قاموس القديسين و الشخصيات حرف ث

هذا الفصل هو جزء من كتاب: قاموس القديسين و الشخصيات التاريخية. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.


ث

ثاليليؤس الأبيكلوتوس الأب

دعاه اليونان "الأبيكلوتس Eepiklautos" وتعني "الكثير الدموع"، إذ قيل أنه قضى 60 عامًا في حياة نسكية يبكي بلا انقطاع، وقد اعتاد القول للقادمين إليه: "الآن يسمح الوقت لنا بالتوبة والشبع بالرحمة الإلهية، فالويل لنا إن أهملناه".

حدثنا عنه الأب ثيؤدورت بكونه قد تعرف عليه شخصيًا. فإنه من كيليكية، عاش إلى حين في كوخ بجوار معبد وثني بالقرب من جبالة حيث كان الوثنيون يقدمون الذبائح. كانت الأرواح الشريرة تظهر له بأصوات وأشكال مرهبة لتطرده من ذلك الموضع، لكنه عاش يجاهد ويربح الكثير من الوثنيين حتى الكهنة منهم للإيمان.

أقام لنفسه مسكنًا غريبًا على شكل برميل مصنوع من طوقين بينهما ألواح، وقد رآه الأب ثيؤدوت بعد 10 سنوات من سكناه هذا، ولما سأله عن هذا التصرف أجابه: "إني أؤدب جسدي المخطئ لعل الله ينظر إلى حزني على خطاياي ويغفرها لي وأخلص من عذابات العالم الآتي".

لقد اختار لنفسه مسكنًا ضيقًا، لكنه حمل قلبًا متسعًا، فقد جاء إليه الكثيرون ينعمون بسلام الله الذي يملأ قلبه، ويقتدون بتوبته غير المنقطعة ليكون لهم معه نصيب في المجد الأبدي. يعيد الغرب للأب ثاليليؤس Thalelaeus في 27 فبراير.

ثاليليئوس الشهيد

كان القديس ثاليليئوس Thalelaeus طبيبًا تقيًا، متسع القلب، يخدم الجميع لا لهدف سوى محبته لكل إنسان، حتى دعاه اليونان بالرحيم، وأيضًا بالمعدم "money less".

بحسب أعمال الشهداء الروماني استشهد بالرها في سوريا، لكن الرأي الغالب هو انه استشهد بكيليكية وكان ابنًا لأحد قادة الرومان. في أيام الإمبراطور نوميران، إذ التهبت نيران الاضطهاد هرب إلى حقل زيتون حيث أُلقيّ القبض عليه. أُخذ إلى ساحل Aegae وقُدم أمام الوالي ثيؤدورس حيث أعلن إيمانه بجرأة دون خوف، عندئذ أمر الوالي بربطه بالحبال بطريقة عنيفة حتى تمزق جسده وظهرت عظامه، وعُلق منكس الرأس إلى حين، وأخيرًا أُلقيّ في البحر لينال إكليل الشهادة.

استشهد معه آخرون منهم الكسندر وأوستيريوس اللذان كانا يمارسان تعذيبه، فإنهما إذ شاهدا صبره وفرحه مع رقته ولطفه حتى مع معذبيه آمنا بالسيد المسيح وشاركاه إكليل مجده، وكان ذلك في عام 284م.

Butler’s Lives of Saints, May 20.

ثاؤذورس الرومي الشهيد

كان من أهل أسطير في زمان الملكين مكسيميانوس ودقلديانوس اللذين لما بلغهما أن هذا القديس لا يعبد الأوثان استحضراه وعرضا عليه عبادة الأوثان فلم يقبل، فوعداه بجوائز كثيرة فلم يذعن لقولهما. عذباه بالهنبازين وبتقطيع أعضائه وحرق جسمه بالنار وضربه بالسياط، وكان صابرًا على هذا جميعه حبًا في السيد المسيح الذي كان يرسل ملائكته فيعزونه ويقوونه.

أخيرًا قُطِعت رأسه ونال إكليل الشهادة، وقد نقل جسده في مثل هذا اليوم من مدينة اماسيا إلى نيسس.

السنكسار، 28 أمشير.

ثاؤضوطس الأسقف القديس

هو أسقف مدينة قورنثية التي في جزيرة قبرص. وقد عُذِّب كثيرًا أيام الاضطهاد، وذلك أن يوليوس المتولي على هذه الجزيرة من قِبَل دقلديانوس قد استحضر هذا القديس وطلب منه أن ينكر المسيح ويقدم البخور للأصنام، وإذ لم يذعن لأمره عراه من ثيابه وضربه ضربًا شديدًا موجِعًا بسياط من جلد البقر، ثم علقه ومشط جسمه بأمشاط من حديد ثم سمر جسمه بالمسامير وجروه إلى الحبس.

فمكث في الحبس إلى أن هلك دقلديانوس وتملك البار قسطنطين، فأطلقه مع جملة المحبوسين، فعاد إلى كرسيه ورعى رعيته التي أؤتمن عليها إلى أن تنيح بسلام.

السنكسار، 6 برمهات.

ثاؤغنسطا القديسة

يبدو أنها هي القديسة نينو العذراء (رسولة جورجيا). نرجو الرجوع إلى سيرة هذه القديسة تحت حرف "ن".

قصة فتاة أسيرة استطاعت بالحياة المقدسة التقوية أن تكسب الكثيرين للإيمان بالسيد المسيح، في محبة واتساع واتضاع.

إذ مات الإمبراطور ثيؤدوسيوس سنة 395م استلم أركاديوس الشرق وهونوريوس الغرب فأرسل إليهما الملوك من كل بقعة هدايا، من بينهم حاكم الرها بسوريا أرسل إلى الملكين يهنئهما. وإذ عاد الرسل من روما يحملون شكر هونوريوس ومعهم هداياه أيضًا إلى حاكم الرها اجتازوا قرية بجوار روما بها دير للعذارى يُسمى أغاثونيكا، حيث وجدوا عذراء منفردة خارج الدير تسمى ثاؤغنسطا، أُعجبوا بها فخطفوها ليقدموها جارية لسيدتهم الملكة.

صارت الراهبة المسبية تمارس عملها ببهجة قلب ورضى، فأنجح الرب طريقها، ووهبها نعمة في عيني الملكة فأقامتها رئيسة على العاملين والعاملات بالقصر، أما هي فكان قلبها متعلقًا بالحياة السماوية، تمارس نسكها وصلواتها بجهاد عظيم.

شفاء ابن الحاكم وزوجته

تعرض ابن الحاكم لمرض شديد أزعج كل من بالقصر، وقد فشلت كل إمكانيات الأطباء والسحرة، أخيرًا طلبت الملكة أن تستدعي ثاؤغنسطا الرومية لتصلي عليه، إذ كانت تشعر أنها إنسانة تقية متعبدة لله، وبالفعل جاءت القديسة وبسطت يديها على شكل صليب وطلبت من الله أن يتمجد في هذا الابن الوحيد لأجل خلاص الكثيرين. وإذ انتهت القديسة من صلاتها فتح الصبي عينيه وقفز من سريره، فدهش الحاضرون. أراد الوالي مكافأتها فحررها من العبودية، وأعطى لها مسكنًا منفردًا كطلبها، أقامت فيه تتعبد لله بلا انقطاع، وتطلب من أجل خلاص المحيطين بها.

لم تمضِ إلا أيام قليلة حتى مرضت زوجة الحاكم فطلبت ثاؤغنسطا لتصلي من أجلها، ووهبها الله نعمة الشفاء. عندئذ فاتحت الزوجة رجلها انه يلزم قبول الإيمان بالسيد المسيح الذي تتعبد له ثاؤغنسطا لكنه خشيّ ثورة الجماهير ضده.

إيمان الحاكم

انطلق الحاكم مع رجاله إلى البرية ليصطاد لكن سحابة سوداء باغتتهم وهبت ريح عاصف بعدها فقدوا الطريق، وأحس الكل أن الهلاك يحلّ بهم لا محالة. عندئذ تذكر الحاكم ثاؤغنسطا وكيف تلتجئ إلى المسيح المصلوب وترشم ذاتها بعلامة الصليب فتنال قوة إلهية. صرخ الوالي طالبًا من السيد المسيح أن ينقذه، وإذا به يرى علامة صليب من نور تتقدمهم وتهديهم حتى دخلت بهم إلى المدينة.

استقبله شعبه بشغف شديد إذ خشوا عليه أن يكون قد ضل الطريق، أما هو فروى لهم ما حدث معه ومع رجاله، ففرح الكل ومجدوا الله. استدعوا القديسة ثاؤغنسطا كي تبشرهم بالإيمان، فتهللت جدًا وطلبت من الوالي أن يرسل إلى هونوريوس ليرسل كاهنًا تقيًا.

لعلها اختارت هونوريوس ملك روما لكونها من روما، أو لأن الشرق قد ملك عليه ثيؤدوسيوس الصغير بعد موت أركاديوس سنة 408م وكانت له ميول أريوسية، أو لمعرفتها هونوريوس واهتمامه بالعمل الكرازي.

اختيار ثاؤفانيوس الحبيس للخدمة

أرسل الحاكم إلى هونوريوس الذي فرح للغاية، وانطلق إلى راهب حبيس كان يحبه ويطلب مشورته، وإذ عرف ما للراهب من اتضاع حدثه أولاً عن الالتزام بالكرازة وعندئذ أراه رسالة الحاكم وطلب منه ألا يستعفي من خدمة كورة ابنوارس بالرها حيث يقيم هناك الحاكم وثاؤغنسطا.

سيم الحبيس الناسك قسًا، وأخذ معه رسائل وهدايا من الملك، وهناك التقى بالقديسة ثاؤغنسطا الذي طوبها على جهادها، وصار يكرز مجاهدًا.

سيم ثاؤفانيوس أسقفًا على إيبارشية ابنوارس بالرها كطلب الوالي والشعب، وكان الله يعمل به بقوة، إذ تزايد عدد المؤمنين من يومٍ إلى يومٍ.

الراهبة ثاؤغنسطا الأم

كانت القديسة ثاؤغنسطا اليد اليمنى للأسقف في الكرازة للنساء وخدمتهن. وإذ كانت المؤمنات يتعلقن بها جدًا التف حولها كثير من العذارى، حيث أقيم لهن دير لتعيش الأم ثاؤغنسطا معهن في حياة ملائكية. لم تعش طويلاً في الدير إذ سمح لها الرب بمرض لتتنيح في السابع عشر من شهر توت حيث يُحتفل بعيد الصليب المجيد.

القمص بيشوي عبد المسيح: القديسة المجاهدة ثاؤغنسطا (مكتبة المحبة).

ثاوفيلس الأنطاكي القديس

بحسب ما ورد في يوسابيوس فإن هذا الأب هو الأسقف السادس لإنطاكية بسوريا، وهو من رجال القرن الثاني (أواخر القرن). وُلد بالقرب من نهر الفرات من والدين وثنيين، وتهذب بالثقافة الهيلينية (اليونانية). وإذ درس الكتاب المقدس أدرك أن الروح القدس وهب الأنبياء النبوات عن الأمور المستقبلة فآمن وأطاع الله.

كتاباته

هو أحد المدافعين المسيحيين، لم يبقَ من كتاباته سوى دفاعه في ثلاثة كتب وجهها إلى صديقه الوثني Autolycus، هدف بها إلى تقديم الفكر المسيحي عن الله وعن الخلقة أمام العالم الوثني بأساطيره الخاطئة. بين كتاباته المفقودة مقالات ضد مرقيون وهرموجينيس.

من كلماته

الله لا يمكن أن يراه إلا القادرون على رؤيته، حينما تكون أعين نفسهم مفتوحة. حينما توجد قذارة على المرآة لا يقدر الإنسان أن يرى وجهه فيها، هكذا من كان فيه خطية لا يقدر أن يعاين الله.

حقًا إنني أكرم الإمبراطور لا بالتعبد له بل بالصلاة من أجله.

ثاوفيلس البابا الثالث والعشرون

كلمة (ثاوفيلس) من أصل يوناني تعني (المحب لله)، إذ هي مشتقة من كلمتين: "ثيؤ" (الله)، "فيلو" (محب). وكما قال القديس أثناسيوس عن الأنبا أنطونيوس انه في صباه كان يلقب (ثاوفيلس) بسبب بره في الرب ونصراته المستمرة في جهاده الروحي.

جاء البابا ثاوفيلس الخلف الثالث للبابا أثناسيوس الرسولي، والسلف للبابا كيرلس الكبير ابن أخته، وقد قضى في الباباوية 28 عامًا كانت تمثل حركة نشاط مستمرة، إذ كان له أثره على تاريخ الكنيسة والدولة أيضًا.

ارتبطت حياته بثلاثة أحداث هامة

أولها إبادة الوثنية في مصر الأمر الذي مدحه عليه كثير من المؤرخين، وإن كان البعض حاول تشويه صورته بمحاولة إظهاره في صورة عنيفة مستبدة في تحويل البرابي الوثنية إلى كنائس، غير أن التاريخ يشهد أنه فعل هذا عندما هجرت الجماهير البرابي.

والحدث الثاني هو الصراع ضد أوريجينوس، فقد تحول إلى عدو لدود لكل من يذكر اسم أوريجينوس، لذا حاول عاشقوا أوريجينوس تشويه صورته.

أما الحدث الثالث فهو مقاومته للقديس يوحنا ذهبي الفم إذ استغلت الإمبراطورة كراهية البابا ثاوفيلس للأوريجينية بينما كان ذهبي الفم يحتضن الإخوة طوال القامة من اكبر المدافعين عن أوريجينوس لكي يحكم على القديس بالنفي. هذا الحدث الذي ندم عليه البابا وكان كفيلاً بتشويه تاريخ حياته تمامًا، خاصة وأن الكنيسة في العالم كله أدركت ما لحق بالقديس ذهبي الفم من ظلم وافتراء، فقام كثير من المؤرخين خاصة بالاديوس الذي يعشق حياة ذهبي الفم بتصوير البابا ثاوفيلس أشبه بشيطان رجيم. وكما قال كثير من الدارسين ان ما جاء إلينا من تاريخ هذا البابا أغلبه خلال أعدائه الذين شوّهوا صورته.

نشأته

جاء في كتاب (تاريخ الكنيسة القبطية) للشماس منسى القمص:

"روى عن يوحنا النيقاوي المؤرخ القبطي أنه ولد من أبوين مسيحيين في مدينة ممفيس وتيتم منهما وهو طفل وله أخت صغيرة، فقامت بتربيتهما جارية أثيوبية وثنية. وحدث أنه ذات ليلة أخذتهما معها إلى الهيكل لتؤدي فروض العبادة الوثنية فحال دخولها سقطت الأصنام إلى الأرض وتحطمت، ففرت بهما الجارية خوفًا من انتقام كهنة الوثنيين، واختفت قليلاً ببلدة نيقيوس ثم جاءت إلى الإسكندرية. وقد دبرت العناية الإلهية أن تأخذهما إلى كنيسة مسيحية لكي تتعرف على هذا الدين الذي طرقت شهرته كل أذنٍ. فدخلت باب كنيسة القديس ثاؤنا وجلست بإزاء كرسي القديس أثناسيوس الذي لما رآها مع الطفلين أمر بإبقائهم حتى تنتهي الخدمة، ثم استخبرها البطريرك عن حقيقة حالها ولما قصت عليه خبرها ردها إلى الديانة المسيحية، وأخذ منها الطفلين، ووضعهما تحت عنايته الخصوصية. ولما كبرا قليلاً وضع الفتاة في دير لبثت به إلى يوم زواجها برجلٍ من بلدة المحلة (غربية) وفيها ولدت كيرلس الذي صار فيما بعد خلفا لخاله ثاوفيلس.

أما ثاوفيلس فضمه القديس أثناسيوس في سلك تلاميذه، فنما عالمًا تقيًا، ولما شوهد فيه من الحذق والنشاط اختاره معلمه كاتمًا لأسراره بعد أن رقاه لدرجة الكهنوت. وبعد وفاة معلمه استمر في مدينة الإسكندرية يخدم في كنائسها إلى أن رقد البابا تيموثاوس في الرب فانتُخِب بطريركًا مكانه بالإجماع في شهر مسرى سنة 102 ش و385م في عهد ثيودوسيوس قيصر لما رآه فيه الشعب من حسن السيرة وعظيم الغيرة على دين المسيح مما جعله موضعًا لثقة ثيؤدوسيوس الملك الأرثوذكسي الذي أمر بتعميم الديانة المسيحية في كل مكان واعتبارها الديانة الرسمية للمملكة الرومانية. ومما يدل على ثقة هذا الملك بالبطريرك الإسكندري تكليفه إياه بأن يصلح ما وقع من الخلل ثانية في مسألة عيد الفصح، فإنه في سنة 387م صار الفرق بين العيد المصري والعيد الروماني مدة خمسة أسابيع كاملة. فوضع البابا ثاوفيلس تقويمًا للأعياد لمدة 418 سنة ووضع جدولاً يحتوي على الأيام التي يقع فيها عيد الفصح لمدة مائة سنة ابتداء من سنة 380م ولا تزال صورة هذا التقويم باقية إلى يومنا هذا، وفيها أوضح البطريرك بأن السيد المسيح صُلب في اليوم الخامس عشر من شهر نيسان (أبريل) لا في الرابع عشر منه ثم وضع هذه القاعدة وهي: إذا كان اليوم الرابع عشر من الشهر القمري يوافق يوم الأحد فعيد الفصح يتبعه بأسبوع ".

اهتمامه ببناء الكنائس

كان البابا ثاوفيلس مولعًا ببناء الكنائس، وقد أعطاه الله سؤل قلبه، نذكر على سبيل المثال انه إذ كان يومًا ما جالسًا في حديقة معلمه البابا أثناسيوس تذكر أن معلمه كان يتوق إلى رفع الردم الذي بالحديقة وبناء كنيسة، فأراد البابا أن يحقق أمنية معلمه. سمعت سيدة غنية بذلك فقامت برفع الردم على نفقتها، وإذا بها تجد كنزًا يرجع إلى عهد الإسكندر الأكبر فبعث البابا إلى الإمبراطور يخبره بما وجده، خاصة أنه وجد أن الكنز قد نُقش عليه ثلاثة حروف (ثيتا)، فأدرك أنه يقصد بها ثيؤ أى الله، وثاوفيلس البطريرك، وثيؤدوسيوس الإمبراطور. جاء الإمبراطور بنفسه وعاين الكنز وأخذ نصفه وترك النصف لبناء عدة كنائس ودير المحرق. وفي هذه الزيارة استأذن البابا الإمبراطور في هدم المعابد الوثنية المهجورة أو تحويلها إلى كنائس، الأمر الذي أثار الوثنيين حتى اندفعوا إلى قتل بعض المسيحيين بقيادة الفيلسوف أوليمبوس. هذا وقد هدم معبد سيرابيوم الشهير سنة 391م.

ذهابه إلى القسطنطينية

ذهب البابا ثاوفيلس إلى القسطنطينية مرتين، الأولى في سنة 394م ليحضر مجمعًا عُقد لفحص بعض المسائل ولحضور الاحتفال بتشييد كنيسة كبرى بُنيت على اسمي الرسولين بطرس وبولس، وذهب ثانية في سنة 398م ليقيم القديس يوحنا الذهبي الفم بطريركًا على كرسي القسطنطينية وعاد إلى كرسيه.

مشكلة تجسيم شكل الله Anthropomorphism

بدأت أتعابه بسبب بدعة انتشرت بين بعض رهبان الإسقيط كان رأسها أفوديوس من بين النهرين مؤداها أن الله ذو صورة بشرية وذو أعضاء جسمية، وفي نفس السنة نشر البطريرك رسالة عيد الفصح السنوية، فاغتاظ أولئك الرهبان من عبارة وردت فيها وهى قوله: "إن الله روح لا يدركه الفهم، وليس هو مجرد إنسان يقع تحت الحد والحصر"، فهاجوا على البطريرك لما رأوه يخالفهم في الاعتقاد وترك أكثرهم قلاليلهم وجاءوا كجيشٍ جرارٍ إلى الإسكندرية وعزموا على الفتك بالبطريرك حالما يقع بصرهم عليه واحتشدوا حول داره وهم يتهددونه ويتوعدونه. وإذ رأى أن قلوبهم مملوءة بالغيظ ولم يجد له عضدًا أسرع على مرتفع وصعد عليه وخاطبهم بعبارات رقيقة تهدئ الخواطر الهائجة ومن ذلك قوله لهم: "إنني إذا رأيت وجوهكم أشعر كأني أشاهد الله لأنكم على صورته ومثاله"، فسكن ثورتهم قليلاً، وكانوا يظنون أن العبارة التي أوردها عن الله في رسالة عيد الفصح اقتبسها من مؤلفات أوريجينوس. لذلك طلبوا إليه بشدة أن يحرم أوريجينوس وكل من يطالع كتبه فوعدهم بذلك. ثم انعكف على مطالعة كتب أوريجينوس إذ لم يكن طالعها قبلاً فتبين من بعض ألفاظها ما يشعر بضلاله. وفي أوائل السنة التالية شكل مجمعًا حرم أوريجينوس وندد بتعليمه في رسالة عيد الفصح.

مشكلة الإخوة الطوال القامة

أما المشكلة الرئيسية التي شوهت صورة هذا البابا فهي مشكلة الإخوة طوال القامة الأوريجينيين. ففي البداية كان البابا محبًا لكتابات أوريجينوس، حتى أنه في سنة 399م إذ رأى الخلاف محتدمًا بين يوحنا أسقف أورشليم وجيروم بسبب العلامة أوريجينوس حاول مصالحتهما، فشعر جيروم (القديس إيرونيموس) أن البابا ينحاز لأوريجينوس، فكتب إليه بعنف يقول: "إنك لا تعرف كيف يكون الجدل والمناقشة، لأنك تعيش مع رهبان يجلون قدرك ويرفعون مقامك".

إذ درس البابا ثاوفيلس كتابات العلامة أوريجينوس واكتشف بعض الأخطاء اللاهوتية صار مقاومًا لكل ما هو أوريجيني، ظهر في مقاومته للإخوة الطوال القامة.

في سنة 370م تكونت جماعة أوريجينية في منطقة نتريا تحت قيادة الإخوة الطوال: الآباء أمونيوس باروتيس (صاحب الأذن الواحدة)، هرموبوليس، يوسابيوس، أنثيموس. هؤلاء الإخوة اتسموا بالروحانية والنسك، وقاموا بالنضال ضد الأريوسية بعد نياحة البابا أثناسيوس. وكانوا على علاقة طيبة بالبابا تيموثاوس والبابا ثاوفيلس حتى سنة 400م، فقد أحبهم وأكرمهم كرامة زائدة، فرسم ديسقورس أسقفًا على هرموبوليس كما سام اثنين منهم كاهنين بعد اعتذار بعضهم عن السيامة كأساقفة. لقد أراد البابا أن يستبقيهم معه في الإسكندرية لمساندته في الرعاية لكنهم فضلوا سكنى البرية.

بدأ الخلاف بين البابا وهؤلاء الإخوة عندما حاول البابا ملاطفة هؤلاء البسطاء من القائلين بتجسيم شكل اللاهوت بشكل إنساني (الأنثروبوموفليت) كما رأينا، فقد حسبوه بملاطفته لهم انه يجاملهم على حساب الحق الإنجيلي. أما ما ألهب الموقف بينهما فهو خلافه مع القديس إيسيذورس الذي مارس الحياة النسكية بنتريا وقد اتسم ببشاشة الوجه واللسان العذب فسامه البابا أثناسيوس كاهنًا وأقامه مسئولاً عن مستشفى بالإسكندرية. أحبه البابا ثاوفيلس جدًا حتى رشحه للبطريركية بالقسطنطينية عوض ذهبي الفم، لكن هذه الصداقة انقلبت إلى عداوة سافرة إذ عاد إلى نتريا يلتصق بالإخوة الطوال الذين يمثلون حزبًا أوريجينيًا مضادًا للبابا الذي في نظرهم قد ملأ الأنثروبوموفليت الإسقيطيين، واعتبر البابا هذا التجمع تحديًا له، ومارس الطرفان ضغوطًا شديدةً. عقد البابا مجمعًا بالإسكندرية حرم فيه آمون وأخويه الراهبين، واعتصم هذا الحزب في كنيسة الدير، ومنعوا دخول أي أسقف، وامتنعوا عن العبادة الجماعية.

هرب الإخوة الطوال إلى فلسطين وفي صحبتهم الأب إيسيذورس وجماعة من الرهبان بلغوا حوالي الثمانين، فوجدوا في قلب الأسقف الأورشليمي يوحنا المُعجب بأوريجينوس ملجأ لهم. اضطر البابا أن يبعث رسالة مجمعية إلى 17 أسقفًا بفلسطين و15 أسقفًا بقبرص يعلن فيه أخطاء أتباع أوريجينوس اللاهوتية والسلوكية، هذه الرسالة أثارت أتباع أوريجينوس بينما رطبت قلب القديس جيروم وأيضًا القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص. ترك الأوريجينيون فلسطين إلى القسطنطينية، ففتح لهم القديس يوحنا ذهبي الفم صدره، الأمر الذي أثار البابا ثاوفيلس جدًا، واستغلته الإمبراطورة لنفي ذهبي الفم، حيث انعقد مجمع السنديان تحت رئاسة البابا ونٌفيّ القديس ذهبي الفم. فصار ذلك يمثل كارثة أفسدت تاريخ البابا ثاوفيلس تمامًا. وقد سبق لنا الحديث في ذلك بشيء من التفصيل في كتابنا (القديس يوحنا ذهبي الفم).

حبه للبرية

إن كنا قد رأينا الجانب الرديء من جهة علاقته ببعض الإسقيطيين أو بالإخوة طوال القامة لكننا لا نستطيع ان ننكر أن البابا ثاوفيلس قد امتاز بحبه الشديد للبرية، فكان كثير الزيارات للآباء، يسألهم ويتحاور معهم ويطلب صلواتهم، نذكر هنا القليل مما ورد عنه في لقائه مع بعض آباء البرية.

إذ ذهب إلى جبل نتريا سأل كاهن: "أي امتياز تجد في هذا الطريق؟" أجابه الكاهن: "إنني اتهم نفسي وألومها في كل شيء". قال له البابا: "حقًا هذا هو الطريق الحق".

جاء البابا ثاوفيلس إلى الإسقيط، وإذ اجتمع الإخوة قالوا للأب بيمن (بامبو): "قل كلمة للأسقف ليكون لنا بنيان في هذا الموضع". أجاب الشيخ: "إن لم ينتفع بصمتي فإنه لن ينتفع بكلماتي".

مع راهب شيخ بسيط

جاء في بستان الرهبان أن الأنبا دانيال روى قصة راهب شيخ كان بسيطًا للغاية وكان يدّعى أن ملشيصادق هو ابن الله. سمع البابا ثاوفيلس عنه فاستدعاه، وإذ تحدث معه اكتشف بساطته الشديدة، وعلم أن ما يقوله عن ملشيصادق ليس عن عناد وإنما عن عدم إدراك. لذا تصرف البابا بحكمة، إذ قال له إنه يريد أن يعرف من هو ملشيصادق، طالبًا منه أن يسأل الله ليريه الحقيقة. في بساطة قال له الراهب: "انتظر ثلاثة أيام فإنني أسأل الرب وعندئذ أخبرك عن ملشيصادق من هو". وبالفعل تركه الراهب وعاد بعد ثلاثة أيام ليقول له أن الرب أظهر له جميع الآباء واحدًا فواحدًا، وتعرّف عليهم من آدم إلى ملشيصادق، وقد عرف أنه إنسان، عندئذ فرح الطوباوي ثاوفيلس جدًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم، 1980، ص 64 - 94 (لنفس المؤلف).

ثاؤفيلس الراهب القديس

كان ابن ملك إحدى جزائر رومية ولم يكن له ولد سواه فربًّاه أحسن تربية وهذًّبه بالآداب المسيحية. ولما بلغ من العمر اثنتي عشرة سنة قرأ رسائل بولس فوجد في رسالته إلى العبرانيين مكتوبًا هكذا: "أنت يارب في البدء أسست الأرض والسموات هي عمل يديك، هي تبيد ولكن أنت تبقى وكلها كثوب تبلى، وكرداء تطويها فتتغير ولكن أنت أنت وسنوك لن تفنى" (عب1: 1 - 32). وقرأ في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: "حسن للرجل أن لا يمس امرأة، ولكن لسبب الزنا ليكن لكل واحد امرأته وليكن لكل واحدة رجلها، لأني أريد أن يكون جميع الناس كما أنا، وأظن أنا أيضًا عندي روح الله" (1كو7: 1 و2 و7 و40). وقرأ أيضًا في الإنجيل المقدس قول سيدنا: "إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبِع أملاكك وأعطِ الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعالَ اتبعني" (مت19: 21).

فترك بيت أبيه وكل ماله وخرج متنكرًا وصار يتنقل من دير إلى دير إلى أن وصل إلى الإسكندرية، ومنها مضى إلى دير الزجاج. فلما رآه القديس بقطر رئيس الدير علم من النعمة التي فيه أنه من أولاد الملوك، فتلقاه ببشاشة وباركه ثم استخبره عن أمره فأعلمه به، فتعجب الأب ومجَّد الله وقَبِله في الدير، ولما رأى نجاحه في الفضيلة ألبسه الإسكيم المقدس.

وبعد عشر سنين من ذلك أتى جند من قِبَل أبيه وأخذوه رغمًا عن رئيس الدير. فلما وصل إلى أبيه لم يعرفه لأن النسك كان قد غيَّره، فعرَّفه القديس بنفسه ففرح كثيرًا بلقائه، وشرع القديس في وعظ أبيه مبينًا له حالة الموت والحياة وهول الدينونة وغير ذلك حتى أثَّر كلامه في قلب والده. فنزع التاج عن رأسه تاركًا الملك لأخيه وذهب هو وامرأته والقديس ثاؤفيلس ابنهما إلى دير الزجاج حيث ترهب وأقام مع ولده، أما والدة القديس فقد ترهبت بدير الراهبات.

وقد عاش الجميع بالنسك والعبادة وعمل الفضائل إلى آخر أيامهم. ولما أكملوا جهادهم الصالح تنيحوا بسلام.

السنكسار، 13 طوبة.

ثاؤفيلس وزوجته الشهيدان

كانا من الفيوم في أيام الإمبراطور دقلديانوس. وحدث أن بعضهم وشى بهما عند الوالي أنهما مسيحيان، فاستحضرهما الوالي وسألهما اعترفا بالسيد المسيح، فأمر أن تحفر حفرة عميقة ويلقيان فيها ثم يردم عليهما بالحجارة. وهكذا نفذ الأمر ونالا إكليل الشهادة.

السنكسار، 19 بابه.

ثيكوسا الشهيدة البتول

قامت البتول ثيكوسا Thecausa بتربية القديس ثيؤدتس، الذي نشأ إنسانًا محبًا ملتهبًا بالغيرة ومقدسًا للرب. كان يعمل في أنقرة بغلاطية كصاحب فندقٍ. وفي أثناء اضطهاد دقلديانوس احتمل المؤمنون بهذه المقاطعة عذابات كثيرة، فكان يهتم بالمسجونين دون خوف، ويدفن أجساد الشهداء معرضًا حياته للخطر.

حمل رفات القديس فالنز التي انتشلها من نهر Halys بجوار Malus لإقامة كنيسة صغيرة هناك كطلب الكاهن فرونتو. بعد ذلك إذ حلّ عيد أرطاميس حيث كانت النساء تمارسن الاستحمام في بركة ماء وهن عاريات بينما كانت الآلهات تُغسلن في ذات الموقع، طلب الوالي من سبع عذارى مسيحيات مسجونات بسبب إيمانهن أن تلبسن ثياب الكاهنات. رفض السبع عذارى من بينهن القديسة ثيكوسا فأمر الوالي بخلع ثيابهن وحملهن في مركبة مكشوفة إلى الأصنام وهن عاريات، لكي تغطسن في حوض المياه.

رفضت العذارى تنفيذ ذلك، فحُكم عليهن بربط حجارة في أعناقهن وتغريقهن.

إذ استخدم الأشرار بفكرهم النجس العنيف كل وسيلة هكذا لتحطيم الإيمان لم يترك الرب نفسه بلا شاهد، فقد سمح بعاصفة شديدة تجتاح المنطقة فهربت النساء اللواتي أتين للفساد، واضطر الحراس إلى مغادرة الموقع بينما جاء القديس ثيؤدتس ليحمل أجساد العذارى القديسات، من بينها جسد مربيته، ويقوم بتكفين الأجساد ودفنها. أما عطية الله له فكانت السماح لأحد الأشرار أن يشي به لدى الوالي لينال شركة الآلام من أجل مخلصه، وأخيرًا قُطعت رأسه لينال إكليل الشهادة.

وكما اهتم القديس بأجساد العذارى اهتم الرب أيضًا بجسده، فقد حدث أن صديقه الكاهن فرونتو كان يحمل خمرًا على حماره في طريقه إلى أنقرة حيث وجد الجند خارج المدينة حول جسد القديس الشهيد يستعدون لحرقه. استضافه الجند فأعطاهم خمرًا وإذا بهم يسكرون ويفقدون وعيهم، أما هو فوضع الجسد على الحمار وتركه. في الصباح قام معهم ليجد الكل أن الجسد والحمار غير موجودين، فتظاهر بالبحث عن حماره المسروق، تاركًا إياهم في ارتباك.

ذهب الكاهن إلى Malus ليجد حماره قد بلغ إلى موضع الكنيسة حاملاً الجسد المقدس، فكفنه ودفنه بكرامة عظيمة.

Butler’s Lives of Saints , May 18.

ثيؤبمبتس الراهب

كان الراهب ثيؤبمبتس Theopemptus تلميذًا للقديس مقاريوس الكبير. جاء عنه أنه دخل تحت تجربة أفكار شريرة وقد خجل أن يعترف بها لأبيه الروحي. التقى القديس مقاريوس بالشيطان الذي اعترف له أنه لم يعد له صديق واحد في البرية، ولما ضيّق عليه جدًا، قال: "نعم لي أخ واحد، لكنه واحد فقط، هذا الذي يخضع لي، على الرغم من أنه حينما يراني يحول وجهه عني كما لو كنت خصمًا له". فعرف أنه ثيؤبمبتس. إذ سمع القديس هذا الحديث أسرع بالذهاب إلى البرية السفلى، وكان الكثيرون في استقباله بفرحٍ، والكل يشتاق أن يدخل القديس إلى قلايته، لكنه لم يسأل إلا عن هذا الأخ حيث التقى به، وصار يسنده ويشجعه معلنًا له أن كل إنسان تحت الضعف، وأنه هو نفسه مع نسكه الشديد لسنوات طويلة، ومع تكريم الكل له ومع شيخوخته إلا أن شيطان الزنا يتعبه. بهذا دفعه للتوبة بانسحاق قلب، عندئذ رفعه إلى فوق التجربة بقوله له: "إذا صعدت فكرة (شريرة) إلى ذهنك لا تجعل عقلك ينظر إلى أسفل بل ليكن مرفوعًا إلى فوق على الدوام، والرب يعينك". لقد وجهه إلى الكتاب المقدس، كمصدر قوة وغلبة، قائلاً له: "عليك أن تتلو من الذاكرة نصوصًا من الإنجيل ومن الأسفار الأخرى".

بستان الرهبان (طبعة بنى سويف)، ص 20 - 22.

ثيؤدتا النيقية الشهيدة

أرملة شريفة جميلة الصورة أحبها الوالي ليكاتيوس Leucatius وأراد أن يتزوجها، وإذ رفضت الزواج به لأنه وثني، ولأنها قد وضعت في قلبها أن تكرس حياتها لتربية أولادها الثلاثة. وشى ليكاتيوس بها لدى نيستياس Nicetias والي مقاطعة بيثينية، متهمًا إياها وأولادها أنهم مسيحيون، وكان ذلك في عهد الإمبراطور دقلديانوس. استدعاهم الوالي وصار يلاطفهم من أجل شرف نسبهم فلم يسمعوا له. صار يسألهم كيف يتركون عبادة آبائهم وهم من أصل شريف، أجابه الابن الأكبر أفوديوس Evodius: "إن كان آباؤنا في خطأ فليس لأن الله أخفى الحق عنهم وإنما لأنهم هم كانوا عميانًا وضلوا في الباطل خلال عماهم، أما نحن فنتبع أمنا". اغتاظ الوالي إذ حسب هذا سبًا له، وكأنه هو أيضًا أعمى وفي ضلال، لذا هدد الأولاد قائلاً: "ستذبح أمكم للآلهة، أرادت أو لم ترد"، عندئذ بدأ يهدد الأم أن تنقذ حياتها وحياة أولادها، وإذ رفض الكل تهديداته حُرقوا معًا أحياء.

Butler’s Lives of the Saints, Aug 2.

ثيؤدوتا الشهيدة

استشهدت القديسة ثيؤدوتا St. Theodota في 29 سبتمبر حوالي سنة 318م، في فيلوبوليس بتراسيا خلال الاضطهاد الذي أثاره ليكينيوس كمقاوم لقسطنطين الكبير. طلب أغريبا الوالي أن تتعبد المدينة كلها للوثن، لكن هذه السيدة رفضت، وإذ اسُتدعيت أجابت أنها أكبر الخطاة لكنها لا تستطيع أن تضيف إلى خطاياها خطية جحد مسيحها. بهذه الشجاعة أثارت 750 شخصًا على رفض تقديم ذبائح وثنية فألقيت في السجن 20 يومًا، وإذ اُستدعيت كانت تبكي على خطاياها السالفة، وتطلب من الله أن يغفر لها. ولما سألها القاضي عن أمرها أجابت أنها كانت قبلاً زانية لكنها صارت مسيحية، الاسم الذي لا تستحقه. أمر أغريبا بجلدها فكانت تحتمل الجلدات بصبر.

وضعت على الهنبازين فكانت تشكر الله الذي أهّلها لاحتمال الآلام من أجله. وكانت تقول للوالي: "إني أخاف عذاباتك قليلاً فزدها لعلي أجد رحمة وأنال إكليلاً أعظم"

أمر أغريبا بتكسير أسنانها واحدة فواحدة بكل عنف وأخيرًا أمر برجمها خارج المدينة، عندئذ صارت تصلي، قائلة: "أيها المسيح الذي أظهر رحمته لراحاب الزانية وقَبِل اللص الصالح لا تنزع رحمتك عني".

هكذا تحولت هذه القديسة من حياة الترف والتدليل ولذة الشهوات الجسدية إلى حياة الإماتة اليومية من أجل الرب لتواجه آلام الجسد بصبرٍ وشكرٍ، تنتظر إكليل الشهادة ببهجة قلب.

ثيؤدوتس الأب

لا نعرف عنه إلا عبارتين وردتا في البستان، تظهران متعارضتين، لكنهما في الحقيقة متكاملتان، وهما:

الزهد في الخبز يهدئ جسد الراهب.

الجوع المستمر يجعل الرهبان هزيلين ويقودهم إلى الجنون.

فإن كان يدعونا للحياة النسكية والزهد حتى في الخبز الضروري، لكن يلزم أن يكون بحكمة واتزان حتى لا يفقد الصوم غايته، ويتحول إلى ضعف الإنسان وعجزه جسمانيًا وفكريًا.

W. Budge: The Paradise, Vol 2, p 21, 253.

ثيؤدور البابا الخامس والأربعون

كان ثيؤدورس (تادرس) مشاقًا للحياة الكاملة في الرب، فانطلق إلى دير طمنورة بمريوط حيث تتلمذ على يدي ناسك قديس يدعى يوأنس. وقد اتسم الراهب ثيؤدر بالطاعة لأبيه والاتضاع، واضعًا في قلبه كلمات سيده: "من أراد أن يصير فيكم أولاً فليكن للجميع عبدًا" (مر10: 44)، كما اتسم ببشاشته وحبه للجميع، لذا كان الكل يحبه.

في أثناء باباوية الأنبا الكسندروس الثاني إذ كان الأب يوأنس جالسًا مع بعض رهبان الدير، قال لهم: "صدقوني يا أولادي إن قلبي ينبئني بأني سأنتقل من هذا العالم في ذات اليوم الذي ينتقل فيه الأنبا الكسندروس الثاني إلى مساكن النور، وأن أخاكم الراهب ثيؤدورس سيعتلي الكرسي المرقسي، لا خليفة لالكسندروس، ولكن للبابا الذي يأتي بعده". وبالفعل إذ تنيح البابا الكسندروس أختير البابا قزما الأول (44) الذي لم يحتمل المرارة التي كان يعانيها شعبه بسبب ضغط الجزية المتزايدة فاشتهى أن ينطلق، وقد سمع الرب طلبته ولم يبقَ على الكرسي سوى 15 شهرًا، بعدها أختير الراهب ثيؤدورس بطريركًا.

في أيامه كان عُبيد الله متوليًا جباية الخراج في مصر، وكان محبًا للمال، عنيفًا للغاية، لكنه نُزع من عمله ليحل الحر بن يوسف مكانه وكان كسابقه مستبدًا لا يعرف الرحمة، الأمر الذي دفع بعض الأقباط في منطقة الشرقية (أهالي تنوديمى وقربيط وطربية) إلى الثورة ضده علنًا، فأرسل جيشًا وقمع الثورة بعد ثلاثة شهور، غير أن الحر بن يوسف نُقل من مصر إلى أسبانيا، وساد الجّو شيئا من الهدوء والسلام. عاد عُبيد الله إلى عمله واستخدم العنف في جمع الأموال من المسلمين كما من الأقباط، غير انه كان يمارس عنفه مضاعفًا جدا على الأقباط، وكان يود أن يجحدوا إيمانهم، وإذ لم يفلح استقدم 5000 عربيًا من قبيلة القيس استقروا في مدينة حوف شمال شرقي الفسطاط، وكان هؤلاء كثيري التمرد.

ثار المسلمين أيضًا على عُبيد الله بسبب عنفه واستبداده فرفعوا شكواهم إلى الخليفة هشام الذي اتسم بالعدل، فأمر بنقله إلى بلاد البربر بشمال أفريقيا، وعين القاسم ابنه الأكبر واليًا على مصر، فاستقر السلام على ضفاف النيل.

جلس على الكرسي المرقسي 11 سنة وسبعة شهور، اتسمت بالسلام النسبي، فقد اهتم بالبنيان الروحي وتثبيت المؤمنين.

في عهده كان الأنبا مويسيس أسقف أوسيم الذي حُسب شهيدًا بدون سفك دم لمواقفه الباسلة في وجه الاضطهاد. كان إنسانًا تقيًا، سلك الحياة الرهبانية لمدة 18 سنة قبل سيامته أسقفًا، ولما سيم أحبه الكل المسيحيون والمسلمون، إذ كان ذي قلب متسع للجميع، وقد تعرض لاضطهادات كثيرة محتملاً الضرب والجلد والسجن بفرح. بهذا كان يسند شعبه على الثبات في الإيمان. وقد عاصر البابا ميخائيل الأول خليفة البابا ثيؤدورس.

إيريس حبيب المصرى: ك 2، بنود 437 - 444.

ثيؤدورا1

سيدة بالقسطنطينية كتب إليها القديس يوحنا ذهبي الفم رسالة من قيصرية وهو في طريقه إلى جبال القوقاز للنفي يعاتبها فيه أنها قد نسته تمامًا، إذ بعث إليها ثلاث أو أربع رسائل ولم يصله منها سوى رسالة واحدة، وذلك خلال بدء رحلته للنفي.

في هذه الرسالة رجاها أن تتصل بأصدقائه الذين لهم نفوذ في العاصمة لكي يكون نفيه في موضع أقل تعبًا (رسالة 120).

بعث إليها أيضًا رسالة ثانية بقلمه يتشفع فيها بقوة من أجل شخص يدعى أوستاثيوس قامت بطرده بسبب خطأ ارتكبه غير معروف.

Smith & Wace , vol 4 , p 903.

ثيؤدورا2

انسانة كنسية، كتب إليها القديس باسيليوس الكبير رسالة رائعة عملية، أوضح فيها أحكام الحياة الإنجيلية التي تبنتها، كاشفًا لها عن مصاعبها. اعتذر لها أنه لم يرد أن يطيل الرسالة لئلا تقع في يد أحد يفتحها ويقرأها (رسالة 173 (302)).

ثيؤدورا3

سيدة من Baetica، في نهاية القرن الرابع، أرملة لوسينيوس الغني المتعلم، وقد عاشت معه في عفة، وكانت على اتصال بالقديس جيروم في بيت لحم. عند وفاة رجلها سنة 399 كتب إليها القديس جيروم رسالة سجل فيها سمو رجلها، كما كتب إليها رسالة أخرى، يمتدح فيها تعاليم أبيفانوس الكاهن الضرير (75، 76).

ثيؤدورا4

يحتفل الغرب بعيدها في 17 سبتمبر.

سيدة كرست حياتها وطاقاتها لخدمة الشهداء في أثناء الاضطهاد الذي أثاره دقلديانوس. إذ امتلأت المقابر بالشهداء صارت تدفنهم في أرض ملك لها في طريق فلمنيان Flaminian way على بعد 26 ميلاً من روما، دفنت فيها الشهداء ابنديوس وابندانتيوس ومركانيوس ويوحنا الخ.

ثيؤدورا الأم القديسة

إحدى الناسكات العظيمات اللواتي عشن في البرية كمتوحدات وقد عاصرت القديس البابا ثاوفيلس الإسكندري واستشارته.

لُقبت (أما Ammas) مقابل (أبا Abba) للرجال، وكان لها دورها الفعال في الحياة الرهبانية، طلب مشورتها بعض الرهبان فيما يخص الحياة الرهبانية.

غالبًا غير ثيؤدورا التي ذكرها القديس بالاديوس، بأنها امرأة محام عام tribune وزعت كل ما تملكه لتعيش على الصدقة والتحقت بدير Hesychas بجوار البحر.

هي غالبًا القديسة ثيؤدورا المذكورة في السنكسار القبطى (11 برمودة) بكونها ابنة وحيدة لوالدين من أغنياء الإسكندرية، أرادا أن يزوجاها، فأحضرا لها الكثير من الحلي والحلل الثمينة فلم تقبل، إذ أرادت تكريس كل حياتها للعبادة باعت كل ما أحضره والداها، ووزعته على الفقراء، ثم بنت كنيسة بظاهر الإسكندرية من الجهة الغربية، ثم قصدت البابا أثناسيوس الرسولي، الذي قام برهبنتها في إحدى الأديرة بظاهر الإسكندرية.

عاشت حياة نسكية قاسية، لكن بروح الحب والحكمة واتساع القلب، فتأهلت للرؤى الإلهية وتمتعت بمكانة روحية في عيني رجال الكنيسة. وقد عاصرت خمسة باباوات هم الكسندروس، أثناسيوس، بطرس، تيموثاوس، ثاوفيلس.

أكملت جهادها وتنيحت بسلام بالغة من العمر نحو مائة عام.

مع البابا ثاوفيلس

سألت البابا عن قول الرسول بولس: "مفتدين الوقت" (كو4: 5)، فأجابها: "هذا القول يظهر لنا كيف نربح كل أوقاتنا، كمثال: إن كنت في وقت إهانة، اربحي وقت الإهانة بالاتضاع والصبر، وانتفعي منه. إنه وقت هوانٍ، اقتنيه بالصبر واربحيه. هكذا كل الأمور المضادة لنا يمكننا إن أردنا أن نصيرها ربحًا لنا".

من كلماتها

1. عن الاتضاع: لا النسك ولا السهر ولا أي تعب يقدر أن يخلص غير الاتضاع الحقيقي. كان يوجد متوحد يُخرج الشياطين، سألهم بماذا تخرجون؟ هل تخرجون بالصوم؟ أجابوا: (نحن لا نأكل ولا نشرب). أبالسهر؟ أجابوا: (نحن لا ننام). أباعتزال العالم؟ (نحن نعيش في البراري). عندئذ قال لهم: (بأية قوة إذن تخرجون؟) قالوا ليس شئ يغلبنا سوى الاتضاع). انظروا كيف يغلب الاتضاع الشياطين!

2. عن عمل الوصية: حدث أن إنسانًا شتم إنسانًا تقيًا، فأجابه: "كنت قادرًا أن أجيبك بما يوافق كلامك لكن ناموس الله يغلق فمي".

3. عن ضرورة الجهاد: قال راهب من شدة التجارب التي تلاحقه: "لنمضِ من ههنا"، وإذ حمل حذاءه رأى إنسانًا يحمل حذاءه أيضًا، فقال له: إلى أين أنت ماض أيضًا؟ أجابه: إلى الموضع الذي أنت ماض إليه، لأني من أجلك أنا مقيم في هذا الموضع، فإن أردت الانتقال من ههنا فسوف انتقل بدوري، لأني ملازم لك حيثما سكنت.

4. عن السكون: حسن للإنسان أن يكون في سكون، فإن شيمة الحكيم هو السكون. هذا هو بالحقيقة عون العذارى والرهبان، لاسيما الشبان منهم، ولكن اعلموا أنه إذا أراد الإنسان أن يبلغ السكون للحال يأتي الشيطان ويثقل النفس بالفتور وصغر النفس والأفكار الشريرة، كما يثقل الجسم بالأمراض والضعف وانحلال المفاصل وسائر الأعضاء، ويحلّ قوة النفس والجسد معًا، فيقول الإنسان أنا مريض وغير قادر على الصلاة. لكن إننا إن كنا ساهرين تزول هذه التجارب عنا. يوجد راهب كلما ابتدأ في الصلاة يُصاب ببرد وحمى ويشعر بصداع، فيقول لنفسه: ها أنا مريض وقد اقترب الموت، فلأنهض إذن وأتمم صلاتي قبل أن أغادر هذا العالم. بهذا الفكر كان يقيم الصلاة حتى إذ يوشك أن ينهي الصلاة تفارقه الحمى. بهذا التعقل قاوم الأخ وصلى، وكان قادرًا على النصرة على الأفكار.

5. ضبط الفكر: سُئلت القديسة ثيؤدورا: كيف يمكن للإنسان أن لا يقبل حديث العلمانيين (في الأمور الزمنية)، وأن يكون عقله مع الله فقط كما كتب؟ فقالت: يشبه هذا إنسانًا جالسًا على مائدة وعليها أطعمة كثيرة،، فإن أكل منها بشهوة ورغبة أَثِم، وإن لم يأكل منها بشهوة ورغبة فليس عليه ذنب فيما يأكله. وهكذا كلام العلمانيين إذا سمعته ويكون قلبك معك، ولا تسمعه بلذة فلا يضرك بشيء.

6. سمات المعلم: يليق بالمعلم أن يكون غريبا عن شهوة السلطة والمجد الباطل والكبرياء، لئلا يسقطه أحد بالتملق، ويعمي بصيرته بالهدايا، ويُغلب ببطنه فيصيبه الغضب، إنما ليكون طويل الأناة وديعًا متواضعا ما استطاع، مختبرًا غير محابٍ للوجوه، يهتم بالكل ومحبًا للنفوس.

7. احتمال الضيقات: لنجاهد لكي ندخل من الباب الضيق، لأنه كما أن الشجرة، إذا لم تتعرض لعواصف الشتاء لا يمكنها أن تأتي بثمر، هكذا الحال بالنسبة لنا أيضًا. هذا الدهر شتاء عاصف، فقط بالضيقات والتجارب المتنوعة يمكننا أن نرث ملكوت الله.

8. تقديس الجسد: قالت أيضًا: كان مسيحي يناقش مانيًا بخصوص الجسد فقال: "أعطِ الشريعة إلى الجسد، فتجد الجسد إلى جانب خالقه".

ثيؤدورا الأولى الإمبراطورة

زوجة جوستنيانوس الأول، من أشهر النساء القديمات، إذ عُرفت بجمالها وقدرتها وإرادتها الحديدية وبذخها وغناها مع علمها وحزمها.

تزوجها جوستنيان سنة 523م، وتوِّجت كإمبراطورة عام 527م، وكان لها دورها الفعّال في المناقشات اللاهوتية كما كانت مملوءة حيوية في الأعمال الأخرى. على خلاف رجلها كانت تحب القديس ساويرس الأنطاكي وتسند الكنيسة المصرية غير الخلقيدونية.

كان لها دور كبير في الإصلاحات الأخلاقية، كما كانت تهتم بالأعمال التقوية بكل وسيلة. مع رجلها كانت تهتم ببناء الكنائس والمستشفيات.

وجدت صورتها بالموزاييك في كنيسة St. Vitale برافينا.

Cross: Dict. of Christian Church , p 1358.

ثيؤدورا التائبة القديسة

هي قصة النفس البريئة المحبة لله لكن بسبب عدم التمييز يمكن أن تهوى حتى الأعماق، بل هي قصة الإنسان المشتاق لخلاص كل أحدٍ مهما بلغت خطاياه ليقيمه ابنا مقدسًا له. ثيؤدورا هى المجدلية الثانية التي عرفت بالحب لله أن تطأ الخطية تحت قدميها لتعيش في حياة مقدسة له!

الزوجة السعيدة

نشأت في القرن الخامس، في عهد زينون، من أبوين شريفين بالإسكندرية، واتسمت بالجمال البارع مع الحياة التقوية والغنى. تزوجت شابًا غنيًا وتقيًا، فكانت حياتهما مملوءة سلامًا وفرحًا.

في وسط مظاهر الغنى وكثرة الولائم تعرف عليها شاب غني أُعجب بحكمتها واتزانها، وكان نقيًا طاهرًا، وقد شعر الزوج بذلك. ولكن عدو الخير بدأ بعد فترة يُلقي فيه بذار الفكر الشرير من جهة ثيؤدورا، إذ كان يحترمها ويجلها صار يحارب الفكر من نحوها. تزايدت الحرب جدًا، حتى إذ وجد الشاب فرصته صارح ثيؤدورا بأفكاره من جهتها فصدمت إذ كانت ترى فيه النقاوة، وانتهرته. مرت الأيام وتزايدت الأفكار، وخلال حيل إبليس سقطت الزوجة فريسة للخطية.

مرارة نفسها

لم يعرف أحد بما حدث بينهما، خاصة والكل يعلم عنهما أنهما طاهران، لكن ثيؤدورا لم تحتمل نفسها، كانت مرة النفس للغاية، وفي صراعها صارحت رجلها بما حدث والدموع تنهمر من عينيها، ولم يعرف ماذا يفعل الزوج إذ كان يثق في زوجته كما في صديقه.

تحولت حياتهما إلى دموع لا تنقطع ليلاً ونهارًا، وأخيرًا قررت أن تترك العالم بكل مباهجه لتقضي بقية أيامها في توبة مستمرة.

في دير الأناطون

حلقت ثيؤدورا رأسها وتزيت بزيّ الرجال وانطلقت ليلاً إلى دير الأناطون أي دير التسعة أميال (في موقع الدخيلة حاليًا)، وهناك سألت رئيس الدير أن يقبلها فأراد أن يختبر مثابرتها. تركها على الباب طول الليل وسط البرد الشديد وتعرضها للحشرات، وفي الصباح وجد عينيها قد تورمتا بسبب البكاء، فسمح لها بالدخول وعُرفت باسم الراهب ثيؤدور، أو تادرس.

نموها الروحي

عاشت القديسة في هذا الدير تمارس خدمة فلاحة البساتين، محتملة كل تعب بفرح وسرور. صلواتها لا تنقطع حتى في وسط أتعاب العمل، تتسم بالطاعة والوداعة مع النسك الشديد. وقد وهبها الله عطية صنع المعجزات، فذاع صيتها ووفد على الدير كثيرون يطلبون بركة هذا الراهب.

يروى أنه في أحد الأقاليم ظهر تمساح في النيل كان يزعج الناس، فأرسل حاكم الإقليم إلى رئيس الدير يطلب منه أن يرسل الراهب ثيؤدور ليخلص الناس من شر هذا التمساح، فطلب الرئيس من الراهب أن يذهب إلى المنطقة ويملأ من هناك جرة ماء. في طاعة حمل الجرة وانطلق، وهناك إذ رأى التمساح يتقدم إليه كحمل وديع امتطى ظهره لينطلق به إلى داخل النيل ويملأ الجرة. وإذ عاد رشم عليه علامة الصليب فمات.

لقاؤها مع زوجها

كان قلب زوجها يئن بلا انقطاع لا يعلم أين ذهبت زوجته، فإنها وإن كانت قد سقطت لكنه كان يعلم أنها سقطة ضعف خلال خداع عدو الخير. كان مشتاقًا ان يطمئن على خلاصها، فقدم بدموع صلوات كثيرة سائلاً الله أن يهبه راحة وطمأنينة من ناحيتها.

في غمرة حزنه ظهر له ملاك يسأله أن يذهب إلى كنيسة القديس بطرس خاتم الشهداء ليجدها بجوار الكنيسة بمفردها، ففرح جدًا وانطلق إلى الكنيسة لكنه لم يجد أحدًا سوى راهبًا يقود جمالاً ليحضر مؤن للدير. كان هذا الراهب هو ثيؤدورا التي لم يعرفها رجلها لان شكلها كان قد تغير تمامًا بسبب نسكها الشديد ودموعها التي لم تجف، أما هي فعرفته وحيّته فردّ عليها التحية.

دخولها وسط الآلام

تعرضت القديسة ثيؤدورا لحروب كثيرة، تارة كان يذكرها العدو بخيانتها لرجلها ليقطع عنها الرجاء، وأخرى يذكرها بكلمات التملق التي كان ينطق بها الشاب وتصرفاته المثيرة، وفي هذا كله كانت تقاوم بنعمة الله.

إذ فشل عدو الخير في تحطيمها بكل الطرق دبّر لها مكيدة إذ سخر لها امرأة شريرة التقت بها يومًا في البرية وهى تقود الجمال، فحسبتها راهبًا شابًا. حاولت المرأة أن تجتذب الشاب للخطية. فتذكرت ثيؤدورا سقطتها فصارت تبكي بمرارة وطلبت من المرأة أن تتوب عن خطاياها وترجع إلى الله، فما كان من هذه المرأة إلا أن ذهبت إلى رئيس الدير تشكو له أن هذا الراهب الشاب قد أفسد عفتها وأنها حملت منه. تحول الكل إلى مقاومتها، فاحتملت كلمات السخرية والنظرات القاسية بتسليم كامل بين يديْ الله دون ان تدافع عن نفسها بكلمة حتى لا يعرف أحد سرها.

طُردت ثيؤدورا مع الرضيع من الدير لتبقى سبع سنوات في البرية تذوق كل تعبٍ وألمٍ، خاصة من أجل الطفل البريء، وكانت تجاهد على الدوام، وتحسب أن ما جرى لها من قبيل التأديب عما فعلته قبلاً.

إذ أظهرت كل ثبات مع توبة سمح لها رئيس الدير بالعودة مع الطفل، بعد أن وضع عليها قانونًا قاسيًا، وطلب منها أن تبقى في قلايتها مع ابنها لا تقابل أحدًا خارج الكنيسة أثناء الصلاة.

نياحتها

رأى رئيس الدير في حلم كأن السماء قد انفتحت وظهر عرش تجلس عليه عروس جميلة بجوارها ملاك، فلما سأل عن العروس قيل له إنها الراهب ثيؤدور، فقام في الحال متجهًا نحو قلاية الراهب ليسمعه يحدث الابن المنسوب إليه، قائلاً:

[يا ولدي، لقد قاربت شمسي أن تغيب ولا ألبث أن أفارقك. لكني أتركك بين يدي أب عطوف، هو الله أب اليتامى جميعًا. وأملي وطيد أن رئيس الدير لا يتخلى عنك وأن يعطف الرهبان عليك.

يا ولدي لا تبحث عن أصلك ونسبك. إن خير الأنساب هو يأتينا من الفضيلة.

لا تنظر إلى الأمجاد العالمية، لأن الرجل السعيد ليس هو الرجل المجيد. ولقد قال الرب يسوع: طوبى لكم إذا طردوكم وعيروكم واضطهدوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين.

صلِ لأجل الخطاة، كن عونًا للضعيف، ولا تتوان في طريق الكمال.

اخدم قريبك كما لو كان سيدك، لكي تكون مقبولاً عند المسيح يسوع الذي لأجلنا أخذ صورة عبد.

كن مواظبًا على الصلاة لئلا تدخل في التجارب.

وإذا هاجمتك التجربة فاصمد لها.

وإذا انتهت التجربة فلا تمل عن الصلاة، لئلا تعود إليك فتتغلب عليك.

فإذا اتبعت يا ولدي نصائحي هذه ومشوراتي فإن الله يكون معك ويحفظك من الشرير ومن سائر الأعداء.]

وقف رئيس الدير خارج القلاية يستمع حتى النهاية، فتأكد أن هذا الراهب مُفترى عليه، وإذ طرق الباب ليدخل وينال بركته قبل رحيله دخل فوجده قد أسلم الروح.

أقبل الرهبان إلى جثمان الراهب ثيؤدور ليعلنوا أسفهم على ما صدر منهم بعد ان سمعوا من رئيس الدير ما قد رآه وسمعه، وإذ أرادوا دفنه أدركوا أنها امرأة للحال انتشر الخبر في كل الإسكندرية، وجاء الكثيرون يطلبون بركتها. عندئذ أدرك زوجها أنها امرأته، فجاء يبكي بمرارة متذكرًا كيف أنه سبق فرآها ولم يعرفها حين كانت تقود الجمال.

توسل لدى رئيس الدير أن يقبله راهبًا ويكمل بقية أيامه في ذات قلايتها. أما الصبي فكان ينمو في النعمة حتى أحبه الجميع واختير في ما بعد رئيسًا للدير.

Che’neau: les Saints d’ Egypte , t 2. p 324 – 9.

الأرشمندريت ميشيل عساف: كتاب السنكسار (11 ايلول).

ثيؤدورا وديديموس الشهيدان

في أيام الإمبراطور دقلديانوس إذ اشتعلت نيران الاضطهاد استدعى والي الإسكندرية القديسة ثيؤدورا Theodora، كانت في السابعة عشر من عمرها، اتسمت بجمال ملامحها بجانب تقواها وشرف نسبها. سألها الوالي عن اسمها فأجابت أنها مسيحية، وإذ عرف أنها من عائلة شريفة سألها عن سبب عدم زواجها، فأجابت أنها تفضل خدمة يسوع المسيح. سألها أن تذبح للوثن وتجحد مسيحها وإذ رفضت هددها بإدخالها أحد بيوت الدعارة، أما هي فأجابت انه لن يستطيع أن يدنس نفسها بالفساد حتى وإن استخدم القهر في الاعتداء على جسدها.

صار يتملقها من أجل جمالها وشرف نسبها لكنها أصرت على الثبات في إيمانها. أعطاها مهلة ثلاثة أيام للتفكير وأخذ قرارها، أما هي فأجابته أنها تثق في الله الذي يسندها ويحفظها، وإذا دُفعت إلى بيت الدعارة رفعت عينيها وصلت لله كي يخلصها وإذا بجندي مسيحي شاب يدخل إليها ويطمئنها، سائلاً إياها أن ترتدي ثيابه وتعطيه ثيابها لتهرب حتى لا يعتدي أحد عليها.

سمع الوالي فحكم بقطع رأسه وحرق جسده، وإذ انطلق به الجند للتنفيذ أسرعت ثيؤدورا لتطالب بحقها في الاستشهاد، فإنها إن كانت قد هربت حتى لا يُفسد أحد عفتها لكنها لا تستطيع أن تحرم نفسها من هذا الإكليل، وبالفعل استشهدت معه.

Baring - Gould: Lives of Saints, April 28.

ثيؤدورت الكاهن الشهيد

كان يوليانوس عم الإمبراطور يوليانوس الجاحد واليًا على الشرق ومقيمًا في إنطاكية، سمع أن الكنيسة الكبرى تمتلك ذهبًا وفضة (ربما يقصد بذلك الأواني المقدسة)، فأمر بإحضار ما في الخزانة. إذ سمع الكهنة هربوا أما الكاهن ثيؤدورت ففي غيرته لم يهرب بل أستمر يعقد الاجتماعات ويهتم بقطيع السيد المسيح.

رفض ثيؤدورت الكاهن تقديم الأواني المقدسة، فاستدعاه الوالي واتهمه بأنه حطّم التماثيل وأقام الكنائس عوض البرابي الوثنية في العهد السابق له. كان الأب ثيؤدورت قد أقام كنائس على مقابر الشهداء، وقد قام الكاهن يوبخ الوالي على جحده لمسيحه.

تعرض الأب لعذابات كثيرة، وقد تعرض الجلادون لحالة إحباط شديد، إذ رأوا ملائكة تحيط بالشهيد. اعترفوا بالسيد المسيح فاغتاظ الوالي وأمر بإغراقهم، عندئذ قال لهم الكاهن: "اذهبوا أمامي أيها الإخوة فسأصل إليكم منتصرًا على العدو". سأله يوليانوس: "من هو هذا العدو الذي تغلبه؟" أجابه: "الشيطان الذي تحارب أنت لحسابه، أما واهب النصرة فهو يسوع المسيح مخلص العالم".

بدأ يحدث الجلادين عن التجسد الإلهي والخلاص، وكان الوالي يهدده ويتوعده، وأخيرًا قطع رأسه.

استولى الوالي على الأواني المقدسة وألقى بها على الأرض استخفافًا بها، ثم كتب إلى الإمبراطور يروي له ما حدث فغضب عليه لعنفه الشديد.

أصيب الوالي بآلام شديدة لمدة أربعين يومًا وانتهت حياته بمرارة.

ثيؤدورت النسطوري المؤرخ

ثيؤدورت أسقف قورش Cyrus أو Cyrrhus، مواطن أنطاكي تعلم في مدرسة إنطاكية الرهبانية. وزع ممتلكاته على الأفراد والتحق بدير Nicerte حوالي عام 416م وهو في حوالي 23 سنة من عمره.

سيم أسقفًا بسوريا سنة 423 بغير إرادته فكان مقاومًا للوثنية.

اشترك في الصراع بين القديس كيرلس الكبير والهرطوقي نسطور، وكان منحازًا لصديقه نسطور، وإن كان قد اختلف مع صديقه في قبول لقب (ثيؤطوكوس) أي (والدة الإله) للسيدة العذراء، لكنه قبله بمعنى رمزي. وفي مجمع أفسس قاوم القديس كيرلس الكبير وقرارات المجمع المقدس، مع أن القديس كيرلس نفسه قد سبق فقبل صيغة الإيمان التي وضعها ثيؤدورت سنة 432م بمكر.

سنة 448 اتهمه القديس ديسقورس بأنه جعل من المسيح شخصين، وقد نُفي من كرسيه. أشترك في مجمع خلقيدونية ضد القديس ديسقورس.

يحاول الغرب الدفاع عنه بالقول أنه ترك النسطورية بعد سنة 451م.

ترك الكثير من الكتابات منها الكثير من تفسير أسفار العهدين القديم والجديد، بعضها على شكل أسئلة وإجابة، مقتطفًا عبارات من ديؤدور الطرسوسي وثيؤدور أسقف الميصة وأوريجانوس، وأيضًا كتابات جدلية عقيدية، وتاريخية منها كتابه المشهور (التاريخ الكنسي) في 5 كتب قاصدًا تكملة كتاب يوسابيوس القيصري، وذاكرًا ما ورد في كتابي سقراط وسوزومين أو مكملاً ما نقص.

ثيئودورس الأسقف المعترف

هو أسقف مدينة القيروان، إحدى الخمس مدن الغربية ومسقط رأس القديس مرقس الرسول كاروز الديار المصرية. وكان ثيئودورس هذا قديسًا كما كان كان فنانًا عظيمًا، وكان يقضي فترات راحته – بعد تأدية أعماله الراعوية – في زخرفة المخطوطات، ولقد برع في هذا الفن إلى حد أن الناس أصحاب الذوق المرهف في أنحاء العالم كانوا يسارعون إلى اقتناء رسوماته، وكان فنه ممتلئًا روحانية فجذب بواسطته عددًا عديدًا إلى السيد المسيح.

لاحظ دجنيانوس والي القيروان أن الفن هو رسول الأسقف لدى الناس يستميلهم بواسطته عن الوثنية إلى المسيحية، فاغتاظ كل الغيظ وقرر أن يعطل ثيئودورس عن عمله، وبخاصة أن الإمبراطور دقلديانوس أصدر منشوراته ضد المسيحيين، فقبض دجنيانوس على الأسقف وعلى عدد من النساء الشريفات وبعض زعماء المسيحيين. ولما استمع القاضي إلى شكوى دجنيانوس عن الآيات الفنية التي يبتكرها الأنبا ثيئودورس ليستميل بها القلوب إلى المسيحية، أمره بتسليمها إليه، ولكن رجل الله رفض الإذعان للأمر. وبازاء هذا الرفض حكم القاضي بجلده بسياط تنتهي بقطع من الحديد، فانهال عليه بالسياط حتى سالت دماؤه غزيرة، وحالما تركوه تيث إلى أن استعاد أناسه وجر نفسه على الأرض إلى أن وصل تجاه المذبح الذي أقيم في دار المحاكمة لاستهواء المسيحيين إلى التبخير عليه، والتفت إليه الجميع في اهتمام بالغ زاعمين أن السياط أثرت فيه فأنسته إيمانه. ولكنه ما كاد يلمس المذبح حتى دفعه بكل ما بقي فيه من قوة فانقلب على الأرض، وثارت ثائرة القاضي والوالي فأصدروا الأمر بسلخ جلده جزء جزء، وصب الخل على كل جزء حالما يسلخونه.

بدأ الجند عملهم، فكان الأنبا ثيئودورس يهتف أثناء سلخه: "إن مخلصنا السيد المسيح هو وحده سيدنا وربنا"، فأمر القاضي بقطع لسانه ورميه في السجن قبل أن يكون ثباته سببًا في اجتذاب جمهور المتفرجين إلى إيمانه المسيحي. وبينما هو في السجن شفاه السيد المسيح من جراحاته كما أعاد غليه لسانه، فآمن به لوسيوس حارس السجن. وبعد أيام دهش دجنيانوس الوالي إذ وجد الأنبا ثيئودورس معافى فأطلق سبيله، أما النساء الشريفات وبقية المؤمنين الذين كانوا في السجن معه فقد صدر المر بإعدامهم جميعًا.

والعجيب في هذا الشأن أن لوسيوس حارس السجن الذي نال الصبغة المقدسة على يديَّ الأنبا ثيئودورس رأى من واجبه أن يحاول اجتذاب دجنيانوس الوالي ومعه القاضي إلى المسيحية، فنجح مع الأول وفشل مع الثاني، واتفق لوسيوس مع دجنيانوس على مغادرة البلاد معًا فذهبا إلى قبرص. وبعد أيام عرف الأهالي سيرتهما فوشى البعض بهما إلى الوالي، وأحس لوسيوس بما حدث فأراد أن يحفظ حياة دجنيانوس ويقيه مما قد يصيبه من عذاب، فسلم نفسه خلسة إلى الوالي. ولما كان لوسيوس رومانيًا أمر والي الجزيرة بقطع رأسه بحد السيف، وحين سمع دجنيانوس بما حدث أخذ اجسد ودفنه بإكرام عظيم، ثم قضى بقية حياته في عزلة وهدوء مداومًا على الصوم والصلاة إلى يوم مماته.

أما الأسقف ثيئودورس فعاد إلى شعبه وعاود جهاده الفني، ولكن العذاب الذي ذاقه أضنى جسمه فلم يعش سوى سنين قليلة انتقل بعدها إلى بيعة الأبكار في هدوء وسلام.

قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الأول صفحة 162.

ثيؤدوسيا الشهيدة

يحتفل الغرب بالشهيدين أبيفان وثيؤدوسيا معًا في 2 إبريل.

عرض لنا يوسابيوس القيصري قصة استشهادهما أثناء حديثه عن شهداء فلسطين، إذ كان متأثرًا جدًا كشاهد عيان لعذاباتهما، وأيضًا لصغر سنهما، إذ كان أبيفان في حوالي العشرين من عمره بينما ثيؤدوسيا في الثامنة عشرة من عمرها (كان ذلك في عام 308م).

يقول يوسابيس: "وفي قيصرية أيضًا عندما استمر الاضطهاد إلى السنة الخامسة، في اليوم الرابع قبل التاسع من أبريل، في نفس يوم الرب، يوم قيامة مخلصنا، صعدت فتاة عذراء تسمى ثيؤدوسيا من أهل صور، وهي فتاة رزينة مؤمنة لم تكمل الثامنة عشرة من عمرها بعد، صعدت إلى بعض المسجونين الذين كانوا يشهدون لملكوت المسيح وجالسين أمام كرسي القضاء، وحيّتهم، ورجتهم أن يذكروها عندما يمثلون أمام الرب. وللحال أُلقي القبض عليها، وساقوها إلى الوالي وكأنها ارتكبت فعلاً شائنًا، أما هو فسرعان ما أنقض عليها كمجنون أو كوحش مفترس في هيجانه، وعذبها تعذيبًا مبرحًا في جنبيها وثدييها حتى وصل إلى العظام. وإذ كانت تتردد فيها الأنفاس، واقفة بوجه باش بالرغم مما تكبدته، أمر بطرحها في أمواج البحر. ولما فرغ منها انتقل إلى المعترفين الآخرين، وأمر بتشغيلهم جميعًا بمناجم النحاس بفينو بفلسطين".

يوسابيوس القيصرى: شهداء فلسطين 7 (ترجمة القمص مرقس داود).

ثيؤدوسيوس الأول البابا الثالث والثلاثون

إذ تنيح البابا تيموثاوس الثالث (32) اُنتخب الناسك التقى ثيؤدسيوس بابا للإسكندرية سنة 536م.

متاعب داخلية

لم تمضِ إلا أسابيع على سيامته حتى اجتمع حزب من الإسكندريين حول أرشيدياكون يدعى قيانوس، تملقوه وأفهموه أنه وحده مستحق للبطريركية وبالفعل سيم أسقفًا على الإسكندرية. احتدم الخلاف بين الفريقين فأرسلت الإمبراطورة ثيؤدورا مندوبين لها لتتعرف على حقيقة الموقف، فاكتشف المندوبين أن سيامة البابا ثيؤدوسيوس كنسية بينما سيامة قيانوس غير قانونية، وقد اعترف قيانوس بخطئه، فقبل البابا توبته بشرط أن يكتب بخط يده إقرارًا بمخالفته القوانين الكنسية، ثم رده البابا إلى رتبته كأرشيدياكون التي كان قد جُرد منها، وفرح الكل باستتباب السلام.

خلاف مع الإمبراطور

في حديثنا عن البابا تيموثاوس الثالث رأينا كيف أقام الإمبراطور يوستنيان نفسه حكمًا في الأمور اللاهوتية والكنسية، فقد حسب نفسه الفيصل في كل أمرٍ زمني وكنسي، وأنه يستطيع بما له من سلطان أن يحفظ للكنيسة وحدتها. وقد وجد في مشكلة مجمع خلقيدونية وانقسام الكنيسة في العالم بشأنه فرصة للتدخل بطريقته الخاصة. هذا من جانب ومن جانب آخر إذ بعث البابا ثيؤدوسيوس رسالة إلى الإمبراطور وإلى الإمبراطورة يشكرهما على موقفهما من سيامة قيانوس غير القانونية تبادر إلى ذهن الإمبراطور أن التفاف الأقباط بروح واحد حول راعيهم يجعلهم قوة ربما يُخشى منها في المستقبل لذا أراد هدم البابا في أعين شعبه باستمالته للتوقيع على قرارات مجمع خلقيدونية.

أرسل الإمبراطور للبابا يعده بالولاية على الإسكندرية وجعله بابا لكل إفريقيا بجانب باباويته على الكرسي المرقسي إن وقع القرارات، أما ثيؤدوسيوس فقرأ الرسالة في وجود المندوبين ورجال الدولة وللحال أعلن أن هذه الوعود ليست إلا صورة لما فعله الشيطان حين قال للسيد المسيح انه يعطيه سلطانًا على كل ممالك العالم إن سجد له. بقوة أعلن أن للإمبراطور سلطانًا على جسده يفعل به ما يشاء أما روحه فهي ملك للسيد المسيح الملك الوحيد.

همّ البابا بالخروج من دار الباباوية فمنعوه، واقتادوه إلى دار الولاية ليحتجز يومًا بليله، ويبدو أن الوالي قد تأثر جدًا بشجاعة البابا وإيمانه ووضوحه فأحبه وانضم إلى مناصريه، وعاونه على ترك الإسكندرية إلى حين حتى يهدأ الجو. أعدّ له مركبًا ليذهب إلى الصعيد ليلتقي بالشعب والرهبان ويرعاهم.

انطلق مندوبو الإمبراطور إلى القسطنطينية ليقصوا هناك ما حدث مع البابا فدهش الكل لرفضه عروض الإمبراطور، عاود الإمبراطور فأرسل مندوبًا آخر يعيد الكرة مع البابا، وإذ لم يفلح اقتاده إلى القسطنطينية حيث استقبله الإمبراطور والإمبراطورة بحفاوة عظيمة وكان معهما رجال البلاط، وقد تعجب الكل من شخصية البابا.

التقى الإمبراطور بالبابا ست مرات وفي كل مرة كان يظهر لطفًا وكرمًا، ليعود فيعرض عليه أمر التوقيع على قرارات مجمع خلقيدونية فيرفض. أخيرًا سجنه في القسطنطينية ليقضي بقية حياته هناك محرومًا من شعبه، لكنه غير متهاون في الصلاة عنهم وبعث رسائل لهم لمساندتهم وتثبيتهم على الإيمان. لقد قضى 28 سنة في المنفي من ال 32 سنه لباباويته دون أن ينحرف قيد أنمله عن إيمانه.

البطريرك الدخيل

بأمر الإمبراطور سيم بولس التنيسي في القسطنطينية أسقفًا على الإسكندرية، وقد أُرسل إليها مع حاشية من الجند، وبقى عامًا كاملاً لا يجد من الشعب من يصلي معه سوى الوالي وبعض الجند، وكان يسمع كلمات السخرية والتوبيخ ترن في أذنيه: "ليسقط الخائن! ليسقط يهوذا الدخيل!".

لم يحتمل الدخيل الموقف إذ بعد عام أرسل إلى الإمبراطور يطلب حلاً، فجاء الرد بغلق جميع الكنائس التي لم يستولي عليها، وقد فضل الشعب أن يبقوا سنة كاملة بلا صلاة عن أن يشتركوا مع هذا الدخيل.

قام الشعب مع الكهنة ببناء كنيستين: كنيسة الإنجيليين وكنيسة القديسين قزمان ودميان، وإذ سمع الإمبراطور أصدر أمره بالاستيلاء على جميع كنائس المصريين وتسليمها للخلقيدونيين. وكان البابا الشرعي يسمع بذلك ويصلي في مرارة من أجل شعبه!

ثيؤدوسيوس الثانى البابا التاسع والسبعون

سيامته غير شعبية

إذ انتقل البابا يوأنس السابع (78) في 26 برمودة سنة 1009 ش، 21 أبريل سنة 1293م خلا الكرسي المرقسي مدة حوالي 15 شهرًا، ثم اجتمع الأساقفة دون التشاور مع الأراخنة لينفردوا بالتشاور معًا على سيامة البابا الجديد، فوقع اختيارهم على الراهب ثيؤدوسيوس من دير أبي فانا. كان قبلاً يدعى عبد المسيح بن أبي مكين الإفرنجي الشهير بابن روبل، من أهالي منية بني خصيم، وقد سيم باسم البابا ثيؤدوسيوس الثاني، عام 1294م.

متاعبه

استلم الكرسي في فترة من الهدوء والسلام بعد الضيق الذي عاناه سلفه، لكن للأسف كان محبًا للمال فنهج منهج السيمونية (سيامة الأساقفة والكهنة مقابل مبالغ مالية)، فصار الشعب ينفر منه خاصة وانه لم يشترك مع الأساقفة في اختياره. وقد حاول الكثير من الأساقفة نصحه فلم يسمع لهم حتى اشتدت الثورة في داخلهم وامتنع بعضهم عن ذكر اسمه في الصلوات الليتورجية إلى حين.

في عهده بعث يجيباسيون ملك أثيوبيا إلى السلطان محمد بن قلاوون برسالة يخبره فيها كيف يعامل المسلمين في بلاده بكل حبٍ، مطالبًا إياه أن يقابل هذا بمعاملة طيبة للأقباط لتقوم بينهما علاقات الألفة والمحبة.

وفي عهده غزا داود ملك النوبة صعيد مصر وإذ تدخل البابا سحب قواته.

حدوث مجاعة

جاء الفيضان ناقصًا للغاية فحدثت مجاعة بالبلاد حتى مات المئات جوعًا، واضطر البعض إلى أكل الجيفة، وارتفعت الصلوات ليرحم الله البشرية، فجاء الفيضان التالي وافيًا.

طلب السلطان محمد بن قلاوون عمل حصر لأوقاف الكنائس والأديرة وإحضار الحَصر إلى ديوان الأحباس (الأوقاف) حيث أمر بتوزيعها على المماليك، كما قام والي القاهرة مع حاجب القصر بهدم كنيسة ناحية شبرا.

في عهده عُمل الميرون بكنيسة القديس مرقوريوس أبى سيفين بمصر القديمة حيث اشترك معه 7 أساقفة من صعيد مصر وخمسة من وجه بحري.

ظل على الكرسي حتى تنيح في 5 طوبة سنة 1016ش (أول يناير 1300م) بعد أن جلس على الكرسي 5 سنوات وخمسة أشهر وثمانية وعشرين يومًا، وقد دُفن جثمانه في دير النسطور بالبساتين.

كامل صالح نخلة: سلسلة باباوات الكرسى الإسكندرى، حلقة2، 1952، ص 23 ـ 25.

إيريس حبيب المصرى: قصة الكنيسة القبطية، ك3، بنود 236 - 241

ثيودوسيوس أسقف أنقرا

كان ثيؤدوسيوس صديقًا لنسطور ومعينًا له، لكنه في مجمع أفسس (سنة 431م) انقلب إلى الضد فصار من أكثر معاوني القديس كيرلس الكبير ضد نسطور.

حُرم في المجمع النسطوري بطرسوس سنة 432م.

له عدة كتابات منها: مقالات ضد نسطور مفقودة؛ شرح لقانون الإيمان النيقوي؛ وعدة مقالات عن عيد الميلاد والتطهير، كما يُنسب إليه ميمر عن استشهاد مارجرجس ومعجزاته.

ثيؤدولس الكاهن الشهيد

استشهد القديسان الكاهنان ثيؤدولس وإيفنتيوس مع أسقف روما الكسندروس حوالي 3 مايو 113م، بواسطة الإمبراطور هادريان والقاضي أورليان، وقد عُذب الكاهنان بالنار وقطعت رأسيهما بعد سجنهما لمدة طويلة.

ثيؤدولس ويوليان الشهيدان

يروي لنا يوسابيوس القيصري قصة استشهاد القديسين ثيؤدولس Theodolus ويوليان أو جوليان Julian في قيصرية فلسطين عام 309م.

كان ثيؤدولس شيخًا حكيمًا له مركزه المكرم في بيت والي فلسطين فرمليان، الذي كان يقدره جدًا. هذا رأى القديسين يحتملون الاستشهاد بصبر وفرح خاصة خمسة من المصريين عذبهم الوالي، فقام بزيارة المسجونين وتشجيعهم، الأمر الذي أثار الوالي وحسبه إهانة له وخيانة، لذا استدعاه ووبخه وأهانه، ثم حكم بصلبه دون أن يسمع منه كلمة دفاع. إذ سمع ثيؤدولس الحكم فرح جدًا وحسب نفسه غير مستحق أن يتشبه بسيده.

أما يوليان فكان موعوظًا، وكان غائبًا عن قيصرية فلسطين، إذ عاد سمع عما احتمله المسيحيون من عذابات، فجرى للحال يُقبِّل أجساد الشهداء ويحتضنها بشجاعة دون خوف. أمسك به الحراس واقتادوه إلى الوالي الذي حاول إغراءه وتهديده وإذ وجده مصممًا على إيمانه لم يرد أن يضيع وقته فأمر بحرقه حيًا. حسب يوليان ذلك كرامة لا يستحقها، مقدمًا الشكر لله، سائلاً إياه أن يقبل حياته ذبيحة حب. دخل إلى النار ببطء شديد محتملاً العذابات بصبر الأمر الذي أدهش الجلادين والمشاهدين.

ثيؤدولوس وأغاثوبوس الشهيدان

في بدء القرن الرابع استشهد القديسان الشماس أغاثوبوس Agathopus والقارئ ثيؤدولس Theodulus في مدينة تسالونيكى في عهد الإمبراطور مكسيميانوس، حيث قبض عليهما والي المدينة فستينوس Faustinius ليجحدا مسيحهما، وإذ رفضا ألقاهما في السجن. أراد الرب تعزيتهما فشاهدا هذه الرؤيا، كأنهما كانا مبحرين في سفينة وإذا بعاصفة شديدة تقاومهما، فكانا يجاهدان، وإذ انكسرت السفينة صار يسبحان حتى بلغا صخرة ارتفعا إليها وصعدوا تلاً بسلام.

أدرك القديسان أنهما يواجها ضيقًا ينتهي بالتقائهما بالسيد المسيح الصخرة الحقيقية، ويرتفعان إلى فردوسه السماوي. وبالفعل أمر الوالي بوضع حجارة في عنقيهما وإلقائهما في البحر، وقد ظهر جسداهما بطريقة معجزية.

استشهدا في 4 إبريل 303م، قيل انهما قبل استشهادهما نالا عذابات كثيرة من الوالي بسبب رفضهما تسليم كتب الكنيسة.

ثيؤغنستس1

ثيؤغنستس Theognostus أو ثاوغست كاهن إسكندري ولاهوتي في القرن الثالث حيث رأس مدرسة الإسكندرية غالبًا قبل الأب بيروس. نعرف عنه القليل جدًا من خلال مقتطفات له وردت في فوتيوس وأثناسيوس وغريغوريوس أسقف نيصص.

جاء عمله العقيدي Hypotyposes في سبعة كتب، يأخذ بمنهج أوريجينوس، كان موجودًا في أيام فوتس، والآن مفقود. في الكتابين الثاني والثالث وجدت بعض الميول الآريوسية، وفي الخامس نسب للملائكة والشيطان أجسادًا، وأما في الكتابين السادس والسابع فعرض موضوع التجسد الإلهي بفكر أرثوذكسي سليم.

يرى البابا أثناسيوس أن هذا العمل خير شاهد ضد الأريوسية.

ثيؤغنستس الأب

كاهن بالإسكندرية أرسل كنائب عن البابا كيرلس الكبير في القسطنطينية مع الأب الكاهن شارموسينوس والشماس ليونتيوس (كيرلس: رسالة 37، 41).

Smith & Wace, vol. 4, p. 990.

ثيؤفانيوس البابا الستون

بعد نياحة البابا مكاريوس (مقار) اُختير ثيؤفانيوس خلفًا له سنة 953م، وكان عهده يمثل نكبة على الكنيسة إذ كان على ما يظن مُصابًا بمرض عصبي.

في أوائل أيام بطريركيته شعرت الكنيسة بعسر مالي عظيم وخلت مخازن البطريركية من الأموال بسبب الضريبة التي كانت معينة على كنائس الإسكندرية. لقد زاد النهب المتواصل الذي كان واقعًا على الأقباط من الحكام والولاة.

إذ رأى البطريرك أن الشعب القبطي ضجر من هذه الغرامات الباهظة التي تُدفع للحاكم، طلب من كنيسة الإسكندرية التنازل عن ما اعتاد سابقوه أن يدفعوه لها، لكنها أصرت على المطالبة بحقها.

وكان البطريرك ثيؤفانيوس حاد الطبع، سريع الغضب، غير قادر على كبح جماح غيظه، فلما رأى تصميم أقباط الإسكندرية على المطالبة بالغرامة أخذ يشتمهم ويوبخهم بما خرج به عن دائرة التعقل حتى استاء منه الكهنة وأظهروا غيظهم منه بكلمات قاسية وجهوها إليه، فازداد هيجانه وصياحه، فحمله بعضهم في مركب إلى بابيليون لظنهم أنه يهدأ إذا استنشق نسيم النيل، ولكنه لم يكف عن هياجه، فتشنجت أعصابه حتى مات، هنا اختلفوا في سبب موته.

القس منسى يوحنا: تاريخ الكنيسة القبطية، 1982، ص456.

ثاؤكليا الشهيدة

هي زوجة القديس يسطس. وذلك أنه بعدما أرسلهما دقلديانوس إلى الإسكندرية، فرقهما واليها إذ أرسل يسطس إلى أنصنا وهناك نال إكليل الشهادة، ثم أرسل هذه القديسة إلى صا الحجر. فلما رآها الوالي تعجب كيف يترك هؤلاء المملكة مفضلين عليها الموت.

لاطفها الوالي فلم تقبل كلامه وقالت له: "لقد تركت المملكة ورضيت بمفارقة زوجي منذ صباي وتسليت عن ولدي من أجل السيد المسيح. فما عساك تعطيني؟" فأمر بضربها إلى أن تقطَّع جسمها ثم أودعها السجن فظهر لها ملاك الرب وعزاها وقواها، فلما رآها المسجونون وقد شفيت من جراحاتها آمنوا بالسيد المسيح ونالوا إكليل الشهادة.

وعند ذلك أمر الوالي بقطع رأسها فنالت إكليل الشهادة، وأتى بعض المؤمنون ودفعوا للجند فضة وأخذوا الجسد وكفنوه ووضعوه في تابوت إلى انقضاء زمن الاضطهاد.

السنكسار، 11 بشنس.

ثيؤن الأب الطوباوي

التقى به القديس جيروم حين زار منطقة طيبة، وهو راهب عاش بعيدًا عن مدينة أوكسيرنسوس Oxyrhyncus على حافة البرية المتسعة.

عاش القديس ثيؤن St. Theon ثلاثين عامًا في بيت صغير أقامه بنفسه في مواجهة البرية، يلتزم الصمت ويمارس العبادة بقلبٍ ملتهبٍ، فحسبته الجماهير كنبي. إذ اشتم الكل رائحة المسيح تفوح في حياته صارت الجماهير تأتي إليه كل يوم في أفواج ضخمة تحمل المرضى إليه، أما هو فكان يضع يديه عليهم من النافذة وباسم الرب يبرأون.

ظن بعض اللصوص أن هذا الناسك يقتني ذهبًا كثيرًا من عطايا الناس له فجاءوا إليه ليلاً ليقتلوه، أما هو فكان يصلي؛ للحال صاروا كمقيدين بحبال. بقوا هكذا حتى الصباح وإذ جاءت الجماهير ووجدتهم أرادوا معاقبتهم، أما هو فسألهم أن يتركوهم حتى لا ينزع الله عنه عطية الشفاء، وبالفعل تركوهم فجاءوا إليه نادمين وامتلأوا من خوف الله وانضموا إلى الرهبان ليمارسوا حياة الشركة مع الله.

أعطاه الله موهبة الحديث والكتابة بالقبطية واليونانية واللاتينية.

قيل إنه كان يخرج ليلاً ويداعب الحيوانات المفترسة ويلاطفها مقدمًا لها مياهًا للشرب، وقد كانت آثار هذه الحيوانات تظهر حول بيته.

W. Budge: The Paradise, vol. 1, p. 338, 339.

ثيؤناس الأب

التقى به القديس يوحنا كاسيان في نتريا وسجل لنا ثلاث مناظرات معه (مناظرات 21 - 23) قمت بترجمة مناظرتين منهما ونشرهما.

دعاه القديس يوحنا كاسيان بالرجل العظيم، وروى لنا قصة رهبنته، إذ قال أن والديه الزماه بالزواج في سن مبكر بقصد الحفاظ على عفته وطهارته. وقد عاش مع زوجته خمس سنوات ثم جاء إلى البرية يقدم عطايا، فالتقى بالأب يوحنا الذي كان موكلا بهذا العمل. أراد الأب يوحنا أن يردّ الجميل لثيؤناس فقدم له الروحيات عوض الماديات، فالتهب قلب ثيؤناس بالبتولية وترهب كطريق للتمتع بكمال الإنجيل.

ثيؤناس البابا السادس عشر

خلف البابا مكسيموس سنة 282م على الكرسي المرقسي، ي، وكان من قسوس الإسكندرية المشهود لهم بالتقوى مع العلم.

إذ كان الجو مملوء سلامًا قام البابا ثاؤنا بإقامة أول كنيسة بالإسكندرية بعد المرقسية، وهي كنيسة والدة الإله العذراء مريم.

بعد عهده قام والي الإسكندرية أشيلاوس بالتمرد على دقلديانوس في بدء حكمه، فحاصر الإمبراطور المدينة وهزمها بعد ثمانية أشهر، فدك أسوارها وأذاق المصريين العذاب.

بعد عدة شهور استقر السلام فأرسل ثيؤناس رسالة إلى لوقيان كبير أمناء القصر الإمبراطوري Praepositus cubiculariorum، نُشرت في القرن السابع عشر بواسطة D’Achery مترجمة عن اليونانية، كما أورد القس منسى يوحنا فقرات منها، إذ قال:

[ ولما تولى القيصر ديوكلتيانوس عرش رومية ادخل في معيته عددًا كبيرًا من الأقباط المسيحيين فأرسل إليهم هذا البطريرك رسائل يأمرهم فيها أن يقوموا بواجبهم وأن يميزوا أنفسهم كمسيحيين عن المواطنين الوثنيين بأعمالهم الصالحة وسيرتهم الطيبة.

فمن ذلك رسالة إلى لوسيان ناظر بيت الملك وهو موظف مسيحي ارتقى إلى رتبته بعد تملك ديوكلتيانوس بقليل يقول له:

"إن الراحة التي تتمتع بها الكنيسة الآن تعزي إلى سبب واحد فقط هو سلوك المسيحيين الحسن وأعمالهم الممدوحة التي تضيء كالشمس في رابعة النهار ينعكس ضوءها أمام أعين الكفرة والملحدين فتبهر أبصارهم وبذلك يتمجد أبونا الذي في السماوات.

أما غرضنا الذي نرمي إليه والغاية القصوى التي نسعى خلفها هي أن نكون مسيحيين فعلاً لا بالاسم فقط وأن نعمل أعمال المسيحيين الحقيقيين، لأنه إذا كنا نطلب مجد أنفسنا الذاتي فنكون كمن يطلب شيئًا تافهًا لا فائدة منه. فإذًا يجب على كل مسيحي أن يهتم بمجد الله الآب وبمجد الابن الذي سُمر لأجلنا على خشبة الصليب وفدانا بدمه فداء أبديًا لا يُقيَّم بذهب أو بفضة.

فلذلك أيها العزيز لوسيان أريد أن لا يُعرف عنك التباهي والفخر لأنك أهديت كثيرين من خدمة البلاط الملكي إلى معرفة الحق وأدخلتهم في حظيرة المسيح، بل بالأحرى تشكر الله الذي اختارك آلة نافعة للبنيان، وجعلك واسطة خير لنفع الآخرين وأعطاك نعمة في عيني مولاك حتى تمكنت من نشر كلمة الخلاص وإذاعة معرفة فادي المسيحيين وذلك لمجد اسمه وخلاص الكثيرين ".

وأوصى كافة أمناء بيت الملك المسيحيين فقال:

"إن الله ينهاكم عن أن تبيعوا للآخرين شيئًا من متعلقات القصر خلسة أو تأخذوا رشوة ولا تقولوا للإمبراطور كلامًا ضد الحق.

ابتعدوا عن الطمع والجشع اللذين يتمسك بهما الوثنيون لا المسيحيون واعلموا أن الربح القبيحٍ والغشٍ هما صفتان لا تلائمان من قَبِل المسيح. فعولوا على الاقتداء به، ذاك الذي كان فقيرًا ومعدمًا. لا تتكلموا بشر فيما بينكم ولا تخرج كلمة قبيحة من أفواهكم بل لتكن كل أعمالكم مقرونة باللطف والتأدب مع العدل والحق، بذلك يتمجد اسم ربنا وإلهنا يسوع المسيح فيكم وفي أعمالكم.

تمموا واجباتكم التي أسندت إليكم بخوف من الله وبمحبة للإمبراطور وبغاية الدقة والاجتهاد واعتبروا أن الأوامر التي تصدر لكم من مولاكم الذي لم يسيء إلى أحد من رجال الله كأنها صادرة من الله نفسه لأنه مُقام منه ولم يتقلد السيف باطلاً. وأخيرا يا أبنائي الأعزاء البسوا الصبر كرداء وتمنطقوا بالفضيلة وامتلئوا بالرجاء والإيمان والمحبة ".

ثم أرسل إلى أمين الخزانة الخاصة يأمره بأن يتحلى بالأمانة ويصرف بدقة. وكتب لأمين الملابس يوصيه بملاحظة الترتيب والنظام وختم كلامه بقوله:

"وعلى الأمين أن يفعل كل هذا بتواضع وطول أناة لكي يتمجد اسم المسيح حتى في مثل هذه الأعمال القليلة الأهمية". وأوصى أمين المكتبة بأن يحسن تنظيمها ويجدّ في نسخ ما بها من الكتب الهامة وأن لا يفتأ يذكر أمام القيصر عظيم قدر الترجمة السبعينية للكتاب المقدس وأن يمزج كلامه مع القيصر بشواهد من سيرة المسيح ".

وكان في عهد هذا البطريرك كاهن قديس لم يُرزق بنسل يدعى ثيودوسيوس وحدث أن امرأته صوفية شاهدت في الكنيسة يوم عيد الرسولين بطرس وبولس أولاد المسيحيين يُقدمون إلى المعمودية فانكسر قلبها ورجعت إلى البيت حزينة النفس وطلبت من الله بلجاجة أن يمن عليها بنسلٍ. وفي ليلة ذلك اليوم شاهدت رؤيا في نومها وإذا بشخصين وقفا بها وأخبراها أن طلبتها أجيبت وسترزق ولدا وأمراها أن تذهب باكرًا إلى البطريرك وتخبره بذلك. فلما جاء الصباح أخبرت زوجها بالأمر وانطلقت إلى البابا ثاؤنا وأعلمته بما جرى فباركها وصرفها بسلام. وما أتت السنة حتى رُزقت ولدا أتت به إلى البطريرك ليعمده، فدعاه بطرس، ولما كبر تتلمذ على يديه وأدخله المدرسة اللاهوتية فبرع براعة غريبة جذبت إليه أنظار جميع الشعب.

ولما حضرت البطريرك الوفاة جاء إليه جميع الكهنة والشعب باكين قائلين "أتتركنا يا أبانا مثل الأيتام؟" فقال لهم "لستم أيتامًا، بل هذا بطرس أبوكم وهو البطريرك بعدي" وقدمه البطريرك قبل أن يتنيح ثم رقد في الرب في 2 طوبة سنة 17 للشهداء و300م.)

المحتويات



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

قاموس القديسين و الشخصيات حرف ج

قاموس القديسين و الشخصيات حرف ت

قاموس القديسين و الشخصيات حرف ث
قاموس القديسين و الشخصيات حرف ث

المحتويات