الفصل الثانى الطرد من الجنه الفردوس المفقود – سياحة القلب – القمص أشعياء ميخائيل

هذا الفصل هو جزء من كتاب: سياحة القلب – القمص أشعياء ميخائيل.

إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

الفصل الثانى الطرد من الجنه الفردوس المفقود

«يا رب لا توبخنى بسخطك ولا تؤذينى بغيظك.

لأن سهامك قد إنتشبت فىّ ونزلت علىّ يدك.

ليست فى جسدى صحة من جهة غضبك.

ليست فى عظامى سلامة من جهة خطيتى.

لأن أثامى قد طمت فوق رأسى.

كحمل ثقيل أثقل مما أحتمل.

قد أنتنت فاحت حبر ضربى من جهة حماقتى.

لويت إنحنيت إلى الغايه. اليوم كله ذهبت حزيناً.

... لأنى موشك أن أظلع ووجعى مقابلى دائماً.

لأنى أخبر بإثمى وأغتم من خطيتى».

مز 38: 1 - 6 و17 - 18.

أولاً: الخطية أفقدتنا الشركة

1 - الموت:

يتحدث الموت قائلاً::

أنا الذى هزمت كل الرجال الحكماء.

وطرحت فى الجحيم كل الذين ألقيتهم.

تعالوا أدخلوا يا أبناء يوسف.

لتنظروا الأشياء المرعبه.

لقد ترنح العظماء.

مثل جثة شمشون العظيم.

وهيكل جليات المتمرد.

الذى صنع لنفسه سريراً من الحديد.

ورقد عليه. وعندئذ قزفته.

ودفعته إلى أسفل.

وطرحته إلى باب الجحيم.

أنا نفسى قد هزمت بمفردى كثيرين.

ولكن هناك من حاول أن يهزمنى.

من الأنبياء والكهنه والرجال المشهورين.

ولكنى قد طرحتهم بقوة.

لقد هزمت ملوكاً فى جيوشهم.

ورجالاً عظماء فى قصورهم.

وأناساً أبراراً فى رفعتهم.

لقد قزفت موكباً كبيراً من الجثث إلى الجحيم.

ولقد طرحوا فيها جميعاً.

ولكنها مازالت ظمأى.

ولكن واحدا وحيداً كان قريباً منها.

ولكنه كان بعيداً عنها.

وفى النهاية أوصلته إلى باب الجحيم.

الموت أنهى حديثه السخرى.

وصوت ربنا دوى فى الجحيم.

وصرخ علياً لكى تفتح القبور واحدة فواحدة.

وإرتجف الموت وإرتعش.

ولم تعد الجحيم هى الجحيم الأولى لأنها قد أضيئت.

وفى داخل الجحيم أبرق النور.

من رؤية الذى دخل اليها.

حيث أحضر جميع الموتى لكى يقابلوا.

ذاك الذى كان ميتاً وهو الذى يعطى الحياة للكل.

وحالاً جاء الموتى لكى يمثلوا أمامه.

وخجل الأحياء الذين ظنوا أنهم هزموا.

مانح الحياة للكل.

القديس افرآم السريانى.

قال البعض إن الموت يخيف ويوجع الذى يدينه ضميره. ولكن الذى يحمل شهادة طيبة فى نفسه فهو يشتاق للموت كما يشتاق للحياة.

مار اسحق السريانى.

إن تذكار الموت هو موت كل يوم. والتفكير فى رحيلنا من هذا العالم هو حزن وصراخ دائم.

يوحنا الدرجى.

كما أن الخبز هو الطعام الأساسى للانسان كذلك فإن افتكار الموت هو أهم من كل الأعمال. إن تذكار الموت يؤثر فى أولئك المرتبطين بالعالم فيولد فيهم الحزن والوجع والطيش والكآبه. ولكن تذكار الموت وسط الذين تحرروا من كل ألم فإنه يولد فيهم طرح الهموم والصلاة الدائمة وحراسة الفكر. ولكن هذه الفضائل نفسها [طرح الهموم – الصلاة الدائمة – حراسة الفكر] هى التى تقود الى تذكار الموت وأيضاً تذكار الموت يقود إلى هذه الفضائل.

يوحنا الدرجى.

إن علامة الاستعداد الكامل للموت هى الانفصال الارادى من كل الخليقة والتخلى الكلى عن الارادة الخاصة.

يوحنا الدرجى.

غفلة القلب تفتر العقل. والشبع من الطعام يجفف الدموع. أما الصوم والسهر فهما يوقظان القلب. وحينما يتيقظ القلب فإن مياه الدموع تنهمر. وهذه الأمور قد تبدو قاسية للذين ينغمسون فى الملذات وفائقة المنال لأولئك الكسالى والمتراخين. ولكن الانسان النشيط فإنه بسرعة يتذوق هذه الأشياء. والذى يتذوق هذه الامور فإنه سوف يبتسم لها. أما ذاك الذى مازال يطلب هذه الأشياء فإنه سيصير أكثر ظلمه.

يوحنا الدرجى.

وأنا لا أستطيع أن أبقى صامتاً أمام قصة ذلك الانسان الذى قضى كل حياته فى إهمال كامل ولم يعطِ أى إنتباه لخلاص نفسه. ولكنه مرض مرضاً شديداً وقد فارق جسده لمدة ساعة واحده. وحينما رجعت روحه إلى جسده طلب منا أن نتركه للحال. وعندئذ أغلق باب قلايته تماماً. ومكث فيها إثنى عشر عاماً دون أن ينطق كلمة واحدة لأى إنسان ولم يأكل سوى خبزاً ولم يشرب سوى ماءً فقط. وظل هكذا بلا شهوه لأى شئ. وكان دائماً مسبياً بالروح فيما رآه حين أختطف. ولم ينتقل من مكانه قط وكان دائماً يزرف دموعاً ساخنه. ولكن لما حان وقت رحيله كسرنا باب قلايته ودخلنا عليه وبعد الالحاح والسؤال أجابنا قائلاً:

أغفروا لى فإن كل من إقتنى تذكار الموت فإنه لن يخطئ قط. ولقد تعجبنا كثيراً لأن هذا الانسان كان مهملاً ولكنه قد تغير هكذا وأصبح مباركاً. ولكن كشف لنا الرب فتأكدنا أنه باستحقاق التوبه حتى بعد الاهمال الطويل فإن الله يقبل أولئك الذين يرغبون فى إصلاح أنفسهم.

يوحنا الدرجى.

2 - الخطية:

قال أحد الأباء[7]:

إن الله قد أعطانا الوصية أن نفعل الصلاح وأن نتجنب الشر. ولكن القوة الشريرة جعلتنا نميل إلى الشر وأصبح من الصعب علينا أن نفعل ذلك الصلاح. ولكن هذه القوة الشريرة ليست من طبيعتنا الفطرية الموجودة فينا ولكن هى خارجة عنا.

بعد عصيان الانسان إنفصلت نفسه عن الله وحلت عليه لعنة فوق لعنة [ملعونة الأرض بسببك. بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك. وشوكاً وحسكاً تنبت لك وتأكل عشب الحقل بعرق وجهك تأكل خبزك...] تك 3: 17 - 18 وأيضاً [ملعون أنت من الأرض] تك 4: 11 وهكذا فإن الحسك والشوك إنتشر ونما فى قلب الانسان. وقد سلب أعداء الانسان مجده بالخديعة وألبسوه الخزى. وإنتزعوا نوره وطرحوه فى الظلمة وقتلوا نفسه بانفصاله عن الله. وإنتشر أعداء الانسان وقسموا أفكاره وألقوه من العلو الفعلى إلى الاسفل وأصبحت إسرائيل هى ذلك العبد الذى إستعبده فرعون وتسلط عليهم السادة والرؤساء حتى يقودوه إلى الاعمال الشريره ولكى يكملوا أوامرهم فى صنع الطوب.

وهذه الأرواح الشريرة قادت بنى إسرائيل إلى الانحراف عن الحكمة السمائية وقادته إلى أسفل حيث الماديات والأرضيات والأعمال الشريره والكلمات الخاطئه والشهوات والأفكار الباطله. وإذ سقط الانسان من العلو وجد نفسه فى مملكة الكراهية ضد الجنس البشرى وإبتدأوا يقودونه بقسوه لبناء المدن الشريره الخاطئه. ولكن إذا صرخ الانسان إلى الله فإنه سوف يأخذ بداية التحرر وسوف يتحرر فى شهر الزهور الجديدة [اليوم أنتم خارجون فى شهر أبيب] خر 13: 4 ويقع شهر أبيب فى وقت الربيع حيث يشير إلى النفس القادرة أن تخرج الجمال والزهور التى هى رمز للبر. وأصبحت عواصف الشتاء القاسية التى هى الجهل والظلمة قد عبرت مثل عبور العمى الناتج عن الأعمال الشريرة الدنيئه.

من عظات القديس مقاريوس الكبير.

حين يتألم عضو فى الجسد فإن الجسد كله يتألم وليس فقط العضو، هكذا فإن النفس كلها تخضع للشهوات الشريرة الخاطئة ويغطيها سلطان الشر حين يتلوث العضو الرئيسى للانسان [القلب] بالشر والخطية. وهكذا يصبح كل الجسد ساقطاً كفريسة للشهوات والفساد.

من عظات القديس مقاريوس الكبير.

ثانياً - الشيطان:

قال أحد الأباء[8]:

إن عدونا ماهر جداً وبارع فى هجومه ضدنا. وهو دائماً يستعد لهجومه ضد الانسان الشجاع المعروف المشهور فى الفضيله حتى يهزمه. أما الضعفاء فهم من خاصته فلا يجاهد ليسقطهم لأنهم من خاصته وهم مأسورون لسلطانه. ولكن الذى عنده أجنحة يستطيع أن يهرب منه ولا تتغرس سهام العدو فيه. والاشخاص الروحيون يرون الشيطان حين يهجم عليهم ولكن لا قوة لأسلحته على أجسادهم. وكل أولاد النور لا يخافونه لأن الظلمة تتبدد أمام النور. وأبناء البر لا يخافون من الشر لأن الله قد أعطاهم أن يسحقوا الشر تحت أقدامهم. وحين يتحول الشيطان إلى ظلمة أمامهم فإنهم يتحولون إلى نور. وحين يهجم عليهم مثل الحية فإنهم يصيرون ملحاً وحينئذ لا يستطيع أن يأكلهم. وحين يتحول إلى أفعى فإنهم يصيرون مثل الأطفال. وحين يتسلل اليهم فى شهوة الطعام فإنهم مثل فاديهم يهزمونه بالصوم. وحين يريد أن يهزمهم عن طريق شهوة العيون فإنهم يرفعون أعينهم إلى الأعالى فى السماء. وحين يريد أن يخدعهم بالاغراء فإنهم لا يعيرونه أى إلتفات. وحين يريد أن يحاربهم. علانيه فإنهم يتسلحون بالدرع [الايمان] ويقفون قباله. وحين يريد أن يدخل اليهم عن طريق النوم فإنهم يقومون ويسهرون ويرنمون المزامير ويصلون. وحين يهاجمهم بشهوة حب القنيه فإنهم يعطون ما عندهم للفقراء. وحين يدخل اليهم عن طريق لذة المذاق فإنهم لا يذوقون شيئاً عالمين أن هذه الأشياء سنتحول إلى مرارة. وحين يحاربهم بشهوة النساء فإنهم ينعزلون بمفردهم ولا يخالطون بنات حواء قط.

من أقوال القديس أوغريس بخصوص حروب الشياطين:

  1. حينما ترى الشياطين أنك متحمس فى صلواتك فإنهم يقترحون عليك أموراً كثيره حتى يتشتت ذهنك بها. وهم يقدمون لك الأنطباع بأن هناك أشياء كثيرة يجب أن تأخذ إهتمامك. وبإختصار هم يثيرون فكرك ويحركون عقلك لكى تفكر فى هذه الأمور. وحين تفشل حيلتهم فإنهم يحزنون وتملأهم الغيره.
  2. إن إبليس يغار من الانسان الذى يصلى لأنه عن طريق الصلاه سوف تزول الرذائل. ولذلك فإن إبليس لا يكف أن يثير الأفكار التى تشتت المصلى فى أمور كثيره بالسرحان فيها. ويثير فيه سائر الشهوات الجسدية. وهو بذلك إنما يحاول أن يضع بعض العراقيل أمام الانسان المجاهد فى الصلاة فى رحلته إلى الله.
  3. لماذا تحاول الشياطين أن تسقطنا فى شهوة الطعام والنجاسة ومحبة المال والحقد والغيظ وتجعل سائر الشهوات الشريره موجوده فينا؟ إن السبب فى ذلك هو جعل الروح مظلمه بهذه الشرور وعندئذ تصير بالتدريج فى حالة لا تليق بالصلاه. لأنه حين يمتلئ الانسان بالشهوات الشرير فإنه لن يصير حراً فى الصلاة وطلب كلمة الله.
  4. حينما تفشل كل الحيل الشيطانيه فى تشتيت ذهننا فى الصلاة فإن العدو يبدأ فى عمل حركات لإخلال توازن الجسد حتى تثار الروح حين يضع أمامنا بعض الأشكال والصور المختلفه [هذه الحرب خاصه بالقديسين المتقدمين فى عمل الصلاة مثل الانبا أنطونيوس والانبا باخوميوس] وعندئذ فإن الانسان الذى إعتاد أن يتشتت ذهنه بالافكار فإنه يسقط من الصلاة إلى أسفل وعندئذ تنحرف الروح التى تبحث بحسب طبيعتها عن المعرفة غير المادية التى تفوق الكل.
  5. درب نفسك مثل الرياضى الماهر وتعلم ألا تكون مضطرباً حتى لو أبصرت فجأه بعض الأشباح أو حتى السيوف الموجهه نحوك أو شعاعاً من نور موجه أمام وجهك بل وحتى لو رأيت أشباحاً وحشيه فى صورة بشعه يقفون أمامك وباطلاً يحاولون أن ينقضوا عليك. وحين تحمل شهادة إيمانك فإنك ستواجه عدوك بثقة مستعده.
  6. إنتبه حتى لا تقودك الشياطين الشريرة لأن تشتت ذهنك بالمناظر ولكن كن حكيماً وإنتبه للصلاة وأدع الله لكى ينير قلبك إذا كانت الأفكار الشريرة تأتيك من قبل الشياطين. وإذا لم تتبدد هذه الخداعات بسرعة فتشجع لأن الكلاب لا تحمل أى قوة. ولكن صل لله وفجأه سوف يبددها عنك عن طريق إرتباطك غير المنظور بقوة قيادته غير المرئيه.
  7. جاهد لكى تحصل على عمق الاتضاع وعندئذ لن تؤذيك الشياطين الماكره ولن يصيبك أى سوء لأنه يوصى ملائكته لكى يحرسوك ولسوف يطرح الله عنك كل قوة معادية.
  8. إن الشياطين قد تسبب لك بعض الأحداث والضربات التى يسمعها الانسان الذى يمارس الصلاة الطاهرة، وهو لن يفقد الشجاعة ولا الذهن الحاضر بل هو دائماً يصرخ إلى الله ويقول: لا أخاف شراً لأنك أنت معى. وسوف يضيف صلوات أخرى مثل هذه.
  9. لو هددتك الشياطين [(+)] وظهرت لك فى الجو وحاربتك بشدة لكى تحطم روحك أو تضرب جسدك فلا تجعل نفسك تضطرب من أجل تهديداتهم لأنهم يخيفوك حتى يختبروا معدنك. إنهم يرغبون أن يروا ما إذا كنت ستعاملهم بقسوه أم أنك سوف تتجاهلهم وتحتقرهم وكيف ستسلك فى الصلاة والشركة مع الله ضابط الكل الذى يرعى الجميع.
  10. إن الشياطين تعمل فى الليل مع الانسان الروحى لكى تجعله يخضع لهم فيزعجوه. أما فى النهار فإنها تحيط به عن طريق مضايقات الناس وإفتراءاتهم ومتاعبهم.

القديس أوغريس.

إن الشياطين يملأون عقولنا بالخيالات وقد يظهرون فى أشكال مختلفة حين يثيرون فينا الشهوات. وبصفة عامة فهم يثيرون بالشهوات وحتى أثناء النوم فهم يزرعون فينا أحلاماً شريره وخيالات متنوعه واكثر من هذا فإن شياطين الزنا كثيراً ما يأخذون شكل الخنازير أو الحمير أو حيوانات ناريه متوحشه. أما شياطين الغضب فإنها أحياناً تأخذ شكل الأوثان أوالأسود. وشيطان الشرب والنهم يأخذ شكل رجل عربى. وشيطان الطمع يأخذ شكل ذئاب أو نمور. وشيطان الغوايه يتحول إلى شكل حيات أو ثعابين أو دياب. وشيطان الخزى يتحول إلى كلاب. وشيطان الكسل يتحول إلى قطط.

وخيالات تحول أشكال الشياطين إلى ثلاث أنواع وفقاً لطبيعة النفس، فإما أن تكون فى شكل طيور أو شكل حيوانات متوحشه أو شكل حيوانات مستأنسه وفقاً لقوى النفس الثلاث التى هى الرغبات والمثيرات والأفكار. لأن الرؤساء الأشرار الثلاثة للشهوات يقومون ضد الثلاث قوى ويثيرون الخيالات المتعلقه بالشهوات التى تثير النفس وهى متخذه أشكالاً مختفيه.

القديس اغريغوريوس السينائى.

ثالثاً - فقدان الحياه الالهيه:

لو أنك لم تؤمن بالمسيح وهربت من يديه فإنك ستصبح إنساناً غير كامل لأنك لم تطعه. ولكنه سوف يستمر فى دعوتك لأن حكمة الله كامله وغير ناقصه. لأن المسيح يستطيع أن يقيم من الحجارة أولاداً لابراهيم. ولذلك فإن الانسان الذى لم يحصل على تلك البنوه فإن السبب راجع إلى نفسه وعدم كماله مثل النور الذى لا يستطيع بعض الأشخاص ان يروه لفقدان بصرهم، فيبقى النور كما هو ويعمل هؤلاء العميان فى الظلام بسبب خطاياهم. وكما أن النور لا يفرض ذاته على أحد بالغصب هكذا الله لا يفرض على أى أحد أن يعبده. ولذلك فإن الأشخاص الذين إرتدوا عن النور الممنوح من الآب وكسروا ناموس الحريه فإنهم فعلوا ذلك عن طريق خطأهم الشخصى رغم أنهم خلقوا أحراراً وموهوبين من القوه.

القديس إريناوس.

إن الانحراف ونسيان أن الانسان مخلوق على صورة الله هو علامة على أن النفس لم تعد ترى الله بالقوه التى بداخلها بعد أن كانت على صورة الله. ولكن إذا تحررت النفس من ذاتها ومن الشهوات الجسديه التى فيها فإن المرآه التى فيها سوف تتنقى وعندئذ يصير لها القدره ان ترى [المسيح] صورة الآب ولا تعود ترى تلك الأشياء الحسيه التى كانت تحملها.

القديس أثناسيوس الرسولى.

رابعاً - الشهوات:

1 - الانتصار على الشهوات:

هناك طريقاً واحداً نبدأ به لترويض الشهوات حتى نستطيع أن نضبط النفس ألا وهو اليقظه وحراسة القلب. وحين يتنقى القلب من الشهوات فإن الانسان سوف يكرس قلبه بالتمام لصلاة المزامير ويحارب ضد الأفكار وعندئذ يستطيع أن ينظر إلى السماء بعينيه الجسديتين أو يتأمل فى السماء بعينيه الروحيتين التى للنفس ويصلى بالحق فى طهاره وبر.

القديس ثيوفان الناسك.

إذا رغبت فى الحصول على النُصرة على الشهوات فإدخل إلى نفسك عن طريق الصلاة ومعونة الله ثم إنزل إلى عمق قلبك وإسحق تلك القوى الثلاث التى هى النسيان والكسل والأهمال. لأن هذه الأمور الثلاثة هى التى تحرك كل أعدائنا الروحين. وهذه الثلاثة [النسيان والكسل والإهمال] هى التى تحرك كل الشهوات الأخرى. ولذلك أرجع إلى قلبك ثانية لتمارس وتحيا فى قوة ضبط النفس. وعن طريق اليقظة الدائمة ومثابرة الفكر وبمعونة الله التى من فوق فإنك سوف تكتشف تلك الشرور الغير مكشوفة لكثيرين وبسهولة سوف تطردها بعيداً بأسلحة البر بتذكار ما هو صالح وبالشوق الذى يدفع النفس للخلاص وذلك عن طريق المعونة التى من السماء.

القديس مرقس الناسك.

ولكن يجب أن تدرك بأنك لا تستطيع أن تحصل على حياة النصره مادام هناك شهوات تسيطر عليك وتحيا فيك حتى لو كنت غير منغمس فيها تماماً. لأن الشهوات مثله مثل الرطوبة الموجودة فى الوقود فالخشب المبلل لا يمكن أن يشتعل ولكن حين يجفف وتشعل فيه النار فإن النار ستكمل جفافه وعندئذ سوف يلتقط النار شيئاً فشيئاً وسوف تنتهى الرطوبى ويشتعل كل الخشب. هكذا فإن كل قوى النفس وأعمال الجسد هى وقود حياتنا. ولكن طالما أن الانسان غير منتبه إلى خلاص نفسه فإنه شهواته سوف تتشبع بالرطوبه. وقبل أن تطرح الشهوات خارجاً فإنها سوف تمنع إشتعال الروح. والشهوات تخترق كلاً من النفس والجسد معاً وتسيطر أيضاً على روح الانسان وضميره وحريته ثم تملك عليه بالتمام. وكما أن هذه الشهوات لها صداقة وإرتباط مع الشياطين فإن الشياطين تسيطر على الانسان عن طريق الشهوات. وباطلاً يظن ذلك الانسان أنه ممكن أن يصير سيداً مادام هو تحت سيطرة الشهوات. ولذلك يجب عليك أن تسلح نفسك ضد شهواتك وأن تهزم هذه الشهوات وتطردها خارجاً عن نفسك وعن جسدك. وهذا الجهاد ضد الشهوات لا يمكن أن تتخلى عنه قط لأن هذه الشهوات لن تتخلى عنك بإرادتها.

القديس ثيوفان الناسك.

إن بعض هذه الشهوات يحارب الجسد والبعض الآخر يحارب النفس وبعض هذه الشهوات خاص بالجسد [مثل شهوة الزنا] والبعض الاخر خاص بالجزء المثير فى النفس [مثل شهوة الغضب] والبعض الآخر خاص بالأفكار. وشهوات الأفكار بعضها خاص بالفكر والآخر خاص بحكمة الانسان. وكل هذه الشهوات تتعاون مع بعضها بعضاً بطرق مختلفه ويؤثر بعضها فى الآخر. ولهذا فهى تتغير من موقف لآخر.

أما الشهوات الخاصه بالجزء المثير فى النفس فهى الغضب والحقد والشجار والنرفزه والغطرسه والافتخار وما شابه ذلك أما شهوات الرغبه فهى الجشع والغوايه والنهم والإفراط ومحبة المال ومحبة الذات التى هى أصل لكل الشرور. أما شهوات الجسد فهى الزنا والنجاسه وعدم الطهاره والارتباط بالحياة. أما شهوات الكلام واللسان فهى عدم الايمان والتجديف والخداع والمكر وحب الاستطلاع وذوو الرأيين وصانع الوشايه والأفتراء ولو الآخرين وذمهم والثرثره والتظاهر والكذب والكلام البديئ وكلام التفاخر والكلام اللئيم وإقحام الانسان لنفسه فى المقدمه وإذلال الآخرين بالكلام والأنتفاخ والحلفان الكاذب والكلام الباطل. أما شهوات العقل فهى الخداع وغرور النفس وتمجيد الذات والمناقشه والتهور والرضا بالنفس والعناد والتمرد والأحلام والتصنع وحب الظهور وحب الشهره والأفتخار الذى هو أول وآخر الشرور. أما شهوات الفكر فهى السرحان والتبلد والاستعباد لأفكار الظلمة والعمى والمراوغه والاقتراح والتقليد والانحراف وتحريف الأمور والمعارضه وما شابه ذلك وباختصار كل الأفكار الشريره من إحساس داخلى أو تدبير. وننقسم الأفكار إلى ثلاثة أنواع وفقاً لقوى النفس الثلاث مثل الصلاح الذى ينقسم ايضاً إلى ثلاثة أنواع حسب ما هو متفق مع طبيعتنا.

القديس إغريغوريوس السينائى.

من الصعب أن ندرك السهام الشريره نظراً لكقرتها وتنوعها ولكن قيل ان الشهوات تأتى الينا فى إحدى صورتين، فهى أما أن تأتى فى صورة خيالات داخليه أو تأثيرات خارجيه ولكن السبب الوحيد لها هو الأفتخار. والأولى [الخيالات الداخليه] هى مصدر للثانية [التأثيرات الخارجية] والثانية كثيراً ما تكون سبباً للثالثه التى هى الجنون. وسبب خداع الفكر فى الخداعات التخيليه هو الاصرار على معرفة كل شئ وهذه هى التى تقود إلى شهوات الأفكار وتقود الانسان إلى الخطأ خلال الأحلام التى تولد التجديف الذى يقود إلى الخوف سواء كان وقت النوم أو وقت اليقظه. لأن إنتفاخ الانسان يتبعه شهوة التخيلات ثم بعد التخيلات يأتى التجديف وبعد التجديف يأتى الخوف ثم بعد الخوف يأتى الترنح ثم يأتى الجنون حيث يخرج الانسان عن صوابه وهذا هو النوع الأول من شهوات الفكر التى تأتى من التخيلات.

أما النوع الثانى من شهوات الفكر الذى يأتى من المؤثرات الخارجيه فهو يأتى أولاً من شهوة الزنا التى تأتى من رغباتنا الطبيعيه. وشهوة الزنا تولد الكلام غير الطاهر الذى لا يمكن كبحه حيث يشتعل كل كيان الانسان ويظلم العقل حيث يلتصق [خيالياً] مع الاجساد التى يتخيلها وهذا الاشتعال المسموم يقود العقل إلى الجنون والعته. وفى هذه الحالة فإن الانسان المخدوع يقود نفسه إلى التنبوء [الكاذب] ويعطى تكهنات غير صادقة حيث يؤكد أنه رأى قديسين معينين ويكرر بعض الكلمات التى يؤكد أنه قد سمعها منهم حيث يكون هذا الانسان قد تسمم عقله بجنون الشهوات. ولقد تغيرت طبيعته وظهر كأنه إنسان مسّه روح شرير حيث قد إنخدع هذا الانسان بروح الشهوات الفكريه. ورغم أنه يجلس فى أماكن القديسين إلا أنه يتخيل أنه قد ألهم من القديسين ويعلن بعض الرؤى التى يتخيل أنه قد أخذها من هؤلاء القديسين. ولكن مثل هذا الانسان يجب أن نطلق عليه الممسوس من الأرواح الشريره والمخدوع والساقط. وهو ليس نبياً للحاضر أو المستقبل لأن شيطان الفحشاء قد أضل عقله بنار الزنا وقادره إلى الجنون وقدم له أحلاماً مضلله عن بعض القديسين الذين يتخيل أنه يسمع كلامهم ويرى وجوههم. ولكن يحدث أحياناً أن الشياطين أنفسهم يظهرون له ويخيفونه بالاضطراب ويقودونه ويستعبدونه لكى يفعل الاثم رغماً عن إرادته ثم يقودونه أخيراً الى الجحيم.

القديس اغريغوريوس السينائى.

2 - الكآبه والضجر:

إن كل الشهوات الأخرى تؤثر فقط على جزء من أجزاء النفس واء على الجزء التفكيرى أو على الرغبات أو على المثيرات وذلك مثل النسيان أو الجهل. أما الكآبه فإنها تخيم على كل قوى النفس. ويتحول كل نفّس إلى إنفعال. ولذلك تصير هذه الكآبه أثقل من أى شهوة أخرى.

إن كلمات الرب عن الصبر هى التى تعطى الانسان اسير الكآبه القوه ضدها [بصبركم تقتنون أنفسكم] لو 21: 19.

مار اسحق السريانى.

يالينا لا نقلق إذا ما صرنا فى الظلمة وأنا أعنى تلك الظلمة الخاصة حيث تصير النفس فى حالة ضعف ويخيم الظلام على ذلك الانسان سواء كان مواظباً على قراءة الكتاب المقدس ومتمماً لقانونه الروحى أم لا فإن الظلمة يتبعها ظلمة تخيم عليه.

وهذا الانسان المصاب بالكآبه غالباً ما يترك عمله الروحى ولا يستطيع أن يقترب منه وعندئذ يمتلئ باليأس والخوف ويفقد تماماً الرجاء فى الله وتعزية الايمان بالله وتمتلئ حياته بالشك والخوف. ولكن الله لا يترك هذه النفس لمدة طويلة ولكنه حالاً يصنع لها طريقاً «للنجاة» ولكن الله أمين الذى لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون بل سيجعل مع التجربة أيضاً المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا» 1كو 10: 13 ولكننى أخبرك وأعطيك هذه النصيحه، إذا لم يكن لديك القدره على أن تملك نفسك وتحكم عليها بسجود الصلاه، لف رأسك فى غطائك ونم حتى تعب ساعة الظلمه هذه.

مار اسحق السريانى.

ولكن لا تترك قلايتك[9]:

إن الذين يخضعون لهذه التجربة هم أولئك الذين يشتاقون لحياة ضبط الفكر ويطلبون عزاء الايمان ولذلك فإن الذى يعزيهم ويقلقهم فى هذه الساعة هو تقلبات الفكر. وغالباً ما تكون تقلبات الفكر هذه مصحوبه بالافكار الشريره. وغالباً ما يسقط ذلك الانسان فى الشك فى القيامه وفى أشياء أخرى كثيره من الأفضل عدم الحديث عنها.

أما الذين ينشغلون بالأعمال اليدويه فهم أحرار بالتمام من مثل هذه التجارب، ولكنهم يقاتلون بأنواع أخرى من الضجر معروفه لكل أحد ولكنها تختلف عن تلك السابقة.

مبارك هو ذلك الانسان الذى يحتمل ذلك الضجر بدون أن يخرج من باب قلايته. ولكن هذا الجهاد لن ينتهى فى ساعة واحده ولن ترجع النعمه فجأه لتدخل فى النفس وإنما يحدث ذلك بالتدريج وسوف يحل شيئاً محل شئ آخر، وقت تحل فيه التجارب ووقت آخر يحل فيه العزاء.

مار اسحق السريانى.

3 - الكبرياء والافتخار:

الكبرياء هو دعوه من الشيطان لأنكار الله، هو إحتقار الانسان لأخيه، هو مصدر إدانة الآخرين وهو سبب الافتخار وعلامة العقم الروحى والهروب من المعونة الالهيه، ومقدمة الجنون، وإعلان لكل السقطات، وموطئ أقدام الشياطين، ومصدر الغضب، وباب الرياء، وإمداد الشياطين وزيادة الخطايا، ومثال لعدم الشفقه وإنكارها وقسوة الفضوليه والحكم غير الانسانى ومقاومة الله وأساس التجديف.

يوحنا الدرجى.

إن الله يقاوم المستكبرين فمن ذا الذى يمكن أن يتحنن عليهم؟ إن كل قلب متعجرف هو غير طاهر أمام الله فمن ذا الذى يستطيع أن يطهر هذا الانسان.

يوحنا الدرجى.

إنه من العار أن تتفاخر بما هو للآخرين بل إنطلق بما يجعلك تستحق مواهب الله. تفاخر فقط بما تستحقه وتمتلكه من قبل ميلادك، لأن كل ما حصلت عليه بعد ميلادك حتى ميلادك نفسه هوعطيه من الله. فقط هذه الفضائل التى حصلت عليها بدون معونة العقل [الغرائز الفطريه] هى التى تخصك لأن العقل هو الذى أعطى لك من الله. كذلك كل إنتصار حصلت عليه هو من عمل الله.

يوحنا الدرجى.

الانسان المتعجرف هو مثل الرمان المعفن. فهو من الداخل ملآن فساداً ولكن من الخارج متوهج بالجمال.

يوحنا الدرجى.


[7] الأب نيللوس.

[8] - الأب أفراهات.

[(+)] هذه الحرب الخاصة بظهور الشياطين فى أشكال معينه لتخويف الانسان وإرعابه إنما لا تحدث إلا مع الأباء القديسين المتقدمين فى روحياتهم.

[9] - هذه الحرب خاصة بالرهبان المتوحدين الذين يمارسون حياة الوحده.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات