الفصل الرابع: فضائل ومشاعر مصَاحبة للصوم – روحانية الصوم – البابا شنودة الثالث

الفصل الرابع: فضائل ومشاعر مصَاحبة للصوم

الصوم مصحوب بفضائل

إن الذين يصومون ولا يستفيدون من صومهم، لابد أنهم صاموا بطريقة خاطئة، فالعيب لم يكن فى الصوم، وإنما كان فى الطريقة.

وهؤلاء إما أنهم صاموا بطريقة جسدانية، ولم يهتموا بالفضائل المصاحبة للصوم. أو إنهم إتخذوا الصوم غاية فى ذاتها، بينما هو مجرد وسيلة إلى غاية. والغاية هى إعطاء الفرصة للروح.

إن الصوم هو فترة روحيات مركزة.

فترة حب لله، والتصاق به. وبسبب هذا الحب ارتفع الصائم عن مستوى الجسد والجسدانيات. هو ارتفاع عن الأرضيات ليتذوق الإنسان السمائيات. إنه فترة مشاعر مقدسة نحو الله. على الأقل فيها الشعور بالوجود مع الله والدالة معه. وهو فترة جهاد روحى: جهاد مع النفس، ومع الله، وجهاد ضد الشيطان.

أيام الصوم هى أيام للطاقة الروحية وفترة تخزين.

فمن عمق الروحيات التى يحصل عليها فى الصوم، يأخذ الصائم طاقة روحية تسنده فى أيام الإفطار. فالذى يكون أميناً لروحياته فى الصوم الكبير مثلاً، يحصل على خزين روحى يقويه أيام الخمسين المقدسة حيث لا صوم ولا مطانيات...

ولكى يكون صوم الإنسان روحياً، عليه بالملاحظات الآتية:

1 - يكون الصوم روحانياً فى هدفه ودوافعه:

لا يكون اضطراراً، أو لكسب المديح، أو بسبب عادة. إنما يصوم لأجل محبة الله، إرتفاعاً عن الماديات والجسدانيات لتأخذ الروح فرصتها.

2 - يكون الصوم فترة للتوبة ونقاوة القلب:

يحرص فيه الصائم على حياة مقدسة مقبولة أمام الله. فيها الإعتراف وتبكيت النفس، وفيها التناول من الأسرار المقدسة...

3 - يكون الصوم فترة غذاء روحى ببرنامج روحى قوى:

ويهتم فيه بكل الوسائط الروحية. ولا يركز حول أمور الجسد فى الصوم، وإنما على أمور الروح. واضعاً أمامه باستمرار ليس مجرد نوعية الطعام الصيامى، وإنما قدسية أيام الصوم وما يليق بها، لكى تقوى روحه فيها...

الصوم يوصل إلى قوة الروح. وقوة الروح تساعد على الصوم.

وفى الصوم فضائل يرتبط بعضها بالبعض الآخر.

الصوم يساعد على السهر لخفة الجسد. والسهر يساعد على القراءة والصلاة، والقراءة الروحية أيضاً تساعد على الصلاة. والعمل الروحى فى مجموعه يحفظ الإنسان الروحى ساهراً. القراءة مصدر للتأمل، والتأمل يقوى الصلاة. والصلاة أيضاً مصدر للتأمل...

والصوم يرتبط بالمطانيات. والمطانيات تساعد على التواضع وانسحاق القلب. كما أن انسحاق الجسد بالصوم يوصف إلى انسحاق الروح.

كما يرتبط الصوم بفضائل تتعلق بغرض الصوم.

فهناك صوم غرضه الإستعداد للخدمة، كصوم الرسل. وصوم غرضه التوبة، كصوم نينوى. وصوم غرضه إنقاذ الشعب، كصوم استير... وهناك من يصوم لأجل غيره، وفى ذلك حب وبذل ومشاركة. وكلها أصوام ممزوجة بفضائل خاصة.

ليتنا نتذكر فى صومنا أن السيد المسيح صام وهو ممتلئ بالروح. أما نحن فعلى الأقل فلنصم لكى نمتلئ بالروح.

الصوم تصحبه التوبة

الصوم أيام مقدسة، يحياها الإنسان فى قداسة.

لابد أن يكون فيها الفكر مقدساً، والقلب مقدساً، والجسد أيضاً مقدساً. الصوم فترة تريد فيها أن تقترب إلى الله، بينما الخطية تبعدك عنه. لذلك يجب أن تبتعد عن الخطية بالتوبة، لتستطيع الإلتصاق بالله.

فى الصوم، يصوم الجسد عن الطعام، وتصوم الروح عن كل شهوة أرضية، وكل رغبة عالمية، وتصوم عن الملاذ الخاصة بالجسد. وهكذا تقترب إلى الله بالتوبة. فاسأل نفسك: هل أنت كذلك؟

بدون التوبة يرفض الله صومك ولا يقبله.

وبهذا تكون لا ربحت سماءاً ولا أرضاً. وتكون قد عذبت نفسك بلا فائدة... فإن أردت أن يقبل الله صومك، راجع نفسك فى كل خطاياك، وارجع عنها... لقد اعطانا الله درساً، حينما تقدم لمعمودية التوبة قبل صومه. وكان ذلك رمزاً.

خذ مثالاً واضحاً من صوم نينوى.

قال عنهم الكتاب فى صومهم إنهم رجعوا كل واحد عن طريقه الرديئة وعن الظلم الذى فى أيديهم (يون 3: 8). ولهذا السبب لم يشأ الرب أن يهلكهم ((لما رأى أعمالهم أنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة)) (يون 3: 10). ولم يقل لما رأى مسوحهم وصومهم، بل لما رأى توبتهم هذه التى كانت هى العنصر الأساسى فى صومهم.

وفى سفر يوئيل نرى مثالاً للتوبة المصاحبة للصوم.

حيث قال الرب للشعب على لسان نبيه ((أرجعوا إلىّ بكل قلوبكم وبالصوم والبكاء والنوح... مزقوا قلوبكم لا ثيابكم، وارجعوا إلى الرب إلهكم لأنه رؤوف...)) (يوئيل 2: 13، 12). واضح هنا أن الصوم مصحوب بالتوبة والبكاء. إذن ليس هو مجرد إمتناع عن الطعام... إنه مشاعر قلب من الداخل نحو الله.

وفى صوم دانيال النبى، قدّم توبة الشعب كله.

لقد صام، واعترف للرب قائلاً ((أخطأنا وأثمنا، وعملنا الشر وحدنا عن وصاياك... لك يا سيد البر، أما لنا فخزى الوجوه... يا سيد لنا خزى الوجوه، لملوكنا ولرؤسائنا ولآبائنا، لأننا أخطأنا إليك)) (دا 9: 5 - 8).

إذن أصطلح مع الله فى صوم...

لا تقل "إلى متى يا رب تنسانى؟ إلى الأنقضاء؟" (مز 12). بل الأحرى أن تقول "إلى متى يا رب أنساك؟ إلى الأنقضاء؟ حتى متى أحجب وجهى عنك".

طهروا إذن نفوسكم وقدسوها، واستعدوا للقاء هذه الأيام. إستعدوا بإسكان الله فى قلوبكم، وليس بمجرد الإمتناع عن الطعام.

إن كنت فى خطية، إصطلح مع الله. وإن كنت مصطلحاً معه، عمّق محبتك له.

وإن أبطلت الخطية فى الصوم، إستمر فى إبطالها بعده.

فليست التوبة قاصرة على الصوم فقط، وإنما هى تليق بالصوم، ويتدرب الإنسان عليها، فيتنقى قلبه، ويحتفظ بهذا النقاء كمنهج حياة.

وفى ذلك كله، أعدد نفسك للجهاد ضد الشيطان.

قال يشوع بن سيراخ ((يا إبنى إن تقدمت لخدمة ربك، هيئ نفسك لجميع التجارب))...

إن الشيطان إذ يرى صومك وتوبتك، يحسد عملك الروحى، فيحاربك ليفقدك ثمرة عملك، ويلتمس الحيل لإسقاطك قائلاً لك ((لن أتركك حتى تكمل كل بر))... تذكر إذن قول القديس بطرس الرسول ((قاوموه راسخين فى الإيمان)) (2 بط 5: 9).

الصوم إذن فترة حروب روحية كما حدث للسيد له المجد (مت4). وهى أيضاً فترة إنتصار لمن يشترك مع المسيح فى صومه.

الصوم تصحبه الصلاة والعبادة

الصوم بدون صلاة يكون مجرد عمل جسدانى.

وهكذا يفقد طابعه الروحى ويفقد فائدته الروحية...

وليس الصوم هو الإكتفاء بمنع الجسد عن الطعام، فهذه ناحية سلبية. أما الناحية الإيجابية فتظهر فى إعطاء الروح غذاءها.

الذين يصومون، وليس فى أصوامهم أى عمل روحى، لا صلاة، ولا تأمل، ولا قراءات روحية، ولا ألحان ولا تراتيل، ولا مطانيات، هؤلاء تكون أصوامهم ثقلاً عليهم، وبلا فائدة. ما الفرق بين هؤلاء وأصوام البوذيين والهندوس. وأين شركة الروح القدس فى الصوم؟!

الصوم فرصة للصلاة، لأن صلاة واحدة تصليها فى صومك، هى أعمق من مائة صلاة وأنت ممتلئ بالطعام وصوتك يهز الجبل!

الكنيسة تعلمنا باستمرار إرتباط الصلاة بالصوم.

وفى قسمة الصوم الكبير فى القداس الإلهى تتكرر عبارة ((بالصلاة والصوم)). والسيد المسيح لما تكلم عن إخراج الشياطين، قال ((هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم)) وهكذا قرن الصوم بالصلاة.

والأصوام المشهورة فى الكتاب، مرتبطة أيضاً بالصلاة.

ففى صوم نحميا يقول ((فلما سمعت هذا الكلام، جلست وبكيت، ونحت أياماً، وصمت وصليت... وقل ((أيها الرب إله السماء... لتكن أذنك مصغية وعيناك مفتوحتين، لتسمع صلاة عبدك الذى يصلى إليك الآن نهاراً وليلاً...)) (نح 1: 4 - 6). وبدأ يعترف وخطايا الشعب، طالباً الرحمة وتدخل الرب...

وصوم عزرا أيضاً كان مصحوباً بالصلاة (عز 8: 23، 21).

ودانيال النبى كان صومه مصحوباً بالصلاة والصراع مع الله، بقوله: ((أمل أذنك يا إلهى واسمع. إفتح عينيك وانظر خرابنا والمدينة التى دعى إسمك عليها. لأنه ليس لأجل برنا نطرح تضرعاتنا أمام وجهك، بل لأجل مراحمك العظيمة. يا سيد إسمع، يا سيد إغفر، يا سيد أصغ واصنع. لا تؤخر من أجل نفسك يا إلهى، لأن إسمك دعى على مدينتك وعلى شعبك)) (دا 9: 19، 18).

وصوم نينوى كانوا فيه ((يصرخون إلى الله بشدة)) (يون 3: 8).

فاصرخوا إلى الرب خلال صومكم، وارفعوا إليه قلوباً منسحقة.

وثقوا إن الله يستجيب لصومكم وصراخكم، وينتهر الرياح والأمواج، فيهدأ البحر. حقاً ما أعمق الصلوات، إن كانت فى أيام مقدسة، ومن قلوب متذللة أمام الله بالصوم، ومتنقية بالتوبة، وكم وكم يكون عمقها إن كانت مصحوبة أيضاً بقداسات وتناول...

درّب نفسك فى الصوم على محبة الصلاة والصراع مع الله.

وقد كتبنا لك فى الفصل الخامس مجموعة تدريبات عن الصلاة.

والمهم فى صلاتك أن تعطى الله قلبك وفكرك.

لا تحاول أن تريح ضميرك بشكليات، بمجموعة من التلاوات لا عمق فيها وليست خارجه من القلب، ثم تقول ((أنا صمت وصليت))! فالرب يعاتب قائلاً ((هذا الشعب يكرمنى بشفتيه، أما قلبه فمبتعد عنى بعيداً)) (مر 7: 6). إن الصلاة صلة، فاشعر أثناء صلاتك وصومك، أنك فى صلة مع الله. وإن كان تقديس الصوم معناه تخصيصه للرب:

فهل فترة صومك خصصتها للصلاة وللعمل الروحى؟

هل هى فترة صلاة وتأملات وقراءات روحية، وتخزين روحى، وتفرغ لله وعشرته؟ وهل صلواتك فيها أضعاف صلواتك فى الأيام العادية. وإن لم تخصص فيها أكبر وقت لله، فهل خصصت له مشاعرك وعواطفك؟

إن الصوم المصحوب بعشرة الله، يتحول إلى متعة روحية.

وفى هذه المتعة، يحاول الصائم أن يكثر من صومه، ويصبح الطعام ثقلاً عليه، لأنه يرجعه إلى استعمال الجسد الذى استراح منه إلى حين طوال ساعات انقطاعه.

الصوم مصحوب بالتذلل والبكاء

الصوم فترة تنسحق فيها الروح أمام الله، بالتوبة والدموع وانكسار القلب واتضاعه، فتعرف الذات ضعفها، أنها تراب ورماد، وتلجأ إلى القوة العليا.

حينما ينسحق الجسد بالجوع، تنسحق الروح أيضاً.

وفى انسحاقها تتضع، وتنحنى النفس أمام الله خاشعة ذليلة معترفة بخطاياها وتذلل النفس يحنن قلب الله وقلوب السمائيين جميعاً.

والإنسان فى اتضاعه وشعوره بضعفه، يشعر أيضاً بزهد فى كل شئ، ولا يتعلق قلبه بأية شهوة، فيكلم الله بعمق.

والكتاب المقدس يقدم أمثلة عديدة عن التذلل فى الصوم:

لأن الله لا يحتمل أن يرى مذلة أبنائه أمامه. وما أكثر الأمثلة فى سفر القضاة التى رأى فيها الله مذلة شعبه فنزل وخلصهم (قض2)، ((فى كل ضيقهم تضايق، وملاك حضرته خلصهم)) (أش 63: 9). بتذللهم وانسحاقهم يتضعون. وقريب هو الرب من المتضعين، ومنسحقو القلوب هو يخلصهم...

الصوم الذى أمر به يوئيل النبى، مثال واضح.

قال: ((تنطقوا ونوحوا أيها الكهنة... أدخلوا، بيتوا بالمسوح يا خدام إلهى... قدسوا صوماً، نادوا باعتكاف)) (يوئيل 1: 14، 13). ((الآن – يقول الرب – ارجعوا إلى الرب إلهكم... قدسوا صوماً نادوا باعتكاف... ليخرج العريس من مخدعه، والعروس من حجلتها. ليبك الكهنة خدام الرب بين الرواق والمذبح، ويقولوا: أشفق يارب على شعبك، ولا تسلم ميراثك للعار، حتى تجعلهم الأمم مثلاً. لماذا يقولون بين الشعوب: أين إلههم؟)) (يوئيل 2: 12 - 17).

إننا نرى هنا صورة تفصيلية للصوم المتكامل.

الصوم، ومعه التوبة (الرجوع إلى الله)، ومعه الصلاة، والتذلل والبكاء والنوح، والبعد عن الجسدانيات، ومعه أيضاً الإعتكاف والمسوح... هذا هو الصوم فى كل عناصره، وليس هو مجرد الإمتناع عن الطعام.

مثال آخر، هو صوم أهل نينوى.

صاموا، حتى الأطفال والرضع، لم يذوقوا ولم يأكلوا شيئاً. ولكنهم لم يكتفوا بهذا، بل تذللوا أمام الله فى المسوح والرماد. حتى الملك نفسه، خلع تاجه وملابسه الملكية. ولم يجلس على عرشه، بل جلس معهم على المسوح والرماد... وصرخ الكل إلى الله بشدة (يون3).

كذلك أيضاً صوم نحميا، وصوم عزرا.

قال عزرا الكاتب والكاهن ((ناديت هناك بصوم على نهر أهوا، لكى نتذلل أمام إلهنا، لنطلب منه طريقاً مستقيمة لنا ولأطفالنا... فصمنا وطلبنا ذلك من الله، فاستجاب لنا (عز 8: 23، 21).

وكذلك نحميا أيضاً يقول: ((بكيت ونحت أياماً، وصمت وصليت)) (نح 1: 4). هذا عن نفسه، أما عن الشعب فيقول إنهم: إجتمعوا بالصوم، وعليهم مسوح وتراب، وانفصلوا عن الزيجات الخاطئة، ووقفوا واعترفوا بخطاياهم وذنوب آبائهم. وأقاموا فى مكانهم، وقرأوا فى شريعة الرب إلههم (نح 9: 1 - 3). أليس هذا أيضاً صوماً متكاملاً: بالصلاة، والبكاء والنوح، وقراءة الكتاب، والتوبة والإعتراف، والتذلل فى المسوح والتراب... إذن ليس هو مجرد امتناع عن الطعام...

وبنفس الوضع كان أيضاً صوم دانيال النبى.

((فوجهت وجهى إلى الله السيد، طالباً بالصلاة والتضرعات، بالصوم والمسح والرماد. وصليت إلى الرب إلهى واعترفت... أخطأنا وآثمنا وعملنا الشر وتمردنا وحدنا عن وصاياك...)) (دا 9: 3 - 5).

وفى صوم آخر يقول ((أنا دانيال. كنت نائحاً ثلاثة أسابيع أيام. لم آكل طعاماً شهياً، ولم يدخل فى فمى لحم ولا خمر، ولم أدهن...)) (دا 10: 3، 2). إنها نفس عناصر الصوم التى وردت فى الأصوام السابقة...

حقاً، هذا هو الصوم الذى قال عنه داود النبى:

((كان لباسى مسحاً. أذللت بالصوم نفسى)) (مز 35: 17).

ولا شك أن النوح يوقف كل شهوة للجسد، ويبعد كل رغبة فى الطعام. كما أنه بالإتضاع تفتح أبواب السماء.

الصوم يصحبه الاعتكاف والصمت

لقد تكررت هذه العبارة مرتين فى سفر يوئيل النبى ((قدسوا صوماً، نادوا باعتكاف)) (يوئيل 1: 14، 2: 15).

نادوا باعتكاف، لكى تجدوا وقتاً للعمل الروحى.

فى الاعتكاف تصمت، ولا تجد من تكلمه، فتكلم الله. ولكن لا تعتكف مع الخطية، أو مع طياشة الافكار... وتعتكف أيضاً حتى لا يظهر صومك للناس، بل لأبيك الذى يرى فى الخفاء. وتعتكف أيضاً حتى لا يظهر صومك للناس، بل لأبيك الذى يرى فى الخفاء. والمعروف أن الصائم فى نسكه وجوعه، قد يكون فى حالة من الضعف، لا تساعده على بذل مجهود، فالاعتكاف بالنسبة إليه أليق.

فى صومه، روحه مشغولة بالعمل الجوانى مع الله، لذلك فالكلام يعطله عن الصلاة والهذيذ والتأمل، والمقابلات والزيارات تمنع تفرغه لله، وربما توقعه فى أخطاء.

السيد المسيح فى صومه، كان معتكفاً على الجبل.

فى خلوة مع الله الآب، وتفرغ للتأمل...

وهكذا أيضاً كانت أصوام آبائنا فى البرية... أما أنت، فعلى قدر إمكانياتك إعتكف... وإذا اضطررت للخلطة، ليكن ذلك فى حدود الضرورة، وتخلص من الوقت الضائع، ومن كل كلمة زائدة. وهذا يذكرنا بصوم آخر وهو:

صوم اللسان والفكر والقلب

قال مار اسحق: ((صوم اللسان خير من صوم الفم. وصوم القلب عن الشهوات خير من صوم الإثنين)) أى خير من صوم اللسان ومن صوم الفم كليهما.

كثيرون يهتمون فقط بصوم الفم عن الطعام. وهؤلاء وبخهم الرب بقوله ((ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان، بل ما يخرج من الفم هذا ينجس الإنسان)) (مت 15: 11). وهكذا أرانا أن الكلام الخاطئ نجاسة. وايضاً قال معلمنا يعقوب الرسول عن اللسان إنه ((يدنس الجسد كله)) (يع 3: 6). فهل لسانك صائم مع صوم جسدك؟ وهل قلبك صائم عن الشهوات.

إن القلب الصائم يستطيع أن يصوم اللسان معه.

لأنه ((من فيض القلب يتكلم الفم)) (مت 12: 34). وكما قال الرب أيضاً ((وأما ما يخرج من الفم، فمن القلب يصدر)) (مت 15: 18). وكذلك لأن ((الرجل الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصلاح. والرجل الشرير من كنز قلبه الشرير تخرج الشرور)) (مت 12: 35). لذلك إن كان قلبك صائماً عن الخطية، فسيكون لسانك صائماً عن كل كلمة بطالة.

والذى يصوم قلبه، يمكنه أن يصوم جسده أيضاً

إذن المهم هو صوم القلب والفكر عن كل رغبة خاطئة. أما صوم الجسد فهو أقل شئ. واحرص إذن فى صومك أن تضبط لسانك، وكما تمنع فمك عن الطعام، إمنعه عن الكلام الردئ. وسيطر على أفكارك، واضبط نفسك.

الصوم يصحبه ضبط النفس

جميل أن تضبط نفسك ضد كل رغبة خاطئة، سواء أتتك من داخلك أو من حروب الشياطين. فالذى يملك روحه خير ممن يملك مدينة (أم 16: 32).

إمسك إذن زمام ارادتك فى يدك.

فى صوم الجسد، يشتهى جسدك أن يأكل. فتقول له لا. وتنجح فى كلمة لا. هذه الإرادة إجعلها تشمل كل فكر، وكل رغبة بطالة، وكل تصرف خاطئ، وكل شهوة للجسد. أما الذى يملك إرادته فى الطعام فقط، ويتغلب من باقى شهواته، فصومه جسدانى. والذى لا يستطيع أن يضبط نفسه فى صوم الجسد، فبالتالى سوف لا يستطيع أن يضبط نفسه فى الأفكار والشهوات والتصرفات.

أما ضبطك لشهواتك فدليل على الزهد ومحبة الله.

قهر الجسد

تقول للجسد فى الصوم: إرفع يدك عن الروح، واطلقها من روابطك، لتتمتع بالله. وأنت تصوم لكى تنفك من رباطات الجسد. وشهوة الأكل هى إحدى هذه الرباطات. وهناك رباطات أخرى كالشهوات الجسدية.

وهكذا فى الصوم، يكون قهر الجسد أيضاً بالبعد عن العلاقات الزوجية، ولكن يكون ذلك باتفاق (1 كو 7: 5). وكما يقول يوئيل النبى فى الصوم ((ليخرج العريس من خدره، والعروس من حجلتها)) (يوئيل 2: 16). وكما قيل عن داريوس الملك، لما ألقى دانيال فى الجب إنه ((بات صائماً، ولم يؤت قدامه بسراريه)) (دا 6: 18).

حتى مجرد زينة الجسد... قال دانيال النبى فى صومه ((ولم أدّهن)) (دا 10: 3). وقال عن شهوة الطعام ((ولم آكل طعاماً شهياً)).

قهر الجسد ليس هدفاً فى ذاته، بل وسيلة للروح.

إن ضبط الجسد لازم حتى لا ينحرف فيهلك الروح معه. وفى ذلك ما أخطر قول الرسول ((أقمع جسدى وأستعبده. حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسى مرفوضاً)) (1 كو 9: 27). حينما يكون الجسد مقهوراً، تمسك الروح بدقة الموقف وتدبير العمل. والجسد حينئذ لا يقاومها، بل يشترك معها ويخضع لقيادتها.

إضبط إذن جسدك، وابعده عن كل المتع والترفيهات والشهوات، بحكمة.

ولا يكفى فقط أن تصوم، بل تنتصر على شهوة الأكل.

وهذا يقودنا فى الصوم إلى فضيلة أخرى هى الزهد.

الزهد

قد يمتنع الإنسان عن الطعام، ولكنه يشتهيه. لذلك فليس السمو فى الإمتناع عن الطعام، إنما فى الزهد فيه.

الإرتفاع عن مستوى الأكل، يوصل إلى الزهد فيه، وإلى النسك فيه، وبالتالى إلى فضيلة التجرد. ولكن ماذا إن لم تستطع أن تصل إلى الزهد والتجرد؟

إن لم يمكنك التجرد والزهد، فعلى الأقل أترك من أجل الله شيئاً.

كان المطلوب من آدم وحواء، أن يتركا من أجل الله ثمرة واحدة من الثمار. والمعروف أن ترك الطعام أو نوع منه، ليس إلا تدريباً لترك كل شيء لأجل الله... وأنت ماذا تريد فى الصوم أن تترك لأجل الله، لأجل محبته وحفظ وصاياه؟

إن الله ليس محتاجاً إلى تركك شيئاً. ولكنك بهذا تدل على أن محبتك لله قد صارت أعمق، وقد صارت عملية. ومن أجل محبته أصبحت تضحى برغباتك.

الصوم تصحبه الصدقة

فالذى يشعر فى الصوم بالجوع، يشفق على الجوعانين. وبهذه الرحمة يقبل الله صومه، وكما قال ((طوبى للرحماء فإنهم يرحمون)) (مت 5: 7). والكنيسة من اهتمامها بالصدقة، ترتل فى الصوم الكبير ترنيمة ((طوبى للرحما على المساكين)).

ومن اهتمام الرب بالصدقة، قال فى نبوة اشعياء.

((أليس هذا صوماً أختاره: حل قيود الشر... إطلاق المسحوقين أحراراً... أليس أن تكسر للجائع خبزك، وأن تدخل المساكين التائهين إلى بيتك. إذا رأيت عرياناً أن تكسوه، وأن لا تتغاضى عن لحمك)) (أش 58: 7).

وفى عصر الشهداء والمعترفين، كانت الكنيسة تقول هذا التعليم:

إن لم تجد ما تعطيه لهؤلاء، فصم وقدم لهم طعامك.

أى أنك لا تصوم، وتوفر الطعام لك. وإنما تصوم وتقدم للمساكين الطعام الذى وفرته. ولهذا اعتادت كثير من الكنائس فى أيام الصوم، أن تقيم موائد للفقراء تسميها أغابى. ولكى لا يخرج الفقراء إن أكلوا وحدهم، يأكل الشعب كله معاً.

الصوم تصحبه المطانيات

المطانيات هى السجود المتوالى، مصحوباً بصلوات قصيرة.

والكنيسة تربط المطانيات بالصوم الإنقطاعى. فالأيام التى لا يجوز فيها الصوم الإنقطاعى – مثل الأعياد والسبوت والآحاد والخماسين – لا تجوز فيها أيضاً المطانيات. إن البطن الممتلئة بالطعام، لا تصلح معها المطانيات، سواء من الناحية الروحية أو الجسدية. لذلك يحسن أن تكون المطانيات فى الصباح المبكر، او فى أى موعد أثناء الإنقطاع قبل تناول الطعام.

يمكن أن تكون المطانيات تذللاً أمام الله.

أى انه مع كل مطانية، يبكت الإنسان نفسه أمام الله على خطية ما، ويطلب مغفرتها: أنا يارب أخطأت فى كذا، فاغفر لى. أنا نجست هيكلك فاغفر لى. إغفر لى أنا الكسلان، أنا المتهاون، أنا الذى...

ويمكن أن تكون المطانيات مصحوبة بصلوات شكر أو تسبيح.

ويمكن القيام بتمهيد روحى قبل المطانيات.

كمحاسبة للنفس، أو أية قراءة روحية تشعل الحرارة فى القلب.



الفصل الخامس تداريب أثناء الصوم - روحانية الصوم - البابا شنودة الثالث

الفصل الثالث: قدسوا صوماً - روحانية الصوم - البابا شنودة الثالث

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات