الأصحاح الحادي والثلاثون – حرب ختامية – سفر العدد – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 04- تفسير سفر العدد – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الأصحاح الحادي والثلاثون – حرب ختامية

أمر الله موسى أن يقاتل المديانيين الذين أجروا نسوة شريرات لعثرة بني إسرائيل، وذلك كآخر فصل في جهاد موسى النبي.

١ – مقاتلة المديانيين ١ - ٧.

٢ – قتل الملوك وبلعام ٨.

٣ – الغنائم ٩ - ١٢.

٤ – قتل النساء الشريرات ١٣ - ٢٠.

٥ – تطهير المعادن والثياب ٢١ - ٢٤.

٦ – توزيع الغنائم ٢٥ – ٥٤.

الأعداد 1-7

١ – مقاتلة المديانيين

أراد الله أن يختم موسى النبي حياته حياته وجهاده بحرب غايتها "التقديس" بإبادة العثرة التي حطمت الشعب. لم يكن هدف الحرب هجوميًا ولا سلب غنائم لكنه أراد قتل الذين إنصاغوا لكلمات بلعام فأجروا نساء يحاربن الشعب بجمالهن والتنجس معهن يجب أن يقاتلوا حتى لا تتكرر العثرة. وكان ذلك إشارة إلى ضرروة بتر العثرة في حياة المؤمنين حتى يعيشوا بروح الغلبة والنصرة.

هذا هو نهاية كل عمل موسى قبل أن يصعد إلى جبل عباريم ويرى الأرض المقدسة من بعيد. إنه غاية عمل الناموس يكشف العثرة ويسند في الجهاد ضدها لكنه لا يقدر أن يهب البرّ ولا أن يعبر بالمؤمنين إلى حدود الأرض المقدسة. إنه يبعث فينا روح الجهاد ويرتفع بنا خلال الظل والرمز لنرى السموات من بعيد، لكنه عاجز أن يحملنا إليها.

أما ملامح هذا الجهاد الروحي المقدس فهو:

أولاً: نزع العثرة: يقول العلامة أوريجينوس: [العثرات التي ألقيت لأبناء إسرائيل سببها مكيدة المديانيين، الذين إستأجروا النساء لسلب قلوبهم حتى يخطئوا أمام الرب، فكابد بنو إسرائيل عقابًا على إرتكابهم الخطيئة، أما المديانيون إذ سببو السقوط في الخطيئة صاروا موضع عقوبة أشد، نتعلم من هذا أننا إذ نعثر الآخرين فيسقطوا نكون في حالة أشر من إرتكابنا الخطيئة هذا ما يعلمنا إياه الرب بقوله: "خير له لو طوّق عنقه في حجر وطرح في البحر من أن يعّثر أحد هؤلاء الصغار (لو١٧: ٢)].

ثانيًا: حين سقط الشعب في الخطيئة انهزم إسرائيل بغير محاربين ظاهرين، إذ لا نسمع عن حرب بينه وبين المديانيين والموآبيين، لكن أربعة وعشرون ألفًا ماتو بالوبأ بغير حربٍ (٢٥: ٩). ولوا غيرة الكاهن فينحاس على المقدسات لفني الشعب كله (٢٥: ١١). أما الآن وقد تقدس الشعب فلا حاجة لخروج رجال الحرب البالغين أكثر من ستمائة ألف رجل وإنما يكفي إختيار ألف رجل عن كل سبط ليخرج الإثنا عشر ألف رجل فيلغلبوا وينتصروا. فهي ليس حرب العدد الكبير ولا الإمكانيات الحربية من أسلحة وتخطيطات عسكرية، إنما هي قوة التقوى والقداسة على الشرّ والخطيئة. يقول العلامة أوريجينوس: [لم يحصل على النصرة بكثرة عدد الجند وإنما بواسطة برّه وتقواه... فقد قيل: إذا إتبعوا ناموس الرب، واحد فقط يطارد ألفًا واثنان يجعلان ألفين يهربون (٢٦: ٨). هكذا ترى أن قديسًا واحدًا فقط في صلواته يكون أقوى من جيش لا يحصى من الأشرار. صلاة البار تخترق السماء، فيكف لا نحصل على النصرة على الأرض؟ لهذا يلزمك أن تبحث أولاً عن برّ الله (مت٦: ٣٣)، فأننا إن وجدنا واحتفظنا به نُخضع جميع الأعداء بشرط أن نكون لابسين "درع البرّ" ممنطقين أحقائنا بالحق، نحمل خوذة الخلاص وسيف البرّ، ونحمل فوق الكل ترس الإيمان الذي به نقدر أن نطفيء جميع سهام الشرير الملتهبة (أف٦: ١٤ - ١٧)... بهذه الأسلحة ينهزم كل معسكر الشياطين وجيشه ونرنم بثقة قائلين: "إن نزل عليّ جيش لا يخاف قلبي، وإن قامت عليّ حرب ففي ذلك أنا مطمئن" (مز٢٧: ٣) [268]].

ثالثًا: إن كان رقم (١٢) يشير إلى ملكوت الله على الأرض، حيث يملك الثالوث القدوس في كل جهات المسكونة (٣ x ٤) فإن رقم (١٠٠٠) يشير إلى الحياة السماوية لأن يومًا عند الرب كألف سنة. إذن فالرقم (١٢، ٠٠٠) يشير إلى ملكوت الله السماوي على الأرض، هذا الذي له الغلبة على روح الشرّ والعثرة. من ينضم إلى العضوية في مملكة المسيح الروحية، حاملاً السمات السماوية ينهزم أمامه إبليس وكل جنوده.

رابعًا: لم نسمع في هذه الحرب عن قيادات عسكرية ولا إستعدادات بالأسلحة لكننا نقرأ: "فَأَرْسَلهُمْ مُوسَى أَلفاً مِنْ كُلِّ سِبْطٍ إِلى الحَرْبِ هُمْ وَفِينَحَاسَ بْنَ أَلِعَازَارَ الكَاهِنِ إِلى الحَرْبِ وَأَمْتِعَةُ القُدْسِ وَأَبْوَاقُ الهُتَافِ فِي يَدِهِ" (ع٦). كانت طاقات الحرب هي الألف رجل أي الحياة السماوية التي تسمو على الخطية وترتفع فوق كل إغراءاتها، تحت قيادة فينحاس الكاهن الغيور على مقدسات الله الذي يشير إلى العبادة النارية بالروح القدس والملتهبة بلا إنقطاع، وأمتعة القدس خاصة تابوت العهد الذي يشير إلى حضرة الله كسرّ تقديسنا ونصرتنا، وأبواق هتاف تشير إلى كلمة الله إذ هي "حية وفعالة وأمضى من كل سيف دي حدين وخارقة إلى مغرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته" (عب٤: ١٢). هذه هي الإعدادات الحقيقية للغلبة في الحرب الروحية: الحياة بفكر سماوي، العبادة الملتهبة غير المتقطعة، والشعور بحضرة الله الدائمة، التمسك بكلمة الله.

خامسًا: كانت الحرب موجهة ضد "كل ذكر". قلنا أن الذكر يشير إلى الفكر أو العقل أو النفس كما أن الأنثى تشير إلى الجسد أو العمل أو العاطفة. ففي حربنا ضد الخطية نصوب سهامنا الروحية ضد كل فكر شرير هذا الذي يفسد النفس والجسد معًا. نحن لا نعادي الجسد بل نقاوم الفكر المفسد له ولعواطفه وأحاسيسه.

العدد 8

٢ – قتل الملوك وبلعام

"وَمُلُوكُ مِدْيَانَ قَتَلُوهُمْ فَوْقَ قَتْلاهُمْ. أَوِيَ وَرَاقِمَ وَصُورَ وَحُورَ وَرَابِعَ. خَمْسَةَ مُلُوكِ مِدْيَانَ. وَبَلعَامَ بْنَ بَعُورَ قَتَلُوهُ بِالسَّيْفِ" (ع٨).

بجانب كل ذكر أي كل فكر شرير قتلوا الملوك الخمسة المذكورة أسمائهم أعلاه مع بلعام... من هم هؤلاء الملوك الخمسة ومن هو بلعام؟

أولاً: من هم هؤلاء الملوك الخمس إلاَّ الحواس التي ينبغي أن تموت عن الخطية لتتمتع بالحياة المقدسة؟! فلا حياة لهذه الحواس ما لم تمت أولاً بالصليب عن أعمال الإنسان العتيق. يتحدث العلامة أوريجينوس عن الملوك الخمسة، قائلاً: [بالإختصار الذين يسيطرون على الرذائل – حسب الكتاب المقدس – هم خمسة ملوك، بهذا نتعلم بوضوح أن كل رذيلة تسود على الجسد تتبع أحد الحواس الخمسة، إذًا يجب قتل الحواس الخمسة في مملكة المديانيين لكي يسودهم البرّ عوض الرذائل وعوص العمل المعثر يصير العمل الصالح الذي للبنيان، لأن هذه الحواس كانت تستخدم للعثرة لدى المديانيين. لهذا أمر الرب "إن كانت عينك اليمين تعثرك فاقلعها والقها عنك" (مت٥: ٢٩ - ٣٠). هذا نحن نرى الرب يأمر بنزع الملوك الخمسة وقتلهم، "لأنه خير أن لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقي جسدك كله في جهنم". إنه لا يأمرنا بقلع العين الجسدية وبتر اليد أو الرجل الجسديتين إنما يأمر ببتر الحس الجسداني المنحرف بالشهوات الجسدية، لكي "تنظر عيناك إلى قدامك وأجفانك إلى أمامك مستقيمًا" (أم٤: ٢٥). لكي ما تسمع أذانك كلمة الله وتلتهمها، وتلمس يداك كلمة الله وتلتصق بها، بهذا فإنه إذ يموت ملوك المديانيين وتقتلع الرذائل المعثرة يسود برّ سيدنا يسوع المسيح، إذ "منه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبرًا وقداسة وفداء" (١كو١: ٣٠) [269]].

هكذا يموت الملوك الخمسة فلا يكون للشيطان سلطانًا على حواسنا لا لنعيش بلا حواس في جحود، وإنما لتنطلق أحاسيسنا ملتهبة فينا بالروح القدس لحساب الملك الجديد، رب المجد يسوع.

ثانيًا: هؤلاء الملوك تحمل أسماؤهم معاني رمزية، فالملك "آوي" يشير إلى الرغبة كما يرى البعض. وكأن بدء الملوك بعد "الفكر" هو "الرغبة"، متى سيطر عليها إبليس وملك حطم حياة الإنسان واستعبدها. عمل الروح القدس في حياة الناس هو تحويل "الرغبة" من مملكة الخطية إلى مملكة البرّ، أو من أسر إبليس إلى حرية الحياة في المسيح يسوع ربنا.

غير أن العلامة أوريجينوس يرى أن كلمة "آوي" تعني "حيوان مفترس"، لهذا فمع قتل كل فكرٍ شرير "كل ذكر" يلزم على المؤمن أن يبدد العادات الحيوانية المتوحشة، قائلاً: [كيف يمكنك أن تتمتع بالتطويب: "طوبى للودعاء" (مت٥: ٥)، ما لم تقتل أولاً آوي وتسلم الغضب المتوحش للموت؟! في رأيي أن الكتاب المقدس لا يذكر هذه الأسماء ليروي قصة، إنما يقدمها لأجل معرفة الحقائق... إن النص السماوي – كما أعتقد تمامًا – تعليم النفوس، إذ يريدنا أن نحارب هذه الأنواع من الرذائل. لنطردها عن مسكنها الذي في داخل أجسادنا. لنطرد هؤلاء الملوك من مملكة أجسادنا. هذا ما يقوله الرسول بوضوح: "لا تملكن الخطية على جسدكم الفاني" [270]].

ثالثًا: الملك الثاني الذي ينبغي قتله هو "راقم"، الذي يعني "رفش" أو "تلوين" [271]. إن كان الملك الأول يمثل العنف والشراسة فإن هذا الملك يحارب الروح بإتجاه مضاد وهو التلون ومجاراة الناس والمداهنة لأقتناص النفس. الأول يقتل النفس بعنف والثاني يقتلها باللطف المخادع. لهذا يحثنا القديس أغسطينوس أن نحذر الذئب حتى إن لاطفنا أو عانقنا، ولا نخش الحمامة حتى إن دخلت معنا في صراح إذ يقول: [الحمامة تحب حتى في صراعها، والذئب يبغض حتى وهو يعانق[272]]. لنقتل هذا الذئب (الشيطان) حتى في ملاطفته إيانا. عن هذا الملك المخادع يقول داود النبي: "أنعم من الزبدة فمه وقلبه قتال، ألين من الزيت كلماته وهي سيف مسلول" (مز٥٥: ٢١).

رابعًا: الملك الثالث يدعى "صور" أي "صخر" [273]، هذا الذي يفقد الإنسان إنسانيته فيكون قلبه قاسيًا كالصخرة. لهذا يقول الرب: "وأعطيكم قلبًا جديدًا وأجعل روحًا جديدة في داخلكم وأنزع قلب الحجر من لحمكم وأعطيكم قلب لحم" (حز٣٦: ٢٦). إنه يقتل الملك "صور" ليملك بروحه القدوس فيقيم قلبًا لحميًا ومملكة مملوءة حبًا عوض العنف والقسوة.

خامسًا: الملك الرابع هو "حور"، وهو اسم مصري مشتق من الإله حورس. وإن كان البعض يراه إسمًا أكاديًا يعني "طفل". وهو يقاوم الإنسان لا كالملك السابق بتحجير قلبه وإنما يجعله كطفلٍ يلهو في غير جدية. يمارس عبادته في إستهتار وإستهانة، ولا يطلع إلى خلاص نفسه وأبديته برجولة ناضجة.

سادسًا: الملك الخامس هو "رابع" ويعني "الرابع"، ربما يشير إلى الحياة الجسدانية الزمنية، إذ رقم (٤) يشير إلى الأرض بإتجاهاتها الأربعة. هذا هو الملك الشرير الذي يربط قلب الإنسان بالأرض فلا تقدر النفس أن تنطلق بجناحي الحمامة إلى الأعالي، بل تنجذب دومًا نحو أمور هذا العالم الزائلة.

هذا الذي قدم المشورة الشريرة لبالاق بإلقاء معثرة للشعب خلال النساء الشريرات... إنه يليق بنا إبادة كل مجال للعثرة.

الأعداد 9-12

٣ – الغنائم

ماذا فعل المنتصرون ببني مديان؟

أولاً: سبوا النساء وأطفالهن وجميع البهائم والمواشي وكل الممتلكات؛ كان ذلك عملاً رمزيًا للإنسان الغالب روحيًا فإنه يسبي الجسد "النساء" ليعمل لحساب الله في إتفاق مع النفس. أما الأطفال فيشيرون إلى الثمار، فعوض أن يكون الجسد بأعماله يخدم الشيطان يصير آلة برّ لله، مقدسًا وطاهرًا. أما البهائم وكل الممتلكات فتشير إلى الغرائز والطاقات... هذه التي كانت دنسة تصير مقدسة، وعوض أن تكون ثقلاً تصير معينًا لنا في عبادتنا لله.

إيماننا لا يحمل عداوة ضد الجسد ولا ضد أحاسيسه أو عواطفه أو أعماله أو طاقاته ومواهبه، إنما يحمل تحولاً جذريًا له بكل ممتلكاته وأعماله للعمل لحساب مملكة المسيح.

ثانيًا: حرق جميع المدن والحصون بالنار، إذ يغلب الإنسان روحيًا لا يستهين بالصغائر بل يحطم كل موضع فيه عثرة، قاطعًا كل جذور الخطية من قلبه، لكي لا يكون لعدو الخير حق الدخول إليه من جديد. إن كل تهاون في تنظيف القلب تمامًا من كل أثار الخطية يعطي لها حق الرجوع إلى موضعها في الوقت المناسب لها.

ثالثًا: أخذوا الغنيمة وجاؤا بها إلى موسى وألعازار الكاهن وإلى الجماعة، "إِلى المَحَلةِ إِلى عَرَبَاتِ مُوآبَ التِي عَلى أُرْدُنِّ أَرِيحَا" (ع١٢).

قلنا أن هذه الغنائم تشير إلى تقديس الجسد بكل طاقاته فيتحول من العداوة ضد الروح (غل٥: ١٧) ليصير بأعضائه "آلات برّ لله" (رو٦: ٣)... لكن ما هو سرّ تقديسها؟

  1. جاؤا بالغنائم إلى موسى مستلم الشريعة إعلانًا عن أن الوصية أو كلمة الله هي سرّ تقديس الإنسان بكل أعضائه، "كلمة الله حية وفعالة..." (عب٤: ١٢)، يحفظها الإنسان في قلبه فيتقدس كل ما له وتنزع عنه الخطيئة: "خبأت كلامك في قلبي لكيلا أخطيء إليك" (مز١١٩: ١١). وجد فيها المرتل سرّ حياته الروحية، إذ يقول: "لصقت بالتراب نفسي فأحييني حسب كلمتك" (مز١١٩: ٢٥)، أي لصقت نفسه بالجسد بكل شهواته وليس من يعين هذه النفس إلاَّ كلمة الله التي تهبه حياة من بعد الموت بالخطية.
  2. جاؤا بها إلى ألعازار الكاهن إلى الجماعة إلى جوار الأردن. هنا إشارة إلى تقديس الجسد بكل طاقاته خلال مياه المعمودية المقدسة، الأردن، بواسطة الكهنوت وسط الجماعة أي الكنيسة. ففي الجرن المقدس يحطم السيد المسيح إبليس ويعطي للإنسان إمكانية الحياة الجديدة المقامة معه (كو٤: ٦).

الأعداد 13-20

٤ – قتل النساء الشريرات

سخط موسى على رؤساء الألوف ورؤساء المئات الذين وإن كانوا قد غلبوا المديانيين وجاؤا بغنائم كثيرة لكنهم إحتفظوا بالنساء الشريرات اللواتي كن سبب عثرة الشعب، لهذا أمر بقتل كل امرأة قدمت جسدها للشرّ للشعب وأعثرته. وكأن موسى النبي أراد ألاَّ يترك مجالاً للسقوط مرة إخرى بإختفاء العثرة داخل الشعب. لقد قُتلت النساء الشريرات وأطفالهن الذين كانوا ثمرة النجاسة. وكأنه لم يرد أن يترك أثرًا حتى لتذكار الشرّ حتى لا يعود إليه الإنسان من جديد.

الأعداد 21-24

٥ – تطهير المعادن والثياب

طلب ألعازار رئيس الكهنة من الجند القادمين من المعركة أن يقدموا المعادن التي يمكن أن تجتاز النار مثل "اَلذَّهَبُ وَالفِضَّةُ وَالنُّحَاسُ وَالحَدِيدُ وَالقَصْدِيرُ وَالرَّصَاصُ" (ع٢٢) لكي تجيزونه في النار فيكون طاهرًا غير أنه يتطهر بماء النجاسة (الماء الذي يطهر من النجاسة، الأصحاح ١٩)، أما ما لا يدخل النار فيجيزونه في الماء. ورجال الحرب أنفسهم إذ لمسوا المديانيين وقتلوهم يغسلون ثيابهم في اليوم السابع ليتطهروا وعندئذ يدخلون المحلة (ع٢٤).

نلاحظ في هذه الشريعة:

أولاً: صروة رمزية رائعة لجيش الله الروحي الذي غلب وانتصر على الخطية منطلقًا نحو المحلة الحقيقية، أورشليم "مسكن الله مع الناس" (رؤ٢١: ٣). إنهم ينطلقون نحو عريسهم ليستريحوا معه وفيه في أحضان أبيه القدوس وأعمالهم تتبعهم. يحملون معهم الذهب والفضة والنحاس والحديد والقصدير والرصاص، يحملون ثيابهم وقد غسلوها وبيضوها في دم الخروف (رؤ٧: ١٤). ما هو هذا الذهب الذي إجتاز النار إلاَّ الحياة السماوية التي انسكبت في حياة المجاهدين خلال عمل الروح القدس الناري. وما هي الفضة إلاَّ الكرازة بكلمة الله التي صفيت كما بنارٍ سبع مرات (مز١٢: ٦) وهكذا يدخل المؤمنون إلى المحلة السماوية يحملون أتعاب محبتهم، يقدمونها ثمرًا نفيسًا للعريس المتهلل بعروسه المقدسة فيه. أما الثياب المغتسلة بالدم فتشير إلى أجسادنا التي تقوم في يوم الرب العظيم وقد تقدست في السماء المسيح لتشارك النفوس إكليها الأبدي وأمجادها السماوية.

ثانيًا: العجيب أن الشريعة حسبت هؤلاء المجاهدين الذين صارعوا مع الخطية وغلبوا أنهم في حالة نجاسة، يلزمهم أن تغتسل ثيابهم في اليوم السابع ليدخلوا المحلة. كأن الرب أراد أن يؤكد أن جميع المجاهدين – مهما بلغت قامتهم الروحية – يتعرضون للضعف، وهم محتاجون إلى التستر في دم السيد المسيح المطهر من كل خطية. إنهم وإن حسبوا أبطالاً لكن دخولهم المحلة لن يكون قانونيًا إلاَّ خلال السيد المسيح الذي يطهر البشرية من كل نجاسة.

الأعداد 25-54

٦ – توزيع الغنائم

يلاحظ في توزيع الغنائم الآتي:

أولاً: نصف الغنائم توزع على رجال الحرب (١٢، ٠٠٠) بينما النصف الآخر على بقية الشعب (أكثر من ٦٠٠، ٠٠٠ رجل – ١٢، ٠٠٠)، وكأن رجل الحرب الغالب يأخذ أكثر من (٥٠) ضعفًا مما يأخذ الإنسان العادي. هكذا يكلل لله المجاهدين الغالبين بإمتيازاتٍ خاصة، إذ يقول الرب نفسه: "في بيت أبي منازل كثيرة" (يو١٤: ٢). ويقول الرسول بولس: "لأن نجمًا يمتاز عن نجم في المجد" (١كو٥: ٤١). وقد رأينا ذلك الأمر واضحًا حتى في تقسيم أرض الموعد (راجع تفسير عدد ٢٦: ٥٥).

ثانيًا: مع أن الغنائم وزعت عليهم كمكافأة إلهية، لكن إلتزم الكل أن يقدم منها زكاة أو رفائع للرب (ع٢٨). فالمجاهدون الغالبون يقدمون نفسًا عن كل خمسمائة نفس، وحيوانًا عن كل خمسمائة حيوان، أما البقية فتقدم واحد عن كل خمسين. هكذا في نصرتنا ونحن نتقبل هبات إلهية نقدم له من هباته تقدمات حب له، علامة الحب المتبادل. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن العطاء هنا تأكيد أن القيادة الحقيقية في هذه الحرب كانت للرب نفسه، هو الذي غلب بهم، فنقدم نصيبه في الغنيمة لكهنته وخدام بيته. هنا رقم (٥٠٠)، ورقم (٥٠) يذكرنا بالمثل الذي قدمه لنا السيد المسيح عن الدائن الذي سامح المدينان، الأول عليه خمسمائة والثاني خمسون دينارًا (لو٧: ٤١، ٤٢)، فالأول يحب الدائن أكثر. هذان الرقمان كما سبق فقلنا[274] يشيران إلى الحرية، حيث أن في سن الخمسين يتحرر اللاوي من خدمة المسكن المنظور ليستعد للمسكن غير المنظور، وفي يوم الخمسين حل الروح القدس ليهب البشرية الحرية من الخطية في إستحقاقات الدم، وفي اليوبيل (السنة الخمسين) تتحرر الأرض ويتحرر العبيد ويتحرر الإنسان من كل دينونة... الخ.

إذن ما يدفعه هؤلاء إنما يجعلهم أحرارًا في تصرفاتهم فيما تبقى لهم.

ثالثًا: شملت الغنائم أنفسًا بشرية (نساء وأطفال) مع حيوانات إشارة إلى أسر كل فكر فينا إلى طاعة المسيح (٢كو١٠: ٥). ما كان تحت سلطان ملوك مديان ينزع عنهم ليصير تحت قيادة السيد المسيح نفسه.

رابعًا: أخذ موسى وألعازار الذهب وأتيا به إلى خيمة الإجتماع تذكارًا للشعب أمام الرب (ع٥٤). إن كان الذهب يشير إلى الحياة السماوية فإنه وحده دون غيره من الغنائم يبقى في حضرة الرب، لأن كل ما هو ليس سماوي، حتى وإن كان عطية من قبل الله سينتهي أمام الفكر السماوي والحياة السماوية التي تعمل فينا فهي تبقى لنا أمام الرب تشهد عن غلبتنا ونصرتنا لحسابه.


[268] Ibid.

[269] Ibid.

[270] Ibid.

[271] New Westminister Dict. of Bible, p 797.

[272] Sermons on N. T. Lessons 14: 4.

[273] J. Hastings: Dict. of Bible, p 1059.

[274] تفسير الأصحاح الرابع.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

الأصحاح الثاني والثلاثون – أرض جلعاد - سفر العدد - القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثلاثون – النذور - سفر العدد - القمص تادرس يعقوب ملطي