الـــقيامَـــةهـــــــَى البَاب الموصل إلى السَّمَــاء

الـــقيامَـــةهـــــــَى البَاب الموصل إلى السَّمَــاء

حينما يموت الإنسان، تنفصل روحه عن جسده. ولكن الروح تظل تنتظر الجسد إلى يوم القيامة، فتتحد به، ويدخلان معاً إلى السماء. إذن السماء هى أملنا وهدفنا ومصيرنا الأبدى.

وقد وجه الله أبصارنا إلى السماء من أول آية فى الكتاب المقدس، إذ تقول "فى البدء خلق الله السموات والأرض" (تك1: 1). والمقصود بالبدء هنا، بدء قصة الخليقة. ونلاحظ أنه ذكر السموات قبل الأرض لسموها وعلوها وقداستها.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

وتحدث عن السموات بصيغة الجمع، لأنه توجد أكثر من سماء:

سماء الطيور: وهى المجال الجوى الذى تسبح فيه الطائرات والطيور والكتاب يقول عن الطيور "طيور السماء" (مت6: 26).

سماء الفلك: التى توجد فيها الشمس والنجوم والكواكب، وقد وضع لها الله قوانين دقيقة تحكمها. وعنها قيل فى المزمور "السموات تحدث بمجد الله. والفلك يخبر بعمل يديه" (مز19: 1).

سماء الأرواح والملائكة: وقد أشار إليها القديس بولس الرسول وسماَها الفردوس أو السماء الثالثة.

وهناك ما هو أعلى وأسمى من هذا كله. وهو ما سمَاه الكتاب "سماء السموات" (مز148: 4). وهى عرش الله. وعنها قال السيد المسيح فى العظة على الجبل "السماء كرسى الله.. والأرض موطئ قدميه" (مت 5: 34,35). وهنا نسأل:

+ + + + + + + + + + + + + + +.

مادام الله فى كل مكان، فما معنى أن السماء هى عرشه؟

معنى ذلك: أن السماء هى موضع مجده...

الله مطاع فى السماء طاعة مطلقة وسريعة من كل القوات السمائية ومن ملائكته "الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه" (مز103: 20). فى السماء مشيئة الله منفذة من الكل، بلا نقاش، بلا إبطاء، بل بكل طاعة وحب. ولذلك نقول للرب فى صلواتنا "لتكن مشيئتك. كما فى السماء. كذلك على الأرض" (مت6: 10).

على الأرض نجد أناساً ينكرون وجود الله، وآخرين يقاومونه ويعصون وصاياه ويدنسون الأرض بخطاياهم.. أما السماء فهى مكان مقدس، يليق بمجد الله، ويتم كل شئ فيه حسب مشئية الله الصالحة.

والله فى السماء مركز التسبيح من الأجناد السمائية.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

إن تأملنا فى السماء يرفع مستوى تفكيرنا، ويجعلنا نعيش فى جو روحى.

لأننا طالما ننشغل بالأرض، وتصبح هى مركز تفكيرنا واهتماماتنا، فإننا نعيش فى جو مادى، غرباء عن الله وعن الروحيات والسماويات. أما القديسون الذين ركزوا فكرهم فى الله وفى السماء وما فيها من ملائكة وأرواح الأبرار، فهؤلاء شعروا أنهم غرباء على الأرض، وموطنهم الأصلى هو السماء، يشتاقون إلى الرجوع إليه.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

ونحن، أترانا نفكر فى عرش الله ومجده، أم أننا ننشغل بالأرض والتراب والرماد والمادة.

ونظل هكذا للأسف الشديد، حتى يدركنا الموت، فندرك أننا قد ضيعنا العمر فى أمور عديدة لا نأخذها معنا فى أبديتنا.

وفى مناسبة الحديث عن السماء وعرش الله، أتذكر إننى قلت فى إحدى قصائدى لله تبارك إسمه:

ما بعيد أنت عن روحى التى فى سكون الصمت تستوحى نداك.

فى سماء أنت حقاً، إنـما كـل قلب عـاش فى الحب سماك.

عرشك الأقدس قلب قد خلا من هوى الدنيا فلا يحوى سواك.

هى ذى العين وقد أغمضتها عـن رؤى الأشياء علَى أن أراك.

وكذا الأذن لقد أخـليتـها من حديث الناس حتى أسمعك..

+ + + + + + + + + + + + + + +.

فى مرة من المرات يا اخوتى، التقى بأحد القديسين واحد من الملحدين. وسأله الملحد "أين يوجد الله؟" فوضع القديس يده على قلبه، وقال "يوجد هنا".. نعم، يوجد الله فى كل قلب يحبه، لأنه الله موجود فى كل مكان، لا تحده سماء ولا أرض...

+ + + + + + + + + + + + + + +.

ولكن الله يريدنا أن تتعلق قلوبنا وأفكارنا بالسماء، لكى نسمو.

وهكذا دعانا أن نصلى ونقول: "أبانا الذى فى السموات" لكى نتذكر السموات ايضاً فى صلواتنا، بينما الله موجود فى كل مكان. ولكننا نذكره بالأكثر فى سمائه، حيث هو ممجد ومسبح. كما نذكره فى سمائه التى سينقلنا إليها، لنكون معه فى كل حين، فى حياة قدسيه طاهرة..

+ + + + + + + + + + + + + + +.

وهكذا فنحن دائماً حينما نصلى، نرفع أنظارنا إلى فوق، إلى السماء.

وفى ذلك نتذكر أن أسرة كبيرة هناك، من الملائكة ومن أرواح القديسين الذين سبقونا إلى السماء، بعد أن أنتصروا فى جهادهم على الأرض ضد الخطايا والشهوات. واصبحوا من "أهل بيت الله" (أف2: 19).

ونجد أن الإنجيل المقدس يحدثنا كثيراً عن "ملكوت السموات"، أى مملكة الله التى فى السموات، من كل الذين أحبوه وأطاعوه، وجعلوا قلوبهم هياكل مقدسة له.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

إن السماء لا يدخلها إلا الطاهرون.

أما الخطاة، فيبقون فى الظلمة الخارجية (مت25: 30). يكفى أنهم نجسوا الأرض بخطاياهم. فلم يعودوا مستحقين للوجود مع الأطهار فى السماء.

لذلك حينما نذكر السماء: إنما نضع فى أذهاننا كيف نستعد له. وكيف نسلك بالروح، ونتعلق بالأمور الروحية التى تقربنا إلى الله، ونجد لذة فى الصلاة وفى التأمل وفى الحديث عن الإلهيات، وفى محبة الله وكل ما يوصلنا إليه.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

وهكذا ندخل فى مذاقه الملكوت ونحن على الأرض.

نذوق شيئاً – مهما كان ضئيلاً – من الجو الروحى الموجود فى السماء، ونتمتع بالعشرة الإلهية خلال حياتنا الأرضية، ونذوق محبة الله، ونجد عمقاً فى كلامه الإلهى يغذى أرواحنا. ونحيا تلك العبارة التى قالها الكتاب وهى "غير ناظرين إلى الأشياء التى تُرى، بل إلى التى لا تُرى، لأن الأشياء التى تُرى وقتية. أما التى لا تُرى فأبدية" (2كو4: 18).

+ + + + + + + + + + + + + + +.

نتدرب أيضاً كيف نغذى أرواحنا بمحبة الله.

ونغذيها أيضاً بكلمة الله، لأنه "ليس بالخبر وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (مت4: 4). ونغذيها بالحديث مع الله فى الصلاة بعمق وحب، وبفهم وروحانية. كما كان القديسون يصلون، فتسبح أرواحهم فى كلمات الصلاة ويجدون فيها أعماقاً للتأمل. حتى أنهم من حلاوة كلام الصلاة فى أفواهم، ما كانوا يستطيعون بسهولة أن ينتقلوا من كلمة إلى أخرى...

+ + + + + + + + + + + + + + +.

إن لم ندرب الروح على كل هذا، ماذا يكون مصيرها حينما تنتقل إلى السماء؟ كيف تحيا هناك وكيف تسلك؟!

نعم، إن كانت الروح مرتبطة بالجسد كل الارتباط، وكل متعتها فى شهواته. فعندما تفارق الجسد، كيف تحصل على متعتها بعيداً عنه إلى يوم القيامة؟ وماذا يكون عملها؟ إنه سؤال يحتاج إلى جواب..! والجواب الذى أعرفه، هو أنه يجب أن نتدرب ونحن هنا على متعة الروح. أى متعتها وهى قائمة بذاتها، وليس من خلال الجسد...

ومتعة الروح تجدها بلا شك فى الروحيات، فى الله، فى التأمل فى الإلهيات، فى الغذاء الروحى كما قال الكتاب "اعملوا لا للطعام البائد، بل للطعام الباقى للحياة الأبدية" (يو6: 27). هل فكرتم يا أخوتى فى طعام الروح وكيف يكون ومما يتكون؟.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

على قدر محبة الروح لله هنا، تكون متعتها به فى السماء.

ففى السماء لا يكون الجميع فى درجة واحدة، ولا على مستوى واحد فى المتعة الروحية. بل كما يقول الكتاب "لأن نجماً يفوق نجماً فى المجد" (1كو15: 41). كل سكان السماء يتمتعون بالنعيم الأبدى. ولكن كل واحد منهم تكون له درجته الخاصة. مثل قوارير مختلفة الأحجام، وكلها ممتلئة لا تشعر واحدة منها بنقص. ولكن الكمية التى فى واحدة، غير التى فى الأخرى. فى هذه أكثر من تلك بكثير. ولكن الكل ممتلئ.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

يذكرنى هذا برسالة أرسلها أحدهم إلى شيخ روحانى.

يستأذنه فيها بلقاء معه قبل أن تدركه الوفاة، إذ كان ذلك الشيخ كهلاً وفى أيامه الأخيرة. فقال له فى رسالته "هنا يا أبى يمكننى أن أراك، قبل أن تغادر عالمنا، وتكون درجة عالية فى السماء ليس بإمكانى الإقتراب منها.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

ومع ذلك فإحدى المتع فى السماء أن نتعرف على القديسين هناك. ولكن هل نتعرف فقط على أشخاصهم، أم على أعمالهم أيضاً؟

هل سنتعرف على كل ما عملوه من خير فى الخفاء، زاهدين فى مديح الناس؟ وهل سنتعرف على كل الأنبياء والرسل بكل تفاصيل سير حياتهم التى لم يذكر التاريخ عنها شيئاً. وكذلك ما فى السماء من الشهداء والرعاة وأبطال التاريخ والنساك والعباد وكل الذين عاشوا حياة مثالية من كل الشعوب...

ولا شك أن معرفة كل هؤلاء متعة روحية فى حد ذاتها، تضاف إليها متعة التعرف على الملائكة بكل درجاتهم.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

ولكن كيف سنتعرف على الملائكة وطبيعتنا غير طبيعتهم؟

إنهم جميعاً أرواح قدسية (مز104: 4). ونحن لا نراهم بحواسنا الجسدية. فكيف سنراهم إذن فى الأبدية؟ هل ستقترب طبيعتنا من طبيعتهم، ونكون "كملائكة الله فى السماء" (مت22: 30). نعم، هذا سيحدث لنا حينما تتجلى طبيعتنا البشرية فى السماء وتكون لنا أجساد روحانية، أسمى من المستوى امادى الذى نعيشه الآن.. أجساد تليق بالسماء وسموها وقدسيتها...

+ + + + + + + + + + + + + + +.

فى السماء، سوف يمنح لنا الله أكليل البر، الذى وعدنا الكتاب به (2تى4: 6 - 8).

نتكلل بالبر حينما ينزع الله من قلوبنا ومن أفكارنا ومن ذاكرتنا كل ما يتعلق بالخطيئة وشهواتها. مجرد معرفتها تزول من أذهاننا، وكذلك كل ذكرياتها وأخبارها. ولا يبقى فى ذاكرتنا سوى البرَ فقط.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

ولسنا نعود فقط إلى بساطة وبراءة الإنسان الأول، بل إلى ما هو أسمى من ذلك بكثير.

حقاً كان أبوانا آدم وحواء حينما خلقهما الله فى حالة بر عجيبة، فى بساطة وبراءة، وكانا عريانين ولا يخجلان (تك2: 25)، إذ لم يكن فى ذهنهما أية معرفة عن الخطية ولا الشهوة.. ولكنهما مع ذلك كله كانت لهما حرية أرادة يمكن بها أن يسقطا، وقد كان...

+ + + + + + + + + + + + + + +.

ولكن أكليل البر فى السماء سيشمل الإرادة كما يشمل المعرفة.

فلا يصبح بإمكاننا أن نخطئ فيما بعد. بل نكون كالملائكة الذين تكللوا فبلنا بالبر، وما عاد ممكناً أن يخطئوا، فالخطية لا تناسب السماء مطلقاً والحياة فيها... ما أجمل هذا وما أروعه، أن تنتهى الخطية إلى الأبد. ليس فقط ينتهى ارتكابها، بل تنتهى معرفتها أيضاً...

هذه هى الحياة فى السماء. وأود أن أقدم لكم تدريباً روحياً.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

فلنتدرب أن تكون لنا أفكار سماوية خالصة، ولو يوماً واحداً.

بحيث أن كل فكر أرضى أو مادى يزحف إلى أذهاننا، نطرحه جانباً، ونتخلص منه، ونحيا خلال هذا اليوم مفكرين فى السماويات: فى الله وملائكته وسمائه وفردوسه ووصاياه، وفى الحياة الأبدية..

حينئذ نعيش فى هذا اليوم وكأننا فى السماء، على الرغم من أننا على الأرض.. تكون السماء بمعناها الروحى قد هبطت إلينا...

ما دمنا لسنا الآن فى وقت الذهاب إلى السماء فعلى الأقل ليتنا نرسل إليها أفكارنا وتأملاتنا.. ولو بعض أفكارنا، ولو إلى يوم..

+ + + + + + + + + + + + + + +.

تدريب آخر: هو أن نكنز لنا كنوزاً فى السماء.

كما قال السيد المسيح له المجد "لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض، بل أكنزوا لكم كنوزاً فى السماء" (مت 6: 19,20)... عالمين أن كل شئ مادى نقدمه، سيتحول إلى شئ روحى فى السماء. وسيعوضنا الله عن الفانيات بالباقيات، وعن الأرضيات بالسماويات...

فما الذى أرسلناه إلى السماء، لكى يسبقنا إلى هناك؟... ما هو رصيد كل منا فى حساب السماء؟

+ + + + + + + + + + + + + + +.

فوق كل كما قلناه، وأعلى وأسمى من كل ما قلناه، هناك الله فى السماء.

الله – تبارك أسمه – الذى سنعود إليه بعد غربة طويلة على الأرض. كيف سنلقاه وبأى وجه؟ وهل أعددنا قلوبنا لهذا اللقاء؟ وإن كنا قد أخطأنا، فهل اصطلحنا مع الله؟ وكيف ستكون علاقتنا به فى الأبدية؟ هل سننسى كل شئ ونذكره؟ أترى سيكون الله هو متعتنا الوحيدة فى السماء؟ وكيف سنعرفه؟ وكيف سيكشف لنا عن ذاته ما تحتمل طبيعتنا البشرية أن تعرفه؟

+ + + + + + + + + + + + + + +.

هنا ويصمت قلمى، لأن الموضوع أكبر من اللغة ومن الألفاظ، وأقوى من العقل ومن الفكر.

أترى هذا الذى لا أعرف، وأتكلم أخيراً عما أعرف.

فأرجو لكم جميعاً حياة سعيدة وموفقة، وليحفظ الله كل الشعوب التى خلقها، والتى يرعاها بعنايته.

وكل عام وجميعكم بخير.



أضف تعليق

القيامَــة وَ أعمَاقها الرّوحيّة

لمــاذا يهتمُ اللّه بالأجساد وَيمنحُهَا القيامَةمِن المـــوت ؟

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات