "لهما. يقول الرسول: “أقول ذلك علي سبيل الإذن لا علي سبيل الأمر" [6]، لئلا يظن من لا يمتنعا عن العلاقة للتفرغ أنهما قد كسرا وصية إلهية... إنه طريق الكمال للقادرين!

ليس من الصعب بالنسبة للمتزوجين المخلصين أن يضعوا لمدة أيام ما تعهد به الأرامل والبتوليون القديسون أن يفعلوه كل أيام حياتهم، لهذا لتلتهب فيكم الغيرة، ولتُضبط الشهوات[343].

القديس أغسطينوس.

يلزم أن تتم أسرار الزواج بقدسيةٍ وبتريثٍ وليس بأهواء مشوشة[344].

العلامة أوريجينوس.

لست أخجل أن أنطق بهذا ما دام بولس لم يخجل من القول: "لا يسلب أحدكم الآخر" [5] فيبدو ما يقوله مخجل أكثر مما أقوله، ومع هذا لم يخجل. فإنه لا يهتم بالكلمات بل بالأعمال التي توضع في مكانها اللائق كما بسيوف[345].

لماذا هذا؟ لأن شرورا عظيمة تصدر عن هذا النوع من الامتناع. لأن الزنا والنجاسة ودمار العائلات غالبًا ما يحدث بسبب هذا. فإن كان الرجال وهم لهم نساؤهم يتعرّضون لارتكاب الزنا فبالأكثر يسقطون إن نزعت عنهم هذه التعزية... يمكنك أن تعيش مع زوجة وتهتم بالصلاة. ولكن بالعفة تصير الصلاة أكثر كمالاً. إذ لم يقل: "لكي تصلوا، بل قال:" لكي تتفرغوا للصلاة "، فما يتكلم عنه ليس بسبب دنس ما وإنما للتفرغ أكثر... ألا ترون المعنى القوي الذي يقصده بأن العفة أفضل، ومع هذا فهو لا يُلزم الشخص العاجز عن بلوغها، لئلا يعترض أحد[346].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"ولكن أقول هذا على سبيل الإذن لا على سبيل الأمر" [6].

علي سبيل الإذن، أي ليس وصية إلهية من لا ينفذها يُحسب عاصيًا للَّه، إنما هي وصية لمن يطلب الكمال، الأمر الذي لا يقدر الكل أن ينفذه.

ماذا يعني هذا؟ لا تلزموا أنفسكم بشيٍء أكثر من طاقتكم لئلا خلال امتناعكم المشترك تسقطون في الزنا؛ لئلا يجرّبكم الشيطان لسبب عدم نزاهتكم. ولكي لا يبدو كمن يأمر وهو مجرد يسمح بذلك (لأن ما يُطلب من شخص كأخلاقيات أقوى يختلف عما يسمح به للضعفاء)، لهذا أضاف في الحال: "ولكن أقول هذا على سبيل الإذن لا على سبيل الأمر، لأني أريد أن يكون جميع الناس كما أنا"، وكأنه يقول: "لست أمركم أن تفعلوا هذا، لكنني أسامحكم إن فعلتموه" [347].

القديس أغسطينوس.

"ولكن أقول هذا... لاعلى سبيل الأمر" [6]. لأن هذا ليس حكم إلزامي بل هو متروك لمحبي العفة... أتريد أن تعرف رأي بولس في هذا الأمر؟ "لأني أريد أن يكون جميع الناس كما أنا" [7] [348].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"لأني أريد أن يكون جميع الناس كما أنا،.

لكن كل واحدٍ له موهبته الخاصة من اللَّه،.

الواحد هكذا والآخر هكذا "[7].

يدرك المؤمن إن ما هو عليه هو من قبيل العناية الإلهية، فيعيش في شكرٍ دائمٍ بلا تذمرٍ.

يعطى بولس راحة للمتزوجين بالقول أن الزواج هبة من اللَّه[349].

ثيؤدورت أسقف قورش.

"لأني أريد أن يكون جميع الناس كما أنا" (1 كو 7: 7)، أي يمارسون العفة. لم يرد أن يلزمهم أن يرتبطوا بحدود ضيقة، فيطلب أمورًا مشددة للغاية، إنما اكتفى أن يقدم لهم فضيلة معتدلة[350].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

بالحقيقة هؤلاء يحتلون مرتبة عالية أمام اللَّه الذين يتركون كل الأعمال العلمانية ويخدمونه في عفة جادة، ولكن كما يقول الرسول "كل واحد له موهبته الخاصة من اللَّه، الواحد هكذا والآخر هكذا". إذن إذ يصلى البعض من أجلكم يحاربون ضد أعدائكم غير المنظورين، وأنتم إذ تحاربون من أجلهم تقاومون البرابرة، الأعداء المنظورين[351].

القديس أغسطينوس.

إذ يربط اللَّه بين الرجل والمرأة (في الزواج) معًا، لذلك توجد هبة مُقدمة لمن يربط بينهما اللَّه. عرف بولس ذلك فأعلن أن الزواج حسب كلمة اللَّه يعادل طهارة البتولية المقدسة، قائلاً: "أريد أن يكون جميع الناس كما أنا، لكن كل واحدٍ له موهبته الخاصة من اللَّه، الواحد هكذا والآخر هكذا" (1 كو 7: 7). فمن يربط بينهم اللَّه، يطيعون في فكرهم وعملهم الوصية القائلة، "أيها الرجال، أحبوا نساءكم، كما أحب المسيح أيضًا الكنيسة" (أف 25: 5) [352].

العلامة أوريجينوس.

"ولكن أقول لغير المتزوجين وللأرامل،.

أنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا "[8].

"ولكن إن لم يضبطوا أنفسهم فليتزوجوا،.

لأن التزوج أصلح من التحرق "[9].

يرى البعض أن دعوة الشهوة تحرقًا ونارًا اقتبسها الرسول بولس عن قصة الحاخام عمرام[353]:

قيل أن مجموعة من النساء سُبين وأُحضرن إلى Nehardea حيث أودعن في علية الحاخام عمرام. ولكي لا تهرب إحداهن رُفع السلم وبقين في العلية حتى يتقدم من يفديهن. عبرت إحداهن علي نافذة العلية، وإذ كان جمالها باهرًا أُسر الحاخام بجمالها، فاحضر السلم ليصعد إليهن. في منتصف الصعود صار ضميره ينخسه علي هذا التصرف غير اللائق. فأخذ يصرخ: نار! نار! في بيت عمرام! تجمهر الجيران حول البيت واضطر أن ينزل من السلم.

جرى إليه الحاخامات يسألونه إنك أخزيتنا إذ لا توجد نار في البيت. أجابهم عمرام: "خير لي أن تخجلوا هنا في بيت عمرام في هذا العالم من أن أخزيكم في الحياة العتيدة". وصار يستحلف الشهوة الرديئة أن تخرج منه، فخرجت كعمود من نار. عندئذ قال عمرام "أنتِ نار، وأنا جسد، لكنني قد غلبتكِ!".

غاية بولس تجنب الزنا لا وضع عقبات في طريق طالبي طريق الحياة السامية[354].

أمبروسياستر.

ثل هذا الشخص (الذي يقدر أن يضبط نفسه) لا يخطئ ضد العهد (بزواجه)، لكنه لا يحقق الغرض السامي للأخلاقيات الإنجيلية[355].

القديس إكليمنضس السكندري.

لماذا أنت تعرف بأنه توجد ضرورة للعلاج من الشهوة ومع هذا تعترض عليّ عندما أقول أن الشهوة مرض؟ إن كنت تتعرف على العلاج فلتتعرف أيضًا على المرض! [356].

القديس أغسطينوس.

2. السماح بالبقاء مع غير المؤمنين.

"وأما المتزوجون فأوصيهم لا أنا بل الرب،.

أن لا تفارق المرأة رجلها [10].

لا يجوز للمتزوجين الانفصال عن بعضهما البعض بسبب دنس نظرتهم للعلاقة الجسدية. “أوصيهم لا أنا بل الرب” [10]. هذه وصية إلهية من يكسرها يخطئ في حق الوصية الإلهية.

لأن ما سيقوله هو أمر من المسيح ألا تفارق الزوجة إلا لعلّة الزنا (مت 32: 5؛ 9: 19؛ مر 11: 10؛ لو 18: 16) لذلك يقول: "لا أنا بل الرب" [357].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

لقد أعُطي هذا لنا كي نفهم أنه لا يطلق الواحد الآخر مادام الاثنان مؤمنين[358].

القديس أغسطينوس.

"وإن فارقته، فلتلبث غير متزوجة أو لتصالح رجلها،.

ولا يترك الرجل امرأته "[11].

يسمح اللَّه بتطليق الزوجة بسبب الزنا، لكن ماذا يقصد هنا بالزنا؟ هل يقصد المعنى العام الذي نفهمه، أي ارتكاب النجاسة؛ أم المعنى الذي يستخدمه الكتاب المقدس عند حديثه عن الأمور المحرمة كعبادة الأوثان والطمع. وبذلك يكون الزنا هو كل تعدٍ على الناموس بسبب الشهوة الشريرة. ولكي نكون مدققين نفحص رأي الرسول عندما يقول "وأما المتزوّجون فأوصيهم لا أنا بل الربُّ أن لا تفارق المرأَة رجلها. وإن فارقتهُ فتلبث غير متزوّجة أو تصالح رجلها. ولا يترك الرجل امرأته" (1 كو 10: 7 - 11). فقد يحدث أن تفارقه بسبب الزنا، لأنه لا يجوز لها تركه إلا لهذا السبب، كالرجل الذي لا يترك زوجته إلا لنفس العلة، وإلا فما الداعي أن يكمل الرسول قائلاً: "لا يترك الرجل امرأته".

لم يضف الرسول "لعلة الزنا" التي سمح بها رب المجد، لأنها مفهومة ضمنًا أن الترك لعلة الزنا، فيخضع الرجل للقاعدة التي تخضع لها المرأة، فإذا ترك زوجته (لعلة الزنا) يلبث غير متزوج أو يصالح زوجته. لأنه ليس بالأمر الشرير أن يصطلح مع امرأته التي زنت، مثل تلك المرأة التي لم يجرؤ أحد على رجمها، والتي قال لها الرب: "اذهبي ولا تخطِئي أيضًا" (يو11: 8). لذلك نجد أن الرب أجبر الزوج على عدم تطليق زوجته لغير علة الزنا، أما في حالة الزنا فلا يأمره بتطليقها بل سمح له بذلك. وهذا يشبه القول بالسماح للمرأة أن تتزوج بعد وفاة زوجها، فإن تزوجت قبل وفاته تكون مخطئة، أما إذا لم تتزوج بعد وفاته فلا تكون مخطئة لأنها لم تؤمر بالزواج بل يُسمح لها بذلك.

نلاحظ أن في شريعة الزواج يخضع الرجل لنفس القواعد التي فرضت على المرأة. فعندما يحدث الرسول المرأة: "ليس للمرأَة تسلُّط على جسدها بل للرجل" (1 كو 4: 7)، يحدث الرجل أيضًا: "وكذلك الرجل أيضًا ليس له تسلط على جسده بل للمرأة". فما دامت القواعد بينهما متشابهة، لذلك لا يجوز للمرأة أن تترك رجلها إلا لعلة الزنا كالرجل تمامًا[359].

شرح الرسول هذا الأمر قائلاً بأن الزوجة تكون مرتبطة ما دام رجلها حيًا، ولكن إن مات رجلها فيُسمح لها بالزواج. وفي هذه المسألة لم يذكر الرسول رأيه الخاص - كما في بعض نصائحه - بل يوصي بأمر الرب، وذلك بقوله: "وأما المتزوّجين فأوصيهم لا أنا بل الربُّ أن لا تفارق المرأَة رجلها… ولا يترك الرجل امرأته" (1 كو10: 7 - 11). أعتقد أنه بنفس القاعدة إذا ترك الرجل زوجته. ربما أن الترك يكون بسبب الزنا - ذلك الاستثناء الوحيد الذي أراده الرب - لذلك فلا يُسمح للمرأة أن تتزوج ما دام رجلها حيًا ولا للرجل أن يتزوج ما دامت المرأة التي طلقها حية.

حقًا لتعتبر زيجات مباركة بالأكثر تلك التي يستطيع فيها كلا الطرفين، سواء بعد إنجاب الأطفال أو قبل الإنجاب لعدم الاهتمام بأن يكون لهما نسل أرضي، أن يتفقا اتفاقًا مشتركًا على الامتناع تلقائيًا كل عن الآخر. على أنه ينبغي أن يكون الاتفاق برضى الاثنين. حتى لا ينتج عن ذلك ترك الواحد للآخر (دون إرادة الثاني) فيخالف وصية الرب التي لا تسمح بالترك. فإن اتفق كليهما معًا فسيحيا حياة روحية لا جسدية وبالتالي لا يكون قد طلقها[360].

القديس أغسطينوس.

"وأما الباقون فأقول لهم أنا لا الرب:

أن كان أخ له امرأة غير مؤمنة،.

وهي ترتضي أن تسكن معه،.

فلا يتركها "[12].

يقصد بالباقين الذين قبِل أحد الطرفين منهما الإيمان المسيحي وبقي الآخر غير مسيحي، فإن الأمر في يدّ غير المؤمن؛ إن أراد البقاء فليبقَ، وإن فارق فليفارق، ولا يكون الطرف الآخر مستعبدًا له... أي يجوز له أن يتزوج بمسيحي. هنا يتحدث عن زيجات سابقة للإيمان، وقبل طرف دون آخر الإيمان. لا يتشكك المؤمن بالتصاقه بغير المؤمن مادام الزواج قد تمّ قبل دخوله الإيمان... الآخر مقدس ليس في ذاته إنما في المؤمن، وأولاده مقدسون فيه.

واضح أن المرأة التي ترتبط بعابد وثنٍ هي معه جسد واحد. حسنًا! هما جسد واحد، ومع ذلك لا تصير دنسة، بل طهارة الزوجة تغلب دنس الزوج. مرة أخرى فإن طهارة الزوج المؤمن تغلب دنس الزوجة غير المؤمنة. كيف إذن في هذه الحالة الدنس يُغلب ويسمح بالعلاقة بينهما، بينما في حالة المرأة الزانية لا يُدان الرجل عندما يفارقها؟ لأنه هنا يوجد رجاء أن العضو الضائع قد يخلص خلال الزواج، أما في الحالة الأخرى فالزواج قد انحلّ فعلاً وكلاهما قد فسدا، أما هنا فالخطأ من جانب واحد لا من جانب الاثنين...

لكن الأمر هنا ليس بخصوص شخصين لم يجتمعا بعد (الزواج) بل بخصوص الذين ارتبطوا فعلاً به. إنه لم يقل إن أراد أحد أن يأخذ له زوجة غير مؤمنة، بل قال: "إن كان أخ له امرأة غير مؤمنة" [12]... ماذا إذن هل اليوناني (الأممي غير المؤمن) مقدس؟ بالتأكيد لا، إذ لم يقل أنه مقدس بل قال أنه "مقدس في زوجته"، قال هذا لا ليعني أنه مقدس (في ذاته)، وإنما لكي يخلص المرأة تمامًا قدر المستطاع من مخاوفها ويقود الرجل لكي يرغب في الحق[361].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

يقول بولس هذا عن حالة اثنين أمميين، أحدهما صار مؤمنًا. عادة الوثني يكره المسيحية، والمسيحي لا يريد أن يتأثر بالوثنية، ولهذا يقول بولس إن كان الاثنان سعيدان في عيشتهما معًا يلزم أن يستمرا[362].

أمبروسياستر.

لا يعنى بولس أن المرأة ملتزمة أن تتزوج غير مؤمن وإنما هي ملتزمة أن تبقى معه ما دامت كانت أصلاً متزوجة (قبل قبولها الإيمان) [363].

سيفريان أسقف جبالة.

الزواج عطية روحية، ولكن لا تكون هكذا إن تمت مع غير المؤمنين. لا يُعطى روح اللَّه ليسكن في هؤلاء الذين هم غير مؤمنين[364].

العلامة أوريجينوس.

"والمرأة التي لها رجل غير مؤمن،.

وهو يرتضي أن يسكن معها فلا تتركه "[13].

"لأن الرجل غير المؤمن مقدس في المرأة،.

والمرأة غير المؤمنة مقدسة في الرجل،.

وإلا فأولادكم نجسون، وأما الآن فهم مقدسون "[14].

والحكمة من وصية الرسول هو أن عدم تركها قد يترك لها فرصة للإيمان. فيقول "لأن الرجل غير المؤْمن مقدَّس في المرأَة، والمرأَة غير المؤْمنة مقدَّسة في الرجل" (1 كو 14: 7).

أظن أن بعض النساء صرن مؤمنات بواسطة أزواجهن المؤمنين كما صار بعض الرجال مؤمنين بواسطة زوجاتهم المؤمنات.

لم يؤيد الرسول نصيحته بذكر أسماء بل بأمثلة قائلاً "وإلا فأولادكم نجسون. وأما الآن فهم مقدسون". لأن أولادكم الآن مسيحيون، هؤلاء الذين تقدسوا بسبب إيمان أحد الوالدين أو كليهما معًا. وقداسة هؤلاء الأولاد لم تكن تحدث لو انهار الزواج بإيمان أحد الزوجين (أي ترك الطرف الآخر لعدم إيمانه) ولكن المؤمن احتمل غير المؤمن تاركًا له مجالاً للإيمان. واحتمال الضعفاء هذا من مشورة الرب إذ يقول: "ومهما أنفقت أكثر فعند رجوعي أوفيك" (لو 35: 10) [365].

القديس أغسطينوس.

الزوج والزوجة هما واحد كما أن الخمر والماء هما واحد عند امتزاجهما معًا. كما أن الشريك غير المؤمن يفسد المؤمن. لهذا السبب فإن الذي لم يتزوج بعد يلزمه بكل حرص إما أنه لا يتزوج نهائيًا أو يتزوج في الرب[366].

العلامة أوريجينوس.

أبناء المؤمنين كانوا بمعنى ما معينين للقداسة والخلاص، وبعربون هذا الرجاء يسند بولس الزيجات التي يود أنها تستمر[367].

العلامة ترتليان.

عندما يكون الأطفال طاهرين وقديسين وغير مُفسدين بعدم الإيمان تكون النصرة لإيمان الوالدين[368].

سيفريان أسقف جبالة.

"ولكن أن فارق غير المؤمن فليفارق،.

ليس الأخ أو الأخت مستعبدًا في مثل هذه الأحوال،.

ولكن اللَّه قد دعانا في السلام [15].

الزوج المسيحي يمكنه أن يترك زوجته دون لوم عليه حتى إن كانا قد تزوجا قانونيًا ما دامت ترفض الزوجة أن تعيش معه لأنه مسيحي[369].

القديس أغسطينوس.

الزواج الذي يُعقد بدون صلوات للَّه غير مُلزم، لهذا لا يُحسب خطية إن انحل من أجل اللَّه. أما الشريك غير المؤمن فهو يخطئ ضد اللَّه وضد الزواج، لأنه هو أو هي لا يرغب أن يعيش في زواج مقدس للَّه. ليس له حق أن يذهب إلى المحكمة لأجل هذا، لأن من يترك الزواج يفعل هذا بسبب كراهيته للَّه، ولهذا فإنه أو إنها لا يُحسب أهلاً للاستماع إليه[370].

أمبروسياستر.

لا يكون الشريك المؤمن هو سبب الطلاق. ولكن إن أراد الشريك غير المؤمن أن ينفصل يكون الشريك المؤمن بريئًا وليس عليه اتهام[371].

ثيؤدورت أسقف قورش.

إن كان في كل يوم يلطمك ويدخل معك في صراع فإنه من الأفضل أن تنفصلا فإن هذا هو ما يعنيه بقوله: "ولكن اللَّه قد دعانا في السلام" [15]. فإن الطرف الآخر هو الذي وضع أساس الانفصال كمن قد ارتكب دنسًا[372].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"لأنه كيف تعلمين أيتها المرأة هل تخلصين الرجل؟

أو كيف تعلم أيها الرجل هل تخلص المرأة؟ "[16].

يليق بالمسيحي الذي سبق زواجه أو زواجها بغير مؤمن ألا يهرب من صليبه بل يقبل الطرف الآخر لا لأجل نفع زمني أو إشباع رغبات جسدية أو نفسية أو اجتماعية وإنما لأجل خلاص الشريك، أما إذا رفض الشريك الشركة معه لقبوله الإيمان فهذا علامة من قبل الرب لكي يترك، لأنه لا يعلم أن كان قادرًا علي جذبه للإيمان أم لا.

3. البقاء في الحال الذي عليه.

"غير أنه كما قسم اللَّه لكل واحد،.

كما دعا الرب كل واحد،.

هكذا ليسلك،.

وهكذا أنا آمر في جميع الكنائس "[17].

من الواضح أن مدينة كورنثوس التي ضمّت جنسيات مختلفة كثيرة، وثقافات فكرية متباينة، وديانات متنوعة مع انتشار الفساد سبب ارتباكًا لبعض الذين قبلوا الإيمان بالمسيحية. فثارت تساؤلات كثيرة، منها:

ما موقفي من الطرف الآخر (الزوج أو الزوجة) الذي يرفض مشاركتي في الإيمان الجديد؟

ما هو موقفي منه إن كان يقبل البقاء معي دون الإيمان؟

وما موقفي إن كان يسيء المعاملة ويدخل في مشاحنات من أجل قبولي الإيمان؟

إن كنت مختونًا قبل الإيمان أو من الغرلة، فهل ملتزم بالختان؟

ما هي نظرة المسيحية لي إن كنت منتسبًا إلى طبقة من الأشراف، أو كنت عبدًا؟

هذه الأسئلة وما على شاكلتها احتاجت إلى إجابات صريحة من الرسول بولس، حتى يطمئن الكل أنهم سالكون الطريق الإنجيلي الآمن والسليم. أو بمعنى آخر، هل الظروف الأسرية أو الاجتماعية أو الثقافية يمكن أن تقف عائقًا عن التمتع بالحياة الإنجيلية؟

من الخطأ أن تفترض بأن الظروف التي تسود عندما يؤمن إنسان ما، وأنها تقف عائقًا له في أن يصير مقدسًا[373].

ثيؤدور أسقف المصيصة.

"دعي أحد وهو مختون،.

فلا يصر أغلف،.

دعي أحد في الغرلة،.

فلا يختتن "[18].

"ليس الختان شيئًا،.

وليست الغرلة شيئًا،.

بل حفظ وصايا اللَّه "[19].

الختان في ذاته لا يعنى شيئًا، إنما كان وصية من اللَّه. من جانب آخر فإن الغرلة هي الطريق الذي به خلقنا اللَّه عليه، فلا مكافأة عليه أيضًا[374].

سيفريان أسقف جبالة.

"الدعوة التي دعي فيها كل واحد فليلبث فيها" [20].

لا تستطيع الظروف الخارجية إن تعوق المؤمن الحقيقي عن الشهادة لحق الإنجيل، إن كان يهوديًا أو أمميًا، متزوجًا أو أعزب، حرًا أو عبدًا، فإنه يستطيع أن يشهد للحياة الجديدة المقامة خلال الوضع الذي هو فيه، في المسيح يسوع يتحد الكل معا كأعضاء في جسده بلا تمييز بين رجل وامرأة، يهودي ويوناني، بربري أو سكيثي، مختون أو في الغرلة، عبد أو حر (كو 3: 11). فإن نعمة اللَّه لا تحدها هذه الأمور.

ليستمر ويواصل العمل الذي كان عليه قبل الإيمان، مادام هذا العمل ليس فيه ارتكاب للخطية. عِوض الانشغال بتغيير الموقف يضع المؤمن في قلبه أن يشهد لمسيحه بشكرٍ وفرحٍ بحياته الجديدة في الموضع والظروف التي هو فيها.

المؤمن الحقيقي إنسان شاكر للَّه، يدرك أن كل الأمور تعمل معًا لخيره، فإن كان قد قبل الإيمان وهو مختون أو أغلف، متزوج أو أعزب، سيد أو عبد، لا يشغله شيء سوى يد اللَّه العاملة لبنيانه، والتي تختار ما هو لإكليله.

ضربة عدو الخير الخطيرة ضد المؤمن هي التذمر، فيشتهي دومًا أن يكون علي حال غير ما هو عليه. أما المؤمن الحقيقي الغالب فهو دائم الشكر يشعر انه محمول علي الأذرع الأبدية. له أب سماوي يخطط بحكمته السماوية ما يفوق كل فكر بشري.

لا يحزن اليهودي الذي قبل الإيمان المسيحي أنه يحمل في جسده علامة العهد القديم، ولا يضطرب الأممي الذي آمن لأنه غير مختتن، ظانا أن الختان ضروري لخلاصه.

الختان أو الغرلة كلاهما لا شيء، إنما الطاعة للَّه كأب سماوي، أي السلوك بروح البنوة المطيعة والأمينة، هو موضوع اهتمامنا.

الحالة التي دُعينا ونحن فيها هي في ذاتها أمر لا يعنى شيئًا. كمثال غير المتزوج يمكنه أن يعيش طاهرًا كما يمكنه أيضا أن ينشغل بالخطية بكل عمقه. نفس الأمر هو حق بالنسبة للمتزوج أيضا. لو أن المسيحيين وحدهم هم الذين يشتركون في حياة العزوبية لأمكن القول بأن العزوبية هي وضع إلهي طاهر. لكن اتباع مرقيون أيضا يمارسونها... فالعزوبية مكرمة فقط عندما تلتحف بحياة الكنيسة وسلوكها مع معرفة نقية وبالحق[375].

العلامة أوريجينوس.

يقول بولس ذلك لأنه بالنسبة للَّه لا فرق بين أحد الطريقين[376].

سفيريان أسقف جبالة.

"دعيت وأنت عبد فلا يهمك،.

بل وإن استطعت أن تصير حرًا فاستعملها بالحري "[21].

إن كنت قد قبلت الإيمان وأنت عبد، اُشتريت بمال، أو وُلدت كعبد يملكك آخر هذا لن يقلل من قيمتك، ولا يؤذيك لكن أن وجدت الفرصة لنوال الحرية فاقتنيها لأجل المنفعة الزمنية الحاضرة، ولاستخدامها للبنيان.

يشجع بولس العبيد أن يخدموا سادتهم الأرضيين لكي يُظهروا لهم أنهم مستحقون للحرية. العبد الذي لا يمارس عمله بلياقة يجدف على اسم المسيح ولا يصنع شيئًا لأجل اللَّه[377].

أمبروسياستر.

إني عبد لهذا الأمر واهتم بما أنا مرتبط به. فإنني أعرف أنه مكتوب أن ما يُغلب به الشخص يُسلم إليه كعبد... من يحررني من هذه العبودية الشديدة القسوة إلا ذاك الذي قال: "إن حرركم الابن فبالحقيقة تكون أحرارا" (يو8: 36) [378].

العلامة أوريجينوس.

يقول بولس لا يجوز لعبد أن يهرب، فيستخدم الدين عذرًا له[379].

ثيؤدور أسقف قورش.

"ليس الختان شيئًا وليست الغرلة شيئًا، بل حفظ وصايا اللَّه. الدعوة التي دُعي فيها كل واحدٍ فليلبث فيها. دُعيت وأنت عبد فلا يهمك" [19 - 21]. هذه الأمور لا تساهم في شيء في الإيمان، لهذا لا تدخل في حوار وصراع ولا ترتبك، فإن الإيمان يطرد كل هذه الأمور... "بل وإن استطعت أن تصير حرًا فاستعملها بالحري" [21]، بمعنى بالأحرى استمر كعبدٍ. الآن على أي أساس يطلب من الشخص الذي يمكن أن يتحرر أن يستمر كعبدٍ؟ إن ما يعنيه أن العبودية لن تؤذي بل هي نافعة...

يقول البعض أن الكلمات "فاستعملها بالحري" تشير إلى الحرية، فيفسرونها هكذا: "إن كنت لم تستطع أن تكون حرًا كن حرًا". لكن هذا التعبير يناقض طريقة بولس... كيف يكون العبد حرًا؟ لأنه يحررك ليس فقط من العبودية للخطية بل ومن العبودية الخارجية حتى وإن كنت مستمرًا كعبدٍ، فإنه لم يسمح للعبد أن يكون عبدًا حتى وإن كان إنسانًا ملتزم بالعبودية. وهذا عجب، فإنه يتحرر من الأهواء وأمراض الفكر، عندما يستهين بالغنى والغضب وما أشبه ذلك من الأهواء[380].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"لأن من دُعي في الرب وهو عبد فهو عتيق الرب،.

كذلك أيضًا الحر المدعو هو عبد للمسيح "[22].

إن كنت قد قبلت الإيمان وأنت عبد فلا تنشغل كثيرًا بالعبودية فتتمرر نفسك، لكن تطلع إلي الحرية التي وهبك إياها سيدك فتعيش بروح القوة والفرح. وإن كنت حرًا فأنت مدعو عبدًا للمسيح، عبودية الحب العجيب، حيث يقودنا بروحه القدوس إلى مجد ملكوته. عبوديتنا للسيد المسيح تكشف لنا عن خطته العجيبة لننال الحرية الحقيقية الأبدية.

من يخلص من الخطية هو بحق حر... على أي الأحوال فإنه حتى المؤمن الحر هو عبد المسيح، لأن التحرر من اللَّه هو أخطر خطية على الإطلاق[381].

أمبروسياستر.

يود بولس أن يظهر أن العبيد والسادة متساوون. جميعنا أحرار بالمسيح لأنه حررنا من طغيان إبليس، وبإرادتنا نحن عبيد للمسيح، لأنه إذ تحررنا قادنا إلى ملكوته[382].

أوكيومينوس.

هكذا هي المسيحية، في العبودية تهب حرية[383].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"قد اشتريتم بثمن،.

فلا تصيروا عبيدا للناس "[23].

يشتري الإنسان عبدًا، فيملك جسد، ه لكنه لن يقدر أن يسيطر علي أعماقه الداخلية أما السيد المسيح فاشترانا بدمه ليحرر الداخل.

كيف يكون الحر عبدًا؟ عندما يخدم الناس في خدمة شريرة، إما لأجل النهم أو رغبة في الثروة... فمثل هذا الشخص وإن كان حرًا فهوعبد أكثر من أي إنسان آخر... كان يوسف عبدًا لكنه لم يكن عبدًا لبشرٍ، لأنه وهو في العبودية كان أكثر حرية من كل من هم أحرار. كمثال لذلك لم يخضع لسيدته، ولا خضع للأهداف التي كانت تبغيها وهي مالكة له. مرة أخرى كانت هي حرة لكنها لم تكن حتى مثل العبد، فكانت تناجي خادمها وتتوسل إليه[384].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

جاء المسيح وردنا حين كنا نخدم ذاك السيد الذي بِعنا أنفسنا له بالخطية. لذلك يظهر بأنه يرد الذين له، هؤلاء الذين خلقهم. إنه يخلص الشعب الذي اختار سيدًا آخر بارتكاب الخطية[385].

العلامة أوريجينوس.

ثمن الإنسان هو دم المسيح. فقد قيل: "قد اشتريتم بثمنٍ، فلا تكونوا عبيدًا للناس" تحاول قوات الشرير أن تجعل هذا الثمن بلا نفع بالنسبة لنا. يحاولون أن يعودوا بنا إلى العبودية حتى بعدما تحررنا[386].

القديس باسيليوس الكبير.

لقد اشترينا بثمن مرتفع هكذا، فالمسيح وحده الذي يملك كل شيء قادر أن يدفعه. لهذا فمن أُشترى بثمن يلزم أن يخدم أكثر، مجاهدًا أن يرد للمشترى شيئًا. إذ اشترانا اللَّه يليق بنا أن لا نعود فنكون عبيدًا للناس. عبيد الناس هم الذين يقبلون الخزعبلات البشرية[387].

أمبروسياستر.

أي ثمن أعظم من أن يسفك الخالق دمه من أجل المخلوق؟! [388].

القديس جيروم.

"ما دُعي كل واحد فيه أيها الاخوة،.

فليلبث في ذلك مع اللَّه "[24].

يسمو الإيمان فوق كل الأوضاع. “ما دُعي كل واحد فيه أيها الاخوة فليلبث في ذلك مع اللَّه” [24].

يرى البعض أن بعض العبيد قبلوا الإيمان المسيحي فظنوا أنه من واجب سادتهم أن يحرروهم كاخوة لهم في المسيح يسوع. ما يؤكده الرسول هنا هو ألا يرتبك العبيد حتى إن لم يحررهم سادتهم. فالإيمان المسيحي يلزم السيد أن يعامل عبده كأخٍ له، يحبه ويقدره ويترفق به حتى وإن لم يحرره.

4. البتولية أفضل.

"وأما العذارى فليس عندي أمر من الرب فيهن،.

ولكنني أعطي رأيًا كمن رحمه الرب أن يكون أمينًا "[25].

بالنسبة للعذارى يشتاق أن يبقين هكذا إن أمكن [25، 26]. أما قوله: “فليس عندي أمر من الرب فيهن ولكنني أُعطي رأيًا كمن رحمه الرب أن يكون أمينًا، فأظن أن هذا حسن لسبب الضيق الحاضر أنه حسن للإنسان أن يكون هكذا "[26]، لا يعني أن الرسول متشكك في الأمر، إنما لا يقدم وصية ملزمة وإلا التزمت جميع العذارى ألا يتزوجن حتى لا يكسرن الأمر الإلهي. هنا يقدم طريقًا لراغبي وراغبات الكمال البتولي كنصيحة وليس كأمر واجب.

بكل أمانة يعلن الرسول أنه لم يتسلم أمرًا من الرب في هذا الموضوع لكنه يكتب كرسولٍ يعلن له الروح القدس الحق ويوحي له به.

من الواضح أن بولس يقول هذا ليس لأن لديه أمر بأن يعلم بخصوص البتولية، وإنما لأن اللَّه لم يخبره بأن هؤلاء الناس يلتزمون بممارسة العفة (البتولية). لهذا يكتب مقدمًا رأيه وموصيًا بالطهارة (البتولية) دون إلزامهم بها[389].

سفيريان أسقف جبالة.

هنا يبلغ بولس حكمة علوية، لكنه يتردد في فرض (العفة) مباشرة، لأن هذا قد يظهر لسامعيه أنه غير مقبول. لهذا وضع الأمر كأنه رأي لا وصية ملزمة[390].

أوكليمينوس.

بعض الأحكام تقدم كوصايا اللَّه، بينما أحكام أخرى أكثر مرونة يتركها اللَّه لقرار الأفراد. النوع الأول هو الوصايا التي تمس الخلاص، والأحكام الأخرى للحياة الأفضل التي وإن لم نحفظها إلا أننا نخلص. إنها ليست ملزمة بأية طريقة، إنما ممارستها أمر اختياري[391].

العلامة أوريجينوس.

"فأظن أن هذا حسن لسبب الضيق الحاضر،.

أنه حسن للإنسان أن يكون هكذا "[26].

يعلم بولس هنا أن البتولية أفضل، ليس فقط لأنها بالأكثر تسر اللَّه، وإنما أيضًا لأنها طريق معقول يسلكونه في الظروف الحاضرة[392].

أمبروسياستر.

"أنت مرتبط بامرأة فلا تطلب الانفصال،.

أنت منفصل عن امرأة فلا تطلب امرأة "[27].

يعتبر الزواج مع قدسيته رباط لأن فيه كل طرف ملتزم بواجبات نحو الطرف الآخر، لذا لا يطلب حل هذا القيد أو الرباط.

إنه لا يتحدث عن تلك التي اختارت البتولية، لأنه لو كانت كذلك لكانت تخطئ... الشر ليس في العِشرة الزوجية وإنما في إعاقة جديّة الحياة[393].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"لكنك وإن تزوجت لم تخطئ،.

وإن تزوجت العذراء لم تخطئ،.

ولكن مثل هؤلاء يكون لهم ضيق في الجسد،.

وأما أنا فإني أشفق عليكم [28].

يبدو أنه ظهرت جماعات تدنس النظرة نحو الزواج أو تحرمنه (1 تي 4: 3) لهذا يؤكد الرسول أنه لا يحسب الزواج خطية، لكن من يدرك حقيقة الحياة كفترة قصيرة للعبور الي السماء لا يود أن يرتبك بمسئوليات الزواج بل يكرس طاقاته للعمل لحساب ملكوت اللَّه.

البتول تخلص من المتاعب الأرضية وتتحرر بطهارتها، إذ هي تنتظر العريس الطوباوي[394].

العلامة أوريجينوس.

من يتزوج لا يخطئ لأنه يفعل أمرًا مسموحًا به. أما إذا رفض ذلك فيستحق المديح والإكليل في السماء، لأن هذا يتطلب ضبطًا عظيما للنفس لتجنب عمل ما هو ليس بممنوع[395].

أمبروسياستر.

"فأقول هذا أيها الاخوة،.

الوقت منذ الآن مقصر،.

لكي يكون الذين لهم نساء كأن ليس لهم "[29].

لا تقوم البتولية على تدنيس النظرة إلى العلاقات الزوجية الجسدية وإنما على التفرغ للعبادة والخدمة، لأن الوقت مقصر. فالعالم خليقة اللَّه الجميلة والمقدسة، لكن كثيرين لا يستعملونه للتفرغ للعمل لحساب ملكوت اللَّه، هكذا الزواج مقدس، يرفضه البعض لا لدنس فيه وإنما من أجل الخدمة أو العبادة لضيق الوقت.

إذ الحياة فترة عابرة فإنه من يتزوج كمن لا يتزوج، تعبر حياته سريعًا بكل ملذاتها وآلامها، فلا يضع المؤمن قلبه في الراحة الجسدية.

أنصتوا أيها الاخوة القديسون فإن رسول المسيح يقول في الكنيسة... "لكي يكون الذين لهم نساء كأن ليس لهم" [29]. ونحن نعرف الكثير من الاخوة الذين أثمروا خلال النعمة، والذين من أجل اسم المسيح مارسوا ضبطا كاملاً باتفاق مشترك دون أن يحجموا عن الحب الزوجي. نعم فإنه كلما قلت العلاقات الأولى (الجسدية) تزيد الأخرى قوة[396].

القديس أغسطينوس.

الذين يعرفون أن نهاية العالم قد اقتربت يتحققون من أنهم قريبًا يتعزون، لذا يريح الواحد الآخر بهذا الرجاء[397].

يعني بولس بهذا أن نهاية العالم قادمة سريعًا. إذ يقدم هذه الحقيقة يلتزم المؤمنون ألا يرتبكوا بأن يكون لهم أطفال وإنما يكرسون أنفسهم لخدمة اللَّه. فإنه ستوجد ضغوط كثيرة غير متوقعة، وربما يسقطون في حبائل الشيطان. ليس أحد من بيننا له مخاوف لائقة من الضغوط التي سبق فأخبرنا عنها المخلص ويود أن يسقط فيها[398].

أمبروسياستر.

الذين لديهم عقر جسدي يلزمهم أن يحفظوا الإثمار في نفوسهم، والذين لا يستطيعون أن ينجبوا أطفالاً أرضيين يلزمهم أن يلدوا أطفالاً روحيين. أعمالنا هي أطفالنا. إن كنا نتمم أعمالاً صالحة كل يوم فإنه لا ينقصنا النسل الروحي[399].

قيصريوس أسقف آرل.

ليملك الشخص لا أن يُملك، ليمسك بالشيء لا أن يمسكه الشيء، ليكن سيدًا على ممتلكاته لا عبدًا لها وذلك كقول الرسول... [29ـ 32]. ما هذا؟ ألا تحبوا ما تمتلكونه في هذا العالم؟ ليت هذه الممتلكات لا تمسك بأيديكم آلتي يجب أن تمسك باللَّه. ليت حبكم لا يكون منشغلاً بشيء إذ به تعبرون في الطريق إلى اللَّه، وتلتصقوا بالذي خلقكم[400].

القديس أغسطينوس.

"والذين يبكون كأنهم لا يبكون،.

والذين يفرحون كأنهم لا يفرحون،.

والذين يشترون كأنهم لا يملكون "[30].

ليمارس المؤمن حياته التي توجد فيها أحزان وأفراح، وشراء وبيع الخ.، لكنه يليق ألا يضع قلبه في هذه الأمور فيصير عبدًا للأحداث، بل يبقي قلبه مترفعًا نحو السماء، مدركًا أن كل الأحداث زمنية ومؤقتة.

"والذين يستعملون هذا العالم كأنهم لا يستعملونه،.

لأن هيئة هذا العالم تزول "[31].

"فأريد أن تكونوا بلا هم،.

غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضي الرب "[32].

من جانب آخر فإن المؤمن في جهاده الروحي يصارع مع متطلبات جسده، فإن تزوج غالبًا ما يصارع أيضًا مع متطلبات الطرف الآخر عوض التفرغ للعبادة والخدمة. كمثال قد يودّ المؤمن أن ينتقل أو يسهر أو يصوم لفترات طويلة لأجل الخدمة، فيقف الطرف الثاني عائقًا بسبب عدم رغبته أو عدم استعداده في ذلك الحين. هذا ما عناه الرسول بقوله: "أريد أن تكونوا بلا هَّم؛ غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضي الرب، وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضي امرأته" [32، 33].

الانشغال بالأمور الخاصة باللَّه ليس قلقًا بل هو خلاص. يخبرهم بولس أنه يود أن يتحرروا من القلق[401].

أوكيمينوس.

يسمح بولس بالزواج ويحسبه مستحقًا البركة، ولكن يقابله وضعه هو باهتماماته باللَّه مشيرًا إلى أن الأمرين ليسا متعارضين[402].

القديس باسيليوس الكبير.

عندما تنتهي الدينونة وتزول هذه السماء وهذه الأرض، ستكون سماء جديدة وأرض جديدة. لأن هذا العالم يزول بتغيير هيئته لا بدماره المطلق. لذلك يقول الرسول: "لأن هيئة هذا العالم تزول، فأريد أن تكونوا بلاهم" [31، 32]. ستزول هيئة العالم لا الطبيعة[403].

القديس أغسطينوس.

هنا يوضح بولس لماذا البتولية مفضلة عن الزواج. فإنها لا ترتبط بالجنس كأمر صالح أو خاطئ، إنما الموضوع هو القلق الذي تنزعه عن الفكر والتركيز على عبادة اللَّه[404].

سيفريان أسقف جبالة.

طلب زوجة وأسرة أمر زمني. أحيانا من أجل حفظ سعادتهم يلزم ممارسة ما هو مستحق للعقوبة[405].

أمبروسياستر.

يستحيل على الشخص الذي يتجه نحو العالم، ويرتبك باهتماماته، وينشغل قلبه بإرضاء الناس أن يتمم وصية السيد الأولى والعظمى: "حب الرب إلهك من كل قلبك وكل قوتك"، كيف يستطيع أن يحقق هذا وقلبه منقسم بين اللَّه والعالم، ويسحب الحب الذي مدين به للَّه وحده إلى مشاعر بشرية؟ "غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضى الرب، وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضى امرأته" [33] [406].

عندما يكون أمامنا سيدان لنختار أحدهما، إذ لا نستطيع أن نخدمهما معًا، لأنه "لا يقدر إنسان أن يخدم سيدين". لذلك فإن الشخص الحكيم يختار السيد الأكثر نفعًا له. هكذا أيضًا عندما يوجد أمامنا زيجتان لنختار إحداهما، لا نستطيع أن نقيم عقد زواج مع كليهما، فإن "غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضى الرب، وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضى امرأته" [32، 33]. أكرر أن غاية العقل السوي ألا يفوته الاختيار الأكثر فائدة[407].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص.

"أما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضي امرأته" [33].

"إن بين الزوجة والعذراء فرقًا،.

غير المتزوجة تهتم في ما للرب لتكون مقدسة جسدًا وروحًا،.

وأما المتزوجة فتهتم في ما للعالم كيف ترضي رجلها "[34].

المرأة غير المتزوجة لديها حصن البتولية الذي يحميها من عواصف هذا العالم. هكذا إذ تتحصن في حماية اللَّه لا تضطرب برياح، لذلك فإنه لكي نتأهل لكي نراه، سواء كنا في البتولية أو الزواج الأول أو الثاني لنسلك هكذا وهو أن نبغي ملكوت السموات خلال نعمة ورأفات ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقوة والكرامة مع الآب والروح القدس الآن وإلى الأبد آمين[408].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

الروح البشرية هي التي أما أن تقدس الجسد أو تفسده. فإن حاول شخص أن يكون له جسم طاهر ونفس فاسدة، فعليه أن يختار أحد الأمرين. إما أن يكرم النفس أو يُسحب الجسم إلى الفساد[409].

أمبروسياستر.

"هذا أقوله لخيركم ليس لكي ألقي عليكم وهقًا،.

بل لأجل اللياقة والمثابرة للرب من دون ارتباك "[35].

في الأعداد 35 - 40 ربما يتحدث عمن اتفقا بعد الزوج على الحياة البتولية بكامل حريتهما، فليسلكا هكذا؛ أما إن ضعف أحدهما فلا خطية إن ارتبطا ببعضهما جسديًا.

5. موقف الإنسان من عذرائه.

"ولكن إن كان أحد يظن أنه يعمل بدون لياقة نحو عذرائه إذا تجاوزت الوقت،.

وهكذا لزم أن يصير فليفعل ما يريد.

إنه لا يخطئ فليتزوجا "[36].

كلمة "عذارى" في اليونانية تنطبق علي البتول شابا كان أو فتاة.

يرى البعض أن الرسول بولس يعني هنا أنه إن عاش إنسان ما بدون زواج مشتاقًا إلى تكريس وقته للعبادة والكرازة، ولكنه شعر بعجزه عن السلوك في طهارة فلا يخجل من أن يتزوج علانية، مهما بلغ سنّه.

ولعلّه لهذا كان قادة الرهبنة يطلبون التزام طالبي الرهبنة عدم الالتحاق بها إلا بعد فترة طويلة من الاختبار. فإن شعر بالضعف لا يخزى إن عاد ليتزوج.

بولس يريد دائمًا الأفضل للمسيحيين. فإن أراد أحد بحق أن يتزوج، فالأفضل له أن يتزوج علانية بالسماح الممنوح له، عن أن يسلك بطريقة رديئة ويكون في عارٍ خفية[410].

أمبروسياستر.

"وأما من أقام راسخا في قلبه وليس له اضطرار،.

بل له سلطان على إرادته،.

وقد عزم على هذا في قلبه أن يحفظ عذراءه فحسنًا يفعل "[37].

هنا يتحدث عمن وهبه اللََّه إرادة قوية ليُمارس حياة البتولية، وقد قضى فترة اختبار وأدرك قوة إرادته وإصراره على هذا الفكر، فلا يتراجع.

يرى البعض أن الرسول يعالج موضع إنسان له ابنة عذراء، إن شعر أنه لصالحها ولعفتها أن تتزوج فليسندها في ذلك. أما إذا أدرك تصميمها علي البتولية وإنها قادرة علي حفظها فيفعل أحسن أن يتركها بتولاً.

هنا نلاحظ ثلاثة أمور هامة في زواج الأبناء والبنات:

ألا يقف الوالدان في سلبية في أمر زواجهم، إنما يعملان ما هو لصالح أولادهم.

أن القرار في يد الأبناء، فليس من حق الوالدين أن يُلزما الأبناء بالزواج أو عدمه.

ألا ينشغل الوالدان بنظرة المجتمع، بل بما هو لبنيان نفوس أولادهم.

"إذَا من زوج فحسنًا يفعل،.

ومن لا يزوج يفعل أحسن "[38].

المرتبط بقيود الزواج مقيد، الآخر حرّ. واحد تحت الناموس والآخر تحت النعمة. الزواج صالح إذ خلاله ننال ميراث الملكوت السماوي واستمرار المكافآت السماوية[411].

القديس أمبروسيوس.

6. اعتزاز الأرامل بمركزهن.

"االمرأة مرتبطة بالناموس ما دام رجلها حيًا،.

ولكن أن مات رجلها فهي حرة لكي تتزوج بمن تريد،.

في الرب فقط "[39].

ليت النسوة يصغين إلى هذا هؤلاء اللواتي يدخلن في زواجٍ ثانٍ ويسيئون مضطجع الزوج الراحل، مع أنهن يحبونه. لست بهذا أمنع الزواج الثاني، ولا أنطق بهذا على أنه دنس. فإن بولس لن يسمح لي بذلك، فيغلق فمي بقوله للنساء: "إن تزوجت لم تخطئ" [28، 40]. لكنها ليتها تنصت إلى ما بعد ذلك: "ولكنها أكثر غبطة إن لبثت هكذا" [40]. هذه الحال أفضل من الأخرى، لماذا؟ لأسباب كثيرة. فإنه الأفضل ألا يتزوج الإنسان نهائيًا عن أن يتزوج، وأما هذه الحال فهي أفضل بكثير. قد تقول: "ولكن البعض لا يحتملون الترمل ويسقطون في متاعب كثيرة". نعم لأنهم لا يعرفون ما هو الترمل. لأنه ليس الترمل مستثنى من الزواج الثاني، وأما البتولية فلا يسمح لها بالزواج نهائيا! [412].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"ولكنها أكثر غبطة أن لبثت هكذا بحسب رأيي،.

وأظن أني أنا أيضًا عندي روح اللَّه "[40].

إن ماتت زوجة أو زوج والآخر تزوج فهل هذا خطية؟ لا، لكن إن بقى بدون زواج ينال كرامة أعظم ومجدًا أفضل في عيني الرب[413].

هرماس.

إنها مطوبة إن تزوجت وصار لها زوج يحميها، لكن تكون أكثر تطويبًا إن كانت من أجل التقوى ترفض الزواج وتكرس حياتها بالكامل للَّه[414].

سفيريان أسقف جبالة.

لاحظ أن بولس لم يقل بأن المرأة التي تعقد زواجا ثانيا ستكون بائسة. إنما يقول بأنها تكون أكثر سعادة إن بقيت بلا زواج. إنه موضوع درجات[415].

ثيؤدورت أسقف قورش.

عندما يقول: "لأجل اللياقة" و "لكي تصغى للرب من دون ارتباك" [35]، يقدم ملخصًا لكل الفضيلة بطريقة معينة. ها أنتم ترون أنه ليس مجرد عدم عقد زواج ثان يمكن وحده أن يجعلها أرملة، إنما تحتاج إلى أمور أخري ضرورية. ولكن لماذا لا يشجع الزواج الثاني؟ هل هذا الأمر ممنوع؟ حتما لا! لأن هذه هرطقة. وإنما أراد هنا فقط أن تنشغل بالأمور الروحية موجهًا كل اهتمامها إلى الفضيلة. لأن الزواج ليس حالة من الدنس وإنما حالة انشغال. إنه يتحدث عن إيجاد وقت وليس أنهن يصرن أكثر طهارة ببقائهن بغير زواج. لأن الزواج بالتأكيد يتطلب اهتمامات عالمية أكثر. إن امتنعت عن الزواج لكي تجد وقتًا أكبر لخدمة اللَّه ولم تنتفع بهذا الوقت فلا نفع لها من ذلك، مادامت لا تتمم كل الخدمات للغرباء والقديسين[416].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

من وحيّ 1 كو7.

لتُهيئني ليوم عرسي يا أيها البتول!

أقمت حواء زوجة لآدم الأول،.

وتممت عرسه في جنة عدن!

باركت عرس قانا الجليل،.

وقدست كل زواج يتم حسب مسرتك!

أتيت إلى أرضنا لتُهيئني عروسًًا بتولاً.

أشتهي يوم عرسي بك يا أيها العريس السماوي البتول!

هب لي في زواجي أن أُكرّس قلبي لك في بتولية الروح.

وهب لي في بتوليتي أن أتحد بك يا أيها البتول!

روحك القدوس يهب الحب والتكريس،.

يهب البتولية والطهارة،.

يُشَّكلني ويهيئني ليوم عرسي بك.

أعمالك فائقة للطبيعة وعجيبة.

وُلدتَ من البتول، وبقيت بعد ولادتك بتولاً.

أتيت لتُقيم عرسًا سماويًا.

اخترت البشرية عروسًا.

تُقيم منها عروسًا بتولاً،.

تضم متزوجين بتوليين بالروح،.

وأرامل بتوليين بالقلب،.

وبتوليين بالجسد لأجل بتولية الروح!

روحك يضم الكل: المتزوجين والأرامل والبتوليين.

يقيم من الجميع العروس البتول!

الإصحاح الثامن.

ضمائر الأقوياء والضعفاء.

بسبب الطعام المكرّس للآلهة الوثنية بطقوس معينة في الهياكل، والذي كان يُباع في الملحمة، حدثت مشكلة خطيرة بالنسبة المسيحيين. فقد اعتاد بعض الوثنيين أن يدعوا أصدقاءهم المسيحيين ليأكلوا معهم في الهياكل، كما كان هذا اللحم يُباع بالملحمة لحساب الهيكل!

انقسم المؤمنون إلى فريقين:

فريق صاحب ضمير قوي: أغلبهم من أصل أممي لم يمتنعوا عن أكل ما ذُبح للأوثان، حاسبين انه لا توجد آلهة أو أوثان. وأن الأوثان عاجزة عن تقديس الذبيحة أو تدنيسها لأنها غير موجودة بالمرة. وأن ما ذًبح هي خليقة اللَّه التي أوجدها ليأكلها الإنسان. ويرون أنه من حقهم شراء أية لحوم من الملحمة بغض النظر عن مصدرها أو مآل ثمنها. فالمؤمن يستطيع أن يأكل دون أن يسأل عما إذا كانت هذه اللحوم من ذبائح وثنية أم لا.

الفريق الثاني ضعيفو النفوس، وكان أغلبهم من أصل يهودي. فقد تنجس ضميرهم بسبب تصرفات الفريق الأول، فالذين من أصل يهودي يرفضون هذا الطعام لأنه مرتبط بعبادة آلهة باطلة، ولأن الحيوانات لم تُذبح حسب الشريعة ولم يُُقدم عنها البكور والعشور. وأما الذين من أصلٍ وثني فحسبوا أن في ذلك مشاركة فعلية في العبادة الوثنية... فالأكل هنا - كما تعلموا - جزءًا لا يتجزأ من العبادة.

هذه المشكلة ليست قائمة الآن، لكن إجابة الرسول هامة لنا، إذ تقدم لنا مفاهيم روحية أساسية في سلوكنا اليومي المعاصر. وقد جاءت إجابة الرسول روحية حكيمة:

1 - في رأي الرسول بولس أن المؤمن يجب أن يكون ضميره قويًا، يأكل دون أن يفحص. لكن إن كان الفريق الأول له علم صادق أنه لا يوجد آلهة وثنية حقة... فهي ليست معرفة خاصة بهم بل "نعلم أن لجميعنا علمًا" [1]؛ فلا يجوز لهم الافتخار على أصحاب الفريق ذي الضمير الضعيف كأنه فريق جاهل!

2 - العلم دون الحب ينفخ، أما المحبة فتبني [1]. فيليق بسلوكنا أن يكون قائمًا على محبتنا للغير لا على معرفتنا المجردة. لقد وضع الرسول المبدأ التالي: "كل الأشياء تحل لي، لكن ليس كل الأشياء توافق"، وأيضًا: "كل الأشياء تحل لي لكن ليس كل الأشياء تبني" [23، 24].

3 - عِلمنا الآن ناقص [2]، أما من يحب اللَّه فيصير موضوع معرفة اللَّه أو صداقته شخصيًا.

4 - يحتاج الأمر إلى تنازلات حُبيّة، لا في أمور خطيرة إنما في أكل أو في شرب... "إن أكلنا لا نزيد، وإن لم نأكل لا ننقص" [8].

5 - أكل ما ذبح للأوثان في ذاته بلا قيمة لكنه قد يعثر صاحب الضمير الضعيف فيأكل هو أيضًا كشركة في العبادة الوثنية [10] "، بهذا يهلك أخوك الذي مات المسيح من أجله [11]... كأن الجرح يمس السيد المسيح نفسه الذي قدم حياته عمن أنت تعثره بأكلك لحمًا.

6 - من أجل ضعيفي النفوس الذين مات عنهم المسيح يعلن الرسول استعداده للتنازلات مع الفريق الأول إلى أبعد الحدود: "لذلك إن كان طعام يعثر أخي فلن آكل لحمًا إلى الأبد، لئلا أعثر أخي" [13].

1 - الاعتماد علي العلم وحده 1 - 3.

2 - طبيعة الوثن 4 - 5.

3 - العبادة الحقيقية 6.

4 - الحرية المسيحية والحب 7 - 13.

1 - الاعتماد علي العلم وحده.

كان من عادة الوثنيين أن يقيموا ولائم علي ذبائحهم يأكلون منها ويدعون أصدقاءهم ليشتركوا معهم في الولائم، كان هذا يتم داخل الهيكل الوثني. وما يتبقي من الولائم من لحوم فهي من حق الكهنة، الذين كانوا يبعثون بها إلي الأسواق العامة لبيعها لحسابهم [25].

لم يعزل المسيحيون أنفسهم عن جيرانهم وأصدقائهم الوثنين لكي بسلوك المحبة يكسبون نفوسهم للإيمان، لذا كانوا يأكلون معهم في بيوتهم، لكن بعض المسيحيين ضعاف الضمير بدأوا يتشككون ويتعثرون في الذين يشاركون الوثنيين ولائمهم في الهيكل، أو يشترون اللحوم من السوق، وقد تكون مقدمة كذبائح للأوثان.

لقد عالج الرسول هذه المشكلة بكل صراحة في الإصحاح العاشر من هذه الرسالة، أما هنا فوضع مبادئ هامة يقرر خلالها المؤمن سلوكه.

بدأ بالحديث عن الذين يفتخرون بالعلم والمعرفة في عجرفة متجاهلين محبتهم لأخوة.

"وأما من جهة ما ذُبح للأوثان فنعلم أن لجميعنا علمًا.

العلم ينفخ ولكن المحبة تبني "[1].

العلم بغير حب يدفع العقل الي التشامخ، ويملأ الذهن كما بالريح، فلا ينفع صاحبه ويسيء إلي الآخرين. أما الحب العملي أو الحنو نحو الغير فيجعلنا نهتم بهم ونعمل لبنيانهم، فنبني أنفسنا معهم.

من يظن أنه يعرف وله بالحق معرفة عقلية لكنه لا يحمل حبًا فهو لا يعرف شيئًا كما يجب أن يعرف، إذ يليق به أن يعرف أن يحب قريبه كنفسه، فلا يتشامخ علي الغير.

"فنعلم أن لجميعنا علمًا" غالبًا هذه ليست كلمات الرسول بولس إنما اقتطفها من رسالة كورنثوس له. فجميع الأطراف من الذين من أصل يهودي أو أممي تظن أن لها علم ومعرفة.

جاءت إجابة الرسول علي هذا بقوله أن المعرفة وحدها تتحالف مع الكبرياء، فتنفخ الذهن، إذ يُعجب الإنسان بنفسه، وتجعل من الإنسان شخصًا جسورًا ومتهورًا، إذ يأخذ قرارته بنفسه وغالبًا ما يحتقر رأي الآخرين، ويلقي باللوم عليهم. فمن الخطورة أخذ القرارات معتمدة علي المعرفة وحدها. أما المحبة فتبني إذ تقيم هيكل الرب الروحي بروح اللَّه القدوس داخل النفس.

الحب أكثر أمانًا من العلم في قيادة الإنسان في سلوكه مع الآخرين. العلم وحده قائد خطر علي حياة الإنسان ومن حوله، أما الحب للَّه والإنسان ففيه أمان اكثر. بالحب يترفق الإنسان بأخيه خاصة الضعيف، ويهتم لا بما لنفسه بل بما هو للآخرين، لذا تكون قراراته هادئة وحكيمة. ومن يحب اللَّه يكون قد تهيأ لكي يتعلم من قبل اللَّه الذي يقدم معرفته للنفوس المتواضعة.

من يحب اللَّه يحب اخوته فيحسب الحق أنه معروف لدي اللَّه، معرفة الصداقة والمسرة والحب، يعرفه كابنٍ له، ينسبه اللَّه إليه (مز 1: 6، 2 تي2: 19). بالحب نعرف اللَّه الحب ذاته، ويعرفنا اللَّه إذ نقبل سمته فينا.

إذ عاش القديس أغسطينوس أغلب شبابه يبحث عن المعرفة ويعلّمها ويفتخر بها كفيلسوفٍ ومعلّم عندما اختبر اللقاء بالسيد المسيح الوديع والمتواضع القلب أدرك احتياجه إلى التطهر من الكبرياء بدم المسيح. رأى في نفسه كأحد العبرانيين، وقد حمل المعرفة بكونها الذهب والفضة الذي للمصريين، لكنه ما كان يمكنه أن يتتحرر من عبودية فرعون ما لم يتطهر بدم الحمل الوديع. المعرفة صالحة إن تقدّست بدم المسيح وارتبطت بحبه الخلاصي ووداعته!

إنه يشعر أنه مهما بلغت الثروة التي يأخذها معه من مصر، فإنه إن لم يحفظ الفصح لن ينجو، الآن المسيح هو فصحنا ذبح لأجلنا، وليس شيء مثل ذبيحة المسيح التي تعلمنا بكل وضوح عن الدعوة التي يوجهها بنفسه إلى من يراهم في تعب بمصر تحت سلطان فرعون، فيقول: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم؛ احملوا نيري عليكم وتعلّموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم، لأن نيري هيّن وحِملي خفيف" (مت 28: 11 - 30).

من حملهم خفيف إلا الودعاء ومتواضعو القلب وحدهم، إذ لا تنفخهم المعرفة بل بالحب يبنون؟ إذن ليتذكروا أن الذين احتفلوا بالفصح في ذلك الحين كانوا ظلاً عندما مسحوا قوائم أبوابهم بدم الحمل، مستخدمين الزوفا في ذلك (خر 22: 12). هذا عشب وديع ومتواضع... في الزوفا رمز لفضيلة التطهير، فلا ينتفخ الصدر بالمعرفة التي تنفخ، ولا تفتخر باطلاً بالثروات التي أحضرها من مصر. يقول المرتل: "تنضح عليّ بزوفاك فأطهر، تغسلني فأبيض أكثر من الثلج، تسمعني فرحًا وبهجة" (مز7: 51 - 8). يضيف بعد ذلك مباشرة "فتبتهج عظامي المنسحقة" مظهرًا أنه الزوفا يشير إلى التطهير من الكبرياء[417].

هذه يمكن أن تفهم فقط بمعنى أنه بدون المحبة لا تقدم المعرفة صلاحًا، بل تنفخ الإنسان، وتجعله يتباهى بريح فارغة. الذين لهم معرفة بدون محبة متعجرفون يشتاقون إلى الكرامات الإلهية والأعمال الدينية التي يعلمون أنها تخفي اللَّه الحقيقي. ومع ذلك فإنهم يبذلون كل الجهد لكي يبثوا هذا على الذين لهم تأثير عليهم. عكس هذا الكبرياء الذي للشياطين الذي بسببه خضع الجنس البشري لعقوبة يستحقونها. ظهر عمليًا الأردن القدير لتواضع اللَّه الذي ظهر في شكل عبدٍ. غير أن الناس فشلوا في معرفته لأنهم ماثلوا الشياطين في الكبرياء لا في المعرفة، فانتفخوا في دنسٍ[418].

المعرفة صالحة ما دامت في صحبة الحب, وإلا فإنها تنفخ الإنسان بالكبرياء[419].

حقًا إن المتكبر يدعى منتفخًا كما لو كان متعاليًا مع الريح. هنا يقول الرسول: "العلم ينفخ ولكن المحبَّة تبني" [420].

"العلم ينفخ، ولكن المحبة تبني" [1]، لكن المحبة لا تنتفخ ولا تتكبر. لذلك ليت المعرفة تكون كقصة تقوم على مبنى المحبة التي ستبقى إلى الأبد عندما تسقط المعرفة [4، 8] [421].

المعرفة التي من نوعٍ صالحٍ هي خادمة للحب، فإن المعرفة بدون الحب تنفخ [8]، ولكن إذ الحب يبني يملأ القلب فلا تجد المعرفة فراغًا به تنتفخ[422].

القديس أغسطينوس.

المحبة تبني. إنها تتحرك في طريق الحق وليس حسب الأهواء[423].

القديس إكليمنضس السكندري.

يعنى بولس أن المعرفة هي أمر عظيم ونافع للغاية لمن يقتنيها ما دامت تتلطف بالمحبة[424].

أمبروسياستر.

أولاً إذ يشير إلى أن (هذا العلم) كان عامًا يحد من كبريائهم الشديد. لأن الذين يملكون أمرًا عظيمًا وساميًا يبتهجون جدًا عندما ينالونه وحدهم، أما إذ كان مِلكًا مشاعًا مع الآخرين فلا يكون لهم هذه المشاعر. لذلك بدأ بإظهار أنه مِلك مُشاع إذ حسبوه خاص بهم وحدهم[425].

لقد أظهر أن هذا الأمر ليس كاملاً في كل جوانبه، بل هم ناقص تمامًا. وليس فقط ناقص، وإنما هو مؤذي ما لم يرتبط بأمرٍ آخر. فإذ يقول: "لنا معرفة (علم)" يضيف "العلم ينفخ، ولكن المحبة تبني"، حتى متى كانت المعرفة بدون المحبة ترفع الإنسان إلى الشعور بالتباهي المطلق... إنه يعني أن المعرفة تقف في حاجة تامة إلى الحب... أما الحب فيجمعنا معًا ويقودنا إلى المعرفة[426].

معرفتهم ليس فقط نفختهم، وإنما فرقتهم عن بعضهم البعض. لهذا كان كل واحدٍ يعارض الآخر[427].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"فإن كان أحد يظن انه يعرف شيئًا.

فإنه لم يعرف شيئًا بعد كما يجب أن يعرف "[2].

لم يحدد الرسول مجال المعرفة بل قال: "يعرف شيئا". فمع نفع المعرفة العلمية أو الفلسفية أو الخاصة بالأخلاقيات أو اللاهوتية تحسب هذه كلها كلا شيء إن لم تعمل لبنيان صاحبها وبنيان الجماعة خلال الحب.

فقط عندما يكون للشخص حب عندئذ يُقال أنه يعرف كما يجب[428].

أمبروسياستر.

لاحظ كيف ينزل بكبريائهم المتزايد، إذ لم يقل: "ليست لكم معرفة لائقة عن الأمور المعروضة أمامنا"، وإنما "عن كل شيء". ولم يقل: "أنتم"، بل قال: "لم يعرف أحد"، سواء كان بطرس أو بولس أو آخر. فإنه بهذا يُهدئ منهم وبكل حرص يجعلهم متواضعين[429].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"ولكن إن كان أحد يحب اللَّه،.

فهذا معروف عنده "[3].

فإننا لم نعرفه بل هو يعرفنا، لهذا يقول المسيح: "لستم أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم"، ويقول بولس الرسول في موضع آخر: "سأعرف بالكامل كما عُرفت" [430].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

ربما يتساءل أحد: لماذا يقول: "إن كان أحد يحب اللَّه، فهذا معروف عنده"؟ هل لا يعرف اللَّه من لا يحبه؟

يقول السيد المسيح: "ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات، بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات. كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا؟! وباسمك أخرجنا شياطين؟! وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟ ‍! فحينئذ أصرح لهم أني لا أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" (مت 7: 21ـ 23). يحدثنا السيد عن يوم مجيئه الأخير، حيث فيه يلتقي مع الأشرار لا كعريس مفرح بل كديّان مرهب، لا تشفع فيهم صلواتهم الطويلة الباطلة، ولا كرازتهم باسمه، ولا إخراجهم الشياطين وصنعهم قوات باسمه، فهو لا يعرفهم لأنهم فعلة إثم.

اللَّه يعرف اولاده وخدامه المقدسين، ولا يعرف الأشرار فعلة الإثم، لهذا عندما سقط آدم في الخطية سأله: أين أنت؟ وكما يقول القديس جيروم: "كان اللَّه يعرف أن آدم في الجنة، ويعلم كل ما قد حدث، لكنه إذ أخطأ آدم لم يعرفه اللَّه، إذ قال له: أين أنت؟ [431]" كأنه لا يراه، لأن آدم اعتزل النور الإلهي والبرّ، فصار تحت ظلال الخطية وظلمة الموت. يعلق القديس أغسطينوس على قول السيد: "لا أعرفكم" هكذا: "لا أراكم في نوري، في البرّ الذي أعرفه[432]". فالله لا يرانا في نوره إن كنا لا نحبه حتى وإن كنا نطيل الصلوات باطلاً أو نكرز باسمه أو نصنع قوات، وإنما حينما نحيا معه وبه ونسلك طريقه[433]. فمن يحبه يتمتع بنور برّ المسيح ويتأهل أن يكون موضع معرفته.

2 - طبيعة الوثن.

"فمن جهة أكل ما ذبح للأوثان نعلم أن ليس وثن في العالم،.

وأن ليس إله آخر إلا واحدا "[4].

"ليس وثن في العالم"، إذ لا يستطيع الوثن أن يفعل شيئًا في العالم. ليس فيه لاهوت، فهو أشبه بالعدم، لا كيان حقيقي له، يدعوه العهد القديم كذبًا وباطلاً. الأوثان هي آلهة وهمية، ليس لها أية قوة، عاجزة عن أن تدنس أولاد اللَّه وخدامه.

من جهة الطعام، فإن كل خليقة اللَّه صالحة إن أُخذت بشكر (1 تي 4: 4).

ربما ورث بعض اليهود الذين تنصروا الخلاف الذي كان قائمًا بين والحرفيين والمتسعي الفكر. الفئة الأول كثيرة الوساوس في الحرفية بخصوص المقدسات، حتى أنهم لم يسمحوا حتى باستخدام الحيوانات التي استخدمت لحساب العبادة الوثنية. بينما سمح الفريق الثاني باستخدامها بشرط ألا يكون عليها علامة الوثن, فالحيوانات التي لم توضع عليه علامة الوثن وقدمت ذبائح يمكن أكلها.

أما الأمم فبوجه عام كانوا يدركون أن الأكل من اللحوم إن لم يرتبط بالعبادة الوثنية لا يمثل مشاركة في هذه العبادة.

وإن كان الإنسان يصنع آلهته مع ذلك صار أسيرًا لها متى سًلم للشركة معها بعبادته لها... لأنه ما هي الأوثان إلا كما يقول الكتاب أشياء لها أعين ولا تنظر؟ [434].

القديس أغسطينوس.

انظروا أي مأزق سقط فيه! فإنه بالحق كان ذهنه ملتزم بتأكيد أمرين: أنه يليق بالشخص أن يمتنع عن مثل هذه الوليمة، وأن هذه الوليمة لا قوة لها لأذية الذين يشتركون فيها؛ أمران يصعب التوافق بينهما[435].

كما أن الإنسان يفكر أنه إن لمس جثمان ميت يلتزم أن يحسب نفسه نجسًا حسب العادات اليهودية، وفي نفس الوقت يرى آخرون لهم ضمير نقي وليس لهم ذات الفكر بأنهم يتدنسون إن لمسوا جثة. هذه هي مشاعرهم في ذلك الحين. يقول: "بل أناس بالضمير نحو الوثن إلى الآن"؛ ليس بدون سبب يضيف "إلى الآن" إنما يشير أنهم بدون أساس لرفضهم أن يتواضعوا، ولكن يجعل حواره كاملاً ليمنع أي شك مثل هذا[436].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"لأنه وإن وُجد ما يسمى آلهة،.

سواء كان في السماء أو على الأرض،.

كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرون "[5].

"ما يسمي آلهة" إذ هم ليسوا آلهة حقيقية، إنما يُدعون هكذا (2 تس 2: 4)، سواء في السماء كالشمس والقمر الخ. (تث 4: 19)، أو علي الأرض كالملوك الذين كانوا يؤلهون أنفسهم.

ربما يقصد بالذين في السماء الآلهة التي يدعي الوثنيون إنها في السماء وإنها تزور الأرض مثل جوبيتر Jupiter وMercury – Jun. إنهم يعتقدون بآلهة تسكن في السماء وأخري صاحبة سلطان علي مناطق معينة علي الأرض وعلي البحار مثل Ceres وNeptune، وثالثة تحت الأرض مثل Pluts.

"أرباب كثيرون" كان بعض الوثنيين يدعون الآلهة "البعليم"، وهي تعني "السادة" أو "الأرباب"، إذ يعتقدون أن لهم سلطان علي أفكار المتعبدين لهم، وأنهم آلهة حارسة تحفظ من يتعبد لهم.

3 - العبادة الحقيقية.

"لكن لنا إله واحد الآب.

الذي منه جميع الأشياء ونحن له،.

ورب واحد يسوع المسيح.

الذي به جميع الأشياء، ونحن به "[6].

بالنسبة لنا اللَّه الواحد، اللَّه الآب منه وفيه وله كل الأشياء، ينبوع الوجود، ومصدر كل شيء، خالق العالم كله وحافظه ومدبره.

حقا أن الابن هو اللَّه المولود منه لكنه ليس إله آخر والروح القدس هو اللَّه منبثق منه وليس له لاهوت آخر. لنا رب واحد، وسيط واحد بين الآب والبشر، يسوع المسيح، هو كلمة اللَّه المتأنس.

يشهد الكتاب المقدس أن الثلاثة تعبيرات: "معه" و "به" و "فيه" هي تعبير واحد في المسيح[437].

القديس أمبروسيوس.

"منه" تعني "من الآب" و "به" أي "بالابن" و "فيه" أي "في الروح القدس". هذه شهادة واضحة أن الآب والابن والروح القدس إله واحد[438].

القديس أغسطينوس.

كما يوجد اللَّه الآب الواحد الذي منه كل شيء هكذا رب واحد يسوع المسيح به كل الأشياء[439].

القديس كيرلس السكندري.

إذ يضع الرسول في اعتباره ما يحدث في الزمن يقول أن كل الأمور قد خلقها يسوع المسيح. إذ يقول: "رب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء" [6]. وعندما يتحدث عن آلام يسوع المسيح يظهر أنه رب المجد قد صُلب إذ يقول: "لو عرفوا لما صلبوا رب المجد" [440].

القديس يوحنا كاسيان.

يقول النبي في شخص الآب: "يدي صنعت كل شيء"، قاصدًا بيده... قوة الابن الوحيد الجنس. الآن يقول الرسول إن كل الأشياء هي من الآب، وأن كل شيء صنع بواسطة الابن، ويتفق الروح النبوي مع التعليم الرسولي بطريقة ما حيث هو عينه يعُطى خلال الروح[441].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص.

4 - الحرية المسيحية والحب.

"ولكن ليس العلم في الجميع.

بل أناس بالضمير نحو الوثن إلى الآن يأكلون كأنه مما ذبح لوثنٍ،.

فضميرهم إذ هو ضعيف يتنجس "[7].

"ولكن الطعام لا يقدمنا إلى اللَّه،.

لأننا إن أكلنا لا نزيد،.

وإن لم نأكل لا ننقص "[8].

بمعنى ليس الأول يجعلني غنيًا ولا الأمر الأخير يجعلني فقيرًا[442].

في هذا السؤال، سواء نصوم أم لا نصوم في اليوم السابع (السبت) فإنه ليس شيء أكثر أمانًا ويقود إلى السلام مثل قانون الرسول: "لا يزدرى من يأكل بمن لا يأكل، ولا يـدن من لا يأكل من يأكل" (رو3: 14). "إن أكلنا لا نزيد وإن لم نأكل لا ننقص" [8]. لتبقَ شركتننا مع الذين نعيش معهم والذين نحيا معهم في اللَّه محفوظة بلا اضطراب بسبب هذه الأمور[443].

القديس أغسطينوس.

أنه يتطلع إلى الشيء (الطعام) في ذاته أنه أمر كمالي، وكلا شيء. لأنه إذ يُفعل لن يفيد شيئًا، وإن لك يُفعل لا يضر، بهذا فهو أمر كمالي[444].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"ولكن انظروا لئلا يصير سلطانكم هذا معثرة للضعفاء" [9].

يوجه الرسول بولس حديثه نحو أصحاب الضمائر القوية، فإنهم إذ يأكلون في هذه الولائم بضميرٍ قوي] هذا لا يعوقهم شيئا أمام اللَّه وفي حضرته لأنهم يعثرون الضعفاء، وإن امتنعوا عن الشركة في هذه الولائم لن يفقدوا شيئًا من سموهم الروحي وقوة ضمائرهم.

الأكل أو عدمه ليس فضيلة ولا رذيلة، لن يقربنا إلى اللَّه أو يفصلنا عنه. لهذا حتى في الأصوام يليق بنا أن ما يشغلنا ليس الامتناع عن الأكل بل الاقتراب إلي اللَّه والاتحاد معه.

"لئلا تصير حريتكم (سلطانكم) هذه معثرة".

يحذرهم الرسول من إساءة استخدام سلطان الحرية وقوة ضمائرهم، فالحرية في الإيمان المسيحي لها التزام وهو الاهتمام بالضعفاء ومراعاة إمكانياتهم الروحية ومفاهيمهم. ففي حرية يأكل صاحب الضمير القوي مدركًا أن الوثن كلا شيء بينما يتمثل به الضعيف فيأكل ولكن بمفهوم آخر وهو الشركة مع الوثنيين في ارتباطهم بالأوثان.

لم يأمر الرسول بولس شعبه بالامتناع عن دخول هياكل الأوثان والاشتراك في موائدهم وشراء لحوم يشك فيها أنها مذبوحة للأوثان، كأن هذه الأمور محرمة ودنسة وإنما طالبهم بما هو أهم وهو الانشغال بخلاص كل نفسٍ حتى أصحاب الضمائر الضعيفة, فلا يليق بهم الانشغال بمناقشات عقلية جافة لاثبات أن الأوثان باطلة وأن كل ما خلقه اللَّه صالح، إنما يلزم الانشغال بخلاص الاخوة.

"لأنه أن رآك أحد يا من له علم متكئًا في هيكل وثن.

أفلا يتقوى ضميره إذ هو ضعيف حتى يأكل ما ذبح للأوثان "[10].

الكلمة اليونانية المترجمة "يتقوى" أو "يتجاسر" في معناها الحرفي "يبني"، فكان يليق بالقوي أن يبني أخاه فيما هو لصالحه لا أن يبني ضميره فيما يهلكه.

العجيب أن الذين يظنون أنهم أصحاب ضمائر قوية يدخلون هياكل الأوثان ويشتركون في ولائم الوثنيين, هكذا دفعتهم المعرفة المجردة عن الحب إلى تصرفات يُمكن أن تفقدهم الأعماق الروحية الصادقة.

ليكن الأمر هكذا: أنكم لا تصلحوهم ولا تثيروهم؛ ولكن لماذا تجعلوهم متعثّرين، بينما كان يجب أن تبسطوا لهم أيديكم؟ إنكم لم تتصرفوا بتعقلٍ، فعلى الأقل تجنبوا أن تهلكوهم. فإن كان أحد شريرًا يحتاج إلى تأديب، إن كان ضعيفًا يحتاج إلى شفاء، والآن هم ليسوا فقط ضعفاء وإنما هم أيضًا اخوة[445].

إنه ليس ضعفه فقط بل وسلوكك غير المضبوط أيضًا يحقق الخطة التي ضده، فإنك أنت تجعله أكثر ضعفًا[446].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

يوجد نوعان من الطعام, واحد يخدم الخلاص والثاني يناسب الهالكين... يليق بنا ألا نسيء استخدام عطايا الآب, ونقوم بدور المبذرين كما فعل الابن الغني في الإنجيل (لو 15: 11 - 14). بالأحرى ليتنا نستخدمه بنوعٍ من ضبط النفس. حتمًا لقد أوصينا أن نكون سادة على الطعام لا عبيدا له[447].

القديس إكليمنضس السكندري.

"فيهلك بسبب علمك الأخ الضعيف.

الذي مات المسيح من أجله "[11].

إذ يتمتع المؤمن بعطية الخلاص ويدرك الثمن الذي دفعه السيد المسيح لأجل خلاصه علي الصليب برد محبة المسيح بالحب، فيشتهي أن يموت من أجل اخوته. حقًا من يحمل روح المسيح يحب الذين يحبهم السيد المسيح، ويهتم ألا يحزنهم ولا يعثرهم في طريق خلاصهم.

ضيقي شديد وحزني ومخاوفي كثيرة حتى أنني أفكر أن أسقط عند أقدامكم وأبكي حتى أفقد قوتي للبكاء، أود ببلاغة الحب التجئ أولاً إليكم من أجله، ويطلب كل واحدٍ من أجل الآخر، خاصة من أجل الضعفاء الذين مات المسيح من أجلهم[448].

إنك تضع هذه العثرة في طريق ابن أمك (مز 20: 50) الذي مات المسيح من أجله، والذي لا يزال في طفولة واهية، غير مستعدٍ للطعام القوي، بل يحتاج أن يقتات بلبن الأمم (1 كو 2: 3) [449].

لا يتجاهل أحد هذا عندما يخطئ ضد أخٍ، إذ يقول الرسول: "إذ تخطئون إلى الاخوة وتجرحون ضميرهم الضعيف تخطئون إلى المسيح" [12]. لهذا إذ نحن جميعًا صرنا أعضاء المسيح كيف لا تخطئ إلى المسيح يا من تخطئ إلى عضو المسيح؟ [450].

إن كنت تحب الشخص الضعيف أقل من الغير, بسبب فشله الأخلاقي الذي جعله ضعيفا أذكر ذاك الذي مات لأجله[451].

إنه قانون المسيح نفسه أن يحتمل الشخص أحمال الآخر. علاوة على هذا فبحب المسيح تحتمل ضعف الغير بسهولة, حتى ذاك الذي لم نحبه بسبب عدم سماته الحسنة إلا أننا نتحقق أن الذي نحبه مات المسيح من أجله[452].

القديس أغسطينوس.

"وهكذا إذ تخطئون إلى الاخوة،.

وتجرحون ضميرهم الضعيف،.

تخطئون إلى المسيح "[12].

الضرر الذي يصيب ضعيفي القلوب إنما يُحسب موجهًا ضد المسيح نفسه, من يسيء إلي القطيع إنما يهين الراعي الذي يجمعهم في ذراعيه ويحملهم إلي حضنه (إش 60: 11).

لم يطلب الرسول من الأقوياء أن يشرحوا موقفهم لضعيفي النفوس ولا أن يدخلوا معهم في مناقشات ومجادلات، بل بالحب يقبلوا تنازلات لأجلهم.

أولئك الذين هم أقوى ولا يرتبكون بالتشكك مع هذا يؤمرون بالامتناع حتى لا يعثروا هؤلاء الذين بسبب ضعفهم يجدون ضرورة في الامتناع عن الأكل[453].

القديس أغسطينوس.

"لذلك أن كان طعام يعثر أخي.

فلن آكل لحمًا إلى الأبد،.

لئلا أعثر أخي "[13].

يسند الرسول شعبه بتقديم نفسه مثالاً لهم, إنه مستعد أن يمتنع عن أكل اللحم تمامًا من أجل اخوته الضعفاء. لم يقل أنه يمتنع عن الأكل تمامًا فقط وإلا ارتكب خطية شائنة.

ذاك الذي يعلن أن كل شيء صالح وليس شيء مرذول إن أُخذ بشكرٍ، فإنه في ظروف معينة يقول: بأنه بسبب ضمير الأخ الضعيف يأمرنا أن نمتنع عن بعض الأشياء، وإن كان يحسبها ضمن الأمور المقبولة. يقول: "إن كان طعام يُعثر أخي فلن آكل لحمًا إلى الأبد، لئلا أعثر أخي[454].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص.

من وحي 1 كو 8.

هل لي من تقديم تنازلات،.

لأجل ذاك الذي مات عنهم؟

حقًا ما أسرع أن أتعرف على حقوقي،.

وما أشهى أن أُدافع عنها.

لكن هب لي المعرفة الحقّة الملتهبة بالحب.

روحك القدوس، روح الحق، يكشف لي أسرارك،.

ويقودني في طريق الحب الباذل،.

طريق صليبك المجيد!

ماذا انتفع بالمعرفة أن نقصتها المحبة!

تصير علّة تشامخي وهلاكي!

لا تحرمني أن أتمتع بحبك،.

فأسلك به نحوك ونحو كل خليقتك.

أنت هو الحق مصدر الحب.

أنت هو الحب واهب الحق.

بحبك قدمت من أجلي تنازلات لا حصر لها.

الخالق التحف بطبيعتي البشرية.

واهب الحياة دخل معي حتى قبري.

الغني افتقر لكي بفقره يغنيني.

الآن هب لي كرامة الشركة معك.

فأقدم تنازلات من جانبي لأجل محبوبيك.

لكن، ماذا لي لأقدمه،.

وأنا تراب ورماد؟!

هب لي أيها الحب السرمدي،.

أحضانك المتسعة للعالم كله،.

فأبسط معك وبك ذراعي، لأحتضن كل ضعيف.

نعم، بك ولأجل دمك الثمين،.

أهتم بخلاص الضعيف لا بإفحامه بالحجج.

أهتم بشبعه الداخلي عِوض المناقشات الغبية.

أشتهى مجده الأبدي عِوض نقده والحكم عليه.

ونحن أعداء أحببتنا وقدمت حياتك مبذولة لأجلنا،.

فكيف لا نحب اخوتنا الضعفاء،.

فنشتهي أن نموت،.

من أجل الذين مت أنت عنهم؟!

الإصحاح التاسع.

تنازلات الرسول.

يطالب القديس بولس المؤمنين الأقوياء أن يحتملوا من أجل الضعفاء حتى يتأسسوا في نعمة الله. هذا هو عمل الحب الإلهي في قلوبهم، إذ يهبهم أن يقدموا تنازلات من أجل خلاص اخوتهم.

في هذا الإصحاح يؤكد الرسول بولس حقيقيتين تمسان خدمته:

الأولى: يؤكد صدق رسوليته ضد الذين ينكرونها، وذلك ليس طلبًا للمجد، بل من أجل بنيان الشعب، موضحًا أن ما يشغله هو خلاص الغير حتى في دفاعه عن نفسه. إذ هاجمت بعض الفرق الرسول بولس في رسوليته بحجة أنه لم يَرَ السيد المسيح حين كان على الأرض، ولم يختره بين الإثني عشر تلميذًا أو السبعين رسولاً، لذلك أكد رسوليته وحريته في قبول الخدمة الرسولية [1]. يجيب عليهم انه قد رأى الرب وهو في طريقه إلى دمشق؛ وأنه قد خدم، وهم ختم رسالته في الرب [2]. وأنهم هم مخدوميه الأخصاء بالنسبة له.

والثانية: اعتاد الرسول ألا يقدم وصايا ما لم يختبرها في حياته. إنه كارز عملي، يقدم نفسه مثالاً حيًا لمخدوميه من جهة تنازلاته عن حقوقه الرسولية لأجل خلاص اخوته. فمع صدق رسوليته تنازل عن كثير من حقوقه.

من حقه أن يأكل من الإنجيل [4]، لكنه رفض لكي لا يعثر أحدًا، فإنه وحده مع برنابا كانا يشتغلان ليعيشا ولا يسببا ثقلاً على الخدمة [6].

من حقه أن يجول بأخت زوجة كباقي الرسل وأخوة الرب (أولاد خالته) [5]، أي يتزوج ويعيش معها كأخت تشاركه أسفاره. لكنه رفض لكي يتفرغ للخدمة تمامًا ويتحرك بأكثر سرعة لحساب ملكوت الله.

من حقه أن يمارس حريته، لكنه بكامل حريته اختار التنازل عن حريته، فاختار أن يكون ليس ملكًا لنفسه بل للكل كي ينعموا بحرية مجد أولاد الله. يكون عبدًا لا لشخصٍ ما أو لعائلةٍ ما وإنما للجميع لكي يربح الكثيرين للمسيح [19].

من حقه أن يسلك كمن هو قوي لكنه صار ضعيفًا ليربح الضعفاء، وصار للكل كل شيء ليُخلص على كل حالٍ قومًا (22: 9).

1 - صدق رسوليته 1 - 2.

2 - حقه أن يأكل من الإنجيل 3 - 14.

3 - تنازلاته من أجل الإنجيل 15 - 18.

4 - اهتمامه بخلاص الجميع 19 - 23.

5 - اهتمامه بخلاصه 24 - 27.

1 - صدق رسوليته.

أعلن السيد المسيح أنه ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه (مت 13: 57). ووجد الرسول بولس مقاومة من الكنيسة التي أنشأها في كورنثوس، لا من الذين في الخارج، بل من الذين قبلوا الإيمان بواسطته. لذا يليق بالخادم الحقيقي ألا ينتظر كرامة أو مديحًا ممن يخدمهم ويبذل نفسه من أجلهم بل يتوقع أن يجد مقاومة ورفضًا.

"ألست أنا رسولاً؟

ألست أنا حرًا؟

أما رأيت يسوع المسيح ربنا؟

ألستم أنتم عملي في الرب؟ "[1].

بقوله: "أما رأيت يسوع المسيح ربنا؟" يؤكد صدق رسوليته. فإنه وإن كان لم ينعم ببركة التلمذة للسيد المسيح أثناء حياته علي الأرض، ولا سمع تعاليمه، ولا رآه في صلبه وبعد قيامته مباشرة حتى صعوده، لكن القائم من الأموات ظهر له، فصار شاهدًا لقيامته. هذه الشهادة أساسية في العمل الرسولي (أع 1: 22).

هنا يؤكد بولس الرسول صدق رسوليته بالآتي:

"ألست أنا رسولاً؟"، إذ اختاره السيد المسيح ودعاه للعمل الرسولي بعد صعوده إلى السماء.

"ألست أنا حرا؟" فمن جانب السيد المسيح هو دعاه، ومن جانب بولس فبكامل حريته قبل هذا العمل الفائق.

"أما رأيت يسوع المسيح ربنا؟"، صار شاهدًا للقيامة، إذ ظهر له وهو في طريقه إلي دمشق (أع 9: 7، 17؛ 22: 17).

ألستم أنتم عملي في الرب؟ "عمل الله فيهم خلال خدمته شهادة عملية حية لصدق رسوليته. فإن قبولهم للإيمان وتوبتهم الصادقة وحياتهم الجديدة، هذه كلها لم يكن ممكنًا أن تتحقق إلا بالله الذي أرسل بولس للكرازة.

يبدو أن الشك قد تسرب إلي بعض الاخوة بخصوص رسوليته للأسباب التالية:

1. انه لم يرَ السيد المسيح فلا يقدر أن يكون تلميذا.

2. لم يطلب هو وبرنابا من الكنائس أن تمدهما باحتياجاتهما الضرورية كسائر الرسل.

3. التزم مع برنابا بالعمل حتى يعيشا.

"ألست أنا رسولاً؟ ألست أنا حرًا؟" [1]، بمعنى "أليس لي سلطان على نفسي؟ هل يوجد من يحكم علّي ويحرمني من (حقوقي)؟"... بلى، ولا هذا يمجد رسوليتى، إذ يقول في هذا: "ألم أرَ يسوع المسيح ربنا؟ فإنه" آخر الكل، كأنه للسقط ظهر لي أنا "(1 كو 15: 8). هذه ليست بالكرامة الهينة، فقد قيل:" إن أنبياء وأبرارًا كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا "(مت 13: 17)، وقيل:" ستأتي أيام فيها تشتهون أن تروا يومًا واحدًا من هذه الأيام "(لو 17: 22) [455].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"إن كنت لست رسولاً إلى آخرين فإنما أنا إليكم رسول،.

لأنكم أنتم ختم رسالتي في الرب "[2].

كأنه يقول: "كنت أتوقع أن يتشكك آخرون في رسوليتي، أما وقد أنشأت كنيسة المسيح في كورنثوس، وصرتم ختم رسالتي في الرب، فما يليق بكم أن تجحدوا رسوليتي. لو لم أكن رسولاً ما كان يمكنني أن أكسبكم لحساب ملكوت الله".

إن كان "الختم" هو شكل معين يُنحت علي حجر أو علي خاتم تُختم به الرسائل لتأكيد صدق مصدرها (يو 3: 33)، فإنهم ختمه الخاص الذي به يؤكد صدق رسالته. كلما أشار إليهم تأكد السامعون عمل الرسولية الواضح.

وبقوله: "في الرب" يؤكد أنه نال رسوليتة كهبة أو نعمة من قبل الرب، وأيضًا قبولهم الإيمان علي يديه هو بفضل نعمة الله.

يقول بولس أنه إن كان أحد يريد أن يختبر أعماله فليتطلع إلى الكورنثوسيين فإنهم شاهد كاف لأتعابه[456].

ثيؤدورت أسقف قورش.

إذ كان له أن يتحدث عن خدمته في العالم كله وبين الأمم المتبربرة، في البحار والبرّ، فإنه لم يشر إلي شيء من هذا كله، وإنما حمل هذه النقطة (خدمته في كورنثوس) لابراز الهبة، أنه نال أكثر مما يحتاج. وكأنه يقول: "لماذا أطلب أكثر ما دام ما لدي فيه الكفاية لتحقيق هدفي الحاضر؟ لست أتحدث لكي تلاحظوا ما أنجزته إلى مناطق أخرى، بل الإنجازات التي أنتم شهود لها. لست أطلب شهادة من المناطق الأخرى. أما بالنسبة لكم فمن حقي أن أطلب. ومع هذا فإنه وإن كان من حقي أن أخذ منكم إذ أنا معلمكم لم أخذ[457].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

أنكر المؤمنون الذين من أصل يهودي الذين استمروا في حفظ ناموس موسى أن بولس رسول، لأنه علم بأنه لا ضرورة بعد للختان وحفظ السبت... أما بالنسبة للكورنثوسيين فكان بولس رسولاً إذ رأوا علامات قوة الله فيه[458].

أمبروسياستر.

2 - حقه أن يأكل من الإنجيل.

بعد أن أكد رسوليته أوضح حقوقه كرسول، وكيف تنازل عنها بإرادته من أجل محبته لخلاص البشرية.

"هذا هو احتجاجي عند الذين يفحصونني" [3].

يتحدث الرسول بولس كمتهمٍ في محكمة يسمع الاتهامات الموجهة ضده ويجيب عليها بكل صراحةٍ وفي حبٍ، وقد أقامهم قضاة ليحكموا بصدق رسوليته.

"ألعلنا ليس لنا سلطان أن نأكل ونشرب؟" [4].

كلمة "سلطان" هنا معناها "حق"، فانه حق رسولي له أن يأكل ويشرب من خلال خدمته علي حساب الكنائس التي يكرز فيها. لم يطلب الكماليات ولا الغنى، إنما يطلب حد الكفاف وهو الأكل والشرب لكي يعيش ويخدم.

التزم الرسول أن يقدم برهانًا على ذلك، مشيرًا إلي أنه ترك حتى الأمور المسموح بها، حتى لا يوجد عثرة لأحد، مع أن لا يوجد قانون يلزمه بهذا... فإن كان قد فعل أكثر مما يطلبه الناموس حتى لا يتعثروا وامتنع عما هو مسموح به من أجل بنيان الغير، فماذا يستحق هؤلاء الذين لم يمتنعوا عن ذبائح الأوثان، حيث بذلك يهلك كثيرون؟ الأمر الذي يلزم للشخص أن يتركه بغض النظر عن عثرة الآخرين فيه، لأنها "مائدة شياطين"؟ [459].

إذ يظهر لكم أني قد امتنعت عن الأشياء المسموح في بها، فليس من العدالة أن تتشككوا فيَّ كمخادعٍ أو من يعمل لأجل الربح[460].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"ألعلنا ليس لنا سلطان أن نجول بأخت زوجة كباقي الرسل واخوة الرب وصفا؟" [5].

يري القديس إكليمنضس السكندري أن الرسل كانوا يجولون ومعهم نساؤهم اللواتي كن يشاركونهم الإيمان، ليس كزوجات بل كأخوات، حتى يخدمن ربات البيوت، حتى يدخل تعليم الرب إلي حياة النساء دون أية تشكك.

ركز الرسل على الكرازة بدون تشتيت، فأخذوا زوجاتهم معهم كأخوات مسيحيات أكثر منهن زوجات، ليكن زملاء لهم في خدمة نساء البيوت حتى يُبلغ إليهن الإنجيل بدون عائق[461].

القديس إكليمنضس السكندري.

"أم أنا وبرنابا وحدنا ليس لنا سلطان أن لا نشتغل؟" [6].

كان كلا من الرسولين بولس وبرنابا يعملان بإرادتهما لكي لا يعتازا إلي أحد. كان يمارسان حرفة مثل صنع الخيام (أع 18: 3؛ 20: 34؛ 2 تس 3: 8).

"من تجند قط بنفقة نفسه؟

ومن يغرس كرمًا ومن ثمره لا يأكل؟

أو من يرعى رعية ومن لبن الرعية لا يأكل؟ "[7].

أكمل الرسول حديثه مقدمًا أمثلة من الواقع العملي ليدافع فيها عن نفسه، فالجندي الروماني يتوقع أن ينال أجرة ومئونة من الطعام مقابل خدمته للوطن لكي يعيش، والزارع والراعي للغنم يتوقعان عائدًا يعيشا به مقابل أتعابهما.

يشبه الرسول نفسه كجندي لا يتوقف عن الجهاد كما في معركة الخدمة، وكغارس كرم يُسر بالثمر، وكراعٍ يترفق بالقطيع العاقل. ومع هذا لم يأخذ أجرة كجندي، ولا انتظر ثمر الكرم، ولا طلب لبن القطيع! انه لم يطلب حتى الضروريات "نفقة نفسه"! لقد تعدي ما هو طبيعي ومعقول من أجل محبته للخدمة.

تشبه الكنيسة كجيش بألوية (نش 6: 4) وككرمة (نش 5)، وأيضا كقطيعٍ عاقل (يو 21: 15 – 17).

غالبًا ما تكون أجرة رعاة الغنم في الشرق ليست مبلغًا من المال بل نسبة من اللبن الذي من القطيع. يقوم الألبانيون برعاية القطيع ملك الأتراك، فيعيشون في أكواخ فقيرة للغاية وينالون عُشر الناتج من اللبن كأجرة لهم يعيشون به. والرعاة أيضا في أثيوبيا لا يأخذون أجرة مادية بل نصيبًا من اللبن والزبدة الناتجة عن البقر.

الخادم الحقيقي هو جندي روحي (2 تي 2: 3) وكرام (1كو 3: 6 - 8) وراع (1 بط 5: 2، 4).

أسألكم أن تتأملوا كيف اختار أمثلة مناسبة لتحقيق هدفه. فقد بدأ أولا بالأمور التي يصحبها الخطر أي الجندية والجيوش والحروب. فإن الرسولية هي شيء من هذا القبيل، بل بالأحرى أكثر منها خطورة. فإن حربهم ليست مع أناسٍ بل ومع الشياطين، ضد رئيس هذه الكائنات...

"ومن يغرس كرما ومن ثمره لا يأكل؟" فكما أشار المثال السابق إلي مخاطره هكذا يبرز هنا أتعابه ومشاقه الكثيرة واهتمامه.

يضيف أيضا مثالاً ثالثًا، قائلاً: "أو من يرعى رعية ومن لبن الرعية لا يأكل؟" فإنه يستعرض هنا الاهتمام العظيم الذي يظهره المعلم نحو من يرعاهم[462].

لقد أظهر نوعية الكاهن وماذا يجب أن يكون عليه. إذ يلزمه أن يحمل شجاعة الجندي، واجتهاد الفلاح، واهتمام الراعي، وفوق هذا كله ألا يطلب شيئًا أكثر من الضروريات[463].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"ألعلي أتكلم بهذا كإنسان؟

أم ليس الناموس أيضًا يقول هذا؟ "[8].

"أتكلم بهذا كإنسانٍ" تحدث أولاً بالمنطق البشري، ثم أكمل بالمنطق الإلهي أو ناموس الله [15].

كأنه يقول: "العلي انطق بهذا من عندي دون اللجوء إلي القانون الإلهي؟ أليس ما يبدو عدلاً ومقبولاً يسنده السلطان الإلهي نفسه؟".

إذ كانت الاعتراضات صادرة بالأكثر من الذين هم من أصل يهودي في الكنيسة بكورنثوس لجأ إلي ناموس موسي نفسه، فقد اعتاد الرسول أن يلجأ إلي العهد القديم حينما يتحدث مع اليهود.

"فإنه مكتوب في ناموس موسى: لا تكم ثورًا دارسًا.

ألعل الله تهمه الثيران؟ "[9].

بعد أن لجأ إلي أمثلة من الواقع العملي اليومي، والقوانين العامة المقبولة علي مستوي كل البشر، التجأ إلي الناموس، فالشريعة تطالب بأن يتمتع خادم الله بما يكفل له حياته.

"العل الله تهمه الثيران؟" لقد اهتمت الشريعة بتقديم ما فيه راحة الثيران (تث 25: 4)، أفلا تهتم بالأولى بالإنسان الذي من أجله خُلقت الثيران، والذي تُقدم كذبائح من أجل تطهيره؟!

لقد أعطاه الناموس حق التمتع بالبركات الزمنية بقوله: "لا تكم ثورًا دارسًا"، فشبه نفسه بالثور الذي يدرس، ومع ذلك لم يذق شيئًا مما يدرسه!

لا يعني هذا أن الرسول ينكر اهتمام الله بالثيران، لكنه إذ وضع هذا المبدأ اهتمامًا بالحيوانات أفليس بالأولى تطبيقه علي الإنسان، خاصة في خدمته لله؟

"ألعل الله تهمه الثيران؟" (1 كو 9: 9) أخبرني، ألا يهتم الله بالثيران؟ حسنًا إنه يهتم بها، لكن بأن يسن قانونًا خاصًا بهذا. لهذا لو لم يكن بهذا يلمح إلي أمرٍ هام، مدربًا اليهود على عمل الرحمة في حالات البهائم، وبذلك يشجعهم أن يفعلوا هذا مع المعلمين أيضًا، لما كان أعطى اهتمامًا عظيمًا حتى يسن شريعة تمنعهم من أن يكموا فم الثور[464].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"أم يقول مطلقا من أجلنا،.

أنه من أجلنا مكتوب،.

لأنه ينبغي للحراث أن يحرث على رجاء،.

وللدارس على الرجاء،.

أن يكون شريكًا في رجائه "[10].

ما جاء في الناموس لم يكن من أجل إنسانٍ معين، فلم يكن في ذهن موسى شخص الرسول بولس أو غيره إنما ما سجله هو من قبل الله لأجل كل بشر، لكي يعمل الكل بروح الرجاء حتى يحصدوا ثمر تعبهم ويفرحوا بنجاح تعبهم.

"إن كنا نحن قد زرعنا لكم الروحيات.

أفعظيم إن حصدنا منكم الجسديات؟ "[11].

لقد بذل الرسول حياته كل يوم لكي يزرع لهم الروحيات ويتمتعوا بالخلاص الإلهي، فهل كثير عليه أن ينال قوت جسده؟ زرع الرسول فيهم بذار الإنجيل ووهبهم فرح الرجاء في السماويات. زرع فيهم ما هو أعظم من كل ما في العالم، إذ قدم لهم الحياة المقامة عوض الموت، وعمل في حياتهم كطبيب وكرام وراع ومحام... لأجل مجدهم الأبدي، فكيف لا يتفرغ لهذا العمل العظيم تاركًا الاهتمام بالاحتياجات الضرورية لحياته اليومية للكنيسة؟ إنه يعمل لحساب كل فرد كما لبنيان الجماعة كلها لذا لاق به التفرغ الكامل لهذه الرسالة البناءة.

يقول: ليت التلميذ لا يحتفظ بشيء لنفسه، بل يكون كل ما لديه عام للجميع، لأن ما يعطيه أفضل مما يأخذه، كما أن السماويات أفضل من الأرضيات[465].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

يؤكد بولس الحقيقة بأن زملاءه الرسل لم يخطئوا بأي حال عندما لم ينشغلوا بالعمل اليدوي من أجل ضرورات المعيشة، وإنما كما وجه الرب أن يعيشوا من الإنجيل، قبلوا ذلك. فلم يدفعوا شيئًا مقابل القوت الجسدي لأولئك الذين تمتعوا بالقوت الروحي دون أن يُطلب منهم شيئًا[466].

القديس أغسطينوس.

"إن كان آخرون شركاء في السلطان عليكم،.

أفلسنا نحن بالأولى؟

لكننا لم نستعمل هذا السلطان،.

بل نتحمل كل شيء لئلا نجعل عائقا لإنجيل المسيح "[12].

يقصد بالآخرين هنا الرسل الحقيقيين، وريما يقصد الرسل الكذبة (2 كو 11: 13). لقد نال شركاؤه في الرسولية هذا الحق، وكان هو أولى منهم، لأنه هو الذي أسس الكنيسة في كورنثوس، لكنه خشي أن يأخذ شيئًا فيعيق إنجيل المسيح.

يتحدث عن المعلمين في كورنثوس "الآخرين"، فإنهم إذ يعيشون في وسطهم تلتزم الكنيسة بكل احتياجاتهم. هؤلاء دخلوا علي تعب الرسول بولس الذي احتمل الميتات كل النهار لأجلهم، وقبل الفقر والجوع والعطش والعري بل والاتهامات الباطلة لأجل إقامة هذه الكنيسة. فهو أولى منهم في تمتعه بحقه هذا، ومع ذلك فمن أجل إنجيل المسيح يتنازل عن حقه، حتى يستطيع أن يجتذب قلوب وأفكار الكل إلي الإنجيل.

وضوح الهدف لدي معلمنا بولس الرسول جعله يقبل الآلام ليس فقط بدون شكوى أو تذمر، بل بفرحٍ وسرورٍ كعلامة حب حقيقي لتحقيق رسالة السيد المسيح به.

إنه أمر شرعي (أن يعيش الكارزون من الإنجيل)، وقد أظهر ذلك بطرق كثيرة: من حياة الرسل، ومن الحياة اليومية، من الجندي والفلاح والراعي، ومن شريعة موسى، ومن الطبيعة عينها. فإننا نزرع فيكم الروحيات، ومما أنتم أنفسكم تفعلونه مع الآخرين.

وضع هذه الأمور وتنازل عنها فلئلا يبدو أنه يُخجّل الرسل الذين يأخذون... أو لئلا يظنّوا أنه يود أن يأخذ لنفسه لذلك يصحح الآن الوضع[467].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

"ألستم تعلمون أن الذين يعملون في الأشياء المقدسة من الهيكل يأكلون؟

الذين يلازمون المذبح يشاركون المذبح؟ "[13].

"هكذا أيضًا أمر الرب:

أن الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون "[14].

لئلا يظنوا انه يعتمد علي شريعة موسى في العهد القديم التي يظن البعض إنها قد أبطلت قدم أيضًا وصية إلهية علي فم الرب نفسه فقال: "هكذا أيضا أمر الرب" [14].

ولئلا يظنوا أنه يهين شركاءه في الخدمة لأنهم ينالون الضروريات خلال خدمتهم أكد أن التقليدين القديم والجديد يعطياهم هذا الحق بقوله: "ألستم تعلمون أن الذين يعملون في الأشياء المقدسة من الهيكل يأكلون؟! الذين يلازمون المذبح يشاركون المذبح، هكذا أيضًا أمر الرب أن الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون".

حتى المسيح أمر بأن الذين يكرزون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون (1 كو 9: 13، 14). لكنه يقول: "لم أرد ذلك بل عملت، وليس فقط عملت، وإنما بكل اجتهاد" [468].

يقول: "يأكل"، و "يعيش"، لا أن يجعل منها تجارة، ولا أن يجمع كنوزًا، يقول أن الأجير مستحق أجرته[469].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

"ولا أكلنا خبزًا مجانًا من أحد"... هكذا يتقدم رسول الأمم في كل مرة خطوة جديدة في التوبيخ. فكارز الإنجيل يقول إنه لم يأكل خبزًا مجانًا من أحد، مع أنه يعلم أن الرب أوصى: "أن الذين ينادون بالإنجيل، من الإنجيل يعيشون" (1 كو 14: 9)، وأيضًا "الفاعل مستحق أجرته" (مت 10: 11).

مادام كارز الإنجيل وهو يقوم بعملٍ على هذا القدر من السمو والروحانية لم يرد أن يستغل وصية الرب بأن يأكل خبزه مجانًا، كم بالأحرى يعوزنا بالحق ليس فقط أن نكرز بالكلمة بل وإلى جانب هذا لا نداوي أية نفوس سوى نفوسنا (بالاهتمام بالعمل بغير كسل لكي لا يعيش الراهب بتعب الآخرين).

كيف تجرؤ أن تأكل خبزك مجانًا في حين أن "الإناء المختار"، وهو مقيد باهتمامه بالإنجيل وعمله في الكرازة، لم يجسر أن يأكل خبزه دون أن يشتغل بيديه...، فيقول: "بل كنا نشتغل بتعبٍ وكدٍّ ليلاً ونهارًا لكي لا نثقل على أحد منكم" (2 تس 8: 3)؟!

هكذا فإنه حتى هذه النقطة يمتنع عن التوبيخ ولا يُكثر منه، لأنه لم يقتصر على أن يقول: "ولا أكلنا خبزنا مجانًا من أحد منكم"، ذلك لأنه كان من المحتمل أن يظن البعض أنه كان يتزود من دخلٍ خاصٍ به ومن مالٍ ادخره، أو عن طريق أشخاصٍ آخرين، دون الاستعانة بعطاياهم أو بما يجمعون. فهو يقول: "لكن كنا نشتغل بتعب وكدّ ليلاً ونهارًا". يعني أنه كان يتزود من شغل يديه. ويستطرد الرسول قائلاً إنه لم يفعل ذلك بدافعٍ من الرغبة في الاستمتاع بضرب من ضروب الرياضة البدنية، بل تحت ضغط من الحاجة إلى التزود بالطعام. وأن هذا كان يكلفه الكثير من الكدّ والتعب، ذلك لأنه ليس طوال النهار بأكمله، بل وأيضًا أثناء الليل، وهو الوقت المكرس لراحة البدن، يواصل العمل بيديه ليوفر لنفسه الطعام[470].

القديس يوحنا كاسيان.

3 - تنازلاته من أجل الإنجيل.

"أما أنا فلم استعمل شيئًا من هذا،.

ولا كتبت هذا لكي يصير فيّ هكذا،.

لأنه خير لي أن أموت من أن يعطل أحد فخري "[15].

لقد قدم أمثلة كثيرة لتأكيد حقه في إعالة الكنيسة له: الجندي والكرام والراعي والحارث والكاهن مقدم الذبيحة في العهد القديم.

فضل الرسول بولس خلاص اخوته عن حياته، فإنه يشتهي أن يموت ولا تتعطل خدمة الكرازة. بذله لذاته متشبهًا بالسيد المسيح يهبه سعادة داخلية أفضل من نوال حتى ضروريات الحياة. بالحب الحقيقي لا يطلب ما لنفسه بل ما هو لله وما هو للآخرين. هذه هي الضرورة الموضوعة علي أعماقه الداخلية والتي لا يقف أمامها أي معطل.

إذن الطبيعة نفسها والشريعة والإنجيل يعطونه حق الإعالة، لكن حبه للكرازة منعه، "لأنه خير لي أن أموت من أن يعطل أحد فخري".

لم يرد أن ينل شيئا لئلا يفهم البعض أنه يخدم كأجير، يعمل في كرم الرب لكي يأكل ويعيش، الأمر الذي قد يشكك البعض فلا يهتموا بخلاص نفوسهم.

لم يستخدم هذا الحق في الماضي، ولا كتب ذلك لكي يطالب بحقه في المستقبل حين يعود إليهم ليفتقدهم.

بمعنى أن أمورًا كثيرة تعطيني الحق (في أن أكل من الإنجيل): الجندي والفلاح والراعي والرسل والناموس والأشياء التي فعلناها لكم وما فعلتموه أنتم مع الآخرين، والكهنة، وأمر المسيح، هذا كله لا يدفعني أن أُبطل القانون الذي وضعته لنفسي حتى أقبل شيئًا. لست أتكلم فقط عن الماضي (مع أنه يمكنني ذلك، فقد احتملت الكثير في الماضي في هذا الأمر) ومع ذلك فإني أتحدث عن المستقبل بخصوصي فإنني أفضل أن أموت جوعًا ولا يحرمني أحد من إكليلي[471].

لئلا يقول أحد: "حقًا لقد فعل هذا لكن ليس ببهجة إنما في حزن وضيق" أراد أن يظهر فيض فرحه وعِظم غيرته، فدعا هذا الأمر "مجدًا" (فخرًا) [472].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

لقد نال الرسول بولس فخرًا ومجدًا في خدمته، لكنه يؤمن أنه مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ، لذا يود أن يعطى أكثر منه أن يأخذ، وفى نفس الوقت لا يريد أن يعطل أحد فخره في المسيح يسوع. ربما يسأل أحد: كيف وهو يقول "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (أع 20: 34، 35) ويقول "حاجاتي وحاجات الذين معي خدمتها هاتان اليدان" (أع 20: 34)، وعندما كتب آلي أهل كورنثوس: "لأنه خير لي أن أموت من أن يعطل أحد فخري" [15]، سمح لمجده أن يبطل! كيف؟ بأنه تقبل (العطاء)... يقول: "سلبت كنائس أخرى، آخذا أجرة لأجل خدمتكم" (2 كو 11: 8). هنا يُظهر أنه أخذ. بحق أخذ بولس، إذ قدم عملاً عظيما كهذا، وذلك إن كان بالحق قد أخذ، أما الذين لا يعملون فكيف يأخذون؟ [473].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

أظهر أن هذه الممارسة مسموح بها، لكنها ليست أمرًا لئلا يظن التلميذ الذي نال شيئا من الجزاء من أجل احتياجاته الشخصية من الذين يكرز لهم أنه يخطئ. أما التوقف عن هذه الممارسة فهو أمر ممدوح كما يظهر بوضوح في حياة الرسول... الذي أعلن: "لم أستعمل شيئًا من هذا"... لديه الحق، لكنه لم يلزم زملائه بأمرٍ ما[474].

القديس أغسطينوس.

إنه من الأفضل لى أن أموت ولا يُسلب بعض اخوتى أو ينخدع الأطفال الصغار والرضع في المسيح[475].

العلامة أوريجينوس.

"لأنه إن كنت أبشر فليس لي فخر،.

إذ الضرورة موضوعة عليّ،.

فويل لي أن كنت لا أبشر "[16].

أنه يكرز بإرادته الحرة من أجل المجد الأبدي، هذا هو موضوع افتخاره. لهذا فهو لا يطلب حقه بل ومستعد لقبول كل تعبٍ وألمٍ وبذلٍ حتى لحياته من اجل الكرازة. من هنا يجد ضرورة تلزمه للعمل، لا ضرورة للحياة الزمنية، ولكن ضرورة الحب الداخلي لخلاص اخوته، وتمتعه بشركة المجد الأبدي.

لعله يقصد بالضرورة موضوعه عليه أنه لم يفرح بالكرازة كعملٍ أو وظيفةٍ، لكن الدعوة العجيبة التي قُدمت له من السماوي، دعوة شخصية ألزمته بالعمل (أع 9: 6). انه يعمل في طاعة لمن دعاه شخصيًا لخدمته. لم يلزمه الرب بل بالعمل لكن الدعوة مع حرية إرادته حملت إلزامًا داخليًا في القلب. إلزام ضميره بالعمل الكرازي واعلان الحق الإنجيلي، فقد دفعته العناية الإلهية لهذا الطريق ليصير سفيرًا للسيد المسيح.

لم يبشر الرسول عن ضرورة، أي عن احتياج مادي، وإنما طوعًا مترقبًا المكافأة السماوية. إن لم يبشر يشعر بالويل أو الحياة البائسة، ليس لأنه لا يجد عونًا ماديًا لحياته اليومية، إنما لأن ضميره يوبخه، وأعماقه تدينه، وقلبه يئن متوجعًا في داخله. كيف لا يكون بائسًا إن رفض دعوى الله له للعمل الفائق المجيد؟!

كان الرسول مضطهدًا للسيد المسيح، والآن اكتشف الحق الإلهي، فتحول قلبه للشهادة له، مشتهيًا أن يشارك مسيحه فقره وعريه وآلامه وأيضًا رفضه من خاصته.

إذ يمارس كرازته طوعًا عن حبٍ، وليس من أجل الأجرة الزمنية، فإنه ينال مكافأة سماوية. إما إن مارسها كرهًا خشية ألا ينال ما يعوله في العالم، أو خشية عقوبة إلهية، فيفقد الأجر السماوي.

إذن الخدمة ضرورية ولازمة لكن هذا الالتزام ينبع من القلب خلال بذل ذاتي، وهذا هو بالحق الحب الحقيقي وسرّ فرحي!

عظيمة وعجيبة هي كرامة الرسول، الأمر الذي يوضحه الرسول على الدوام. فهو لا ينسب الكرامة لنفسه بل إذ وهبت له صار تحت الضرورة أن يمارسها. فعندما يتحدث عن نفسه يقول: "المدعو" وأنه "بمشيئة الله صار رسولاً"، ويقول في موضع آخر: "الضرورة موضوعة عليّ" (1كو 9: 16) [476].

هو نفسه يقول: "ويل لي إن كنت لا أبشر" [16]. كمثال لقد تقبل نعمة الرسولية؛ ولهذا السبب فإنه "ويل له" لأنه يتقبلها (إن لم يعمل بها)، أما أنتم فأحرار من هذا الخطر[477].

لن أكف عن القيام بواجبي مهما تكن الأسباب، فقد وُجدت هنا من أجل هذا العمل[478].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

يفعل الخادم المُرسل بواسطة الرب ما يجب عمله حتى ولو لم يرد، لأنه إن لم يفعل ذلك فإنه سيعانى بسبب ذلك. كرز موسى لفرعون، مع أنه لم يرد ذلك (خر 4: 10؛ 5: 1) والتزم يونان بالكرازة لأهل نينوى (يونان 1: 1 - 3: 4) [479].

أمبروسياستر.

"فإنه إن كنت أفعل هذا طوعًا فلي اجر،.

ولكن إن كان كرهًا فقد استؤمنت على وكالة "[17].

قلبه في العمل الإنجيلي، فإنه يحبه. تكمن أجرته في حبه للإنجيل، فيكرز دون نفقة علي حساب المخدومين، بل يعمل بيديه حتى لا يحتاج.

أي شيء يعادل الكرازة،؟ فإنها تجعل البشر مشابهين للملائكة. ومع ذلك يمارسها شخص كأمرٍ صادرٍ عليه ودين ملتزم به، وآخر يمارسها طوعًا بهذا يصير أفضل من ذاك[480].

انظروا هنا أيضًا حكمته، إذ لم يقل: "إن كانت ليست بإرادتي" لا تكون لي مكافأة، وإنما يقول: "فقد استؤمنت على وكالة"، موضحًا أنه حتى في هذه الحالة ينال مكافأة، ولكن بكونه قد تمم ما أُمر به، وليس كمن يعمل عملاً خاصًا به في سخاء مقدمًا بفيض تحقيق الوصية[481].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

مع أنى خادم غير نافع، إلا أنى تسلمت من الرب أمرًا أن أوزع مكيال قمح لخدام سيدي (لو12: 42) (من الوكالة) [482].

الحقيقة هي أن بولس إذ صار حُرا بالكامل صار بالضرورة رسولاً. يمكن أن تكون حرًا من الزنا لكنك عبد للغضب، حرًا من الطمع لكنك عبد للكبرياء، حرًا من خطية ما ولكنك عبد لأخرى[483].

العلامة أوريجينوس.

بالتأكيد من الأفضل أن نستحق المكافأة عن أن نخدم كوكلاء. ليتنا لا نرتبط بنير العبودية بل نخدم بحب الروح[484].

القديس أمبروسيوس.

كان بولس حُرًا من كل اتهام بشرى، لأنه كرز بالإنجيل دون نوال مديح عن ذلك ولا طلب شيئا من أحد إلا خلاصهم[485].

أمبروسياستر.

هكذا أيضا الطوباوي بولس صار كل شيء لكل البشر، لا لكي يقتنى نفعا ما بل بفقدانه جزءً قد يربح الكل[486].

القديس كيرلس الكبير.

كيف يلزم أن نكرز بالإنجيل؟ واضح أننا نكرز به بطريقة تكون فيها المكافأة هي الإنجيل نفسه، وملكوت الله. بهذا يكرز بالإنجيل طوعًا لا عن ضرورة: "فإنه إن كنت أفعل هذا طوعًا فلي أجر، ولكن إن كان كرهًا فقد استوفيت على وكالة" [17]. إن كان كرها بسبب العوز الي هذه الأمور الضرورية للحياة الزمنية أكرز بالإنجيل فإن الآخرين سينالون مكافأة الإنجيل خلالي، هؤلاء الذين يحبون الإنجيل نفسه عندما أكرز به ولا أنال ذلك حيث أني لا أحب الإنجيل في ذاته بل أطلب الأجرة في أمور زمنية. هذه خطية أن يخدم إنسان الإنجيل ليس كابن بل كعبد أُستؤمن على أمانة[487].

ينبغي ألا نبشر بالإنجيل بقصد الحصول على الطعام، لكننا نأكل لكي نستطيع التبشير بالإنجيل. فإن كنا نبشر بالإنجيل لكي نحصل على الطعام، يكون التبشير بالإنجيل في نظرنا أقل أهمية من الطعام، وبذلك تنصب سعادتنا في الطعام، ويصير التبشير ضرورة لازمة لتحقيق سعادتنا (في الأكل). وهذا ما نهانا عنه الرسول عندما قال إنه بسماح من الرب يجوز للذين يبشرون بالإنجيل أن يعيشوا من الإنجيل. ومع ذلك فلم يستخدم لنفسه هذا السلطان. والسبب في ذلك أن كثيرين كانوا يرغبون في الحصول على فرصة لبيع الإنجيل، وقد أراد أن يضيع عليهم هذه الفرصة، لذلك كان يعمل بيديه، قائلاً: "لأقطع فرصة الذين يريدون فرصةً" (2 كو 12: 11). لقد استقبح البشارة بالإنجيل كضرورة (أي كرهًا، لنوال الطعام) بقوله: "أَلستم تعلمون أن الذين يعملون في الأشياء المقدَّسة من الهيكل يأكلون. الذين يلازمون المذبح يشاركون المذبح. هكذا أيضًا أَمَرَ الربُّ أن الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون. أمَّا أنا فلم أستعمل شيئًا من هذا" (1 كو 13: 9 - 15). من ثم فقد أظهر أنه يجوز الأكل من الإنجيل، ولكنه ليس كأمرٍ إجباري، وإلا يكون في عدم أكله من الإنجيل قد خالف وصية الله، لذلك أردف قائلاً: "ولا كتبت هذا لكي يصير فيَّ هكذا. لأنهُ خير لي أن أموت من أن يعطّل أحد فخري".

يقول: "إن كنت أبشر فليس لي فخر"، أي إن كنت أبشر بالإنجيل لنوال هذه الضروريات فإني أكون قد جعلت هدف الإنجيل هو الحصول على الأكل والشرب والملبس. ولكن لماذا "ليس لي فخر"؟ "إذ الضرورة موضوعة عليَّ". أي في هذه الحالة ينبغي لي التبشير كوسيلة للحصول على وسائل العيش، أو لأنني أطلب ثمارًا زمنية من التبشير بالأمور الأبدية، فيكون التبشير ضروريًا وليس طوعًا "فويل لي إن كنت لا أبشر".

ولكن ما هو الهدف في تبشيره؟... إنه بقصد نوال جزاء الإنجيل نفسه والحصول على ملكوت الله، وبذلك يبشر به طوعًا لا كرهًا. فهو يقول "فإن كنت أفعل هذا طوعًا فلي أجر. ولكن إن كان كرهًا فقد استؤمنت على وكالة" أي إن كنت أبشر كرهًا للحصول على الأشياء الضرورية للحياة، فسينال بواسطتي الآخرون جزاء الإنجيل، هؤلاء الذين أحبوا الإنجيل في ذاته بواسطة تبشيري، وأكون أنا قد حُرمت من هذا الجزاء لأنني لا أحب الإنجيل لذاته بل للحصول على الأشياء الزائلة. فمن يخدم الإنجيل كعبدٍ وليس كابنٍ يكون قد أخطأ في الوكالة التي استؤمن عليها، لأنه يكون كما لو أعطى الآخرين ما قد حرم نفسه منه، فلا يكون شريكًا في ملكوت السموات بل يطرد خارجًا، لكنه يأخذ الطعام كأجرة للعبودية البائسة. ومع هذا فهو يدعو نفسه وكيلاً في عبارة أخرى.

لكن الخادم الذي يحسب نفسه في عداد الأبناء يكون في قدرته أن يهب بالإيمان الذين يشاركونه في ذلك الملكوت الذي له نصيب فيه. أما إذا حُسب عبدًا فيقول: "ولكن إن كان كرهًا فقد استؤمنت على وكالة" أي يعطي الآخرين دون أن يأخذ نصيبًا معهم[488].

القديس أغسطينوس.

"فما هو أجري.

إذ وأنا أبشر أجعل إنجيل المسيح بلا نفقة.

حتى لم استعمل سلطاني في الإنجيل "[18].

إذ يتخلى الرسول عن حقوقه تتطلع عيناه إلي أجر أعظم، مكافأة علي مستوي أبدي سماوي. ليس هناك وجه مقارنة بين تنازلاته الزمنية ومجده العتيد أن يناله. هذا ما دفعه إلي عدم إفساد عمله الرسولي، لذا لم يطالب بحقوقه ولم يشتهيها، بل يجد سعادته في التخلي عنها. وإذ خشي أن يعامل الشعب كل الرسل والخدام هكذا فيرفضون تقديم احتياجاتهم الزمنية، لذا أكد: "لم استعمل سلطاني (حقي) في الإنجيل". إنه حق يتنازل عليه بصفة شخصية، لكنه ليس مبدأ عامًا يسير عليه الشعب. فمن الأفضل للشعب أن يساهم ومن الأفضل للخدام أن يتنازلوا.

إذًا ما هي مكافآت الخدمة؟

نستنير هنا وننير الآخرين بنور الروح القدس فنصير كواكب منيرة في السماء (دا 30: 12).

في الخدمة نتألم مع مسيحنا المصلوب فنتمجد أيضًا معه (2 تي 12: 2).

إذ نخدم هنا ننال سلطانًا في مجيئه (لو17: 19 - 19).

نربح النفوس هنا فنتهلل في حضرته (1 تس 19: 2، 20).

نرعى قطيع السيد المسيح فنتزكى أمام رئيس الرعاة في ظهوره (1 بط 4: 5).

4 - اهتمامه بخلاص الجميع.

"فإني إذ كنت حرًا من الجميع.

استعبدت نفسي للجميع.

لأربح الأكثرين "[19].

يعلن الرسول بولس أنه ليس فقط يتنازل عن حقوقه الخاصة باحتياجاته الزمنية، لكنه وهو حر يتنازل عن حريته بإرادته ليسلك كعبدٍ عند سادته. يخدمهم ويهتم بما فيه نفعهم كعبدٍ لا يعمل لحساب نفسه بل لحساب ممتلكيه، كمن لا حق له في أجرة أو مكافأة. يطيعهم حتى فيما يبدو غير معقولٍ أو مقبولٍ.

لم يكن الرسول بولس ملتزمًا ولا مدينًا لأحد، لكنه حسب نفسه ملكًا لكل أحدٍ، كأنه عبد للجماعة كلها، ملك للجميع.

يؤكد الرسول حريته، فقد ولد حرًا، يحمل الجنسية الرومانية بالمولد، لم يُستعبد لأحد قط. وبكامل حريته يشتاق أن يكون عبدًا لكل أحدٍ لكي يربحه الكل ابناء لله يتمتعون بحرية مجد أولاد الله. مسرته كعبدٍ أن يبعث السرور في سادته بأن يقتنيهم ابناء لسيد الكل ومحرر الجميع.

يتشبه الرسول بولس بسيده الذي افتقر لكي بفقره يغنينا، وصار عبدًا مصلوبًا لكي يهبنا بروحه القدوس البنوة لله. هكذا كل تنازل حتى عن الحرية فيه لذة الشركة مع المخلص الذي بالحق ترك كل شيء ليهبنا ما له.

مرة أخرى يقدم درجة أخرى أكثر تقدمًا... فيقول: "ليس فقط لم أخذ ولم استخدم حقي هذا، وإنما جعلت من نفسي عبدًا، في عبودية متعددة وجامعة للكل[489].

إذ فعل كل هذه الأمور بكامل حريته وغيرته وحبه للمسيح كانت له رغبة لا تشبع من جهة خلاص البشرية. لذلك اعتاد أيضًا أن يجتاز الحدود المرسومة في كل شيءٍ ليسمو حتى فوق السماء عينها[490].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

كان مديناً لليهود والأمم بالمحبة من قلبٍ طاهرٍ وضميرٍ صالحٍ وإيمانٍ بلا رياء (ا تي 1: 5)، لهذا صار كل شيءٍ لكل البشر لكي يربح الكل [19]، لا بمهارة المخادع، بل بحب من هو مملوء بالحنو. بمعنى أنه ليس بالتظاهر بأنه يفعل كل الشرور التي يفعلها الآخرون، بل باستخدام أقصى المتاعب التي بها يخدم بكل حنو، مقدمًا العلاج للشرور التي يمارسها الغير، حاسبا ما هم فيه كأنه فيه هو. يحسب نفسه مريضًا، لا بأن يتظاهر بأن لديه حمى بل يحسب في ذهنه المتعاطف بالحق معهم ما يلزم أن يُفعل به لو كان هو في وضع المريض[491].

القديس أغسطينوس.

"فصرت لليهود كيهودي، لأربح اليهود،.

وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس،.

لأربح الذين تحت الناموس "[20].

يبدأ بفئة اليهود أولاً لأنه يشعر بالالتزام بخدمة بني شعبه في كل بلدٍ مع أنه رسول الأمم، ومن جانب آخر فإن اليهود كانوا يمثلون غالبية في الثورة ضد الرسول بولس إذ يتهمونه بالتحرر من الناموس وتجاهل قوانينه.

صار لكل فئة كواحدٍ منهم يلتزم ببعض عادتهم وسلوكهم بضميرٍ صالحٍ مادامت في الرب، ولا يقاومهم. فحيث لا يوجد خطر علي خلاصهم لا يهاجمهم (راجع أع 16: 3، 18: 21: 21 - 26، 23: 1 - 6).

بقوله: "تحت الناموس" غالبًا ما يقصد اليهود الذين يعيشون في اليهودية الذين يلتزمون بتنفيذ الناموس أكثر من اليهود الذين يعيشون وسط الأمم.

هل بقوله: "صرت لليهود" وللذين "تحت الناموس" فيه تكرار لأن اليهود هم تحت الناموس؟ بقوله صرت لليهود يتحدث عنهم كأمة ووطن، فقد كان بجنسيته يهوديًا، لكن ليس بالضروري كل يهودي تحت الناموس، كاليهودي الذي يقبل الإيمان بالسيد المسيح فيتحرر من الناموس مع بقائه حسب جنسه يهوديًا.

في سفر الأعمال (16: 3) التزم الرسول بولس أن يختن تيموثاوس تلميذه لكي يربح اليهود الذين لم يؤمنوا بعد، ولا يتعثروا فيه ككاسرٍ للناموس.

لم يقل "صرت لليهودي يهوديًا" بل "كيهودي"، وذلك بتدبير حكيم. ماذا تقول؟ هل مبشر العالم الذي تلامس مع السماوات عينها وأضاء ببهاء هكذا في النعمة ينزل بكليته إلى هذه الدرجة؟ نعم، هذا هو الصعود. فلا تنظروا إلى نزوله، بل صعوده، إذ ينحني إلى أسفل ويُقيمه إليه[492].

متى صار تحت الناموس؟ عندما حلق رأسه وقدّم ذبيحة. لقد حدثت هذه الأمور ليس لأن فكره قد تغيّر، وإنما لأن حبه قد أنزله. وذلك لكي يجلب إلى الإيمان أولئك الذين هم بالحق يهود. صار هو هكذا ليس بالحقيقة يهوديًا بل أظهر نفسه هكذا فقط وليس بالفعل ولا بأعمال صادرة عن عقله! حتى يحرر أولئك الذين يمارسونها ويرتفع بهم من الانحطاط[493].

لم يحاور اليهود من الأناجيل بل من الأنبياء، لهذا يقول: "صرت لليهود كيهودي[494]".

القديس يوحنا ذهبي الفم.

لم يتظاهر بولس بما هو ليس عليه، إنما أظهر حُنوًا[495].

الشخص الذي يهتم برعاية مريض يصير بمعنى ما هو نفسه مريضًا، لا بالتظاهر بأن لديه حمى بل بالتفكير متعاطفا كيف يود أن يعامله الغير لو كان هو نفسه مريضًا[496].

عندما يقول الرسول: "فصرت لليهود كيهودي لأربح اليهود. وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس. وللذين بلا ناموسٍ كأني بلا ناموس. مع أني لست بلا ناموس لله بل تحت ناموسٍ للمسيح لأربح الذين بلا ناموسٍ. صرت للضعفاءِ كضعيفٍ لأربح الضعفاءَ. صرت للكلّ كلَّ شيءٍ لأخلّص على حالٍ قومًا" (1 كو 20: 9 - 22). فبلا شك لا يفعل هذا تصنعًا كما قد يحسب البعض، مبررين بذلك تصنعهم الممقوت.

فهو يفعل هذا حبًا فيهم، متأثرًا بضعفات الآخرين حاسبًا إياهم ضعفًا له. وقد سبق أن وضع هذه القاعدة "فإني إذا كنت حرًّا من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين" (1 كو 19: 9). وتظهر محبته وشفقته على الضعفاء كما لو كانت ضعفاتهم ضعفاته هو. وليس تصنعًا منه. يقول: "فإنكم إنما دُعِيتم للحريَّة أيُّها الاخوة. غير أنهُ لا تصيّروا الحرَّية فرصة للجسد بل بالمحبة اخدموا بعضكم بعضًا" (غلا 13: 5) [497].

القديس أغسطينوس.

هل صار بولس كل شيء لكل البشر في المظهر فحسب متملقا إياهم؟ لا! كان رجل آلام، وباهتمام شديد اهتم بهم وتعاطف مع جميعهم. كلنا يوجد فينا ما هو مشترك مع كل أحد. هذا التعاطف مع الآخر هو ما احتضنه بولس في تعامله مع كل شخص بعينه[498].

أمبروسياستر.

"وللذين بلا ناموس كأني بلا ناموس،.

مع أني لست بلا ناموس لله،.

بل تحت ناموس للمسيح،.

لأربح الذين بلا ناموس "[21].

ربما يقصد هنا فئتين:

أ. جماعة الصدوقيين الذين لا يبالون بالطقوس اليهودية، فظهر بينهم كمن لا يهتم بالطقوس فيقبلوا الإيمان ويصدقوا القيامة الأخيرة.

ب. الأمم الذين لا يلتزمون بناموس موسى مثل الشرائع الخاصة بالتطهيرات والختان الخ. فكان يتحدث معهم بلغتهم كواحدٍ منهم يعرف شعراءهم وعقائدهم.

"ناموس المسيح" لم يشعر قط بأنه يسلك بلا ناموس الحب الملزم. فالحياة في المسيح يسوع لها التزاماته وقوانينها، لكي يحمل المؤمن شركة سمات المسيح من حب وقداسة وطول أناة وطاعة الخ. الحياة في المسيح لها نظامها الدقيق الروحي والمبهج بكونها عربونًا للحياة السماوية الدقيقة. ناموس المسيح الذي نلتزم به هو ناموس الحب، به نكمل الناموس (رو 13: 8؛ 6: 2).

يقول البعض أنه يشير هنا إلى حديثه مع أهل أثينا بخصوص ما هو منقوش على المذبح، لهذا يقول: "وللذين بلا ناموس كأني بلا ناموس" [499]... لئلا يظن أحد أن الأمر فيه تغيير في فكره أضاف: "مع أني لست بلا ناموس لله بل تحت ناموس للمسيح". بمعنى: "حاشا أن أكون بلا ناموس، أنا لست تحت الناموس لكن لي ناموس أكثر سموًا من القديم، هو ناموس الروح والنعمة"، لهذا يضيف: "للمسيح" [500].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

فعل هذا عن عفوٍ وليس عن كذب. فإنه صار لكل واحد كأنه مثله لكي يعينه عندما تغلب المراحم العظيمة، فيرغب كل واحدٍ له كما كان في نفس البؤس الذي فيه. هكذا صار مثل الغير لا بخداعه بل بوضع نفسه في موضع الغير[501].

القديس أغسطينوس.

"صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء،.

صرت للكل كل شيء لأخلص على كل حال قوما "[22].

"وهذا أنا أفعله لأجل الإنجيل لأكون شريكًا فيه" [23].

يقصد بالضعفاء غير المسيحيين وأيضا المسيحيين ضعفاء الضمائر. فالرسول صاحب الضمير القوي يترفق بالضعفاء من المؤمنين وغير المؤمنين لكي يربحهم للمسيح عوض أن يكون عثرة لهم (1 كو 8: 8، رو 14: 1).

يقصد بالضعفاء أولئك الذين يتشككون بسرعة، خاصة في التعامل مع المقدسات.

علامة حبه أنه يتشكل مع كل أحد لا ليخدعه بل ليربحه للإيمان، فصار لليهودي كيهودي، وللذين تحت الناموس كأنه تحت الناموس، حتى الذين بلا ناموس كأنه بلا ناموس، وللضعفاء كضعيف، وللكل كل شيء، ليخلّص على كل حال قومًا. هذا أسلوب أب يتنازل ليعامل أطفاله كطفلٍ وسطهم حتى يحملهم إلى النضوج. "التشكل" هنا لا يعني الرياء أو الكذب أو الخداع، وإنما بدافع الحب يتنازل عن إرادته الخاصة وطريقه ومسراته ومكاسبه لكي يكسب الكل فيحملوا إرادة المسيح ويقبلوه طريقًا لهم وعله مسرتهم ومكسبهم الأبدي.

كان الرسول أبعد ما يكون عن أن ينتقد الذين تحت الناموس أو بلا ناموس أو الضعفاء. إنه لم يحتقرهم، ولا دخل معهم في مجادلات فكرية نظرية، لكنه انحني بالحب لكي يحملهم في قلبه ويقدمهم لمحب كل البشرية ومخلص الجميع.

يمكن تفسير ذلك بطريقة صحيحة، وهي أنه ليس بالكذب بل بالتعاطف الذي جعله قادرًا أن يحولهم إلى الإيمان خلال محبته العظيمة حيث حسب نفسه كأنه هو الذي يعاني من الشر الذي يود أن يشفيهم منه[502].

القديس أغسطينوس.

في كل موضع يصير المخلص هو الكل للكل. فللجائع يصير لهم خبزًا، وللعطشان ماءً، وللموتى القيامة، وللمرضى طبيبًا، وللخطاة خلاصًا[503].

القديس كيرلس الأورشليمي.

صار (السيد المسيح) كل شيءٍ لكل البشر لكي يقدم خلاصًا للكل. بولس إذ يقتدي به عاش كمن هو خارج الناموس مع أنه قد بقى فهمًا بالناموس. بذل حياته لأجل نفع أولئك الذين يريدهم أن يغلبوا. بإرادته صار ضعيفًا للضعفاء ليقويهم[504].

القديس أمبروسيوس.

صار بولس ضعيفًا بامتناعه عن الأشياء التي قد تعثر الضعفاء[505].

أمبروسياستر.

من كان ناضجًا في الإيمان مثل الرسول بولس يمكنه وحده أن يقول هذا. لن يقدر الخاطي أن ينطق بهذا[506].

السبب الذي لأجله تركض (الكنيسة) مع الفتيات نحوه هو أن الشخص الكامل دائمًا يصير كل شيء لكل البشر لكي يربح الكل [22] [507].

العلامة أوريجينوس.

إن كان بولس يحفظ هذه الأسرار بنظام فيتظاهر كيهودي ليكسب اليهود، فلماذا لم يشترك مع الأمم في الذبائح الوثنية مادام بالنسبة لهم كان كمن هو بلا ناموس لكي يكسبهم هم أيضًا؟

تفسير ذلك أنه اشترك في الذبائح اليهودية لأنه يهودي بالميلاد، وعندما قال هذا كله قصد ليس أنه تظاهر أن يكون ما هو ليس عليه إنما شعر بحنوٍ صادق أن يقدم لهم عونًا كهذا كما لو كان مقدمًا له لو أنه منشغل في خطأهم.

هنا لم يستخدم مهارة المخادع بل التعاطف وحنو المخلص. في نفس العبارة يضع الرسول المبدأ بطريقة عامة: "صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء. صرت للكل كل شيء لأخلص على كل حال قومًا" [22]. الجزء الأخير من العبارة يقودنا لفهم السابق بأن يظهر نفسه كشخصٍ يشفق على ضعف الآخرين كما لو كان ضعفه هو. فعندما يقول: "من يضعف وأنا لا أضعف؟" (2 كو 11: 29) لم يرد أن يتظاهر بأنه يعاني من ذات ضعف الغير، بل بالأحرى أنه يظهر ذلك بالتعاطف معه[508].

القديس أغسطينوس.

هكذا فلتفعلوا أنتم أيضًا ولا تحسبوا أنفسكم أفضل من غيركم حتى تتواضعوا، فمن أجل خلاص أخيكم تتنازلوا عن كرامتكم. فإن هذا ليس فيه سقوط بل هو تنازل. فمن يسقط يرتمي منبطحًا ويصعب قيامه، أما من يتنازل فيقوم حاملاً الكثير من المنافع. كما تنازل بولس أيضًا وحده، لكنه صعد ومعه العالم كله، فلم يكن يعمل في جزءٍ من العالم، بل كان يطلب أن يقتني كل الذين خلصوا خلال عمله[509].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

5 - اهتمامه بخلاصه.

"ألستم تعلمون أن الذين يركضون في الميدان،.

جميعهم يركضون،.

ولكن واحدًا يأخذ الجعالة،.

هكذا اركضوا لكي تنالوا "[24].

إذ كان ذهن أهل كورنثوس مشغولاً بالمباريات الرياضية استخدم الرسول بولس من يركض في السباق ومن يلاكم ليوضح حاجة المسيحي أن يكون في ظروف صحية لائقة به من خدمة الله.

كان في اليونان أربعة أنواع من دورات الألعاب الرياضية:

Delphic أو Pythian.

Isthmian أو الكورنثوسي.

Nemean.

Olympic الأولمبية.

في هذه المناسبات يجتمع الناس من كل أنحاء اليونان وتًعتبر فترة الدورة فترة احتفال شعبي مملوء بالمباهج.

يُحتفل بالألعاب الكورنثوسية أو اسيثموس Isthmian games في مكان ضيق بالبرزخ Isthmus في كورنثوس شمال المدينة، وهي بلا شك الألعاب التي يشر إليها الرسول عند حديثه في هذه الرسالة.

الألعاب الـ Nemean كان يحتفل بها فيNemaea بمدينة ارجوليس Argolis أنشأها Argivesتكريما لـ Archemorus الذي مات بلدغة ثعبان، وقام بتجديدها هيرقليس Herclues. وهي تضم سباق خيل وسباق مشي وملاكمة ووثب وجري الخ. وكان المنتصر يًكافأ بإكليل من شجر الزيتون، بعد ذلك إكليل من البقدونس الأخضر. وكان الاحتفال بها يتم كل ثلاث سنوات، ويرى البعض أنها كانت كل خمس سنوات.

الألعاب الـ Pythian يُحتفل بها كل أربع سنوات في Delphi بـ Phocisعند سفح جبلParnassus، وكانت هذه الألعاب تجتذب الكثيرين حتى من خارج اليونان.

أما الدورات الأولمبية فكانت تمارس في أولمبيا، مدينة إيليس Elis علي الشاطئ الجنوبي من نهر الفياس Alphias في غرب Peloponnesus.

يرى بعض الدارسين أن استخدام تشبيه الألعاب الرياضية يتناسب مع تاريخ الرسالة واعتزاز أهل كورنثوس بها، مما يؤكد أن الرسالة أصيلة تعود إلى عصر الرسول وموجهة فعلاً لشعب كورنثوس.

كانت مدارس الرياضة أحد ملامح مدن اليونان الرئيسية، وكان كل طالبٍ يقسم بأنه يتدرب في إحدى هذه المدارس لمدة عشرة شهور علي الأقل، وأنه لن يكسر القوانين التي تعلمها فيها (2 تي 2: 5).

كان المشترك في هذه الألعاب يعيش بنظامٍ دقيقٍ للطعام ويمتنع عن شرب الخمر والأطعمة الشهية، ويتدرب علي احتمال الحر والبرد ويلتزم بنظام صعب.

فالمصارع يدرب نفسه ويضبط جسده لكي يبلغ أعلى مستوى في السباق. وواحد فقط يقدر أن ينال الجائزة، غالبًا ما كانت إكليل من النباتات يوضع على رأس المنتصر. إنه إكليل يفنى. أما المؤمنون فإنهم إذ يدربون أنفسهم في سباق الحياة، فيستطيع كل واحد منهم أن ينال إكليل النصرة الذي لا ينحل.

يدرب الملاكم نفسه حتى متى واجه خصمه في حلقة الملاكمة يستطيع أن يوجه الضربة حسنًا. وإن فشل في التدريب الحسن سيضرب بذراعيه يمُنة ويُسرى كمن يضرب الهواء. عندئذ يصير هدفًا صائبًا من خصمه. هكذا يلزم أن يدرك المؤمن قيمة جسده لهذا لم يرد الرسول أن يكون كمن يضرب الهواء.

كان المشتركون في الألعاب والمسابقات يلتزمون بكامل حريتهم بالامتناع عن بعضهم الأطعمة حتى يتهيئوا للمعركة. فبالأولي من أجل الإكليل السماوي إن يمتنع المؤمن عن أكل ما ذبح للأوثان بكامل حريته واختياره.

أيضُا تنازلات الرسول السابقة ليست بلا هدف، فإن الراكضين في ميدان الرياضة يتعبون جدًا لينال واحد فقط المكافأة؛ أما في ميدان الروح فينزل الكل إلى الميدان ويشتاق الله أن يهب الكل المكافأة [24].

هنا يشير الرسول إلي سباق الجري قصير المدى [24] وحلقة الملاكمة [26، 27]. وكانت السرعة في الجري تحسب أحد الهبات العظمي في حياة الإنسان. عندما رثي داود النبي شاول الملك وابنه ناثان قال عنهم: "أخف من النسور، وأشد من الأسود".

يشير الرسول إلى حرية إرادتنا بالقول: "هكذا اركضوا لكي تنالوا" (1كو24: 9)، ويشهد يوحنا المعمدان عن ضعفها بقوله: "لا يقدر إنسان أن يأخذ شيئًا إن لم يكن قد أُعطِي من السماءِ" (يو27: 3) [510].

الأب شيريمون.

النعمة دائمًا مستعدة! إنها تطلب الذين يقبلونها بكل ترحيب. هكذا إذ يرى سيدنا نفسًا ساهرة وملتهبة حبًا يسكب عليها غناه بفيض وغزارةٍ تفوق كل طلبته[511].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

في الواقع الحديث هنا عن ميداننا لأجل نوال مكافأة عملنا السماوي، وينصحنا بولس أن نزيد سرعتنا. يقول: اركضوا لكي تنالوا. فإنه هو نفسه في حركة سريعة أراد يبلغ ما هو أمامه ناسيًا ما هو وراء. كان بالحق مصارعًا سريع الحركة يلاحظ بكل دقةٍ مقاومة المضاد له. إنه مًسلّح بطريقة حسنة في آمان في كل خطوة يخطوها، لن يوجّه سلاحه الذي في يده ضد ظل فارغ، إنما يهاجم عدوّه بضرباته الحيّة التي يصوّبها على جسمه[512].

كلما ازدادت مجهوداتكم من أجل التقوى تزداد نفوسكم عظمة خلال الأتعاب والمجهودات في الأمور التي يحثنا الرب عليها[513].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص.

ليركض بالحب ويجرى مع أناسٍ صالحين لكي ينال عطايا أفضل متطلعًا دومًا الي كلمات الرسول: "اركضوا لكي تنالوا" [24] [514].

الأب فاليريان.

يمسحكم سيدكم يسوع المسيح بروحه ويُحضركم إلى الميدان.

إنه يصمم لفترة طويلة قبل يوم المباراة لكي يأخذكم من طريق الحياة السهل إلى نظام أكثر خشونة في الحياة حتى تزداد قوتكم.

يُعزل المصارعون لتداريب أقسى حتى تنمو قوتهم الجسمانية.

إنهم يحفظون من الحياة المترفة والأطباق الشهية والمشروبات المبهجة.

إنهم يحثون على الخضوع لأتعاب قاسية...

كلما تدربوا بمجهودات شاقة كان رجاؤهم في النصرة أعظم[515].

العلامة ترتليان.

"وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء،.

أما أولئك فلكي يأخذوا إكليلاُ يفنى،.

وأما نحن فإكليلاً لا يفنى "[25].

يُمنح الفائز في الألعاب الأولمبية إكليلاً من الزيتون، والـ Delphi إكليلاُ من التفاح، والكورنثوسية إكليلاُ من الصنوبر، والـ Nemean إكليلاُ من البقدونس.

ينال الفائزون الإكليل في آخر الدورة في احتفالٍ مهيب مع تهاني الكثيرين وفي جوٍ من الفرح الشديد. وكان الكل يشتاقون أن يروا الفائزين ويهيئونهم. كان الأقرباء والأصدقاء يحملونهم علي أكتافهم لكي يراهم الجميع، ويسكبون دموع الفرح، وكانت الجماهير تهتف وتصفق لهم وتلقي الورود عليهم وكثيرون يزحمون أبواب المدينة وهم قادمون للاشتراك في مواكب النصرة. كما كانت الدولة تقدم لهم هبات مالية وتعفيهم من الضرائب.

يقول سيشترون أن الفائز في الألعاب الأولمبية ليس بأقل من المنتصر في روما[516].

لاعبوا الرياضة يترقبون إكليلاً زمنيًا، أما العاملون بالروح فينالون إكليلاً أبديًا لا يفنى [25].

هنا الإكليل لا يُحد بشخصٍ واحد وحده، وستكون المكافأة تفوق كل الأتعاب. لذلك يتحدث هكذا لكي يخجلهم: "أما أولئك فلكي يأخذوا إكليلاً يفنى وأما نحن فإكليلاً لا يفنى" [25] [517].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

سبق فتنبأ الأنبياء عن المعركة، وانشغل بها الرب، واستمر فيها الرسل[518].

الشهيد كبريانوس.

أنت مصارع، تعال لتثابر مع منافسيك لا برأسك بل بذراعيك[519].

القديس أمبروسيوس.

عندما ندخل طريق الرب لنبتعد عن بطلان هذه الحياة الحاضرة وننتعش بالرجاء في الحياة العتيدة، دون أن نركز قلوبنا على الأشياء الحاضرة بل تتهلل بالعلويات[520].

القديس أغسطينوس.

"إن كان أحد يجاهد لا يكلل إن لم يجاهد قانونيًا" (2 تي 5: 2). الإنسان المشتاق إلي إطفاء الرغبات الجسدية للطبيعة لابد أن يسرع وينتصر علي الشرور الخارجية عن طبيعتنا. وإذا أردنا اختبار قوة قول بولس الرسول لابد أولاً أن نتعلّم قوانين الجهاد في العالم وقواعده حتى نستطيع من خلال تلك القواعد التعرّف علي ما قاله الرسول بولس عن الفائز بإكليلٍ يفنى (1 كو 25: 9)، فعلي المتسابق أن يعدَّ نفسه لإكليل المجد الزمني القابل للفناء[521].

القديس يوحنا كاسيان.

يرى البعض أن الجهاد القانوني الذي به ننعم بالغلبة هو ذاك الي فيه يتكئ المؤمن على صدر الله، طالبًا نعمته ومعونته بروح العمل والجهاد.

لا نقدر أن نجري في طريق الله إلا محمولين على أجنحة الروح[522].

ليس أقوى من الذي يتمتع بالعون الإلهي، كما أنه ليس أضعف من الذي يُحرم منه[523].

لنكن أقوى من الجميع، متمثلين ببولس وبطرس ويعقوب ويوحنا، فإنه إن غاب عنا عون الله لا نقدر أن نقاوم أتفه إغراء[524].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى بل من الله ينال رحمة حتى ننال ما نرجوه ونبلغ إلى ما نشتهيه. عيسو لم يكن يشاء ولم يسعَ وكان يمكنه أن ينال عون الله الذي إذ ندعوه يهبنا القوة لكي نريد ونعمل[525].

القديس أغسطينوس.

"إذا أنا اركض هكذا.

كأنه ليس عن غير يقين.

هكذا أضارب كأني لا اضرب الهواء "[26].

في لعبة Sciamachia يضرب المصارع بيده في الهواء كما لو كان عدوه أمامه. العدو الحقيقي هو إبليس الذي يقاومنا خاصة خلال شهوات الجسد.

اللاعبون يصارعون بلا يقين، فقد يضرب أحد يده كما في الهواء [26] ولا يصيب المصارع معه، أما الروحيون فيصارعون في يقين نعمة الله العاملة فيهم.

من عادة الملاكمين أن يدخلوا الحلبة وقبل بدء الصراع يمارسون الملاكمة في الهواء لتمرين أيديهم أو كنوعٍ من الاستعراض أمام الجماهير. كان هذا يدعي “skiamachia” أو "Sciamachia" أي معركة زائفة أو معركة في الهواء. وقد جاء النص يحمل أيضا معني الضربات التي لا تحقق هدفها إذ يضرب الملاكم في الهواء عندما يفلت منافسه من أمام الضربة. ولعل الرسول بقصد هنا أن صراعه ليس عن تهور ولا بدون خبرة، إنما يعرف كيف يضرب تحت قيادة روح الله القدوس لينال النصرة الأكيدة. روح الله يهب قدرة وحكمة فلا نفشل قط في جهادنا.

"عن غير يقين": لها معان أخرى، فهي تعني الجهالة. فالرسول في سباقه يتحرك ليس في جهالة، إنما عن إدراك لقوانين السباق، ومعرفة للحياة الأبدية والطريق الذي يقود إليها، ويتلمس قوتها.

"بدون مراقبة" تعني أن الرسول يعلم أن كل أعين المشاهدين تتركز علي الذين في السباق تترقب النتيجة، يشتهي الاخوة الكذبة أن يروه قد عرج في الطريق ولم يكمل السباق، ويتمني اليهود والأمم المقاومون للإنجيل أن يروه ساقطًا.

أما الكنيسة الحقيقية فتتطلع إليه في شغف لترى إكليله، وأخيرًا تتطلع إليه عينا الله المترفقتان به، اللتان تسندانه في صراعه.

ماذا تعني "ليس عن غير يقين" [26]؟

يقول: تطلّعوا إلى بعض العلامات، فإنه لا أعمل جزافًا ولا باطلاً كما تفعلون أنتم؛ فإنه أية منفعة لكم من دخولكم هياكل الوثن؟... لا شيء!

لست هكذا أنا، بل كل ما أفعله هو من أجل خلاص قريبي!

سواء أنني قد فقت بطرس في تنازلي عن قبولي (مكافأة) فذلك لكي لا يتعثّروا، أو تنازلت أكثر من الكل باستخدام الختان وحلقت رأسي، فهذا الأمر لا يحطمني. فإن هذا أفعله "ليس عن غير يقين"، أما أنتم فلماذا تأكلون في هياكل الأوثان، أخبروني؟ بلى، لا تقدرون أن تقدموا علّة واحدة لهذا. فإن "الطعام لا يقدمنا إلى الله، لأننا إن أكلنا لا نزيد، وإن لم نأكل لا ننقص" (1كو 8: 8). واضح أنكم تركضون اعتباطًا، فإن هذا فيه "غير يقين" [526].

"هكذا أضارب كأني لا أضرب الهواء" [26]. يقول هذا مرة أخرى مشيرًا أنه كان يعمل ليس اعتباطًا ولا باطلاً. فإنه يوجد من أضربه وهو الشيطان. وأما أنتم فلا تضربونه بل ببساطة تبددون قوتكم باطلاً[527].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

يقصد بولس أنه يحارب ليس بكلماته المجردة بل بأعماله[528].

أمبروسياستر.

(لا تخف من محاربات الشيطان).

إننا نعتقد أنهم يتعهدون هذا الصراع بقوة، لكن في مناضلتهم يكون لديهم نوع من القلق والحزن، خاصة حين يقفون أمام مناضلين أقوياء أي أمام رجال قدّيسين كاملين، وإلا فإنه لا يكون نضالاً ونزاعًا بل هو مجرد تغرير بالبشر، لأن طرفًا قوي والآخر ضعيف.

(فالحرب الروحية شديدة) وإلا فأين يكون موضوع كلمات الرسول القائل: "فإن مصارعتنا ليست مع دمٍ ولحمٍ بل مع الرؤَساءِ مع السلاطين مع ولاة العالم علي ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشرّ الروحيَّة في السماويَّات" (أف 12: 6)، وأيضًا "هكذا أُضارِب كأني لا أضرب الهواءَ" (1 كو 26: 9)، وأيضًا "قد جاهدت الجهاد الحسن" (2 تي 7: 4)؟!

إذ يتحدث عن حرب وصراع ومعركة، يلزم أن توجد قوة وجهاد في كِلا الطرفين، وأن يكون كلاهما مُعدًّا إما أن يضجر ويخجل من الفشل أو يبتهج بالنصرة.

لو أن أحد الجانبين يحارب بيسر مع ضمان (النصرة) على الثاني الذي يناضل بقوة عظيمة لما دعيت معركة أو صراع أو نزاع بل يكون نوعًا من الهجوم المجحف غير العادل[529].

الأب سيرينوس.

مثل مصارع يأتي أخيرًا إلى الميدان. يرفع عينيه إلى السماء... يهذب جسده حتى لا ينهزم في المصارعة. يدهنه بزيت الرحمة. يمارس كل يوم استعراضات الفضيلة... يركض بيقين لبلوغ غاية الجولة. يوجه ضرباته ويصوب السهام بذراعيه ولكن ليس نحو الفراغ... الأرض هي ميدان التدريب للإنسان والسماء هي إكليله[530].

مثل مصارع صالح عرف بولس كيف يوجه اللطمات على القوات المضادة، بل ويضربهم إذ يجددون الهجمات[531].

القديس أمبروسيوس.

لتركض في هذا العالم فتنال (المكافأة) في العالم العتيد[532].

القديس جيروم.

هل تود أن تسمع ما يقوله مناضل حقيقي للمسيح يجاهد حسب قواعد المعركة وقوانينها؟ "إذًا أنا أركض هكذا، كأنه ليس عن غير يقين. هكذا أضارب كأني لا أضرب الهواء، بل أقمع جسدي واستعبده حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا" (1كو26: 9، 27). أترى كيف جعل الجزء الأساسي من النضال معتمدًا عليه، أي علي جسده، كما علي أكثر الأسس تأكيدًا، وجعل نتيجة المعركة مترتبة علي طهارة الجسد وقمع جسده. "إذًا أنا أركض هكذا كمن ليس عن غير يقين".

إنه لا يركض عن غير يقين، لأنه فيما هو متطلع إلى أورشليم السمائية يجد علامة موضوعة أمامه يركض إليها قلبه بلا انحراف. إنه لا يركض عن غير يقين، لأنه "ينسى ما هو وراء ويمتد إلي ما هو قدام، ساعيًا نحو الغرض لأجل جعالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع" (في 13: 3، 14). وقد أعلن بثقة، مثبتًا نظره نحو الغرض، ومسرعًا لإدراكه بكل سرعة، قائلاً: "قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان" (2 تي 7: 4).

ولأنه يعلم أنه سعى نحو رائحة دهن المسيح باستقامة قلب ولم يكل، وانتصر في المعركة الروحية بطهارة الجسد، ختم حديثه بجسارة قائلاً: "وأخيرًا قد وُضع لي إكليل البر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الديان العادل". ولكي يفتح أمامنا باب الرجاء أيضًا لاقتناء مثل هذه المكافأة إذا ما رغبنا أن نحاكيه في مسيرة جهاده أضاف: "وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضًا" (2 تي 8: 4)، معلنًا أننا سنكون شركاءه في الإكليل يوم الدينونة إذا كنا نحب ظهوره أيضًا. ليس أنه يظهر لنا بغير إرادتنا، بل يظهر لنا يوميًا في النفوس المقدسة، إن كنا ننال النصرة في المعركة بطهارة الجسد. عن هذا الظهور يقول السيد في الإنجيل: "ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً" (يو 23: 14). وأيضًا: "هأنذا واقف على الباب وأقرع، إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي" (رؤ 20: 3) [533].

القديس يوحنا كاسيان.

يشير الهواء هنا إلى قوات الشر[534].

ثيؤدور أسقف المصيصة.

"بل اقمع جسدي واستعبده.

حتى بعدما كرزت للآخرين.

لا أصير أنا نفسي مرفوضًا "[27].

يعرف الرسول بولس عدوه إبليس خير معرفة، وهو قادر بالسيد المسيح ان يضربه لا في الهواء بل بالصليب يحطمه.

المصارعون يبذلون كل الجهد وهم في غير يقين، إذ واحد فقط ينال المكافأة، أما في الجهاد الروحي فإن كل من يجاهد بالرب حتمًا ينال إكليلاً سماويًا في يقين من جهة مواعيد الله الصادقة.

لئلا يظن السامعون أن الرسول يفتخر متكبرًا بسبب تنازلاته لأجل الخدمة وصراعه، يؤكد حرصه الدائم لئلا يهلك بالرغم من نجاح خدمته: "اقمع جسدي وأستعبده حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضٍا" [27]... انه لا يدخل معهم في منافسةٍ بل يجاهد حتى مع جسده!

إن كان هكذا يخشى الرسول هلاك نفسه بعد هذا الجهاد الطويل إذ كسب آلاف النفوس للسيد المسيح، فكم بالأكثر يليق بالمؤمنين خاصة الكهنة بكل درجاتهم الكهنوتية والخدام أن يجاهدوا لأجل خلاص أنفسهم وخلاص اخوتهم؟! نجاح الرسول بولس بتأسيسه كنائس جديدة وكسبه للنفوس ونشره للإنجيل ليس شهادة أكيدة لخلاصه، بل يلزمه الجهاد بنعمة الله حتى النفس الأخير. إنه يقدم نفسه مثلاً لنا حتى لا ننخدع ونتهاون معتمدين علي نجاح خدمتنا السابقة أو الحاضرة. فما أخطر أن نقود الآخرين إلي الحياة الأبدية بينما ننحدر نحن نحو الهاوية في موت أبدي!

إن لم تضبط النفس والجسد بروح الله القدوس، حتما يستعبد الجسد النفس. فالجسد خادم صالح للنفس وأن صار سيدًا لها يصير عنيفًا.

أنظر إلى الرسول بولس، ألا يبدو أنه ينتقم للشهيد إسطفانوس في شخصه عندما يقول: "هكذا أُضارِب كأني لا أضرب الهواءَ. بل أقمع جسدي وأستعبدهُ" (1 كو26: 9، 27)، لأنه حينما كان يضطهد إسطفانوس وغيره من الشهداء كان يستعبد أجسادهم ويذلها، وكأنه انتقم لهم في ذاته باستعباده لجسده وقمعه له[535].

القديس أغسطينوس.

الذي يخضع جسده لخدمة الله يضع السراج على المنارة، فيكون التبشير بالحق في مرتبة أعلى وخدمة الجسد في مرتبة أدنى. ومع هذا فإن التعاليم تزداد وضوحًا بصورة محسوسة باستخدام الحواس الجسدية، أي عندما تُسخر الحواس المختلفة (اللسان والفكر وأعضاء الجسد) في التعليم، لذلك يضع الرسول سراجه على المنارة عندما يقول هكذا: "أُضارِب كأني لا أضرب الهواءَ. بل أقمع جسدي وأستعبدهُ حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا" [536].

القديس أغسطينوس.

كثيرًا ما تحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن حرصه الشديد على خلاص نفسه وسط انشغاله بالخدمة وكثيرًا ما حذر الأساقفة من تجاهلهم ذلك[537].

قبل الالتقاء بالسيد المسيح كان شاول (بولس الرسول) يتكل علي ماضيه كفريسيٍ بارٍ في عيني نفسه وأعين الشعب، بل ويظن أنه بار في عيني الله. أما وقد أختبر الحياة الجديدة المقامة فصار ما يشغله الحاضر، فيسأل نفسه إن كان يسلك الآن كإنسان الله المتمتع بحياة المسيح المقامة، كحياة حاضرة.

إن كان بولس يخشى هذا وقد علّم هكذا كثيرين، وخشي ذلك بعد كرازته وصيرورته ملاكًا وصار قائدًا للعالم كله، فماذا يمكننا نحن أن نقول؟ يقول: "لا تظنّوا أنكم لأنكم قد آمنتم هذا يكفي لخلاصكم. إن كان بالنسبة لي لا الكرازة والتعليم ولا كسب أشخاصٍ بلا عدد يكفي للخلاص ما لم أظهر سلوكًا غير معيب، فماذا بالنسبة لكم؟ [538].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

تتغنّى العروس "" غضبوا عليّ، جعلوني ناطورة الكروم، أما كرمي فلم أنطره "(نش6: 1). طبق هذا على بولس أو على أي قديس آخر يهتم بخلاص كل البشر، فترون كيف أنه يحفظ كروم الآخرين بينما إن لم يحفظ كرمه، أية خسارة تلحق به وهو يربح الآخرين.

كيف؟ فمع كون بولس حرًا استعبد نفسه للكل لكي يربح الكل، إذ يصير ضعيفًا للضعفاء، ويهوديًا لليهود، وكمن تحت الناموس لمن هم تحن الناموس وهكذا في كلمة، يمكنه أن يقول: "أما كرمي فلم أنطره" (نش 6: 1) [539].

العلامة أوريجينوس.

عندما تضعون طاقتكم وغيرتكم موضع العمل، فإن كل ما تفعلونه سواء من جهاد في الصلاة أو الصوم أو العطاء والتوزيع للفقراء أو العفو عمن يؤذيكم كما أعطانا الله من أجل المسيح؛ أو بضبط العادات الرديئة وتهذيب الجسد وإخضاعه [27]... هذا هو عمل السالكين الطريق المستقيم، الذين يرفعون "أعينهم نحو الرب، لأنه يخلص أقدامهم من الشبكة" (مز 25: 2) [540].

القديس أغسطينوس.

صلوا بكل وسيلة حتى "بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا" [27]. وعندما تفتخرون لا تفتخروا بي بل بالرب.

فإنني مهما حرصت على نظام بيتي فأنا إنسان وأعيش بين الناس.

لست أتظاهر بأن بيتي أفضل من فلك نوح الذي وُجد فيه ثمانية أشخاص بينهم شخص هالك (يافث تك 9: 27).

ولا أفضل من بيت ابراهيم فقد قيل: "أطرد هذه الجارية وابنها" (تك 9: 27).

ولا أفضل من بيت اسحق فقد قيل عن ابنيه: "أحببت يعقوب وأبغضت عيسو" (ملا 1: 2).

ولا أفضل من بيت يعقوب نفسه حيث وُجد فيه رأوبين الذي دنس مضطجع أبيه (تك 49: 4).

ولا أفضل من بيت داود الذي فيه أحد أبنائه سلك بغباوة مع أخته (2 صم 13: 4)، وآخر ثار ضد أبٍ كهذا مملوء حنوا مقدسًا.

ولست أفضل من أصدقاء بولس الرسول الذي ما كان يقول: "من الخارج ومن الداخل مخاوف" لو أنه كان لا يعيش إلا مع أناس صالحين، ولما قال عند حديثه عن قداسة تموثاوس واخلاصه: "لأنه ليس لي أحد آخر نظير نفسي يهتم بأحوالكم بإخلاص، إذ الجميع يطلبون ما هو لأنفسهم"...

كان مع الاثنى عشر الصالحين الذين مع يسوع يهوذا اللص والخائن.

وأخيرا لست أفضل من السماء فقد سقط منها ملائكة[541].

القديس أغسطينوس.

من يريد أن يكون معلمًا يلزمه أولاً أن يعلم نفسه. فكما أن من لم يصر جنديًا صالحًا لا يقدر أن يكون قائدًا، هكذا أيضًا بالنسبة للمعلم لذلك يقول: "حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضا". [542].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

لتكن نفوسنا هي الآمرة وأجسادنا الخاضعة، عندئذ يأتي المسيح حالا ويجعل مسكنه فينا[543].

القديس جيروم.

لكي نقمع الجسد نصوم ونتجنب كل أنواع الترف. يظهر بولس أنه يقمع جسده حتى لا يفقد المكافأة التي يكرز بها للآخرين[544].

أمبروسياستر.

بولس يؤدب ما هو له وليس ذاته، فإن ما يخصه (الجسد) شيء وذاته شيء آخر. أنه يؤدب ما له حتى إذ يصلحه يبلغ إماتة الشهوات الجسدية[545].

القديس أغسطينوس.

حررنا يا محب البشر من الخطر الذي يشير إليه بولس، أنه وهو يبشر للآخرين يصير هو نفسه باطلاً.

أنت بالحق تعرف من نحن.

أنت تعرف طبيعة العدو الذي يضغط علينا. ففي معركتنا غير المتكافئة وضعفنا وموتنا نطلبك، فإن لجلالك المجد متى عُلب الأسد الزائر بقطيع ضعيف[546].

كاسيودورس.

لقد وضع الرسول في هذا الإصحاح المبادئ التالية:

وهبه الله الحق أن تعوله الكنيسة إن أراد ذلك (7 - 10، 13).

من العدل أن يأكل علي حساب الكنيسة (11).

أنه مبدأ إلهي أن من يخدم الإنجيل فمن الإنجيل يأكل.

اختار الرسول أن يعول نفسه بنفسه حتى لا يضر أحدا (12، 15).

الضرورة موضوعه عليه أن يكرز بالإنجيل (16).

رفضه الجزاء الأرضي يكلله في السماء (17 - 18).

مبدأه في الحياة لا أن يحصل علي مال، بل أن يتمتع بخلاص النفوس مع بذل من جانبه (19–22)، مهما كلفه الثمن.

انه في حالة مصارعة تنتهي بنوال إكليل سماوي لا يفنى (24 - 27).

في اختصار الإصحاح كله يدور حول "بذل الذات من أجل بنيان النفوس".

من وحي 1 كو9.

حررني بروح الحب الفائق.

فاستعبد نفسي للكل لأربح الكثيرين!

ألست أنا ابنًا لك؟

هب لي مجد حرية أبنائك،.

حتى بالحب Hستعبد نفسي للكل،.

فأربح لأبي السماوي الكثيرين.

هب لي روح الجندية التي لا تعرف الخنوع.

هب لي روح الرعاية فاهتم بكل قطيعك.

هب لي روح الأمانة فأعمل في كرمك.

نعم يا أيها القائد، والراعي الصالح والأمين،.

هب لي كابن لك أن أعمل بروحك،.

وأسلك بما يليق بك وبي!

لأعمل بروح الحب والحرية،.

لا أطلب ما لنفسي بل ما لمجد اخوتي.

لأمت ولا يعطل أمر ما خدمتي لك ولهم!

مجدهم الأبدي هو مجدي وفخري.

حريتهم الحقة هي سلامي وفرحي.

من يضعف ولا أضعف معه؟!

إن انحني أحد للناموس، سأنحني معه،.

لكي بروحك أدخل به إلى ناموسك الروحي.

إن كان أحد بلا ناموس،.

سأظهر له كمن هو بلا ناموس مع أن ناموسك هو حياتي،.

فأنطلق به إلى ناموس الحرية والمجد.

بك أصير مع كل أحد كل شيء،.

حتى أقتنيه لك، ويقتنيك له!

هذا هو جهادي، وهذا هو صراعي،.

فإني لن أكف عن أن أركض كل أيام غربتي،.

حتى بالحب ينال الكل إكليلاً لا يفنى.

لن أعطي جسدي راحة حتى يتدرب على الجهاد.

فيستريح، ويتمجد مع نفسي في يوم لقائي معك!

الإصحاح العاشر.

بناء الآخرين.

في الاصحاح السابق عالج مشكلة الرسول مشكلة ما ذبح للأوثان على أساس تنازلات الحب، مقدمًا نفسه مثالاً حياً للتنازلات من أجل الإنجيل. وفي هذا الإصحاح يجيب الرسول بولس علي ثلاثة أسئلة خاصة بنفس الموضوع:

أولاً: ما هو موقف المؤمن من الولائم في هيكل وثني؟

ثانيًا: ما موقفه من اللحوم في السوق العام؟

ثالثًا: ما وقفه من الدعوة إلى وليمة في بيت صديقٍ وثنيٍ؟

1 - موقفه من الولائم في هيكل أوثان 1 - 15.

أ - القداسة هي مسرة الله 1 - 5.

ب - تحذير من التجارب الشريرة 6 - 14.

ج - الالتزام بالحكمة 15.

د - شركة مع الله أو مع الشياطين 16 - 22.

2 - موقفه من لحوم السوق العام 23 - 26.

3 - موقفه من وليمة في بيت صديقٍ 27 - 33.

1 - موقفه من الولائم في هيكل أوثان.

لم يجب الرسول بولس علي هذا السؤال الخاص بموقف المؤمن من الدعوة الموجهة إليه للاشتراك في وليمة مُقامة داخل هيكل وثن بالقبول أو الرفض، لكنه قدم مبادئ هامة خلالها يستطيع المؤمن أن يأخذ قراره من داخله وليس كأمرٍ يصدر إليه. هذه المبادئ هي:

أ - القداسة هي مسرة الله.

الله في حبه للبشرية يبسط يديه ليهبهم عطايا بلا حصر، لكن مسرته أن يرانا علي صورته ومثاله مقدسين في الحق كما هو قدوس والحق ذاته. فالعطايا الإلهية ليست مقياسًا لرضاه عنا، إنما تقديسنا هو موضوع مسرته بنا.

"فإني لست أريد أيها الاخوة أن تجهلوا.

أن آباءنا جميعهم كانوا تحت السحابة.

وجميعهم اجتازوا في البحر "[1].

الآن يقدم لهم كنيسة العهد القديم كمثال كيف تمتعت بهباتٍ إلهيةٍ كثيرةٍ، لكن هذه العطايا لم تبررهم، فإن ما يسر الله هو قداسة الكنيسة. وكأن غنى عطايا الله لنا وكثرة المواهب التي يمنحنا إياها لا تبررنا إن أهملنا خلاصنا. هكذا يود الرسول أن يؤكد لهم أنه عوض المشاحنات خاصة إن كانت في أمر أكلٍ أو شربٍ يليق بهم أن يهتموا بالخلاص على مستوى الجماعة كما على مستوى الأشخاص بتنقية حياتهم بروح الله الساكن فيهم.

يربط الرسول بين كنيستي العهد القديم والعهد الجديد، حاسبًا رجال الإيمان في العهد القديم آباء رجال العهد الجديد.

يكرر الرسول كلمة "جميعهم" خمس مرات في الآيات 1 - 4، ليؤكد عدم محاباة الله، فهو يقدم عطاياه للجميع بسخاء، ومع هذا لم يُسر إلا بمن يتجاوب مع حبه بالقداسة. العطايا مقدمة للجميع لكن المكافأة لكم يتقدس للرب.

كان غالبية شعب كنيسة كورنثوس من الأمم إلا أن جميعهم لا يجهلوا معاملات الله مع الشعب القديم، كيف اختارهم وخرج بهم من مصر، وقدم لهم سحابة تظللهم علامة رعايته الفائقة لهم كمن تحت جناحيه، واجتاز بهم البحر لكي يفصلهم عن فرعون وجنوده الوثنيين، ومع هذا كله لم يُسر الله بأكثرهم لأنهم لم يتجاوبوا عمليًا مع الدعوة التي دعوا إليها. فكيف يمكن لرجال العهد الجديد أن يتجاسروا ويدخلوا بكامل حريتهم إلي هياكل الأوثان ليشتركوا في موائدها ويظنون أن الله يُسر بهم.

بمعني آخر يقول لهم بأن الله اخرج الشعب وعزلهم بالبحر عن الجو الوثني فهل تندفعون بإرادتكم إلي جو مفسد؟!

تمتع الشعب القديم بالخروج من مصر والتحرر من عبودية إبليس واضح من الكتاب المقدس أن هذه السحابة العجيبة التي قدمها الله لشعبه في البرية حققت ثلاث وظائف:

كانت سحابة في شكل عمود يقودهم ويوجههم في البرية نهارَا.

كان عمودًا من النور يضيء المحلة بالليل.

كانت السحابة مظلة تقيهم من حرارة الشمس (مز 105: 39).

"وجميعهم اعتمدوا لموسى في السحابة وفي البحر" [2].

ربما ظن أهل كورنثوس أنهم إذ نالوا المعمودية حتمًا يتمتعون بالمجد الأبدي، فهم أقوياء في الضمير، يدخلون هياكل الأوثان ويشتركون في موائدها دون أن يتنجسوا أو ينحرفوا عن الحياة المقدسة. لهذا قدم لهم الشعب القديم الذين نالوا العماد بسيرهم تحت السحابة وعبورهم البحر الأحمر، ومع هذا فبأكثرهم لم يُسر الله. مع ضرورة العماد للخلاص، لكن من اعتمد ولم يسلك كابن لله، بل يتهاون في الحق، يهلك.

وكأن الرسول بولس قد رأى كنيسة العهد القديم في أيام موسى النبي قد اجتازت المعمودية رمزيًا. فالبحر يشير إلى جرن المياه، والسحابة التي ظللتهم تشير إلى الروح القدس، كقول الكتاب: "أرسلت روحك فغطاهم" (خر 10: 15).

ظهرت رمزية عبور البحر الأحمر للمعمودية في العهد القديم نفسه، إذ رأى إشعياء النبي ذراع الرب (رمز للمسيح) يستيقظ من القبر محطمًا العدو إبليس أو التنين الساكن في أعماق المياه، فاتحًا طريق النصرة لكي يعبر أولاده وسط المياه ويخلصوا. يقول النبي: "استيقظي استيقظي البسي قوةً يا ذراع الرب. استيقظي كما في أيام القدم كما في الأدوار القديمة. أَلستِ أنتِ القاطعة رَهَب الطاعنة التنين؟! أَلستِ أَنتِ هي المُنَشِّفة البحر مياه الغمر العظيم، الجاعلة أعماق البحر طريقًا لعبور المفديين؟! ومفديُّو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بالترنم، وعلى رؤُوسهم فرح أبدي. ابتهاج وفرح يدركانهم. يهرب الحزن والتنهُّد" (إش 9: 51 - 11). إنها ثلاث صرخات: "استيقظي، استيقظي، استيقظي" وكأنها إعلان عن قوة القيامة المعلنة في اليوم الثالث، التي تُوهب لمفديي الرب في المعمودية خلال الغطسات الثلاث باسم الثالوث القدوس. مرة أخرى يطلب من السيد الذي عمل في القديم خلال رمز العبور أن يعمل الآن ليعبر بمفدييه وسط المياه ويدخل بهم إلى "الفرح الأبدي" الذي هو ملكوت الله الذي يهرب منه الحزن والتنهد. رأى النبي هلاك التنين وطعنه هذا الذي هو قاتل للبشر!! هكذا رأى إشعياء النبي في العبور مفاهيم لاهوتية حية لعمل المعمودية في حياة المؤمنين، ونصرتهم خلال الرب الذي قام وأقامهم معه، وتحطيم إبليس التنين القديم.

يقول بولس أن اليهود كانوا تحت السحابة ليشير إلى أن كل شيء يُفهم منه أنه صورة للحق الذي يُعلن لنا. احتموا تحت السحابة من أعدائهم حتى يخلصوا من الموت، كمثال المعمودية. فإنهم إذ عبروا خلال البحر الأحمر خلصوا من المصريين الذين ماتوا فيه. (خر28: 4 - 29)، وكان موتهم رمزًا لعمادنا الذي يميت أعدائنا[547].

أمبروسياستر.

خلاص إسرائيل من فرعون كان خلال البحر، وخلاص العالم من الخطيئة يتم بغسل الماء بكلمة الله (أف 26: 5) [548].

هناك موسى أرسله الله إلى مصر، هنا المسيح أرسله الآب إلى العالم. رسالة موسى أن يُخرج الشعب المُضطهد من مصر، ورسالة المسيح أن يخلص كل شعب العالم الذين تحت طاغية الخطية. هناك دم الحمل هو العلامة ضد المهلك؛ هنا دم الحمل الذي بلا عيب، يسوع المسيح، قد عين هيكلك الذي لن تلحق به الشياطين[549].

القديس كيرلس الأورشليمي.

عندما ترك الشعب مصر بإرادته وهربوا من سلطان ملك مصر بعبورهم الماء، أهلك الماء الملك وكل جيشه. أي شيء أكثر وضوحًا من هذا كرمز للمعمودية؟! فالشعوب تخلص من العالم بواسطة الماء، إذ يتركون الشيطان الذي كان يطغى عليهم، فيهلك في الماء[550].

العلامة ترتليان.

السحابة هي نعمة الروح القدس بينما يشير البحر إلى العماد.

ثيؤدورت أسقف قورش.

ما قد حدث، كما يقول الرسول، كان سّر العماد. واضح أن هذا كان نوعًا من العماد، حيث غطت السحابة الشعب، والمياه حملتهم. لكن المسيح الرب نفسه الذي فعل كل هذه الأمور الآن يدخل المعمودية قبل الشعب المسيحي في عمود جسده. [551].

مكسيموس أسقف تورين.

نال اليهود بالفعل أقدم معمودية للناموس ولموسى[552].

الشهيد كبريانوس.

كان تاريخ الخروج رمزًا لما يحدث مع الشعب المسيحي الذي لم يكن بعد قد تم[553].

القديس أغسطينوس.

البحر الأحمر الذي تَقّبل الإسرائيليين الذين لم يخافونه، هذا الذي خلصهم من الشرور التي أضمرها لهم المصريون المقتفون آثارهم، كان - وكل تاريخ الخروج - رمزًا للخلاص الذي يتم في المعمودية.

مصر في الحقيقة ترمز هنا للعالم الذي نمارس فيه شقاءنا بالحياة الشريرة التي نعيشها، والشعب هم الذين يستنيرون (يعتمدون)، والماء هو واسطة الخلاص للشعب يمثل المعمودية. فرعون وجنوده رمز للشيطان وأعوانه[554].

القديس ديديموس الضرير.

البحر هو رمز للعماد بالماء والسحابة فلنعمة المعمودية بالروح.

ثيؤدور أسقف المصيصة.

كانت السحابة رمزًا لنعمة الروح. فكما أن السحابة قد غطت الإسرائيليين وحمتهم من المصريين هكذا نعمة الروح كدرع تحمينا من حيل الشيطان. هكذا كما أن عبور البحر حماهم من أعدائهم ووهبهم حرية حقة، هكذا المعمودية تحمينا من أعدائنا. هكذا عاش الإسرائيليون تحت ناموس موسى. وهكذا نحن نعيش في العماد ملتحفين بروح التبني ووارثين العهود والاعتراف المتناغم مع وصايا المسيح[555].

جناديوس بطريرك القسطنطينية.

"وجميعهم أكلوا طعامًا واحدًا روحيًا" [3].

إذ يدعو الرسول الإلهي الرب طعامًا روحيًا وشرابًا روحيًا يقترح أنه يعرف أن الطبيعة البشرية ليست بسيطة، وإنما يوجد جزء عقلي ممتزج بالجزء الحسيّ، وأن نوعًا معينًا من القوت يحتاج إليه كل من الجزئين فينا: الطعام الحسيّ يقوي أجسادنا، والطعام الروحي لنمو نفوسنا[556].

غريغوريوس أسقف نيصص.

المسيح هو هذا السرّ، لأن الجسد هو للمسيح. هكذا فإن الطعام ليس ماديُا بل هو روحي[557].

القديس أمبروسيوس.

كل الذين أكلوا هذا الخبز (المن) ماتوا في البرية، وأما هذا الطعام الذي تتناولونه، هذا الخبز الحي النازل من السماء فينعش طاقة الحياة الأبدية. من يأكل هذا الخبز لن يموت إلى الأبد، لأنه جسد المسيح (يو 49: 6 - 58)...

كان ذاك المن يخضع للفساد إن حفظ لليوم التالي. أما هذا فغريب عن كل فساد. من يذوقه بطريقة مقدسة لن يقدر أن يشعر بفساد. بالنسبة لأولئك كانت المياه تنفجر من الصخرة، أما بالنسبة لكم فالدم يفيض من المسيح. كانت المياه كافية إلى ساعة بالنسبة لهم، أما اليوم فيرويكم للأبدية[558].

القديس أمبروسيوس.

يدعو بولس الطعام فائق للطبيعة لأنه يهب من يأكله قوة الروح القدس (خر 11: 16 - 36). على أي الأحوال لا يهب في ذاته أن يُصّير الشعب روحيًا (ما لم يقبله الشعب كما يليق).

ثيؤدور أسقف المصيصة.

"وجميعهم شربوا شرابًا واحدُا روحيًا.

لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم،.

والصخرة كانت المسيح "[4].

يبدو أن البعض كانوا يعتمدون علي تناولهم من جسد الرب في سرّ الافخارستيا كتأكيد لخلاصهم مع تهاونهم في سلوكهم مثل الشركة في ولائم هياكل الأوثان. لذا قدم لهم الشعب القديم هؤلاء الذين أكلوا طعامًا واحدًا روحيًا، الذي هو المن، رمز جسد المسيح (يو 6: 31) الخبز النازل من السماء الذي يعطي حياة للعالم [33]، وهو خبز الحياة [48]، ومع هذا إذ لم يتقدسوا للرب هلكوا.

هل كانت الصخرة بالفعل تتبعهم؟ أم أن الحديث هنا رمزي؟ كان قدامى اليهود يعتقدون بان ينبوع المياه كان يسير معهم طوال رحلتهم، يصعد معهم علي الجبال وينزل معهم في الوديان. وهم يعتمدون في هذا علي النشيد: "اصعدي أيتها البئر أجيبوا لها بئر حفرها رؤساء، حفرها شرفاء الشعب بصولجان بعصيهم، ومن البرية إلي متاني الخ" (عد 21: 17 –20).

دُعي شرابًا روحيًا مع أنه ماء عادي يروي الأجساد لكنه قدم بطريقة فائقة للطبيعة:

فاض الينبوع مياها تروي حوالي 2 مليون شخصًا. قيل عن المياه التي فاضت إنها جدول مياه، ومجري مياه، وسيل، ونهر (عد 34: 5، يش 15: 4، 47، 1 مل 8: 65، 2 مل 24: 7) ينزل من الجبل هذا يدل علي أن جدول المياه كان متسعًا جدًا.

جبل حوريب مرتفع عن البلد الملاصقة له، وكأن المياه كانت تندفع منحدرة علي الجبل، لا تتجمع في حوض مياه، بل تتدفق نحو البحر في غير سكون. كأن المياه قد أوجدت نهرًا جاريًا يسير معهم في رحلتهم. إن قيل انه لا يوجد الآن ينبوع مياه يقيم نهرًا في تلك المنطقة، فالإجابة علي ذلك أن هذه العطية كانت هبة مقدمة للشعب علامة اهتمام الله به، كما كان يقدم لهم منًا من السماء يكفي مليونين شخصًا ليأكلوا ويشربوا كل هذه السنوات.

لماذا يقول بولس هذه الأمور؟ إنه يشير إلينا بأنه كما أن الإسرائيليين لم ينتفعوا شيئًا من العطية العظمى التي تمتعوا بها، هكذا المسيحيون الكورنثوسيون لا ينتفعون شيئا من العماد أو التناول المقدس ما لم يسلكوا معلنين حياة لائقة بهذه النعمة[559].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

احسب كلمة الخالق وأشبهه بالصخرة التي سارت مع شعب إسرائيل في البرية. إنها لم تكن من مستودع للماء حوى داخله ما فاض عليهم بمجاري مجيدة. لم يكن في الصخرة ماء، لكن محيطات نبعت منها. هكذا فِعل الكلمة الذي شكَّل المخلوقات من لا شيء[560].

القديس إفرآم السرياني.

لسنا نعبد قطيعًا أو غنمًا لأن المسيح دُعي حملاً (يو 1: 29)، ودُعي بالنبي "ثورًا" (حز 43: 19)... ودُعي الأسد الخارج من سبط يهوذا (رؤ 5: 5)، ولا نعبد حجرًا مع أن المسيح دُعي صخرة [4] ولا جبل صهيون حيث فيه نجد مثالاً للكنيسة (1 بط 2: 4) [561].

لا نرتبك بتلك الحقيقة أن العلامة أحيانًا تُستخدم اسمًا للمعنى بها كما يُقال عن الروح القدس أنه نزل في شكل جسدي كحمامة وحلّ عليه، وبنفس الطريقة الصخرة المضروبة دُعيت المسيح [4] لأنها رمز المسيح[562].

القديس أغسطينوس.

هذا بالتأكيد يشير لا إلى لاهوته بل إلى جسده الذي فاض على قلوب الشعب العطشى مجرى دمه الدائم[563].

القديس أمبروسيوس.

المن والماء الذي نبع من الصخرة دُعيا "روحيًا"، لأنهما لم يحدثا خلال قانون الطبيعة، بل بقوة الله العامل مستقلاً عن العناصر الطبيعية (خر 16: 11 ـ 36؛ 17: 1 - 7). لقد خُلقت هذه الأمور إلى حين كتذكارٍ للمسيح الرب[564].

أمبروسياستر.

نحن أيضًا سنصير صخرة، فنقتدي قدر ما نستطيع بطبيعتنا المتغيرة طبيعة السيد غير المتغيرة، الدائمة[565].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص.

بالتأكيد هذا يشير بالأكثر إلى جسده المادي وليس إلى لاهوته لأن قلوب الناس العطشى كانت مرتوية بمجرى دمه اللانهائي[566].

الأب قيصريوس أسقف آرل.

الصخرة هي كل تلميذ للمسيح الذي منه يشربون كما من صخرة روحية تابعتهم، وعلى كل صخرة كهذه تُبنى كل كلمة للكنيسة، وسياستها تكون متفقة معها. فإن الله يبني كنيسته في كل شخص كامل يربط بانسجام بين الكلمات والأعمال والأفكار وممتلئ بالتطويبات[567].

العلامة أوريجينوس.

"لكن بأكثرهم لم يسر الله.

لأنهم طرحوا في القفر "[5].

علّة هلاك الشعب القديم هو اللهو [7]، والزنا [8]، وتجريبهم الرب [9]، والتذمر [10]. لذا وصية الرسول هي: "اهربوا..." [14].

بعد أن تمتع كل الشعب بالسحابة، وعبروا البحر، وأكلوا المن، وشربوا الماء، وتبعتهم الصخرة لم يسر الله بأكثرهم، لأنهم احزنوا روح الله القدوس، وأساءوا إلي النعمة الإلهية. إنهم بدأوا بالروح وكملوا بالجسد.

لم يكن الإسرائيليون في أرض الموعد حين صنع الله معهم هذه الأمور. لهذا افتقدهم بتأديب مضاعف، إذ لم يسمح لهم أن يروا الأرض التي دعاهم إليها، وعاقبهم أيضًا بقسوة[568].

هكذا يرفع الرسول من يسمعه بالأكثر عندما يحاور لا كمن يأمر، ولا كمن يستهين بالناموس، بل كمن ينصحهم ويتوسل أمامهم[569].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

يود بولس أن يذكرنا بأننا لا نخلص بمجرد استقبالنا لنعمة الله المجانية. إنما يلزمنا البرهنة على أننا نريد قبول هذه النعمة المجانية. فأبناء إسرائيل استلموها، لكنهم برهنوا على عدم استحقاقهم لها فلم يخلصوا[570].

العلامة أوريجينوس.

ب - تحذير من التجارب الشريرة.

"وهذه الأمور حدثت مثالاً لنا.

حتى لا نكون نحن مشتهين شرورا كما اشتهي أولئك "[6].

كان الكورنثوسيون يشبهون إسرائيل القديم إذ نالوا عطايا إلهية كثيرة، وقابلوا ذلك بالتذمر والشر عوض الشكر والقداسة، فصاروا تحت خطر الهلاك الذي حل بإسرائيل في البرية.

كما أن المواهب رمزية هكذا التأديبات رمزية. لقد سبق فرُمز للمعمودية والتناول في النبوة. وبنفس الطريقة أُعلن تأكيد عقوبة غير المستحقين لهذه العطية مسبقًا من أجلنا، حتى نتعلم من هذه الأمثلة كيف يلزمنا أن نلاحظ خطواتنا[571].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"فلا تكونوا عبدة أوثان كما كان أناس منهم،.

كما هو مكتوب:

جلس الشعب للأكل والشرب ثم قاموا للعب "[7].

اعتبر القديس بولس مشاركتهم في الولائم الوثنية بالهيكل ممارسة فعلية لعبادة الأوثان.

"قاموا للعب": كان اليهود بوجه عام يفهمون اللعب هنا بمعني ممارسات دنسة تصحب العبادة الوثنية، كالرقص الخليع تكريمًا للآلهة.

هل ترى كيف يدعو بولس الإسرائيليين عبدة أوثان؟ يقول هذا أولاً، وبعد ذلك يعطى أمثلة لمساندة صراعاته ضد هذه الأخطاء. أنه يعطينا أيضًا السبب لعبادتهم الأوثان، أي النهم[572].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"ولا نزنِ كما زنى أناس منهم.

فسقط في يوم واحد ثلاثة وعشرون ألفًا "[8].

في سفر العدد (25: 9) عدد الذين هلكوا 24 ألفا، فلماذا يذكر هنا 23 ألفا؟ لأن الله طلب من موسى تعليق الرؤساء مقابل الشمس هؤلاء يبلغ عددهم حوالي الألف شخصًا بجانب أل 23 ألفا الذين هلكوا بالوباء.

"ولا نجرب المسيح كما جرب أيضًا أناس منهم.

فأهلكتهم الحيات "[9].

يشير هنا إلي "المسيح" في العهد الجديد، هذا الذي كان يدعي "يهوه" في العهد القديم، فقد جربه اليهود بجحدهم لعنايته الإلهية وتذمرهم عليه.

"ولا تتذمروا كما تذمر أيضًا أناس منهم.

أهلكهم المهلك "[10].

تذمر عليه اليهود بسبب المن، وظنوا أن الوعود الإلهية التى قُدمت لهم في مصر لم تتحقق، فأهلكتهم الحيات، وأصابهم الوبأ. كما تذمر إسرائيل علي الله وعلي نبيه موسى، هكذا شعب كورنثوس تذمروا علي الله ورسوله بولس.

وتذمر الإسرائيليون عند موت قورح وجماعته (عد 16: 41، 49)، وحُسبت شكواهم ضد موسى وهرون أنها ضد الله نفسه (خر 16: 8). اقتبس الرسول بولس ذلك حاسبا أهل كورنثوس متذمرين علي المسيح لأنهم تذمروا علي رسوله.

المطلوب ليس فقط أن نتألم من أجل المسيح، بل أن نحتمل ما نتألم به بهدوء وكل بهجة، فإن هذه هي طبيعة إكليل المصارع. فإن لم نفعل ذلك تحل العقوبة علينا، إذ نقبل الكارثة بطريقة رديئة. هذا هو السبب لماذا كان الرسل يفرحون عندما كانوا يضربون وكان بولس يتمجد في آلامه[573].

يحثنا على التخلص من هذه الخطية بكل سرعة[574].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

يليق بالمسيحي ألا يتذمر قط سواء في العوز للضروريات أو في التعب والألم، فإنه يوجد مع الالتزام بهذه الأمور سلطان له يتمتع به[575].

القديس باسيليوس.

"فهذه الأمور جميعها أصابتهم مثالاً.

وكتبت لإنذارنا نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور "[11].

دعاها "مثالاً" وقال أنها "كتبت من أجلنا" ثم أشار إلى النهاية ليذكرنا بنهاية كل الأمور. لأنه سوف لا تكون العقوبة هكذا إلى فترة محددة ثم تنتهي بل ستكون عقوبة أبدية. وكما أن العقوبة في هذا العالم تنتهي بنهاية العالم الحاضر، ففي العالم العتيد ستستمر على الدوام[576].

مرة أخرى ينزع عنهم كبرياءهم هؤلاء الذين ظنوا أنهم على درجة عالية من المعرفة. فإن كان الذين نالوا ميزات عظيمة كهذه وآخرون هربوا ولم تستطع الجماهير أن تغير حكم الله من نحوهم فكم يكون الأمر بالنسبة لنا ما لم نصر حكماء[577].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

إن كان يجب أن نعطي اهتمامًا أعظم بخصوص هذه الأمور، يلزمنا أن نحرص لئلا نخطئ في حق اخوتنا، ونجرح ضمائرهم عندما تكون ضعيفة، فنخطئ في حق المسيح. إذ يهلك اخوتنا الذين مات المسيح عنهم، لا خلال معرفتنا ولكن أيضًا خلال أسباب أخرى ترتبط بنا. ففي حالة ما نخطئ في حق المسيح سنسقط تحت العقوبة لأن نفوسهم التي تهلك بسببنا تُطلب منا[578].

العلامة أوريجينوس.

"انتهت إلينا أواخر الدهور": ربما يقصد أن زمان العهد القديم قد انتهي لبدء العهد الجديد، أو أن الدهور قد انتهت لأن ملء الزمان قد حل بمجيء المسيا مخلص العالم الذي اشتهى رجال الله يوم مجيئه.

كتبت هذه لأجل بولس الرسول ولأجل المسيحيين في عهده "إنذارنا نحن" بل ولأجل كل المؤمنين في العالم عبر كل العصور. فإن كلمة الله حية وفعالة. الكتاب المقدس هو كتاب كل إنسان، كتاب كل عصر.

بقوله: "أواخر الدهور" يشير إلي أنه إذ تحقق الخلاص بصليب السيد المسيح وقيامته وصعوده تمت خطة الله وتحقق تدبيره النهائي حتى يأتي لحملنا علي السحاب، لذا أعتبر العالم في "أواخر الدهور".

يسير بولس إلى نهاية الأزمنة ليرعب الكورنثوسيين. لأن العقوبات التي ستحل في ذلك الحين لا يوجد زمن يحدها بل هي أبدية. فالعقوبات التي تحدث في هذا العالم تنتهي مع حياتنا الحاضرة، أما التي تحل في العالم المقبل فتبقى أبدية[579].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"إذا من يظن انه قائم فلينظر أن لا يسقط" [12].

المؤمن الحق مع يقينه في عمل الله في حياته يبقي حذرًا حتى لا يفقد إيمانه ولا يسقط عن الحياة المقدسة في الرب التي يتمتع بها بالنعمة الإلهية. من لا يثبت في اتحاده مع الله ومثابرته علي العبادة بالروح والحق والسلوك بالحب يسقط في الظلمة وقساوة القلب.

يحذر الرسول هنا كل من يتكل علي ذاته ظانًا أنه محب لله وتمتع بعطايا إلهية ومواهب سماوية فيحسب نفسه أنه لن يسقط.

مادمنا في الجسد يلزم مع تمتعنا بالرجاء في نعمة الله الغنية أن نسلك بحذر، فلا يوجد من هو معصوم من الخطأ، فإن عدو الخير تارة يحطمنا باليأس من خطايانا وأخري بالأمان الباطل والثقة الكاذبة في الذات، فننسي ضعفنا ولا نلح في الالتجاء إلي الحضن الإلهي كي يحمينا ويثبتنا فيه.

رجاؤنا في الخلاص يملأ قلوبنا فرحًا، وتواضعنا أمام الرب يثبتنا في هذا الرجاء ويضاعف فرحنا الخارجي.

ثباتنا هنا ليس ثباتًا آمنًا. لا، حتى نخلص من تيارات هذه الحياة الحاضرة ونبحر إلى الميناء الهادئ. لا تنتفخوا إذن أنكم ثابتون، بل احرصوا لئلا تسقطوا، فإن كان بولس يخشى ذلك وهو أكثر ثباتًا منا جميعًا كم بالأكثر يليق بنا نحن أن نحذر؟! [580].

من يسب الآخرين يسقط حالاً في نفس الخطايا. لهذا ينصحنا الطوباوي بولس: "من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط" [11] [581].

أول ملامح التنظيم للقوى العسكرية (التكتيك العسكري) هو أن يعرف كيف تقف حسنًا. أمور كثيرة تعتمد على هذا. لهذا كثيرًا ما يتحدث عن القيام بثبات، قائلاً في موضع آخر: "اسهروا، اثبتوا في الإيمان" (كو 16: 13). وأيضًا: "اسهروا، اثبتوا في الإيمان" (1 كو 16: 13). وأيضًا: "اثبتوا في الرب" (في4: 1)، وأيضًا: "من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط" [11]. وأيضًا: "وبعد أن تتمموا كل شيء أن تثبتوا" (أف 6: 13). بلا شك لا يقصد مجرد أية طريقة للثبات بل الطريقة الصحيحة وكما أن كثيرين لهم خبرة في الحروب أن يعرفوا الأهمية القصوى لمعرفة كيف يثبت. فإن كان في حالة الملاكمين والمصارعين يذكر الممرنون هذا الأمر قبل كل شيء، أقصد الثبات، فكم بالأكثر يكون له الأولوية في الحروب والشئون العسكرية[582].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

يقول بولس هذا لأولئك الذين إذ يعتمدون على معرفتهم أنه يحق لهم أن يأكلوا أي شيء، إنهم يعثرون الإخوة الضعفاء. فإذ يظنون أنهم قد ارتفعوا إلى مستوى أعلى هم في الواقع انحدروا بسبب تعليم الرسل الكذبة، يدينون بولس بينما هم أنفسهم المخطئون[583].

أمبروسياستر.

"لم تصبكم تجربة إلا بشرية.

ولكن الله أمين الذي لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون،.

بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا "[13].

ما حلِّ بالكنيسة في كورنثوس من خصومات وتشويش هو بسبب عدم انشغالهم بالحياة الجديدة المقدسة في الرب، إذ يقول: "لم تصبكم تجربة إلا بشرية، ولكن الله أمين الذي لا يدعكم تجرَّبون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا" [13].

يترجم القديس يوحنا الذهبي الفم "بشرية" صغيرة وقصيرة ومعتدلة. فإن ما حل بكنيسة كورنثوس يعتبر تجربة تافهة إن قورنت بما حل بالإسرائيليين.

"الله أمين" أما الشيطان فمخادع وكذاب. من يتكل علي الله يكون في آمان يحمل قوى إلهية.

الله أمين في مواعيده، لن يحطم رجاء أولاده فيه.

في أمانته وحكمته لن يسمح لمؤمنيه أن يحملوا فوق ما يستطيعون، يعرف إمكانية كل واحد ويسمح له بالتجربة بما فيه بنيانه.

بقوله "لم تصبكم" يعني "لم تصطدكم". آماننا الوحيد هو أن "الله أمين"، وهذا فيه كل الكفاية. فإن التمسك بمواعيد الله والثقة في أبوته الحانية وإدراكنا لعنايته الحكيمة هذا كله يهبنا قوة لنجتاز التجربة ولا نشعر بأنها فوق الطاقة.

إنه يقدم وعدين: انه لن يسمح بتجربة فوق ما يستطيع المؤمن أن يحتمل، وأنه يهبه مع التجربة المنفذ.

كل الظروف والأحداث في قبضة الله ضابط الكل، يسمح بها حسب حكمته لأجل بنياننا إن كنا نتجاوب معه ونؤمن بأبوته.

إذ رعبهم جدًا بتقديم أمثلة قديمة، وألقاهم في الألم، قال: "من يظن أنه قائم فلينظر ألا يسقط" [12]، فإنهم وإن كانوا قد تحملوا تجارب كثيرة وعانوا الكثير من المخاوف، إذ يقول: "وأنا كنت عندكم في ضعف وخوف ورعدة كثيرة" (كو 2: 3)، فلئلا يقولوا: "لماذا ترعبنا وتنذرنا؟ فإننا لسنا عديمي الخبرة في هذه المتاعب، فنحن أنفسنا قد اُُضطهدنا وعانينا الكثير وتحملنا مخاطر كثيرة ومستمرة". لذلك مرة أخرى يحاصر كبرياءهم ويقول: "لم تصبكم تجربة إلا بشرية يمكن للإنسان أن يحتملها" [13]، أي تجربة صغيرة وسريعة وهينة. فإنه يستخدم تعبير "يحتملها إنسان" لما هو صغير، وذلك كما يقول: "أتكلم إنسانيًا من أجل ضعف جسدكم" (رو6: 19). ويقول: "لا تظنوا أنها أمور عظيمة كمن يغلب العاصفة. فإنكم لم تروا خطرًا يهدد بالموت ولا تجربة تنتهي بالذبح"، وكما يقول للعبرانيين: "لم تقاوموا بعد حتى الدم، مجاهدين ضد الخطية" (عب 12: 3، 4) [584].

يقول حتى تلك التجارب الهينة كما أشرت يمكن أن نحتملها بقوتنا، ومع ذلك نحن نطلب عونًا منه في معاركنا حتى نعبرها ويمكننا أن نحتملها، إذ يعطينا صبرًا ويجلب راحة سريعة، بهذا تصير التجربة محتملة[585].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

إن كانت كل الخليقة ستنحل وهيئة هذا العالم تتغير، فلماذا نتعجب ونحن جزء من الخليقة أن نشعر بألمٍ عامٍ شديدٍ ونُسلم لأحزان يسمح لنا بها إلهنا حسب قياس قوتنا، ولا يسمح لنا أن نُجرب فوق ما نستطيع، بل مع التجربة يعطينا المنفذ لنستطيع أن نحتملها؟ [586].

يأمر الرب: "لكل شيء مقاييس وأوزان" (حكمة 11: 20)، ويجلب علينا تجارب لا تزيد عن قوتنا في الاحتمال، إنما يجرب كل الذين يحاربون في طريق الدين الحقيقي بالحزن، ولا يسمح لهم بالتجربة فوق ما يقدرون أن يحتملوا. يعطي دموعًا للشرب بمقياس عظيم (مز 80: 5) لكل الذين ينبغي أن يظهروا أنهم وسط أحزانهم يحفظون شكرهم له[587].

إني مقتنع أنه إن وُجد صوت يحرك الله الصالح فإنه لن يجعل رحمته بعيدة، بل يعطي مع التجربة المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوها[588].

القديس باسيليوس.

لماذا كُتب هذا إن كنا الآن قد وُهبنا القدرة على النصرة على كل التجارب بمجرد احتمالها خلال قوة إرادتنا؟ [589].

القديس أغسطينوس.

يحث بولس أهل كورنثوس أن يتجنبوا كل احتكاك بعبادة الأوثان، حتى تنفصل عنها ليس فقط أجسادنا بل وأذهاننا، لكي نحطم أي شكل من أشكال التجربة. لأن من ينشغل بالأوثان يحل أثرها عليه. الاتكال على الوثن هو الهروب من الله[590].

أمبروسياستر.

التجارب التي تحدث بواسطة الشيطان تتم لا بقوته، بل بسماح من الله، إذ يسمح بها إما لتأديبنا (عقابنا) أو لمحبته لنا يمتحنا ويدربنا. فهناك أنواع مختلفة من التجارب. فالتجربة التي سقط فيها يهوذا ببيعه سيده تختلف عن تجربة بطرس الذي أنكره بسبب الخوف.

وإنني أعتقد أن هناك تجارب عامة يخضع لها البشر بسبب ضعفهم البشري، مهما كانت سيرتهم حسنة. مثال ذلك أن يغضب إنسان على آخر أثناء إرشاده طريق الحق، فيخرج بذلك عن الهدوء الذي تتطلبه المسيحية. لذلك يقول بولس الرسول: "لم تصبكم تجربة إلا بشرية" بينما يقول في نفس الوقت "ولكن الله أمين الذي لا يدعكم تُجرَّبون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ، لتستطيعوا أن تحتملوا" (1 كو 13: 10). مظهرًا بوضوح أننا لا نصلي لكي لا نجرب بل لكي لا ننقاد إلى تجربة، لأنه إذا سقطنا في تجربة لا نحتملها نكون قد انقدنا إلى تجربة، فإذا ثارت علينا تجارب خطيرة، بحيث يكون انقيادنا إليها مهلكًا لنا - سواء أكان ذلك لظروف في صالحنا أو ضدنا - فإن من لا ينقاد إليها مأسورًا ببهجة الانتصار يكون قد استغنى عن متاعب العدو[591].

القديس أغسطينوس.

لم يصلِ بولس لكي لا يُجرّب، لأن الإنسان الذي لا يُجرب لا يكون مزكّى. وإنما يطلب أن نكون قادرين على احتمال تجاربنا كما ينبغي[592].

سفيريان أسقف جبالة.

كثيرون تهزمهم التجربة ولا يحتملونها. ما يهبنا إيّاه الله ليس التأكيد أننا سنحتملها، وإنما الإمكانية أننا نصير قادرين على احتمالها[593].

العلامة أوريجينوس.

(لا تدخلنا في تجربةٍ).

هنا يثور سؤال ليس بتافهٍ، وهو إن كنا نصلي ألا نعاني من التجربة فكيف تتزكى قوة احتمالنا كالقول: "طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة" (يع 12: 1)؟

العبارة "لا تدخلنا في تجربةٍ" لا تعني "لا تسمح لنا بتجربة"، لأن أيوب جُرِّب لكنه لم يدخل في تجربة، إذ لم يصف الله بأيّ تجديف، ولا استسلم بفمٍ شريرٍ كرغبة المجرب نفسه.

إبراهيم جُرِّب ويوسف جُرِّب، لكن لم يدخل أحدهما في تجربة، لأنهما لم يستسلما مرضيين للمجرب.

جاء بعد ذلك "لكن نَجِنّا من الشّرِّير"، أي لا تسمح لنا أن يجربنا الشيطان فوق ما نحتمل بل تجعل مع التجربة المنفذ لنستطيع أن نحتمل (1كو13: 10)) [594].

(كل إنسان يُهاجَمْ قدر طاقته).

لسنا نجهل أن الأرواح جميعها ليست في نفس الشراسة والنشاط، ولا في نفس الشجاعة والخبث، فالمبتدئون والضعفاء من البشر تهاجمهم الأرواح الضعيفة، فإذا ما انهزمت تلك الأرواح تأتي من هي أقوى منها لتهاجم جنود المسيح. ويصعُب علي الإنسان بقوته أن يقاوم، لأنه لا توازي طاقة أحد القديسين خُبث هؤلاء الأعداء (الروحيين) الأقوياء الكثيرين، أو يصد أحد هجماتهم، أو يحتمل قسوتهم ووحشيتهم، ما لم يرحمه المصارع معنا، ورئيس الصراع نفسه الرب يسوع، فيرد قوة المحاربين، ويصد الهجوم المتزايد، ويجعل مع التجربة المنفذ قدرما نستطيع أن نحتمل (1كو13: 10) [595].

الأب سيرينوس.

يتكلم الرسول أيضًا عن نفس النتيجة قائلاً: "إذًا مَنْ يظنُّ أنهُ قائِم فلينظر أن لا يسقط. لم تُصِبكْم تجربة إلاَّ بشريَّة. ولكن الله أمين الذي لا يدعكم تُجرَّبون فوق ما تستطيعون بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا" (1كو12: 10، 13). لأنه عندما قال: "مَنْ يظنُّ أنهُ قائِم فلينظر أن لا يسقط" أعطى إرادة حرة من جانبه، إذ يعلم بالتأكيد أنه بعدما نال النعمة يمكن أن يثبت بالجهاد أو يسقط خلال الإهمال.

لكن عندما أضاف: "لا يدعكم تُجرَّبون فوق ما تستطيعون" يوبخ ضعفهم وخوار قلبهم الذي لم يتقوَ بعد، إذ لم يستطيعوا بعد أن يقاوموا هجمات قوات الشر الروحية، تلك القوات التي يحارب ضدها هو وغيره من الكاملين كل يوم، إذ يقول لأهل أفسس: "فإن مصارعتنا ليست مع دمٍ ولحمٍ، بل مع الرؤَساءِ مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشرّ الروحية في السماويَّات" (أف 12: 6). وعندما أضاف: "ولكن الله أمين الذي لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون" بالتأكيد لا يعني أنه لا يدعهم يجربون، إنما لا يُجربوا فوق طاقتهم. فالعبارة الأولى تشير إلى إرادة الإنسان الحرة والأخرى إلى نعمة الله الذي يلطف من عنف التجارب[596].

الأب شيريمون.

إن غلبتنا الشهوات الجسدية وصرنا عبيدًا لها في هذه المعركة لا نكون حاملين لعلامة الحرية، ولا لعلامة القوة، ونُستبعد من النضال ضد القوات الروحية كغير أهلٍ وكعبيدٍ بكل ما يسببه ذلك من ارتباك. لأن "كل من يفعل الخطية هو عبد للخطية" (يو 34: 8). هكذا يصفنا الرسول بمثل هذه التسمية "زناة". "لم تصبكم تجربة إلا بشرية". (1 كو13: 10). لأننا إن لم نهدف لإدراك قوة الفكر لن نكون أهلاً للدخول في صراع أشد ضد الشر علي مستوي أعلى، إن كنا لم ننجح في إخضاع جسدنا الضعيف الذي يقاوم الروح[597].

القديس يوحنا كاسيان.

"لذلك يا أحبائي اهربوا من عبادة الأوثان" [14].

يحدثهم كحكماء طالبًا حكمهم [15] في أمرين:

أن الذين يأكلون الذبائح هم شركاء المذبح [18].

لا شركة بين كأس الرب وكأس الشياطين، وبين مائدة الرب ومائدة الشياطين [22].

من جهة الشركة فإن الكأس التي نباركها هي شركة واتحاد بدم المسيح، والخبز الذي نكسره هو شركة جسد المسيح المبذول. بتناولنا اياهما نصير واحدًا مع المسيح الذبيح، وننعم بشركة مع بعضنا البعض [15 - 17]، لهذا - مع الفارق - فمن يأكل في هيكل وثنٍ إنما يشترك في مائدة الأوثان لحساب الشياطين. هنا يمنع حتى أصحاب الضمير القوي من مائدة هياكل الوثن.

إذ يري الخطر يحل بهم يصرخ إليهم بروح الأبوة: "يا أحبائي!".

الله من جانبه أمين ومحب للبشر، ونحن من جانبنا يلزم أن نتجاوب مع أمانته وحبه، فنهرب من عبادة الأوثان والاشتراك في ولائمها، نهرب من كل ما يدفعنا نحو الخطية.

ج - الالتزام بالحكمة.

"أقول كما للحكماء: احكموا أنتم في ما أقول" [15].

إذ يحسبون أنفسهم حكماء فليسلكوا بحكمة وليتعقلوا، فيدركوا أن الهروب من الوثن هو طريق الحكمة الحقة.

د - شركة مع الله أو مع الشياطين.

"كأس البركة التي نباركها أليست هي شركة دم المسيح؟

الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح؟ "[16].

ماذا تقول أيها الطوباوي بولس؟ كيف تجتذب كرامة المستمع وأنت تشير إلى الأسرار المهوبة، وتعطي لقب "كأس البركة" لذاك الكأس المهوب والمخوف جدا؟ يقول: "نعم، فهذا لقب ليس بهين الذي نُطق به. لأني عندما أدعوه" بركة "أقصد" الشكر "، وعندما أدعوه" الشكر "أكشف عن كنز صلاح الله[598].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

ذاك الكأس أو بالأحرى ما يحويه الكأس ويتقدس بكلمة الله هو دم المسيح. خلال هذه العناصر يود الرب أن يودعنا جسده ودمه اللذين بذلهما لأجل غفران الخطايا. أن تقبلهما باستحقاق تصير أنت نفسك ما قد تقبلته (تصير عضوًا في جسد المسيح) [599].

القديس أغسطينوس.

"فإننا نحن الكثيرين خبز واحد،.

جسد واحد،.

لأننا جميعنا نشترك في الخبز الواحد "[17].

يدعو شعب العهد القديم "إسرائيل حسب الجسد"، أما كنيسة العهد الجديد فهي "إسرائيل حسب الروح". كما أن إسرائيل القديم تمتع بالوحدة خلال المذبح واشترك معًا في الذبيحة، هكذا إسرائيل الجيد يتمتع بالوحدة خلال ذبيحة الإفخارستيا، فتصير كل الكنيسة خبزًا واحدًا.

ما هو الخبز؟ جسد المسيح.

وماذا يصير إليه الذين يشتركون فيه؟ جسد المسيح، وليس أجسادًا كثيرة، بل جسد واحد. فكما أن الخبز يتكون من قمح كثير ويصير واحدًا، فلا يعود يظهر القمح وإن كان بالحق موجودًا، لكن لا يظهر الاختلاف بسبب الاتحاد معا، هكذا نحن نرتبط معًا الواحد مع الآخر ومع المسيح، فلا يكون لكم جسد واحد وآخر لقريبك كي تنتعش به، بل الجسد ذاته للكل. لذلك يقول: "لأننا جميعًا نشترك في الخبز الواحد" [17]. الآن إن كنا ننتعش بذات الخبز ونصير كلنا ذات الجسد، فلماذا لا نُظهر ذات الحب ونصير بهذا واحدًا؟ [600].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

كل نفس تتقبل الخبز النازل من السماء هي بيت الخبز، خبز المسيح، إذ تقتات ويتقوى قلبها بمؤنه الخبز السماوي الساكن فيها. لهذا يقول بولس: "نحن خبز واحد". كل نفس أمينة هي بيت لحم، كما أنها تُدعى أورشليم، إذ يحل بها سلام أورشليم العليا وهدوءها التي هي السماء. هذا هو الخبز الحقيقي الذي بعد أن يُكسر إلى قطع يشبع كل البشرية[601].

القديس أمبروسيوس.

بالخبز تتعلمون كيف يجب أن تعتزّوا بالوحدة. هل هذا الخبز مصنوع من القمح؟ أليس كذلك؟ بالأحرى من قمح كثير؟

على أي الأحوال، قبل أن يصيروا خبزًا كان هذا القمح مبعثرًا. لقد انضم إلى بعضه البعض في الماء بعد أن طحن. فإنه ما لم يُطحن القمح ويُعجن بالماء لن يصل إلى ذاك الشكل الذي يُدعى خبزًا.

هكذا أنتم أيضًا كنتم قبلاً تُطحنون كما بمذلة أصوامكم وسرّ جحد الشيطان. عندئذ جئتم إلى معمودية الماء. لقد عجنتم حتى تبلغون شكل الخبز. ولكن بدون النار لن يوجد خبز[602].

من يأكل جسد المسيح ويشرب دمه بلياقة ينضم إلى وحدة الجسد. أما الهراطقة والمنشقون فيمكنهم نوال السرّ لكن بلا نفع، بل بالحقيقة لضررهم. إذ هم يزيدون ألمهم عِِوض تقليل مدة عقوبتهم[603].

القديس أغسطينوس.

"انظروا إسرائيل حسب الجسد،.

أليس الذين يأكلون الذبائح هم شركاء المذبح؟ "[18].

أسألكم أن تتأملوا كيف أنه لم يقل بخصوص اليهود أنهم شركاء مع الله بل قال: "شركاء المذبح"، لأن ما كان يوضع عليه يحترق، أما بالنسبة لجسد المسيح فالأمر بخلاف هذا. كيف؟ إنه "شركة مع جسد الرب". لنا شركة ليست شركة مع المذبح بل مع الرب نفسه[604].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"فماذا أقول:

إن الوثن شيء؟ أو أن ما ذبح للوثن شيء؟ "[19].

"بل أن ما يذبحه الأمم فإنما يذبحونه للشياطين لا لله،.

فلست أريد أن تكونوا أنتم شركاء الشياطين "[20].

مع أن الوثن لا شيء، لا سلطان له ولا قوة، فإن ما يُقدم كذبائح له إنما يُقدم للشياطين وليس لله، ومن يشترك فيها إنما يكون في شركة مع الشياطين. والمؤمن الحقيقي لن يكون في شركة مع المسيح والشيطان في نفس الوقت.

إن كان الوثن لا شيء فلا يعني أن ما يُقدم له من ذبائح لا شيء، أي ليس بذبيحة، فيمكن للمؤمن أن يشترك فيها. لأن ما يُقدم إنما هو ذبيحة للشياطين، فيه شركة في عبادة الشياطين.

لا تجروا نحو الأمور المضادة. فإنك إن كنت ابن الملك ولك حق الاشتراك في مائدة أبيك، فهل كنت تتركها وتختار مائدة المدانين والمسجونين في السجون السفلية؟ هل يسمح لك أبوك بهذا، بل بكل غيرة يسحبك ليس لكي لا تؤذيك مائدتهم وإنما لأن في هذا يعيب مائدتك الملوكية المكرمة[605].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

واضح من هذا أن ما يُدان في الخرافات الوثنية بواسطة الديانة الحقيقية ليست مجرد تقديم الذبائح (لأن القديسين القدماء قدموها لله الحقيقي)، وإنما لأنهم قدموها لآلهة باطلة وللشياطين الأشرار[606].

من يشترك دون معرفة في طعام سبق أن رفضه لأنه قُدم لوثن لا يُحسب ذلك خطية. أية خضروات أو فاكهة من نتاج الأرض تنتمي إلى خالقها، فالأرض وملؤها للرب، وكل خليقة الله صالحة (مز 24: 1؛ 1 كو 10: 25 –26؛ ا تي 4: 4). ومع ذلك فإن ما تنتجه الأرض إن كرّس أو قدُم لوثن تُحسب بين الأشياء المقدمة للأوثان[607].

القديس أغسطينوس.

كما أن الخبز والخمر في الإفخارستيا كانا خبزًا وخمرًا عاديًا قبل الاستدعاء المقدس للثالوث المسجود له، ولكن بعد الاستدعاء يصير الخبز جسد المسيح والخمر دمه، هكذا الطعام الذي يظهر مقدمًا لإبليس مع أنه طعام عادي في طبيعته لكنه يصير دنسًا باستدعاء الأرواح الشريرة[608].

القديس كيرلس الأورشليمي.

يقول بولس بأنه وراء سطح الوثن توجد قوة شيطانية لتفسد الإيمان بالله الواحد[609].

من يشرب كأس الشياطين يسب كأس المسيح. ومن يأكل من مائدة الشياطين يثور ضد مائدة الرب، أي مذبح الرب، ويصلب جسده مرة أخرى[610].

أمبروسياستر.

"لا تقدرون أن تشربوا كأس الرب وكأس شياطين.

لا تقدرون أن تشتركوا في مائدة الرب وفي مائدة شياطين "[21].

بحسب الخارج يمكن الشركة في المائدتين (1 مل 18: 21)، لكن بالحق لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال الشكلية الظاهرية.

"أم نغير الرب؟

ألعلنا أقوى منه؟ "[22].

اعتبر الرسول أن من يشترك في مائدة الوثن يكون بمثابة من يُغير الرب على شعبه وهيكله.

تعتبر عبادة الأوثان زنا، أي تسليم القلب المخصص لله للشيطان، خيانة زوجية. يليق بالنفس أن تكون أمينة في اتحادها مع عريسها السماوي ولا تستبدله بآخر.

"ألعلنا أقوي منه؟" إنه يهدد العصاة الذين يتمردون عليه بعبادتهم للوثن، كيف يمكنهم أن يقفوا أمام تهديداته؟! من يشترك في مائدة الرب ثم يعود فيشترك في مائدة الشيطان إنما يغير الرب، فيضع نفسه في خطر مقاومة الرب نفسه.

"أم نغير الرب؟ ألعلنا أقوى منه؟" [22]، بمعنى هل نجربه إن كان يقدر أن يعاقبنا ونثيره بذهابنا إلى المقاومين ونقف في جانب الأعداء؟ [611].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

2 - موقفه من لحوم السوق العام.

"كل الأشياء تحل لي، لكن ليس كل الأشياء توافق.

كل الأشياء تحل لي، ولكن ليس كل الأشياء تبني "[23].

بعدما طالبنا الرسول بتقديس الجماعة وكل عضو فيها أكد الالتزام بعدم الاشتراك في ولائم الشياطين حتى يمكننا التمتع بالشركة في وليمة الرب. أما المبدأ الآخر فهو اهتمامنا ببنيان الغير، إذ يقول: "كل الأشياء تحل لي ولكن ليس كل الأشياء تبني؛ لا يطلب أحد ما هو لنفسه بل كل واحد ما هو للآخر" [23 - 24] "كما أنا أيضًا أرضي الجميع في كل شيء غير طالب ما يوافق نفسي، بل الكثيرين لكي يخلصوا!" [33].

يحق لي أن آكل كل شيء، لكن هذا لا يوافقني، لأن فيه حزن وعثرة لأصحاب الأفكار الضعيفة.

تعبير "لا توافق" هو تلميح خفي عن دمار الشخص الذي يتحدث إليه الرسول، وأما تعبير "لا يبني" فهو تلميح عن العثرة للأخ[612].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

سهل جدًا أن يرتعب مما هو ممنوع ذاك الذي له الخوف الوقور لما هو مسموح به[613].

العلامة ترتليان.

من يسيء استخدام كل ما هو شرعي يسقط سريعًا وبقوة في ارتكاب ما هو غير شرعي[614].

القديس إكليمنضس السكندري.

"لا يطلب أحد ما هو لنفسه،.

بل كل واحد ما هو للآخر "[24].

ليحيا كل إنسان، لا لنفسه بل لأجل البشرية المحيطة به.

الكلمة اليونانية المترجمة "ما هو للآخر" تشير إلي كل شيء وأي شيء يخص راحته ونفعه وسعادته وخلاصه.

يوصي الرسول أعضاء المسيح المخلصين بقانون المحبة، فيقول: "لا يطلب أحد ما هو لنفسه، بل كل واحد ما هو للآخر" (1 كو 10: 24). فعند سماع هذا يكون الطمع مستعدًا بكل خداعاته. ففي أمور العمل تحت مظهر الطلب ما هو للآخرين قد تخدع إنسانا وهكذا "لا يطلب ما لنفسه بل ما للآخر"...

اسمع وأصغ يا أيها الطماع، فإن الرسول يوضح لك في موضع آخر بأكثر وضوح. فإنه إذ يقول: "لا يطلب أحد ما لنفسه به كل واحد ما هو للآخر" يوضح ذلك بنفسه: "غير طالبٍ ما يوافق نفسي، بل الكثيرين لكي يكون خادمًا مخلصًا للمسيح" [615].

القديس أغسطينوس.

حقيقة أن من يعبد الوثن يطلب ما يسره وحده. إنه يضع عقبات في طريق ضمير أخيه الضعيف. لهذا يليق بنا أن نسرع إلى مقاومة ممارسة مجرد ما نريده، وذلك من أجل محبة المسيح وخلاص اخوتنا[616].

أمبروسياستر.

السؤال ليس مجرد أن ما تأكله هو بضمير صالح، إنما هو: هل ما تفعله هو لنفع أخيك؟ [617].

أوكيمينوس.

"كل ما يباع في الملحمة كلوه،.

غير فاحصين عن شيء من أجل الضمير "[25].

كان الدم يسفك كذبيحة مقدمة للوثن، أما اللحم فنصيب منه يُحرق علي المذبح، والثاني يأكله مقدم الذبيحة، والثالث يأخذه الكاهن. وكان غالبًا ما يجمع الكاهن أنصبته ويبعها في السوق. فبالنسبة للشركة في الأكل مع مقدم الذبيحة داخل الهيكل هذا مرفوض تمامًا، لأنه يعتبر شركة في العبادة الوثنية، أو في وليمة الوثن. هذا يقابله أو يضاده مائدة الرب، فمن يشترك في مائدة الوثن لا يقدر أن يشترك في مائدة الرب. أما ما يُباع في السوق فيمكن شراءه دون السؤال عن مصدره.

إذ يأكل الإنسان بشكرٍ يتقدس الطعام بكلمة الله والصلاة (1 تي 4: 4 - 5). فإن كل شيءٍ طاهر للطاهرين (تي 1: 15).

من جهة الضمير يكن للإنسان أن يأكل كل ما يُباع في السوق، لكن بحكمة فلا يشتري مسكرُا أو طعامًا قاتلاً.

في عصور مختلفة وجد أناس يتساءلون قبل شراء احتياجاتهم مثل:

هل ما نشتريه هو من عمل العبيد الذين يستغلهم السادة ويسفكون دماءهم بالعمل الشاق غير الإنساني؟

هل هو من مصنع يمارس العمل في يوم الرب؟

هل إيراد هذا المتجر يستخدم في أمور تمس حقوق البعض؟

لم يسمح لهم بالسؤال أي بالبحث والاستقصاء إن كان هذا ذبيحة وثن أم لا، بل أن يأكلوا كل شيءٍ في السوق ببساطة... فإن هذه هي طبيعة هذه الأشياء التي لا تحمل شرًا في جوهرها، وإنما نية الإنسان التي تجعله دنسًا. لهذا يقول: "غير فاحصين" [618].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

الضمير هنا لا يشير إلى ضمير الشخص الذي يعلم أن الأوثان غير موجودة، وإنما ضمير ذاك الذي يرى شخصًا يشتري طعامًا ذُبح للأوثان ويشعر أن ذاك خطأ[619].

سفيريان أسقف جبالة.

"لأن للرب الأرض وملأها" [26].

اقتبس الرسول هذه العبارة عن المزمور 24: 1، تث 10: 14.

ما تقدمه الأرض من طعام نباتي أو حيواني هو هبة من الله، حتى وإن أساء البعض استخدامه وقدمه للوثن. إنه ثمرة حب الله ورعايته للإنسان.

إن كانت الأرض والثمار والحيوانات هي خليقة الله، فليس شيء دنس، إنما تصير نجسة خلال نياتنا أو عصياننا[620].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

لا يخطئ إنسان أكل بغير معرفته طعامًا سبق فرفضه لأنه خاص بالأوثان. فإن الخضراوات وكل أنواع الثمار التي تنمو في أي حقل هي خاصة بالله خالقها[621].

القديس أغسطينوس.

3 - موقفه من وليمة في بيت صديقٍ.

"وان كان أحد من غير المؤمنين يدعوكم وتريدون أن تذهبوا.

فكل ما يقدم لكم كلوا منه،.

غير فاحصين من أجل الضمير "[27].

اعتاد اليهود بصفة عامة عندما يُدعون إلى وليمة لدي شخص وثني أن يسألوه ويستجوبوه عن تفاصيل كثيرة حتى يتأكدوا أن الطعام غير دنس.

الإنسان المسيحي يشارك أصدقاءه مشاعرهم مادامت ليست علي حساب إيمانه، فإن دعاه لوليمة يقبل الدعوة، ولا يثير أسئلة لا لزوم لها.

انظروا اعتداله، فإنه لم يأمر ولا وضع قانونًا بأن نلتزم بالانسحاب (من وليمة غير المؤمن) ولم يمنع ذلك[622].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

يليق بنا أن نكف عن النهم ونأكل فقط ما هو ضروري. ولكن إن دعاه غير مؤمنٍ إلى وليمة وصمم أن تقبل الدعوة، فالرسول يخبرنا أن نأكل مما وَضع أمامنا. لا نلتزم بالامتناع عن الطعام الفاخر تمامًا، إنما يجب علينا ألا نشتهيه[623].

القديس إكليمنضس السكندري.

"ولكن إن قال لكم أحد هذا مذبوح لوثن،.

فلا تأكلوا من اجل ذاك الذي أعلمكم والضمير،.

لأن للرب الأرض وملاها "[28].

يمكن للمؤمن أن يأكل ببساطة وبراءة مما يقدم له في الولائم الخاصة حتى في منازل الوثنيين، إذ لا يحسب ذلك شركة في مائدة الشياطين، ولا تُعتبر وليمة وثن. أما إذا أخبره إنسان بأن ما يُقدم ذبح للوثن يمتنع من أجل عدم عثرة ضعفاء النفوس.

"أقول الضمير ليس ضميرك أنت،.

بل ضمير الآخر،.

لأنه لماذا يحكم في حريتي من ضمير آخر؟ "[29].

يخاطب أصحاب الضمير القوي، فهو مطمئن من جهة ضميرهم أنهم لا يصنعون خطأ، لكن إذ يطلبون ما للغير ويهتمون بخلاص أصحاب الضمير الضعيف يسلكون بما لا يعثرهم.

أما قوله: "لماذا يحكم في حريتي من ضمير آخر؟" هذا اعتراض من صاحب الضمير القوي. يسأل الرسول لماذا لا يمارس حريته بل يسلك حسب ضمير صاحب الضمير الضعيف؟

يقارن العلامة أوريجينوس بين خبز الرب (الأفخارستيا) والطعام موضحًا أننا ننعم ببركات خبز الرب خلال إيماننا به، فبدون الإيمان لن نتقدس، وأيضًا ما يدنس الإنسان ليس الطعام العادي في ذاته، وإنما ضمير الإنسان الدنس وعدم إيمانه، فيقول:

حتى ما يُدعى خبز الرب... ليس الطعام بل ضمير من يأكل بشكٍ يدنس ذاك الذي يأكل، لأن من يشك يُدان متى أكل، إذ يأكل بدون إيمان. وليس شيء طاهرًا لمن هو دنس وغير مؤمن، وذلك ليس في الشيء نفسه، وإنما بسبب دنسه هو وعدم ايمانه. هكذا ما يتقدس بكلمة الله والصلاة لا يقدس من يستخدمه في طبيعته، لأنه لو كان الأمر كذلك لتقدس حتى ذاك الذي يأكل خبز الرب بدون استحقاق، ولا يصير أحد قط بسبب ذلك ضعيفًا أو مريضًا وأن ليس قليلون يرقدون [29]. ففي حالة خبز الرب ينتفع به ذاك الذي يستخدمه بعقل غير دنس وضمير طاهر[624].

العلامة أوريجينوس.

"فان كنت أنا أتناول بشكر،.

فلماذا يُفترى عليَّ لأجل ما أشكر عليه "[30].

كما أن الشمس تلقي بأشعتها على مواضع كثيرة فاسدة وتعود الأشعة طاهرة هكذا بالأكثر نحن إذ نعيش في وسط العالم نبقى أطهارًا، إن أردنا ذلك، وذلك بالقوة العظمى التي لنا. تقول: إذن لماذا تمتنع؟ ليس لئلا أصير دنسًا، حاشا! وإنما من أجل أخي، وألا أكون شريكًا مع الشياطين وحتى لا يدينني غير المؤمن[625].

انظروا كم هي الأسباب التي وضعها لكي نلتزم بالامتناع عن ذبائح الأوثان؟ بسبب عدم نفعها، وعدم الاحتياج إليها، ومن أجل الضرر الذي يصيب أخانا، ومن أجل الاتهامات الشريرة التي يقدمها اليهودي، ومن أجل إساءة الأممي، ولكي لا نكون شركاء الشياطين، ولأن في هذا نوع من العبادة الوثنية[626].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

الذي قال: أود ألا تكونوا شركاء مع الشياطين، أراد بأحاديثه أن ينفصلوا بحياتهم وسلوكهم عن الشعب الذي يخدم الشياطين[627].

القديس أغسطينوس.

"فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا،.

فافعلوا كل شيء لمجد الله "[31].

يليق بالمؤمن أن يمجد الله حتى في أكله أو شربه أو ممارسته أي عمل. الابن يكرم أباه حينما يسلك بوقارٍ ويظهر سمات أبيه فيه. حتى في أكلنا وشربنا يليق بنا أن يتجلى إلهنا فينا فيرى الكل فينا شركتنا لسمات إلهنا، وممارستنا لصلاحه ورحمته وقداسته.

يستخدم الإنسان البار الطعام والشراب واضعًا في ذهنه الوصية: "فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئا فافعلوا كل شيء لمجد الله" [31]. فإن كان من الضروري وضع صورة سريعة عن الطعام غير الطاهر حسب الإنجيل نقول أنه الطعام الذي يرتبط بالجشع، والذي يقوم على محبة المال الدنيئة، أو الأكل من أجل محبة اللذة أو للاستعباد للبطن التي تكرم هي وشهيتها لتسيطر على النفس عوض العقل[628].

العلامة أوريجينوس.

يليق بكل مسيحي بموافقة رؤسائه (الروحيين) أن يعمل كل شيء بتعقلٍ واتزانٍ حتى في الاعمال البسيطة كالأكل والشرب، فيفعل ذلك لمجد الله[629].

القديس باسيليوس.

أن نأكل ونشرب لمجد الله هو أن نأكل ونشرب بعد تقديم المجد للخالق[630].

أمبروسياستر.

افعل كل شيء بحرصٍ حتى يمجد الآخرون الله بك ولا يتعثرون[631].

سفيريان أسقف جبالة.

حتى إذا بسطت يديّ للعطاء أتأمل شريعة الله. إذا افتقدت مريضًا تتأمل رجلاي في شريعة الله. إن تممت ما قد وُصف لي كعلاجٍ إنما أصلي بكل جسدي ما يتلوه الآخرون بشفاههم[632].

القديس جيروم.

يريد أن تكون كل تصرفاتنا في صحبة المسيح كرفيقٍ وشاهدٍ. فنفعل الأمور الصالحة من أجله بكونه مصدرها. ونتجنب ما هو شرير من أجل الشركة معه. من يعرف أن المسيح هو رفيقه يخجل من فعل الشر. على أي الأحوال المسيح هو المعين في الأمور الصالحة وهو المدافع لنا في مواجهة الشرور[633].

مكسيموس أسقف تورينو.

"كونوا بلا عثرة لليهود ولليونانيين ولكنيسة الله" [32].

يليق بالمؤمن أن يدقق في سلوكه حتى لا يعثر يهوديًا غير مسيحي أو أمميًا لم يقبل الإيمان بعد، أو مسيحيًا.

اصنع كل شيء برقةٍ وبنظامٍ من أجل البنيان. يجب أن تختار الشخص والوقت والحاجة والمكان بما يليق، وتصمم على ذلك. فإنك إذ تأخذ في اعتبارك كل هذه التفاصيل تتجنب كل ظلٍ لأثرٍ شريرٍ[634].

لا تكن عثرة بأية وسيلة لمن تلتقي بهم. كن بشوشًا لمن تلتقي بهم. كن بشوشًا، محبًا للاخوة، لطيفًا ومتواضعًا. لا تسيء إلى هدف الكرم بأن تطلب طعامًا مبالغًا فيه[635].

القديس باسيليوس.

"كما أنا أيضًا أرضي الجميع في كل شيء،.

غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا "[33].

يقدم الرسول بولس نفسه مثالاً، إذ يود أن يكسب الكثيرين لا لنفسه بل لخلاصهم.

أية منفعة عظمى يمكن أن يقتنيها الشعب المسيحي إن كان في وجود كارثة، وفي وجود خدام المسيح لا ينسحبوا من الاهتمام بأنفسهم. انظروا مدى الضرر الذي يحدث عندما يطلبون ما لأنفسهم وليس ما ليسوع المسيح (في 2: 21)، عندما تنقصهم المحبة التي قيل عنها: "لا تطلب ما لنفسها" (1 كو 13: 5)، ويفشلون في الامتثال بذاك القائل: "غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا" [33] [636].

"إن كنت بعد أرضي الناس فلست عبدًا للمسيح" يجب أن تفهم كمن يقول: إن كانت الأمور الصالحة التي أفعلها أمارسها من أجل مديح بشري كدافع لي على عملها؛ إن كنت أنتفخ بمحبة المديح، لن أكون خادمًا للمسيح. فالرسول إذن يود أن يرضي كل الناس ويفرح بمسرتهم، لا لكي يتباهى بمديحهم، بل لأنه بمدحه يبنون أنفسهم في المسيح[637].

يريد الرسول من المؤمنين أن يًسرّوا الجميع، فهو يجد مسرّته في مسرة الكل، ليس لأنه يشبع في داخله بمديحهم، وإنما لأنه إذ يسرهم جميعًا يمكنه أن يبنيهم في المسيح[638].

القديس أغسطينوس.

ليس من أجل نفعه الزائل يتحدث عن السلام القادم، وإنما من أجل زملائه المؤمنين وأقربائه حتى يشتهونه فينالون الخلاص ويقيدون أنفسهم برباطات الاتفاق[639].

كاسيودوس.

من وحي 1 كو 10.

هب لي أن أُسِرّ قلبك،.

يا من تغنيني بعطاياك!

مخازنك العجيبة مفتوحة عبر كل الأجيال،.

سِرْت بشعبك وسط البرّية،.

ووهبتهم ذاتك سحابة تظلّلهم في النهار،.

وعمود نور يقودهم بالليل.

قدمت لهم ماءً من الصخرة التي كانت تتبعهم.

وعوض ذبيحة الشكر، قدّموا تذمرًا وتمردًا!

عِوض الالتصاق بك، عبدوا العجل الذهبي.

تطلّب أن يُسروا بك وأنت بهم،.

لكن في عنادٍ وقسوة قلب وغلاظة رقبة أرادوا أن يغيظوك!

ها أنا في برّية حياتي.

تظلّلني بجناحي حبك وأنت على الصليب.

قدتني إلى نهر الأردن،.

وقدّمت لي روحك يقودني بروح الحب،.

يشرق عليَّ بالنور الإلهي، ويضيء فهمي.

يلهب قلبي بنار حبه الإلهي،.

عوض الصخرة قدّمت ذاتك بجنبك المطعون.

يفيض عليّ بمياه الروح،.

ويقدسني بالدم الثمين.

هب لي عوض الجحود أن أشكرك.

عِوض التمرد التصق بك بالطاعة.

عِوض الجفاف يلتهب قلبي حبًا!

نعم! أنت سروري وبهجة قلبي،.

يا من تُسر بي أنا الخاطي الضعيف!

بماذا أرد لك هذا الفيض من عطاياك؟

أرده لك في أولادك.

أصير معهم خبزًا واحدًا لا يعرف الانقسام.

نعم! لأثبت معهم فيك، بجسدك المقدس ودمك الكريم.

لأصر معهم واحدًا فيك!

هذا هو ما يُسر قلبك يا واهب الوحدة!

وهبتني الحرية،.

فكل الأشياء تحل لي،.

لكنني لن أسلك إلا بما يوافقني كابن لك!

لا أتحرك إلا بما يبني نفسي ونفوس اخوتي فيك!

سأرضيك بأن أرضي من تحبهم.

لا أطلب ما لنفسي بل ما هو لمحبوبيك!

لأقتدي بك يا من قدمت ذاتك عني،.

فأقدم نفسي مبذولاً من أجل اخوتي.

هب لي بروحك أن أشاركك صليب الحب!

الباب الرابع.

معالجة مشاكل تعبدية.

11 - 14.

التكلم بالألسنة (11 - 14).

تنظيمات كنسية روحية.

بدأ الرسول بولس في هذا القسم بمعالجة بعض التنظيمات الكنسية الروحية مؤكدًا مساواة المرأة بالرجل (1: 11 - 16)، والتزام المؤمن بفحص نفسه قبل التناول من جسد الرب ودمه (11: 17 - 34).

موهبة التكلم بالألسنة.

من بين مواهب الروح القدس للكنيسة قدم موهبة التكلم بالألسنة حتى يتأكد اليهود في العالم كله أن اللَّه ليس إله اليهود وحدهم بل إله كل الأمم، الأمر الذي كان يصعب عليهم جدًا قبوله. وكان غايتها أيضًا الكرازة وسط الأمم التي لم يتعلم الرسل الحديث بلغاتهم. لكن أهل كورنثوس أساءوا فهمها، لهذا تحدث الرسول أولاً عن المواهب الكنسية (12)، ثم أكد أن المحبة أعظم من كل المواهب (13)، وأخيرًا أكد أن اللَّه إله سلام وليس إله تشويش لذا يجب عدم إساءة استخدام المواهب خاصة التكلم بالألسنة (14).

الإصحاح الحادي عشر.

تدابير كنسية.

عالج الرسول بولس في هذا الإصحاح بعض التنظيمات الكنسية الروحية مثل العلاقة بين المرأة والرجل في الكنيسة، وتنظيم ولائم الأغابي والتزام المؤمن بفحص نفسه قبل التناول من جسد الرب ودمه.

1 - الرجل والمرأة في الكنيسة 1 - 16.

2 - ولائم الأغابي في الكنيسة 17 - 22.

3 - التناول من الأفخارستيا 23 - 34.

1 - الرجل والمرأة في الكنيسة.

"كونوا متمثلين بي،.

كما أنا أيضًا بالمسيح "[1].

هذه العبارة هي خاتمة الإصحاح السابق والنتيجة النهائية له، وبداية هذا الإصحاح. خاتمة الإصحاح السابق حيث يقدم الرسول نفسه لهم مثالاً في بذل النفس لصالح الغير، والاهتمام بأن لا يعثر أحدًا من اليهود أو الأمم أو المسيحيين. وهو بداية هذا الإصحاح حيث يحثهم خلال تمثلهم به أن يتمسكوا بالأكثر بما سلمه إليهم ويتفهموا بحكمة التدابير الخاصة بالعبادة الكنسية.

هذا هو قانون المسيحية الكاملة! هذه هي العلاقة الدقيقة التي توضح الطريق، وهي نقطة أعلى من الكل: طلب الأمور التي للنفع العام التي أعلنها بولس أيضًا بقوله: "كما أنا أيضا بالمسيح" (1 كو 11: 1). لأنه ليس شيء يجعل الإنسان متمثلاً بالمسيح مثل الاهتمام بأقربائه[640].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

بالنسبة للذين يرونهم أنهم رعاة صالحون، لا يسمعون فقط الأمور الصالحة التي يعلمونها، بل ويتمثلون بأعمالهم الصالحة التي يمارسونها.

من بين هؤلاء كان الرسول القائل: "كونوا متمثلين بي كما أنا أيضًا بالمسيح" [1]. كان نورًا أشعله النور الأبدي، الرب يسوع المسيح نفسه، ووضعه على منارة لأنه تمجد في صليبه، وذلك كقوله: "حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح" (غل 6: 14) [641].

القديس أغسطينوس.

لتحقيق كمال الحياة يلزم الإقتداء بالمسيح، ليس فقط كمثال للوداعة والتواضع وطول الأناة الذي في حياته، وإنما أيضًا في موته الواقعي. هكذا بولس المتمثل بالمسيح يقول: "أجد راحة في موته، إن كنت بأية وسيلة أبلغ إلى قيامة الأموات" (راجع في 3: 10ـ11). كيف إذن نصير في شبه موته؟ أن ندفن معه بالمعمودية (رو 6: 4ـ5) [642].

إن كان بحق غاية المسيحية هي الاقتداء بالمسيح حسب قياس تأنسه، وذلك قدر ما يتناسب مع عمل كل فردٍ، يلتزم هؤلاء الذين إذ يثقون في قيادة الآخرين أن يسندوا الذين هم أضعف منهم بمعاونتهم أن يقتدوا بالمسيح[643].

القديس باسيليوس الكبير.

من الطبيعي يلزمنا أن نقتدي بالذين أقامهم اللَّه علينا معلمين. فكما يقتدون هم باللَّه، لماذا لا نقتدي بهم؟ فكما أرسل اللَّه الآب المسيح كمعلمٍ ومصدر الحياة هكذا أرسل المسيح الرسل كمعلمين لنا حتى نقتدي بهم إذ نحن عاجزون عن الاقتداء به مباشرة[644].

أمبروسياستر.

"أفأمدحكم أيها الاخوة على أنكم تذكرونني في كل شيء،.

وتحفظون التعاليم كما سلمتها إليكم "[2].

إذ عالج الرسول بعض الأمور الخاصة بالتنظيمات الكنسية بدأ لا بالهجوم عليهم بسبب ما اتسمت به الكنيسة هناك من تشويش، وإنما قدم الجانب الإيجابي. إنه يمدحهم لأنه قد استقر الأمر عندهم أنه رسول صاحب سلطان، وأنهم يطلبون إرشاده في كل شيء في التنظيم الكنسي. هذا ما يقصده الرسول بقوله: "تذكرونني في كل شيء" [2]. إنهم يسألونه كصاحب سلطان رسولي ليرشدهم في التنظيم الكنسي.

واضح من هذه العبارة أن الرسول سلم إليهم أمورًا كثيرة شفاهًا أو عمليًا، وأنهم قد التزموا بها. وها هو يمدحهم لأجل اهتمامهم بحفظ ما تسلموه منه، حاثًا إياهم أن يتمثلوا به في المسيح يسوع. لا يترك الرسول فرصة تسنح له إلا ويمدح من يخدمهم، مؤمنًا بضرورة التشجيع.

في الإصحاح الخامس (5: 1) كتبوا إليه بخصوص القائد الذي أراد الزواج بامرأة أبيه كما سبق فرأينا. أما في هذا الإصحاح فواضح أنهم بعثوا إليه يطلبون مشورته في دور المرأة في الاجتماعات الكنسية العامة، خاصة في العبادة. فإن تمتعت بنوع من الإعلان أو الوحي، هل تقوم بدور قيادي في العبادة، وتنزع عنها الحجاب وتعلم الجمهور؟

أما الكلمة المترجمة بالعربية "تعاليم" فباليونانية paradoosseis وهي تعني "التقاليد"، فقد سلمهم الرسول أمورًا كثيرة، تمس العبادة الكنسية، شفاهًا أو بالتسليم العملي، وليس بالضرورة بالتعاليم المكتوبة، مثل ممارسة الافخارستيا وغيرها من التدابير الخاصة بالعبادة.

فإني أتمسك بالتعاليم الرسولية لكي أوجد في التقاليد غير المكتوبة. قيل: "فأمدحكم على أنكم تذكرونني في كل شيء، وتحفظون التعاليم كما سلمتها إليكم" [645].

القديس باسيليوس الكبير.

هكذا كانت شخصية بولس، فإنه حتى في الأمور الصغيرة يثير المديح السامي باستمرارٍ، لا للتملق، حاشا! لأنه كيف يمكن أن يفعل هذا من لا يطلب مالاً، ولا يرغب في مجدٍ، أو أي شيء مثل هذا؟ [646].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"ولكن أريد أن تعلموا أن رأس كل رجل هو المسيح،.

وأما رأس المرأة فهو الرجل،.

ورأس المسيح هو اللَّه "[3].

لم يقدم الرسول الاجابة مباشرة لكنه يدعوهم لدراسة الموقف والتعرف على بعض الحقائق التى منها يمكن أخذ القرار. وكأنه يود أن يؤكد أن النظام الكنسي لا يقوم علي قوانين جامدة نلتزم بطاعتها دون حوارٍ، بل أن نتعرف على المفاهيم الروحية واللاهوتية وراء كل قانون أو نظام. أنه يؤكد: "أريد أن تعلموا"، مقدمًا ثلاثة أنواع مختلفة من الرؤوس:

أولا: المسيح هو رأس الرجل.

لقد تنازل الكلمة وصار إنسانًا واحتل آخر صفوف البشرية. قَبِلَ أن يكون عبدًا مباعًا بثلاثين من فضة، يخونه تلميذه، لكي بالتواضع والحب الباذل يصير رأسًا ومدبرًا وقائدًا للإنسان. كان يمكنه أن يصدر أوامره من السماء ونلتزم بطاعته، لكن مسيحنا يقدم مفهومًا جديدًا للرئاسة، وهي رئاسة الالتزام والبذل للذات من أجل مرءوسيه المحبوبين لديه جدًا.

بقوله "رأس كل رجل" ربما يقصد كل مؤمن، أو أنه قدم حياته عن كل البشرية ليحتضن كل إنسان في العالم!

من يحتفظ بالمسيح فيه، يحفظ رأسه لأجل حمايته[647].

القديس أغسطينوس.

مادام المسيح هو رأس كل رجلٍ كقول الرسول، وبالمنطق أنه يعني الرجل المؤمن (لأنه لا يمكن أن يكون المسيح رأسًا لغير المؤمن). لهذا من يعتزل الايمان واهب الخلاص يصير بلا رأس مثل جليات، إذ يفقد رأسه الحقيقي بسيفه الذي ضرب به ضد الحق. عملنا لا أن نقطع الرأس بل أن نظهر لهم أنها مقطوعة[648].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص.

إنني أسأل: أي نوع من الإكليل خضع له يسوع المسيح من أجل خلاص الجنسين؟ أي إكليل له هذا الذي هو رأس الرجل ومجد المرأة وعريس الكنيسة؟ إنه إكليل من الأشواك والحسك[649].

العلامة ترتليان.

تألم الرأس في موضع الجمجمة. يا له من اسم عظيم نبوي! نفس الاسم يذكركم بأن تفكروا في المصلوب أنه ليس مجرد إنسان. إنه الرأس الذي له القوة[650].

القديس كيرلس الأورشليمي.

ثانيًا: الرجل رأس المرأة.

كثيرًا ما يعتمد بعض الرجال علي هذا الجزء من العبارة لالزام المرأة بالخضوع له. لكن الرسول سبق فقدم رئاسة المسيح للرجل كمثالٍ، فإن أراد الرجل أن يمارس رئاسته يلتزم أن يقتدي بمسيحه. ينزل بالحب الي قلب زوجته ويكرمها ويبذل ذاته من أجلها، فتشتهي هي أن تجد في رجلها الحماية لها، إذ تراه أهلاً لذلك، وأنه قادر علي ممارسة دوره. فرئاسة الرجل للزوجة هي حق تطالب به الزوجة، إذ تود أن ترى في رجلها القائد الباذل، المتواضع، وليس حقًا يطالب به الزوج لغرض السلطة والتحكم بلا حكمة وبدون حب!

هذا تحذير ألا يعتمد أحد على آخر. التي خُلقت معينة تحتاج إلى حماية الأقوى. بنفس المعنى "الرجل رأس المرأة" وبينما اعتقد أنه محتاج إلى معونة زوجته سقط بسببها. لهذا يليق ألا يضع أحد حياته في يد آخر، ما لم يختبر أولاً فضيلته. ولا يدّعي أحد أنه يقوم بدور الحماية لمن يظن أنه أقل منه في قوته، بل بالأحرى يلزمه أن يشاركه نعمته الخاصة مع الآخر. خاصة بالنسبة للشخص الذي في وضع القوة الأعظم ويمارس دور المدافع[651].

القديس أمبروسيوس.

ثالثًا: اللَّه الآب رأس المسيح.

قبل اللَّه الكلمة أن يصير وسيطًا لدي الآب عن البشرية؛ بإرادته صار إنسانًا وخضع لإرادة أبيه وهو واحد معه في الجوهر، ليتمم كل تدبير الخلاص في طاعة كاملة. وكما يقول الرسول: "مع كونه ابنًا تعلم الطاعة مما تألم به" (عب 5: 8). ففي دوره في الخلاص قام بدور الخاضع لطاعة أبيه حتى ينزع عنا طبيعة العصيان ونشاركه سمة الطاعة.

اللَّه (الآب) هو رأس المسيح إذ ولده، والمسيح هو رأس الرجل لأنه خلقه، والرجل رأس المرأة لأنها أُخذت من جنبه (تك21: 2 - 22). هكذا تعبير واحد له معانٍ كثيرةٍ حسب اختلاف الأشخاص والعلاقات بينهم[652].

أمبروسياستر.

تُستخدم كلمة "رأس" هنا بمعانٍ مختلفةٍ، وإلا تكون النتيجة خاطئة. المسافة بين المسيح والرجل أعظم بكثير منها بين رجل وامرأة، وبين المسيح واللَّه الآب من جانب آخر. فإن المسيح واللَّه متساويان في الجوهر لكن الخلاف في العلاقة، ونفس الأمر بين الرجل والمرأة. وأما بين اللَّه والمسيح الابن من جانب والرجل (والمرأة) من الجانب الآخر فالفارق عظيم للغاية في الجوهر والعلاقة[653].

كيف يقول: "ورأس المسيح هو اللَّه"؟ أقول أيضًا كما أننا نحن جسد واحد، هكذا المسيح والآب واحد. وبهذا يكون الأب هو رأسنا[654].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"كل رجل يصلي أو يتنبأ وله على رأسه شيء يشين رأسه" [4].

يقصد بكلمة "يتنبأ" هنا "يعلم" علانية أو فى الاجتماعات العامة، ليعلن مشيئة اللَّه وإرادته، أي الحديث مع الناس لأجل البنيان وتقديم إرشادات وراحة روحية (1 كو 14: 3). فبقوله: "يصلي أو يتنبأ" يعني أنه يقوم بعمل قيادي في العبادة الكنسية.

لا يليق بالرجل أن يعظ وقد وضع علي رأسه حجابًا أو قبعة، لأن كشف الرأس علامة الخضوع. فهو يعظ في حضرة المسيح الآب، خاضعًا لروحه القدوس. إذ يمثل القائد الروحي شخص السيد المسيح الذي أطاع الأب ويكرمه لذا يكشف رأسه عندما يبدأ في الخدمة التعبدية العامة. إلي يومنا هذا نجد بعض الأوربيين حين يحيون شخصًا يرفعون القبعة علامة التكريم.

"يشين رأسه"، أي يهين مسيحه؛ في كل العالم يكشف الرجل رأسه في حضرة من هو أعظم منه في الرتبة (كما في الجيش) أو المركز (أمام الامبراطور أو الرئيس أو أحد الأشراف).

ربما يتساءل البعض: لماذا يرتدي الكاهن (أو الشماس أو الأسقف) إكليلاً علي رأسه أثناء خدمة القداس الإلهي؟ جاء في الطقس القبطي أن الكاهن عند رفع البخور يكشف رأسه[655]. أما في أثناء القداس الإلهي يذكر المسيح ملك الملوك فإنه يضع تاجًا علي رأسه إذ يحتفل كما بعرس الملك السماوي وكنيسته الملكة السماوية. يشعر خدام المذبح أنهم في حضرته قد توّجوا ملوكًا روحيين، فهم يعتزون بما ينالونه من كرامة روحية خلال ذبيحة الصليب.

أما ارتداء الكاهن العمامة على رأسه في أثناء خدماته الأخرى ورعايته للشعب، فإن العمامة السوداء قد فرضها الحاكم بأمر اللَّه على المسيحيين والزرقاء علي اليهود كنوعٍ من السخرية بهم. لذا يرتديها الكاهن علامة قبوله عار المسيح بسرور!

اعتادت النساء الكورنثوسيات أن يصلين ويتنبأن برؤوس عارية، بينما الرجال الذين قضوا وقتًا طويلاً في الفلسفة يضعون على رؤوسهم أغطية أثناء الصلاة وقد أطالوا شعورهم، وكانت هذه هي عادة اليونانيين.

كان الرسول قد نصحهم في هذه الأمور قبلاً، يبدو أن البعض أصغوا إليه والآخرون لم يطيعوه. هنا يمتدح المطيعين قبل أن يتحدث عن تصحيح موقف الآخرين[656].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"وأما كل امرأة تصلي أو تتنبأ ورأسها غير مغطى فتشين رأسها،.

لأنها والمحلوقة شيء واحد بعينه "[5].

ماذا يعني التعبير "كل امرأة"، إلا كل امرأة من كل الأعمار ومن كل الرتب وفي كل الظروف؟ [657].

العلامة ترتليان.

كثيرا ما أُشير الى نبيات في الكتاب المقدس مثل مريم (خر 15: 20) ودبـورة (قض 4: 4) وخلدة (2 مل 22: 14) ونوعدية (نح 6 14) وحنة (لو 2: 36). وهكذا وُجدت في الكنيسة الأولى في عصر الرسل نساء نبيات يكشف اللَّه لهن إرادته ومصليات من أجل الآخرين.

كما قلت وجد رجال يتنبأون ونساء لهن هذه الموهبة في ذلك الحين مثل بنات فيلبس (أع 21: 9)، وآخرون قبلهن وبعدهن، عن هؤلاء قال النبي قديمًا: "يتنبأ بنوكم ويرى بناتكم رؤى" (يوئيل 2: 28؛ أع 2: 17) [658].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

كان لكنيسة كورنثوس وضعها الخاص، يبدو أن بعض النساء ادعين الوحي وتشبهن بالكاهنات الوثنيات اللواتي كن ينزعن الحجاب ولا يضعن غطاء على رؤوسهن وتظهر شعورهن بطريقة غير منظمة (منكوشة) علامة حلول الوحي عليهن. وقد عرفت هؤلاء الكاهنات بالفساد الأخلاقي والإباحية.

وكانت بعض النساء ذلك الحين لا يضعن غطاء للرأس بقصد لفت نظر الرجال. أراد الرسول أن يكون طابع النساء المسيحيات الوقار والاحتشام والتواضع، خاصة أثناء العبادة الجماعية. فمنعهن من كشف رؤوسهن أثناء النبوة أو الصلاة.

نزع الغطاء أيضًا بالنسبة للمرأة كان علامة عدم الخضوع وعدم تكريم الآخرين، خاصة الزوج أو الأب أو الرجال بوجه عام في الاجتماعات العامة.

يحسب الرسول هذا الاتجاه برفع غطاء الرأس إهانة للمرأة مثله مثل المحلوقة. فقد كان الشعر الطويل علامة جمال المرأة، أما المحلوقة فهي تسئ إلى جمالها بغية أن تبدو كمن في مركز الرجل، وهي بهذا تكشف عن عدم اعتزازها بجنسها كامرأة. كرامة كل جنس في اعتزاز الشخص بجنسه، فلا يتشامخ على الجنس الآخر، كما لا يحسده كمن هو أفضل منه.

يلاحظ هنا أن للمرأة دور قيادي بين النساء والعذارى، تقود الصلاة وتعظ (تتنبأ) ولكن برأس مغطاة. كانت العادة بين اليهود كما بين اليونانيين والرومانيين ألا تظهر سيدة علي مجتمع برأس مكشوفة وكانت عادة النساء اللواتي يفتحن بيوتا للشر أن يظهرن برؤوسهن مكشوفة.

كانت الزانيات والعاهرات يعاقبن بحلق رؤوسهن كأمر مشين لهن. حلق شعر الرأس يعني أنهن قد الحقن بالإساءة إلى رجالهن (إن كن متزوجات) الذين هم رؤوسهن، أو أنهن لا يستحققن أن يكون لهن أزواج كرؤوس مكرمة.

يخبرنا[659] Tacitus مع التعداد الضخم يندر جدًا وجود زانيات بين الألمان، وإن وجدت سيدة زانية تعاقب بحلق رأسها وكشف رأسها أمام أقاربها، ويقوم زوجها بطردها من البيت.

وبحسب الشريعة الموسوية إن أٌتهمت زوجة بالزنا تقف أمام الكاهن ويكشف رأسها (عد 5: 18).

أيضا كانت المرأة العبدة (الأمة) كثيرا ما يُحلق شعر رأسها. يروي Achilles Tacitus Clitophon عن Leucippe التي انحطت إلى العبودية أنها بيعت كعبدة وحلق شعرها ونزع الحلي من رأسها.

ومن عادة اليونانيين أن تحلق النساء شعورهن عند الحزن الشديد.

عند الهندوس تقص المرأة شعرها عند موت رجلها علامة ترملها، أما المتزوجة فلن تفعل ذلك إذ تحسب شعرها هو جمالها.

كما إذا ارتدت سيدة ثيابًا خليعة يحسب ذلك إهانة لزوجها حيث يشك في سلوكها، هكذا كان الحال فيمن تظهر برأسها مكشوفة[660].

كانت بعض النساء الكورنثوسيات مملوءات تشامخًا، فكن يتقدمن الصفوف في الكنيسة وتقوم بعضهن بالوعظ العام وترأسن الاجتماعات وهن مكشوفات الرأس، متمثلات بالكاهنات الوثنيات.

بالنسبة لها أيضا فإنه لكرامة عظمى أن تحفظ رتبتها، وأنه لعيب لها أن تسلك في تمرد[661].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

على أي الأحوال يأتي البعض إلى منتهى عدم اللياقة، إذ يكشفون الرأس ويسحبون خادماتهم من شعورهن. لماذا تحمر وجوهكم جميعًا؟ إني لا أوجه الحديث للجميع إنما للذين لهم هذا السلوك البهيمي. يقول بولس: "لتغطي المرأة (رأسها)، فهل تسحب منها غطاء رأسها؟ ألا ترى كيف أنك تهين نفسك؟ فإنها إن ظهرت أمامك برأس عارية تدعو ذلك إهانة لك[662].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"إذ المرأة إن كانت لا تتغطى، فلُيقص شعرها،.

وإن كان قبيحًا بالمرأة أن تقص أو تحلق فلتتغط "[6].

ليس أمام المرأة إلا أن تغطي شعرها أو تحلقه، فإن كشف الرأس في ذلك الحين يحمل ذات القبح لحلق الشعر. لهذا نجد عند موت Clytemnestra قامت أختها بقص اطرف شعر رأسها ولم تقص شعرها كله، لأن هذا أمر معيب.

يقدم الرسول للمرأة الخيار بين أن تغطي رأسها أو تحلق شعرها. فإن كان بحسب الطبيعة والعادة يُحسب حلق الشعر عارًا فيكون كشف الرأس على نفس المستوى.

أليس من المعيب أن تحلق الراهبة شعرها؟ كراهبة ترفض جمال الطبيعة بالنسبة لها، ولا تهتم بنظرة الناس إليها. إنها تحلق شعرها حتى لا تنشغل به، ولكي تتفرغ تمامًا للعبادة أو الخدمة قدر ما تستطيع.

تنال المرأة كرامة الرجل بترك رأسها مكشوفًا بل بالأحرى تفقد كرامتها. عارها ينبع عن رغبتها أن تتشبه بالرجل بتصرفاتها[663].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"فإن الرجل لا ينبغي أن يغطي رأسه لكونه صورة اللَّه ومجده،.

وأما المرأة فهي مجد الرجل "[7].

لا يرتدي الرجل غطاءً على رأسه أثناء العبادة الجماعية، علامة اعتزازه بالسلطة التى وهبه اللَّه إياها، فقد خلقه اللَّه علي مثاله ليكون صاحب سلطان علي الخليقة الأرضية، لا أن يكون في عبودية أو مذلة.

المرأة كعظمٍ من عظام رجلها ومن لحمه فإنها مجده وبهاؤه. فقد خُلقت المرأة أيضًا علي صورة اللَّه ومثاله (تك 1: 26 - 27)، لكنها إذ جاءت في الترتيب بعد الرجل في زمن الخليقة لزمها أن تمارس الخضوع علامة عدم الرغبة في الاستقلال عن رجلها، إذ أن الاثنين جسد واحد. خضوع المرأة ليس مذلة، لأنها مجد رجلها، بدونها كمن يفقد مجده.

هكذا يعتز الرجل بالرئاسة لا للتشامخ بل للالتزام بالمسئولية والحب العملي الباذل من أجل الأسرة. وتلتزم الزوجة بالخضوع لا بروح المذلة، وإنما بروح الوحدة والعمل معًا ليكون رجلها مفتخرًا بها كمجده وبهائه.

يبرز الرسول دور الرجل كوكيل اللَّه، فيظهر في العبادة الجماعية برأسٍ مكشوفة علامة شهادة لمجد اللَّه.

كما يهتم الرجل بالشهادة للَّه كصاحب سلطان، هكذا المرأة مجد الرجل، ففي بيتها تحمل السلطان وسط أسرتها وبين أولادها، فيفرح رجلها بعملها فيهم. المرأة مجد رجلها أو عاره، فإن اهتمت بتربية أولادها في مخافة الرب ومحبته مجدت رجلها أمام اللَّه والناس، وان أهملت في تربيتهم خذلته أمام السماء وعلي الأرض.

لا يستطيع حاكم أن يظهر أمام الملك دون أن يحمل علامات وظيفته. مثل هذا الشخص لن يجسر أن يقترب من العرش الملوكي بدون المنطقة العسكرية والثوب العسكري، هكذا بنفس الطريقة الإنسان الذي يقترب من عرش اللَّه يلزمه أن يرتدي علامات وظيفته، وهي هنا في هذه الحالة تتمثل في الرأس المكشوفة... لا تقفوا للصلاة أمام اللَّه لئلا تهينوا أنفسكم وتسيئوا إلى ذاك الذي كرمكم[664].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"لأن الرجل ليس من المرأة.

بل المرأة من الرجل "[8].

خُلقت المرأة من جنب الرجل (تك 2: 18، 22 - 23). لكنها ليست من صنع يديه، بل قام اللَّه بخلقتها، وكأن الرجل هو الحجاب الذي بين المرأة واللَّه فتلتزم المرأة بهذا الغطاء، أما الرجل فخلقه اللَّه مباشرة ولا يجوز له أن يرتدي حجابًا أو غطاءً للرأس.

"ولأن الرجل لم يُخلق من أجل المرأة،.

بل المرأة من أجل الرجل "[9].

لم يخلق الرجل من أجل المرأة، بل خُلقت المرأة لتكون معينة له (تك2: 18، 21 - 22)، فهي عروسه كما الكنيسة بالنسبة للمسيح. لم تُخلق لتكون له خادمة أو عبدة بل "معينة". لا لتكون خادمة لملذاته وشهواته بل لتكون سندًا له في الحياة. لا لتكون من طبيعة أدنى منه، بل من ذات طبيعته، صديقة له، تشاركه أفراحه وأحزانه.

خلقت المرأة لتكون له معينًا تسنده في الحق. هذا لا يقلل من كرامتها، فإنه محتاج إليها، يسير كلاهما معًا في طريق واحد!

"هذا ينبغي للمرأة أن يكون لها سلطان على رأسها.

من أجل الملائكة "[10].

حوار الرسول بخصوص خضوع المرأة ليس ليقلل من كرامتها بل ليحثها على السلوك بروح الخضوع والحياء وقبول ما تستلزمه الطبيعة والعادات من وضع غطاء للرأس، مما يعطيها كرامة ومجدًا.

يربط الرسول بين الكلمتين "الغطاء (الحجاب) والخضوع" إذ في العبرية متقاربان: radad radid.

"سلطان علي رأسها": يرى كثير من الدارسين أن كلمة "سلطان" هنا تعني "الحجاب".

ويرى البعض أن السلطان هو غطاء رئيسي مزين أحيانا باللآلئ وذلك كالذي كانت ملكات فارس يرتديهن علامة البهاء مع الخضوع للملك.

كانت النساء المتزوجات ترتدين إياه ويدعىkerchief bandalette أو tiara. بينما كانت الفتيات غير المتزوجات يرتدين قبعات صغيرة بدلا من الـtiara. دُعي هكذا لأنه كان يرتديه النساء المتزوجات وكان لهن سلطان علي الفتيات غير المتزوجات. غير أن الحديث هنا ليس للتمييز بين المتزوجات وغير المتزوجات بل عن النساء اللواتي يتنبأن ويصلين في اجتماعات كنسية عامة.

يرى البعض أن السلطان هو اسم لزينة نسائية كن يرتدين إياها علي رؤوسهن.

في كثير من الدول في ذلك الحين كانت النساء يرتدين غطاء علي الرأس ينزل حتى العينين.

إذ تضع المرأة غطاءً لرأسها إنما تحمل سلطانًا أو قوة أو مجدًا كمؤمنة خاضعة لرجلها في الرب.

من هم الملائكة الذين من أجلهم يرتدين النساء الغطاء علي رؤوسهن؟ ربما يقصد جماعة المتعبدين، إذ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنكم تقفون مع الملائكة، تسبحون وترنمون معهم فهل تضحكون؟].

يرى آخرون أن الملائكة هنا يُقصد بهم الملائكة الأشرار، أو الشياطين التي تحث الكل علي التمرد. إذ يتسلل بعض الأشرار إلي الاجتماعات الكنسية ليتطلعن إلى النساء اللواتي يتعبدن برؤوس مكشوفة.

ويرى آخرون إنها إشارة إلي خدام الكنيسة والعاملين فيها. ويرى آخرون أنه يقصد بالملائكة بالمعنى الحرفي، فإنهم إذ هم حاضرون في الكنيسة يشتركون معنا في العبادة فيجدون مسرتهم فينا كأبناء للَّه (جا 5: 6، 1 تي 5: 21). يتهللون ويفرحون بروح الورع والخضوع والحياء الذي يظهر علي النساء المتعبدات، فيقدمن هذا الروح كصلوات عملية أمام العرش الإلهي.

يرى البعض أن النذير يهتم بشعر رأسه فلا يلمسه موسى (عد 6: 5 - 7) علامة خضوعه للَّه وتكريس حياته له، هكذا المرأة إذ تغطي رأسها تعلن عن تكريس حياتها لبيتها وخضوعها لرجل لحساب أسرتها[665].

الحجاب يشير إلى القوة والملائكة هم الأساقفة[666].

أمبروسياستر.

يقول: إن كنت تستخفين برجلك فلتحترمي الملائكة. فالغطاء هو علامة الخضوع والسلطة. فإنه يحثها أن تتطلع إلى أسفل وتكون في حياء وحفظ الفضيلة اللائقة. فإن فضيلة الخاضع وكرامته هما في طاعته[667].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"غير أن الرجل ليس من دون المرأة،.

ولا المرأة من دون الرجل في الرب "[11].

إن كان من أجل سلامة تدبير أمور الأسرة تخضع الزوجة للزوج في الرب، وتحمل هي السلطان في البيت لتعلن كرامة رجلها يؤكد الرسول مساواتهما في الرب، واحتياج كل منهما للآخر.

كل من الرجل والمرأة في حاجة إلى بعضهما البعض، ليس لأحدهما أن يستخف بالآخر أو يتطلع اليه كأقلٍ منه. في المسيح يسوع كل منهما يحترم الآخر ويتعاون معه، إذ يتّحدان فيه ليحققا ذات الهدف الواحد.

يختفي الاثنان "في الرب" حيث يصيران عضوين في ذات الجسد، يعملان معًا خلال الرأس يسوع المسيح لأجل بنيان الكل.

"لأنه كما أن المرأة هي من الرجل.

هكذا الرجل أيضًا هو بالمرأة،.

ولكن جميع الأشياء هي من اللَّه "[12].

كما خُلقت المرأة من الرجل، يُولد الرجل من المرأة، فإن كليهما خليقة اللَّه (رو11: 18). كل يعتمد على الآخر، والاثنان يعتمدان علي خالقهما.

بهذه النظرة يراجع كل من الرجل والمرأة نظرتهما إلى الرئاسة والخضوع، فالرئاسة هي التزام وعمل وحب، والخضوع هو تعاون وحفظ لروح الوحدة.

خُلقت المرأة الأولى من جنب آدم، وخُلق الرجال أبناء آدم في رحم المرأة، ولكن الكل هم خليقة اللَّه. فالفضل في وجود كل البشرية يرجع إلى الخالق.

إذ يتحدث عن مجد الرجل، يقيم بولس الآن توازنًا هكذا، فلا يفتخر الرجل فوق الحد اللائق، ولا يُضغط على المرأة. ففي الرب المرأة ليست مستقلة عن الرجل، ولا الرجل مستقل عن المرأة. إن كنت تسأل من الذي جاء بعد الآخر، فإن كل منهما هو علة الآخر، أو بالأحرى ليس كل من الآخر بل اللَّه هو علة الكل[668].

أي سمو للرجل إنما يرجع بالكامل إلى اللَّه. لذلك وجب علينا طاعته وعدم الشكوى[669].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

يضيف بولس أن كل الأشياء هي من اللَّه، حتى لا تصاب المرأة بإحباط من أجل اعتمادها على الرجل، ولا يتكبر الرجل من أجل وضعه كمسئولٍ[670].

أمبروسياستر.

بخصوص الجنسين: الذكر والأنثى، ماذا يقول ابن الهلاك (ماني)؟ إن الجنسين ليسا من اللَّه بل من الشيطان. وماذا يقول الإناء المختار (بولس) عن هذا؟ "كما أن المرأة من الرجل، هكذا الرجل بالمرأة، ولكن الكل من اللَّه". ماذا يقول الشيطان خلال أفواه أتباع ماني عن الجسد؟ أنه مادة شريرة، خليقة ليست من اللَّه بل من العدو[671].

القديس أغسطينوس.

"احكموا في أنفسكم:

هل يليق بالمرأة أن تصلي إلى اللَّه وهي غير مغطاة؟ "[13].

يسألهم أن يرجعوا إلى الطبيعة نفسها ليتأملوا ويحكموا بما هو لائق بها بروح الرقة والحكمة. بالطبيعة كانت المرأة اليونانية، فيما عدا الكاهنات، تظهر في المجتمع ورأسها مغطاة.

يحَّكم الرسول بولس عقولهن متسائلاً: أليس من الكرامة لهن واللياقة ألا يقتدين بالكاهنات الوثنيات اللواتي كن يكشف رؤوسهن عند الصلاة الجماعية أو تقديم خطب أو عظات للجماهير.

لا يؤخذ هذا النص علي أن النساء كن يقمن بقيادة المتعبدين في الصلاة أو الوعظ، إنما متي وجدت نساء لهن مواهب خاصة مثل حنة النبية وبريسكلا (أع 2: 18) يلزمهن تغطية رؤوسهن في الكنيسة، أما الوضع العام فهو التزام السيدات بالصمت (1 كو 14: 34 - 35، 1 تي 2: 11 - 12).

هذا هو تقليد الكنيسة، وإذ تجاهله الكورنثوسيون التجأ بولس إلى الطبيعة[672].

أمبروسياستر.

اعتاد بولس أن يشير إلى الواقع اليومي لكي يجعل سامعيه في خزى. بعد كل هذا إن كان البرابرة يعرفون هذه الأمور فأي خطأ في هذا؟ ألم يروا ما هو حق؟ [673].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"أم ليست الطبيعة نفسها تعلمكم.

أن الرجل إن كان يرخي شعره فهو عيب له "[14].

وهبت الطبيعة المرأة، أكثر من الرجل، الشعر الطويل لمجدها وجمالها، لذا فبالطبيعة يقص الرجل شعره ولا يغطيه، أما المرأة فتغطيه كمن تحفظ جمالها.

عرف رجال أخائية التي تتبعها كورنثوس بأن رجالها يمتازون بشعر رؤوسهم الطويل، وقد دعاهم هوميروس Homer "اليونانيون ذوو الشعر الطويل" أو الآخائيون Achaeans.

بالنسبة لليهود كان النذيرون وحدهم يتركون شعر رؤوسهم دون حلقه بموسي، وذلك علامة تكريسه بالكامل للَّه (عد 6: 5؛ قض 13: 5؛ 16: 17ح 2 صم 14: 26؛ أع 18: 18) والتواضع، وعدم الانشغال بالمظهر الخارجي مع تكريس كل الوقت لخدمة اللَّه.

يوجد عمل لائق بالرجل، وآخر بالمرأة... إنه ليس بالأمر الهيّن أن يتشبه الرجل بالمرأة[674].

القديس أمبروسيوس.

هذا ينسجم مع ما جاء في لاويين 27: 19 حيث يُمنع الرجل من إطالة شعره[675].

أمبروسياستر.

"وأما المرأة إن كانت ترخي شعرها فهو مجد لها،.

لأن الشعر قد أعطي لها عوض برقع "[15].

إذ وُهبت المرأة بالطبيعة شعرًا طويلاً يلزم للإرادة البشرية أن تتناغم مع الطبيعة فتغطي هذا الشعر كمن تحفظ جمالها.

كانت النساء في الشرق ينشغلن بإطالة شعورهن علامة مجدهن، وعلى العكس كان الرجال يقوموا بقص شعورهم حتى لا يُتهموا بالأنوثة والعار.

علي سبيل المثال إذ تقدم بطليموس أرجيتيس Ptolemy Eurgetes ملك مصر لمحاربة سليقوسSeleucus Callinicus نذرت زوجته الملكة أن تقدم أثمن ذبيحة وهي أن تقص شعرها وتقدمه قربانًا إن رجع الملك سالمًا. ويقول هارمر Harmer: "تعرف السيدات الشرقيات بطول جدائل شعورهن وكثرتها. وعلي العكس شعر الرجال قصير جدًا.".

تتحدث السيدة M. W. Montagueعن شعر النساء: "شعورهن يتدلى خلفهن بطولهن في جدائل مرصعة باللآلئ بكمية ضخمة. لم أرَ في حياتى رؤوس جميلة هكذا بالشعر، فإننى أحصيت عدد جدائل سيدة فوجدتها مائة وعشرة من الجدائل، كلها طبيعية، ولكن يلزم الاعتراف هنا بأن كل نوع من الجمال نجده شائعًا هنا أكثر من عندنا (في الغرب)".

يتفق Chardinمع عادة الشرق فيقول: "يحلق الرجال رؤوسهم، بينما تهتم النساء بشعورهن بشغف عظيم، لأجل إطالته، وجدله مع الحرير حتى يبلغ إلي العقبين. الشبان الذين يطيلون شعورهم في الشرق يُنظر اليهم كمن هم مخنثين وذات سمعة رديئة".

"ولكن إن كان أحد يظهر أنه يحب الخصام،.

فليس لنا نحن عادة مثل هذه،.

ولا لكنائس اللَّه "[16].

هذه الأمور لا تدفعنا إلى الخصام، فإنه ليس لدى الرسول بولس ولا اخوته الرسل من الوقت لإضاعته في المجادلات الغبية. فالخادم الحقيقي، بل والمسيحي الحريص على خلاص نفسه وبنيان الآخرين لا يشغل نفسه بالمجادلات، فإنها مضيعة للوقت، ومفسدة لسلام الإنسان الداخلي وانشغاله بالأمور البنّاءة.

بقوله: "ليس لنا عادة مثل هذه ولا لكنائس اللَّه" يشير الى عدم وجود أثر في كنائس اللَّه لظهور النساء في الاجتماعات الكنسية بدون غطاء الرأس.

إن كان أهل كورنثوس قد خاصموا، فالآن العالم كله قد قبل هذا القانون وخضع له. يا لعظمة قوة المصلوب! [676].

معارضة هذا التعليم هو ثورة غير عاقلة. يمكن لأهل كورنثوس أن يعترضوا، لكنهم إن فعلوا هذا فإنهم يضادّون ما هو متبع في الكنيسة الجامعة[677].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

2 - ولائم الأغابي الكنيسة.

"ولكنني إذ أوصي بهذا.

لست أمدح كونكم تجتمعون ليس للأفضل بل للأردأ "[17].

يعلن الرسول بولس أنهم يجتمعون للعبادة، لكن ليس لأجل بنيانهم وتقدمهم وإنما للانحدار إلى أسوأ. إنه يود أن يمدحهم لكنه لا يقدر، إذ لا تتسم اجتماعاتهم بالعبادة الحقة التى تحمل التناغم والوحدة والحب والتقوى. إنما علي العكس اجتماعاتهم تثمر شرورا: من جهة توجد انقسامات وخصام، ومن جهة أخرى إفساد لمائدة الرب.

يدرك الرسول بولس أن كثيرين في معالجتهم لبعض الأمور مثل غطاء الرأس بالنسبة للرجل أو المرأة يحبون الحوار والنزاع لكن ما يشغل قلب المؤمن هو التصاقه بالرب واهتمامه بالشركة معه، فلا يميل إلي المجادلات الغبية التي تسبب خصومات وانشقاقات. وقت المؤمن أثمن من أن يشغله بهذه الأمور، إنما في محبة يسلك بما يعطي سلامًا للنفوس، وبنيانًا لكنيسة اللَّه.

"لأني أولاً حين تجتمعون في الكنيسة.

اسمع أن بينكم انشقاقات.

وأصدق بعض التصديق "[18].

إن أول ما أود الاشارة إليه لخطورته هو ما يسمعه عنهم من وجود انشقاقات يلومهم عليها. سمع ذلك من عائلة خلوي (1 كو1: 11)، وكان يود ألا يصدق ذلك لكن لديه من الدلائل على أن يسمعه يحدث حقيقة، وربما ما ورد إليه كان مبالغًا فيه … لكن لا يستطيعوا أن ينكروا وجود الانشقاقات.

أدرك بولس أن أهل كورنثوس بدلاً من نموّهم في الالتصاق باللَّه، إذ بهم يسقطون في عادات العالم، لهذا فهم في حاجة أن يوبّخهم حتى يعودوا إلى حالتهم السابقة[678].

يخفف بولس من نقده بقوله أن يعتقد جزئيًا أنه قد أُخبر (عن انشقاقاتهم) إذ يود أن يشجعهم أن يعودوا إلى الأعمال الحقة[679].

بقوله "أصدق بعض التصديق" [18] يثيرهم ويدعوهم إلى تصحيح الموقف[680].

عندما يقول: "أسمع أن بينكم إنشقاقات" لا تتعجبوا. فكما قلت أنه يريد أن يثيرهم بهذا التعبير. عندمما كان بينهم انشقاقات في التعليم لم يتحدث معهم في هذا الأمر برقة. اسمعه كمثال عندما تحدث في مثل هذا الأمر كيف كان بحدة يعلن عن الأمر ويوبخهم. كقوله: "ولكن إن بشركم ملاك من السماء بغير ما بشرناكم فليكن أناثيما" (غلا 1: 8)، وبالتوبيخ كما يقول: "من يتبرر فيكم بالناموس، سقطتم من النعمة: (غلا 5: 4)، مرة أخرى يدعوا المفسدين كلابًا، قائلا:" احذروا الكلاب "(في 3: 2) وفي موضع آخر:" موسومة ضمائركم بحديد ساخن "(ا تي4: 2). وأيضًا:" ملائكة ابليس "(2 كو 11: 14ـ15)؛ أما هنا فلا يذكر شيئًا من هذا بل ينطق بلطفٍ وبنغمةٍ هادئةٍ[681].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"لأنه لابد أن يكون بينكم بدع أيضًا،.

ليكون المزكون ظاهرين بينكم "[19].

يرى البعض أن كلمة "بدع" أو "هرطقات" هنا لا تعنى انحرافات عقيدية وإنما انشقاقات وانقسامات. لا بد من قيام المنشقين (مت 18: 7، 2 بط 2: 1؛ 2: 2) لأن عدو الخير لا يهدأ، وفي نفس الوقت فإن هذه الانشقاقات تفرز وتزكي المحبين للوحدة والوفاق والسلام. وكأنه يقول لهم مع وجود أناس محبين للانشقاق يتزكي بالأكثر من هم بينكم محبون للوحدة ويعملون من أجل سلام الكنيسة وبنيانها.

تعبير "لابد" لا يعني أن الانشقاقات ضرورية في الكنائس المسيحية، لكن كحقيقة واقعة فإن الحرب قائمة مادمنا في هذا العالم وعدو الخير لا يهدأ، بل ينحني له من يتبعونه ليعمل خلالهم لتحطيم وحدة الكنيسة.

تحدث هذه الانقسامات لعدة عوامل منها: حب بعض المعلمين للسلطة والتمتع بالشعبية؛ وانشغال الشعب بالمعلمين أكثر من السيد المسيح مخلصهم (1 كو 1: 12)، والمبالغة في التفسير لآية أو مجموعة من الآيات في الكتاب المقدس دون التمسك بروح الكتاب، وغيرة الشعب غير المستنيرة مع الكبرياء والغطرسة.

"ليكون المزكون ظاهرين بينكم"، المزكون أو الذين يُحسبون أصدقاء حقيقيين للَّه، ثابتون في وصاياه، ومتممون لإرادته الإلهية.

مهما نال أصحاب الانشقاقات والبدع من شعبية لن يتزكوا، فلا يُحسبوا أصدقاء الحق، إذ لا يخضعون للتدبير المملوء حكمة والنابع عن الحب الحقيقي.

بهذا فإن المؤمنين يتزكون وغير الأمناء يُعاقبون[682].

الشهيد كبريانوس.

إذ يتحدث عن الانقسامات ليس في ذهن بولس تعاليم هرطوقية وإن كان هذا ينطبق أيضًا عليهم. المسيح نفسه قال أن العثرات لابد أن تأتي (مت 7: 18) وهو بهذا لا يحطم حرية الإنسان، ولا يصدر أمرًا ملزمًا أو ضرورة يلتزم بها الجنس البشري، إنما يسبق فيخبر عن النتيجة الحتمية للشر في ذهن الإنسان. لم تأتِ الانشقاقات لأن المسيح سبق فأخبر عنها، وإنما هو سبق فأخبر عنها لأنها بالضرورة حدثت[683].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

لا يتحدث بولس هنا عن أخطاء تعليمية بل عن فشل أخلاقي.

سفيريان أسقف جبالة.

"فحين تجتمعون معًا.

ليس هو لأكل عشاء الرب "[20].

كأنه يقول لهم: "حقًا إنكم تجتمعون معًا في الكنيسة لكي تشتركوا في العشاء الرباني، لكن هذا لن يتحقق. من الظاهر تشتركون، لكن بسبب الطمع [21] والأنانية وروح الانفصال حيث لا يشترك الكل معًا، فأنتم حقيقة لا تأكلون عشاء الرب، لأنه عشاء الحب والوحدة لا الأنانية والانشقاق والعزلة.

دعني أضيف أنه من الخطأ أن نفترض أنه كانت هناك عادة منتشرة في أماكن كثيرة خاصة بتقديم الذبيحة بعد الشركة في الطعام، معتمدين على الكلمات "هكذا بعد العشاء الخ.، لأن الرب يدعو ذلك" عشاء "لما تناولوه، وذلك بشركتهم في جسده، حتى أنهم بعد هذا اشتركوا في الكأس، كقول الرسول في موضع آخر:" فحين تجتمعون معًا ليس هو لأكل عشاء الرب "[20] معطيًا تناول الإفخارستيا الاسم" عشاء الرب "[684].

القديس أغسطينوس.

"لأن كل واحد يسبق فيأخذ عشاء نفسه في الآكل،.

فالواحد يجوع والآخر يسكر "[21].

يقول: "يسبق"، لأن الأغنياء كانوا يسبقون الفقراء، فأساءوا إلى "عشاء الرب".

ربما يشير هنا لا إلي شركة التناول بل الي وجبات المحبة التى تلحق بالتناول، فإن كان الكل يشترك في التناول لكنهم يفسدون عبادتهم بتصرفاتهم في ولائم المحبة، حيث كان الأغنياء يأكلون بِنهمٍ ويسكرون بينما يتركون الفقراء جائعين.

كان كل واحد يهتم بنفسه، فيأكل مما أحضره معه، عوض أن يأكل الجميع معًا بروح الشركة والحب.

كان أغلب الشعب من الوثنيين الذين قبلوا الايمان حديثًا لهذا كانوا يجهلون طبيعة الايمان المسيحي في كل جوانبه. ولعلهم ظنوا في ولائم المحبة أنها كولائم الهياكل التى جاءوا منها فسلكوا بدون محبة وتواضع وحكمة مسيحية.

هنا يلزمنا أن ندرك أن الذين يقبلون الايمان لا يصيروا كاملين، بل هم في حاجة إلى إرشاد مستمر ليختبروا الحياة الجديدة في المسيح يسوع، ويسلكوا طريق الكمال.

بقوله "عشاء الرب" يعبر بهذا عن العيد الجماعي. وكأنه يقول: "إن كان هذا هو عشاء سيدكم، كما هو بالتأكيد هكذا يلزم ألا تسحبوا هذا كأنه عشاء خاص، وإنما إذ هو ينتسب إلى ربكم وسيدكم فليُقدم أمام الكل كعملٍ عامٍ[685].

إنه لم يقل: "واحد يجوع والآخر يشبع" بل "يسكر". الآن كل تعبير من هذا في ذاته يستحق التوبيخ، فإن السكر خطأ حتى ولو كان بدون احتقار الفقير، واحتقار الفقير حتى بدون السكر هو اتهام. فإذا اجتمع الاثنان معًا (السكر مع احتقار الفقير) في وقت واحد، تأمل مدى خطورة المعصية! [686].

يهين الكورنثوسيون أنفسهم بتحويل مائدة الرب إلى وجبة عادية وهكذا يحرمونها من قوتها العظمى. يليق أن يكون العشاء الرباني عامًا للجميع، لأنه خاص بالسيد الذي لا ينتمي ما له لخادمٍ أو آخر بل يلزم أن يشترك الكل فيها[687].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

إن كان شخص ما غنيًا ويأكل بغير ضابط أو كان غير قادرٍ على الشبع، فإنه يهين نفسه بطريقة خاصة ويخطئ من جانبين: أولاً أنه يزيد الثقل على الذين ليس لديهم ما يقدمونه، وثانيًا يضع مبالغته مكشوفة أمام الذين لديهم[688].

القديس إكليمنضس السكندري.

"أفليس لكم بيوت لتأكلوا فيها وتشربوا؟

أم تستهينون بكنيسة اللَّه وتخجلون الذين ليس لهم؟

ماذا أقول لكم: أأمدحكم على هذا؟

لست أمدحكم "[22].

يود الرسول بولس ألا تُقام هذه الولائم في الكنائس عن أن تُقام بهذه الصورة الخاطئة. فمن الأفضل أن يرجعوا إلى بيوتهم ويأكلوا من أن يمارسوا هذه الأنانية ويسلكوا بهذا الكبرياء داخل الكنيسة. هنا يوبخهم الرسول بلهجة قاسية لأنهم يهينون كنيسة اللَّه، ويخجلون الفقراء الذين ليس لهم طعام يأكلونه وسط الفقراء. معاملاتهم مع الفقراء مخزية ومخجلة للغاية، خاصة في كنيسة اللَّه، حيث كان يجب أن يسود الحب والمساواة بين الجميع.

انظروا كيف يتحول من الاتهام بالاستخفاف بالفقير إلى الكنيسة، حتى تكون لكلماته أثرًا أعمق وأقوى؟ ها أنتم ترون أنه يقدم اتهامًا رابعًا عندما لا يُساء إلى الفقير فقط بل والى الكنيسة أيضا[689].

إذ أشار إلى شرور عظيمة: اهانة للعشاء، إهانة للكنيسة، استخفاف عملي بالفقراء، عاد يهدئ من نعمة التوبيخ فيقول فجأة: "أأمدحكم؟ على هذا لست أمدحكم" [690].

يقول: "سيدكم يحسب الكل أهلاً لذات المائدة بالرغم من كونها مهوبة جدًا ومكرمة للغاية من الكل، لكنكم أنتم تحسبونهم غير مستحقين حتى لمائدتكم الصغيرة المتواضعة كما نراها، وبالرغم من أنهم لا يطلبون نفعًا منكم في الأمور الروحية تسلبونهم في الزمنيات، فإنه هذه الأمور ليست هي ملككم" [691].

يوبخنا قائلا: "سيدكم سلم نفسه من أجلكم، وأنتم لا تشاركون حتى بطعامٍ قليلٍ مع أخيكم لأجل أنفسكم" [692].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

3 - التناول من الأفخارستيا.

"لأنني تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضًا،.

أن الرب يسوع في الليلة التي أسلم فيها.

أخذ خبزا "[23].

إذ أراد أن يحذرهم من أن يكونوا "مجرمين" في جسد الرب ودمه لم يستخدم أسلوبًا عنيفا ولا لغة قاسية في التوبيخ بل بكل هدوء ذكرهم بقصة تأسيس السرّ علي يدي السيد المسيح نفسه.

لكي يكون لحديثه أثره عليهم عاد بذاكرتهم إلي تأسيس سرّ الافخارستيا ليروا ويراجعوا كيف أسسه السيد المسيح باذلاً ذاته عن كل البشرية حتى يشاركوه هذا البذل فلا يُحسبون مجرمين في جسد الرب ودمه.

"لأننى تسلمت من الرب": لم يكن شاول الطرسوسي مع التلاميذ حين أسس السيد المسيح سرّ الافخارستيا؛ لكنه يقول "تسلمت من الرب". ربما كان ذلك خلال أحد إعلانات الرب المتكررة له (2 كو 12: 7). تسلم السرّ لا من التلاميذ بل من الرب مباشرة. واعتبر البعض أن الرسول بولس تسلم هذا السرّ خلال الكنيسة، فحسب ذلك كأنه من الرب مباشرة، وقام بتأسيسه في كورنثوس لكونه أول كارزٍ فيها ومؤسسها.

في ذات الليلة التي خانه فيها تلميذه وسلمه للذبح (مت 26: 23 - 25، 48 - 50) قدم السيد أعظم عطاياه لخاصته وهو جسد الرب ودمه المبذولين عن حياة العالم كله. كانت لحظات تسليم السرّ رهيبة للغاية، وهي لحظات تسليم الرب للموت بيد أحد تلاميذه الأخصاء الذي سلمه الصندوق وبعثه للكرازة باسمه.

كيف يقول: "لأنني تسلمت من الرب" مع أنه لم يكن حاضرا في ذلك الوقت، إنما كان واحدًا من المضطهدين. قال هذا لكي تعرف أن المائدة الأولى لا تزيد عن تلك التي جاءت بعد ذلك. فإنها حتى اليوم الذي يفعلها (السيد المسيح نفسه) ويسلمها كما فعل في ذلك الحين[693].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"وشكر فكسر وقال:

خذوا كلوا هذا هو جسدي المكسور لأجلكم،.

اصنعوا هذا لذكري "[24].

أخذ السيد المسيح خبزًا وشكر وقسّم. هكذا تسلم الرسول وهكذا سلّم الكنيسة في كورنثوس، فإنه يلزم إقامة السرّ كما قدّمه السيد نفسه تمامًا. لأن خادم السّر الخفي هو المخلص نفسه القادر وحده أن يقول: "هذا هو جسدي، هذا هو دمي".

"جسدي المكسور"، هذا البذل تحقق على الصليب، لكنه عمل دائم، نتمتع في السرّ بعمل الصليب الذي لن يقدم مع الزمن بل هو حاضر في كنيسته للتمتع بالخلاص.

حيث أن المسيح من جانبه قدم للجميع بالتساوي قائلاً: "خذوا كلوا". قدم جسده بالتساوي، ولكن أنتم ألا تعطون حتى الخبز بغير تمييز بينهم بينما الجسد متساوي للكل[694].

ماذا تقولون؟ هل تتذكرون المسيح وتحتقرون الفقير ولا ترتعبون؟ [695].

لنصغِ إلى هذه الكلمات نحن جميعًا، فإذ كثيرون هنا يقتربون مع الفقراء إلى هذه المائدة المقدسة، ولكن عندما نخرج نبدو كأننا لم ننظرهم، بل نكون سكرى ونحتقر الفقراء، الأمور التي أُتهم بها أهل كورنثوس[696].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

أتريد أن تعرف كيف تتقدس بالكلمات السماوية؟ أقبل الكلمات. ما هي؟ يقول الكاهن: "تمم لنا هذا القربان المكتوب والمعقول والمقبول الذي هو مثال جسد ربنا يسوع المسيح ودمه".. قبل التقديس هو خبز، وبعد إضافة كلمات المسيح يكون جسد المسيح...

قبل كلمات المسيح الكأس مملوءة خمرًا وماءً. وعندما تضاف كلمات المسيح يكون الدم الفعال الذي خلص الشعب[697].

القديس أمبروسيوس.

تعلم الطوباوي بولس في ذاته فيه الكفاية ليعطي ضمانًا كاملاً للأسرار الإلهية، بأن تصير جسدًا واحدًا ودمًا واحدًا مع المسيح...

تحدث السيد نفسه بوضوح عن الخبز: "هذا هو جسدي" فهل يتجاسر أحد ويشك؟ إن كان هو نفسه ضماننا يقول: "هذا هو دمي" من يتذبذب ويقول أنه ليس بدمه؟... بثقة كاملة نحن نشترك في جسد المسيح ودمه[698].

القديس كيرلس الأورشليمي.

يذكرنا بولس بأن السيد قد سلم كل شيء بما فيه نفسه من أجلنا، بينما نحن نمتنع عن المساهمة في قليلٍ من الطعام مع زملائنا المؤمنين. لكن إن جئت إلى ذبيحة الشكر فلا تفعل شيئًا لا يليق بها. لا تهين اخوتك ولا تتجاهلهم في جوعهم، لا تسكر، ولا تسيء إلى الكنيسة. عندما تأتي أشكر من أجل ما قد تمتعت به، ولا تقطع نفسك عن أقربائك[699].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"كذلك الكأس أيضًا بعدما تعشوا قائلاً:

هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي،.

اصنعوا هذا كلما شربتم لذكري "[25].

بعد ما تعشوا، أي تناولوا طعام الفصح القديم، الذي كان رمزًا للفصح الجديد تمتعوا بما هو حق. قدم لهم دمه للعهد الجديد حيث ختم العهد مع البشرية لا بدم بحيوانات بل بدمه.

لماذا يشير بولس إلى الكأس أنها للعهد الجديد؟ لأنه كانت توجد أيضًا كأس العهد القديم التي توحي بسفك دماء حيوانات كذبائح. فإنه بعد تقديم الذبائح كان الكهنة يضعون الدماء في كأسٍ وأوانٍ ويسكبونه (لا 5: 4 - 7، 16 - 18، 25، 34، 30). وأما الآن فعوض دم الحيوانات قدّم المسيح دمه[700].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

الأشياء القديمة عبرت وصارت جديدة في المسيح، فحل مذبح موضع مذبح، سيف لسيف، ونار لنار، وخبز لخبز، وذبيحة لذبيحة، ودم لدم[701].

القديس أغسطينوس.

"فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز،.

وشربتم هذه الكأس،.

تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء "[26].

بقوله: "تخبرون بموت الرب الى أن يجئ" يكشف عن الفكر الإنقضائي في حياة الكنيسة. فعمل الكنيسة الرئيسى هو شركة السيد المسيح في موته وترقبها المستمر لمجيئه الأخير لتشاركه مجده وتراه وجهًا لوجهٍ.

نتمتع به هنا بتناولنا جسده ودمه، أما عند مجيئه فيحملنا الى حضن أبيه، ونوجد شركاء مع المسيح في مجده، فنحقق مسرته ومسرة أبيه والروح القدس.

كلما قبلناه (بالتناول) نعلن موت الرب. بالموت نعلن غفران الخطايا. إن كان سفك الدم من أجل غفران الخطايا، فيليق بي دائمًا أن أقبله لكي يغفر دومًا خطاياي.

أنا الخاطي على الدوام أحتاج دومًا إلى علاج[702].

القديس أمبروسيوس.

يظهر بولس أن عشاء الرب ليس وجبة طعام بالمعنى العام، بل هو علاج روحى يُطهر من يتناوله إن اشترك فيه بوقار. إنه ذكرى خلاصنا، فإننا إذ نذكر فادينا يلزمنا أن نتبعه ملتصقين به[703].

أمبروسياستر.

إذ نعلن الموت حسب الجسد لابن اللَّه الوحيد، أي يسوع المسيح، ونعترف بقيامته من الأموات وصعوده إلى السماوات نحتفل بالذبيحة غير الدموية في الكنائس. هكذا نقترب من البركات الروحية ونصير قديسين، شركاء في الجسد المقدس والدم الثمين للمسيح مخلصنا جميعًا[704].

القديس كيرلس الكبير.

"إذا أي من آكل هذا الخبز،.

أو شرب كأس الرب بدون استحقاق،.

يكون مجرمُا في جسد الرب ودمه "[27].

بقوله: "بدون استحقاق" يشير الرسول الي عدم تأهلهم للتناول من هذا السرَ. فإنهم إذ كانوا نهمين أنانيين لا يبالون بالفقراء يجرمون في حق جسد الرب ودمه. كمن يرتكب جريمة ضد جسد الرب ودمه.

كيف نتأهل للتناول؟ إن كان السيد المسيح بحبه مات عن كل البشرية، فإن التأهل لتناول جسده ودمه المبذولين يكون بانفتاح أبواب القلب بروح اللَّه لمحبة كل البشرية والاشتياق الي خلاصهم.

لماذا هكذا؟ إنه بسبب أن الذي يهين العشاء يشبه كاهنًا يسكب الدم، فيجعل من الموت ذبحًا لا ذبيحة. يكون مثل أولئك الذين ضربوا يسوع بالحربة على الصليب (يو 43: 19). لا يفعلون ذلك ليشربوا دمه بل ليسفكوه. الشخص الذي يتقدم للعشاء بغير استحقاق يفعل هذا الأمر عينه ولا ينتفع شيئًا منه[705].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

ماذا يعني تناوله غير استحقاق؟ أن يتناول باستخفاف واستهانة[706].

القديس أغسطينوس.

"ولكن ليمتحن الإنسان نفسه،.

وهكذا يأكل من الخبز.

ويشرب من الكأس "[28].

لما كانت هذه الجريمة خطيرة للغاية وعظمى لذا وجب أن يمتحن الانسان نفسه، ويختبر أعماقه هل اتسعت بالحب نحو الآخرين.

اختبار الإنسان نفسه لا يتحقق بأن يبقى الإنسان بعيدًا، فيحرم نفسه من هذه العطية العظمى. وإنما بالتوبة والرغبة الصادقة للحياة الجديدة المقدسة في الرب واتساع القلب حتى للمقاومين يتمتع بالشركة في جسد الرب ودمه.

يمتحن الانسان نفسه لأنه لا يعرف أعماق الانسان إلا الانسان، فهو عارف بأفكاره ونياته ومشاعره كما بكلماته وسلوكه الخفي والظاهر.

الاقتراب الى المائدة خطير، فهو اقتراب الى الرب نفسه وقبول الاتحاد معه والتمتع بجسده ودمه.

"ولكن ليمتحن الإنسان نفسه" (1 كو 11: 28)، ويقول في الرسالة الثانية: "جربوا أنفسكم... امتحنوا أنفسكم" (2 كو 13: 5)، ليس كما نفعل الآن حيث نقترب لمجرد حلول الموسم أكثر من غيرة العقل. فإننا لا نهتم كيف نستعد للاقتراب بنزع الشرور التي في داخلنا ونقدم ندامة كاملة، وإنما كيف نأتي في الأعياد حيث الكل يفعل هكذا. لكن لم يأمرنا بولس أن نفعل ذلك، هذا الذي يعرف موسمًا واحدًا للاقتراب من السرّ والشركة وهو نقاوة ضمير الإنسان[707].

ألاحظ أن كثيرين قليلاً ما يشتركون في جسد المسيح، ويحدث أنهم يتناولون كعادة وشكل دون تفكير وفهم. عندما يقول إنسان بأن موسم الصوم الكبير المقدس قد حلّ، فيتناول الإنسان مهما كان حاله، أو عندما يحل يوم عماد الرب (الأيبافانيا). إنه ليس عند الغطاس ولا الصوم الكبير يجعل الزمن مناسبًا للاقتراب من الأسرار، وإنما الاخلاص وطهارة النفس. بهما نقترب في كل الأزمنة، وبدونهما لن يتحقق القول: "كلما فعلتم هذا تخبرون بموت الرب" [26]، أي تتذكرون الخلاص الذي تم من أجلكم، وللمنافع التي مُنحنا إياها اذكروا أولئك الذين اشتركوا في ذبائح العهد القديم كيف كانوا يمارسون نوعًا من التقشف العظيم؟ أي الأمور كانوا يمتنعون عن السلوك بها؟... كانوا دائمًا يطهرون أنفسهم. فهل وأنتم تقتربون إلى ذبيحةٍ ترتعب أمامها الملائكة تقيسون الأمر بمقاييس المواسم؟ كيف تقفون أمام كرسي حكم المسيح، وأنتم تأخذون جسده بأيدٍ دنسةٍ وشفاهٍ نجسةٍ؟ إنكم لا تتجاسروا وتَّقبلوا الملك بفمٍ غير طاهر، فهل تقَّبلون ملك السماء بنفسٍ دنسةٍ؟ هذا إهانة له[708].

لا يوجد زمن محدد لإتمام هذه الذبيحة، فلماذا إذن تُدعى عيد الفصح؟ لأن المسيح تألم عنا، لهذا لا تجعلوا من الزمن ما يسبب اختلافًا للاقتراب منه. ففي كل الأزمنة تحمل (الذبيحة) ذات القوة، وذات الكرامة، وذات النعمة، لأنه هو الجسد الواحد بعينه، ولا يُكرم الاحتفال به (القداس الإلهي) في وقت أكثر قداسة منه في وقت آخر[709].

العيد هو إظهار الأعمال الصالحة ووقار النفس والتدقيق في السلوك. فإن كان لك هذه تكون حافظا للعيد في كل الأزمنة وتقترب كل الأزمنة[710].

لا يجوز لنا أن نقترب من المائدة بشهوات دنسة، فيكون الأمر أكثر ضررًا من الإصابة بالأمراض. فبالشهوات الدنسة أعني شهوات الجسد وشهوة المال والغضب والمكر وهكذا. يليق بكل من يقترب أن يفرغ نفسه من كل هذه الأشياء أولاً وعندئذ يلمس هذه الذبيحة الطاهرة[711].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

خلال هذه الأيام يقوتكم المعلمون؛ يقوتكم المسيح يوميًا، ومائدته مُعدة أمامكم على الدوام. لماذا أيها السامعون ترون المائدة ولا تقتربون إلى الوليمة؟ [712].

القديس أغسطينوس.

يعلمنا بولس أن يليق بالشخص أن يتقدم للتناول بذهن وقور ومخافة، حتى يدرك الذهن أن يوقّر ذاك الذي يقدم جسده مبذولاً[713].

أمبروسياستر.

"لأن الذي يأكل ويشرب بدون استحقاق،.

يأكل ويشرب دينونة لنفسه،.

غير مميزٍ جسد الرب "[29].

التهاون في فحص الانسان نفسه جريمة ضد جسد الرب وتهاون، إذ يكون "غير مميز جسد الرب". إنه لا يميز بين الخبز الذي يأكله في أي موضع وبين جسد الرب المبذول الأفخارستي.

أوجه اليكم الكلمات يا أيها الضيوف الكرام في هذا العيد: "من يأكل ويشرب بغير استحقاق، ياكل ويشرب دينونة لنفسه" [29]. أوجه حديثي إلى كل الذين هم هكذا، لكي لا يتطلعوا إلى الصالح الذي من الخارج ويحملون الشر في الداخل[714].

لقد أعطى تلاميذه العشاء الذي قدسه بيديه، ونحن لم نجلس في ذاك العيد؛ ومع هذا فإننا نتناول نفس العشاء بالايمان. لا تظنوا أنه أمر غريب أنه في العشاء الذي فيه قدم السيد بيديه وُجد إنسان بدون إيمان، الايمان الذي ظهر فيما بعد كان أعظم من ذاك الذي كوفئ في ذلك الحين. لم يكن بولس هناك هذا الذي آمن، ويهوذا كان موجودا وخان. كم من كثيرين الآن يتناولون من ذات العشاء؛ لم يكونوا موجودين في تلك المائدة، ولا رأوا بعيونهم ولا ذاقوا بأفواههم الخبز الذي أخذه الرب في يديه، ومع هذا فهو ذات الخبز الذي يُعد الآن. وكم من كثيرين أيضا في نفس العشاء ياكلون ويشربون دينونة لأنفسهم[715].

القديس أغسطينوس.

قد يقول أحد: "يلزم عدم تناول الإفخارستيا كل يوم". تسأل: "على أي أساس؟" يجيب: "لكي يقترب اليه الإنسان باستحقاق لأنه سرّ عظيم، لذا يجب اختبار الأيام التي يعيش فيها الإنسان في طهارة خاصة وضبط للنفس، لأن من يأكل ويشرب بغير استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه [29]. ويجيب آخر:" بالتأكيد إذا ما حدث جرح بالخطية وعنف خلال تشويش النفس فإنه يجب ترك الأدوية إلى حين، هكذا يجب على كل إنسانٍ أن يبتعد إلى حين بأمر الأسقف، ويمتنع عن الاقتراب من المذبح ويقدم ندامة. بعد ذلك يتمتع بالمزايا التي من حقه بنفس السلطان. لأنه يكون التناول بدون استحقاق إن تناول إنسان في الوقت الذي كان يجب أن يقدم فيه توبة، هذا الأمر لا يُترك لحكم الإنسان فينسحب من شركة الكنيسة أو يرجع إليها كما يحلو له. على أي الأحوال إن كانت خطاياه ليست عظيمة هكذا ليُحكم عليه بالعزل يلزمه ألا ينسحب من تناول جسد الرب اليومي وذلك لشفاء النفس "[716].

القديس أغسطينوس.

كيف يمكن للمائدة التي هي علة بركات كثيرة كهذه، والتي تفيض بالحياة أن تصير علة دينونة؟ هذا ليس من طبيعتها الذاتية، وإنما يقول بولس بسبب اتجاه المتقدم إليها. فكما أن حضور المسيح حوَّل هذه البركات العظيمة والتي لا يُنطق بها إلى دينونة للذين لم يقبلوه، هكذا التناول المقدس يصير عقوبة أعظم للذين يتناولونه بغير استحقاق[717].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

من يتقدم إلى مائدة الرب باستهتار ليس بأفضل من غير المؤمن[718].

أمبروسياستر.

"من أجل هذا فيكم كثيرون ضعفاء ومرضى،.

وكثيرون يرقدون "[30].

خلال التهاون في سرّ الأفخارستيا يسقط كثيرون تحت التأديب، سواء بالضعف الجسدي أو الأمراض بل برقاد الموت. لم يقل بالموت بل بالرقاد، لأن اللَّه يترقب توبتهم ويود خلاصهم حتى وهم علي سرير الموت، فيرقدوا ويقوموا معه.

إن كان أحد عوض أنه يلتزم أن ينصت للوصية: "ليمتحن الإنسان نفسه وهكذا يأكل من الخبز الخ." (1 كو 11: 28) لا يطيع هذه الكلمات وإنما يشترك اعتباطًا في خبز الرب وكأسه، فإنه سيضعف ويمرض، بل وربما إن كنت أستخدم التعبير، إنه إذ يستهين بقوة الخبز يرقد[719].

العلامة أوريجينوس.

حقا يقول الرسول في رسالته إلى أهل كورنثوس الذين عانوا من أمراض متنوعة: "من أجل هذا فيكم كثيرون ضعفاء ومرضى وكثيرون يرقدون" [30]. اسمعه في هذه الكلمات يربط بين الأمور وبعضها البعض يربط بين خطايا متنوعة ووجود البعض ضعفاء وآخرون مرضى أكثر منهم ضعفاء ويقارن بين هؤلاء والراقدين.

فإن البعض بسبب فقدانهم قوة النفس يصير فيهم الميل إلى التسلل إلى أية خطية كانت. فبالرغم من أنهم ليسوا ممسكين في أي شكل من الخطية بالكامل كمرضى إلا أنهم مجرد ضعفاء.

وآخرون عوض محبتهم للَّه بكل نفوسهم وكل قلوبهم وكل فكرهم يحبون المال أو المجد الباطل أو زوجة أو أطفالاً، هؤلاء يعانون مما هو أردأ من الضعف، إنهم مرضى.

أما الراقدون فهم أولئك الذين بينما كان يجب عليهم أن يصحوا ويسهروا بكل النفس لا يفعلوا ذلك بل بسبب تهاونهم الخطير تغفل رؤوسهم كنيامٍ، ويصيروا في دوار في تفكيرهم، كمن في أحلامهم ينجسون الجسد ويتهاونون بالسيادة ويفترون على ذوي الأمجاد "(يه 8). ذلك لأنهم راقدون ويعيشون في جوٍ من الأوهام الباطلة كمن يحلمون عوض الواقع. فلا يقبلون الأمور التي هي بالحق واقعية بل ينخدعون بما يظهر لهم خلال تخيلاتهم الباطلة. وقد قيل عنهم في إشعياء:" وكما يحلم العطشان أنه يشرب ثم يستيقظ وإذ هو ظمآن ونفسه مشتهية في رجاءٍ باطلٍ، هكذا يكون عني كل الأمم المتجندين في أورشليم "(إش 29: 8).

إن كان يبدو أننا كمن قد تاه عن الموضوع الرئيسي بالحديث عن الاختلاف بين الضعفاء والمرضى والراقدين، وذلك بسبب ما قاله الرسول في رسالته إلى أهل كورنثوس الذي نشرحه، فإننا فعلنا هذا رغبة منا أن نقدم فهمًا للقول: "شفي مرضاهم" [720].

العلامة أوريجينوس.

هنا لا يقدم بولس مثله من إسرائيل القديم كما فعل قبلاً بل من الكورنثوسيين أنفسهم، حتى يكون للدرس فاعليته العميقة فيهم. فالناس كانوا يتطلعون إلى تفسير للموت المبكر وسطهم، وهنا بولس يقدم التفسير[721].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"لأننا لو كنا حكمنا على أنفسنا،.

لما حكم علينا "[31].

يقدم الرسول بولس نصيحة وتحذير، فإن أردنا الهروب من الدينونة في هذا العالم والعالم العتيد لكي نتبرر أمام اللَّه يلزمنا أن نحكم على أنفسنا.

فحصنا لأنفسنا في جدية وشكوانا من أنفسنا أمام الرب يعفينا من الدينونة في يوم الرب العظيم، كما من تأديبنا سواء خلال الأمراض أو بالتأديبات الكنسية.

لم يقل: "لو كنا عاقبنا أنفسنا، لو كنا انتقمنا من أنفسنا" بل يقول لو كنا فقط نريد أن نعرف عصياننا ونحكم على أنفسنا بالحق وندين الأشياء التي فعلناها في الطريق الخاطئ، لكنا قد تخلصنا من العقوبة في هذا العالم والعالم العتيد. لأن من يدين نفسه يربح اللَّه من جانبين: الأول بتعرفه على خطاياه، والثاني يصير حذرًا في المستقبل[722].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

سأحكم على نفسي، حتى لا يحكم عليّ ذاك الذي فيما بعد سيدين الأحياء والأموات (2 مك 7: 18 - 19) [723].

القديس أغسطينوس.

عوض أن نعبر بتراخ بما ندعوه خطايا بسيطة فلنصنع حسابًا لأنفسنا عن كلماتنا ونظراتنا ونحكم على أنفسنا حتى نتحرر من العقوبة فيما بعد. هذا هو السبب الذي لأجله قال بولس: "إن حكمنا على أنفسنا من جهة خطايانا كل يوم هنا، ننزع حتمًا قسوة الحكم في ذلك الموضع".

إن كنا نهمل سُندان ويؤدبنا الرب. لهذا فلنبادر بالحكم على أنفسنا بإرادة صالحة، مقيمين محكمة الضمير التي لا يعرفها أحد. لنمتحن أفكارنا ونصمم بقانون لائق لأنفسنا حتى بالخوف من العقوبة القادمة يُسحب ذِهننا ويُضبط دوافعه ويُحفظ العينين بلا نوم حتى يحفظ من أعمال الشيطان المستمرة[724].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

أحكم بنفسك ما سأخبرك عنه:

افترض أنك ذاهب إلى رحلة طويلة، وإذ شعرت بجفاف وعطش بسبب الحر، وملت إلى أحد اخوتك، وقلت له: "انعشني فإني متعب من الظمأ" فيجيبك: "إنه وقت الصلاة، سأصلي وبعد ذلك آتي لأعينك". وبينما كان يصلى وقبل مجيئه إليك مُت من العطش. ماذا يبدو لك الأفضل أنه كان يجب أن يذهب ويصلي، أم كان يليق به أن يريحك من تعب العطش؟ [725].

الأب أفراهات.

"ولكن إذ قد حكم علينا نؤدب من الرب،.

لكي لا نُدان مع العالم "[32].

إن حُكم علينا هنا خلال الضعف والمرض أو حتى الرقاد، أو خلال التأديبات الكنسية بسبب عدم جديتنا في فحص أنفسنا نؤُدب حتى لا نُعاقب في يوم الرب مع العالم الذي أصر علي العناد ولم يقبل تأديب الرب.

ليتنا ننتفع بإنذارات الرب لنا كأن يسمح لنا بالضيقات، فنراجع أنفسنا، ونفحص بروح الرب أعماقنا، وبهذا لا نُدان مع العالم الشرير. لنقبل التأديب الزمنى، أيا كانت وسيلته، فلا نسقط تحت العقوبة الأبدية.

لم يقل "نُعاقب" ولا "يُنتقم منا" بل قال "نُؤدب". لأن ما يحدث يخص تبكيتنا لا إدانتنا، يختص بشفائنا لا الانتقام منا، بتصحيح حالنا لا معاقبتنا[726].

يدعو بولس عقوبتنا تأديبًا، لأنها هي تحذير أكثر منها إدانة، إنها للشفاء أكثر من للانتقام، للتصليح أكثر منها للعقوبة.

إنه يجعل الحاضر يبدو أقل ثقلاً إن قورن بالشرور العظيمة التي سنهرب منها، أعني دينونة العالم[727].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

عندما يديننا الرب، إنما لأجل تهذيبنا، حتى لا نُدان بعد مع العالم. قديمًا قال النبي: "قدّم لى الرب درسًا عنيفًا وإلى الموت لم يسلمني" (مز 18: 118) [728].

القديس إكليمنضس السكندري.

خطايا كثيرة تبدو كأنها منسية تمر دون أن تحدث عقوبة عنها. أنها محفوظة للمستقبل. فإنه ليس باطلاً يدعى اليوم الذي فيه يأتي ديان الأحياء والأموات يوم الدينونة. ومن الجانب الآخر بعض الخطايا يُعاقب عليها هنا، كما لو أنها غُفرت ولا تسبب لنا ضررًا في المستقبل.

القديس أغسطينوس.

"إذا يا اخوتي حين تجتمعون للآكل.

انتظروا بعضكم بعضًا "[33].

بعد تقديم نصيحته بفحص النفس بدقةٍ وقبول التأديب الإلهي والكنسي يسألنا أن ينتظر بعضنا البعض، أي يهتم كل واحد بما للآخرين لا بما لنفسه في كل شيء، فلا يكون للأغنياء أسبقية على الفقراء.

يطلب بولس منهم أن ينتظر الواحد الآخر لكي يقدموا التقدمات معًا، ويخدم الواحد الآخر[729].

أمبروسياستر.

"إن كان أحد يجوع فليأكل في البيت.

كي لا تجتمعوا للدينونة.

وأما الأمور الباقية فعندما أجيء أرتبها "[34].

لا تُقدم مائدة الرب لأجل الشبع الجسدي، فمن أراد أن يملأ معدته فلينتظر في بيته عوض أن ينال دينونة بتصرفه الخاطئ الأناني.

أخيرًا إذ عالج بعض الأوضاع الرئيسية التى سببت تشويشًا في العبادة الكنسية في كورنثوس أخبرهم بأنه عندما يأتي إليهم يرتب بقية الأمور.

هنا نفهم أنه لم يكن ممكنًا للرسول أن يقدم وصفًا كاملاً للنظام المستخدم في الكنيسة الجامعة في العالم. لذا فقد أراد وضع النظام بحضوره الشخصي، إذ نجد إنه نظام واحد وسط كل العادات المتنوعة[730].

القديس أغسطينوس.

يضيف بولس بأنه سيعالج كل الأمور الأخرى عندما يأتي. وكأن الكورنثوسيين إذ يعترضون بأنه لا يمكن علاج كل شيء بالرسالة، لذلك يخبرهم بولس بأن يسلكوا هكذا في هذه الأمور، أما الأمور الباقية فسيعالجها في الوقت المناسب[731].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

من وحي 1 كو 11.

لا تفصلني عنك،.

فأنت هو رأسي!

قدمت لي ذاتك رأسًا لي،.

احتفظ بك، فأحيا إلى الأبد.

من يحرمني منك،.

ينزع عني حياتي يا رأسي كل رجل!

وهبت للرجل أن يكون رأسًا للمرأة،.

يتشبه بك يا رأس الكنيسة عروسك.

لا يطلب سلطة ولا يسلك بتشامخٍ،.

لكنه كرأسٍ ينحني ليبذل حياته عن أسرته.

يبسط يديه معك كما على الصليب،.

فيحتضن بالحب العملي عائلته.

ووهبت المرأة أن تكون جسدًا كالكنيسة،.

تتقبل الحب الباذل بالخضوع علامة القوة.

ليس خضوع الخنوع والجهالة، بل علامة حب متبادل!

تقيم من بيتها سماءً مفرحة!

لتقد كنيستك بروحك القدوس الناري،.

روح الحب العملي.

يفتح الغني لأخيه الفقير مخازن قلبه،.

ومع عطائه المادي يقدم بشاشة صادقة!

هبْ للكل روح الوحدة والحب.

فتتحول كنيستك إلى وليمة اغابي،.

تشتهي الملائكة أن تشترك فيها.

يجد السمائيون مسرتهم في شعبك،.

إذ يرون أيقونتك واضحة وجلية فيهم.

جعلت من جسدك ودمك وليمة حب.

هب لي ثوب برك فأدخل وليمتك.

لأخفتني فيك، فأتأهل للاتحاد بك.

لأتمتع بالتناول من أسرار حبك،.

هذه التي تشتهي الملائكة أن تتطلع إليها.

نعم! لئلا تصير وليمتك دينونة لي!

المواهب الروحية.

12–14.

تعالج هذه الإصحاحات الثلاثة موضوع المواهب الروحية، فقد تمتع أعضاء الكنيسة في كورنثوس بالعديد من المواهب الروحية العظيمة، لكن كثيرين أساءوا استخدامها.

أكد الرسول في هذه الإصحاحات:

أولاً: كل المواهب الروحية هي عطية الروح القدس مُقدمة من أجل الكنيسة الواحدة. ويلزم تنوع المواهب لأجل تكميل الأعضاء بعضهم البعض، فلا يفتخر أحد على أخيه بما وهبه الله مجانًا من أجل بنيان اخوته (إصحاح 12).

ثانيًا: الحب أفضل من كل المواهب، فهو العامل المشترك بين كل الأعضاء، بدونه تصير كل المواهب حتى الإيمان والرجاء بلا نفع (إصحاح 13).

ثالثًا: إذ أساء البعض موهبة التكلم بالألسنة علي وجه الخصوص عالج الرسول هذه الموهبة على ضوء أن الحب فوق كل موهبة، وأن النبوة والتعليم لبنيان الكنيسة أهم من التكلم بالألسنة (إصحاح 14).

الإصحاح الثاني عشر.

المواهب الروحية.

يعالج هذا الإصحاح موضوع "المواهب الروحية" لكي يؤكد الحقائق التالية:

أولاً: أنها مواهب غنية وكثيرة ومتنوعة.

ثانيًا: مصدرها واحد وهو الله.

ثالثًا: تهدف جميعها إلي ذات الغاية، وهي بنيان الكنيسة، أي تحقيق مجد الله بخلاص الكثيرين ونموهم روحيًا.

رابعًا: الكنيسة جسد المسيح الواحد، ليس من عضو لا يتمتع بمواهبٍ روحيةٍ.

خامسًا: الكنيسة تشبه الجسد الواحد، جميع أعضائه تعمل معًا، ولكل عضو مواهبه اللائقة به.

سادسًا: المواهب الروحية ليست غاية في ذاتها، لكن يلزم الانتفاع بها، حتى لا تصير علة انقسامات وانشقاقات.

في حديثه عن المواهب الروحية وعلاقتها بالخدمة الكنسية أورد الرسول قائمة بتسع مواهب للروح [8 - 10]، كلها تعمل لبنيان الكنيسة. وقد استخدم كلمة "جسد" هنا 18 مرة [12 - 31] كرمز للكنيسة، بكونها المؤمنين جسد المسيح.

الروح القدس هو واهب المواهب، فلا يستطيع أحد أن يفهم الكتاب المقدس ولا أن يكرز به بدون الروح القدس، ولا يقدر أن يقدم تسبيحًا مقبولاً عند الرب إلا بالروح القدس. للأسف كان كثيرون مشغولين بموهبة التكلم بألسنةٍ لم يسبق لهم أن تعلّموها كنوعٍ من الاستعراض. لم يهب الرب الموهبة لكي يجتمع الناس حول الشخص، بل لكي يتمتعوا بعمله الإلهي الخلاصي الذي لن يتحقق بدون الحب الحقيقي.

1. واهب المواهب الروحية 1 - 3.

2. تنوع المواهب ووحدتها 4 - 11.

3. المواهب كأعضاء في جسد واحدٍ 12ـ 26.

4. الكنيسة جسد المسيح المتمتع بالمواهب 27ـ 30.

5. حث على الانتفاع بالمواهب 31.

1. واهب المواهب الروحية.

"وأما من جهة المواهب الروحية أيها الاخوة فلست أريد أن تجهلوا" [1].

يميز البعض بين النعمة الإلهية charis والموهبة الروحية charismata، فكلاهما عطيتان مجانيتان من قبل الله. لكن النعمة هي عطية يتمتع بها المؤمن من أجل خلاصه وبنيانه الروحى؛ أما الموهبة الروحية فهي عطية يتمتع بها من أجل بنيان الكنيسة وخلاص الآخرين، وإن كان يصعب الفصل التام بينهما، فإن خلاص المؤمن مرتبط بخلاص أخوته.

كانت الكنيسة في كورنثوس غنية جدًا في المواهب الروحية، لكن للأسف أساء الكثيرون استخدامها بسبب الكبرياء والانشغال بالموهبة ذاتها لا بتحقيق غايتها.

يود الرسول ألا يجهل السامعون المواهب الروحية، وما هو مصدرها، ودور كل عضوٍ في الكنيسة خلال ما يتمتع به من مواهبٍ قدمها له الله، وألا يسيء أحد استخدامها، فتصير علة انقسام وانشقاق عوض البنيان، وما هي قواعدها ومشاعر من يتمتع بها.

ليس من موضوعٍ أهم من "المواهب الروحية" في حياة الكنيسة، حيث يقود الروح القدس المؤمنين في الطريق الملوكي متجاوبًا مع عمل السيد المسيح الخلاصي، ومهتمًا بخلاص كل نفسٍ بشرية. خلال كل المواهب الروحية ليس ما يشغل قلب المؤمن إلا أن يحقق إرادة الله أن الجميع يخلصون وإلي معرفة الحق يقبلون.

كان الذين يقبلون الكرازة الإلهية في العصور السابقة ويعتمدون لأجل خلاصهم ينالون علامات ظاهرة لنعمة الروح القدس. فكان البعض يتكلم بألسنة لم يعرفوها ولم يعلمها لهم أحد، بينما يُمارس البعض عجائب ويتنبأون. لقد فعل الكورنثوسيون هذه الأمور، لكنهم لم يستخدموا هذه المواهب كما ينبغي، إنما كانوا يهتمون في استعراضها لا في استخدامها لبنيان الكنيسة[732].

ثيؤدورت أسقف قورش.

دعا بولس المواهب "روحية"، لأنها من عمل الروح وحده، وليس شيء فيها من فضلٍ بشريٍ[733].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"أنتم تعلمون أنكم كنتم أممًا.

منقادين إلى الأوثان البكم كما كنتم تساقون "[2].

إذ يوجههم إلى التعرف على المواهب الروحية يذكرهم بما كانوا عليه قبل الإيمان، حيث كانوا من الأمم محمولين بالأهواء الجسدية والشهوات الزمنية. لم يكن قائدهم التعقل والحق، بل كانوا كمن هم في مهب الريح.

كانوا قبلاً يعبدون الأوثان الصماء التى بلا حس، أما الآن فيقودهم روح الله القدوس الواهب الحياة.

إنه يذكرهم بما كانوا عليه من بؤسٍ روحيٍ قبل قبولهم الإيمان، وما كانوا عليه من غباوة وعدم معرفة لله الحقيقي، إذ كانوا مخدوعين من الكهنة الوثنيين وعظماء الدولة. والآن يتمتعون بالله الحي الذي يهبهم بروحه القدوس مواهب فائقة لأجل بنيان اخوتهم في البشرية.

كأنه يليق بهم أن يقدموا ذبيحة شكر لله الذي هداهم إلى الحق، وقدم لهم هذه المواهب. عوض الافتخار بالمواهب يليق بهم أن يعملوا بكل حكمةٍ وقوةٍ، فإن ما نالوه لا فضل لهم فيه.

يظهر بولس أنه يوجد فارق عظيم بين النبوة المسيحية والعرافة الوثنية. الوثنيون لا يوجهون الحديث للروح الشرير، إنما الروح يمتلكهم وينطق بأمورٍ لا يفهمونها. نفس النبي الوثني تظلم ولا يعرف ما يقول، أما نفس النبي (المسيحي) فتستنير ويعلن ما تعلمه النبي وفهمه.

سفيريان أسقف جبالة.

"لذلك أعرفكم أن ليس أحد وهو يتكلم بروح الله يقول يسوع أناثيما،.

وليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس "[3].

الروح القدس واهب كل المواهب الروحية هو الذي يقود البشرية للإيمان بأن يسوع هو الرب، فمن يعترف بربوبية يسوع المسيح يقوده الروح القدس، أما الذي يهينه فلا يقوده الروح القدس. هكذا يود الرسول بولس أن يوجه كل طاقات الكنيسة مع اختلاف المواهب إلي تعرف الناس علي شخص يسوع أنه الرب المخلص، الأمر الذي لن يتحقق بدون عمل الروح القدس.

يبدو أن بعض اليهود الذين رفضوا الإيمان المسيحي ادعوا أنهم منقادون بالروح القدس الذي كان يعمل في الأنبياء في العهد القديم. لكن الرسول وضع قاعدة واضحة أن من يلعن السيد المسيح أو يحسبه أناثيما فهو غير منقاد بالروح القدس.

عمل الروح القدس أن يكشف عن شخص يسوع ويكرمه ويحثنا علي قبول عمله الخلاص والتعبد له والتعلق به بالحب. هذا هو عمل الكنيسة التى يقودها الروح القدس، بل وعمل كل عضوٍ حيٍ فيها.

علّة كل الأشياء، الذي هو ربنا، يشرق في قلوبنا بالروح القدس، إذ يستحيل أن يُعرف الرب يسوع بحق إلا بالروح القدس كقول الرسول[734].

المولود من الروح يصير روحًا، وبذلك يشهد عن المسيح، كما يقول الرسول: "ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس" [735].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص.

إن كان لا يستطيع أحد أن يقول بأن يسوع هو رب إلا بالروح، فماذا يمكننا أن نقول عن الذين دعوا اسمه وليس لهم الروح؟ هنا يليق بنا أن نفهم أن بولس لم يكن يتحدث عن الموعوظين الذين لم يتعمدوا بعد بل عن المؤمنين وغير المؤمنين[736].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

توجد أنواع مختلفة جدًا من الروح، وبدون موهبة التمييز من يقدر أن يعرف ما هي؟ [737].

العلامة أوريجينوس.

يليق بنا أن نسأل: كيف يتفق القول: "ليس كل من يقول يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات" (مت 7: 21) مع قول الرسول: "ليس أحد يقدر أن يقول يسوع ربُّ إلاَّ بالروح القدس" (1 كو 3: 12)؟ فلا نستطيع القول بأن من كان به الروح القدس لا يدخل ملكوت السماوات طالما كان مثابرًا إلى النهاية. كما لا نستطيع أن نؤكد بأن الذين يقولون: "يا رب يا رب" دون أن يدخلوا ملكوت السموات معهم الروح القدس.

ففي قول الرسول: "لا يقدر أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس" يقصد بكلمة "يقول" المعنى الدقيق لها أي الإرادة والفهم عند القول، بينما كلمة "يقول" الواردة في كلام السيد المسيح فيقصد بها المعنى العام. لأن من ينطق دون أن يرغب فيما يقول ولا يفهمه يبدو كما لو كان "يقول". وأما من يعَّبر بقوله عن إرادته وعقله فهذا "يقول" بحق.

هذا يشبه تفسيرنا لكلمة "فرح" السابق شرحها كثمرة من ثمار الروح. إذ يقصد بها المعنى الدقيق لها، لا المعنى العام الذي ورد في قول الرسول نفسه: "لا تفرح بالإثم" (1 كو 6: 13) كما لو كان من الممكن أن يفرح الإنسان بالإثم، مع أن الفرح يملكه الإنسان الصالح وحده. هكذا أيضًا هؤلاء يبدو كما لو كانوا يقولون "يا رب" وهم لا يدركون ما ينطقون به ولا يقتنعون بالتأمل في الإرادة فيه، إنما ينطقون بفمهم فقط. أما الذين ينطقون بالكلام معبرًا عن حقيقة إرادتهم وقصدهم فهؤلاء "يقولون" بالحق والصدق. عن هؤلاء يقول الرسول: "ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس" [738].

القديس أغسطينوس.

إذا قورنت عصا للقياس (الياردة) بأخرى، فإنهما يكونان مُتفقتين معًا في الاستقامة. لكن إذا قورنت قطعة خشب معوجة بمسطرة، فإن الخشب المعوج مختلف عن المستقيم. هكذا فإن مديح الله بار ويحتاج إلى قلب مستقيم لكي يكون المديح مناسبًا له ولائقًا به. فإنه لا يقدر أحد أن يقول: "يسوع رب" إلا بالروح القدس. هكذا كيف يمكن أن يُقدم المديح اللائق إن لم يكن للشخص روح مستقيم في قلبه؟ [739].

القديس باسيليوس الكبير.

إن كنا لا نقدر أن ندعو الرب يسوع بدون الروح، فبالتأكيد لا نستطيع أن نعلن عنه بدون الروح[740].

القديس أمبروسيوس.

أي حقٍ ينطق به أحد، إنما ينطقه بالروح القدس[741].

أمبروسياستر.

عندما اعترف لجيئون الشيطاني بيسوع أنه رب لم يفعلوا ذلك بمعنى الإيمان به، إنما فعلوا هذا معترفين بمعرفتهم لربوبية المسيح وسلطانه على كل شيء.

سفيريان أسقف جبالة.

لا يوجد تعارض بين تعليم الابن الوحيد الجنس وتعليم الروح القدس. في الأناجيل علمنا الرب مدى عظمة الروح القدس ويعلن الروح عن ربوبيته. ليس أحد بالحق يحركه الروح يمكن أن يقول بأن المسيح ليس إلهيًا[742].

ثيؤدورت أسقف قورش.

من لا يؤمن بالروح لا يؤمن بالابن، ومن لا يؤمن بالابن لا يؤمن بالآب. لأنه "ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس"، و "الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبَّر" (يو18: 1) [743].

القديس باسيليوس الكبير.

2. تنوع المواهب ووحدتها.

"فأنواع مواهب موجودة،.

ولكن الروح واحد "[4].

توجد مواهب charismatoon كثيرة تقود إلى نتائج عجيبة، كموهبة النبوة والتعليم والإعلانات الإلهية والتكلم بألسنة وصنع عجائب، وردت في الآيات 8 - 11. هذه المواهب مصدرها واحد وهو الروح القدس الذي يشهد للسيد المسيح ويعلن عن شخصه وعمله لتحقيق غاية إلهية، فليس من حق أحد أن يفتخر بما ناله مجانًا، ولا أن يحتقر من ليس له ذات الموهبة.

يوزع الروح القدس مواهبه حسب مشيئته الإلهية، بسلطانه، حسب ما يناسب كل شخصٍ، وما فيه نفع الكل.

حاول بعض النقاد الألمان إدعاء أن كلمة "الروح" هنا يقصد بها الطبيعة Eichhorn وهذا لا يتفق مع ما ورد هنا في هذه العبارة، بل ويناقضها. واضح أن الروح هنا يعنى به الرسول الأقنوم الثالث: "الروح القدس" واهب الحكمة والمعرفة والإيمان وصنع العجائب الخ.، كما جاء في كثير من عبارات العهد الجديد. وتفقد العبارة كل تناغم فيما بينها أن فُسر الروح هنا بغير الروح القدس.

حتى ان أعطيت لك موهبة أقل من التي أعطيت لآخر، فإن الواهب هو واحد، لذلك فإن لك كرامة مساوية له[744].

توُجد فوارق في المواهب، إلا أنه لا يوجد فرق في الواهب. فإنكم تسحبون من ذات الينبوع أنتم وهو[745].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

هذا لا يخص كمال الروح ولا جزء منه، لأنه لا يستطيع الذهن البشري أن يقتبس كمال الله ولا ينقسم الله إلى أجزاء في ذاته. إنما يسكب عطية نعمة الروح التي لعبادة الله، إذ هو أيضًا يُعبد في الحق، إذ ليس أحد يعبده إلا ذاك الذي ينسحب إلى الحق في لاهوته بحبٍ تقويٍ[746].

القديس أمبروسيوس.

"وأنواع خدم موجودة،.

ولكن الرب واحد "[5].

توجد خدمdiakonioon، أي وظائف كثيرة مثل الرسل والأنبياء والمعلمين وأيضًا الأساقفة والكهنة والشمامسة الخ. قد تأهلوا للخدمة لا بذواتهم بل بدعوة الرب يسوع المسيح إليهم.

بقوله: "وأنواع خدم موجودة" يؤكد تنوع العاملين في كرم الرب واختلاف درجاتهم، لكنهم متساوون من جهة مصدر الدعوة وغاية العمل وهي خدمة الرب الواحد، وأن جميعها ضروري ومكمل لبعضه البعض وإلا فلماذا يدعوهم "الرب الواحد"؟ لهذا يليق ألا يفتخر أحد، ولا يشعر آخر بأنه مُحتقر ومرذول.

"وأنواع أعمال موجودة،.

ولكن الله واحد الذي يعمل الكل في الكل "[6].

"وأنواع أعمال energeematon موجودة"، أي طاقات عاملة، مثل صنع المعجزات وإخراج الشياطين وشفاء المرضي وإقامة موتى بجانب أعمال القلب والفكر الخ. مصدرها هو الله الآب "الذي يعمل الكل في الكل". الله هو الذي تظهر أعماله في الأمور الضخمة كخلقة الشمس والقمر والكواكب وفي الأمور التي تبدو بسيطة جدًا لا نعيرها اهتمامًا كوجود دودة صغيرة. لذا وجب أن يقف جميع العاملين في الكنيسة لا ليتفاخروا بما نالوه من طاقات قد تكون خارقة الطبيعة، وإنما أن يشترك الكل في تقديم ذبيحة شكر لله العامل واهب القوة.

هكذا ينسب الرسول المواهب للروح القدس [4]، والخدم للرب يسوع [5] والطاقات (أعمال energeematon) لله الآب [6].

توجد مواهب روحية وخدم وطاقات للعمل مصدرها الروح القدس والابن المتجسد والله الآب. مصدر كل هذه البركات السماوية هو الثالوث القدوس الواحد، الذي يقدم لكل مؤمنٍ حسب مسرته الإلهية.

نحن جميعًا جسد المسيح الواحد الذي رأسه الله، وأعضاؤه نحن.

ربما يكون البعض الأعين مثل الأنبياء.

والبعض يكونون بالأكثر مثل الأسنان، كالرسل الذين يعبرون بطعام تعليم الإنجيل إلى قلوبنا...

والبعض هم الأيدي الذين يُرون حاملين أعمالاً صالحة. الذين يقدمون قوة لانتعاش الفقراء الذين هم بطنه.

البعض هم قدماه.

ليتني أكون مستحقًا أن أحسب عقبه! إنه يُسكب الماء على قدمي المسيح ذاك الذي يغفر للمنحطين خطاياهم، والذي يحرر الإنسان العادي بغسل قدمي المسيح[747].

القديس أمبروسيوس.

ربما يُصاب من يسمع عن المواهب بحالة إحباط متى وجد آخر لديه موهبة أعظم منه. ولكن إذ نأتي إلى الخدمة يحدث أمر آخر. ففي هذه الحالة فإن التعب والعرق مطلوبان. لماذا تشتكي إن أخذوا خدمة أكثر ليفعلوها لكى يريحوك؟ [748].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

كما أن عمل الجسم البشري يصير معطلاً متى لم توجد العوامل التي تثيره للحركة، هكذا بالنسبة للنفس.

فالعينان لا تحققان عمليهما إلا خلال النور أو بهاء النهار.

والأذنان لا تدركان عملهما حيث لا يوجد صوت يُسمع.

والأنف لا تعرف وظيفتها إن لم توجد رائحة مثيرة.

هذا ليس لأن العمل قد فُقد وإنما لمجرد غياب العلة لظهوره، بل بالأحرى العمل الوظيفي يتحقق من السبب.

نفس الأمر بالنسبة لنفس الإنسان. إن كانت النفس لم تتفهم عطية الروح خلال الإيمان فإنه وإن كانت لا تزال تملك عمل الفهم لكن ليس لديها نور المعرفة. العطية التي في المسيح ممكنة لكل أحد بكمالها وما هو حاضر في كل موضع يُوهب قدرما نرغب أن نتقبل وسيبقى فينا مادمنا نرغب أن نتأهل له. هذه العطية هي معنا حتى إلى نهاية العالم.

هذه هي التعزية التي نتوقعها خلال فاعلية العطايا، هي عربون الرجاء المقبل. هذا هو نور الذهن، وسمو النفس. لهذا يليق بنا أن نصلي لهذا الروح القدس[749].

توجد أربعة معانٍ في الكلمات التي بين أيدينا.

يُوجد الروح نفسه في المواهب المختلفة.

يوجد نفس الرب في الخدم المختلفة.

يوجد نفس الله في هذه الأمور المتباينة.

يوجد إعلان للروح في المواهب الممنوحة النافعة[750].

القديس هيلاري أسقف يواتييه.

تؤول كل المواهب والخدم والعمل إلى نهاية واحدة، فإنها أشكال مختلفة لذات الخدمة[751].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

يحدثنا العلامة أوريجينوس عن دور الثالوث القدوس في المواهب المقدمة للمؤمنين، فيقول أن سرّ قوتها في الله الآب مصدرها، ويقوم الابن باستخدامها للخدمة، ويهبها الروح القدس للمؤمنين ويقوم بتوزيعها. [تأتي هذه المواهب من الله، وتستمد منه القوة، ويخدمها المسيح، وندين لوجودها الحقيقي في البشر للروح القدس[752].].

هنا في حالة الآب والابن والروح القدس فإن قوتهم قائمة في طبيعتهم. أقول أنها تؤكد أن الآب والابن والروح القدس في مركز القوة ليعملوا إرادتهم... فإن الروح القدس يحيي من يشاء، ويعمل الكل في الكل كما يشاء؛ والابن الذي به خُلقت كل الأشياء المنظورة وغير المنظورة في السماء وعلى الأرض يفعل كل الأمور حسب مسرّته، ويحيي من يشاء. والآب يضع الأزمنة في سلطانه، وإذ يشير إلى الأزمنة يستخلص أن كل شيء يحدث في وقته خاضعًا لقوة الآب[753].

هذا الروح دون نزاع هو روح ملوكي، روح محيي، القوة الضابطة والمقدسة لكل الخليقة، الروح الذي "يعمل الكل في الكل" كما يشاء[754].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص.

"ولكنه لكل واحدٍ يعطى إظهار الروح للمنفعة" [7].

"ولكن لكل واحد يُعطى إظهار phaneroostis الروح"، فجميع المؤمنين بلا استثناء لهم دورهم؛ لكل واحدٍ موهبة أو خدمة أو طاقة عمل لإظهار الروح. جاءت كلمة "إظهار" باليونانية لتعني الكشف عن المشاعر الحقيقية وعن عمل الروح في أعماق الإنسان. كما أن الطبيعة الظاهرة تكشف عن الله غير المنظور، هكذا حياة المؤمن وأعماله وغيرته تكشف عن الروح العامل فيه.

"للمنفعة": لا يهب الله هذه العطايا لمنافع شخصية للمؤمن، وإنما لمنفعة الآخرين كما لخلاص نفسه. هنا لا يمكن الفصل بين منفعة صاحب الوزنة أو الموهبة أو العمل الكنسي ومنفعة الآخرين، فإن بنيان الكنيسة يقوم على التناغم بين بنيان النفس الداخلية والشهادة للحق وكسب الآخرين للشركة في التمتع بالبركات الإلهية.

إذ لا يوجد شخص واحد قادر على تقبل كل المواهب الروحية تُعطي نعمة الروح حسب إيمان كل واحدٍ. عندما يعيش إنسان في جماعة مع آخرين فإن النعمة التي توهب على وجه الخصوص لكل فرد تصير ملكًا عامًا للآخرين...

من ينال أية موهبة لا يملكها لأجل نفسه وإنما لأجل الآخرين[755].

القديس باسيليوس الكبير.

أيا كان قياس الروح الذي يُعطى لك فهو لنفعك، فليس من سبب أن تشتكي مما يبدو أنها موهبة صغيرة[756].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"فإنه لواحدٍ يُعطى بالروح كلام حكمة،.

ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد "[8].

أولاً: موهبة الحكمة: يظهر الرسول تنوع هبات الروح الواحد للمؤمنين، فيقدم لواحدٍ كلام حكمة ولآخر كلام معرفة، حسب مسرته، بما يناسب الشخص وما ينفع الكنيسة كلها. يذكر الحكمة أولاً ثم المعرفة، ليس لأن الحكمة لها أولوية أو أسبقية عن المعرفة.

الأول يظهر كمرشدٍ حكيمٍ متعقل قادرٍ علي كشف حكمة الله في تدبير خلاص للبشرية وتقديم المسيح "حكمة الله" (أف 3: 10؛ 1 كو 1: 24) لمن هم حوله كي يقتنوه، إذ فيه تذخر كل كنوز الحكمة والمعرفة (كو 2: 3). فقد دُعي الرسل الكارزين sophoi حكماء (مت 23: 34)، دعوا ليعلموا بالإنجيل حسب الحكمة المعطاة لهم (2 بط 3: 15).

ثانيًا: موهبة المعرفة: يظهر المؤمن كمن نال بالروح القدس استنارة، فيقدم معرفة أسرار العهد القديم، ويكشف عن النبوات والرموز في الناموس والأنبياء. هذه المعرفة لا يُمكن عزلها عن الحكمة.

بمعنى آخر يُعطى معرفة لا بالتعلم من كتاب، بل باستنارة الروح القدس[757].

أمبروسياستر.

تشير الحكمة إلى معرفة الإلهيات، والمعرفة إلى العلم البشري[758].

القديس أغسطينوس.

"ولآخر إيمان بالروح الواحد،.

ولآخر مواهب شفاء بالروح الواحد "[9].

ثالثًا: موهبة الإيمان: إذ يهب الروح البسطاء الثقة في الله حتمًا يحقق مواعيده الإلهية، فيحققون بصلواتهم الكثير، ويكون لهم دورهم بجانب الحكماء وأصحاب المعرفة. يتسم هؤلاء بروح الصلاة والورع والتقوى، ويلجأ الكثيرون إليهم لمساندتهم بالصلاة، بينما يقوم الحكماء وأصحاب المعرفة بكلمة الوعظ والتعليم.

الإيمان من أثمن مواهب الروح، مُقدم للجميع، لكنه من المواهب النادرة، يزدري به البعض في عجرفة واعتداد بالعمل البشري لا عمل الله.

يتحدث الرسول هنا عن الإيمان الذي يحرك السماء والأرض، به يمكن أن تنتقل الجبال (1 كو13: 2)، ويرى البعض أن الإيمان هنا يقصد به العمل المعجزي في سحب القلوب لقبول عمل المسيح الخلاصي.

الإيمان الذي يُعطى بواسطة الروح كنعمةٍ ليس إيمانًا خاص بالتعاليم المجردة، وإنما الإيمان الذي يحمل قوة وحيوية تتعدى الطبيعة البشرية، الإيمان الذي يحرك الجبال... فكما أن حبة الخردل صغيرة لكنها تحمل طاقة متفجرة، فتأخذ الفرصة بزراعتها ثم تبعث فروعًا عظيمة حول الساق، حتى إذ تنمو تصير ملجأ للطيور، هكذا بنفس الطريقة فإن الإيمان يقدم في النفس أمورًا عظيمة... فإن مثل هذا يضع فكر الله أمام ذهنه، وكاستنارة للإيمان يسمح بها فيرى الله. ذهنه أيضًا يجول خلال العالم من أقصاه إلى أقصاه، ومع نهاية هذا الزمن الذي لم يأتِ بعد ينظر الدينونة قائمة فعلاً ويرى المكافآت الموعود بها ممنوحة[759].

القديس كيرلس الأورشليمي.

بدون روح الإيمان لن يؤمن أحد بحقٍ. بدون روح الصلاة لا يقدم أحد صلاة نافعة. هذا لا يعني وجود أرواح كثيرة بل في كل شىء روح واحد بعينه يعمل، الذي يقسم لكل واحد بمفرده حسبما يشاء[760].

القديس أغسطينوس.

"ولآخر إيمان"، لا يقصد ايمان العقائد، بل ايمان بعمل معجزات، الذي يقول عنه المسيح: "إن كان لكم ايمان مثل حبة الخردل، تقولون لهذا الجبل انتقل فينتقل" (مت 17: 20) [761].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

الإيمان المذكور هنا ليس هو الإيمان الممنوح لكل مؤمن بل من النوع القادر أن يحرك الجبال[762].

ثيؤدورت أسقف قورش.

رابعًا: موهبة الشفاء: بعد أن تحدث الرسول عن موهبة الإيمان انتقل إلى موهبة شفاء المرضى، القوة التى يهبها الروح ولكن في حدود. فالرسول بولس وُهب أن يشفي المرضى، حتى حُملت الخرق التي على جسده لشفاء المرضى بينما لم يستطع أن يشفي بعض تلاميذه الأخصاء مثل ابفرودتس (في 2: 26) وتروفيمس (2 تي 4: 20) وتيموثاوس (1 تي 5: 23) كما لم يستطع أن يرفع عن نفسه الشوكة التي في الجسد (2 كو 12: 7).

"ولآخر عمل قوات.

ولآخر نبوة.

ولآخر تمييز الأرواح،.

ولآخر أنواع السنة.

ولآخر ترجمة ألسنة "[10].

خامسًا: موهبة صنع العجائب energeemata dunameoon وهي تختلف عن الموهبة السابقة في أن الأولى خاصة بشفاء الأمراض، أما هذه فخاصة بعمل ما هو خارق للطبيعة، كما أشار السيد المسيح في مر 16: 18، حيث أعطى لتلاميذه أن يدوسوا على الحيات، وإن شربوا سُمًا مُميتًا لن يؤذيهم، ولعله يقصد أيضًا الإقامة من الأموات، وإخراج الشياطين وصنع الآيات.

هذه الموهبة خاصة بالأعمال الموجودة [6]، إذ جاءت الكلمة اليونانية واحدة في العبارتين.

سادسًا: النبوة: تعني التعليم بتفسير كلمة الله الخاصة بالحياة العتيدة، وكما تعني الكشف عن أحداث مستقبلية في هذا العالم الحاضر كما تنبأ أغابيوس (أع 11: 28) عن ربط بولس وتسليمه للرومان (أع 21: 10)، كما أُعلن لبولس الرسول عن انكسار السفينة في مالطة (أع 27: 25).

كما جاء في بولس النبوة تتحقق ليس فقط بالآب والابن بل وأيضًا بالروح القدس. لهذا فالعمل واحد والنعمة واحدة[763].

القديس أمبروسيوس.

سابعًا: تمييز الأرواح: وهي موهبة يمكن بها الشخص أن يميز بين العجائب الإلهية الحقيقية والعجائب المزيفة، وبين المعلمين الحقيقيين والمعلمين الكذبة (1 يو 4: 1). يكشف الرب لهم نيات الإنسان وما في قلبه حتى يفضح الخداع والغش فلا ينحرف وراءه كثيرون.

بروح التمييز أيضًا عرف بطرس ما في قلبي حنانيا وسفيره اللذين كذبا على الروح القدس (أع 5: 1 - 10)، وأيضًا في حالة ايليماس (أع 13: 9 – 11).

في توزيع المواهب الروحية يُضاف أيضًا "تمييز الأرواح" الذي يُوهب للبعض. إنها موهبة روحية بها يُميز الروح كما يقول الرسول: "امتحنوا الأرواح إن كانت من الله" (1 يو 1: 4) [764].

العلامة أوريجينوس.

ثامنًا: أنواع ألسنة مختلفة genee gloossoon ينطقون بلغات متنوعة لم يسبق لهم أن تعلموها، إنما يهبها الله لهم للتعليم.

تاسعًا: ترجمة ألسنة: إذ يتكلم البعض بألسنة لم يتعلموها يعرفها بعض الحاضرين ويجهلها الآخرون يقوم أحد الموهوبين بالترجمة لمنفعة الكل.

افتخر الكورنثوسيون بالتكلم بالألسنة، لهذا وضعها بولس في آخر القائمة[765].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه،.

قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء "[11].

هذه المواهب والأعمال الفائقة لا يُمكن اقتنائها بالخبرة والقدرات البشرية العادية، لكن الروح القدس يقوم بتوزيعها حسب مشيئته الإلهية. إنه يوزعها حسبما يرى فيه الأفضل لمن ينال العطية وللجماعة.

يرى البعض أن كلمة "مشيئته" لا تعني مجرد المسرة، وإنما حسب "حكمته"، فهو يوزع لا كيفما كان وإنما بما فيه الصلاح وما هو للنفع العام وحق. حقًا إنه صاحب سلطان وله أن يوزع كما يشاء حسب مسرته، وفي نفس الوقت هو روح الحكمة الإلهية، لن يخطئ قط وهو يوزع هذه المواهب.

هكذا يليق بالمؤمن ليس فقط ألا يفتخر بمواهبه كما لو كانت من عنده أو نالها عن استحقاق لبره الشخصي، ولا أن يحسد أخاه الذي نال مواهب لم ينلها هو، وإنما أن يعمل تحت قيادة روح الله القدوس ليضرم الموهبة التى قُدمت له، كما يقوم بتشجيع الآخرين لإضرام مواهبهم.

عمل الكنيسة خلق روح القيادة الحية العاملة، ولكن بروح التواضع لا الكبرياء، وبروح القوة لا الشعور بالفشل..

يُستخلص الدواء المسكوني لتعزياته من نفس الأصل ومن نفس الكنز ومن نفس المجرى. لهذا يوجه بولس أنظارنا عادة إلى هذا التعبير حتى نبدو كأننا متساوون فيعزيهم[766].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

تكلم الروح أيضًا في الآباء البطاركة والأنبياء وأخيرًا في الرسل، فبدأوا يصيرون أكثر كمالاً بقبولهم الروح القدس. هكذا لا يوجد فصل بين القوة الإلهية والنعمة، فإنه وإن وُجدت مواهب كثيرة لكن الروح واحد[767].

القديس أمبروسيوس.

هنا يعطى بولس راحة لأصحاب المواهب الصغيرة، مشيرًا أنها صادرة أيضًا من الروح القدس.

ثيؤدورت أسقف قورش.

لنعلن عن الروح القدس فقط كما هو مكتوب، ولا نكون مشغولين بما هو ليس مكتوب. الروح القدس وضع الأسفار المقدسة. تحدث من عنده كل ما أراده، أو كل ما يمكننا أن نفهمه. لنحدْ أنفسنا بما يقوله، فإنه من عدم المبالاة أن نفعل غير ذلك[768].

القديس كيرلس الأورشليمي.

يرجع هذا إلى عدالة الله الذي يقوم بالتقسيم وإلى قوته الذي يقسم حسب مشيئته أو لأنه يود أن يهب كل واحدٍ ما يعلم أنه لنفعه[769].

القديس أمبروسيوس.

لاحظ أن بولس لم يقل: "حسب إرادة كل أو أي فرد" بل "حسب مشيئة الروح" [770].

القديس جيروم.

ليت أولئك الذين ينزعون عن الروح القدس قوته اللائقة يتطلّعون إلى ما نقرأه مما قاله الرب: "الروح يهب حيث يشاء" (يو 8: 3). وأيضًا إلى ما يقوله الرسول: "ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه، قاسمًا لكل واحدٍ بمفرده كما يشاء" [11]. يُخشى لئلا يظن أحد أن الآب والابن لا يعملان هذه الأعمال، بينما أشار بوضوح إلى مواهب "الشفاء" بين هذه الأعمال، و "صنع المعجزات" التي بلا شك تضم إخراج الشياطين. فعندما يقول: "قاسمًا لكل واحدٍ بمفرده كما يشاء" ألا يظهر بوضوح أيضًا قوة الروح القدس، ولكن واضح أنه دون انفصال عن الآب والابن؟ [771].

القديس أغسطينوس.

ينسب بولس هنا للروح القدس ما قد سبق فنسبه للأقانيم الثلاثة (كو4: 12 - 6) لأنهم طبيعة واحدة وقوة واحدة، والثلاثة يفعلون ما يفعله الواحد. يوجد إله واحد فقط نعمته توزع على الأفراد حسبما يشاء وليس حسب استحقاقات شخصٍ معينٍ، وإنما لبنيان كنيسته. كل هذه الأشياء التي يحتاج إليها العالم لكي يتمثل بها ولا يستطيع لأنه جسدي، هذه تُرى في الكنيسة بيت الله، حيث تُوهب كعطية الروح القدس وتعليمه[772].

أمبروسياستر.

المطر واحد بعينه ينزل على كل العالم، لكنه يصير أبيض في السوسنة، وأحمر في الوردة، وأرجواني في البنفسج والزنابق الأرجوانية اللون، يصير ألوانًا كثيرة متباينة في أطياب متنوعة.

هو في النخلة شيء، وفي الكرمة شيء آخر، وهو الكل في كل الأشياء... لكنه يشكل نفسه حسب ما يستقبله، ويصير مناسبًا لكل زرع. هكذا الروح القدس، مع أنه واحد له طبيعة واحدة غير منقسم، يهب كل واحد نعمته حسب مشيئته.

الشجرة الجافة عندما تُروى تصدر براعم. هكذا أيضًا النفس وهي في الخطية إذ تتأهل بالتوبة لنعمة الروح القدس تزهر في برٍ. خلال الروح الواحد في طبيعته لكن بمشيئة الله وباسم الابن يقدم ثمارًا فاضلة متنوعة. فيستخدم لسان شخص للحكمة، وينير نفس شخص آخر بالنبوة، ويهب آخر قوة إخراج الشياطين، وآخر عطية التفسير للأسفار المقدسة. إنه يسند ضبط النفس لشخصٍ بينما يعلم آخر العطاء، وآخر الصوم والتواضع، وآخر الاستخفاف بأمور الجسد. يهيئ آخر للاستشهاد. إنه يعمل بطرقٍ مختلفةٍ في أشخاص مختلفين، مع أنه هو نفسه ليس فيه اختلاف[773].

القديس كيرلس الأورشليمي.

ليس من أحدٍ له كل هذه، إنما البعض لهم هذه والآخر تلك، والكل منهم له الهبة (الروح) نفسه الذي يقسم بما هو مناسب، أقصد الروح القدس[774].

القديس أغسطينوس.

يقول الرب: "أحصوا عظامي"، وواحدة منها لم تنكسر.

لكن عندما تحدث عن قيامة جسد المسيح الحقيقي والكامل قال أنه سيُحضر معًا أعضاء المسيح الذين هم عظام جافة، عظمة مع عظمة، عصب مع عصب، ويأتون إلى الإنسان الكامل، إلى قياس قامة ملء جسد المسيح. عندئذ ستكون الأعضاء الكثيرة جسدًا واحدًا، جميعهم مع كثرتهم يصيرون أعضاء جسد واحد.

الله وحده هو الذي يقيم تمييزًا بين القدم واليد والعين والسمع والشم.

بمعنى واحد يملأ الرأس، وآخر القدمين وبقية الأعضاء. وتصير الأعضاء الضعيفة المتواضعة مكرّمة. سوف يقوّي الله الجسد معًا وعندئذ سيعطي الأعضاء الناقصة كرامة أعظم. ولن يكون بعد أيّ نوع من الانقسام، إنما ستتمتع كل الأعضاء بوضعٍ حسنٍ، وتشاركه كل الأعضاء ما لديه من صالحات، وإذ يتمجد أيّ عضو تفرح معه كل الأعضاء[775].

العلامة أوريجينوس.

كل عملٍ يستحق التفكير فيه يلزم أن يكون ليس عمل الآب وحده، ولا الابن على وجه الخصوص، ولا الروح القدس منفصلاً...

بينما يقول الرسول: الروح الواحد بعينه يقسم عطاياه الصالحة لكل إنسان بطريقة متنوعة، فإن حركة الصلاح التي تصدر عن الروح ليست بدون بداية. نجد القوة التي ندركها تسبق هذه الحركة وهي ابن الله الوحيد خالق كل الأشياء فبدونه لا يحصل أيّ شيء موجود على بدايته. ونفس هذا المصدر للصلاح يصدر عن مشيئة الآب[776].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص.

الدواء المسكوني الذي فيه تعزية للكل هو الذي يصدر عن أصل واحد، ومن ذات الكنوز، ومن ذات الينابيع، ويناله الكل[777].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

3. المواهب كأعضاء في جسد واحدٍ.

"لأنه كما أن الجسد هو واحد وله أعضاء كثيرة،.

وكل أعضاء الجسد الواحد إذا كانت كثيرة هي جسد واحد،.

كذلك المسيح أيضًا "[12].

يقدم الرسول بولس مثالاً رائعًا ليوضح تفاعل المواهب وتناغمها معًا، وهو أعضاء الجسد التى تعمل معًا بانسجامٍ عجيبٍ. جاء هذا المثال مطابقًا لمفهوم الكنيسة بكونها جسد المسيح [27]. يعمل جسد المسيح واحد معًا خلال الرأس.

كل مؤمن له موهبة روحية، لذا فهو ملتزم بالمساهمة في بنيان كنيسة الله على الأرض، ولكن ليس كل المؤمنين لهم ذات الموهبة. تنوع المواهب يدفع الكل معًا بروح الوحدة والاحترام المتبادل، كل يشعر بحاجته إلى موهبة أخيه، فتقوم الوحدة على أساس الحب.

يرى العلامة أوريجينوس وكثير من آباء الكنيسة أننا نحب الكل ونقدرهم بكونهم أعضاء لنا في ذات الجسد، لكن الحب له نظامه الذي نلتزم به. وكما يقول القديس أغسطينوس أن المؤمن يحب الله بلا حدود، لكن حبه لقريبه يكون في حدود حبه لنفسه، إذ يُطالب أن يحب قريبه كنفسه، لكن ليس على حساب خلاص نفسه. ومن جانب آخر فإن حب العضو للزوجة أو الزوجة مختلف عن الحب للأبناء أو للوالدين، وحب القريب مختلف عن حب مقاوم الكنيسة والمُضطهد لها. نحن نلتزم بالحب للكل ولكن بروح الحكمة والتمييز.

إن كنا، كما يقول الرسول، نحن أعضاء بعضنا البعض أظن أنه يجب أن نحمل نوعًا من المشاعر نحو أقربائنا تجعلنا نحبهم، لا كأجسادٍ غريبةٍ، وانما كأعضاءٍ لنا. هذه الحقيقة لكوننا أعضاء بعضنا البعض، يتطلب أن يكون لنا حُب مشابه ومساوٍ للجميع. بالنظر إلى أن حقيقة وجود بعض أعضاء في الجسد أكثر كرامة وجمالاً بينما الأعضاء الأخرى ليس لها جمال عظيم وهي أكثر ضعفًا، أظن أنه يحدث نوعًا من الموازنة للحب حسب استحقاقات الأعضاء وكرامتها. فلو أن شخصًا يسلك بتعقل في كل الأمور وأنه ضابط لنفسه في تصرفاته وعواطفه حسب كلمة الله، أظن أنه يلزم أن يعرف نظام المحبة ويلاحظه ليعطيه لكل عضو مختلفًا عن الآخر[778].

العلامة أوريجينوس.

كما أن الجسد والرأس هما إنسان واحد، هكذا الكنيسة والمسيح واحد[779].

يتحدث بولس عن المسيح وهو يتكلم عن الكنيسة. بهذا يرفع مستوى الحديث ويقدم الاحساس بالمهابة أكثر فأكثر لسامعيه[780].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

يشير بولس إلى أنه كما الجسد له أعضاء كثيرة، بعضها أكثر أهمية من الأخرى، هكذا أيضًا في الكنيسة. ولكن كل عضو ضروري ونافع[781].

ثيؤدورت أسقف قورش.

الآن إن كنا عندما نفكر في جسده نعود فنتأمله فينا، كيف أننا نحن هو!

فلو أننا نحن لسنا هو كيف يكون القول: "بما أنكم فعلتموه بأحد اخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم" (مت 40: 25) صحيحًا؟

إن كنا نحن ليس هو فكيف يكون القول: "شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟ (أع 4: 9) قولاً صحيحًا؟

إذن نحن هو، وأن المسيح الكامل هو كل من الرأس والجسد (أف 22: 1 - 23) [782].

القديس أغسطينوس.

"لأننا جميعنا بروح واحد أيضًا اعتمدنا إلى جسد واحد،.

يهودًا كنا أم يونانيين،.

عبيدا أم أحرارًا،.

وجميعنا سقينًا روحًا واحدًا "[13].

بعمل الروح القدس نلنا في المعمودية الاتحاد معًا في الرأس يسوع المسيح، ونمارس أعمالاً متنوعة لكنها تكمل بعضها البعض.

يركز الرسول على التزام الكل بالعمل معًا، ليس من مؤمن حقيقي ليس له دور، لأنه عضو حي في الجسد. يعمل الكل بالرغم من اختلاف مواهبهم، بل واختلاف جنسياتهم، سواء كانوا يهودًا أو من الأمم، عبيدًا أو أحرارًا، بلا تمييز، إذ الكل صاروا علي ذات المستوي كأعضاء في جسد المسيح.

الكل يشربون من ذات الكأس؛ ربما يقصد كأس الأفخارستيا، حيث نتمتع بذات دم السيد المسيح الواحد فيسري في عروقنا لنصير أسرة واحدة، كما من دمٍ واحدٍ.

اعتمدنا لا لكي تتشكل أجساد كثيرة متنوعة، بل لكي نحتفظ نحن كلنا ببعضنا البعض بطبيعة الجسد الواحد الكاملة، أى أن نصير كلنا جسدًا واحدًا، فقد اعتمدنا في ذات الجسد. هكذا الذي يشكلنا (المسيح) هو واحد، وما يشكله هو واحد... حسنًا يقول (الرسول) "نحن كلنا" مضيفًا نفسه إلينا. ويقول: "حتى أنا، الرسول، ليس لي أي شيء إضافي أكثر منكم في هذا الأمر" [783].

انظروا كيف يعزيهم مرة أخرى إذ ألمح إلى أنه مقتنع أنهم إذ هم كثيرون ومتنوعون فهذا يجعلهم جسدًا واحدًا. فلو أن الكل هم واحد بلا تنوع لن يكونوا جسدًا[784].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

الآن لا تسألوا عن السبب، لماذا هذا أو ذاك ليس هكذا. فإنه وإن وجدت ربوات الأسباب نقدمها لن نكون قادرين على إظهار أن ما هذا حسن مثلما نرى أن المُبدع (الله) يُسر بذلك، فإن في هذا اقتناع بأنه يريد ذلك[785].

إنه يقصد هذا، لو لم يوجد بينكم اختلاف عظيم لن تكونوا جسدًا وتصيروا واحدًا، ولا تصيروا متساوين في الكرامة. يتبع هذا مرة أخرى إن كنتم متساوون في الكرامة فأنتم لستم جسدًا، وإذ أنتم لستم جسدًا فأنتم لستم واحدًا، وإذ أنتم لستم واحدًا، فكيف تتساوون في الكرامة؟ [786].

أى شيء في الجسد أتفه من الشعر؟ ومع هذا إذا أزلت هذا من الحاجب ومن جفن العين فإنك تحطم نعمة الملامح الجميلة ولا تعود تظهر العين جميلة... إن أردت الآن أن ترى نفس الشيء بخصوص وظائف الأعضاء أيضًا، انزع إصبعًا فسترى بقية الأصابع العاملة جدًا لا تتمم عملها... هكذا من يحارب أخاه يحارب نفسه، لأن الضرر يصيب ليس فقط ذاك الشخص بل ويصيب الذي سبّب الضرر ليس بقليلٍ[787].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

جميعكم واحد في المسيح يسوع. ليس أن البعض أصحاب معرفة مستنيرون، والآخرين أقل كمالاً في الروحانيات. ليضع كل واحدٍ جانبًا كل الشهوات الجسدية، فتكونوا متساويين وروحيين أمام الرب[788].

القديس إكليمنضس السكندري.

يوجد عمل واحد، إذ يوجد سّر واحد، توجد معمودية واحدة، إذ يوجد موت واحد عن العالم. توجد وحدة في النظرة التي لا يمكن أن تنقسم[789].

القديس أمبروسيوس.

يعلمنا بولس أنه يليق بنا ألا نعامل أحدًا باستخفاف، ولا أن نظن في أحدٍ أنه كامل[790].

أمبروسياستر.

الذي شكل الجسد هو واحد، والجسد الذي تشكل هو واحد[791].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"فإن الجسد أيضًا ليس عضوًا واحدًا.

بل أعضاء كثيرة "[14].

يقول أصحاب الخبرة في هذه الأمور أن الفضائل لا تنفصل عن بعضهما البعض، وأنه لا يمكن ان نقتني إحداها كما يليق دون نوال الفضائل الأخرى، فإنه حيث توجد فضيلة واحدة تتبعها بقية الفضائل بالضرورة[792].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص.

تتحقق وحدة الكنيسة في هذه الحقيقة: أن أعضاءها الكثيرة تسد احتياجات الأعضاء الأخرى[793].

أمبروسياستر.

يقول بولس هذا لكي لا نستخف بالأعضاء المتواضعة التي للكنيسة. فإنه وإن كان أحد أقل بالطبيعة لكنه لا يزال ينتمي لجسد الكنيسة.

سفيريان أسقف جبالة.

"إن قالت الرجل لأني لست يدًا لست من الجسد،.

أفلم تكن لذلك من الجسد "[15].

هذا يعنى أنه لا يمكن القول بأن الأخ الضعيف ليس جزءً من الجسم لمجرد أنه ليس قويًا[794].

أمبروسياستر.

"وإن قالت الأذن لأني لست عينًا لست من الجسد،.

أفلم تكن لذلك من الجسد؟ "[16].

يقول بولس أن الشخص الأقل قليلاً لا يظن أنه لهذا غير لازم للجسد[795].

أمبروسياستر.

لاحظ أن بولس يجمع القدمين مع اليدين اللتين أعلى قليلاً منهما، ويجمع الأذن مع العين هكذا. وذلك لأننا نميل أن نحسد الذين هم أعلى منّا قليلاً[796].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"لو كان كل الجسد عينًا،.

فأين السمع؟

لو كان الكل سمعًا،.

فأين الشم "[17].

حتى إن كان الجسم له فقط العضو الأهم، فإنه يبقى بلا نفع بدون الأعضاء الأخرى[797].

ثيؤدورت أسقف قورش.

"وأما الآن فقد وضع الله الأعضاء،.

كل واحد منها في الجسد كما أراد "[18].

وضع الله كل جزءٍ من الجسم حسبما اختار، فلهذا ليس لنا أن نسأل بعد لماذا صنع هكذا حسب الطريقة التي أرادها. فإننا وإن كنا لا نقدر أن نصل إلى ربوات الشروحات فإننا لا نجد أفضل من هذا، أن مسرة الخالق أن يفعل ما قد اختاره[798].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"ولكن لو كان جميعها عضوًا واحدًا أين الجسد؟" [19].

لو أن كل واحدٍ مساوٍ للآخر في الكنيسة لما وُجد جسم، لأن الجسم يحكمه تنوع وظائف أعضائه[799].

أمبروسياستر.

"فالآن أعضاء كثيرة،.

ولكن جسد واحد "[20].

التنوع في أعضاء الجسم يُوحّد هدف ضمان أن الجسم يحقق القدرة على العمل[800].

أمبروسياستر.

إن لم يوجد بينكم تنوع عظيم لا يمكن أن تصيروا جسمًا. إن كنتم لستم جسمًا لا يمكن أن تتحدوا. إن كنتم لستم واحدًا فإنه لا يمكن أن تصيروا متساويين في الكرامة. لأنكم لم تنالوا نفس المواهب فأنتم جسم[801].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"لا تقدر العين أن تقول لليد: لا حاجة لي إليكِ،.

أو الرأس أيضًا للرجلين: لا حاجة لي إليكما "[21].

إن كانت العين سليمة وترى بوضوح فأي فرح لها إن فقدت أعضاء الجسم الأخرى؟ كيف يمكن أن تظهر كاملة بدون اليدين والقدمين وبقية أجزاء الجسم؟ [802].

العلامة أوريجينوس.

الإنسان الأعظم في الرتبة أو في الكرامة لا يقدر أن يعمل بدون من هم أقل منه. فإنه توجد أمور يستطيع أن يفعلها الأقل كرامة أكثر من العظماء، كما أن الحديد يستطيع أن يفعل أمورًا لا يقدر الذهب أن يفعلها. لهذا تحقق القدمان عملاً مكرمًا للرأس[803].

أمبروسياستر.

لا تستطيع المواهب العظمى أن تعمل بدون الأقل منها، فإنه إن أصيبت المواهب الصغرى بضررٍ لا يستطيع الجسم كله أن يعمل بلياقةٍ. أي عضو أسفل من القدمين؟ وأي عضو أكرم وأهم من الرأس؟ ولكن الرأس مهما تكن أهميتها لا تكفي، ولا تقدر أن تفعل كل شيء بذاتها. فلو كان الأمر هكذا فلا حاجة للقدمين[804].

إن كانت موهبة ما أقل من غيرها لكنها ضرورية. وكما عند غياب إحداها ترتبك معًا وظائف كثيرة، هكذا بدون موهبة ما يُشوه كمال الكنيسة[805].

ليس فينا شي بلا كرامة، متطلعين إليه أنه من صنع الله. ماذا يبدو أقل كرامة من الاعضاء الجنسية؟ ومع هذا فلها كرامة أعظم، حتى الفقراء جدًا إن تركوا بقية أعضاء الجسم عارية لا يقدرون أن يحتملوا بقاء هذا العضو عاريًا[806].

عندما يدعوها "ضعيفة" "وبلا كرامة" إنما يستخدم التعبيرين كما يبدو لنا، وعندما يقول "ضرورية" لا يضيف كلمة "يبدو"، إنما هكذا هو حكمه علي العضو، إذ يقول أنه ضرورى ولائق جدًا. لأن هذه الأعضاء نافعة للانجاب وبقاء جنسنا[807].

إذ تعرفون ذلك وأنتم الأعظم لا تهينون الأقل لئلا عوض أن تصيبهم أذية تُصابون أنتم أنفسكم بالأذى. عندما يُقطعون يتحطم الجسم كله[808].

ينصحنا الله بذلك ليس فقط خشية أن ينفصل الواحد عن الآخر، وإنما لكى نقدم فيضًا من الحب والاتفاق. فإن كان كيان كل إنسان يقوم على سلام قريبه فلا تقل أقل ولا أكثر من هذا، إذ لا يوجد أقل من أن تحبه ولا أكثر. لكي يستمر الجسم ترى الاختلاف أيضًا واضحًا بين الأعضاء، وعندما يهلك لا تجد ذلك. فالدمار حتمًا يحدث ما لم تعمل الأعضاء الأقل[809].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

للكنيسة عينان حقيقيتان هما المعمَّدون والقادة فيها، الذين يرون في الكتاب المقدس أسرار الله... لهذا أيضًا يدان وهم الأشخاص العاملون الذين هم أعين لكنهم أيدي. هل هم يظهرون أسرار الأسفار المقدسة؟ لا، لكنهم أقوياء في العمل. للكنيسة قدمان، اللتان تقومان برحلات رسمية من كل نوع. القدم تجري، لكي تجد اليد العمل الذي تمارسه. والعين لا تحتقر اليد، ولا هؤلاء الثلاثة يحتقرون البطن كما لو كانت عاطلة وبلا عمل[810].

القديس جيروم.

"بل بالأولى أعضاء الجسد التي تظهر أضعف هي ضرورية" [22].

الإمبراطور العظيم لا يزال في حاجة إلى جيش[811].

لأن أقدامنا أسفل وتحتاج إلى كرامة لهذا نزيّنها بالأحذية. واضح أن الأعضاء الخاصة التي تبدو مُعيبة تُغطى بوقارٍ، حتى لا تتعرض للرؤية العامة ولا لعدم التوقير.

هكذا يبدو بعض الاخوة الفقراء لمن هم في ثياب غالية كمن هم لا شيء، وهم ليسوا بدون نعمة إذ هم أعضاء جسدنا. إنهم يسيرون في ثياب بسيطة قذرة وحفاة. ومع أنهم يبدو محتقرين يلزم تكريمهم بالأكثر لأنهم غالبًا ما يسلكون حياة نقية. ما يراه الناس محتقرًا قد يراه الله جميلاً[812].

أمبروسياستر.

أليست بالتأكيد شعور رؤوسكم هي أقل قيمة من أي عضو آخر؟ أي شيء أرخص ومزدرى به وأقل في الجسم عن شعور رؤوسكم؟ ومع هذا لو أن الحلاق قص شعوركم بطريقة رديئة تغضبون عليه لأنه لم يقص الشعر كما يليق. ومع ذلك فأنتم لا تهتمون بوحدة أعضاء الكنيسة هكذا[813].

القديس أغسطينوس.

"وأعضاء الجسد التي نحسب أنها بلا كرامة نعطيها كرامة أفضل،.

والأعضاء القبيحة فينا لها جمال أفضل "[23].

"وأما الجميلة فينا فليس لها احتياج،.

لكن الله مزج الجسد معطيًا الناقص كرامة أفضل "[24].

"لكي لا يكون انشقاق في الجسد،.

بل تهتم الأعضاء اهتمامًا واحدًا بعضها لبعض "[25].

لا يُحفظ رباط السلام بين الذين لا يوجد انسجام، ولا يتحقق فيهم لطف الروح بل يوجد خلاف وصراع ومنافسة حادة. إنه من الجسارة الوقحة أن تدعو هؤلاء أعضاء المسيح، أو أنهم يسلكون تحت قيادته، لكي نكون أمناء في الفكر فنقول بوضوح أن الحكمة الجسدية هي السيد عليهم وهي تملك عليهم[814].

القديس باسيليوس.

"فإن كان عضو واحد يتألم.

فجميع الأعضاء تتألم معه،.

وإن كان عضو واحد يكرم.

فجميع الأعضاء تفرح معه "[26].

يطلب هنا ثلاثة أمور:

عدم الانقسام بل يتحد الكل معًا في الكمال.

كل يهتم بالآخر كما يليق.

اعتبار أن الكل يعملون معًا[815].

عندما تدخل شوكة في عقب إنسانٍ غالبًا ما يشعر بها كل الجسم ويهتم بها. فالظهر ينحني والبطن وما يرتبط بهما، واليدان تتحركان كحارسين وخادمين لسحب ما دخل في العقب، والرأس تنحني نحوه، والعينان تلاحظان ما يحدث بكل عناية. فمع كون القدم هي الأقل من حيث عجزها عن الارتفاع ولكن بانحناء الرأس إليها تظهر المساواة بينهما، وتنعم بذات الكرامة خاصة عندما يُسبب القدم للرأس أن ينحني وينزل إليه. ليس كمن يقدم إحسانًا بل لارتباطه بالقدم... الرأس يُكلل، فيُكرم الجسم كله. الفم يتكلم والعينان تضحكان وتبتهجان[816].

إن كان أحد ممتازًا في حديثه لا يمدحونه وحده بل يمدحون الكنيسة كلها[817].

الشيطان حسود لكنه يحسد البشر، لكن وأنت إنسان تحسد البشر، وتنجح في مقاومة حتى الذين من عشيرتك وأسرتك، الأمر الذي لا يفعله شيطان. أي عفو تناله وأي عذر لحزنك عند رؤيتك لأخٍ في غنى عوض أن تتوج نفسك وتفرح وتتهلل لنجاحه؟ [818].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

إني أتألم وأحزن مع زملائنا المؤمنين الذين سقطوا وجحدوا الإيمان أثناء مرارة الاضطهاد، يسحبون جزءًا من قلوبنا معهم، فسببوا لنا حزنًا مشابهًا بجراحاتهم[819].

القديس كبريانوس.

آلامنا هي هكذا قد بلغت إلى أقصى العالم المسكون، متى تألم عضو تتألم معه كل الأعضاء[820].

القديس باسيليوس الكير.

المشاركة العامة في كل شيء، الأمور الصالحة والمحزنة، هي الطريق الوحيد لبلوغ كمال الشركة[821].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

إن قُطع إصبع أما ترتعب كل أعضائك؟ أما تُسرع إلى الطبيب لكي يعيد الإصبع إلى موضعه؟ بالتأكيد يحدث هذا، عندئذ يكون جسمك في حالة جيدة حينما تكون كل الأعضاء متفقة معًا، الواحد مع الآخر. تعتبر نفسك في صحة وأن حالك حسن[822].

حاشا لنا أن نرفض الاستماع إلى ما هو مُرّ ومُحزن للذين نحبهم. لا يمكن لعضوٍ أن يتألم دون أن تتألم بقية الأعضاء معه[823].

إذ نتأمل راحتكم الدائمة التي تتمتعون بها في المسيح، نحن أيضًا وإن كنا نتعب مضاعفة ونواجه مصاعب إلا أننا نجد معكم راحة أيها الأحباء.

إننا جسد واحد تحت رأس واحد، فتشاركوننا أتعابنا ونحن نشارككم راحتكم، لأنه "إن كان عضو واحد يتألم فجميع الأعضاء تتألم معه؛ وإن كان عضو واحد يُكرّم فجميع الأعضاء تفرح معه" [26] [824].

القديس أغسطينوس.

يرى القديس أغسطينوس أن المؤمن في وسط آلامه وأتعابه لا يطلب من الآخرين أن يشاركون آلامه، لكنه إذ يتطلع إلى سلام الآخرين وراحتهم وفرحهم، يشاركهم هذه الحياة فينسى تعبه وألمه.

يهدأ الألم الذي يعاني منه عضو بطريقة لا أستطيع تفسيرها، وذلك عندما تتألم كل الأعضاء معه [26]. تتحقق هذه التهدئة لا بالممارسة الفعلية في المعاناة من الكارثة، وإنما خلال قوة الراحة التي للحب. فإنه وإن عانى البعض من ثقل التعب واقعيًا يشاركهم الآخرون تعبهم خلال معرفتهم أن هذه يجب احتمالها إلا أن الكل يشترك في احتمالها معًا... في ذات الخبرة وذات الرجاء والحب والروح الإلهي[825].

بشغف نشتهي أن نعرف حالكم، وإن كان الله قد وهبكم شيئًا من الراحة قدر ما يمكن أن يهب في هذا العالم، لأنه "إن كان عضو واحد يُكرّم، فجميع الأعضاء تفرح معه". هكذا هي خبرتنا الدائمة أنه في وسط اضطراباتنا نحوّل أفكارنا إلى بعض اخوتنا يعيشون في راحة نسبية، فنتجدد إلى حد ليس بقليل، كمن نحن نتمتع فيهم بسلام أعظم وحياة هادئة! [826].

القديس أغسطينوس.

سيرينوس: متى كان لنا هذه المعرفة أو بالأحرى ذلك الإيمان الذي سبق أن عالجته، بمعنى أن نعتقد بأن كل الأمور تحدث لنا بسماح من الله، وأنها مرتبة لأجل خير أرواحنا، فإننا ليس فقط لا نحتقرهم بل ولا نكف عن الصلاة من أجلهم كأعضاءٍ منا، وأن نحنو عليهم بكل قلوبنا وكل جوارحنا. فإن كان عضو واحد يتألم فجميع الأعضاء تتألم معه (1 كو 26: 12)، إذ نحن نعلم أننا لا نقدر أن نكمل بدونهم بكونهم أعضاء منا. وذلك كما نقرأ عن السابقين لنا أنهم لا يقدرون أن ينالوا تمام المكافأة بدوننا إذ يقول الرسول: "فهؤلاء كلُّهم مشهودًا لهم بالإيمان لم ينالوا الموعد إذ سبق الله فنظر لنا شيئًا أفضل لكي لا يُكمَلوا بدوننا" (عب 39: 11، 40) [827].

الأب سيرينوس.

3. الكنيسة جسد المسيح المتمتع بالمواهب.

"وأما انتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا" [27].

إن كان يلزم ألا ينقسم جسمنا فبالأولى جسد المسيح مادامت النعمة أعظم من الطبيعة[828].

لم تكن كنيسة كورنثوس هي الجسم كله، إنما هي جزء من مجتمع الإيمان على مستوى العالم. لهذا لاق بالكورنثوسيين أن يكونوا في سلام مع الكنيسة في كل موضع آخر، إن كانت بالحق هي عضو في الجسم[829].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

لسنا أعضاء أفراد نختار أن نجتمع معًا لنكوِّن الكل، بل نحن أعضاء جسم لكلٍ متسع، الذي هو الجسم كله.

سيفريان أسقف جبالة.

في قيامة المسيح كل أعضائه بالضرورة قامت معه، فعندما عبر من الأعماق إلى الأعالي جعلنا نعبر من الموت إلى الحياة[830].

مكسيموس من تورينو.

الآن نرى في النص: "أنتم جسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا" [27]. ها أنتم ترون حتى التناسق اللائق بين حجارة الهيكل تبدو كأنه انحلّ والحجارة قد تبعثرت كما جاء في المزمور 23 عن عظام المسيح، والمكائد التي وُضعت ضده بالاضطهادات والأحزان من جانب الذين يحاربون وحدة الهيكل. فإنه سيقوم الهيكل، يقوم الجسد في اليوم الثالث بعد يوم الشر الذي يهدده، ويوم النهاية الذي يتبعه[831].

"وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده، فلما قام من الأموات تذكّر تلاميذه أنه قال هذا، فآمنوا بالكتاب والكلام الذي قاله يسوع" (يو 21: 2 - 22). هذا يشير إلى جسد المسيح في هيكله. ربما يسأل أحد إن كان هذا يؤخذ بالمعنى الواضح أو نحاول ربطه بكل عبارة خاصة بالهيكل بالنظر إلى أنه جسد يسوع، سواء الذي أخذه من العذراء أو ذاك الذي هو الكنيسة كما قيل بالرسول أننا كلنا أعضاء جسده. من جانب قد يظن أحد أنه استحالة أن نربط كل ما قيل عن الهيكل بالجسد، أيّا كان هذا الجسد. وآخر يأخذ الحديث بالمعنى البسيط الواضح ويقول أن الجسد (في كلا المعنيين) يدعى الهيكل ويحمل مجد الله الساكن فيه، لهذا فإن ذاك الذي هو صورة الله ومجده، بكر كل الخليقة يستطيع بحق أن يدعو جسده الذي للكنيسة هيكلاً يحمل صورته[832].

العلامة أوريجينوس.

إذ قيل للزوجة: "أنتم جسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا" [27]. فإن جسد المسيح ليس شيئًا يختلف عن الكنيسة التي هي جسده، وأعضاؤه أفرادًا. وقد ربط الله الاثنان معًا، هذان اللذان ليسا اثنين بل صارا جسدًا واحدًا، آمرًا البشر ألا يفصلوا الكنيسة عن الرب[833].

العلامة أوريجينوس.

لقد سمعتم بكونكم أبناءها (أبناء المحبة) أن جسد المسيح هو الكنيسة، وإن أردتم تكونون أنتم هكذا. يقول هذا الرسول في مواضع كثيرة: "من أجل جسده الذي هو الكنيسة" (كو 24: 1)، وأيضًا: "وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا" [27]. فإن كنّا جسده، فما قد احتمله جسده من الجمهور، تحتمله الكنيسة الآن[834].

إن كان جسد المسيح والأعضاء المنتمون إليه هم واحد، فلا تجعلوا من الأعضاء جسدين! [835].

يمكننا بصدقٍ أن ندعو كل هؤلاء المسيح، الذين مسحوا بالمسحة مادام الجسد كله مع رأسه هو مسيح واحد[836].

القديس أغسطينوس.

"فوضع الله أناسا في الكنيسة:

أولاً رسلاً، ثانيًا أنبياء، ثالثًا معلمين،.

ثم قوات وبعد ذلك مواهب شفاء،.

أعوانًا تدابير وأنواع السنة "[28].

"وضع الله... أعوانًا تدابير" [28] ما هي الأعوان؟ أن تسند الضعيف. هل هذه موهبة، أخبرني؟ هذه أيضا موهبة من الله أن يدرك الإنسان سريعًا حاجة الغير، مقدمًا العلاج الروحي، هذا بجانب أن الرسول يدعو كل أعمالنا الصالحة مواهب، ليس بمعنى تجاهل دورنا القلبي وإنما لإظهار حاجتنا إلى العون الإلهي في كل شيء، ولكي يعدهم لحياة الشكر، وبهذا يدخل بهم إلى التقدم ويثير أذهانهم.

إذ انتفخوا بسبب موهبة التكلم بألسنة جعلها الرسول دائمًا آخر (القائمة)... لذلك وضع أيضًا الرسل أولاً الذين لهم كل المواهب... "ثانيًا أنبياء"، إذ اعتادوا أن يتنبأوا مثل بنات فيلبس وأغابوس وأيضًا أناس كانوا بين الكورنثوسيين الذين يقال عنهم: "ليتكلم الأنبياء اثنان أو ثلاثة" (1 كو 14: 29)... ثالثا: معلمون "، لأن من يتنبأ يتكلم في كل شيء بالروح، أما من يعلم فأحيانًا ينطق بعظات من ذهنه هو[837].

"ثم قوات وبعد ذلك مواهب شفاء"... لأن القوة أعظم من الشفاء حيث أن الذي له قوة يعاقب ويشفي، أما الذي له موهبة الشفاء فهو يشفي فقط[838].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

التعليم الذي يُقدم كتعليم كنسي، إن كان قد صار نوعًا من الاستعباد لكلمات المداهنة بسبب الطمع أو طلب مجد الناس، فإنه لا يُحسب تعليم أولئك الذين وضعهم الله في الكنيسة أولاً رسلاً، ثانيًا أنبياء وثالثًا معلمّين [28] [839].

العلامة أوريجينوس.

"ألعل الجميع رسل؟

ألعل الجميع أنبياء؟

ألعل الجميع معلمون؟

ألعل الجميع أصحاب قوات؟ "[29].

"ألعل للجميع مواهب شفاء؟

ألعل الجميع يتكلمون بالسنة؟

ألعل الجميع يترجمون؟ "[30].

وكما أن المواهب العظيمة لا تُمنح جميعها لكل البشر، بل يُعطى للبعض هذه ولآخرين تلك؛ هكذا أيضًا بخصوص المواهب الأقل فإنها لا تُقدم للجميع. وهو يفعل ذلك لبلوغ فيض من التناغم والحب، حتى إذ يقف كل واحد في احتياج إلى الآخر يلتصق هكذا بأخيه.

القديس يوحنا الذهبي الفم.

4. حث على الانتفاع بالمواهب.

"ولكن جدوا للمواهب الحسنى،.

وأيضًا أريكم طريقًا أفضل "[31].

لا تنتمي نِعمْ الرب التي ترُى في الأشخاص إلى استحقاقاتهم بل إلى تكريم الله[840].

أمبروسياستر.

عندما تطّلع أعيننا إلى سموّ سعادة إنسان آخر لتلتهب فينا الغيرة للمنافسة لا خلال الحسد، وإنما كنصيحة الرسول: "جدّوا للمواهب الحُسنى" [31] [841].

الأب فاليريان.

ينصحنا الرسول القديس في إحدى رسائله أن نكون غيورين في المواهب الحسنى. غايتنا في ذلك ليس أن نقتنى الرغبة في الصالحات (فإن هذا الميل نحو الصالحات هو إحدى السمات الموروثة في الطبيعة البشرية)، لكن يليق بنا ألا نخطئ في حُكمنا فيما هو صالح. ففي حياتنا هنا كثيرًا ما نخطئ فلا نستطيع التمييز بوضوح بين ما هو صالح وبين ما نحسبه صالح خطأ[842].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص.

ما يسبب تشويشًا وجنونًا وظلامًا عظيمًا هو من عمل الشيطان. أما العمل الذي من الله فهو ينير... هذا ما يميز العرّاف من النبي[843].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

من وحي 1كو 12.

اكشف لي عن مواهبي!

فأعمل بروحك شاكرًا محبتك!

أقمتني عضوًا في جسدك المقدس.

ليس عضو بلا مواهب!

اكشف لي عن ما قدمته لي،.

وقدني بروحك، فأضرم الموهبة بجدية وأمانة.

لا يشغلني نوع الموهبة ولا تقدير الناس لها،.

لكني اعتز بها، لأنها عطيتك.

اشتهي أن أكون أمينًا في ممارستها،.

فأنت الأمين تضم إليك الأمناء.

تسبحك نفسي، لأن موهبتي تختلف عن مواهب اخوتى.

فالتنوع يعطي لكنيستك وحدة.

أنا محتاج إلى مواهب اخوتي المتباينة.

وهم يحتاجون إلى ما وهبتني.

ليس لي أن أفتخر على أخي من أجل ما أعطيتني.

بروحك العجيب أعمل بالحب.

مع أنات كل عضو تئن نفسي،.

ومع تكريم كل عضو تتهلل أعماقي.

نعم، بالحب هو أسمى كل المواهب،.

بدونه أفقد حياتي.

الإصحاح الثالث عشر.

تسبحة الحب[844].

يعتبر هذا الإصحاح أروع ما كتب عن "المحبة"، حيث يكشف روح الرب عن مفهومها وسموها وممارستها عملياً. وقد جاءت هذه التسبحة الرائعة ما بين الحديث عن "المواهب الروحية" وموهبة التكلم بالألسنة. فإن كان الإصحاح السابق قد كشف عن تمتع كل عضو من أعضاء الكنيسة بموهبة ما أو أكثر، فإنه لا يليق بإنسان أن يفتخر بما ناله من موهبة ولا أن يسَّفه من مواهب الآخرين. كما كشف عن عدم إساءة استخدام المواهب، فلا تكون نوعاً من الاستعراض، ولا للافتخار، وإنما لبنيان الكنيسة وخلاص الناس، وفي تناسق وتناغم من بقية المواهب.

وفي الإصحاح 13 يكشف الروح عن التزام المؤمن بالحب لينتفع بمواهبه. فبدونه ليس فقط تتحطم المواهب، بل يفقد المؤمن حياته، ولا ينفعه حتى الإيمان والرجاء.

هكذا يهيئ هذا الإصحاح لما سيتحدث عنه بخصوص موهبة التكلم بالألسنة التي أساء الكورنثوسيون استخدامها.

الحب هو اتساع القلب ليحمل في داخله الله المحبة (1 يو8: 4)، ومن خلاله يحب كل البشرية فوق حدود العواطف والغرائز البشرية وفوق كل الطاقات الطبيعية، إذ ينحنى الإنسان أمام كل أحدٍ ليقدم كل شيء من أجل أخيه.

فالحب ليس استلطافًا بالغير ولا انسجامًا معه ولا اشباعًا ولا تعلقًا به، وإنما هو أسمى من هذا كله. إنه بذل وعطاء بكل إمكانية من أجل كل أحدٍ دون أن ينتظر نفعًا ماديًا أو جسمانيًا أو معنويًا، بل يحب من أجل الله المحبة ذاته.

مادام الله هو "محبة"، والآب والمسيح هما واحد (يو 30: 10) يمكننا أن نضع كلمة "المسيح" هنا عوض كلمة "المحبة". فالحب هو عمل المسيح فينا، وشركتنا معه في سماته. عمل المسيح الإيجابي فينا يشكّلنا لنتشبه به ونتبعه ونشاركه حياته. الحب إيجابيًا يولد طول أناة وترفقًا [4]، وفرحًا بالحق [6]، واحتمالاً لكل شيء، وتصديق كل شيء، والرجاء في كل شيء [7]، وديمومة بلا سقوط [8]. أما سلبيًا فالحب فيه رفض لممارسة شهوات الجسد والكبرياء [4] والأنانية والاحتداد وظن السوء [5] والفرح بالإثم [6].

(في حديثه للمتأهبين لسرّ العماد).

المحبة هي وحدها العلامة المميزة بين أولاد الله وأولاد إبليس.

لنطبع أنفسنا بسمة صليب يسوع المسيح... ولنصطبغ جميعًا بالعمودية.

وليحضر الكل إلى الكنيسة لنبني أسوار الكنيسة، فليس ثمة شيء يميز أولاد الله عن أولاد إبليس إلا المحبة.

القديس أغسطينوس.

(الإنسان الحقيقي) هو الذى بالحق والحكمة يتصور في نفسه تدبير محبة الله الفاضل، وحقيقة ربنا يسوع، ويدوم معه ويلتصق به ويصير معه روحًا واحدًا. هذا هو الإنسان الجديد الذى تعرى من الإنسان العتيق ولبس صورة المسيح (المحبة).

القديس يوحنا التبايسي.

من يحب يتمم الناموس. ومن يتمم الناموس مكرم جدًا، والمُكّرم يتقبل موهبة روحية.

سفيريان أسقف جبالة.

الذين يخدمون الرب ببهجة هم الذين يحبونه فوق الكل، ويظهرون حبًا أخويًا لبعضهم البعض. أية عبودية بكامل الحرية هذه!

أية خدمة تسمو فوق كل أنواع السلطة[845].

كاسيدورس.

1. الحب ضابط كل المواهب الروحية 1 - 8.

2. يا لسمو الحب! 8 - 13.

1. الحب ضابط كل المواهب الروحية.

يسجل لنا الرسول هنا زوايا مختلفة من علامات المحبة الحقيقية للأقرباء.

"إن كنت أتكلم بالسنة الناس والملائكة،.

ولكن ليس لي محبة،.

فقد صرت نحاسًا يطن،.

أو صنجًا يرن "[1].

لا يفضل الرسول المبارك المحبة عن الخوف والرجاء فحسب بل وفوق كل العطايا التي تُحسب عظيمة ومدهشة... فبعد ما عدد مواهب الروح من الفضائل أراد أن يصف عناصرها فبدأ يقول: "وأيضًا أريكم طريقًا أفضل. إن كنت أتكلَّم بأَلسنة الناس والملائكة ولكن ليس لي محبَّة، فقد صرت نحاسًا يطنُّ أو صنجًا يرن. وإن كانت لي نبَّوة وأعلم جميع الأسرار وكلَّ علمٍ وإن كان لي كل الإيمان حتى أنقل الجبال ولكن ليس لي محبة فلست شيئًا. وإن أطعمت كلَّ أموالي وإن سلَّمت جسدي حتى احترق ولكن ليس لي محبة فلا أنتفع شيئًا" (1 كو 31: 12، 1: 13 - 3). أترون إذن كيف أنه لا يوجد شئ أقيم أو أكمل أو أشرف منها! [846].

الأب شيريمون.

هنا يتحدث عن ألسنة الملائكة، لا ليقدم الملائكة بجسدٍ (يتكلم)، وإنما ما يقصده هنا: "حتى إن كنت أتكلم كما تفعل الملائكة في علاقتهم ببعضهم البعض، فبدون المحبة أنا لا شيء، بل أكون عبئًا وسبب ضجر... هنا لا يعني باللسان أداة جسدية، بل يود أن يشير إلى حوار الواحد مع الآخر بما يناسب معرفتنا كما يحدث بيننا[847].

لكي يكون مقاله مقبولاً لم يقف عند الحديث عن موهبة التكلم بالألسنة بل امتد للحديث عن بقية المواهب؛ وإذ قلل من قيمة كل المواهب في غياب المحبة عندئذ رسم الصورة. ولأنه فضّل أن يقدم البرهان قويًا بدأ بالأقل وصعد إلى ما هو أعظم. فإنه إذ أشار إلى ترتيب المواهب وضع الألسنة في النهاية، أما هنا فيضعها أولاً وذلك حسب الدرجات صاعدًا إلى ما هو أعظم[848].

لا عجب إن قال حسنًا بأن كل المواهب بلا نفع عظيم بدون المحبة مادامت مواهبنا ثانوية بالنسبة لطريق حياتنا[849].

بمعنى آخر يقول بولس إن كان ليس لى حب ليس فقط أكون بلا نفع بل إيجابيًا أسبب إزعاجًا[850].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

ألسِنة الملائكة هي تلك التي تُدرك بالعقل لا بالأذن[851].

ثيؤدورت أسقف قورش.

الحب هو رأس الدين ذاته، ومن ليس له رأس فهو ميت[852].

أمبروسياستر.

يقدم لي الرسول بولس في موضع ما تجميعًا رائعًا لأمورٍ فائقة، يكشفها أمامي، وأنا أقول له: "اكشف لي إن كنت قد وجدت من بينها ثوب العرس. يبدأ يكشف الواحدة تلو الأخرى. ويقول:" إن كنت أتكلم بألسنة الناس والملائكة... ". يا لها من ثياب ثمينة! ومع ذلك لا يوجد بعد ثوب العرس! لماذا تتركنا أيها الرسول في إثارة قلقين؟..." إن كانت ليس لي محبة لا انتفع شيئًا ".

انظروا ثوب العرس! ارتدوه يا أيها الضيوف فتجلسون في آمان! [853].

القديس أغسطينوس.

"وإن كانت لي نبوة،.

وأعلم جميع الأسرار،.

وكل علمٍ.

وإن كان لي كل الإيمان حتى أنقل الجبال.

ولكن ليس لي محبة،.

فلست شيئًا "[2].

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول إذ يشير إلى النبوة والإيمان [2]. إنما يضم كل المواهب بما فيها صنع العجائب[854].

تنبأ بلعام مع أنه لم يكن نبيًا (عد 22: 38 ـ 24: 25)، وقيافا أيضًا تنبأ (يو 11: 49 ـ51)، وهكذا شاول عندما كان في عصيانه مملوء بروحٍ شريرٍ (1 صم 16: 14 - 23؛ 19: 9).

رافق يهوذا التلاميذ الآخرين، وفهم كل الأسرار ونال المعرفة التي وُهبت لهم، لكنه كعدوٍ للحب خان المخلص (مت 26: 47 ـ 50؛ مر 14: 43 ـ 46؛ لو 22: 47 ـ 48؛ يو 18: 2 ـ 5).

كان كلا من ترتليان ونوفاتيان إنسانين تعليمهما ليس بالقليلٍ، ولكن بسبب كبريائهما فقدا شركة الحب، وسقطا في الانشقاق بالهرطقات لتدميرهما.

أمبروسياستر.

"وان أطعمت كل أموالي،.

وإن سلمت جسدي حتى احترق،.

ولكن ليس لي محبة،.

فلا أنتفع شيئًا "[3].

يرى القديس يوحنا ذهبي الفم أن الرسول حين يتحدث عن العطاء لم يقل: "إن قدمت نصف أموالي ولا ثلاثة أجزاء وإنما" كل أموالي "، ولم يقل" قدمت "بل" أطعمت "موضحًا أنه يعطي باهتمام ونظام حسن[855].

إنه يذكر أكثر أنواع الموت رعبًا وهو الحرق، قائلاً: بأنه حتى هذا بدون محبة ليس بأمرٍ عظيمٍ[856].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

من يهين الحب فمهما نال من مواهب عظيمة يصير كلا شيء!... من يملك كل هذه الأمور (1 كو 1: 13 - 3) يكون بلا هدف نافع متى لم يكن لديه الأمر الواحد الذي يمكنه به أن يستخدم كل هذه الأمور حسنًا[857].

تسليم الإنسان جسده يحترق ليس تصريحًا بالانتحار، بل الوصية هي ألا نُقاوم الألم إن كان البديل له هو الالتزام بممارسة ما هو خطأ[858].

القديس أغسطينوس.

"المحبة تتأنى وترفق... [4].

طويل الأناة على الآخرين يتعلم كيف يحب الله والناس عملياً. فإنه من أجل محبة الله لا يبالي بإهانات الآخرين أو تصرفاتهم ضده، وبهذا يسلك طريق الكمال، طريق الحب المقدس.

"المحبة تتأنى وترفق" (1 كو 4: 13).

تأمل من أي نقطة بدأ الرسول، وماذا قال كأول مسبب لعظمة المحبة: "إنها طول الأناة". وطول الأناة أصل كل إنكارٍ للذات. وكما قال أحد الحكماء: "الإنسان الطويل الأناة له فهم عظيم، أما المتهور فعظيم في غبائه" [859].

وإذا قارنا طول الأناة بمدينة حصينة وجدناها أكثر حصانة منها. فهي سلاح ماضٍ وقلعة حصينة، يمكن بسهولة أن تقف ضد كل المضايقات. وكما أن الشرارة البسيطة إذا ما سقطت في جب لا تؤذي بل تنطفئ سريعًا. هكذا كل ما يسقط على النفس الطويلة الأناة سرعان ما يتلاشى، وأما النفس فلا تضطرب. لأنه بالحق ليس هناك أقوى من طول الأناة.

قد تتكلم عن الجيوش والأموال والخيول والحصون والأسلحة أو أي شيء يمكن أن يوجد، هذا كله يمكن للغضب أن يهزمه. ذلك لكن ليس مثل التأني. لأن من ينشغل بهذه الأمور غالبًا ما يغلبه الغضب، ويصير مكتئبًا كطفلٍ تافه، ويمتلئ بالارتباك والهياج، أما المتأني فإنه كمن في ميناء، يتمتع بهدوء مملوء تعقلاً. فإن أحاطت به الخسارة، يكون كالصخرة لا يتحرك، وإن شُتم يكون كالقلعة لا يهتز، وإن ضرب بالعصا فلن يُجرح لأنه أصلب من الماس.

أما بولس فلم يقف عند هذا الحد، بل أضاف أيضًا إحدى خصائص المحبة قائلاً "تترفق". لأن هناك من يمارسون طول الأناة، ليس إنكارًا لذواتهم، وإنما لمعاقبة من أثاروهم لكي يفجّروا فيهم الغضب، لهذا يقول بأن المحبة لا تقبل هذا الانحطاط، لذلك أضاف "المحبة تترفق". فهو لا يقصد بطول الأناة إشعال النار فيمن أثاروا الغضب بمعاملتنا لهم بطول الأناة، بل بقصد إخماد الغضب وإبادته. فلسنا نعالج الألم ونشفي جراحات الغضب باحتمالنا الآخرين بنبلٍ، بل احتمالنا لهم بلطف وتعزية[860].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

كيف يقدر أن ينال كمال نقاوة القلب من لا ينفذ الوصايا التي يظهرها الرسول: "احملوا بعضكم أثقال بعضٍ، وهكذا تّمموا ناموس المسيح" (غل 2: 6)، ومن ليس لديه فضيلة المحبة التي هي: "لا تُقبِح... ولا تحتدُّ... ولا تظنُّ السوءَ... وتحتمل كلَّ شيءٍ... وتصبر على كل شيءٍ" (1 كو 4: 13 - 7)؟! لأن "الصدّيق يراعي نفسه بهيمتهِ، أما مراحم الأشرار فقاسية" (أم 10: 12) [861].

الأب شيريمون.

حيث أن الحب الحقيقي هو أن نحب الكل، فإن عرف أحد أنه يبغض لو شخصًا واحدًا يلزمه أن يسرع ويتقيأ هذه اللقمة المرة حتى يتهيأ لقبول عذوبة الحب نفسه[862].

الأب قيصريوس أسقف آرل.

سأل أخ شيخًا: إني أريد أن أستشهد من أجل الله. فأجابه: "من احتمل أخاه في وقت الشدة، فذاك أصبح داخل أتون الثلاثة فتية".

القديس بالاديوس.

من احتمل ظلمًا من أجل الرب يعتبر شهيدًا.

القديس الأنبا موسى الأسود.

إن طول الروح هو صبر، والصبر هو الغلبة، والغلبة هي الحياة، والحياة هي الملكوت، والملكوت هو الله. البئر عميقة ولكن ماؤها طيب عذب. الباب ضيق كرب، ولكن المدينة مملوءة فرحًا وسرورًا. البرج شامخ حصين ولكن داخله كنوزًا جليلة.

القديس مقاريوس الكبير.

إن كان الشخص يغضب بكونه إنسانًا، فإنه يضع حدًا للغضب بكونه مسيحيًا.

القديس ايرونيموس.

أتى أخوة إلى القديس أنطونيوس وقالوا له "يا أبانا قل لنا كيف نخلص؟".

فقال لهم: "هل سمعتم ما يقوله الرب... من لطمك على خدك الأيمن حول له الأيسر؟".

فقالوا له: "ما نطيق ذلك".

فقال لهم: "إن لم تطيقوا ذلك فاصبروا على اللطمة الأولى".

قالوا له: "ولا هذه نستطيع".

فقال لهم: "إن لم تستطيعوا فكافئوا من يظلمكم".

فقالوا له: "ولا هذا نستطيع".

فما كان من القديس إلا أن دعا تلميذه وقال له "اصلح لهم مائدة واصرفهم لأنهم مرضى. إن هذا لا يطيقون، وذاك لا يستطيعون، ووصايا الرب لا يريدون. فماذا أفعل لهم؟!".

القديس بالاديوس.

المحبة لا تحسد... [4].

المحبة هي إنكار للنفس أو إماتة اللذات ليحل الله مكانها. فالمحبة لا تطلب ما لنفسها بل ما هو للآخرين. لذلك من يحب يفرح ويسر لنمو الآخرين روحيًا وجسديًا، ويشتاق لو أعطى له أن يتخلى عن كل ما اكتسبه من بركات أرضية وسمائية لأجل اخوته. فيوناثان لما أحب داود (1 مل 1: 18) كان يشتهي أن يرى إكليل أبيه على رأس داود أكثر مما يشتهي أن يراه على رأسه، إذ قال له: "انت تملك على إسرائيل وأنا أكون معك ثانيًا" (1 مل 17: 23). والأم إذ تحب أولادهما تشعر أن نجاحهم وحصولهم على شهادات دراسية هو نجاح لها شخصيًا.

كثيرون، بل ربما الجميع، يشعرون أحيانًا بثقل أفكار الحسد في داخلهم رغم تأكدهم تمامًا من الشرور التي يجلبها الحاسد على نفسه، وعجزه عن أضرار المحسود. ولعل سر العجز في التخلص منه هو عدم معرفة أسباب دخوله فينا. لما سقط الشيطان شعر بالفراغ يملأ قلبه، وإذ لم يستطع إشباعه من الله بدأ يحسد الشبعى. وسقط آدم وذريته وصارت القلوب فارغة تريد أن تشبع! فإن لجأت النفس إلى يسوع المسيح مصدر شبعها امتلأت، وأحبت الكل، واشتاقت لو أخذت آخر صفوف البشر في هذا العالم والعالم الآتي. ففي هذا العالم، مهما اشتاقت أن تتراجع خلف البشرية، فستجد ربنا يسوع المسيح محتلاَ آخر صف، ليس له أين يسند رأسه، مبصوقًا على وجهه، مطرودًا، مجدفًا عليه، مصلوبًا كأحقر لصٍ. وإن أرادت أن تتراجع إلى الوراء طالبة خلاص اخوتها أولاً، نجد موسى يسبقها قائلاً: "والآن إن غفرت خطيتهم وإلا فامحني من كتابك" (خر 32: 32)، وبولس قائلاً: "فإني كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح اخوتى" (رو 3: 9).

أما إن بحثت عن ينبوع آخر من ينابيع العالم ازداد ظمأها أكثر، فإن طلبت أمجاد العالم وممتلكاته تحسد كل من يملك أو ينال أكثر منها، بل وتحسد من هم أقل منها، لأن النفس العطشى تطلب كل العالم لعله يُشبعها.

الحسد يجعل الإنسان يقف موقفًا عدائيًا قِبَل الله ذاته، وبالتالي يستحيل أن يستقر السلام في مثل هذا القلب. وبناء عليه لا يمكن أن يوجد السلام في جماعة تَسرّب إليها داء الحسد.

لماذا المحبة لا تحسد، ذلك لأنها لا تنفخ فحيث يوجد الكبرياء يتبعه الحسد، لأن الكبرياء هو أم الحسد[863].

القديس أغسطينوس.

"لا تحسد". إذ يمكن للإنسان أن يتأنى ويحسد في نفس الوقت فيفسد سمو التأني، أما المحبة فتمنع حدوث هذا[864]ٍ.

مثل هؤلاء لا يهنأون بطعامٍ أو يتمتعون بشرابٍ. إنهم على الدوام يتأوّهون ويتنهّدون ويحزنون، فطالما لا يُطرد الحسد تتمزق قولبهم نهارًا وليلاً بلا انقطاع.

كل الشرور لها حدود، وكل خطأ ينتهي بارتكاب الجريمة، فالزاني تنتهي معصيته عند حد ارتكاب التعدّي، واللص تقف جريمته عندما يقتل، والسالب يضع حدًا لجشعه، والمخادع يضع نهاية لغشّه، أما الحسد فليست له حدود. إنه شر يعمل على الدوام وخطية ليس لها نهاية.

الشهيد كبريانوس.

لا توجد خطية تفرق الإنسان عن الله والناس مثل الحسد، لأن هذا المرض أشد خبثًا من محبة الفضة. لأن محب الفضة يفرح متى ربح شيئًا، أما الحاسد فيفرح متى خسر أحد شيئًا أو ضاع تعبه سُدى، ويحس خسائر الآخرين ربحًا له أكثر من أي نجاح. فأي شر أعظم من هذا؟!

الزاني يتورط في الخطأ لأجل لذة مؤقتة والسارق قد تكون له حجة الفقر، ولكن أي عذر تقدمه أيها الحاسد؟!

الزاني يحصل على لذة زمنية أثناء ارتكابه الخطية، ثم يعود فيرفضها... فيتوب ويخلص، أما الحاسد فيُعذّب نفسه ولو لم يحدث له ضرر ممن يحسده. فلهذا خطية الحسد أشر الخطايا وأشنعها، لأن الحاسد لا يمكنه مغادرة خطيته، بل يصير كالخنزير المتمرغ في الحمأة، ويماثل بفعله الشيطان...

لهذا أقول لكم أنه ولو كان أحدكم يصنع معجزات أو يحفظ البتولية، أو يكون صوّامًا أو باسطًا كفيّه في الرحمة أو ينام على الحضيض أو يصل بهذه الوسائط إلى فضيلة الملائكة؛ ولكن فيه آلام الحسد فلا محالة يكون أشر من جميع الخطاة وأردأ منهم.

القديس يوحنا ذهبي الفم.

المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ "[4].

الإنسان الذي انسكبت فيه محبة الله بالروح القدس يُدرك حقيقة عضويته وعضوية اخوته في جسد الرب، لذلك لا يحتقر أحدًا ولا يزدري به، بل يحسب الكل مكرّمين لأجل الرب، فيشعر بمشاعر الرسول بولس وهي "" أعضاء الجسد التي تحسب أنها بلا كرامة نُعطيها كرامة أفضل. والأعضاء القبيحة فينا لها جمال أعظم، وأما الجميلة فينا فليس لها احتياج. لكن الله مزج الجسد، معطيًا الناقص كرامة أفضل، لكي لا يكون انشقاق في الجسد بل تهتم الأعضاء اهتمامًا واحدًا بعضها لبعض "(1 كو 23: 12 - 25). فالفقير الذي يحسب كأنه بلا كرامة له عمله في الكنيسة أعظم بكثير من عمل الغني. ففي الكنيسة لا يزدري الأسقف أو الكاهن أو المتوحد أو الراهب في نظام الشركة أو العلماني ببعضهم البعض. بل كل منهم يعطي الآخر كرامة.

المحبة لا تعرف العجرفة، لهذا قال الحكيم "لا تستحي أن تسلم على قريبك" (ابن سيراخ 31: 22).

القديس أمبروسيوس.

"لا تتفاخر"، بمعنى "لا تتهوّر". فإن من يحب يكون متعقلاً وجادًا وثابتًا. بالحقيقة إحدى علامات الذين يحبون بطريقة خاطئة هي السقوط في هذا العيب. أما الذي يعرف هذا الحب فيتحرر من هذه الشرور تمامًا.

فحيث لا يوجد غضب في الداخل يهرب كلٍ من التهوّر والاستخفاف بوقاحة. الحب يشبه مزارعًا يضع كرسيه في داخل النفس ولن يسمح لأي من هذه الأشواك أن تنبت فيها...

الحب يطهّر الكل بكمالٍ.

لاحظوا أن طويل الأناة ليس بالضرورة يكون مترفقًا. فإن لم يكن مترفقًا يصير طول الأناة ليس بالضرورة مترفقًا. فإن لم يكن مترفقًا يصير طول الأناة رذيلة، ويتعرض الشخص لخطر السقوط في المكر. لذلك يقدم الحب دواءً، أقصد الترفق فيحفظ الفضيلة نقيّة.

مرة أخرى الشخص المترفق غالبًا ما يصير مبالغًا في رغبته في إرضاء الغير، هذا أيضًا يصححه الحب، إذ المحبة "لا تتفاخر ولا تنتفخ". الترفق وطول الأناة غالبًا ما يأخذا صورة التظاهر، أما المحبة تنزع هذه الرذيلة أيضًا. انظروا كيف يزين المحبة ليس فقط بما لها، بل وبما ليس لها. إذ يقول: إنها تجلب الفضيلة وتحطم الرذيلة، بل لن تسمح لها أن تنبت قط! [865].

أنظر كيف أن الرسول لم يقل اكرموا بعضكم بعضًا فقط، بل قال "مقدمين بعضكم بعضًا في الكرامة" (رو10: 12). فلا تنتظر أن يبدأ ذاك بإكرامك وتقديمك عنه، بل اجتهد أن تسعى أنت متقدمًا في إكرامه...

القديس يوحنا الذهبي الفم.

بهذا عرفنا محبة الله، لأنه أسلم نفسه عِوضًا عنّا. فينبغي علينا نحن أيضًا أن نبذل أنفسنا عِوضًا عن اخوتنا (1 يو 16: 3). فإذا كان ينبغي أن يبلغ حبنا للمسيح إلى هذا الحد، أي إلى بذل أنفسنا عوضًا عن اخوتنا، فبالأحرى إذًا أن تبلغ بنا إلى أشياء كثيرة نصادفها كل يوم، وهي أقل كلفة بكثير عن بذل أنفسنا عنهم. فأحد هذه الأشياء وأحقّها؛ الذي تقتضيه المحبة منّا وتعيننا في حياتنا ونموها هو اعتبارنا للقريب، فهذا عليه يتأسس ويعتمد كل بنيان المحبة الحقيقية...

فاعتبارنا لاخوتنا يجعلنا نحبهم ونكرمهم ونخدمهم ونتمم نحوهم بقية ضرورات المحبة. فبمقدار ما يزيد فينا اعتبارنا لهم... تزداد فينا المحبة وتوابعها، لهذا يحث الرسول أهل فيلبي "لا شيئًا بتحزب أو بعُجْب بل بتواضع حاسبين بعضكم البعض أفضل مت أنفسكم" (في 3: 2). وقال أيضًا لأهل رومية "وادين بعضكم بعضًا بالمحبة الأخوية، مقدّمين بعضكم بعضًا في الكرامة".

القديس باسيليوس الكبير.

الكل غير كاملين، لا قوّاد الألف، ولا قوّاد المائة ولا قوّاد الخمسين ولا ما يشبههم، بل كلٌ في رتبته يقوم بأداء المهمة الملقاة عليه من (الملك) أو القادة. فبدون الصغير في الرتبة لا يوجد العظيم، وبدون العظيم لا يوجد الصغير. إنه يوجد نوع من الخلطة في كل شيء، وبذلك توجد فوائد مشتركة.

لنأخذ جسدنا كمثالٍ: الرأس بدون الرجلين ليس بشيء، كذلك الرجلان بدون الرأس. فكل الأعضاء حتى أصغرها وأحقرها ضرورية ومفيدة للجسم، فالكل يعمل معًا في انسجام وتحت ضابط واحد، لأجل المحافظة على الجسد كله.

إذًا لنحافظ على سلامة الجسد في المسيح يسوع، خاضعين بعضنا لبعض، كل بحسب الموهبة التي نالها من الله. فالقوي لا يحتقر الضعيف، والضعيف يكرّم القوي. والغني يشبع احتياجات الفقير، والفقير يشكر الله الذي وهبه إنسانًا يشبع احتياجاته...

القديس إكليمنضس الروماني.

"ولا تقبح..." [5].

الإنسان الذي يعيش في عزلة ليس مُعدًا ليميز أخطاءه، إذ لا يوجد من ينصحه أو يصححه بلطف وحنو. في الواقع النصح الصادر من عدو غالبًا ما ينتج في الإنسان الحكيم الرغبة في الإصلاح[866].

القديس باسيليوس الكبير.

ولا تطلب ما لنفسها... "[5].

حيث أن المحبة "لا تطلب ما لنفسها" [5]، لذا لم يصنع يسوع ما ظنّه بطرس صالحًا (مت 23: 16). لذلك نزل من الجبل إلى الذين لم يكونوا قادرين على الصعود عليه ليروا تجلّيه، وذلك ليرد بالطريقة التي بها يستطيعون ذلك. لهذا فمن جانب الإنسان البار الذي له المحبة التي لا تطلب ما لنفسها أن يتحرر من الكل، ولكننه يستعبد نفسه للجميع لكي يربح الأكثرين[867].

العلامة أوريجينوس.

"لا تطلب ما لنفسها" بدون شروط... فالمحبة تجعل المحبوب هو كل شيء لدى المحب. ويحسب المحب (مهما قدّم) أنه يسلك ليس كما ينبغي عندما لا يستطيع أن يحرر المحبوب مما لا يليق به... يشعر الشخص أن الطرف الآخر في موضع نفسه عندما يحب،، لأن هذه هي الصداقة، أن المحب والمحبوب لا يعودوا بعد شخصين منفصلين بل هما بطريقة ما شخص واحد، الأمر الذي لا يمكن الإيمان يكون له موضع إلا بالمحبة.

إذن لا تطلبوا ما لأنفسكم فتجدون أنفسكم. لأن من يطلب ما لنفسه لا يجدها. كما قال بولس أيضًا: "لا يطلب أحد ما لنفسه بل كل ما لأخيه" (1 كو 24: 10). فإن نفعك قائم في نفع أخيك، ونفعه هو لنفعك[868].

بالحقيقة الإنسان المحب هو الذى لا يبحث إلاّ عن نفع محبوبه. فلو خالف المحب ذلك فإنه ولو صنع عشرات الآلاف من أعمال المحبة الصالحة فإنه بالأكثر يكون أقسى من أي عدو.

القديس يوحنا ذهبي الفم.

إن كنت قد وُلدت بالمسيح حقًا، فكل مولود من المسيح هو أخوك. فإن أحببت نفسك أكثر من أخيك، فهذه الزيادة ليست من المسيح!

الشيخ الروحاني.

ولا تحتد... "[5].

اطرد ظلمة الغضوب الذي تراه بصمتك، وتعود تقتني الفرح في قلبك، والسلام في الاخوة والأخوات الذين يشبهونك في الفكر، والغيرة والاهتمام بحفظ كنائس الرب[869].

القديس باسيليوس الكبير.

من كان غضوباً فهو خالٍ من طول الأناة والمحبة، يقلق سريعًا من الأقوال التافهة، ويثير الخصام لأمر يسير حقير، وحيثما لا يكون له مكان يطرح نفسه... فمن لا ينوح على مثل هذا؟ فهو مرذول عند الله والناس.

مار إفرام السرياني.

ولا تظن السوء "[5].

"ولا تفرح بالإثم بل تفرح بالحق" [6].

"لا تفرح بالإثم" بمعنى لا تجد مسرّة عندما يُصاب الآخرون بشرٍ، بل ما هو أعظم: "بل تفرح بالحق". يقول: المحبة تشعر بالسرور بأولئك الذين يتكلم عنهم حسنًا أنهم "يفرحون مع الفرحين ويبكون مع الباكين" (رو 15: 12)... ألا ترون كيف تجعل المحبة من تقتنيها ملاكًا تدريجيًا؟ فإنه عندما يبطل الغضب ويتنقى من الحسد، ويتحرر من كل هوى الطاغية يتخلص من طبيعة الإنسان من هذه الناحية ويبلغ إلى هدوء الملائكة[870].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

الحب يبغض ما هو ظلم، ويفرح بما هو صالح ومكرّم[871].

ثيؤدورت أسقف قورش.

"وتحتمل كل شيء،.

وتصدق كل شيء،.

وترجو كل شيء،.

وتصبر على كل شيء "[7].

"ترجّو كل شيء" يقول: أن المحبة لا تحتقر المحبوب مهما كن تافهًا، فإنها تستمر في تصحيحه ومساندته والعناية به. "تصدق كل شيء": يقول أنها ليست فقط تعطي رجاءً، بل تصدق بكل طاقات عاطفتها. فإنه حتى وإن لم تسر الأمور الصالحة كما كنت تترجى فإن الشخص الآخر يؤكد أنه يحتمل حتى هذه الأمور، إذ يقول: "تحتمل كل شيء" [872].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

من يحب بطريقة كاملة لا يجد شيئًا لا يحتمله، لكننا نحن لا نحتمل أمورًا كثيرة لأننا لم نقتنِ بعد المحبة التي تحتمل كل شيء. إن كنا لسنا نحتمل أثقالاً معينة، إنما بسبب نقص المحبة التي تحتمل كل شيء. في الصراع الذي نثيره ضد الشيطان أيضًا غالبًا ما نسقط، وذلك بلا شكك لأنه ليس فينا المحبة التي لا تسقط أبدًا[873].

العلامة أوريجينوس.

كلما اقتنى القديسون حُبًا لله أعظم يحتملون من أجله كل شيء[874].

القديس أغسطينوس.

الإنسان الذي له هذا الحب لا يخشى شيئا، لأن المحبة تطرد الخوف. عندما يطرد الخوف تحتمل المحبة كل شيء وتحمل كل شيء. من يحمل كل شيء بالحب لا يخاف الاستشهاد[875].

القديس أمبروسيوس.

الحب يجعل العنف هدوءً، والاستباحة عفة، هذا لا يحتاج بعد إلى أمثلة إذ نشاهده في كل البشر. فالإنسان العنيف أكثر من أي حيوان مفترس يصير بالحب أكثر وداعة من أي حمل[876].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

لما كان الحب هو مبدع كل الفضائل، فلنزرعه بكل دقة في نفوسنا حتى ينتج لنا بركات كثيرة، ويكون لنا ثمر باستمرار وبفيض، ثمر دائم الجدة ولن يفسد. بهذا نحصد ليس أقل من البركات الأبدية، هذه التي ننالها نحن جميعًا بنعمة ربنا يسوع المسيح ورحمته[877].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

ويقول أيضًا: "درع الإيمان والمحبَّة" (1 تس 5: 8). المحبة في الواقع هي التي تحيط بالمناطق الحيوية للصدر فتحميه من تعرضه لجراحات الأفكار المتزايدة المهلكة، وتحفظه من الضربات الموجهة ضده، ولا تسمح لسهام الشرير أن تتعمق إلى الإنسان الداخلي، لأن المحبة "تحتمل كل شيء وتصدق كل شيء وترجو كل شيء وتصبر علي كل شيء" (1 كو 13: 7) [878].

الأب سيرينوس.

2. يا لسمو الحب!

"المحبة لا تسقط أبدًا،.

وأما النبوات فستبطل،.

والألسنة فستنتهي،.

والعلم فسيبطل "[8].

الحب هو الأول بين كل الأنشطة التي ترتبط بالفضيلة وكل وصايا الناموس. لذلك إذا ما اقتنت النفس هذا الحب لا تحتاج بعد إلى الأمور الأخرى، إذ تبلغ كمال وجودها. يبدو أن الحب وحده يرى البعض يحتفظ في ذاته بسمة التطويب الإلهي؛ وتصير المعرفة حُبًا لأن ما يُعرف بالطبيعة هو جميل[879].

القديس ماكرينا.

المحبة لن تسقط، وتعنى أنها لن تسقط في خطية.

سفيريان أسقف جبالة.

ماذا بخصوص أعدائنا الوثنيين؟ أما يجوز لنا أن نبغضهم؟

لا! نحن لا نبغضهم، بل نبغض تعليمهم. لا الشخص بل سلوكه الشرير وفكره الفاسد.

لا تعجب أن النبوات والألسنة ستنتهي، ولكن ماذا بخصوص المعرفة؟ واضح أن بولس يُضم المعرفة أيضًا[880].

ماذا يعني "لا تسقط"؟ إنها لا تتحطم ولا تنحل بسبب الاحتمال[881].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

استخدم معرفتك كأداة لبناء المحبة الشامخة الباقية إلى الأبد حتى بعدما تعبر المعرفة. فإن المعرفة التي تسُتخدم لنمو الحب نافعة، لكنها في ذاتها وبانفصالها عن الحب تصير ليس فقط غير نافعة بل ومضرة[882].

القديس أغسطينوس.

[الزيت في مصابيح العذارى الحكيمات].

سأخبركم لماذا يعني بالزيت المحبة؟ يقول الرسول: "أريكم طريقًا أفضل" (1كو 31: 12). "إن كنت أتكلم بألسنة الناس والملائكة ولكن ليست لي محبة فقد صرت نحاسًا يطن أو صنجًا يرن" [1]. هذه هي المحبة الطريق الأفضل من الكل، والتي لسبب حسن يشار إليها بالزيت. فإن الزيت يقوم فوق كل السوائل. اسكب ماء ثم اسكب عليه زيتًا فسيعوم الزيت فوق الماء. اسكب زيتًا ثم اسكب ماءً عليه، سيعوم الزيت فوقه. إن حفظت التدبير العادي فإنه سيكون فوق الكل. إن غيّرت النظام يبقى فوق الكل. هكذا المحبة لا تسقط أبدًا [8] [883].

القديس أغسطينوس.

خلود المحبة أو نقاوة القلب.

لماذا نندهش من أن هذه الأعمال السابق ذكرها ستبطل بينما يخبرنا الرسول الطوباوي أنه حتى عطايا الروح القدس العظمى ستنتهي، مشيرًا إلى أن المحبة وحدها هي التي تبقى إلى الأبد، إذ يقول "وأمَّا النبوَّات فستبطل والأَلسِنَة فستنتهي والعلم فسيُبطَل" (1 كو 8: 13). أما عن المحبة فيقول "المحبَّة لا تسقط أبدًا.." فالعطايا توهَب إلى حين من أجل الحاجة إليها لاستخدامها، فإذا ما انتهى عملها زالت، أما المحبة فلا تسقط أبدًا، لأن المحبة لا يتوقف نفعها عند هذه الحياة بل يتعداها إلى الحياة العتيدة. فإذ تزول أثقال احتياجات الجسد تستمر المحبة في نشاط أعظم وسعادة أوفر، فلا تعود بعد تضعف بتأثيرٍ ما، بل بعدم فسادها الدائم تلتصق بالله بأكثر نشاط وغيرة[884].

الأب موسى.

"لأننا نعلم بعض العلم،.

ونتنبأ بعض التنبوء "[9].

تبقى معرفتنا في هذه الحياة ناقصة، لكن يمكن الاعتماد عليها في حدودها. يثق المؤمنون في شهادة حواسهم التي هي خادمة خاضعة لتعقلهم. ربما أحيانا ينخدعون، ومع هذا فهم أفضل من القائلين بعدم الثقة في الحواس تمامًا[885].

القديس أغسطينوس.

"ولكن متى جاء الكامل،.

فحينئذ يبطل ما هو بعض "[10].

مع أن كل واحد يطلب المزيد من المعرفة على الدوام، فإنها تبقى المعرفة ناقصة في كل الأمور بالنسبة لكمالها الحقيقي حتى يحل الزمن ليأتي ما هو كامل ويزول ما هو جزئي[886].

القديس باسيليوس الكبير.

ما يحدث هو أن معرفتنا لا تختفي تمامًا، وإنما نرى في عدم كمالها أنها محدودة جدًا. إننا سنعرف كل شيء، حاليًا نعرف بطريقة ناقصة. ولكن سنعرف ما هو أكثر.

كمثال نحن نعرف الآن أن الله في كل موضع، لكننا لا نعرف كيف يمكن ذلك. نحن نعرف أنه أوجد الخليقة من لا شيء ولكن ليس لدينا فكرة عن كيفية تحقيق ذلك. نحن نعرف أن المسيح وُلد من عذراء ولكننا لا نعرف كيف وهكذا[887].

ليست المعرفة هي التي تعبر بل الوضع الذي فيه تكون المعرفة جزئية. فإننا ليس فقط نعرف الكثير بل ما هو أعظم بكثير[888].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

كل ما هو ناقص سيتحطم؛ يحدث هذا التحطيم بجعل ما هو ناقص كاملاً، وليس بإزالته تمامًا[889].

أمبروسياستر.

الآن نحن نعرف بعض المعرفة ونفهم جزئيًا، ولكن عندئذ سيمكننا أن ندرك ما هو كامل عندما يبدأ لا الظل بل حقيقة عظمة الله وسرمديته تشرق وتعلن عن ذاتها بغير حجاب أمام أعيينا[890].

القديس أمبروسيوس.

يليق بنا أن نتذكر كم هي عظمة ذاك الإنسان القائل: "لأننا نعلم بعض العلم، ونتنبأ بعض التنبؤ حتى يأتي الكامل" [10]. فإنه حتى الآن توجد رؤية الملائكة القديسين الذين يدعون ملائكتنا، لأننا نحن إذ خلصنا من سلطان الظلمة وتقبلنا غيرة الروح انتقلنا إلى ملكوت المسيح وبدأنا فعلاً ننتمي إلى الملائكة الذين نشترك معهم في التمتع برؤية مدينة الله المقدسة والمُبهجة[891].

حيث يبدأ هذا الإيمان العامل بالمحبة يخترق النفس، فإنها تميل خلال قوة الصلاح الحيوية أن تتغير في البصيرة، حتى أن ما هو مقدس وكامل في القلب يقتبس ومضات من هذا الجمال غير المُعبر عنه الذي في كمال رؤيته نجد سعادتنا العظمى... نبدأ بالإيمان ونكمل بالعيان[892].

القديس أغسطينوس.

"لما كنت طفلاً كطفل كنت أتكلم،.

وكطفلٍ كنت افطن،.

وكطفلٍ كنت افتكر،.

ولكن لما صرت رجلاً أبطلت ما للطفل "[11].

هذا نوع من الحديث الرمزي لبولس عن الطريق الذي عاشه تحت الناموس عندما اضطهد الكلمة ومع ذلك كان بلا إحساس، كان كطفلٍ يجدف على الله[893].

القديس إكليمنضس السكندري.

إنه لا يشير إلى قامة تنمو خلال الزمن، ولا عن فترة معينة من الزمن، ولا إلى أي تعليم سري محفوظ فقط للناضجين البالغين، عندما يقول بأنه قد ترك الطفولية ونزعها. بالأحرى يود القول أن الذين يعيشون بالناموس هم أطفال بمعنى إنهم خاضعون للخوف مثل أطفال يخافون الأرواح، وأما الذين يطيعون الكلمة وقد تحرروا بالكامل فهم في رأيه ناضجون[894].

القديس إكليمنضس السكندري.

نحن في هذه الحياة أطفال إن قورنا بما سنكون عليه في الحياة العتيدة. فإن كل شيء في هذه الحياة هو ناقص بما فيه المعرفة[895].

أمبروسياستر.

"لما كنت طفلاً كطفلٍ كنت أتكلم..." [11] ليس لأن النفس التي للرجل تختلف عن تلك التي نعرف أنها للطفل، وأن التعقّل الطفولي يفشل بينما يحتل الرجولي مكانه فينا، وإنما ذات النفس التي تقوم بدور غير كاملٍ في الواحد تقوم بعملٍ كاملٍ في الآخر[896].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص.

الفكاهة تجعل النفس مرهفة وخاملة، فإنها تثير النفس بمبالغة وغالبًا ما تسبب أعمالاً عنيفة وتخلق حروب وماذا أكثر من هذا؟ باختصار ألم ترد أن تكون بين الرجال؟ اترك الأعمال الطفولية! "[897].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

"فإننا ننظر الآن في مرآة، في لغزٍ (مرآة غامقة)،.

لكن حينئذ وجها لوجه.

الآن اعرف بعض المعرفة،.

لكن حينئذ سأعرف كما عُرفت "[12].

عندما سنؤمن جميعنا بذات الإيمان عندئذ تكون الوحدة، فإن هذا هو ما يدعوه بوضوح: "الإنسان الكامل". ومع ذلك يدعونا في موضعٍ آخر أطفالاً (1 كو 13: 11) حتى ونحن بالغون في العمر، لكنه يتطلع إلى مقارنة أخرى. إذ يقارن بين معرفتنا المقبلة فيدعونا الآن أطفالاً. فبقوله: "نعرف بعض المعرفة" [9، 12] يضيف أيضًا كلمة "لغز (ظلمة)" وما يشبه ذلك. بينما يتحدث هنا (رسالة أفسس) بخصوص أمر آخر بخصوص التغيير، إذ يقول في موضع آخر: "وأما الطعام القوي فللبالغين" (عب 14: 5) [898].

هذا هو معنى التعبير: "كما عُرفت": ليس أننا سوف نعرفه كما هو، ولكن كما أنه يسرع نحونا الآن هكذا سنلتصق نحن به ونعرف الكثير من الأمور التي هي سرّية الآن، وسنتمتع بالمجتمع الأكثر طوباوية وحكمة[899].

"الآن أعرف بعض المعرفة، لكن حينئذ سأعرف كما عُرفت" [12]. ألا تروا كيف أنه بطريقتين ينزع عنهم الكبرياء؟ لأن معرفتهم جزئية، وحتى هذه ليست من عندهم. يقول: "لأني لست أعرفه بل هو عرّفني ذاته". لذلك فإنه حتى الآن هو الذي أظهر أولاً نفسه، وهو الذي يسرع إليّ حتى أُسرع أنا إليه، عندئذ أكثر مما أنا عليه الآن[900].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

في صوت اليمامة الذي يُسمع في أرض الموعد يليق بنا أن نرى المسيح يعلم بشخصه، نراه وجهًا لوجه، ولا نعود نراه في مرآة في لغز[901].

إن كانت المعرفة تُعلن للذين يستحقونها فينالونها في مرآة، وهي لغز في العصر الحالي، وستعلن بالكامل عندئذ فقط، فمن الغباوة أن تظن أنها سوف لا يكون الأمر هكذا بالنسبة لبقية الفضائل[902].

إنه يشجعها ويحثّها ألا تجلس خاملة هناك بل تخرج إليه خارجًا وتحاول أن تراه لا من الشبابيك، ولا من مرآة في لغز، بل تذهب إليه وتراه وجهًا لوجه. لأنه الآن إذ هي لا تستطيع أن تراه يقف هكذا خلفها وليس أمامها، يقف وراء ظهرها، وخلف الحائط[903].

العلامة أوريجينوس.

يراه البشر قدر ما يموتون عن هذا العالم، وقدر ما يعيشون له لا يرونه. وبالرغم من أن هذا النور يبدأ يظهر بوضوح، ليس فقط بأكثر إمكانية لرؤيته بل وبأكثر بهجة، إلا أنه يُرى كما في مرآة غامقة (لغز). فنقول أننا نراه لأننا نسلك بالإيمان لا بالعيان، بينما نحن نجول في هذا العالم كغرباء حتى وإن كانت محادثتنا في السماء (1 كو 12: 13؛ 2 كو 7: 5). في هذه المرحلة يغسل الإنسان عيني عواطفه ليرى أنه لم يضع قريبه أمامه... لأنه بالحق لم يحبه بعد كنفسه[904].

هذه الرؤية محفوظة كمكافأة لإيماننا، يقول عنها الرسول يوحنا: "إذا أُظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو" (1 يو 2: 3). نفهم "وجه" الله إعلانه، ليس جزءً من الجسد مشابهًا للذي في أجسادنا وندعوه بهذا الاسم[905].

القديس أغسطينوس.

نعرف أنفسنا خلال الانعكاس كما في مرآة. أننا قدر ما نستطيع نتأمل العلة الخالق على أساس العنصر الإلهي فينا[906].

القديس إكليمنضس السكندري.

حتمًا ليس لله وجه، لكن بولس يستخدم هذه الصورة ليشير إلى وضوحٍ أعظم وفهمٍ أعمق.

إذ يجلس أحد في ظلمة الليل لا يجرى وراء نور الشمس ما دام لا يستطيع أن يراه، ولكن إذ يحل الفجر ويبدأ بهاء الشمس أن يشرق عليه فإنه سيتتبع نورها[907].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"وجهًا لوجه" ـ هكذا يرى الملائكة القديسون الذين يدعون ملائكتنا. إنهم ملائكتنا بمعنى أننا إذ نخلص من سلطان الظلمة ونتقبل عربون الروح ونتحول إلى ملكوت للمسيح نبدأ ننتمي إلى الملائكة[908].

القديس أغسطينوس.

هذا يعنى أن الأمور التي نسمع عنها الآن على مسئولية الكتب المقدسة نؤمن أنها هكذا. بعد القيامة سنراها بأعيننا ونتعرف عليها خلال الواقع، عندما تبطل المعرفة الجزئية، لأن المعرفة التي تقوم على السماع هي جزء من معرفة الشهادة بالعين والخبرة[909].

القديس ديديموس الضرير.

لم يكتشف بعد أحد أو سيكتشف ما هو الله في طبيعته وجوهره. فالاكتشاف يحدث في المستقبل. ليت هؤلاء الذين لهم فكر في هذا أن يبحثوا ويفكروا فيما سيتم في المستقبل.

يخبرني عقلي الذي على شكل الله عندما يمتزج ذاك الإلهي، أقصد الذهن والعقل، بما هو شبيه به؛ عندما تعود الصورة إلى أصلها الذي تشتاق إليه. هذا يبدو لي هو معنى هذه العبارة العظيمة أننا في الزمان المقبل سنعرف كما عُرفنا[910].

القديس غريغوريوس النزينزي.

نبدأ يكون لنا الجسد الروحاني كما وُعدنا في القيامة، لننظره حتى في الجسد، إما برؤية عقلية أو بطريقة معجزية، حيث أن الجسد الروحي لا يمكن وصفه.

سوف نراه حسب قدرتنا بدون حدود للمكان، ليس متسعًا في جزء وضيقًا في أخر، فإن هذا ليس بجسدٍ بل هو حاضر بكامله في كل موضع[911].

القديس أغسطينوس.

تسلمنا التعليم الخاص بطبيعة اللاهوت التي لا يمكن بلوغها والذي وُهب لنا، كما كشهادة عن الحق الذي أُعلن لنا بالكامل، فنقبل بوقار معنى هذه الأمور التي ننطق بها، المطابقة للإيمان الذي وضعه رب الأسفار المقدسة كلها[912].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص.

"أما الآن فيثبت الإيمان والرجاء والمحبة،.

هذه الثلاثة،.

ولكن أعظمهن المحبة "[13].

سيكون الحب دائمًا في الملكوت، فسيسكن أبديًا في اتحاد الاخوة المنسجمين معًا. لا يمكن للخلاف أن يدخل إلى ملكوت السموات. من يتعدى على حب المسيح بعدم أمانة لا يمكن أن ينال مكافأة المسيح[913].

القديس كبريانوس.

الحب هو الأعظم، فإنه بينما يُكرز بالإيمان، وينسب الرجاء للحياة المقبلة إذا بالحب يملك[914].

أمبروسياستر.

الحب هو رباط الاخوة، أساس السلام، ثبات الوحدة وصرامتها. الحب أعظم من كل من الرجاء والإيمان. إنها تسمو على الأعمال الصالحة وآلام الإيمان. كفضيلة أبدية تقطن معنا إلى الأبد في ملكوت السموات[915].

الشهيد كبريانوس.

يخبر بولس الكورنثوسيين أن الحب هو أعظم من الكل إذ وُجد بينهم حسد وصراع، وكانت الكنيسة في خطر من الانشقاق.

ثيؤدور أسقف المصيصة.

إن كان الإيمان هو مادة كل الأمور التي نترجاها، كما جاء في العبرانيين (11: 1)، فإنه إذ نبلغ هذه الأمور يصير الإيمان أمرًا ثانويًا. هكذا بالنسبة للرجاء. أما بالنسبة للحب فهو أعظم عن هذه كلها، لأنه حين تنتهي الأتعاب تتحول أجسادنا في القيامة، فإن أذهاننا ستثبت بالحب، فلا نعود نطلب شيئا واحدًا أو آخر[916].

ثيؤدورت أسقف قورش.

من الضروري أن تكون لك المحبة ويكون لك الإيمان والرجاء، فتكون هذه الأمور الموهوبة عذبة لك. هذه الأمور المتشابهة: الإيمان والرجاء والمحبة هي ثلاثة؛ إنها أيضًا عطايا الله. فإننا ننال الإيمان من عنده إذ يقول: "كما قسم الله لكل واحدٍ مقياس الإيمان" (رو 3: 12). والرجاء نتقبله من الله الذي يُقال له: "لأنك أعطيتني الرجاء" (مز 49: 119). وتقبلنا المحبة منه، الذي يقال عنه: "انسكبت محبة الله في قلوبنا بالروح القدس الذي أُعطي لنا" (رو 5: 5). الآن هذه الأشياء الثلاثة متشابهة، وإلى حد ما مختلفة، ولكن جميعها هي عطايا الله، "يثبت الإيمان والرجاء والمحبة، هذه الثلاثة ولكن أعظمهن المحبة" [13] [917].

القديس أغسطينوس.

يعالج القديس أغسطينوس موضوع الإيمان والرجاء والمحبة في حياة بعض الكاملين نسبيًا، خاصة المتوحدين والنسّاك، حيث لا يعودوا في حاجة إلى قراءة الكتاب المقدس الذي يدخلون إلى غايته بهذه العطايا الإلهية الثلاثة، والمثل الواضح في ذلك القديس مريم المصرية التي عاشت في البرية بدون الكتاب المقدس، وقد عرفت الكثير منه دون قراءته.

الذي يتكئ على الإيمان والرجاء والمحبة ويثبت فيها لا يحتاج إلى الأسفار المقدسة إلا بغرض تعليم الآخرين. لهذا كثيرون يعيشون بدون الاحتفاظ بنسخ من الأسفار المقدسة حتى في وحدتهم معتمدين على هذه النعم الثلاثة. ففي الحالة الأخرى أظن أنه يتحقق القول: "أما النبوات فستبطل والألسنة فستنتهي، والعلم فسيبطل" [18]. ولكن بهذه الوسائل (كما يمكن أن تُدعى) سيكون بنيان الإيمان والحب عظيمًا فيهم، فيمسكون بما هو كامل ولا يطلبون ما هو كامل جزئيًا – أقصد حتمًا قدر المستطاع – في هذه الحياة بمقارنته بما في الحياة العتيدة، فإن الحياة هنا لا يكون فيها الإنسان البار والقديس كاملاً. لهذا يقول الرسول: "أما الآن فيثبت الإيمان والرجاء والمحبة هذه الثلاثة ولكن أعظمهن المحبة" [13]. فإنه إذ يبلغ الإنسان إلى العالم الأبدي تبقى العطية العظيمة وتنتهي العطيتان الأخريتان[918].

القديس أغسطينوس.

تبطل هذه (الأمور) عندما تظهر تلك، أما المحبة فتبقى سامية وتزداد قوة وحيوية[919].

إن كانت فضيلة الحب عظيمة هكذا، أليس حسنًا يضيف قائلاً: "اتبعوا المحبة"؟ فإنه بالحقيقة توجد حاجة إلى اتباعها، وإن نجري وراءها بمشاعر ملتهبة، إذ هي تهرب بنوع ما منّا وكثير من الأشياء ترتفع عنّا في ذات الاتجاه. لذلك فإننا في حاجة إلى غيرة عظيمة لكي نمسك بها[920].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

من وحي 1 كو 13.

لأتشبه بك يا كلي الحب!

بالحب ولدتني ابنًا لك،.

فأتشبه بك يا كلي الحب!

كيف لي أن اقتدي بك ما لم أقتنيك،.

ويعمل روحك القدوس، روح الحب، فيّ؟

يرفعني إلى سمواتك فاختبر الحياة الجديدة،.

التي لغتها الحب، وقانونها الحب!

روحك الساكن فيّ يهبني شركة الطبيعة الإلهية،.

فاستعذب الحب وأرفض كل ما لا يتناغم معه.

يثمر في داخلي حبًا وفرحًا وسلامًا!

تسبحك نفسي من أجل غنى مواهبك لي ولاخوتي.

لكن بدون الحب لا ننتفع شيئًا،.

بل ونصير كلا شيء.

ماذا انتفع إن تحدّثت مع كل إنسانٍ بلغته،.

بل ومع الملائكة بلسانهم،.

ما لم اقتن الحب في داخلي؟

بدونه يصير صوتي ضجيجًا مزعجًا، تنفر منه السماء والأرض.

بك يا أيها الحب الأبدي لا أطلب صنع معجزات،.

بل بالإيمان أسألك أن تحرك جبال الكراهية،.

وتلقيها بعيدًا عني!

بالحب أفتح مخازن قلبي بإخلاص لكل محتاجٍ،.

وبه اشتهي أن أبذل حياتي من أجلك متهللاً.

بالحب أعرف كيف أتعبد لك، وأسلك مع اخوتي.

لتسكن فيّ يا أيها الحب.

فيهرب حسد إبليس من قلبي،.

مشتهيًا خلاص كل أحدٍ ونجاحه وغناه ومجده.

أفرح به حين يسبقني إليك، ويتمتع بالبركات.

بك أنطلق نحو الصف الأخير،.

فأجد سعادتي في التمتع بتواضعك ووداعتك.

اشترك معك في صلبك متهللاً،.

واحتمل كل ألم بقلبٍ متسعٍ.

بالحب اختفى فيك، فأترجّى شركة المجد معك.

بالحب أرى الأبدية ليست ببعيدة عني.

أذوق عربونها، واشتهي حلولها.

نعم، متى تأتي يا أيها الحب على السحاب.

أنطلق إليك، وقد صرت أيقونة لك.

تبطل كل المواهب وكل علمٍ ومعرفةٍ.

إذ أحيا بروح الكمال وأدرك أسرارك العجيبة.

أتذكر حياتي هنا، فأرى نفسي إني كنت طفلاً،.

والآن بك أتمتع بنضوجٍ فائقٍ.

ينتهي كل ما هو جزئي، لأتمتع بالنضوج والكمال.

ينتهي حتى الإيمان والرجاء،.

ويبقى الحب أبديّا لن يسقط!

الإصحاح الرابع عشر.

التكلم بالألسنة.

بعد أن تحدث الرسول عن "المواهب الروحية" وأوضح أهمية المحبة في ممارسة هذه المواهب، الآن يوضح مركز "التكلم بالألسنة" بين المواهب الأخرى، فيضعها في آخر القائمة، ويعالج المفاهيم الخاطئة لها وإساءة استخدامها.

لقد سبق لي معالجة هذا الموضوع في نبذة سبق نشرها، وقد شعرت بأهمية عرضها هنا كملحقٍ لهذا الإصحاح.

1. سمو النبوة عن التكلم بألسنة 1 - 5.

2. عدم نفع التكلم بألسنة غريبة 6 - 14.

3. العبادة بروحٍ وفهمٍ 15 - 20.

4. التكلم بألسنة لغير المؤمنين 21 - 25.

5. المواهب والتشويش 26 - 33.

6. احترام النظام الكنسي 34 - 40.

1. سمو النبوة عن التكلم بألسنة.

يسألهم الرسول أن يجتهدوا فيما تمتعوا به من مواهب روحية في حدودٍ معينةٍ، وأن يمتلئوا غيرة في التنبؤ أي كلمة الوعظ وتفسير الكتاب المقدس.

"اتبعوا المحبة..." [1].

هذه الآية تكملة الإصحاح السابق. يحثنا الرسول أن نتبع المحبة ونجاهد بكل غيرة لكي نقتنيها ونمارسها، فنحتمل ونصدق ونرجو ونحيا أشبه بملائكة اللَّه. قد تبدو الوصية صعبة، لكنها تصير طبيعية وسهلة لمن يسلم حياته في يد اللَّه، ويحسب الوصية وعدًا إلهيًا يُطالب اللَّه أن يحققها في حياته. من يختبرها بحق يجد فيها لذّة، لأنها تبعث في داخله سلامًا، هو عربون الحياة السماوية المطوبة.

بقوله: "اتبعوا المحبة" يعنى أن نجعلها هدفنا الرئيسي، إذ هي أعظم وأبقي من الإيمان والرجاء، نسعى إليها بالصلاة المستمرة والخضوع لمشيئة الروح (1 كو 12: 11، 31). يتطلع الرسول إلى المحبة كأغنى عطايا الروح القدس للمؤمن وأعظمها، ترفعه إلى السماء، وتهبه تذوقًا للشركة في سمات السمائيين، وتفتح أمامه باب الشهادة بالحب حتى نحو الأعداء المقاومين.

لم يقل فقط "لنحب" إنما يقول: "اتبعوا المحبة" [1]. توجد حاجة إلى غيرة كثيرة...

حب اللَّه هو الذي يوحد الأرض بالسماء.

إنه حب اللَّه الذي أجلس الإنسان على عرش ملوكي.

محبة اللَّه هي التي أعلنت عن اللَّه على الأرض.

إنها محبة اللَّه التي جعلت الرب خادمًا.

محبة اللَّه هي التي جعلت المحبوب يُسلَّم لأعدائه، يُسلَّم الابن لمبغضيه، الرب لخدّامه، اللَّه للناس، الحر للعبيد[921].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"ولكن جدوا للمواهب الروحية،.

وبالأولى أن تتنبأوا "[1].

إذ نحمل الحب نطلب المواهب الروحية، لأنه بدون الحب تصير المواهب علة كبرياء وحسد وغيره وصراعات وانشقاقات في الكنيسة.

إذ نتمتع بالحب ونمارس الحياة المطوّبة نجتهد في الشهادة للَّه بكلمة الكرازة وتفسير كلمة اللَّه، ولا نطلب التكلم بألسنة أو صنع المعجزات. إذ يقارن الرسول بين التكلم بالألسنة وشرح كلمة اللَّه أو النبوة يحثنا على الأخيرة بكونها الأفضل لبناء الجماعة.

يميز البعض بين "النبوة" و "التعليم"، فيروا أن النبوة تحمل التهاب القلب بروح اللَّه لسحب كل إنسان للإيمان الحي وخبرة الحياة الجديدة في المسيح يسوع. أما التعليم فهو كشف عن غوامض ما ورد في الكتاب المقدس، وتوضيح العقائد الايمانية لأجل بنيان الكنيسة وبنيان كل مؤمن. النبوة والتعليم من مواهب الروح القدس، لا يمكن الاستغناء عن إحداهما.

يقول بولس أن النبوة هي أعظم المواهب بعد المحبة لأنها لمنفعة الكنيسة وفائدتها، إذ بها يتعلم كل أحد أسس ناموس اللَّه[922].

أمبروسياستر.

"لأن من يتكلم بلسانٍ لا يكلم الناس بل اللَّه،.

لأن ليس أحد يسمع،.

ولكنه بالروح يتكلم بأسرارٍ "[2].

يري دكتور لايتفوت Dr. Lightfoot أن اللسان غير المعروف هنا هو اللغة العبرية. إذ كانت نصوص العهد القديم تُقرأ بالعبرية، وهي تحوي أسرار اللَّه الفائقة من نبوات عن السيد المسيح ورموز وظلال. ولم يكن يقدر السامعون أن يفهموها ما لم يوجد من يترجمها إلى اللغة التي يعرفها السامعون. هكذا من يقرأ من العهد القديم يفهم ويتحدث مع اللَّه، أما السامعون فلا ينتفعون شيئًا. يحتاج القارئ أن يهبه الروح إمكانية الترجمة ليوضح أسرار اللَّه المخفية بلغة الشعب المستمع له.

لم يقلل الرسول من أهمية التكلم بألسنة أجنبية متى وُجد أجانب، أو متى كرز الشخص بين أجانب [22]. إنما يقلل من شأنها متى كانت بلا نفع، وكان كل الحاضرين يتكلمون بلغة واحدة.

يقصد بالأسرار هنا الحقائق الانجيلية السامية وخطة اللَّه للخلاص الفائقة للفكر البشري.

ظن الكورنثوسيون أن موهبة التكلم بالألسنة موهبة عظيمة، لأن التلاميذ تسلموها أولاً، ولأنها تحمل مظهرًا عظيمًا. لكن هذا ليس بسبب حتى تُعتبر أعظم المواهب. السبب الذي لأجله نالها التلاميذ أولاً هو أنها علامة أن يذهبوا إلى كل موضع ويكرزوا بالإنجيل[923].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"وأما من يتنبأ،.

فيكلم الناس ببنيان ووعظ وتسلية "[3].

من له موهبة النبوة أو الحديث الروحي الذي يسحب القلب نحو الحياة العتيدة والفكر السماوي أفضل ممن له موهبة التكلم بألسنة. يليق بالاثنين من له موهبة النبوة ومن له موهبة التكلم بألسنة أن يقدما ذات الحق الانجيلي. يعمل الاثنان من أجل بنيان الكنيسة، أي استنارتها وتمتعها بروح القوة.

ومن أجل الوعظ، أي الممارسة العملية للحياة الايمانية الصادقة والسلوك المقدس في الرب.

ومن أجل التسلية أو الراحة، ويعنى تشجيع المؤمنين بتقديم الوعود الالهية وفتح أبواب الرجاء أمامهم، فيشعروا بالراحة وسط الآلام، والحياة المطوبة وسط الضيقات والاضطهادات.

يُبنى الشخص عندما يجد الإجابة على النقاط موضع البحث، فيتشجع عندما يقدر أن يحتمل، ويتعزى عندما يستمر في الرجاء حتى إن تطلع الآخرون باستخفاف إلى نظامه. معرفة الشريعة تقوي نفسه وتشجعه ليترجى أمورًا أفضل[924].

أمبروسياستر.

يعتبر بولس هذه الموهبة سامية، لأنها تُستخدم لأجل الصالح العام. دائمًا يعطي كرامة أعظم للمواهب التي تستخدم لنفع كل أحدٍ[925].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"من يتكلم بلسان يبني نفسه،.

وأما من يتنبأ فيبني الكنيسة "[4].

من يتكلم بلسان غير معروف للحاضرين لكنه بلغة مفهومة له فهو يدرك الحق، ويبنى نفسه في المسيح يسوع، لكنه لا ينفع الحاضرين في شيء. كمثال إذ يقرأ النصوص من العهد القديم بالعبرية يفهم أسرار اللَّه ويدرك خطته، أما من يحدث الشعب باللغة التي يفهمها فيبنى كنيسة اللَّه.

الفارق بين الألسنة والنبوة بتدقيق هو الفارق بين النفع الفردي ونفع الكنيسة كلها[926].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"إني أريد أن جميعكم تتكلمون بألسنة،.

ولكن بالأولى أن تتنبأوا،.

لأن من يتنبا أعظم ممن يتكلم بألسنة.

إلا اذا ترجم حتى تنال الكنيسة بنيانًا "[5].

واضح أنه يتحدث هنا عن لغات مفهومة وليس عن هلوسة غير معقولة[927]، وكما يقول Lightfoot إذ يتكلم كثيرون باللغة العبرية يليق أن يترجم أحد ما قد قيل.

في هذا النقطة قارن (الرسول) بين المواهب العظمى والأدنى الخاصة بالتكلم بالألسنة، مظهرًا أنها ليست غير نافعة تمامًا ولا أيضًا مفيدة جدًا في ذاتها. ففي الواقع كان ينتفخون جدًا بسببها، إذ كانوا يظنّون أنها موهبة عظمى. ظنّوا أنها عظيمة، لأن الرسول نالها أولاً واستخدمها بطريقة رائعة، على أي الأحوال يلزم ألا يظنّوا أنها فوق كل المواهب الأخرى[928].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"ولكن بالأولى" والأعظم؛ لا يفهم ذلك على أن التنبوء ضد التكلم بالألسنة، وإنما أسمى منها. هنا أيضًا واضح أنه لا يسيء إلى الموهبة، إنما يقودهم إلى ما هو أفضل، مظهرًا اهتمامه بمصلحتهم بروح لا تحمل حسدًا قط. إذ لم يقل: "أريد أن اثنين أو ثلاثة" بل "جميعكم تتكلمون بألسنة". ليس هذا فقط وإنما "أن تتنبأوا"، وهذه أولى من تلك، "لأن من يتنبأ أعظم ممن يتكلم بألسنة". وإذ أثبت ذلك وبرهن عليه صار يدافع عنه بمهارة. لذلك يضيف: "إلا إذا تُرجم، أي إن كان قادرًا على ذلك، أي على الترجمة. فإنه بهذا يتساوى مع الذي يتنبأ[929].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

لم يستطع بولس أن يمنع التكلم بالألسنة، لأنها هو موهبة من الروح القدس، ولكن الانشغال بالنبوة أكثر قبولاً لأنها أكثر نفعًا[930].

أمبروسياستر.

2. عدم نفع التكلم بألسنة غريبةٍ.

"فالان أيها الاخوة.

إن جئت إليكم متكلمًا بألسنة فماذا أنفعكم إن لم أكلمكم.

إما باعلانٍ أو بعلمٍ أو بنبوةٍ أو بتعليمٍ "[6].

كان لدي الرسول بولس موهبة التكلم بألسنة [18]، لكنه لم يستخدمها كنوعٍ من الاستعراض، وإنما لتوصيل كلمة الإنجيل للذين لا يفهمون اللغة المحلية للبلد التي يتحدث فيها.

عوض الحديث بألسنة يحدثهم الرسول باعلان ومعرفة ونبوة وتعليم:

الإعلان: هو كشف عن أسرار إلهية خفية فائقة المعرفة.

المعرفة: هي تفسير لما يبدو غامضًا، وتمتع بالعلم عوض الجهالة.

النبوة: الحديث الروحي لسحب القلب للحياة الأبدية.

التعليم: تقديم مبادئ مسيحية واضحة.

تحمل هذه التعبيرات الأربعة معنى كشف الأمور والحديث الصريح والبسيط وإعلان الحق للتمتع بالحق والحياة الانجيلية العملية والدخول بهم إلى السماويات.

يقول بولس هذا ليظهر أنه مهتم بنفع الكنيسة لا بالاستخفاف بمن لهم موهبة الألسن. هو نفسه كان يمكنه أن تكون له، لكنها قد تكون بلا نفع ولا تُجدي إن أسيء تفسيرها[931].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"الاشياء العادمة النفوس التي تعطي صوتًا.

مزمار أو قيثارة.

مع ذلك إن لم تعطِ فرقا للنغمات.

فكيف يعرف ما زمر أو ما عزف به؟ "[7].

يقدم الرسول مثالاً عمليًا لمن يتكلم بألسنة لا يفهمها الحاضرون. إنها أشبه بمن ينفخ في مزمار أو يضرب على قيثارة دون تمييز للنغمات وبلا نظام وانسجام، فمع سمعات أصوات موسيقية لكنها مزعجة متنافرة تُفقد المستمع هدوءه وسلامه. عمل الموسيقي أن تخلق جوًا من الفرح أو تعزيات أثناء الحزن وتعبر عن مشاعر الموسيقي لتثير مشاعر الحاضرين نحو هدفٍ واضحٍ.

إن كنا نطلب درجات متفاوتة في الآلات التي بلا حياة كم بالأكثر نطلبها في الكائنات الحية[932].

إن كان حتى في الأدوات الموسيقية التي بلا حياة يوجد نفس الشيء، سواء أكان مزمارًا أو قيثارة، فإن ضُربت أو نُفخ فيها بارتباك بلا مهارة وبدون تناسق وبقدر معين لائق فإنها لن تسبي أحدًا من السامعين. فإن كنت لا تضرب أو لا تنفخ في المزمار بحسب الفن فأنك لا تفعل شيئًا. الآن إن كانت هذه الأمور التي بلا حياة تحتاج إلى التمييز والتناغم والاستخدامات اللائقة، وفي هذه الأصوات التي بلا فاعلية نجاهد ونصارع لكي نسكب عليها معنى كهذا، كم بالأكثر يليق بالبشر المملوءين بالحياة والعقل أن يجعلوا معنى للموضوع في المواهب الروحية[933].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"فإنه إن أعطى البوق أيضًا صوتًا غير واضح،.

فمن يتهيأ للقتال؟ "[8].

يُستخدم البوق في المعارك، ولكل نغمة لها معنى. خلال أصوات البوق يمكن للجند أن يدركوا غاية ضرب البوق مثل استدعائهم معًا، أو حماسهم في السير نحو المعركة، أو دعوتهم بالبدء في ضرب العدو، أو انسحابهم إلى حين للراحة أو انسحابهم تمامًا. وكأن ضربات البوق لها لغة مفهومة تحرك مشاعر الجنود وتوجههم وتهيئهم للعمل العسكري.

إن ضُرب البوق ولم يُدرك الجندي أنه بوق للاستعداد للمعركة لا يحمي نفسه فيتعرض للَّهلاك. هكذا من يتكلم بألسنة لا يفهمها المستمعون لا يدركوا دورهم ويتعرضون للدمار.

البوق علامة الحرب لذلك عندما تتحقق النفس من أن تتسلح بفضائل عظيمة هكذا بالضرورة تدخل الحرب ضد الرئاسات والقوات وضد حكام العالم (الشرير) [934].

العلامة أوريجينوس.

"هكذا أنتم أيضًا إن لم تعطوا باللسان كلامًا يُفهم،.

فكيف يُعرف ما تكلم به؟

فإنكم تكونون تتكلمون في الهواء "[9].

من يتكلم بلغة غير مفهومة يكون كمن يتكلم في الهواء، كأن ليس أحد حاضرًا أمامه، وبالتالي لا ينتفع به أحد.

إن كان التكلم بالألسنة بلا نفع فلماذا أعطيت؟ إنها أعطيت لنفع الشخص الذي ينالها، ولكن إن كانت لنفع آخرين أيضًا فيلزم وجود ترجمة[935].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"ربما تكون أنواع لغات هذا عددها في العالم.

وليس شيء منها بلا معنى "[10].

مع أنه يوجد لغات كثيرة في العالم هذا عددها، لكن ليست لغة ما توجد لمجرد الاستعراض، إنما لها معنى خلالها تتم العلاقات بين الأشخاص.

"فإن كنت لا أعرف قوة اللغة.

أكون عند المتكلم أعجميًا.

والمتكلم أعجميًا عندي "[11].

قوة اللغة في معناها وفهمها. فإن كنت لا أفهم ما يقوله المتحدث معي يصير بالنسبة لي وأنا بالنسبة له كبرابرة لا نفهم بعضنا، لا يمكن أن نتعاون معًا ونعمل معًا، ولا يفهم أحدنا الآخر.

يقصد بكلمة "بربري" أو "أعجمي" الشخص الذي يتكلم بلغة غريبة لا يفهمها المستمع إليه.

"هكذا أنتم أيضًا إذ أنكم غيورون للمواهب الروحية.

اطلبوا لأجل بنيان الكنيسة أن تزدادوا "[12].

إذ ترغب في المواهب الروحية أسألك أن تسعي أن تتحدث بلغة مفهومة وواضحة، وذلك للعمل لحساب بنيان الكنيسة. هذا البنيان هو أهم ما يسعى إليه الروح، وغاية ما نشتهيه. حسن أن يشتهي الإنسان أن يتمتع بمواهبٍ روحيةٍ، لكن يجب أن يكون غايتها هو بنيان الكنيسة. بمعنى أن ما يشتهيه الإنسان لا أن تكون له موهبة التكلم بالألسنة ولا صنع المعجزات بل خلاص نفسه وخلاص اخوته.

بناء الكنيسة عند بولس هو المحك الأصيل في كل ما يقوله[936].

ألا ترون هدفه في كل مكان كيف يتطلع إلى أمرٍ واحدٍ باستمرار وفي كل الأحوال وهو النفع العام، نفع الكنيسة، واضعًا هذا قدامه كقانون؟

لم يقل: "لتنالوا المواهب" بل "أن تزدادوا"، أي لكي تنالوها بفيضٍ عظيمٍ. حاشا لي أن أريد لكم ألا تملكوها، بل أود أن تزدادوا فيها، بشرط أن تستخدموها للنفع العام[937].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

تُثار النفس وتفرح عندما تتعلم شيئًا أكثر عن الكتب المقدسة. كلما توجهت بالأكثر إلى هذا الاتجاه تتخلى بالأكثر عن الرذائل. لهذا السبب ينصح بولس أنه يليق بالشخص أن يجاهد لعمل اتصالات واضحة[938].

أمبروسياستر.

"لذلك من يتكلم بلسان فليصلِ لكي يترجم" [13].

ليت ذاك الذى يتكلم أو يقرأ النبوات الواردة في العهد القديم فى لغتها الأصلية أن يطلب من اللَّه أن يفهمها وينال نعمة ترجمتها، لكى يقدمها للآخرين في أعماق جديدة، ولكي تسنده في الشهادة للسيد المسيح.

من يتكلم بلغة لا يفهمها السامعون فليصلِ لكي يترجم ويفسر بطريقة معقولة ومقبولة لكي يُمكن للسامعين أن يفهموا ما يُقال.

إن كان الشخص الذي يتكلم بألسنة ليس لديه الإمكانية للترجمة فإن الآخرين لن يفهموا، لكنه سيعرف ما يتحرك به ليقوله الروح. عندما يفهم الآخرون ذلك حسنًا سيأتي الثمر. هنا كما في كل موضع نتعلم أن نطلب الصالح العام للكنيسة[939].

العلامة أوريجينوس.

الآن يقول هذا لكي يجلبهم بعضهم مع بعض، فإن كان إنسان ليست له موهبة الترجمة، فليلجأ إلى آخر له هذه الموهبة، فيجعل موهبته مفيدة خلاله.

في كل موضع يشير (الرسول) إلى عدم الكمال لكي يربطهم ببعضهم البعض[940].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"لأنه إن كنت أصلي بلسانٍ.

فروحي تصلي.

وأما ذهني فهو بلا ثمر "[14].

إن كانت صلواتى مقتطفة من عبارات وأقوال نبوية باللغة التي كُتبت بها فإن روحي تصلي، وقلبي ينشغل بالعمل، ولكن فهمي يكون غير مثمرٍ في حياة الآخرين، لأنهم لا يفهمون صلواتي، وأنا لا أقدر أن أفسرها لهم.

يري بعض الدارسين أن الحديث هنا عن الصلوات الجماعية والتسبيح الكنسي عندما يقدم بلغةٍ لا يفهمها الشعب، فمع ما تحمله العبادة من روح له تأثير على الأعماق لكن يبقى العقل خاملاً لا يتابع المعنى.

ماذا يعني بأن روحي تصلي؟ تشير الروح هنا إلى النية الداخلية أو القلب كمركزٍ للمشاعر والعواطف. أما الذهن فيُقصد به القدرة علي الفهم والقدرات العقلية.

إن قدمت كلمة مديح للَّه، ليست جديدة ولا منتعشة بتعليم الروح وتعليم نعمة اللَّه يقدم فمك ذبيحة تسبيح، أما ذهنك فيُتهم بالعقم الخاص بالجسد القديم من الأمس[941].

العلامة أوريجينوس.

هنا يعني نفس شيء أيضًا، أن اللسان يتكلم، ولا يتجاهل الفهم الأمور التي يُنطق بها. فإن لم يكن الأمر هكذا يحدث تشويش آخر[942].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

3. العبادة بروحٍ وفهمٍ.

"فما هو اذا؟

أصلي بالروح وأصلي بالذهن أيضًا،.

أرتل بالروح وأرتل بالذهن أيضًا "[15].

أصلي بالقلب وبكل أحاسيسي ومشاعري المكرسة لحساب الرب، وفي نفس الوقت يشترك فيها الفهم. بهذا يرتفع قلبي إلى السماء وترتفع قلوب اخوتي معي، إذ يدركون ما أصلي به وما أسبح به الرب.

هنا يوضح الرسول الآتى:

1. التزام الكنيسة بالتسبيح وتقديم التشكرات للَّه جنبًا إلى جنب مع الصلوات والطلبات والتضرعات.

2. تُمارس العبادة بكل القلب والمشاعر والأحاسيس لإعلان الحب الداخلي نحو اللَّه.

3. أن تُقدم العبادة بلغة مفهومة لأجل بنيان الحاضرين.

بقوله: "أصلّي بالروح… وأسبح بالروح" يقصد أيضًا ممارسة العبادة بقيادة الروح القدس القادر أن يلهب الأعماق بالحب.

لا تقدر أذهاننا أن تصلي ما لم يُصلي الروح من أجلها فتطيعه، فإننا لا نقدر حتى أن نرتل ونسبح الآب في المسيح بترنيم لائق ونغم موسيقي وقياس لائق وانسجام ما لم يسبحه أولاً الروح الذي يبحث كل شيء حتى أعماق اللَّه ويرتل لذاك الذي يعرف أعماقه ويدرك ما هو قادر عليه[943].

العلامة أوريجينوس.

يبدو لي أن العبادة والصلاة بالروح في بساطة هو أن يُقدم الروح الصلاة والعبادة له[944].

القديس غريغوريوس النزينزي.

صلاة الذين يرتلون مقبولة لدى اللَّه إن كان القلب نقيًا، يحمل ذات الرسالة التي تكشف عنها كلمات التسبحة[945].

كاسيودورس.

لم يهتم (الرهبان المصريون) بكمية الآيات (التي ترنم في الصلاة) بل بضبط الفكر، هادفين نحو "أرنم بالروح وأرنم بالفهم". هكذا يعتبرون أن التسبيح بعشرة آيات بفهمٍ وفكرٍ أفضل من سكب مزمور كامل بذهن مشوّش. هذا يحدث أحيانًا بسبب سرعة المتكلم حين يفكر في المزامير الباقية التي تُرنم وعددها، ولا يهتم بأن يكون المعنى واضحًا لسامعيه، فيسرع لكي ينهي الخدمة[946].

القديس يوحنا كاسيان.

"والا فإن باركت بالروح،.

فالذي يشغل مكان العامي كيف يقول آمين عند شكرك،.

لأنه لا يعرف ماذا تقول "[16].

"فإنك أنت تشكر حسنًا،.

ولكن الاخر لا يُبنى "[17].

"فإن باركت"، هي أسمى أنواع الصلوات والتسابيح أن يشترك المؤمن مع السمائيين في مباركة اسم اللَّه. يجاوب الشعب بالقول: "آمين"، كان ذلك مستخدمًا عند اليهود (تث 27: 15 - 26؛ نح 6: 1)، وفي الكنيسة الأولى[947].

كانت صلوات المجمع تدعى "أولوجيا eulogie" أي "بركات" إذ يقدم الشعب تسابيح شكر وبركة لاسم اللَّه الغني في نعمة وعطايا لنا.

يليق بالمؤمن ألا يكون أنانيًا، فبينما يشعر بكل كيانه أنه مدين للَّه بحياته وخلاصه فيقدم ذبيحة شكر وتسبيحًا له لا يترك أخاه غير مدرك لما ينطق به ولا يتجاوب معه في حياة الشكر والتسبيح. في حبٍ صادقٍ لا يبرر المؤمن تصرفاته بأن شكره أو تسبيحه مقبول لدى اللَّه باللغة الأجنبية دون أن يشترك معه أخوه في هذا.

انظروا كيف يجلب هنا أيضًا الحجر الذي له إلى الميزان المائي لضبط استقامة الحائط، ففي كل موضع يبحث عن بنيان الكنيسة. يقصد هنا بالعامي "غير المتعلم" الإنسان العلماني، ويعني أنه هو أيضًا يعاني خسارة ليست بقليلة عندما لا يقدر أن يقول "آمين". ما يقوله هو هذا: إن كنت تبارك بلسانٍ بربريٍ وأنت لا تعرف ما تقول، ولا تقدر أن تترجمه فإن العلماني لن يجيب: "آمين"... مرة أخرى إذن إذ يعطيه راحة بخصوص هذا حتى لا يرى الموهبة رخيصة. نفس الملاحظة كما فعل قبلاً: عندما ينطق بأسرارٍ أو يتحدث مع اللَّه، ويبني نفسه، ويصلي بالروح قاصدًا تقديم راحة ليست بقليلة خلال هذه الأمور، هكذا يقول هنا: "أنت تتشكر حسنًا" إذ تتكلم متحركًا بالروح، لكن الآخر لا يسمع شيئًا ولا يفهم ما يُقال، فيقف هنا ولا ينال نفعًا عظيمًا بهذا[948].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"أشكر الهي إني أتكلم بألسنة أكثر من جميعكم" [18].

يُظهر الرسول أنه لا يستخف بموهبة التكلم بألسنة، فهو يشكر اللَّه أنه قد وهبه ذلك لكي يحدث الكثيرين بلغتهم. إذ كان بولس رسولاً للأمم وهبه اللَّه التكلم باللغات أكثر من غيره حتى يتمكن من الخدمة في كل البلاد التي يزورها ويخدم فيها.

كانت موهبة التكلم بالألسنة غريبة، أما النبوة فمعروفة وقديمة، وقد أعطيت لكثيرين بعكس الأولى، ومع هذا لم يهتم بها كثيرًا، ليس لأنه لم يستخدمها، ولا لأنه لم ينلها بل يبحث دومًا في الأمور الأكثر نفعًا، بكونه متحررًا من كل مجدٍ باطلٍ، مهتمًا بأمرٍ واحدٍ فقط: كيف يجعل سامعيه في حالٍ أفضل[949].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"ولكن في كنيسة أريد أن أتكلم خمس كلمات بذهني.

لكي أعلم آخرين أيضًا.

أكثر من عشرة آلاف كلمة بلسانٍ "[19].

يقول Dr. Pearce أن أصعب مشكلة في هذا الإصحاح هو إدراك ما يقصده الرسول بكلمتي "روح" pneuma و "ذهن" nous اللتين تكررتا كثيرًا. من العبارة واضح ما يقصده الرسول هو أن يوجه الكنيسة للصلاة والتسبيح لا باللغة العبرية التي كُتب بها العهد القديم خاصة الترنم بالمزامير، وإنما أن يُصلي ويرنم بلغة الشعب حتى يدرك كلمة الوعظ والصلاة والشكر والتسبيح للَّه.

يقول Dr. Pearce أن الرسول يقدم الروح والذهن كأنهما مقابلان لبعضهما البعض. فيقصد بالروح أن يفهم الإنسان المتكلم أو المرتل دون الذين حوله، ويقصد بالذهن أن يدرك الجمهور ما ينطق به المتكلم أو المرتل.

"أيها الاخوة لا تكونوا أولادًا في أذهانكم،.

بل كونوا أولادًا في الشر،.

وأما في الأذهان فكونوا كاملين "[20].

يليق بنا ألا نسلك كأطفالٍ بلا التزام أو مسئوليةٍ أو فهمٍ، بل نكون ناضجين وكاملين كما أن أبانا كامل. لنكن أطفالاً في الشر، لا نحمل روح الخبث بل بساطة القلب والحب.

هنا يلزمنا إدراك معنى ثلاث كلمات يونانية واردة في هذه العبارة:

1 - paidia معناها أطفال بوجه عام وعلى وجه الخصوص الذين ينمون لكي يرسلوا إلى المدرسة ويتقبلوا التعليم. وكأن الرسول يقول: لست أريدكم أن تكونوا أطفالاً paidia صغارًا كمن يبتدءون في الذهاب إلى المدرسة لتعلم المبادئ الأولية بل يكون لهم الفهم والإدراك الكافي لهذه المبادئ.

2 - أما من جهة الخبث فكونوا أطفالاً neepios، وهي مشتقة من nee تعنى طفلا infant عاجزًا عن الكلام في المرحلة البدائية للطفولة. أي يعجز عن أن يهدف نحو الشر أو يتحدث به.

3 - كامل teleioi من teleoo وتعني الإنسان الذي بلغ النضوج الكامل في القامة والفهم. فهو يود أن نكون ناضجين جسديًا وفكريًا.

هكذا يحسب الرسول بولس الذين ينتفخون بالتكلم بألسنة يمارسون عملا طفوليًا غير ناضج، يحتاجون إلى دخول في مدرسة الخدمة ليتدربوا علي الحب العملي والبحث الجاد عن خلاص اخوتهم بفهمٍ وتعقلٍ، لا بانفعالات عصبية طفولية. فالايمان ليس مجالاً للَّهوٍ طفوليٍ بل هو عمل متعقل ناضج. إنه يحترم في الطفولة البساطة وعدم الخبث كما قال السيد المسيح أنه يلزمنا أن نصير كالأطفال لندخل ملكوت السموات (مت 18: 3). لكنه يطالبنا ألا نتشبه بهم في العجز عن الفهم والإدراك أو عدم الالتزام بالمسئولية.

إذ كان لهؤلاء موهبة الألسنة والتي كانت أقل المواهب، ظنّوا أنهم نالوا كل شيء، لذلك يقول: "لا تكونوا أولادًا"، أي لا تكونوا بلا فهمٍ حيث يجب أن تكونوا مفكّرين، لكنكم صرتم كالأطفال البسطاء حيث الشر والمجد الباطل والكبرياء. لأن من هو طفل في الشر يلزم أن يكون أيضًا حكيمًا. وحيث أن الحكمة مع الشر ليست حكمة هكذا أيضًا البساطة مع الغباوة ليست بساطة. يلزم مع البساطة أن نتجنب الغباوة، ومع الحكمة نتجنب الشر[950].

أن تكون طفلاً في الشر هو أنك لا تعرف حتى ما هو الشر[951].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

يريدهم بولس أن يكونوا ناضجين عقليًا حتى يقتطفوا بدقةٍ ما هو لازم لبنيان الكنيسة. بهذه الطريقة يتركون خلفهم المكر والأخطاء، مجاهدين عوض ذلك من أجل الأمور التي تقود إلى صالح الاخوة[952].

أمبروسياستر.

لا تكونوا أطفالاً في الفهم، وإنما في المكر كونوا أطفالاً صغار فتكونوا في الفهم كاملين... يمكن التعبير عن هذا هكذا: "لا تكونوا أطفالاً، ومع ذلك كونوا أطفالاً" [953].

الحكمة الإلهي نفسه إذ حمل طبيعتنا الضعيفة جاء لكي يجمع أبناء أورشليم تحت جناحيه، كدجاجة تجمع فراخها، لا لكي نبقى دومًا صغارًا بل إذ نكون أولادًا في الشر نكف عن أن نكون أولادًا في الفكر[954].

القديس أغسطينوس.

4. التكلم بألسنة لغير المؤمنين.

"مكتوب في الناموس.

إني بذوي ألسنة أخرى.

وبشفاه أخرى.

سأكلم هذا الشعب،.

ولا هكذا يسمعون لي يقول الرب "[21].

يقصد بالناموس هنا العهد القديم ككل، وقد ورد هذا القول في إشعياء 38: 11 – 12. يشير في إشعياء إلى أن اللَّه يعلم شعبه اليهودي المتمرد الخضوع له بتأديبهم وسط شعب يتكلم بلغة أخري، أي بشعبٍ غريبٍ، إذ سلمهم للكلدانيين (السبي الأشوري لإسرائيل ثم البابلي ليهوذا). لم يشر الرسول إلى عبارة نبوية خاصة بالتكلم بألسنة، وإنما يشير إلى استخدام اللَّه للغة الأجنبية لتأديب الشعب الرافض لصوت اللَّه. فكما أدّب شعبه بالبابليين الذين أذلوا الشعب الجاحد، هكذا يستخدم اللَّه التكلم بألسنة لغير المؤمنين، أي للأمم قبلاً. وكأن غاية التكلم بالألسنة ليس الاستعراض ولا عدم الفهم وإنما الحديث مع غير المؤمنين بلغتهم التي يجهلها المتكلم، يتحدث بها كعطية مجانية من قبل اللَّه. بهذا يدرك اليهود والأمم أن اللَّه هو مخلص الجميع.

إذًا الألسنة آية،.

لا للمؤمنين بل لغير المؤمنين.

أما النبوة فليست لغير المؤمنين بل للمؤمنين "[22].

التكلم بألسنة هو آية لا للمؤمنين بل لغير المؤمنين. فكما تحدث اللَّه مع شعبه القديم بلغة التأديب خلال البابليين أي بلغة غريبة حتى يكفوا عن تمردهم ويؤمنوا، هكذا في العهد الجديد يقدم التكلم بالألسنة لكي يحدث غير المؤمنين من اليهود والأمم بلغات أجنبية (غير العبرية) حتى يؤمن الكل! إنه صوت إلهي لرافضي الإيمان بالإنجيل وعمل اللَّه الخلاصي للعالم كله! فمتي آمنوا بالرب وقبلوا الانجيل فلا حاجة لليهود أن يسمعوا الرسل يتحدثون بألسنة الأمم، ولا حاجة للأمم، إن وجد من يعرف لغتهم، أن يبشرهم أحد بلغتهم وهو لم يتعلمها.

فالتكلم بالألسنة ليس للمسيحيين الذين قبلوا الحق الانجيلي بل لغير المسيحيين ليدركوا دعوة اللَّه لهم بلغتهم التي كان يجهلها الرسل.

بنيان الكنيسة يحتاج إلى كلمة النبوة الهادئة البناءة، لكي يتمتع المؤمنون بالمعرفة الصادقة، وتنسحب قلوبهم إلى الحياة السماوية والعالم العتيد.

الألسنة علامة لغير المؤمنين لا لتعليمهم، وأما النبوة فهي للمؤمنين وغير المؤمنين لنصحهم[955].

لا يحتاج المؤمن أن يرى آية بل يطلب فقط تعليمًا ووعظًا[956].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"فإن اجتمعت الكنيسة كلها في مكانٍ واحدٍ،.

وكان الجميع يتكلمون بألسنة،.

فدخل عاميون أو غير مؤمنين،.

أفلا يقولون أنكم تهذون؟ "[23].

يكشف الرسول هنا عن سوء استخدام الموهبة، إذ كانوا يجتمعون معًا، وكل يتحدث بلغة مخالفة، فيتحول الاجتماع إلى نوع من الهذيان والجنون! عوض الحديث مع الشعب باللغة التي يفهمونها والتي لم يتعلمها المتحدث كانوا يهذون بلغات غير مفهومة من عامة الشعب.

بقوله: "عاميون" يقصد أناس لا يفهمون اللغة التي ينطق بها المتكلمون. وكأن المتكلمين يتكلمون بلغات أجنبية موجودة في العالم ولا يهذون بكلمات غامضة، ومع هذا فإن الرسول يرفض ذلك حتى لا تتحول العبادة الكنسية إلى نوع من الهذيان.

هكذا تحولت الكنيسة في كورنثوس إلى الشعب الذي تبلبلت ألسنتهم عندما أرادوا بناء برج لمقاومة اللَّه، عوض تمتعهم بالجو البنطقستي حينما سمع كل واحدٍ اللغة التي وُلد فيها (أع2: 8).

"ولكن إن كان الجميع يتنبأون،.

فدخل أحد غير مؤمن أو عامي،.

فإنه يوبخ من الجميع،.

يحكم عليه من الجميع "[24].

إذا دخل غير مؤمنٍ الكنيسة ووجد كل في دوره يتحدث عن الإيمان بتعقلٍ وفهمٍ وإدراكٍ بروح هادئ وديع يبكته ضميره ويقبل الإيمان، إذ يفهم الكلمة الموجهة إلى قلبه.

"يحكم عليه الجميع"، إذ يدرك كأن خطاياه صارت واضحة للجميع حيث لم يتمتع بعد بغفرانها ولا بِبِرّ المسيح فيه. يدرك حاجته إلى المخلص للتمتع بالحياة الجديدة المقدسة في الرب.

"وهكذا تصير خفايا قلبه ظاهرة،.

وهكذا يخر على وجهه ويسجد للَّه مناديًا.

أن اللَّه بالحقيقة فيكم "[25].

شتّان ما بين جماعة تنطق بلغات مجهولة لا يفهمها غير المؤمن وبين جماعة مقدسة تتعبد وتكرز بالرب الهادئ الوديع. وكما يقول الرسول عن الجماعة الأخيرة:

أولاً: تعطى الفرصة لغير المؤمن أن يدرك في هدوء بما في أعماقه من خطايا، وكأنها قد صارت ظاهرة وتحتاج إلى علاج. وكأن قلبه قد انشق بسيف الروح (عب4: 12؛ يع 1: 23)، بكلمة الرب التي ينطق بها الكارز. يشعر كل واحدٍ أن الكلمة موجهة إليه شخصيًا ليتمتع بعمل اللَّه الخلاصي. يقول مع السامرية: "إنسان قال لي كل ما فعلت" (يو 4: 19، 29).

ثانيًا: يحثه قلبه علي الخضوع للَّه والسجود أمامه، طالبًا التمتع بالخلاص، أي يقبل الإيمان بالمسيح المخلص ويسجد له.

ثالثًا: يشهد أمام أسرته وأصدقائه ومن حوله عن عمل اللَّه في كنيسته وأثره عليه: "مناديًا أن اللَّه بالحقيقة فيكم".

عندما يرى أن اللَّه يُسبح والمسيح يُعبد وليس شيء من التشويش يحدث أو أمر ما يتم سرًا كما يحدث بين الوثنيين عندئذ يُفهم بوضوح أن هذه هي ديانة حقة[957].

أمبروسياستر.

5. المواهب والتشويش.

"فما هو إذًا أيها الاخوة؟

متى اجتمعتم فكل واحد منكم له مزمور،.

له تعليم،.

له لسان،.

له إعلان،.

له ترجمة،.

فليكن كل شيء للبنيان "[26].

إذ تجتمع الكنيسة للعبادة يشترك الكل معًا في التسبيح، وليكن لكل واحدٍ عمله حسب موهبة الروح المعطاة له. يود الرسول بولس أن يعمل الكل، ولكن بنظامٍ وتدبير مؤكدًا أن يكون كل شيء لبنيان الكنيسة.

ألا ترون أساس المسيحية ونظامها؟ كيف أن عمل العامل الماهر هو أن يبني، هكذا هو عمل المسيحي أن يفيد قريبه في كل الأشياء. وإذ بغيرة حطّ من شأن الموهبة (لإساءة استخدامها) فلئلا تبدو أنها كمالية، فإنه يطلب أن يهدم كبرياءهم لاغير. لذلك فإنه أحصاها مع بقية المواهب، قائلاً:

"له مزمور، له تعليم، له لسان".

فإنه منذ القدم كانوا يجعلون من المزامير موهبة والتعليم موهبة. مع ذلك يقول: "فليكن لكل شيء هدف واحد وهو تصحيح الأقرباء، ولا يكن شيء مصادفة. فإن كنتم تأتون دون أن تبنوا أخاكم فلماذا أتيتم؟

في الواقع إنني لا أركز على الفوارق بين المواهب. أمر واحد يشغلني، أمر واحد أرغبه، أن تفعلوا كل شيء للبنيان. هكذا من له موهبة أقل سيسرع أكثر ممن له مواهب أعظم، إن كان لا ينقصه البنيان. نعم! تُمنح المواهب لكي يُبنى كل أحدٍ، فإن لم يحدث هذا تصير الموهبة لإدانة مقتنيها "[958].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"إن كان أحد يتكلم بلسانٍ فاثنين اثنين،.

أو على الأكثر ثلاثة ثلاثة،.

وبترتيبٍ وليترجم واحد "[27].

في كل اجتماع لا يتكلم أكثر من شخصين أو ثلاثة كل في دوره باللغة التي لا يفهمها بعض الحاضرين ويقوم شخص واحد بترجمة ما قيل.

لم يمنع بولس التكلم بألسنة، ربما يقلل من شأن الموهبة لكنه يصر على ضرورة وضع ضوابط لها لأجل بنيان الكنيسة كلها[959].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"ولكن إن لم يكن مترجم،.

فليصمت في الكنيسة،.

وليكلم نفسه واللَّه "[28].

إن لم يوجد من هو قادر أن يترجم فليس من حق أحدٍ أن يتكلم بما لم يفهمه الحاضرون. ليصّلِ أو يسبح في داخله، ولا يرفع صوته بلغةٍ غير مفهومة للحاضرين.

لأنكم جئتم ليس معًا بقصد إظهار أن لديكم موهبة، بل لكي تبنوا السامعين، كما سبق فقال: "ليكن كل شيء للبنيان" [26] [960].

أمرهم منذ البداية أن يحذروا عندما قدم تمييزًا بين العرافة والنبوة. الآن يأمرهم أن يميزوا ويتجسسوا لإدراك الأمر حتى لا يدخل معلم شيطاني خلسة[961].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

الشخص الذي يتكلم بالروح القدس يتكلم عندما يختار ذلك وعندئذ يمكنه أن يصمت مثل الأنبياء. أما الذين بهم روح دنس فيتكلمون حتى عندما لا يريدون. ينطقون بأمورٍ لا يفهمونها.

سفيريان أسقف جبالة.

"أما الأنبياء فليتكلم اثنان أو ثلاثة،.

وليحكم الآخرون "[29].

يحرص الرسول بولس علي روحانية الاجتماعات الكنسية سواء للوعظ أو العبادة. فكما طالب ألا يتحدث أكثر من اثنين أو ثلاثة باللغات التي لا يعرفها كل الحاضرين يطالب أيضًا الذين يتكلمون بكلمة الوعظ ألا يكثر عددهم فلا يتكلم أكثر من أثنين أو ثلاثة ليدرك المتكلم إمكانية الحاضرين للاستماع، فتكون لكلمته الروحية فاعليتها.

يري البعض أن دور الثلاثة الذين يتكلمون فى الاجتماع هو أن يقوم أحدهم بقيادة ترنيم مزمور والثانى بكشف الأسرار الإلهية (العتيدة) والثالث بالحث على الحياة الإيمانية العملية.

أما المعلمون الآخرون فيكون لهم روح التميز ليحكموا بأن ما قام به الثلاثة ليس إلا لبنيان الكنيسة، وأنهم مارسوا العمل بروح اللَّه القدوس وليس باستعراض مواهبهم.

هكذا يهتم الرسول بولس بوجود أناس حكماء لهم روح التمييز حتى تسلك الكنيسة تحت قيادة الروح وليس بفكر بشري.

"ولكن إن أعلن لآخر جالس فليسكت الاول" [30].

إن تحدث معلم بروح الحق عن أمرٍ هامٍ بصمت الأول حتى تسلك الكنيسة بترتيب. ينهي الأول حديثه باختصار ليعطي الفرصة للآخر دون إطالة، ولا يتحدث أيضًا الاثنان في نفس الوقت.

على وجه الخصوص، يليق بمن في مرتبة عالية أن يفسح المجال لمن هو أقل. ببساطة ليست هذه حالة فيها تمُنح كل ميزة لفرد بمفرده. هذا، وأن الذي له رتبة صغيرة ليس بلا موهبة. لا يوجد أحد ليس لديه نعمة اللَّه[962].

أمبروسياستر.

"لأنكم تقدرون جميعكم أن تتنبأوا واحدًا واحدًا،.

ليتعلم الجميع،.

ويتعزى الجميع "[31].

لعله يقصد أنه يمكن إعطاء الفرصة لكل واحدٍ أن يتكلم كل في دوره، لكن لا يتكلم الجميع في اجتماعٍ واحدٍ، لا يتكلم الكل معًا بلا نظام أو ترتيب.

يسأل بولس أن نتبع تقليدًا للمجمع اليهودي، حيث كان الشعب يحاورون وهم جلوس على كراسيهم أو على أرائك أو على الأرض كل حسب رتبته. إن أعُطى لأحدهم ممن هم جلوس على الأرض إعلان يلزم أن يُسمح له أن يتكلم ولا يُحتقر بسبب دنو رتبته[963].

أمبروسياستر.

"وأرواح الأنبياء خاضعة للأنبياء" [32].

لعل بعض الوعاظ كانوا يشعرون بأن الروح القدس قد أعلن لهم شيئًا فيتكلمون بلا نظام. هنا يؤكد الرسول أنه حتى الأنبياء، سواء في العهد القديم أو العهد الجديد، الذين يقودهم الروح القدس ويعلن لهم بعض الأسرار الإلهية يهبهم كمال الحرية ليختاروا الوقت المناسب للكلمة. لا ينزع الروح القدس عن النبي حريته، فمن حقه أن يتكلم أو يصمت، وبروح التمييز يلزم أن يعرف متى يتكلم ومتى يصمت.

بقوله "خاضعة الأنبياء" يكشف الرسول عن العمل الجماعي لهم، فمن حق جماعة الأنبياء أن تنظم كلمة النبوة أو الوعظ، ولا ينفرد أحدهم مصممًا علي رأيه، كأن روح اللَّه يقوده دون اخوته الأنبياء.

"لأن اللَّه ليس إله تشويش، بل إله سلام،.

كما في جميع كنائس القديسين "[33].

سلوك القادة الكنسيين بلا نظام يسئ إلى اللَّه الذي هو إله ترتيب وليس إله تشويش.

جاءت الكلمة اليونانية المترجمة "تشويش" بمعنى "ضجيج" و "عدم هدوء". فهو إله سلام وهدوء ونظام. سماواته أيضًا تحمل هذه السمات! لذا فإن كنائس القديسين كأيقونات حية للسماء لا يُسمع فيها صرخات ضجيج أو عدم نظام، فهي كنائس ملك السلام!

بالحق كانت الكنيسة في أيام بولس بالأكثر أشبه بالسماء، لأن الروح كان يدير كل شيء، ويحرك كل عضوٍ بدوره. وأما الآن فيبدو لدينا فقط رموز هذه المواهب. نحن أيضًا لدينا اثنان أو ثلاثة يتكلمون في الخدمة، ولكن هؤلاء هم فقط ظل لما كان يحدث. الكنيسة الحاضرة تشبه امرأة سقطت من أيام غناها السابقة وعادت لتحمل العلامات الخارجية لغناها، حيث تظهر الصناديق والسلال التي كانت تضع فيها ثروتها لكنها فارغة. هذا حق ليس فقط من جهة المواهب بل ومن جهة الحياة والفضيلة أيضًا[964].

إن كان قد منع من يتكلم بألسنة من الكلام إن لم يوجد مترجم لأنه لا نفع لذلك، فمن المنطق أيضًا يحدّ من النبوة إن لم تحمل هذا النوع بل تسبب تشويشًا واضطرابًا وإثارات نفسية غير عاقلة[965].

بالحق الكنيسة كانت سماءً، لذلك فالروح يحكم كل شيء ويحرك كل واحدٍ من القادة ويعطيه وحيًا[966].

مرة أخرى يصفع الذين اختاروا السلوك بلا لياقة ويسلكون بعار الجنون، ولا يحافظون على رتبتهم اللائقة. فإنه ليس شيء يبني مثل النظام الحسن والسلام والحب، بالرغم من أن المقاومين لهم يحاولون نزع هذه الأمور[967].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

6. احترام النظام الكنسي.

"لتصمت نساؤكم في الكنائس،.

لأنه ليس مأذونًا لهن أن يتكلمن،.

بل يخضعن كما يقول الناموس أيضًا "[34].

يبدو أن بعض الكورنثوسيات كن يتكلمن بألسنة ويسببن ضجيجًا في الكنيسة.

إن كان الأمر هكذا ماذا نقول عن فيلبس الذي كان له أربع بنات يتنبأن؟ إن كن قادرات على فعل ذلك لماذا لا تسمح للنبيات عندنا أن يتنبأن؟

نجيب على هذا السؤال هكذا.

أولا: إن كانت النبيات لدينا يتكلمن فلتُظهرن علامات النبوة فيهن.

ثانيُا: حتى إن كانت بنات فيلبس يتنبأن لم يفعلن ذلك داخل الكنيسة. هكذا في العهد القديم بالرغم من أن دبورة قيل أنها كانت نبية (قض4: 4) لم توجد أية إشارة أنها وجهت حديثًا للشعب مثل إشعياء أو إرميا. نفس الأمر بالنـسبة لهلدة (2 مل 22: 14) [968].

العلامة أوريجينوس.

لقد ضعُفت الحية وارتبطت باللعنة، أما حواء فقد خُتم فمها بالصمت، الأمر النافع، لكنها أيضًا تخدم كقيثارة تسبح الخالق[969].

القديس مار أفرام السرياني.

أود أن أرى غيرة كل رجل وورع كل امرأة. لتحرق كل عدم تقوى من ذهنك، ضع نفسك على المطرقة والعصيان الكافر تحت المطرقة... عندئذ ينفتح باب الفردوس لكل رجل وامرأة بينكم[970].

القديس كيرلس الأورشليمي.

"ولكن إن كن يردن أن يتعلمن شيئًا.

فليسألن رجالهن في البيت،.

لأنه قبيح بالنساء أن تتكلم في كنيسة "[35].

يطلب الطوباوي بولس من النساء تواضعًا عظيمًا وسلوكًا مقبولاً لدى الجماعة، ليس فقط من جهة ملابسهن ومظهرهن بل ويهتم بذلك حتى في نظام أحاديثهن[971].

إن كنا ندبر بيوتنا هكذا نصير بذلك مؤهلين لتدبير الكنيسة. لأنه بالحق البيت هو كنيسة صغيرة. هكذا يمكننا أن نفوق كل الآخرين إن صرنا أزواجًا صالحون وزوجات صالحات. تطلّع إلى إبراهيم وسارة واسحق والثلاثمائة وثمانية عشر الذين وُلدوا في بيته (تك 14: 14). كيف كان البيت كله في تناغم معًا، كيف كان الكل مملوءين تقوى، وتمموا الوصية الرسولية. لقد احترمت زوجها، اسمع كلماتها: "لم يحدث لي بعد هذا حتى الآن، وسيدي أيضًا قد شاخ" (تك 12: 18). وهو أيضًا أحبها هكذا فكان يطيعها في كل شيء. وكان الشاب فاضلاً وهكذا الغلمان الذين وُلدوا في بيته كانوا هم أيضًا ممتازين. فلم يمتنعوا عن أن يُعرّضوا حياتهم للخطر مع سيدهم، ولم يتأخروا ولا سألوه عن السبب لماذا يحاربون معه ضد الملوك "[972].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"أم منكم خرجت كلمة اللَّه،.

أم إليكم وحدكم انتهت "[36].

يعاتب الرسول بولس قادة الكنيسة في كورنثوس فيسألهم هل يظنوا أن كنيستهم هي الكنيسة الأم في العالم منها انطلقت الكرازة، لتنفرد بعادات مختلفة تمامًا عن بقية الكنائس. لقد صارت دون غيرها كنيسة يسودها التشويش لا النظام، يتكلم البعض بألسنة لا للبنيان بل بضجيج، ويعظ البعض معًا دون ترتيب، وتُمارس بعض النسوة بعض تصرفات متعجرفة ويقمن باعتراضات وتساؤلات لا هدف لها الخ. الكنيسة في كورنثوس ليس أم الكنائس ولا آخر كنيسة ولا هي الكنيسة الوحيدة في العالم التي كرز بها الرسول، لذا لاق بها أن تسلك بانسجام مع بقية الكنائس.

"إن كان أحد يحسب نفسه نبيًا أو روحيًا.

فليعلم ما اكتبه إليكم أنه وصايا الرب "[37].

إن كان أحد يظن أنه تحت قيادة الروح القدس، وأنه قادر علي التعليم حسب مشورة اللَّه وبطريقة روحية فإن ما أكتبه إنما هي وصايا الرب ويجب قبولها والطاعة لها. ما يكتبه ليس ثمرة بلاغته أو فكره الشخصي.

"ولكن أن يجهل أحد فليجهل" [38].

من أراد بإرادته أن يجهل سلطاني الرسولي، إني أعلم وأكتب وصايا الرب فإني أتركه لجهلة، يتحمل مسئولية عناده ومقاومته للحق بإرادته.

"اذا أيها الاخوة جدوا للتنبوء،.

ولا تمنعوا التكلم بألسنة "[39].

هذا هو ملخص كل الإصحاح، وغاية الرسول منه إنه يسألهم أن يجاهدوا بكل اشتياق وغيرة في الكرازة والحديث البنّاء، دون أن يمنعوا التكلم بالألسنة إن كان لبناء الجماعة المقدسة.

ألا ترون كيف أنه حتى النهاية يحرص على الاختلاف بينهما (التنبؤ والتكلم بألسنة)؟ ماذا يعني أن الواحد (التنبؤ) ضروري جدًا، والآخر ليس كذلك. لذلك يقول: "إن الواحد يُشتهي جدًا والآخر" لا يُمنع "[973].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"وليكن كل شيء بلياقة وبحسب ترتيب" [40].

ماذا يعنى باللياقة والترتيب؟ أن تُوضع كل الأمور في نصابها حسب أهميتها دون تجاهلها ولا المبالغة فيها. فتمارس الكنيسة أعمالها بوقارٍ وترتيبٍ حسن وجديةٍ.

هنا اقتبس الرسول التعبير الخاص بالترتيب من التعبيرات العسكرية حيث يلزم أن يكون الجيش في نظام دقيق. أي خلل في النظام العسكري يؤدي إلى انهيار الجيش وضياع الدولة، هكذا يلزم ألا يستهين أحد بالنظام الكنسي.

ليس شيء ما يبنى مثل النظام الحسن والسلام والحب، وليس شيء يكون مدمرًا مثل عكس هذه الأمور. ليس فقط في الأمور الروحية بل وفي كل شيء فليراعي الإنسان هذه الأمور[974].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

ملحق للاصحاح 14.

التكلم بالألسنة.

اختفت موهبة التكلم بالألسنة تقريبًا بانتهاء عصر الرسل؛ ومع بداية القرن العشرين بدأت تظهر الحركة الخمسينيPentecostal Movement تُنادى بضرورة العماد بالروح القدس الذي يصحبه حتمًا تكلم بألسنةglossolalia.

فماذا يعنى "التكلم بالألسنة"؟

ولماذا اختفت هذه الموهبة؟

وهل من حاجة إليها في عصرنا الحاضر؟

الألسنة والخلاص.

يروي لنا سفر التكوين بدء ظهور اللغات المتعددة والألسنة، فقد أراد البشر أن يقيموا لأنفسهم برجًا رأسه في السماء، ليس شوقًا إلى السموات، وإنما هروبًا من اللَّه، فتبلبلت ألسنتهم (تك 11). وصارت الألسنة المتعددة علامة انقسام البشرية وعدم وحدتها. وإذ أراد اللَّه أن يقيم من الأمم كنيسة مقدسة، جسد المسيح الواحد، لم ينزع الألسنة وإنما وهب تلاميذه في يوم الخمسين أن يتكلموا بالألسنة القائمة في ذلك العصر ليقبل الكل "الإيمان الواحد"، وينعم الجميع بالحياة الجديدة السماوية، ليترنموا قائلين مع الرسول: "أقامنا معه وأجلسنا معه في السمويات في المسيح يسوع" (أف 2: 6).

ظهرت موهبة التكلم بالألسنة مع مولد الكنيسة في يوم الخمسين (أع 2: 1 - 13)، فقد نالوا عطية الحديث بألسنة لم يسبق لهم أن تعلموها (أع 2: 4، 6، 8، 11)، حيث تفاهموا مع سامعيهم بلغاتهم (أع 2: 37) كوعد السيد المسيح نفسه (مر17: 16). ومن ناحية أخرى عندما ألقى الرسول بطرس عظته بلغته فهمها الجميع، وكأن الروح قد قدم ترجمة فورية لكل لغات الحاضرين.

قدم الروح عطيتين: الأولى كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم وُهب لكل تلميذ اللغة الخاصة بحقل الكرازة الذي عُين له[975]؛ والثانية كما يقول القديس أغسطينوس[976] نال كل رسول أحيانًا إمكانية الحديث بلغة كل شعبٍ يلتقي به ليعلن الروح أن الكنيسة الجامعة تضم الكل.

الحاجة إلى التكلم بالألسنة.

1. لم تكن هذه الموهبة بالنسبة للرسل آية استعراضية، فقد جاء مسيحنا لا يصيح ولا يسمع أحد صوته (مت 12: 19)، وقد وهب كنيسته روحه النارى ليلهب القلب بنار الحب الإلهي بروح الوداعة والتواضع، كي يعمل الجميع، لا بمظاهر حماسية وكلمات غير مفهومة، بل بحياة هادئة متزنة وحكيمة.

لقد سمع الحاضرون في يوم الخمسين "كل واحد منهم لغته التي وُلد فيها" (أع 2: 8). أعطاهم الروح لغات بشرية مفهومة، فكان الكل يعظمون اللَّه.

2. لقد أغلق اليهود على أنفسهم من جهة الإيمان فقاوموا ترجمة الكتاب المقدس إلى اليونانية، وطالبوا الدخلاء أن يتعبدوا بلغتهم وحدها، وكأن السماء تتحدث بلغتهم. لذا كان لائقًا أن تكون علامة حلول روح اللَّه بالنسبة للشعوب الأممية أن يسمعوا لغتهم ممن لم يتعلموها، تأكيدًا لهم ولليهود انفتاح الباب لخلاصهم. لذا يقول الرسول: "إذا الألسنة آية لا للمؤمنين بل لغير المؤمنين" (1 كو 32: 14).

يصف القديس إيريناؤس يوم البنطيقستي في كتابه "ضد الهرطقات" قائلاً: [هذا الروح أيضًا... كما يقول لوقا حلّ في يوم البنطقستي على التلاميذ بعد صعود الرب، مقدمًا قوة لضم كل الأمم إلى مدخل الحياة، ولفتح عهدٍ جديدٍ. بهذا أيضًا صار اتفاق في كل اللغات، فنطقوا بتسبيح للَّه. لقد جاء الروح بالقبائل البعيدة إلى الوحدة، وقدم للآب بكور كل الأمم.].

3. وهب الروح القدس الكنيسة لغة الحب الروحي ووحدة الإيمان ممجدًا تمايز اللغات القائمة فعلاً وتنوع الثقافات.

4. إذ لم يكن العهد الجديد قد دُوِّن وجُمع، كان الروح القدس يعزى الكنيسة ويبنيها خلال مواهب النبوة والألسنة وترجمتها.

لماذا اهتم الرسول بولس دون غيره بهذه الموهبة؟

1. بكونه رسول الأمم؛ وهذه الموهبة تخص انفتاح باب الإيمان أمامهم، لذا التزم بمعالجة هذا الأمر.

2. أساء الكورنثوسيون الموهبة، فتحولت من موهبة لبناء النفس إلى كبرياء وتشامخ مع تشويش، لهذا عند معالجته لها اتبع الترتيب التالي:

(أ) تحدث عن المواهب بصفة عامة (1 كو 2)، واضعًا التكلم بالألسنة في آخر القائمة (10: 12، 22)، مؤكدًا أهمية المواهب بغير كبرياء أو تشامخ، إذ يقول: "اطلبوا لأجل بنيان الكنيسة" (1 كو 13: 12).

(ب) لكى يحطم كبرياءهم ختم حديثه السابق معلنًا عظمة الحب البنّاء عن المواهب الروحية بقوله: "ولكن جدوا للمواهب الحسنى؛ وأيضًا أريكم طريقًا أفضل" (1 كو 31: 12).

(ج) بدأ الحديث عن الحب بتحطيم إساءة استخدام موهبة التكلم، قائلاً: "إن كنت أتكلم بألسنة الناس والملائكة، ولكن ليس لى محبة فقد صرت نُحاسًا يطن أو صنجًا يرن" (1 كو 1: 13). يلاحظ هنا أنه لا يقف عند التكلم بكل اللغات البشرية، وإنما حتى إن نطق الإنسان بلغة الملائكة؛ وهى ليست لغة بشرية مادية ذات أصوات وموجات صوتية، إذ ليس لهم حناجر ولا أحبال صوتية، إنما هى لغة الروح الهادئة التي تتحدث بها الأرواح المقدسة. كأنه يقول: إن بلغتم إلى ما هو سماوي بدون الحب وهذا مستحيل، فتصيرون في نظر اللَّه صانعي ضجيج.

(د) لئلا يظنوا أنه يقلل من شأن الموهبة بسبب شعوره بنقص، قال: "أشكر إلهي إني أتكلم بألسنة أكثر من جميعكم" (1 كو 18: 14).

التكلم بالألسنة في كورنثوس.

تحولت موهبة التكلم بالألسنة من دورها البنَّاء للكنيسة إلى مشكلة خطيرة تهدد إيمان الكنيسة استدعت أن يكتب الرسول إليها عنها في شيء من التفصيل:

1. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن خلطًا حدث بين الذين يتمتعون بالموهبة كوسيلة لبناء الجماعة واجتذاب الأمم للإيمان وبين من يمارسها كعملٍ شيطانيٍ، إذ كانوا ينطقون بكلمات غامضة غير مفهومة، وأحيانًا بكلمات تجديف على السيد المسيح (1كو 3: 14). لقد عرفت الديانات اليونانية هذه الظاهرة، فقد كتب فوجيل الشاعر الرومانى (70 - 21 ق. م.) في قصيدة الأنيادا عن نبية يونانية كانت تتكلم بألسنة غير مفهومة، وتنتابها انفعالات هستيرية[977].

2. يرى بعض الدارسين أن الوثنين كانت تنتابهم حالات هستيرية أثناء عبادتهم، فإذا ما أرادوا الخلاص منها يلعنون الإله لكي يفارقهم الروح. وان هذا ما حدث في كنيسة كورنثوس، حيث صار البعض يجدفون على السيد المسيح (يقول: يسوع أناثيما 3: 12).

3. سقط البعض في كبرياء، فظنوا أنهم بالتكلم بالألسنة يرتفعون إلى قامة روحية عالية، لذلك وضع الرسول هذه الموهبة في آخر قائمة المواهب (1 كو 28: 14)، كما أعلن طريقًا أفضل من الاتكال على المواهب ألا وهو المحبة (1 كو 31: 12؛ 1: 13).

4. في جو المنافسة القاتلة تحولت الموهبة إلى تشويش (1 كو 33: 14)، إذ كانوا يتفوهون بكلمات غير مفهومة وصيحات عالية، ينظرون إلى أصحاب الروح الهادئ الوديع باحتقار كأشخاصٍ غير روحيين لا مواهب لهم، مما أدى إلى انحطاط معنويات الآخرين.

5. ظهور روح الحسد والغيرة طلبًا في مزيد من المواهب الظاهرة لنوال مجدٍ باطل! ‍.

6. حث الرسول شعبه ألا يطلبوا الموهبة من اللَّه، بل بالأحرى يسألونه مواهب أعظم، وهي الإيمان والرجاء والمحبة (1 كو 1: 13، 13).

موقف الرسول بولس.

وضع الرسول بولس في الأصحاح الرابع عشر من رسالته الأولي إلى أهل كورنثوس ضوابط ومعايير لهذه الموهبة، منها[978]:

موهبة هادفة نحو بنيان الكنيسة: "حتى تنال الكنيسة بنيانا" [5]؛ "إذ أنكم غيورون للمواهب الروحية اطلبوا لأجل بنيان الكنيسة أن تزدادوا" [12]؛ "متى اجتمعتم فكل واحد منكم له مزمور له تعليم له لسان... فليكن كل شئ للبنيان" [26].

يتكلم الإنسان بلسان مفهوم: "إن لم تُعطوا باللسان كلامًا يُفهم فكيف يُعرف ما تُكلم به، فإنكم تكونون تتكلمون في الهواء؛ ربما تكون أنواع لغات هذا عددها في العالم وليس شئ منها بلا معنى" [9، 10].

اللسان موجه إلى غير المؤمنين أصحاب لغة أجنبية: "إذًا الألسنة آية لا للمؤمنين بل لغير المؤمنين" [22].

بلياقة وترتيب: "ليكن كل شيء بلياقة وبحسب ترتيب" [40]؛ "فإن اجتمعت الكنيسة كلها في مكانٍ واحدٍ وكان الجميع يتكلمون بألسنة فدخل عاميون أو غير مؤمنين أفلا يقولون إنكم تهذون" [23]؛ إن كان أحد يتكلم بلسان فاثنين اثنين أو على الأكثر ثلاثة ثلاثة وبترتيب وليترجم واحد "[27]. معنى العبارة الأخيرة هكذا: إذا وجد غرباء يتكلم أصحاب موهبة الألسن في كل اجتماع اثنين فقط أو ثلاثة باللغات الأجنبية التي يفهمها الغرباء الحاضرون، ويقوم المترجم بعمله لأجل المواطنين حتى ينتفعوا بالكلمات الروحية البناءة ويحكموا بروح التمييز.

أن تُمارس الموهبة بروح التمييز (1 كو 10: 12)، وهى عطية لا تُقدم للجميع كعلامة ملء الروح أو العماد بالروح، وإنما لتحقيق الهدف السابق ذكره.

هل استمرت الموهبة في الكنيسة؟

يظهر من حديث ترتليان في القرن الثاني أن هذه الموهبة لم تكن موجودة في أيامه، كما كتب ميلتياد Militiades ضد البدعة المونتانية أن يكفوا عن التكلم بألفاظٍ غامضةٍ غير مفهومةٍ، حيث أدمجت موهبة التكلم بالألسنة في موهبة النبوّة، وجاءت شهادات الآباء تؤكد اختفاء الموهبة... لماذا؟

1 - حققت الموهبة غايتها بقبول الأمم الإيمان.

2 - ما تدعيه بعض طوائف القرن العشرين من اعتبار التكلم بالألسنة العلامة الوحيدة لما يسمونه بمعمودية الروح ينافي الفكر الرسولي [المؤتمر الدولي الخمسيني الخامس 31 / 5 / 1912] الذي يحسبها في آخر قائمة المواهب.

3 - استخدام الطوائف انفعالات تتنافى مع روح المسيح الوديع الهادئ.

4 - استخدام كلمات غامضة يدّعى إنسان أو آخر إنه يترجمها يتنافى مع ما ورد في (1 كو 12: 10) من وجود "تمييز الأرواح" للحكم على صدق الموهبة.

5 - قدم الروح الموهبة ليضم الأمم، أما ما تمارسه الطوائف فيقسّم الكنيسة ويشقها عوض أن يوّحدها.

6 - ارتباط الحركات الأخيرة في بدء القرن العشرين بالتكلم بالألسنة كنشوة خلالها ينطق الإنسان بكلمات غامضة وانفعالات نفسية لها خطورتها، حيث خلط البعض بين الموهبة كعمل روحي بنّاء وبين الانفعالات التي يمارسها غير المسيحيين، وقد أوضح الدارسون أن هذه الظاهرة توجد في غير المسيحية[979]. هذا وقد دفع هذا التطرف (النطق بكلمات غامضة) بعض الدارسين إلى تطرف مضاد بالقول إن موهبة الألسن في يوم الخمسين كانت قصة رمزية تمثل حقيقة عمل الروح القدس الغالب للانقسامات العميقة بين البشر بما فيها من انقسام في اللغة[980].

دفاع بعض الخمسينيين.

ألسنة الملائكة.

يعتمدون على كلمات الرسول: "إن كنت أتكلم بألسنة الناس والملائكة" (1 كو 1: 13)؛ وقوله: "لأن من يتكلم بلسان لا يكلم الناس بل اللَّه، لأن ليس أحد يسمع، ولكنه بالروح يتكلم بأسرار... من يتكلم بلسان يبنى نفسه، وأما من يتنبأ فيبنى الكنيسة" (1 كو 14: 2، 4).

يستحيل أن يكون الرسول قد عني أن أصحاب هذه الموهبة ينطقون بألسنة ملائكة، للأسباب التالية:

1 - لم يسقط الملائكة في بلبلة ألسنة وتنوعها، ولا يمثلون أممًا ذات لغات متباينة وإلا احتاجوا إلى مترجمين فيما بينهم؛ كما يعني هذا حرمانهم من روح الوحدة.

2 - حينما يتحدث الملائكة مع بشرٍ إنما هو تنازل منهم أن ينطقوا بلغاتنا البشرية حتى يمكننا أن ندرك الرسالة الإلهية المرسلة خلالهم.

3 - يقول الرسول: "والألسنة ستنتهي" (1 كو 13: 8)؛ فلو عني ألسنة الملائكة والسمائيين، فهل يتوقفوا عن الحديث الملائكي في الأبدية؟!

لقد وُهب البعض أن يصلوا بلغةٍ معينة كالفارسية أو اللاتينية حتى يتأكد الكل أن اللَّه قد فتح الباب ليس فقط للكرازة بلغات متعددة حقيقية وإنما فتح باب العبادة أيضًا. ليس ثمة لغة واحدة للعبادة كما ظن بعض اليهود. ومع هذا فإن الرسول يوضح أن هذه العطية تبني النفس ببركة إلهية، وإن كان لا يفهمها الحاضرون من غير أصحاب هذه اللغة تبنيهم ما لم يُوجد مُترجم. من جهة أخرى يؤكد الرسول حاجة المصلي نفسه إلى فهم ما يصلي به وما يرتل به: "إن كنت أصلي بلسانٍ فروحي تصلي وأما ذهني فهو بلا ثمر؛ فما هو إذًا؟ أصلي بالروح وأصلي بالذهن أيضًا" 1 (كو 14: 14، 15).

لغة الروح ورقصاته.

يرى بعض الخمسينيين أن التكلم بألسنة هو خبرة الروحٍ، أشبه بإشراقة نورٍ لا يمكن تصويرها بكاميرا ذات نور باهر (flash)... هو خبرة روح تُمارس ولا تُوصف، يُعبر عنها بالكلمات الغامضة والرقصات والأحلام الصادرة عن اللاشعور[981]. يعتمدون في ذلك على بعض الأحداث التاريخية مثل تحدث القديس باخوميوس مؤسس نظام الشركة بلغات لم يتعلمها[982]، وعلى أحاديث الآباء، خاصة المتوحدين، عن الدهش (الرؤيا السماوية).

يرد على ذلك بالآتي:

1 - تعبر نشوة الروح أو رقصاتها في سير القديسين عن تهليل داخلي خفي لا يصاحبه حركات جسدية هستيرية، إنما هي انفتاح للقلب على السماء! ‍.

2 - حياة الآباء الروحية العالية سرّ خفي، كُشف أحيانا خلال بعض تلاميذهم، وليس استعراضًا في وسط الجماعة‍‍ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍.

3 - ما حدث مع القديس باخوميوس كان بترتيب وحكمة، فقد ضم ديره جنسيات مختلفة، وكان الروح يهبه ذات اللغة التي يتحدث بها مع أب الأسرة الأجنبية، وهى لغة حقيقية مفهومة.

جاء أيضًا عن القديس مقاريوس أن أحد أشراف روما أراد الحديث معه في سرّ خاص به وقد رفض وجود مترجم كي لا يُكتشف سره، فصلى القديس مقاريوس وأعطاه اللَّه أن يتكلم بلغة الشريف كمن وُلد فيها.

وجاء في رسالة من كنيسة سميرنا تدعى "استشهاد بوليكربس"، فيه عرض لما حدث مع الأسقف الشيخ عام 155ق. م فيه يرد خبرة التكلم بالألسنة. لقد سمح العسكر للأسقف أن يصلي لمدة: "وقف وصلى، وإذ كان مملوءً من نعمة اللَّه حتى استطاع ألا يتوقف لمدة ساعتين، وقد دُهش من سمعوه".

من وحي 1 كو 14.

هب لي لسان الحب!

أرنم لك بالذهن كما بالروح!

هب لي لسان الحب!

قلبي يبحث عنك وعن اخوتي يا أيها الحب،.

فأتبع المحبة وأجتهد في إضرام مواهبك لي!

فلا أُفكر ولا أتكلم أو أعمل إلا بمسحة الحب!

وهبت كنيستك الأولى موهبة التكلم بالألسنة،.

لتفتح بحبك أبواب الرجاء أمام كل الأمم والشعوب.

هب لي أن تفتح قلبي ليجد كل إنسانٍ موضعًا فيه.

لست أطلب موهبة للاستعراض،.

بل حبًا يحملني إلى قلوب حتى المقاومين لي.

بالحب علمني أن أصلي بذهني كما بالروح،.

وأرنم لك بالذهن كما بالروح.

فانسجم مع كل اخوتي في عبادتي،.

ونشترك جميعًا بفهمٍ وحكمةٍ روحيةٍ.

في عبادتي أحمل كل إنسان بالحب إليك.

أُسر بخلاصه، وشركة مجده معك.

هب لنا جميعًا أن نعبدك معًا بالروح.

نعبدك بلغةٍ مفهومةٍ، حتى يشترك ذهننا مع روحنا.

نعبدك بروح الهدوء والنظام،.

فأنت لا تصيح، ولا يسمع أحد صوتك.

أنت إله نظام وليس إله تشويش.

هب لنا الكنيسة أيقونة للسماء.

لا يُنزع الفرح عنها!

تتهلل دومًا وتفرح بتوبة الخطاة.

تعمل دومًا لأجل رجوع كل نفسٍ إليك.

تهيئ كل إنسانٍ ليحمل صورتك.

ويمتلئ رجاءً في يوم عرسه الأبدي.

هب لي ولاخوتي روح الحب والحكمة،.

فتتناغم عبادتنا مع سلوكنا في طريق حبك،.

فننعم بالحياة السماوية.

الباب الخامس.

مشاكل أخروية.

(القيامة من الأموات).

15.

الإصحاح الخامس عشر.

القيامة من الأموات.

يرى البعض أن هذا الإصحاح هو أهم جزء في الرسالة، بل ويحسبونه من أهم ما كتبه الرسول بولس، حيث قدم لنا مقالاً يجيب علي تساؤلات الكثيرين بخصوص الحق الانجيلي الرئيسي، وهو التمتع بالقيامة من الأموات خلال المسيح بكر الراقدين. إنه يرفع نظرتنا لأنفسنا من كائنات ضعيفة تعيش في العالم حيث تبدو بعض الخلائق الأخرى كالحيوانات أكثر منا قوة لنرى أنفسنا في المسيح أجمل خليقة الله في المسكونة، نتحدى الموت لنبقى معه في مجده أبديًا.

يرتبط تقديس الكنيسة ككل وكأعضاء في كل جوانب الحياة بالفكر الإنقضائي أو الأخروي، حيث ننتظر قيامة الأموات واللقاء مع ربنا. لهذا جاء ختام قانون الإيمان يؤكد ترقبنا بيقين القيامة من الأموات. فإن غاية إيماننا هو أن نقوم ونوجد مع إلهنا أبديًا. إيماننا بالقيامة من الأموات يتحدى الزمن والقبر، بل والطبيعة، لننال ما هو فائق للطبيعة.

إذ أنكر بعض الكورنثوسيين قيامة الجسد، وتساءل البعض عن مدى إمكانية تحقيقها قدّم لنا الرسول قيامة السيد المسيح كتأكيد وباكورة لقيامتنا من الأموات، باكورة الحصاد بين الموتى، واشتراك الجسد مع النفس في المجد الأبدي. كما أجاب في هذا الإصحاح على أربعة أسئلة هامة:

هل من قيامة للأموات؟ [1 - 34].

بأي جسد نقوم؟ [35 – 51].

ما هو موقف الأحياء الذين لم يموتوا عند مجيء الرب؟ [51 - 54].

ما هو دورنا العملي خلال رجائنا في القيامة؟ [55 - 58].

جاء تعليم الرسول عن القيامة يحمل اتجاهات إيجابية قوية منها:

أولاً: قدم التعليم بروح متهللة بالمسيح القائم من الأموات مع فرحٍ شديدٍ بروح النصرة على آخر عدو وهو الموت.

ثانيًا: أبرز أن القيامة أمر فائق للعقل لكنه تعليم مقبول، وعلى العكس إنكارها لن يقبله المنطق البشري السليم، إذ يجعل من الإنسان أشبه بحيوانٍ يعيش إلى حين لينتهي إلى الأبد.

ثالثًا: أكد الرسول أن القيامة تقوم على تدبير ونظام إلهي دقيق، فالمسيح بكر الراقدين، والمؤمنون الأبرار بعده، ويُعاقب إبليس وجنوده أبديًا لتكون النهاية. هذا ومن جانب آخر فإنه لكل مؤمنٍ مجده المتميز قدر ما تجاوب مع نعمة الله الفائقة.

لقد أجاب الرسول في رسائله على السؤالين التاليين:

ماذا لو لم يقم المسيح؟

يكون الكتاب باطلاً [14].

لا كفارة لخطايانا [17].

لا رجاء بعد القبر [18 - 19].

ليست قوة إلهية في الحياة (غلا 20: 2، في10: 3، كو 1: 3).

ليس لنا مخلص حيّ (أع 30: 5 - 31).

لا يُعلن عن المسيح ابن الله بقوة (رو4: 1).

لا رأس للكنيسة (مت18: 16؛ أف22: 1؛ 20: 2).

ماذا لو لم توجد القيامة من الأموات؟

ما قام المسيح [13].

نبقى في خطايانا [17]. بدون القيامة لا يوجد دليل على قبول الله الآب لذبيحة المسيح فدية عن خطايانا.

يكون إيماننا باطلاً [14]. بدون القيامة لا موضع للإيمان ولا للرجاء.

تكون كرازتنا باطلة [14]. بدون القيامة لا موضع للإنجيل بالكلية لأننا بهذا نعبد مسيحًا ميتًا. بدونها لا توجد أخبار سارة.

نصير شهود زور لله [15].

لا رجاء للأموات [18].

نحيا في بؤسٍ [19].

1. قيامة المسيحوقانون الإيمان1 - 11.

2. قيامة المسيح أساس قيامتنا12 - 19.

3. قيامة المسيح ضمان لقيامتنا20.

4. قيامة المسيح علاج إلهي لسقوطنا21 - 23.

5. القيامة وتحدي الموت24 - 26.

6. وضعنا الأبدي27 - 28.

7. قيامة المسيح والدوافع الجديدة29 - 34.

8. الجسد المُقام35 - 44.

9. نلبس صورة السماوي45 - 50.

10. البوق الأخير51 - 58.

1. قيامة المسيح وقانون الإيمان.

إذ يعالج الرسول بولس موضوع القيامة من الأموات لا يرى في القيامة عنصرًا هامًا فحسب من عناصر قانون إيماننا، إنما هو عصب الإيمان. فإن غاية الإنجيل هو التمتع بالقيامة التي تحققت بموت المسيح من أجل خطايانا، ليعلن أنه أعظم من خطايانا وأقوى من الموت، واهبًا إيانا القيامة بقيامته. هذا هو إنجيل خلاصنا وقيامتنا ومجدنا السماوي.

لقد أنكر بعض الكورنثوسيين القيامة من الأموات، ربما ظنوا أن الحديث عنها إنما حديث رمزي، كما فعل هيمينايس وفيليتس، فقالا: "إن القيامة قد صارت" (2 تي 18: 2). وكما نادى بعض الهراطقة بأنها ليست إلا تغييرًا في طريقة الحياة. ولعل البعض أنكرها تمامًا لأنه لا يمكن للعقل أن يقبلها ولا للعلم أن يجد تبريرًا لإمكانية حدوثها. كانت القيامة من الأموات حجر عثرة للفلاسفة القدامى، ولا زالت بالنسبة للحركات الفكرية المعاصرة، مثل أصحاب الفكر الإنساني Humanist.

لقد سمح الله بوجود هذه الفئة من منكري القيامة لكي يقدم لنا الرسول صورة حيّة لأهمية الإيمان بالقيامة من الأموات على أساس حيّ، وشهادة صادقة تسند الأجيال المتتالية.

"وأعرفكم أيها الاخوة بالإنجيل الذي بشرتكم به،.

وقبلتموه، وتقومون فيه "[1].

عندما دعا بولس الكورنثوسيين المسيحيين اخوته (أيها الاخوة) يضع الأساس لأهم براهينه المتوالية. فإننا صرنا اخوة خلال عمل المسيح في حياته على الأرض وموته. بعد هذا كله ما هو الإنجيل إلا رسالة أن الله صار إنسانًا، وصلب وقام؟ هذا هو ما أعلنه الملاك جبرائيل للعذراء مريم (لو 1: 26 - 38)، وما كرّز به الأنبياء للعالم، وما أعلنه كل الرسل حقيقة[983].

القديس يوحنا الذهبى الفم.

ما يقدمه لهم الرسول ليس بالتعليم الجديد إنما يذكرهم بما سبق أن بشرهم به وقبلوه، إذ هو الذي أسس الكنيسة هناك (أع 18: 1). يؤكد لهم الرسول بولس أن ما يقدمه لهم هو ذات الإنجيل الذي استلمه وسلّمه إليهم سابقًا. فكرازته تقوم على كلمة الله التي لا تتغير، الحق الأبدي. هذا هو الأساس الثابت الذي يقومون فيه، إن نُزع عنهم فقدوا ثباتهم وسقطوا. الإيمان بالقيامة من الأموات هو أساس المسيحية، إن تشكك أحد فيها سقط كل بنيان نفسه وإيمانه بالله ورجاؤه في السماء. لقد قدم لهم "الإنجيل" كبشارةٍ مفرحةٍ، بدأت بمجيء المسيح الأول ليقدم الخلاص وتكمل بمجيئه الأخير وقيامتنا لننعم بثمر عمله الخلاصي أبديًا.

لم يكن الكورنثوسيون يحتاجون أن يتعلموا هذا التعليم إذ سبق فعرفوه، إنما كانوا محتاجين إلى التذكرة به، وتصحيح أخطاء فهمهم له[984].

القديس يوحنا الذهبى الفم.

الإنجيل الذي يكرز به الرسول بولس هو: "مات المسيح عن خطايانا، ودُفن، وقام في اليوم الثالث".

"وتقومون فيه" إن كان موضوع إنجيلنا أو كرازتنا هو التمتع بالقيامة من الأموات، فإننا إن ثبتنا فيه نقوم فيه ولا نسقط، ويصير قيامنا في الإنجيل عربون القيامة الأبدية. بقوله "تقومون فيه" يظهر الرسول دهشته كيف بعد أن قبلوا هذا التعليم وعلي أساسه قامت كنيستهم ورجاؤهم ونموهم الروحي عادوا ينكرونه. أنهم يهدمون كل ما قد بناه الرسول وغيره، بل وما جاهدوا من أجله وما تمتعوا به من نعم إلهية وبركات.

"وبه أيضًا تخلصون.

إن كنتم تذكرون أي كلام بشرتكم به.

إلا إذا كنتم قد آمنتم عبثًا "[2].

لم يقل "خلصتم" بل "تخلصون"، وكأن الخلاص هو عمل حاضر ومستمر نتمتع به مادُمنا نتذكر إيماننا المستقيم، ونمارسه عمليًا.

يُظهر بولس لأهل كورنثوس أنهم إذ انحرفوا عن تعليمه، خاصة الإيمان بقيامة الأموات الذي عليه يتأسس تعليمه، فإنهم سيخسرون كل ما آمنوا به[985].

الأب أمبروسياستر.

قيامة الجسد هي كل موضوع رسالة إنجيلنا. بدونها تصير كل أعمال صلواتنا وأصوامنا بلا معنى[986].

بيلاجيوس.

"فإنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضًا.

أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب "[3].

لم يقل الرسول: "ما قد علمتكم إياه" و "قد تعلمته" بل قال "سلمتكم" و "ما قبلته"، فإن تعليم القيامة بل وكل المسيحية ليست مجرد مجموعة تعاليم عقلية نقتنع بها أو نؤمن بها لكنها حياة نستلمها ونقبلها بقلوبنا وعقولنا ومشاعرنا مترجمة في كلماتنا وسلوكنا.

تطلع كيف يدعوهم هم أنفسهم ليكونوا شهودًا عن الأمور التي ينطق بها. لم يقل: "ما سمعتموه" وإنما "ما تسلمتموه" طالبًا منهم نوعًا من هذه الأمور كوديعة تسلّموها، مظهرًا أنه ليس فقط خلال الكلمة وإنما أيضًا بالأعمال والآيات والعجائب التي تسلّموها، وأنه يلزمهم أن يحفظوها في آمان[987].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

يلاحظ القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول لم يقل "ما قد تعلّمته" بل "ما قد تسلّمته" مؤكدًا أمرين: الأول أنه لا يتحدث بشيء من عنده، والثاني أن ما نتعلمه أو نعلمه إنما يصوّر خلال العمل لا الكلمات المجرّدة. لقد أكد الرسول أن مصدر التعليم هو المسيح نفسه وليس من إنسان[988].

ما قد تسلمه الرسول وأودعه لديهم هو أن المسيح أُسلم لأجل معاصينا وقام لأجل تبريرنا (رو 25: 4). فقد قدم نفسه ذبيحة لغفران خطايانا، وأعلن الآب بالقيامة قبولها ورضاءه عنا. هكذا موت المسيح على الصليب وقيامته هما جوهر الحق الإنجيلي.

"حسب الكتب":

إذ أوضح الرسول أن القيامة من الأموات هو عصب إيماننا أكد حقيقة القيامة بتأكيد أن موت السيد المسيح وقيامته من الأموات تحقيق لما ورد من نبوات العهد القديم [1 - 4]، ومن شهادة شهود العيان [5 – 11]. هذه الحقيقة سبق فتنبأ عنها رجال العهد القديم وقدم لنا العهد القديم رموزًا لها مثل يونان في جوف الحوت (مت4: 12) وذبح اسحق (عب 19: 11)، فجاء إنجيلنا متناغمًا ومكملاً لما ورد من نبوات ورموز وظلال للحق الإنجيلي. فبقوله "حسب الكتب" يوضح أن موت المسيح كذبيحة كفارية وقيامته من أجل تبريرنا ليس بالأمر الجديد، إنما اشتهاه رجال العهد القديم وترقبوه بشوقٍ شديدٍ وتنبأوا عنه (راجع مز22؛ إش 53؛ دا 9: 26؛ زك 12: 10؛ مز 16؛ لو 24: 26، 46).

قال إشعياء: "سيق كغنم للذبحٍ" (إش 53: 7) وهكذا. ويضيف سفر الرؤيا (13: 8) أنه ذُبح قبل تأسيس العالم (بإرادته)، وفي التثنية (28: 66) "وترى حياتك معلقة قدامك ولا تؤمن". هذه كتبت بأسلوب المستقبل حتى لا يحتج الأشرار بأنها لا تنطبق على المسيح[989].

الأب أمبروسياستر.

شرور الخطاة ليست أعظم من برّ ذاك الذي مات من أجلها. الخطايا التي اُرتكبت ليست أعظم من العدالة التي تحققت عندما سلم حياته من أجلنا[990].

القديس كيرلس الأورشليمي.

قدم حياته مقابل حياة الكل. مات واحد عن الجميع، لكي ما نحيا لله مقدسين، ونتمتع بالحياة خلال دمه، ونتبرر كعطيةٍ ننعم بها بنعمته[991].

القديس كيرلس السكندري.

لم يقل فقط "مات المسيح" مع أن هذا القول فيه كفاية ليُعلن عن القيامة، لكنه أضاف "المسيح مات من أجل خطايانا" [992].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"وأنه دفن، وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب" [4].

دفن السيد المسيح في القبر، ولم يكن القبر بالنسبة له موضعًا للفساد، بل كان طريقًا للحياة (أع 2: 26 - 28).

يشير هوشع النبي إلى قيامة السيد المسيح في اليوم الثالث (هو 6: 2).

"دُفن": هذا لتأكيد أن المسيح مات الموت البشري حقيقة. ويشير إلينا مرة أخرى إلى الكتب المقدسة كبرهان على ذلك... يرسلك بولس إلى الأسفار المقدسة لكي تتعلم أنه ليس بدون سببٍ ولا مصادفة حدثت هذه الأمور. إذ كيف يمكن أن تكون الأمور هكذا بينما يصفها كثير من الأنبياء ويشيرون إليها مقدمًا؟ عندما يتحدث الكتاب المقدس عن موت ربنا لا يوجد موضع في يشير فيه إلى الخطية إنما هو موت الجسد وحده ودفنه وقيامته[993].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

يذكرنا بولس أن نعترف بطريقة الموت والقيامة ليس بطريقة حرفية، بل بكل دقة حسب شهادة الكتب المقدسة، حتى يكون فهمنا لموته مطابقًا لفهم الرسل... لقد فعل هذا حتى لا نكون بلا عون، تلطمنا رياح الحوارات الباطلة، وتتسلل إلينا الآراء الخاطئة غير اللائقة خفية[994].

القديس هيلارى أسقف بواتييه.

شهادة شهود العيان.

بعد أن قدم شهادة الأنبياء وأحداث العهد القديم، الآن يُقدم شهادة شهود عيان كثيرين لقيامة المسيح أو للمسيح القائم من بين الأموات. يقدم خمسة ظهورات سبقت ظهور السيد المسيح له شخصيًا.

لبطرس الرسول (صفا).

للإثني عشر رسولاً.

لخمسة آلاف شخصٍ دفعة واحدة.

ليعقوب الرسول على انفراد.

لكل الرسل عند صعوده.

أخيرًا ظهر له آخر الكل.

إذ يشير إلى البرهان من الأسفار المقدسة يضيف براهين من الأحداث كشهادةٍ عن القيامة، وذلك بعد أن أشار إلى شهادة الأنبياء ذكر الرسل ومؤمنين آخرين[995].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"وأنه ظهر لصفا ثم للاثني عشر" [5].

أشار إلى التلاميذ بالإثني عشر، وقد جاءت في بعض الترجمات كالسريانية والسلافونية والفولجاتا وفي بعض كتابات الآباء "الإحدى عشر".

تعبير "الإثني عشر" لا يعني العدد رقم 12، إنما يحمل إشارة إلى التلاميذ كجماعة معًا، وقد دعوا هكذا حتى بعد خيانة يهوذا، حيث اختير فيما بعد الثاني عشر، وكان شاهدًا لقيامة السيد المسيح. غالبًا ما كان متياس الذي اختير فيما بعد عوض يهوذا الأسخريوطي حاضرًا معهم (أع 1: 22 - 23).

لم يشر الرسول إلى كل شهود العيان للقيامة، لكنه اكتفي بمن يثق فيهم الكورنثوسيون، وكان أغلبهم لازالوا أحياء حتى يمكن التحقق منهم بما رأوه. بدأ بالقديس بطرس الرسول ثم بالاثني عشر تلميذًا، ولم يذكر المريمات حتى القديسة مريم والدة الإله لأنهم سوف لا يلتقون بهن.

يخبرنا الكتاب المقدس أنه ظهر أولاً لمريم (مر 16: 9). ولكن عندما ظهر للرجال ظهر أولاً للذين طلب منهم بالأكثر أن يروه. ولكن أي الرسل يعنى هنا؟ لأن متياس لم يكن بعد قد أضيف إلى الرقم إلا بعد الصعود. على أي الأحوال يبدو أن المسيح ظهر حتى بعد صعوده إلى السماء. لم يحدد بولس الوقت وإنما يسجل الخبرة[996].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمس مئة أخٍ أكثرهم باقٍ إلى الآن،.

ولكن بعضهم قد رقدوا "[6].

في مت 28: 10 طلب السيد المسيح القائم من الأموات أن يذهب تلاميذه إلى الجليل هناك يرونه، ولم يشر أحد من الإنجيليين إلى هذا اللقاء. هناك في الجليل قضى أغلب فترة خدمته العلنية، وهناك اختار أغلب تلاميذه.

غالبًا ما حدث هذا علي جبل تابور في الجليل كما جاء في التقليد الكنسي، حيث تحققت أكثر ظهوراته العلنية كوعده السابق (مت 26: 32؛ 28: 7، 10، 16). وقد عيّن هذا الموضع بعيدًا عن أورشليم حتى يمكن للمؤمنين أن يجتمعوا هناك في أكثر أمانٍ. إذ لم يكن ممكنًا لمثل هذا العدد أن يجتمع معًا للقاء معه في العاصمة بعد أحداث الصلب.

لم تسجل الأناجيل هذا، لكن بولس عرف ذلك معتمدًا عليهم[997].

أمبروسياستر.

تعبير "قد رقدوا" يشير إلى موت القديسين، فمن جانب يستقبلون الموت كراحةٍ مؤقتةٍ تدخل بهم إلى الراحة الأبدية. يموتون وهم في سلامٍ عميقٍ وهدوءٍ كمن يدخلون إلى أسرتهم ليناموا ويستريحوا. ويحمل هذا التعبير الرجاء في القيامة، وكأنها استيقاظ من النوم (يو11: 11؛ 1 كو 11: 30).

لم يقل بولس أن بعضهم قد ماتوا بل رقدوا، بهذا يؤكد حقيقة القيامة[998].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"وبعد ذلك ظهر ليعقوب.

ثم للرسل أجمعين "[7].

لم يذكر الرسول أين تم هذا الظهور ولا ما هي مناسبته، لكنه واضح أنه يتحدث عن يعقوب وكان لا يزال حيًّا. ويعقوب الأصغر، أخ الرب (غلا 1: 19). جاء في الإنجيل بحسب العبرانيين المزيف أن يعقوب أقسم ألا يأكل خبزًا منذ اللحظة التي شرب فيها كأس الرب (في خميس العهد) حتى يراه قائمًا من الأموات.

عند كتابة الرسالة كان يعقوب الآخر قد رقد (أع 12: 1). أما علة ذكره ليعقوب فهو لأنه سمع الشهادة بقيامة الرب من شفتيه، إذ يقول الرسول أنه لم يرَ أحدًا آخر من التلاميذ بعد عودته من العربية سوي يعقوب (غلا 1: 19).

"بعد ذلك ظهر ليعقوب"، أظن أنه أخ الرب. فقد قيل أن الرب نفسه سامه وأقامه أسقفًا في أورشليم أولاً[999].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

أما قوله: "للرسل أجمعين" ربما يقصد هنا السبعين رسولاً (لو 10) بجانب الإثني عشر تلميذًا. ربما يشير إلى لقائه معهم عند بحر الجليل (يو21: 14). غالبًا ما كان يظهر لهم في الأربعين يومًا من قيامته إلى صعوده وهم مجتمعون معًا.

الرسل المشار إليهم هنا يشملون السبعين بجوار الإثني عشر[1000].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي أنا" [8].

"ظهر لصفا ثم للإثني عشر" فإن كنت لا تصدق شهادة واحد لديك اثنا عشر شاهدًا. "وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمائة أخ". فإن كانوا لا يصدقون الاثني عشر فليصغوا للخمسمائة شخص. "وبعد ذلك ظهر ليعقوب" أخيه وأول أسقف (ناظر) لهذه الايبارشية (أورشليم). حيث جدير بالملاحظة أن الأسقف نال هذه الميزة أن يرى المسيح القائم من الأموات مع بقية الرسل، فلا تكون غير مصدق. ربما تقول أن أخاه شاهد لا يُوثق فيه، لذلك أكمل "ظهر لي". ولكن من أنا؟ أنا بولس عدوه. أنا كنت قبلاً مضطهدًا، والآن أكرز بالأخبار السارة للقيامة[1001].

القديس كيرلس الأورشليمى.

لم يقل للاثنى عشر وحدهم بل وأيضًا لبقية الرسل.

يتكلم بكل هذه الأمور كمن ينطق بتواضعٍ...

فلو أنه قال: "يلزمكم أن تصدقوني أن المسيح قام من الأموات، إذ رأيته، وأنا أكثر من الكل أهلاً للثقة، إذ تعبت أكثر منهم جميعًا"، لصدّ السامعون آذانهم.

لكنه الآن إذ عالج المواضيع والاتهامات، ثم نزع عنهم كل ما يزعجهم بخصوص هذا الأمر هيأ الطريق لكي يؤمنوا بشهادته[1002].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

وجد الرسول كعادته فرصة ليمارس تواضعه، فحسب نفسه كالجنين الميّت في لحظات لقائه مع القائم من بين الأموات. لم يكن قد هيّأ نفسه للإيمان بل حتى تلك اللحظات كان يقاوِم ويضطهِد ويفتري. دُعي إلى العمل في وقت لم يكن يتوقعه وبطريقة لم تخطر على ذهنه، فحسب نفسه كالسقط الذي كان يلزم الخلاص منه، لكن القائم من الأموات وهبه الحياة الجديدة والميلاد الجديد. دعي نفسه "السقط" ربما لأن السقط يحدث فجأة بطريقة غير متوقعة وقبل زمن الولادة، هكذا تم تحوله إلى الإيمان المسيحي فجأة في طريقه إلى دمشق علي غير موعد وبلا توقع منه أو من الكنيسة أو من اليهود.

أورد لقاءه مع المسيح القائم من الأموات الذي تم بعد صعوده لتأكيد أن الذي رآه التلاميذ والرسل بعد قيامته لم يكن خيالاً ولا رؤى بل رأوا شخصه الحقيقي، وهو بنفسه بعد صعوده بذات الجسد الذي قام به ظهر لبولس الرسول وتحدث معه. ظهوره له لم يكن رؤيا في حلم، بل رؤية حقيقية لشخص المخلّص الصاعد إلى السماوات.

يعنى بولس بـ "السقط" (قبل الموعد) أنه وُلد مرة ثانية بعد الزمن، إذ تسلم رسوليته من المسيح بعد صعود الأخير إلى السماء[1003].

أمبروسياستر.

يقارن بولس نفسه هنا بجنينٍ قد أُجهض حيث يحسبه البعض كأنه لم يُولد كاملاً[1004].

ثيؤدورت أسقف قورش.

"وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي أنا". هذا بالأحرى تعبير فيه تواضع أكثر من أي شيء آخر. فإنه ليس لأنه هو الأقل ظهر له بعد الكل. فإن كان قد دعاه في الآخر، لكنه ظهر له بطريقة أبرع مما ظهر بها لمن سبقوه، نعم أبرع من الكل[1005].

كان بولس هو الآخر، ولكن ليس الأقل، كان أكثر بهاء من كثيرين سبقوه، حقًا أعظم من الكل[1006].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

لأني أصغر الرسل،.

أنا الذي لست أهلاً لأن أدعى رسولاً،.

لأني اضطهدت كنيسة الله [9].

حسب نفسه آخر الرسل وأصغرهم. في أعماقه كان يشعر أنه ليس أهلاً لهذه الدعوة، ولا لهذا اللقب. وفي نفس الوقت لا يتجاهل عطايا الله له ومواهبه التي تمتع بها من يدي مخلصه وجهاده وأتعابه وآلامه من أجل الخدمة، بهذا "لم أنقص شيئًا عن فائقي الرسل" (2 كو 5: 11). بمعنى آخر كان الرسول يذكر على الدوام ماضيه حتى يسلك بروح التواضع، ولا ينسى إحسانات الله معه حتى يقدم ذبيحة شكر دائمة. وكأنه في كل يوم يقدم ذبيحة القلب المنسحق الذي لا يرذله الله، المرتبطة بذبيحة الشكر الدائم التي تفتح أمامه أبواب السماء لينال بغير كيلٍ.

حسب نفسه ليس أهلاً أن يُدعي رسولاً لأنه كان مضطهدًا خطيرًا ضد كنيسة الله، أي كنيسة المسيح، الأمر الذي لم يفعله قط أحد من الرسل.

مع أن اضطهاده للكنيسة كان عن جهلٍ منه، وقد غفر الله له ذلك واختاره رسولاً، لكن كان الرسول يجد صعوبة شديدة أن يغفر لنفسه ما قد ارتكبه.

يشير الرسول إلى جريمته التي لم يستطع أن ينساها، إذ كان يضطهد كنيسة الله. فهو ليس أهلاً أن يُدعي رسولاً ليس عن عجزٍ في سماته كرسول، ولا في إمكانية الشهادة له، وإنما من أجل هذه الجريمة الكبرى التي ارتكبها، فإنه لا يفارقه قط الشعور بالذنب عن الماضي. وقد سمح له الله بذلك لكي يُولد فيه روح التواضع والشعور بعدم الاستحقاق. إشارته إلى ذلك تعطي قوة لشهادته الشخصية، فهو المقاوم للحق الانجيلي والمُضطهد لشخص المسيح في كنيسته، ما كان يمكنه أن يتحول للشهادة دون أن يتيقن من قيامة السيد وصعوده إلى السماء!

دعا نفسه السقط "[8]، بعد أعمال صالحة عظيمة هكذا فإنه يتواضع ويدعو نفسه" آخر الكل ". هذا بحق تصرف معتدل عظيم وفائق. لم يقل ظهر لي أنا أصغر كل القديسين، بل" أصغر الرسل ". فإن هذا التعبير أقل قوة من الذي أمامنا. جاءت كلماته" الذي لست أهلاً لأن أُدعى رسولاً "[9]. هنا يقول أنه أقل حتى من آخر كل القديسين. يقول: بالنسبة لي الذي هو أقل من آخر كل القديسين أُعطيت نعمة. أية نعمة؟ أن أكرز بين الأمم عن غنى المسيح الذي لا يوصف[1007].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

فإن بولس يعني "الأقل". بولس ليس إلا الصغير. الآن يفتخر بهذا الاسم مقدمًا درسًا لنا في التواضع عندما يقول: "أنا أصغر الرسل" [1008].

القديس أغسطينوس.

بولس هو الأصغر لأنه كان الآخر من جهة الزمن، وليس لأنه كان أقل بأية طريقة عن الآخرين.

أمبروسياستر.

ذاك الذي احتمل السجن والجراحات والضربات والذي اصطاد بشباك رسائله العالم، الذي دُعى بواسطة صوت سماوي، يتواضع قائلاً: "أنا أصغر الرسل، لست أهلا لأن أدعى رسولاً" [1009].

يقول بولس هذا: "لست أهلاً" لأنه كان متواضعًا، وكان بالحقيقة يشعر بهذا في نفسه. لقد غُفر له عن اضطهاده للكنيسة، لكن ما فعله هو عار لن ينساه. لقد تعلم من ذلك عظمة نعمة الله نحوه[1010].

أنتم الذين تهبون حياتكم من أجل المسيح كيف تضيعون الكنيسة التي لأجلها قدم المسيح حياته؟ اسمع ما يقوله بولس: "لست أهلاً لأن أُدعى رسولاً، لأنني اضطهدت كنيسة الله وكنت أخرّبها" (غلا 13: 1). هذا الضرر ليس بأقل مما نالته من أيدي الأعداء، بل أعظم منه بكثير[1011].

كيف إذن لا تعرفون يا من أنتم مملوءون غيرة على ناموس آبائكم، الذين تربيتم عند قدمي غمالائيل، بينما الذين كانوا يقضون أيامهم عند البحيرات والأنهار بل والعشارون أنفسهم قد قبلوا الإنجيل، وأنتم الذين تدرسون الناموس تضطهدونه؟ لهذا السبب أيضًا دان الرسول نفسه قائلاً: "لست أهلا" أن أُدعى رسولاً "[9]. إنه يعترف بجهله الذي أثمر عدم إيمان[1012].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"ولكن بنعمة الله أنا ما أنا،.

ونعمته المعطاة لي لم تكن باطلة،.

بل أنا تعبت أكثر منهم جميعهم،.

ولكن لا أنا، بل نعمة الله التي معي "[10].

لا يجحد الرسول عطايا الله له، فما هو عليه إنما فعلته النعمة الإلهية فيه. نحن كلا شيء، لكن الله بنعمته جعلنا هكذا أبناء الله مملوءين غيرة مقدسة، ملتهبين بالروح، عاملين بروح القوة لا الفشل. نال الرسول نعمة الرسولية ليس خلال حكمته ولا بتخطيطٍ من عنده، إنما كهبة مجانية من خلال النعمة الإلهية التي رافقته ووهبته إمكانية العمل الرسولي.

تكراره "نعمة الله" في نفس العبارة يؤكد مدى انشغاله بها. فإنه ليس من موضوعٍ يشغل ذهن الرسول بولس في كل كتاباته مثل "نعمة الله"، العلة الوحيدة لتحوله المعجزي الفائق للفكر، التي قدمت له خلاص الله المجاني العجيب، وجددت طبيعته، ووهبته النمو المستمر، وسندته في احتمال الأتعاب والآلام من أجل الله أكثر من جميع الرسل. الآن إذ يشير إلى نفسه وإلي الرسل كان لابد الإشارة إلى نعمة الله التي لها كل الفضل فيما هو عليه.

إذ وُهبت له النعمة الإلهية قَبِلَ صلب الأنا تمامًا، فيقول "لا أنا"، لتعمل النعمة التي معه وفيه، تهبه إرادة جديدة قوية وإمكانية عمل فائقة.

نعمة الله لم تسلبه دوره الحي للجهاد، فقد كان أكثر اجتهادًا من غيره في الكرازة واحتمال المشقات المستمرة والتجاوب العملي معها. هذا ما تكشفه سجلات حياته. هذه الحقيقة لا تدفعه إلى الكبرياء والاعتداد بنفسه، فإنه دومًا يذكر ماضيه السيء، لا ليحطم نفسيته، وإنما لكي بالتواضع يعمل بأكثر قوة، ولكي يحول كل نجاح في حياته إلى تسبحة شكر لله.

يقول بولس كل هذا ليظهر أنه بالرغم من عظمة خطاياه وعدم استحقاقه فإن نعمة الله لم تُوهب له باطلاً.

أمبروسياستر.

"تعبت أكثر من جميعهم" (1 كو 15: 10): الذي يقضى زمانه في نعومة وكل ترفٍ بسبب ترف الحياة، والذي يرتدي الأرجوان والكتان الناعم، ويقيم حفلات كل يوم ببذخٍ (لو 16: 19)، والذي يهرب من التعب اللازم للفضيلة، فإنه لن يتعب في هذه الحياة ولا يعيش في المستقبل، بل سيجد الحياة بعيدة عنه عندما يتعذب في نار الأتون[1013].

القديس باسيليوس.

بسرور وبعيني الإيمان يتطلع الكل في مدينة الله إلى هذا الرجل العظيم بولس، هذا المصارع للمسيح، الذي مسحه المسيح وعلّمه. معه سُمر على الصليب، وخلاله تمجد. صار هذا الإنسان منظرًا للعالم، للملائكة والبشر. دخل في جهاد قانوني إلى مسرح هذا العالم واستمر إلى النهاية، فنال اكليل دعوته السماوية[1014].

القديس أغسطينوس.

إن كان بولس متواضعًا هكذا فلماذا يذكر أتعابه؟ التزم أن يفعل ذلك لكي يبرر حقه في الشهادة الموثوق فيها كمعلم[1015].

بولس معروف لديكم، هذا الذي تعب كثيرًا، وتمتع بنصرات كثيرة هكذا في المعركة ضد الشيطان. كان جسمانيَا يعبر خلال العالم المعروف؛ دار في الأرض والمحيط والجو، كان يدور حول العالم كما لو كان له أجنحة. لقد رُجم وضُرب وقُتل. احتمل كل شيء من أجل اسم الله، ودُعي بصوت سماوي من الأعالي... إننا نعرف ونفهم أنه يقول بأن النعمة التي ننالها لم تجده غير مهتم[1016].

بعد صعود الرب إلى السماء دُعي بولس، فإنه مثل بقية الرسل الذين لم ينتظروا دعوة ثانية إنما للحال تركوا الشباك وكل ما لديهم وتبعوه، هكذا هذا الإنسان عند دعوته الأولى تحرك بكل نشاطٍ، وإذ اعتمد دخل في معركة مع اليهود في كل موضع. في هذا الأمر فاق بقية الرسل بقوة إذ يقول: "أنا تعبت أكثر منهم جميعهم" (1 كو 15: 10) [1017].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"نعمة الله التي معي" (1 كو 15: 10): هذا هو المجد الكامل والتام في الله، لا أن يمجد الإنسان بره الذاتي بل يحسب نفسه أنه ينقصه البرّ الحقيقي، وأن يتبرر بالإيمان بالمسيح وحده. تمجد بولس باحتقاره لبره الذاتي. إذ كان يطلب البرّ بالإيمان الذي لله بالمسيح طلب فقط أن يعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه، إذ حُسب مشابهًا لموته لكي ينال القيامة من الأموات... إن الله هو الذي يهب فاعلية لأتعابنا[1018].

القديس باسيليوس الكبير.

هل رأيتم كيف حصد من فيض بركة الله وكيف ساهم بسخاء من جانبه بغيرته وحماسه وإيمانه وشجاعته وصبره وسمو فكره وإرادته التي لا تخور؟ لهذا استحق عونًا من فوق بقياس أوسع[1019].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

انظروا مرة أخرى إلى تواضعه الزائد؟ ينسب الضعفات إلى نفسه، وأما الصالحات فلا ينسب منها شيئًا لنفسه بل يشير إلى كل الصالحات لله...، قائلاً: "لا أنا بل نعمة الله التي معي" (1 كو 15: 10)، أي أمرٍ أكثر عجبًا من مثل هذه النفس؟ فإنه في أمورٍ كثيرة يضغط على نفسه، ناطقًا بكلمة واحدة (كرزت) وحتى هذه التي يدعوها كرازته، مع ذلك يجد طرقًا كثيرة في الأمور السابقة واللاحقة ليستخدم هذا التعبير السامي، إذ جاء إليها عن ضرورة[1020].

عندما نسمع هذه الأمور لنفضح ضعفاتنا، ولا ننطق بشيء عن أمورنا الحسنة... ليته بهذا لا يسقط أحد في اليأس عندما يخطئ، ولا يعتد أحد بنفسه وهو في الفضيلة، بل ليخف الأول بالأكثر والثاني فليتقدم في الفضيلة. فإنه لن يثبت أحد متكاسل في الفضيلة، ولا يبقى أحد مجتهد ضعيفًا في الهروب من الشر[1021].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

لم يعمل بولس لينال نعمة، وإنما نال النعمة لكي يجاهد[1022].

كيف إذن يمكن إتمام وصية الله ولو بصعوبة بدون عونه، حيث أنه ما لم يبنِ الرب باطلاً يتعب البنّاء[1023].

القديس أغسطينوس.

قد بلغ معلم الأمم درجة الرسولية بنعمة الله إذ يقول: "بنعمة الله أنا ما أنا"، وفي نفس الوقت يعلن أنه قد وافق النعمة الإلهية قائلاً: "ونعمتهُ المعطاة لي لم تكن باطلةً بل أنا تعبت أكثر من جميعهم" (1 كو10: 15). فعندما يقول: "أنا تعبت" يظهر جهاد إرادته، وعندما يقول: "ولكن لا أنا بل نعمة الله" يشير إلى قيمة الحماية الإلهية. وعندما يقول: "التي معي" يؤكد تعاون النعمة معه عندما لا يكون في كسلٍ أو إهمالٍ بل عاملاً ومجاهدًا[1024].

الأب شيريمون.

"فسواء أنا أم أولئك هكذا نكرز وهكذا أمنتم" [11].

يؤكد لهم الرسول أنه ليس وحده الذي كرز بذات الإنجيل في كل وقت وفي كل مكان، إنما هو ذات الإنجيل الذي كرز به سائر الرسل. الكل قدّموا ذات الحق، ذات القصة، كرزوا بصلب السيد المسيح وموته وقيامته. الكل لهم ذات الإيمان الذي به يعيشون وفيه يموتون. هذا هو الإيمان الرسولي الذي كرز به الرسل وقبله المؤمنون. فمن يكرز بغير هذا لا يمارس العمل الرسولي.

الموضوع الرئيسي هو تثبيت الحق الإنجيلي الخاصة بقيامة المسيح من الأموات، أما من الذي يُبشر به فهو أمر ثانوي، لأن الجميع يبشرون بذات الحق.

لم بتوقع بولس من الكورنثوسيين أن يختاروا بينه وبين غيره من الرسل. لقد برر سلطانه كمعلمٍ، وفي نفس الوقت ثبت الآخرين أيضًا. لا يوجد فرق بينهم، حيث أن سلطانهم واحد...

يقول: "ممن تتعلّمون؟ فلتختاروا ذلك وتعلّموا، فإنه لا يوجد اختلاف بيننا". لم يقل: "إن لم تصدّقوني صدّقوهم"، بل وهو يحسب نفسه أهلاً للثقة ويقول أن ما نطق به فيه الكفاية يؤكد نفس الأمر بالنسبة لهم أنفسهم. فإن اختلاف الأشخاص لا موضع له، سلطانهم متساوي. وفي رسالته إلى أهل غلاطية... أوضح أنه هو فيه الكفاية إذ يقول: "لم يشيروا عليّ بشيء" (غلا 6: 2)، ومع ذلك سار في اتفاق معهم.

حسنًا يقول: "نكرز" مشيرًا إلى جرأته العظيمة في الكلام. فإننا لسنا نتكلم سرًا ولا في زاوية بل ننطق بصوتٍ واضحٍ أكثر من البوق.

لم يقل "كرزنا" بل إلى الآن "نكرز"، "وهكذا آمنتم" لم يقل هنا "تؤمنون" بل "آمنتم". فإنهم إذ اهتزّوا في الفكر يعود بهم إلى الأزمنة السابقة مضيفًا شهادتهم هم أنفسهم[1025].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

2. قيامة المسيح أساس قيامتنا.

بعد أن أكد قيامة المسيح كتحقيقٍ لما ورد في الكتب وخلال شهود العيان الآن يؤكد القيامة خلال إبراز عدم قبول التعليم المناقض للإيمان بالقيامة موضحًا خطورة هذا التعليم:

أولاً: عدم الإيمان بالقيامة يستلزم إنكار قيامة المسيح [13].

ثانيًا: إنكار قيامة المسيح يجعل كرازتنا باطلة وإيماننا بلا نفعٍ [14].

ثالثًا: هذا التعليم يحمل اتهامًا ضد الرسل كشهود زور وأشرار، إذ يكرزون بالقيامة [15].

رابعًا: بدون قيامة المسيح يغلق الكورنثوسيون أبواب الرجاء في نوال غفران خطاياهم [16 - 17].

خامسًا: بدون القيامة يُحسب كل أصدقائنا القديسين مفقودين [18].

سادسًا: بدونها يكون المؤمنون أشقى جميع الناس [19].

سابعًا: بدونها يكون الإيمان بالمعمودية باطلاً، لأنها تصير دفنًا مع المسيح دون قيامة [29].

ثامنًا: يصير احتمال أتعاب الكرازة والاستشهاد بلا فائدة [30 - 32].

"ولكن إن كان المسيح يكرز به أنه قام من الأموات،.

فكيف يقول قوم بينكم أن ليس قيامة أموات؟ "[12].

إن كنا نحن جميعًا (الرسل) نكرز بالقيامة كشهود عيانٍ لها، فكيف يتجاسر بعض الكورنثوسيين وينكرون القيامة من الأموات؟ حديث الرسول يوضح أن أهل كورنثوس كانوا يدركون بالأدلة القاطعة قيامة السيد المسيح، لكن قومًا منهم كانوا كانوا يظنون أن القيامة من الأموات أمر مستحيل. هؤلاء القوم إما أنهم من أصل يهودي لازالوا يكنون شيئًا من الالتزام بالاحتفاظ بفكر الصدوقيين منكري القيامة، أو من الأمم تأثروا ببعض الفلسفات الغنوصية التي أفسدت تعاليمهم.

يقيم بولس برهانه عن قيامة الأموات على حقيقة قيامة المسيح. الحقيقة الأخيرة تعطى ضمانًا للحقيقة السابقة[1026].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

أي جُرم خطير ألا نؤمن بقيامة الأموات، فإنه إن كنا لا نقوم، باطلاً مات المسيح ولم يقم. وإن كان لم يقم من أجلنا فإنه لم يقم نهائيًا، فإنه ليس من سبب لأجله يلزمه أن يقوم من أجل نفسه[1027].

القديس أمبروسيوس.

"فإن لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام" [13].

إذ شاركنا كلمة الله المتجسد في اللحم والدم، وقد وعد بإقامة البشرية من الأموات بقيامته، فإنه إن كان الأموات لا يقومون يكون المسيح أيضًا لم يقم.

إن لم تكن توجد قيامة عامة للأموات بالتبعية لا يمكن أن توجد قيامة للمسيح، إذ تكون بلا معنى ما لم تقدم لنا إمكانية القيامة. فما يتمتع به الرأس يناله بقية الجسم. قيامتنا مرتبطة بقيامته، لا تنفصل عنها (1 كو 15: 20، 22؛ يو 14: 19).

تعتمد الواحدة عن الأخرى، فإما تؤمن بالاثنين أو ترفضهما[1028].

بيلاجيوس.

ليس لأنه ما قد حدث محتاج إلى برهان، وإنما لكي يظهر أن الاثنين مستحقان الإيمان بهما على قدم المساواة[1029].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"وإن لم يكن المسيح قد قام،.

فباطلة كرازتنا، وباطل أيضًا إيمانكم "[14].

بإنكار قيامة المسيح يصير كل التعليم باطلاً بلا نفع ولا لزوم للإيمان.

كلمة "باطل" هنا معناها "فارغ" أو "غير حقيقي"، أو "بلا نفع".

يريد بولس القول هنا أنه بالمنطق إن كان المسيح لم يقم فهذا يجحد الحقائق التاريخية. عوض هذا يقول أمرًا بالحقيقة هو أكثر ارتباطًا بالكورنثوسيين ومرعب لهم. فإنه إن كان المسيح لم يقم من بين الأموات تكون كرازة بولس بلا نفع ويكون إيمانهم بلا معنى[1030].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"ونوجد نحن أيضًا شهود زور لله،.

لأننا شهدنا من جهة الله أنه أقام المسيح،.

وهو لم يقمه إن كان الموتى لا يقومون "[15].

إذ شهد الرسول ومن معه بقيامة المسيح فإن رفض قيامة الأموات هو توجيه اتهام ضد الرسل إنهم شهود زور لله. وإن كان الرسل يشهدون زورًا، فهل يمكن أن يتفق الخمسمائة علي شهادة زور في حدث رأوه كلهم معًا دفعةً واحدةً؟ ولو أن هذا صحيح ألم يوجد بينهم شخص واحد يكشف عن تزوير شهادتهم؟ لهذا فإن الشهادة لقيامة المسيح حقيقة ثابتة لا يمكن جحدها.

"لأنه إن كان الموتى لا يقومون فلا يكون المسيح قد قام" [16].

"وان لم يكن المسيح قد قام،.

فباطل إيمانكم،.

أنتم بعد في خطاياكم "[17].

انظروا عظمة سرّ التدبير؟ فإنه هكذا إن كان بعد الموت لم يكن قادرًا على إزالة الخطية، فإنه لم تنحل الخطية ولا طُرد الموت ولا زالت اللعنة عنهم! لا تكون كرازتنا باطلة فحسب، بل ويكون إيمانكم باطلاً[1031].

إن كان هذا عمل غير معقول، وإن الله لم يقمه كما تقولون فإن هذا يتبعه أمور أخرى غير معقولة... لكن إن كان لم يقم فإنه لم يذبح. وإن كان لم يُذبح فالخطية لم تُنزع. وإن كانت لم تنُزع فأنتم في الخطية. وإن كنتم في الخطية تكون كرازتنا باطلة. وإن كانت كرازتنا باطلة يكون إيمانكم باطلاً بأنكم قد تصالحتم. بجانب هذا يبقى الموت خالدًا إن لم يكن قد أزاله. لأنه إن كان قد أُمسك في الموت ولم ينزع عنه آلامه فقط يزيله عن الآخرين ما دام هو ممسك فيه؟ لذلك أضاف: "إذًا الذين رقدوا في المسيح أيضًا هلكوا" [18] [1032].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

إن كان الصليب هو فكرة خاطئة، فالقيامة أيضًا فكرة مضللة، وإن كان المسيح لم يقم فإننا نبقى في خطايانا. إن كان الصليب تضليلاً، فإن الصعود أيضًا تضليل، وأخيرًا يصير كل شيء بلا قيمة[1033].

القديس كيرلس الأورشليمي.

"اذَا الذين رقدوا في المسيح أيضًا هلكوا" [18].

بهذا كل الذين استشهدوا أو ماتوا وهم في الإيمان بالمسيح يسوع قد هلكوا، لأن رجاءهم لا أساس له، وإيمانهم لا يقوم علي الحق. أجسامهم تنحل في الأرض ولا يتحقق وعد السيد المسيح أنهم يقومون في اليوم الأخير (يو 5: 25، 28 - 29؛ 11: 25 - 26).

عندما يتحدث عن المسيح يقول: "مات" ليؤكد الرسول حقيقة آلامه وصلبه وموته، وعندما يتحدث عن المؤمنين يقول: "رقدوا في المسيح" ليؤكد أنهم خلال شركتهم معه كأعضاء جسده صار لهم رجاء القيامة، فهم أشبه بالراقدين حتى يستيقظوا. بالنسبة للسيد المسيح قد تحققت القيامة فعلاً لذا لم يخجل من القول بأن المسيح قد مات، إذ صار موته مجيدًا بقيامته، أما بالنسبة لنا فستتحقق قيامة أجسادنا خلال الرجاء، لهذا يستخدم تعبير "الرقاد" لتطمئن نفوسنا.

أما قوله "هلكوا" فيشير إلى نفوسهم التي فُقدت في شقاء العالم غير المنظور.

من الصعب أن يقبل الإنسان عدم قيامة الأموات عندما يرقد أحد أقربائه أو أصدقائه ويكون مقدسًا للرب، لأنه بهذا يكون قد حسبه مفقودًا إلى الأبد. من يقدر أن يقبل تعليمًا يحمل هذه النتيجة المرة؟!

"رقدوا": يقول بولس ذلك لأنه بهذا لن يصغي الكورنثوسيون بعد إلى الأنبياء الكذبة عندما يتحققون أن موتاهم قد فعلوا هذا (رقدوا)، هؤلاء الذين يحبونهم، يؤخذون منهم[1034].

أمبروسياستر.

"إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح،.

فإننا أشقى جميع الناس "[19].

إن كان رجاؤنا في المسيح يقف عند الحياة الحاضرة نكون مخدوعين لأننا نحتمل آلامًا أكثر من غيرنا؛ ونمارس الإماتة اليومية، ونُضطهد‍.

إن كان الوثنيون بلا رجاء (أف 2: 12؛ ا تس 4: 13) فإننا نصير نحن أكثر بؤسًا منهم، لأننا لا نتمتع أيضًا بالملذات الحاضرة (كو 4: 9). رجاؤنا ليس في انفصال النفس عن الجسد وإنما اتحاد النفس بالجسد القائم من الأموات.

ظن بعض الدارسين أن الرسول يتحدث هنا عن الرسل، لكن واضح أن حديثه يشمل كل المؤمنين الصادقين في إيمانهم وجهادهم. فمن جهة لم تكن العبارات السابقة خاصة بالرسل وحدهم، ومن جهة أخرى فإن جميع المؤمنين الحقيقيين مدعوون لحمل الصليب والدخول من الباب الضيق والطريق الكرب لمشاركة المسيح آلامه وصلبه.

إن كان المسيحي الحقيقي يشعر أنه أسعد كائن علي وجه الأرض إنما خلال اتحاده بالمسيح القائم من الأموات، وخلال انفتاح أبواب السماء أمامه مترجيًا كمال المجد أبديًا. بدون القيامة من الأموات يصير أكثر الناس بؤسًا، لأنه يحتمل آلامًا مرَّة، ويدخل طريقًا ضيقًا ينتهي بالانحدار في القبر بلا عودة. يتعرض هنا للاضطهادات ويحرم جسمه من الملذات بإرادته لأنه ينعم بعربون المسرات السماوية.

قال بولس هذا ليس لأن الرجاء في المسيح شقاوة، وإنما لأن المسيح يعد حياة أخرى للذين يترجونه. فإن هذه الحياة معرضة للخطية، أما الحياة العلوية فمحفوظة مكافأة لنا[1035].

القديس أمبروسيوس.

واضح أنه لنا رجاء في المسيح في هذه الحياة وفي الحياة الأخرى. لا يحرم المسيح خدامه بل يهبهم نعمة، وفي المستقبل سيقطنون في مجدٍ أبديٍ.

أمبروسياستر.

إن كان الجسم لا يقوم تبقى النفس غير مكللة بدون هذا التطويب الذي في السماء. وإن كان الأمر هكذا فإننا لا نتمتع بشيء بالمرة، وإذ لا ننعم بشيء عندئذ تكون مكافأتنا في الحاضر... قال هذه الأمور ليؤكد تعليم قيامة الجسد، ويحثهم أن يهتموا بالحياة الخالدة حتى لا يظنوا أن كل اهتماماتهم تنتهي مع العالم الحاضر... وإنما تعتمد على القيامة. هنا شهادة واضحة أن مقاله لا يخص القيامة من الخطايا بل قيامة الأجسام، والقيامة من الحياة الحاضرة إلى العتيدة[1036].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

لذلك لا يكون الرجاء في المسيح لأجل هذه الحياة وحدها حيث يمكن للشر أن يسود أكثر من الصلاح، والذين يفعلون الشر هم أكثر سعادة، والذين يمارسون الحياة المملوءة جرائم أكثر غنى[1037].

مكسيموس أسقف تورين.

3. قيامة المسيح ضمان لقيامتنا.

بعد أن عدد الرسول نتائج عدم الإيمان بقيامة السيد المسيح وبالتالي عدم قيامتنا من الأموات، وذكر أن هذا يُفسد الكرازة ويحطم الإنجيل وينسب للرسل أنهم شهود زور لله، ويغلق أبواب الرجاء في السماء ويحول الحياة المسيحية إلى شقاء مرير يصرخ بروح القوة: "الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين". إنها حقيقة لا يُشك فيها! أمر لا يحتاج إلى برهان! فتحت لنا أبواب الرجاء، وحولت حياتنا إلى فرحٍ مجيٍد لا يُنطق به!

"ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات،.

وصار باكورة الراقدين "[20].

تؤكد البكور وجود المحصول، وتؤكد قيامة المسيح تحقيق قيامتنا. يليق بدعوة قيامة المسيح بكرًا لقيامتنا، لأنه حسب الطقس اليهودي كان الفصح أولاً، واليوم الذي يليه هو السبت العظيم، وفي اليوم التالي تُقدم البكور. هكذا مسيحنا هو فصحنا الذي صلب، واليوم التالي لصلبه هو السبت، ثم تقُدم البكور في يوم الأحد، اليوم الأول من الأسبوع حيث قام البكر من الأموات.

يمتاز البكر بأنه السابق للكل، وأفضل الكل، والمكرس لله، وبه يتقدس المحصول كله. من جهة الزمن لم يكن السيد المسيح هو أول القائمين من الأموات، فقد قام الميت الذي لمس عظام أليشع النبي، وأقام السيد المسيح الصبية ابنة يايرس، والشاب وحيد أمه الأرملة، ولعازر أخ مريم ومرثا، لكن جميعهم قاموا إلى حين وماتوا. أما المخلص فقام بسلطانه كبكرٍ فائقٍ لا يعود يموت. إنه السنبلة الأولى الناضجة التي يمسك بها الكاهن ويلوح إعلانًا عن أنها مكرسة لله، بها يتقدس كل الحصاد.

يقول بولس ذلك من أجل الأنبياء الكذبة الذين يدعون أن المسيح لم يُولد قط، وبهذا لم يكن ممكنًا أنه يُصلب. القيامة من بين الأموات تبرهن أن المسيح كان إنسانًا وبالتالي قادر ببره أن يستحق القيامة من الأموات.

أمبروسياستر.

ذاق الموت من أجل الكل. وإن كان بالطبيعة هو نفسه الحياة، وهو القيامة، فقد حوّط جسمه بالموت. بقوته القادرة وطاء الموت في جسمه ليصير البكر بين الأموات وبكر الذين رقدوا...

إن كانت القيامة من الأموات يُقال أنها تتم خلال إنسانٍ، والإنسان الذي نعرفه خلالها هو الكلمة المولود من الله، خلاله تحطمت قوة الموت[1038].

لم يتألم الكلمة بالطبيعة بكونه الله، لكن آلام جسمه هي حسب تدبيره. فإنه بأية طريقة يكون هو بكر كل الخليقة خلاله يأتي الرئاسات والقوات والكراسى والسلاطين، الذي يجتمع الكل معا، وبأية طريقة يصير البكر بين الأموات والبكر للراقدين ما لم يكن هو الكلمة، بكونه الله، الذي صنع جسمه مولودًا كي يتألم؟ [1039].

القديس كيرلس الكبير.

4. قيامة المسيح علاج إلهي لسقوطنا.

"فإنه إذ الموت بإنسانٍ،.

بإنسانٍ أيضًا قيامة الأموات "[21].

يقصد بالإنسان هنا آدم، بعصيانه دخل الموت إلى العالم، أو حلّ بالطبيعة البشرية. لذا كان لزامًا أن يتحقق علاج هذا الأمر بنفس الطريق، خلال إنسان قادر أن يمحو هذا العصيان، ويجدد الطبيعة البشرية، ويدخل بها إلى القيامة أو الخلود. هكذا أدخل الإنسان الفساد إلى العالم، وشفى الإنسان هذا الفساد.

جاءت القيامة بإنسانٍ آخر، هو الكلمة الإلهي المتأنس الذي في سلطانه أن يهب القيامة للموتى، ويرد للبشرية سلامتها وكرامتها وسلطانها، فلا تعود تموت بعد القيامة.

في آدم لم يتحقق الموت فورًا لأنه لم يكن كل نسله قد ولدوا لكنه حلّ بالطبع البشري، وصار له سلطان على كل البشرية القادمة. الآن في المسيح يسوع نالت البشرية بالإيمان سلطانًا فلا يقوى عليها الموت، بل صار طريقًا للعبور حتى يتمتع الثابتون فيه بالقيامة المجيدة.

بسقوط آدم حلّ الموت الروحي أيضًا علي الطبيعة البشرية، وبقيامة المسيح تحل القيامة الأولى أو الروحية بالمؤمنين به والمتحدين معه، الحاملين برَّه. فتتحقق قيامتنا بسبب اتحادنا به؛ وليس لنا فضل فيها.

صار المسيح واحدًا منا، حمل ناسوتنا حتى كما بإنسانٍ سقطنا تحت الموت بإنسانٍ صارت لنا القيامة. إذ جلب بكرنا الأول علينا لعنة الموت جلب الثاني لنا مجد القيامة.

بواسطة ذبيحة جسده وضع حدًا للناموس الذي ضدنا، وأقام بداية جديدة للحياة، بالرجاء في القيامة التي يهبنا إياها. فإنه حيث بإنسانٍ قد ملك الموت على البشر، لهذا بكلمة الله، الذي صار إنسانًا تحقق هلاك الموت وقيامة الحياة[1040].

البابا أثناسيوس الرسولي.

لو أن رحلة الرب في الجسد لم تحدث، ما كان المخلص قد دفع للموت ثمنًا. ما كان يحطم سلطان الموت بقوته. لو أن الجسد الذي خضع للموت هو شيء والجسد الذي أخذه الرب شيء آخر، عندئذ ما كان يمكن للموت أن يبطل من ممارسة أعماله، وما كانت آلام الإله المتجسد لها نفع؛ نحن الذين مُتنا في آدم ما كان يمكننا أن نحيا في المسيح[1041].

القديس باسيليوس الكبير.

نحن نعرفه أنه بكر الذين استراحوا، بكر الأموات. دون أي نقاش البكر هو من ذات سمات وطبيعة بقية الثمار... لهذا كما أن بكر الموت كان في آدم هكذا بكر القيامة هو في المسيح[1042].

القديس أمبروسيوس.

ذاق الموت في جسده من أجل كل إنسان، هذا الذي كان يمكن أن يحتمل الموت دون أن يفقد كونه الحياة. لهذا مع كونه قد قيل أنه تألم في جسده إلا أنه لم يقبل الألم في طبيعة لاهوته بل في جسده القابل للألم[1043].

القديس كيرلس الكبير.

الطبيعة البشرية نفسها التي انحطت يلزمها هي نفسها أن تقتني النصرة، لأنه بهذه الوسيلة يُنزع العار[1044].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

"لأنه كما في آدم يموت الجميع،.

هكذا في المسيح سيحيا الجميع "[22].

جاء الموت بآدم وتحقق الخلود بالمسيح. كما خضع الكل بالطبيعة للموت بواسطة آدم، فبالنعمة ينالون القيامة بالمسيح يسوع.

إن كان آدم هو رمز للمسيح، فإن نوم آدم هو رمز لموت المسيح، وبالجرح في جنب المسيح يرمز للكنيسة أم كل حيٍ الحقيقية[1045].

العلامة ترتليان.

لا يدخل بشري إلى الموت إلا خلال آدم، ولا يدخل أحد إلى الحياة إلا خلال المسيح. هذا هو معنى تكرار تعبير "الجميع" فإنه كما أن كل البشر ينتسبون لآدم خلال ميلادهم الأول أو الجسدي، هكذا كل البشر الذين ينتمون للمسيح يأتون إلى الميلاد الثاني أي الروحى. لهذا يقول "الجميع" في كلا الموضعين، فإنه كما أن كل الذين يموتون يموتون فقط في آدم، هكذا كل الذين يحيون لن يحيوا إلا في المسيح[1046].

بوجهٍ عام نقول أن الكل يدخلون بيتًا ما خلال بابٍ واحدٍ، ليس لأن كل الجنس البشري يدخل ذاك البيت، وإنما لأنه لا يدخل أحد إلا من هذا الباب. بنفس المعنى كما أن الكل يموت في آدم هكذا كل الذين يحيون فسيحيون في المسيح... فإنه لا يوجد اسم آخر تحت السماء بجانب الوسيط الواحد بين الله والبشر الإنسان يسوع المسيح، به يمكن أن نخلص[1047].

هذا لا يعنى أن كل الذين يموتون في آدم سيصيرون أعضاء المسيح، حيث أن الغالبية ستُعاقب في الأبدية بموتٍ ثانٍ.

يستخدم الرسول كلمة "جميع" في العبارتين لأنه لا يموت أحد في جسد طبيعي إلا آدم، هكذا لا يصير أحد حيًا مرة أخرى في جسد روحي إلا في المسيح[1048].

بالحقيقة جلب الإنسان الموت لنفسه كما لابن الإنسان، أما ابن الإنسان فبموته وقيامته جلب الحياة للإنسان[1049].

القديس أغسطينوس.

إن تحدثنا بدقة ليس كل أحد يموت، فإن اخنوخ وإيليا كمثال لم يموتا. وسيوجد أشخاص أحياء في المجيء الثاني للمخلص.

سفيريان أسقف جبالة.

مات آدم لأنه أخطأ، ومات المسيح الذي بلا خطية، غالبًا الموت الذي جاء من الخطية. ويقوم كل أحدٍ، البار والشرير، على السواء في المسيح، لكن غير المؤمنين يُسلمون للعقوبة، بالرغم من ظهورهم أنهم قاموا من الأموات، إذ هم يقبلون أجسادهم لكي يتحملوا عقوبةً أبديةً بسبب عدم إيمانهم[1050].

أمبروسياستر.

لاحظ كيف أنه يؤكد "واحد" و "واحد"، أي آدم والمسيح، الأول للدينونة والثاني للتبرير... واضح أنه يتكلم عن قيامة الأبرار حيث تكون الحياة الأبدية، وليس قيامة الأشرار حيث يكون الموت الأبدي. هؤلاء الذين سيحيون هم مقابل الآخرين الذين سوف ينزلون إلى جهنم[1051].

كما أن الذي يُولد من الأول يموت، هكذا من يؤمن بالمسيح يحيا، بشرط أن يرتدي ثوب العرس، ويُدعى ليبقى لا أن يُطرد[1052].

بهذه الطريقة نتجدد بخصوص ما فقده آدم، أي في روح عقولنا، أما بخصوص الجسد الذي يُزرع جسدًا طبيعيًا فسيقوم جسدًا روحيًا. عندما نتجدد ننعم بحالة أفضل لم ينلها بعد آدم[1053].

القديس أغسطينوس.

"ولكن كل واحد في رتبته:

المسيح باكورة.

ثم الذين للمسيح في مجيئه "[23].

يشير الرسول إلى ثلاث رتب: الأولى المسيح الذي قام بسلطانه كبكرٍ للأموات، ثم الذين للمسيح يقومون لينالوا الخلود والمكافأة الأبدية عند مجيئه الأخير في يوم الدينونة، وأخيرًا تتحقق النهاية حين تُعلن هزيمة عدو الخير، إبليس وجنوده.

قام السيد المسيح أولاً باكورة الراقدين، ثم تقوم البشرية كلها في يوم الدينونة، لكن يبدو أن المؤمنين يقومون معًا كعروسٍ واحدةٍ مقدسةٍ مفرزةٍ من الأشرار، ويقوم الأشرار أيضًا لكنهم يرون مجد الأبرار وفرحهم في لقائهم بالرب، أما هم فيُحرمون منه، بل وينالون عقوبةً أبديةً. لذا جاءت أمثلة السيد المسيح عن القيامة دائما تبدأ بمكافأة الأبرار يليها عقوبة الأشرار.

ففي القيامة يقوم الكل في لحظة في طرف عين، لكن كل واحدٍ في رتبته ينال مكافأته، أما إبليس وجنوده والذين قبلوا البنوة له فهم آخر الكل.

جاءت الكلمة العبرية المترجمة "رتبته" كاصطلاح يُستخدم عادة في التنظيم العسكري وفرق الجيش. كأن الرسول يتطلع إلى موكب القيامة كموكبٍ عسكريٍ تمتع بالغلبة علي العدو، وها هو يدخل عاصمة الدولة وتستقبلهم الجماهير بالأغاني والتهليل. هكذا يدخل قائد الموكب السيد المسيح الغالب لإبليس ومملكته ووراءه جنوده الغالبون كل حسب درجته في الإيمان العملي وتمتعه بالنصرات.

إذ هو باكورة الراقدين فتح أبواب الرجاء أمام الموتى لكي يقوموا. صار الموتى أشبه بالمحصول اليهودي الذي يتبارك ويُحسب كله تقدمة مقبولة لدى الله بتقديم البكور. تأكدت الكنيسة كلها خلال رأسها القائم من الأموات أنها تتمتع بالقيامة معه. إذ قام الرأس سيحضر معه كل الراقدين (ا تس 14: 4). هكذا صارت قيامته عربونًا لقيامتنا إن كنا نؤمن به ونتحد معه.

بالرغم من أن الكل أدرجوا في داخل إيمانٍ واحدٍ، واغتسلوا في معموديةٍ واحدةٍ، لكن عملية النضوج في الإيمان ليست واحدة للكل، بل كل واحدٍ حسب رتبته[1054].

العلامة أوريجينوس.

ثمرة الرحمة الإلهية عامة للكل، ولكن رتبة الاستحقاق تختلف[1055].

القديس أمبروسيوس.

ليس لأن الكل سيقومون من الأموات تظنون أن الجميع يتمتعون بذات المزايا، حيث أنه في العقوبة لا يعاني الكل نفس الألم، بل سيكون الاختلاف عظيمًا، وبالأكثر سيكون الاختلاف أكبر جدًا بين الخطاة والأبرار عندما ينفصلون عن بعضهم البعض[1056].

أحبائي، انظروا كيف نُكرم! فإن البعض في غير تعقلٍ وبجحودٍ يقولون: "لماذا وُهبنا حرية الإرادة؟ ولكن كيف في كل الأمور التي أشرنا إليها يمكننا أن نتمثل بالله لو لم تكن لنا حرية الإرادة؟ إني أدين ملائكة، وهكذا أنتم بذاك الذي هو البكر [53]. أنا أجلس على العرش الملوكي، وأنتم تجلسون معي فيه الذي هو البكر. لقد قيل:" أقامنا معًا وأجلسنا معًا في السمويات في المسيح يسوع "(أف 6: 2). به ذاك الذي هو البكر يكرمكم الشاروبيم والسيرافيم وكل الطغمات السمائية والرئاسات والقوات والعروش والسلاطين. لا تحطوا من قيمة جسدكم الذي سينعم بكرامات عظيمة حيث ترتعب القوات غير المتجسدة! [1057].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

5. القيامة وتحدي الموت.

"وبعد ذلك النهاية متى سُلم الملك لله الآب،.

متى أُبطل كل رياسة وكل سلطان وكل قوة "[24].

أعلنت قيامته مملكته بسلطانها في السماء وعلى الأرض (مت 18: 28)؛ صار له اسم فوق كل اسم حتى تسجد له كل ركبة ويعترف كل لسان أنه رب (في9: 2 - 11). يمسك القائم من الأموات بزمام المملكة حتى يُبطل القوات المقاومة، ويخضع أعداءه تحت قدميه [25]، وينحل آخر عدو وهو الموت [26].

ربما يتساءل البعض: أليس الكلمة الإلهي هو رب وملك وصاحب سلطان حتى قبل تجسده؟ نجيب أنه بتجسده وصلبه وقيامته أقامنا ملوكًا وأصحاب سلطان. لقد ملك بالقيامة، إذ جعلنا نحن أعضاء جسده ملوكًا، وحطّم العدو تحت قدميه لأنه وهبنا روح النصرة والغلبة، وأبطل الموت لأننا فيه ننال القيامة. بقيامته أُعلن مُلكه كرب الأحياء والأموات (رو 9: 14)، ويحضر شعبه بأمان إلى مجده، ويحطم تحت أقدامهم العدو وبهذا تتحقق النهاية [24].

ربما تطلع الرسول بولس إلى النظام الروماني حيث كان الملوك والولاة متى انتهت مدة ملكهم أو ولايتهم يسلمون أمور الحكم في يدي الإمبراطور. هكذا مع الفارق فإن رئيس أو والي هذا العالم الشرير مع كل قوات الظلمة وجنود الشر الروحية تُنزع عنهم كل سلطة، وتنتهي مملكتهم لتُعلن كمال مملكة الله السماوية. لا يعني هذا أن النهاية تأتي بعد القيامة، إنما بحدوث القيامة تتحقق نهاية العالم في ذات اللحظة.

كلمة "نهاية" تشير إلى وضع حدٍ للشيء أو تحقيق نهاية غايته. فالنهاية هنا تشير إلى تحقيق كمال عمل الخلاص حيث يتمتع المؤمنون بالمجد، ويلتصق كل المؤمنين بالله كأبناء وأصدقاء وأعضاء في جسد المسيح الممجد. أيضًا النهاية هنا تعني نهاية الحياة البشرية علي الأرض، ونهاية ممالك هذا العالم.

كلمة "الآب" تُستخدم أحيانا لتشير إلى الأقنوم الأول، وتارة تشير إلى اللاهوت بكونه الله هو محتضن الكل وضابط الكل والمعتني بالجميع.

عندما يسلم المسيح الملكوت لله الآب فإن الكائنات الحية إذ كانوا قبلاً جزءً من ملكوت المسيح يُسلمون مع كل الملكوت لحكم الآب، حتى إذ يصير الله الكل في الكل فيهم أيضًا إذ هم جزء من الكل ينالون الله في أنفسهم إذ هو في الكل[1058].

العلامة أوريجينوس.

بالنسبة لنا فإن نهاية كل ما نفعله وإليها نسرع هو الحياة المطلوبة في العالم العتيد[1059].

القديس باسيليوس.

أي حكم (وقوة) يحطمه المسيح؟ هل ذلك الذي للملائكة؟ قطعا لا! هل الذي للمؤمنين؟ لا. إذن ما هو الحكم الذي يحطمه؟ إنه الخاص بالشياطين الذي يقول عنه أن مصارعتنا ليست مع لحمٍ ودمٍ بل مع الرؤساء مع قوات الظلمة في هذا الزمان الحاضر[1060].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

فصل 14: كيف نالت قوات الشر الروحية ألقاب القوات والرئاسات؟

لأنها تحكم وتسيطر على أممٍ مختلفة، ولها تأثيرها على أرواح أقل منها، وعلى شياطين، وقد شهدت الأناجيل عن وجود "لجيئون".

فما كان يمكن دعوتهم أرباب ما لم يوجد من يمارسون عليهم الربوبية،.

ولا يدعون قوات وسلاطين ما لم يكن لهم من يمارسون عليهم هذا السلطان.

فالفريسيون في تجديفهم على السيد المسيح قالوا: "ببعلزبول رئيس الشياطين يخرج الشياطين" (لو 15: 11)، كما دُعيت الشياطين: "ولاة العالم على ظلمة" (أف 12: 6)، ودُعي أحدهم: "رئيس هذا العالم" (يو 30: 14). ويتحدث الطوباوي بولس عن هؤلاء الرئاسات والقوات كيف يبطل سلطانهم على هذا العالم حين يخضع الكل للسيد المسيح فيقول: "متى سُلم المُلك لله الآب متى أبطل كل رياسة وكل سلطان وكل قوة" (1 كو 24: 15) [1061].

الأب سيرينوس.

"لأنه يجب أن يملك،.

حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه "[25].

يملك السيد المسيح على كنيسته الممجدة، جسده في السماء. ويكون ملكه إلى الأبد (رؤ 15: 11)، يملك على بيت يعقوب أبديًا ولا يكون لملكه نهاية (لو 33: 1)، ملكه أبدي لا يزول (دا 14: 7؛ مي 7: 4).

"لأنه يجب"، لأن الكتاب المقدس سبق فأخبر عنه كحقيقة لابد أن تتحقق. وبقوله "يجب أن يملك" يشير إلى استمرار ملكه.

تطلع المرتل إلى المسيّا ليري ذلك اليوم المفرح الذي فيه يجلس الابن الوحيد الجنس بكنيسته المقدسة الغالبة عن يمين العظمة، وتنحل كل قوات الأعداء وتسقط تحت قدميه (مز 110: 1). إنه واحد مع الآب، إنما ما يتحقق في ذلك اليوم لكنيسته، جسده المقدس، يُحسب له. بينما ينهار العالم ويسقط إبليس وكل جنوده يملك السيد المسيح ملك الملوك ويقيم من شعبه ملوكًا وكهنةً لله أبيه (رؤ 1: 6).

هل سيحكم الرب فقط حتى يضع كل أعدائه تحت قدميه، عندئذ يتوقف عن الحكم؟ واضح أن هذا يعني أنه سيبدأ بالحكم الحقيقي بكامل معنى الكلمة[1062].

القديس جيروم.

خطأك يقوم من عدم فهمك بأن "حتى" لا تعنى دومًا نوعًا من التعبير عما يحدث فيما بعد بل تأكيد ما يحدث حتى ذلك الوقت دون انكار ما يحدث بعد. كمثال منفرد ماذا يعني القول: "ها أنا معكم دائمًا حتى انقضاء الدهر"؟ هل يعني أنه لا يعود بعد ذلك يكون هكذا؟ [1063].

القديس غريغوريوس النزنيزي.

يقول البعض أنه عندما يخضع أعداءه تحت قدميه لا يعود بعد ملكًا، قول شرير وغبي. فإن كان هو ملك قبل نهاية هزيمة أعدائه النهائية، ألا يليق بالأكثر أن يكون ملكًا عندما يسود بالكامل عليهم؟ [1064].

القديس كيرلس الأورشليمي.

إنه يملك إلى الأبد. على أي الأحوال بخصوص الحرب الثائرة تحت قيادته ضد الشيطان فإنه من الواضح أن هذه المعركة مستمرة حتى يضع كل أعدائه تحت قدميه. أما بعد ذلك فلا توجد معركة، حيث نتمتع بالسلام الكامل[1065].

"اجلس عن يميني حتى أضع أعداءَك موطِئًا لقدميك" (مز 1: 110)، لأن جلوسه عن اليمين لا يبطل وضع أعدائه تحت قدميه. أو ما قاله الرسول: "لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداءِ تحت قدميه" (1 كو 25: 15)، فإنه حتى عندما يُوضعون حتى قدميه لا يتوقف عن أن يملك، إنما يُفهم ذلك أنه يملك أبديًا، فيبقون دومًا تحت قدميه[1066].

القديس أغسطينوس.

"آخر عدو يبطل هو الموت" [26].

لقد هزم السيد المسيح الموت بموته المحيي علي الصليب، لكن يتحقق بطلانه تمامًا بقيامة كل المؤمنين وتمتعهم بالملكوت الأبدي.

الأعداء الآخرون يبطلون قبل النهاية، حيث تتحطم عداوة القلب البشري لله بالكرازة بالإنجيل، وينكسر قضيب ملك إبليس ويُنزع عنه. سيملك الله روحيًا في كل موضع، ويصير الكل خاضعًا له. ستنتهي مملكة الخطية وطغيانها.

بقيامته قدم لنا القيامة من الأموات فصرنا في أمان، بعيدًا عن أية مخاوف. لا نعود بعد نخشى أي عدو، ولا نعود نموت بعد.

يُفهم هلاك آخر عدو بهذه الطريقة. ليس أن تهلك المادة التي خلقها الله بل الغاية المعادية والإرادة المضادة التي لم تصدر عن الله بل من ذاتها سوف تنتهي. إنها تهلك لا بمعنى أنه لا يكون للعدو وجود بعد، ولا يكون بعد موت... يليق بنا ألا نفكر هكذا، على أي الأحوال لا يحدث كل هذا فجأة، ولكن بالتدريج وبدرجات، خلال الأجيال غير المحدودة وبلا قياس، متطلعين إلى أن الإصلاح والتصحيح يتحققان ببطءٍ وبطريقة منفصلة في كل شخص فرد[1067].

العلامة أوريجينوس.

أن تحارب حسنًا، هذا هو حالنا الآن ونحن نقاوم ضد الموت، الأمر سيختلف عندما لا يكون بعد عدو، سيكون هذا الحال عندما يبطل الموت، آخر عدو.

تبدأ الحياة الجديدة الآن بالإيمان، وتستمر بالرجاء، ثم تبلغ النهاية عندما يُبتلع الموت بالنصرة، عندما يهلك هذا العدو أخيرًا، عندما نتغير ونصير مثل الملائكة...

الآن نحن نسود على الخوف بالإيمان، لكن ستتحقق السيادة بالحب بالرؤيا[1068].

القديس أغسطينوس.

كيف هو "الآخر" بعد الشيطان وبعد كل الأمور الأخرى؟ جاءت مشورة الشيطان أولاً، ثم عصياننا وعندئذ الموت. نظريًا الموت قد بُطل الآن، عمليًا سيتم فيما بعد! وضع الموت آخر الكل لهذا السبب، إذ فيه يعلن النصرة على البقية، كما أنه يسهل على غير المؤمن قبوله. عندما يحطم الشيطان الذي جلب الموت، يضع بالأكثر نهاية لعمله[1069].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

6. وضعنا الأبدي.

"لأنه أخضع كل شيء تحت قدميه،.

ولكن حينما يقول إن كل شيء قد أخضع.

فواضح أنه غير الذي أخضع له الكل "[27].

كوسيط لدى الآب يتقدم ليُخضع الكل له، ذاك الذي جلس مع أبيه على عرشه