خاتمة رسالة الإنجيل – رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي – معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

هذا الفصل هو جزء من كتاب: رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي – معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل.

إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

خاتمة رسالة الإنجيل

بعد مرورنا على تفاصيل اختباراتنا مع أسفار الإنجيل دعنا ننتهى الآن إلى ملخص بسيط لمحتويات ورسالة الكتاب المقدس.

وفقاً للتقاليد المقدسة للكنيسة فإن الإنجيل هو كتاب الخلاص. وعن طريق أسفار الناموس وأسفار التاريخ وأسفار الحكمة والأنبياء، وخلال العهد الجديد الذى هو اعلان الاخبار السارة للخلاص فى يسوع المسيح (البشائر الأربعة)، وسجل الجماعة المسيحية الأولى (سفر أعمال الرسل)، والرسائل وما سجله القديس يوحنا عن اعلان ما يخص الأيام الأخيرة، فإنه قد تم اعلاننا بالتاريخ الكامل للخلاص وخطة الله لفداء الجنس البشرى والعالم من قوى الشر لمجد الإنسان الكامل ومجد العالم فى ملكوت السموات.

وفى الأصحاحات الأولى من سفر التكوين رأينا خطة الله الرئيسية للجنس البشرى. ويخبرنا الكتاب المقدس بأن الرجل والمرأة قد خلقا على صورة الله ومثاله، وان الله قد أعطاهما سلطاناً على الأرض وكل ما عليها. وصورة الله هى قدرة الإنسان التامة فى الاتحاد مع الله، ومثال الله هو واقع هذه القدرة (فى الاتحاد مع الله) فالإنسان خلق لكى ينمو فى ذلك الاتحاد مع الله وان يقف على رأس الخليقة وأن يحوى فى نفسه اتحاد كل العالم مع الله الخالق. والأصحاحات الأولى من سفر التكوين تحكى لنا أيضاً أنه عوضاً عن قبول نعمة الله بحرية الاتحاد معه اختار الإنسان أن يتبع إرادته الخاصة فى عناد ومعارضة ورفض حب الله ومشيئته. وهذا هو سقوط الجنس البشرى المرموز له بآدم وحواء اللذين أخذا من الشجرة الممنوعة كما هومبين فى الأصحاح الثالث من سفر التكوين، وعندئذ فشل الإنسان فى إدراك فاعلية كونه على مثال الله بسبب تغربه عن الحياة فى حضرة الله. وأصبح احتياج الإنسان للاشتراك فى الطبيعة الإلهية يواجه الفشل والتصدع. ونتيجة لسقوط الإنسان أصبح تحت سلطان الشر وأصبحت ثمرة السقوط هو العمى الروحى والفساد والخطية.

ومجمل تاريخ شعب بنى إسرائيل فى العهد القديم يتلخص فى سقوط جنس البشر وعبودية بنى إسرائيل فى مصر (الاصحاحات الأخيرة من التكوين)، والتيهان فى البرية (سفر الخروج)، والجهاد والاستيلاء على أرض الموعد (يشوع)، واستمرار الجهاد (القضاة) والصعاب التى واجهت المملكتين مع سقوطها والسبى والنفى (صموئيل وملوك والأخبار)، وحالة السقوط واليأس التى وصل إليها الإنسان فى العالم المسيطر عليه الخطية والشر.

وشعب بنى إسرائيل فى العهد القديم – مثل أنفسنا ومثل بقية البشر فى كل مكان – تركوا محبتهم وطاعتهم لله. ونحن أسلمنا إرادتنا لتجارب العالم والجسد والشيطان وكرّسنا أنفسنا لمحبة الذات أكثر من محبة الله. وهكذا انفصل الجنس البشرى عن الحضور والحياة فى الله. وفى ترك محبة الله الوفيرة ومشيئته فإن الجنس البشرى أصبح خاضعاً بالتمام لسلطان الشر والموت والخطية. وحتى بعد السقوط فإن الله لم يترك خليقته تماماً بدون نعمة وبدون وعد بالخلاص.

وفى سفر التكوين بالرغم من طرد الإنسان من جنة عدن فإن الله أعلن رعايته المملوءة بالمحبة فصنع اردية ليلبسها آدم وحواء. ويسجل سفر التكوين أيضاً وعدين صنعهما الله مع الإنسان، الأول هو عهد نوح حيث تعهد الله بألاَّ ينزع الحياة من العالم أياً كان انتشار الخطية. ثم الوعد مع إبراهيم حيث أختار الله شعباً معيناً ليأتى منه المسيا الذى سيكون خلاصاً للعالم كله. وفى تجديد هذا العهد مع موسى فإن الله أعطى ناموساً لشعبه ليكشف لهم الطريق الذى يجب أن يسلكوه حتى يرجعوا إلى تبعية حب الله. وأكثر من هذا فإن الله أوصى البعض من الذين كتبوا العهد القديم ليكشفوا الحكمة للشعب لكى يعلموهم كيف يمجدون إسمه (مثل المزامير)، ولكى يعطيهم الممارسة العملية ليكملوا ناموسه (مثل سفر الأمثال)، ولكى يقودهم لفهم بؤس وظلم العالم الساقط (مثل سفر أيوب وسفر الجامعة)، وأخيراً أرسل الله أنبياءه لكى يتحدثوا بنور الحق فى ظلمة العالم الساقط ولكى يكشفوا الوعد العظيم للخلاص المستقبل من قوى هذا العالم.

كل هذه العلامات التى تبرهن لنا رعاية الله لشعبه هى اعلان لقداسة الله. وبالخضوع له فإن الله يطلب منا قداستنا أيضاً التى هى كمال محبتنا لله وتمام طاعتنا للناموس. وهذه القداسة هى متطلبات دخول الإنسان إلى كمال الحضور الإلهى. ولكن شهادة الإنجيل ان الإنسان لا يستطيع أن يفعل شيئاً خلال مجهوده الخاص ليرجع إلى حب الله وتبعيته. ولا يهم عدد المرات التى خلص فيها الله شعبه المختار من الأعداء ولا يهم عدد المرات التى كشف الله فيها حقه وحبه وقداسته لهم. ولا يهم كل حكيماً أو نبياً أوحى إليهم ليقودهم للحق الذى تركوه. لأن الإنسان استمر فى السقوط وصار فريسة لتجربة الشر ورفض الله والسجود للأوثان المصنوعة من الطين أو الخشب وسقوط الإنسان فى محبة الذات والكبرياء والمسرات الذاتية.

والرسالة واضحة هى أن الإنسان أصبح تحت حالة السقوط والفقدان التام وأصبح فى احتياج للخلاص. والإنسان الساقط أصبح محاجاص إلى مخلص وصار م الضرورى أن يخلص عن طريق الله نفسه.

وكل الاعلانات السابقة عن قداسة الله قد أكملت فى يسوع الناصرى فهو الإنسان الوحيد الذى أكمل الناموس. وهو نفسه الحكمة الأبدية لله وهو مانح الوحى للأنبياء وهو موضوع نبؤاتهم. وهو نور كل العالم. وهو المسيا الموعود به لشعب إسرائيل المختار.

والعهد الجديد هو كتاب الوعد الجديد بين الله والإنسان الذى يبدأ بالأناجيل الأربعة وكلمة إنجيل تعنى الأخبار السارة. وهذه الأخبار السارة هى أن الله الابن (اللوغوس) أصبح إنساناً لكى يرجع الجنس البشرى إلى الشركة مع الثالوث المقدس. والأناجيل تشهد كيف أن الله نفسه فى تجسد الابن أخذ على عاتقه كل آلامنا وأوجاعنا وفى حب كامل للخليقة الساقطة أوفى ثمن كل خطايانا رغم أنه هو نفسه بلا خطية وبارادته قبل الموت على الصليب لكى يفدينا من خطايانا وعندئذ حطم الخطية وكل نتائجها خلال قيامته المجيدة فى اليوم الثالث. والآن أصبح الإنسان يستطيع أن يتحرر من قوى الظلام والشر وأن يتخلص من ناموس الخطية والموت والجهل الروحى والفساد والخطية وذلك عن طريق التجسد والحياة والموت والقيامة والصعود والمجئ الثانى لابن الله.

وفى حديث المسيح الوداعى الأخير فى بشارة يوحنا وعد المسيح أن يرسل الروح القدس لتلاميذه وهذا الروح القدس هو الذى سيقودهم إلى كل الحق. وفى الأصحاحات الأولى من سفر أعمال الرسل نحن نرى كمال هذا الوعد حين نزل الروح القدس على الجماعة المسيحية الأولى فى يوم الخمسين على شكل ألسنة نارية. وعن طريق موهبة الروح القدس التى تأتى على كل الذين هم فى المسيح يمكننا أن نتقدس وعندئذ نستطيع أن ننمو سلوكياً وروحياً لنصل إلى صورة الله. وخلال عمل النمو هذا وعمل الروح القدس فإن الإنسان يستطيع أن يتصالح مع الله (الآب). وعن طريق هذا التصالح فإن الإنسان يأخذ مكانته كابن لله ويصير شريكاً فى كمال الحياة الإلهية. وخلال الإيمان فى المسيح وخلال خدمة الروح القدس فإن الرجال والنساء يستطيعون أن يتصالحوا مع الله وأن يخلصوا من الدينونة الأبدية حين يأتى يسوع إلى العالم فى نهاية الأيام لكى يدين كل من الأحياء والأموات.

إن الله الآب قدم لنا الخلاص عن طريق خدمة الابن وكرازة الروح القدس. ومع أن هذا الخلاص مقدم لنا مجاناً إلاَّ أنه يجب علينا أن نقبله بارادتنا حتى يعمل فينا الفداء والمجد. وشهادة الرسل للكنيسة الأولى فى سفر أعمال الرسل ورسائل العهد الجديد هو أنه يجب أن نعمل عمل الخلاص وأن نخضع بحرية إرادتنا لحب الله ونعمته المعلنين لنا فى قصده الفدائى.

ولكى نخلص يجب أن نعترف أولاً بخطيتنا وبُعدنا عن الله وأن ندرك عدم قدرتنا على جعل أنفسنا أبرياء قدام الله بمجهودنا الخاص. وبسبب هذا السقوط فإن كل قدرة الإنسان ومحاولاته للخلاص الذاى قد باءت بالفشل والحزن. ولذلك أصبح الإنسان أن يتقبل بالإيمان ما فعله الله معنا فى المسيح. ويجب على الإنسان بمعونة الروح القدس أن يخضع للمسيح كرب وسيد لحياته. وعلى هذه الأسس فقط نستطيع أن نصير شركاء مع الله ونرجع إلى حالة البنوة الإلهية.

إن خلاص الله يأتى لأولئك الذين يختارون بإرادتهم الإيمان والمعرفة ليسوع المسيح كمخلص، وخلال التوبة المستمرة وطاعة مشيئة الله يخضعون ليسوع كسيد. ولكن لكى نطيع المسيح ونخضع لمشيئته يجب أن نصير جزءاً من جسده.

إن باب الملكوت قد فتح عن طريق يسوع المسيح خلال تجسده فى حياته وفدائه وخدمته التصالحية مع الله. ولكن لكى ندخل ذلك الباب يجب أن نقبل موهبة المسيح، موهبة الروح القدس الذى حل أولاً على الكنيسة التى هى جسد الجماعة المسيحية الأولى، والآن يمنح الروح القدس خلال حياة الكنيسة. وعن طريق أسرار الكنيسة التى هى جسد المسيح السرى فان المسيحيين بولدون من جديد ويهذبون ويمجدون بقوة حلول ودخول الروح القدس فيهم.

إن خلاص الله يأتى إلينا خلال وساطة جسد المسيح الذى هو الكنيسة. ولهذا فان الكنيسة هى أسرار الله الخلاصية للعالم. والأسرار هى الوسائل المنظورة للنعمة التى عن طريقها يرتفع الإنسان للعمل الإلهى وإلى حياة الثالوث المقدس. واستمرارية حياة الكنيسة خلال الأجيال مؤكدة عن طريق التقاليد المقدسة. وهذه التقاليد هى التى حفظت فى الذاكرة كلمات المسيح وأفعاله فى قالب شفهى. وأكدت التقاليد تناسق محتويات كل ما أعلنه المسيح. ثم بعد ذلك نقل إلينا التقليد العهد الجديد (بعد كتابته) من جيل إلى جيل لأجل تقديسنا وتهذيبنا نحن المؤمنين خلال كل الأجيال.

ولهذا فلا يوجد أى تعارض بين التقليد والكتاب المقدس. لأن العهد الجديد هو أولاً معيار لتقاليد الكنيسة وكل من يريد أن يكون أميناً لهذا التقليد يجب أن يرجع أولاً للإنجيل ليقرأه ويدرسه ويخبئ كلماته فى قلبه ويردد هذه الكلمات المقدسة مع اخوته واخواته فى الكنيسة وفى القداس وفى كل شتى مجالات الحياة.

وباختصار فان خلاصنا هو نتيجة اتحادنا مع المسيح بالإيمان. وخلال الإيمان يستطيع الإنسان أن يدخل إلى الحياة مع المسيح التى هى حياة الله التى نحياها خلال نعمة الروح القدس فى كمال جسد الكنيسة. وخلال نعمة الروح القدس فإن الإنسان يأخذ قوة لكى ينمو سلوكياً وروحياً إلى كمال صورة المسيح فى الخلاص فان كل واحد منا يستطيع أن يتخلص من عبودية الشر والخطية. وخلال حياة الكنيسة فإننا نستطيع أن ندخل فى شركة مع الله الآب خلال الله الابن فى الله الروح القدس. وعن طريق العمل الإلهى المعلن فى الكتاب المقدس المودع بالكنيسة والذى وصل إلى كل الأجيال فى تقاليدها المقدسة حيث يستطيع كل إنسان أن يكون شريكاً فى الطبيعة وأن يشترك فى مجد وعمل وحياة الثالوث المقدس وير أيقونة حية لله.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الفصل التاسع رؤيا يوحنا عن ملكوت السموات - رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي - معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات