الباب الثانى: أسَباب الخوف

الباب الثانى: أسَباب الخوف

الخوف يرتبط بالخطية.

إن الملائكة – وهم يتكللون بالبر – لا يخافون. أما البشر وهم يسقطون فى الخطايا كل يوم، فإن الخوف يلاحقهم، لأنه لاصق بالخطية. هو يسبقها، وهو أيضاً يلحقها. وهو مرتبط بها على الدوام.

أول نوع من الخوف، هو خوف السقوط:

هو خوف يسبق الخطية، وهو نافع إن دفع صاحبه إلى الحرص. الإنسان الذى يحب أن يحيا حياة طاهرة يخاف من السقوط. لأنه قيل عن الخطية إنها طرحت كثيرين جرحى، وكل قتلاها أقويا (ام 7: 26). نعم، هذه الخطية التى اسقطت جبابرة أمثال داود وسليمان وشمشون، والتى اسقطت رسلاً مثل بطرس ومثل توما... لذلك يقول القديس بولس الرسول محذراً...

"لا تستكبر، بل خف" (رو 11: 20).

حتى الإنسان الروحى، ينبغى أيضاً أن يخاف السقوط، ليس عن رعب، إنما عن حرص. ذلك بسبب عنف الحروب الروحية وقوة الشيطان المخادع الذى قال عنه القديس بطرس الرسول "اصحوا واسهروا، لأن ابليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمساً من يبتلعه هو" (1 بط 5: 8). وقال القديس بولس الرسول عن المحاربات الروحية "فإن محاربتنا ليست من لحم ودم، بل مع الرؤساء مع السلاطين.. مع اجناد الشر الروحية فى السماويات.." (اف 6: 12). ولذلك فإنه يقول أيضاً "من يظن أنه قائم فلينظر لئلا يسقط" (1 كو 10: 12). بل إنه قال عن نفسه، ليحذرنا:

"اقمع جسدى واستعبده، حتى بعد ما كرزت للآخرين، لا أصير أنا نفسى مرفوضاً" (1 كو 9: 27).

نعم، ما اخطر هذه العبارة، يقولها رسول عظيم قد صعد إلى السماء الثالثة، وتعب أكثر من جميع الرسل. لذلك على الإنسان الروحى أن يبذل كل جهده، ويبعد عن كل أسباب الخطية ومصادرها خوفاً من أن يسقط!!

يفعل هذا، حتى إن كان قد سار شوطاً فى الحياة بالروح، لعله يحدث له كما حدث لأهل غلاطية الذين وبخهم الرسول قائلاً:

"أبعدما ابتدأتم بالروح، تكملون الآن بالجسد؟!" (غل 3: 3).

ليس المهم إذن كيف بدأنا؟ أو كيف نحن الآن؟ وإنما ماذا سنكون، وكيف ستكون نهاية سيرتنا..

هذا هو أول خوف يرتبط بالخطية وهو خوف السقوط. ويستغله الروحيون لفائدتهم، مستمعين إلى قول المرتل فى المزمور "طوبى للإنسان الذى لم يسلك فى مشورة الأشرار، وفى طريق الخطاة لم يقف، وفى مجلس المستهزئين لم يجلس.." (مز1).

فإن أخطأ الإنسان يقع فى خوف آخر، هو خوف الانكشاف.

يخاف أن يعرف الناس خطيئته، وأن ينكشف، فيقع فى الفضيحة والعار، ويتعرض لألسنة الناس التى لا ترحم، وتصبح سمعته مضغة فى أفواههم..!

لذلك يقول علماء النفس أن المجرم كثيراً ما يحوم حول مكان جريمته، خائفاً من أن يكون قد ترك هناك أثراً يدل عليه.. وهذا العامل النفسانى يستغله المحققون. فإن أشاروا إلى شئ من آثار الجريمة، قد يضطرب المجرم أو ينهار.

ومن أجل خوف الإنكشاف نلاحظ ملاحظة هامة وهى:

إن الخطية كثيراً ما تعمل فى الظلام وفى الخفاء.

وهكذا قيل عن الخطاة أنهم "احبوا الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة" (يو 3: 19) "لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور، لئلا توبخ أعماله. وأما من يعمل الحق، فيقبل إلى النور، لكى تظهر اعماله أنها بالله معمولة" (يو 3: 21، 20).

ولهذا فإن الأبرار يلقبون بأبناء النور، والأشرار بأبناء الظلمة، لأنهم يدبرون خطاياهم فى الخفاء.

لذلك يخافون من اليوم الأخير الذى تنكشف فيه الأعمال، وتفتح الأسفار، وتفحص الأفكار والنيات.

أين يهربون فى ذلك اليوم؟ وأين يختفون؟!

إن كانت خطاياهم لا تنكشف على الأرض، بأسباب وطرق شتى، فلابد أنها ستنكشف أمام الديان العادل وأمام الكل فى يوم الحساب... يخافون من أن الذى يقال فى المخادع، يُنادى به فوق السطوح. ويخافون من تلك العبارة الرهيبة التى قالها الرب:

ليس مكتوم لن يُستعلن، ولا خفىّ لن يعرف (مت 10: 26).

أين يخفون وجوهم إذن؟ حين لا تكون هناك أسرار ولا خفايا، بل الكل معلن والكل معروف..

بل هناك أمر آخر يخاف منه الإنسان الروحى، وهو أن خطاياه قد تكون مكشوفة أمام أرواح الذين انتقلوا من هذا العالم، سواء أحبائه الذين كانوا يثقون به فيندهشون! أو أمام الذين كانوا ينتقدونه فيرون أنهم كانوا على حق..!

لعل إنسان يسأل: وماذا ترانى أفعل إذن؟

اقول لك إن التوبة تمحو خطاياك، وكأنك لم تفعلها. وتغسلك فتبيض أكثر من الثلج.. ولا تعود لك خطايا تخاف من أن تنكشف.. فإن كنت تخاف الإنكشاف، تب. وحينئذ يفرح بك ملائكة الله وأرواح القديسين. لأنه يكون فرح فى السماء بخاطئ واحد يتوب (لو 15: 7).

نوع أخر من الخوف يرتبط بالخطية، وهو خوف العقوبة، أو الخوف من نتائج الخطية..

ابونا آدم لما أخطأ، خاف واختبأ خلف الشجر. تحولت علاقته مع الله من حب إلى خوف. وقايين القاتل، وقع ليس فى الخوف فقط بل فى الرعب. وهكذا قال لله "ذنبى أعظم من أن يُحتمل. إنك طردتنى اليوم عن وجه الأرض، ومن وجهك اختفى. وأكون تائهاً وهارباً فى الأرض" (تك 4: 14، 13). وداود النبى أيضاً لما أخطأ خاف. وقال "يا رب لا تبكتنى بغضبك، ولا تؤدبنى بسخطك. إرحمنى يا رب فإنى ضعيف. اشفنى فإن عظامى قد اضطربت" (مز6).

والخاطئ يخاف من عقوبتين: أرضية وسماوية:

أما العقوبة السماوية، فهى رهيبة وأبدية. وأرجو أن أتحدث عنها بالتفصيل فيما بعد.

وأما العقوبة الأرضية فهى كذلك على أنواع: إما عقوبة من المجتمع: فضيحة واحتقار، أو نبذ هذا الإنسان من المجتمع، أو عدم الثقة به فى المستقبل... أو عقوبة من القانون مثل السجن، أو ما هو أشد.. أو عقوبة يوقعها الله عليه من مرض أو عاهة أو اللعنات التى وردت فى (تث28)، أو عقوبة تصيبه فى أولاده واحفاده.

هناك خوف روحى أيضاً يتابع الخاطئ، أو يخافه الإنسان المحترس من السقوط.

إنه يخاف من غضب الله عليه، أو رفض الله له، مثلما رفض شاول الملك من قبل (1 صم16).

يخاف أن يحزن الروح أو يطفئ الروح، بل يخاف أن يفارقه روح الله (1 صم 16: 14) أو أن تتخلى عنه النعمة، ويسلمه الله إلى ذهن مرفوض، أو يسلمه إلى شهوات قلبه (رو 1: 24، 28). يخاف أن يفقد صورته الإلهية التى خلقه الله بها فى البدء. ويخاف لئلا يأخذ أحد إكليله وتتزحزح منارته من مكانها (رؤ 2: 5).

يخاف أن يأخذ العدو سلطاناً عليه، ويأتى وقت عليه يفقد فيه إرادته، ويفقد حرية أولاد الله. والشر الذى ليس يريده، اياه يفعل (رو 7: 19).

وهكذا يخاف أيضاً أن يتطور إلى أسفل وإلى أسوأ.

يخاف من قول الرب له: أنا عارف أعمالك، أن لك إسماً أنك حى وأنت ميت (رؤ 3: 1).

يخاف أن يأتيه الموت فجأة، وهو فى حالة غفلة، وغير مستعد لملاقاة الله...

أحد القديسين قال إنى اخاف من ثلاثة أمور:

اخاف من لحظة مفارقة روحى لجسدى. وأخاف من ساعة الوقوف أمام الديان العادل، كذلك أخاف من لحظة صدور الحكم علىّ...

فإن كان القديسون يخافون مع ارتفاعهم العجيب فى حياة الفضيلة، فماذا نقول نحن عن أنفسنا؟!

الذى يخاف الله لا يخطئ. والذى يخطئ هو إنسان لا يخاف الله.

الذى يخاف الله لا يظلم، لأنه يخاف الله الذى يحكم للمظلومين.

والذى يخاف الله لا يتدنس، لأنه يعرف أن الله قدوس.

والذى يخاف الله لا يعمل الشر حتى فى الخفاء، لأنه يعرف أن الله يرى كل شئ، ويسمع كل شئ، ويفحص حتى أعماق القلوب.

ولعل البعض يسأل: ما رأيك إذن فيمن يفعل الشر ولا يخاف؟

نقول إنه وصل إلى حالة الاستهتار أو اللامبالاة. أو أن ضميره مريض أو متعطل عن العمل. أو أن دوامه العالم تجرفه ولا تعطيه فرصة لمراجعة نفسه ولا للتفكير فى أعماله. فهو فى غيبوبة روحية: إن استيقظ منها لابد سيخاف. وبعض من مثل هؤلاء الناس، نراهم فى ساعة الموت، أو إذا اقتربوا من الموت، لابد أن الخوف يرعبهم. لأنهم لم يعملوا لأجل تلك الساعة ولم يستعدوا لها... ويشعرون أنهم أضاعوا حياتهم.

تقول: أريد أن أحيا حياة الحب وليس الخوف.

أقول لك: إذن لا تخطئ، فالخطية مرتبطة بالخوف.

يقيناً أن الشخص الذى يخطئ، كان فى وقت خطيئته لا يخاف الله. أو يقول المزمور عن أمثال هذا الإنسان "لم يسبقوا أن يجعلوا الله أمامهم". لو كنتم بلا خطية، لا تخافوا.

ولو أخطأتم وعدتم فأصطلحتم مع الله، وندمتم ووبختم أنفسكم وعاقبتموها، وعشتم فى حياة التوبة، حينئذ سوف لا تخافون...

أما ونحن خطاة، فقد وهبنا الله المخافة لكى نصلح مسارنا.

استمع إلى قول الرسول "فلنخف أنه مع بقاء وعد الدخول إلى راحته، يرى أحد منكم أنه قد خاب منه" (عب 4: 1).

وإن كنت تريد ألا تخاف فى ذلك اليوم، فلتخف الآن. والخوف يمنعك من الخطية، ويمنع عنك الخوف فى اليوم الأخير.



أضف تعليق

الباب الثالث: فوائد مَخافة الله

الباب الأول: لَماذا نتحدث عَن مخَافة الله

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات