اَلأَصْحَاحُ السَّادِسُ عَشَرَ – سفر أخبار الأيام الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 13- تفسير سفر أخبار الأيام الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

اَلأَصْحَاحُ السَّادِسُ عَشَرَ

طقس تثبيت التابوت والعبادة الدائمة.

إذ نُقِلَ تابوت الرب إلى مدينة داود في موكبٍٍ مقدسٍ مُفرِحٍ ومهوبٍ، أُقيم احتفال بمناسبة نقله وتثبيته أشبه بعيدٍ عظيمٍ.

يرى بعض الدارسين المحدثين أن هذا الاحتفال بإحضار تابوت العهد في وسط الخيمة التي نصبها له داود في أورشليم أشبه بتجليس الملك، والمزامير التي سُبِّح بها بهذه المناسبة أشبه بخطاب العرش. كانت هذه المناسبة مُفرِحة للملك والقادة والشعب مع الكهنة.

إذ وضع داود في قلبه أن يخدم الله، وجد أصدقاء يسندونه مثل حيرام ملك صور؛ وكان الله نفسه يقوده ويرشده، وفي نفس الوقت وُجِدَ أعداء يقاومونه.

مع كل نجاحٍ في الحياة الروحية يُثِير عدو الخير معركة مُقَدَّسة. فعندما انتصر يشوع بن نون في معركة أريحا (يش 3: 16)، حاربه العدو في معركة عاي خلال تصرُّف عاخان بن كرمي فانهزم (يش 7: 5)، وإذ كان نحميا يعمل، طلب من العاملين أن يعملوا باليد ويمسكوا السلاح (كلمة الله والصلاة) باليد الأخرى (نح 4: 17).

1. طقس تثبيت التابوت 1 - 6.

2. مزمور الحمد 7 - 36.

3. اللاويون وخدمة الرب الدائمة 37 - 38.

4. خدمة الكهنة 39 - 42.

5. ختام الاحتفال 44.

الأعداد 1-6

1. طقس تثبيت التابوت

يُقَدِّم لنا السفر طقس إدخال تابوت العهد في أورشليم وتثبيته في وسطها يحمل مفاهيم إنجيلية رائعة.

ا. تثبيته في وسط الخيمة [1]. إن كانت الخيمة تشير إلى كنيسة المسيح وشعب الله، فدخول التابوت يُشِير إلى نزول الكلمة متجسدًا ليُقِيم في وسط شعبه.

ب. تقريب مُحرَقات وذبائح سلامة أمام الله: جاء مسيحنا كذبيحة وفدية عن البشرية ليُصالِح العالم مع الآب.

ج. مباركة الشعب باسم الرب [2]: مع أن داود ليس كاهنًا، لكنه إذ هو رمز لابن داود الكاهن على طقس ملكي صادق بارك الشعب. تكرَّر الأمر عند تدشين الهيكل حيث بارك سليمان الشعب بكونه رمزًا للسيد المسيح ملك السلام.

د. تقديم رغيف خبز وكأس خمر وقرص زبيب للرجال والنساء، يُشِير إلى السيد المسيح مُشبِع الجموع وواهب الفرح والروحي (مز 132: 15 - 17).

هـ. قيام اللاويين بخدمة الشكر والتسبيح. اهتم سفرا أخبار الأيام بإبراز دور التسبيح لله، خاصة بواسطة اللاويين.

و. كان الكاهنان بنايا ويحزئيل يضربان بالأبواق بلا انقطاع أمام تابوت عهد الله [6]، إشارة إلى الإعلان بقوةٍ كما بالأبواق عن التعليم الصحيح والإنذار بكلمة الله.

وَأَدْخَلُوا تَابُوتَ الله،.

وَأَثْبَتُوهُ فِي وَسَطِ الْخَيْمَةِ الَّتِي نَصَبَهَا لَهُ دَاوُدُ،.

وَقَرَّبُوا مُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ سَلاَمَةٍ أَمَامَ الله. [1].

"أثبتوه في وسط الخيمة": لقد كان يومًا عظيمًا ومناسبة مُبهِجة عندما أُثبت تابوت الله بالسلامة في وسط الخيمة التي جهَّزها داود، هذا الرجل الصالح كان قلبه على التابوت، فلم يستطع أن ينام مطمئنًا إلاًّ بعد أن أوجد له مكانًا (مز 132: 4 - 5).

أ. صار التابوت في وضع أفضل مما كان عليه قَبْلاً، حينما كان التابوت موضوعًا في قرية صغيرة في وسط الحقول والغابات. والآن قد نُقِلَ إلى مكان عام في المدينة الملكية حتى يراه كل أحد. كان مُهمًلا كإناء منبوذٍ، والآن يُخدَم بتبجيل، ويُسأل الله به. كان في حُجْرَة في بيت خاص يستمتع به عدد قليل على سبيل المجاملة، والآن أصبح له مسكن خاص به، وليس رُكنًا منزويًا في بيت.

يليق بنا أن نلاحظ أن كلمة الله ومُقَدَّساته، إن حُجِبَت لوقتٍ ما، لكن أخيرًا سوف تُشرِق وتُبَدِّد الظلمة.

ب. ما تمَّ بنقل التابوت إلى مدينة داود أقل كثيرًا مما تحقق فيما بعد حيث بُنِي الهيكل. فالخيمة التي نصبها داود كانت موضعًا لا يُقارَن بالهيكل الذي بناه سليمان. مع ذلك فإن داود كان أفضل بكثير من سليمان ابنه الذي بنى الهيكل ولكن أعطاه ظهره في النهاية.

2. لما تثبت التابوت في مدينة داود تَمَتَّع الملك براحة البال، عَبَّر عن ذلك بالآتي:

أ. مجَّد داود الله بتقديم الذبائح والمُحرَقات [1]، اعترافًا بفضل الله.

ب. مجَّده بالتسبيح، فقد عَيَّن لاويين ليُسَجِّلوا هذه المناسبة في تسابيح لفائدة الآخرين، واحتفلوا هم أنفسهم بشكر وتسبيح لإله إسرائيل [4]. هكذا يليق أن تُعَبِّر كل أفراحنا عن الشكر لله الذي منه نستلم كل راحتنا.

وَلَمَّا انْتَهَى دَاوُدُ مِنْ إِصْعَادِ الْمُحْرَقَاتِ وَذَبَائِحِ السَّلاَمَةِ،.

بَارَكَ الشَّعْبَ بِاسْمِ الرَّبِّ. [2].

تقديم مُحرَقات وذبائح سلامة للرب (لا 1، 3)؛ هذان النوعان من الذبائح يحتلان مركز الصدارة في الأعياد والمناسبات المُفرِحة.

لا يعني هذا أن داود قام بنفسه بإصعاد المُحرَقات وتقديم الذبائح، إنما قَدَّم الحيوانات، وقام الكهنة بذبحها وتقديمها للرب؛ وذلك كما يُقَال أنه نصب الخيمة، لا يعني أنه بنفسه قام بالمباني، إنما اهتم بشراء المواد وطلب من البنَّائين والنجارين وغيرهم عمل الخيمة ونصبها.

لكي ما يَتمتَّع الشعب بالفرح وبقُدْسية هذا اليوم، أعطاهم داود البركة باسم الرب كأب مع بنيه [2]، فقد صلَّى إلى الله من أجلهم، واستودعهم لنعمته، كما يقول الترجوم "باسم كلمة الرب، الكلمة الأبدي، الذي هو يهوه، ومنه تأتي لنا كل بركة".

وَقَسَمَ عَلَى كُلِّ آلِ إِسْرَائِيلَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ،.

عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ،.

رَغِيفَ خُبْزٍ وَكَأْسَ خَمْرٍ وَقُرْصَ زَبِيبٍ. [3].

جاء في الترجمة اليسوعية: "لكل واحدٍ رغيف خبز وكعكة بلح وقرص زبيب". وجاء في "الكتاب المقدس للشباب": كعكة بلح أو قطعة لحم مشوية[240].

وَجَعَلَ أَمَامَ تَابُوتِ الرَّبِّ مِنَ اللاَّوِيِّينَ خُدَّامًا.

وَلأَجْلِ التَّذْكِيرِ وَالشُّكْرِ وَتَسْبِيحِ الرَّبِّ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ: [4].

لم يقف التسبيح لله بفرح أثناء حمل التابوت ونقله فقط، إنما عَيَّن داود عددًا من اللاويين لتقديم الشكر والتسبيح للرب على الدوام، بلا انقطاع.

نلاحظ هنا ثلاثة أنواع من الصلاة:

التذكير: تضرع أو استرحام invocation. أي تذكير الشعب حتى لا ينسوا أعمال الله العظيمة الصالحة لشعبه. يمتزج التذكير بالحمد والشكر والتسبيح لله.

الشكر: يليق بنا أن نشكر الله، سواء نلنا طلبتنا أو رُفِضَتْ!

  • لتعلموا أن هذه الصلاة هي حديث مع الله. اسمعوا النبي يقول: "فيلذ الله حواري[241]"، أي ليكن كلامي جالبًا للسرور أمام عينيّ الله.

ألا يستطيع أن يخدمنا قبل أن نسأله؟ إنه ينتظر حتى نُقَدِّم له الفرصة، فيجعلنا أهلاً لعنايته. وسواء نلنا ما طلبناه أم لا، فلنواظب على صلواتنا، ونشكره لا حينما ننال طلبتنا فحسب، بل وحينما لا ننالها، إذا ما شاء الله ألا يجيب سؤالنا، لأن ذلك فيه خير لنا، نشكره كما لو كنا قد نلنا ما نطلبه في الصلاة. فإننا لا نعرف ما هو الخير لنا كما يعلم هو. لهذا يليق بنا أن نشكر، سواء نلنا طلبتنا أو رُفِضَتْ[242].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم.

التسبيح: يليق بنا أن نُسَبِّحَ الله على الدوام، حتى أثناء نعاسنا.

  • في كل حين دائمًا تسبيحه في فمي "(مز 34: 1). يبدو أن النبي يُقَدِّم وعدًا لا يستطيع الوفاء به. كيف تكون تسبحة الله دائمًا في فم الإنسان؟ عندما يتكلم في أحاديثه العادية الخاصة بحياته، لا يُسَبِّح فمه الله، وعندما ينام لا يتكلم أبدًا، عندما يأكل أو يشرب، كيف يُسَبِّح الله بفمه؟!

والإجابة على هذا السؤال تأتي بالإشارة إلى فم الإنسان الروحي الداخلي، الذي يتغذَّى بكلمة الحياة، الخبز النازل من السماء (يو 6: 33). عن هذا الفم يقول النبي: "فغرت فمي لأجذب لي روحًا" (مز 119: 131). والرب يدعونا جميعًا أن نغفر أفواهنا حتى تمتلئ بغذاء الحق "افغر فاك واسعًا فأملأه" (مز 79: 11).

عندما ينغرس فكر الله ويختم في أعماق النفس، تستطيع أن تُسَبِّح الله الساكن على الدوام في النفس، والإنسان البار يفعل كل شيء لمجد الله (1 كو 10: 31) كما ينصح الرسول، بحيث يأخذ كل فعلٍ وكل كلمةٍ وكل نشاطٍ قوة تمجيد الله. ويُمَجِّد الإنسان الله أيضًا أثناء أكله وشربه ونومه، إذ يقول قلبه مع عروس النشيد: "أنا نائمة وقلبي مستيقظ" (نش 5: 2) فكثيرًا ما تُعَبِّر الأحلام عن أفكار النهار[243].

القديس باسيليوس الكبير.

آسَافَ الرَّأْسَ، وَزَكَرِيَّا ثَانِيَهُ، وَيَعِيئِيلَ وَشَمِيرَامُوثَ وَيَحِيئِيلَ وَمَتَّثْيَا،.

وَأَلِيآبَ وَبَنَايَا وَعُوبِيدَ أَدُومَ وَيَعِيئِيلَ بِآلاَتٍ رَبَابٍ وَعِيدَانٍ.

وَكَانَ آسَافُ يُصَوِّتُ بِالصُّنُوجِ. [5].

رجع من السبي مئة وثمانية وعشرون من بني آساف، كلهم مُغَنُّون.

وَبَنَايَا وَيَحْزِيئِيلُ الْكَاهِنَانِ بِالأَبْوَاقِ دَائِمًا أَمَامَ تَابُوتِ عَهْدِ الله. [6].

كانت الأبواق الفضية التي ينفخ فيها الكهنة تُشِيرُ إلى كلمة الله، كقول النبي: "كلام الرب كلام نقي كفضة مصفاة في بوطة في الأرض، ممحوصة سبع مرات" (مز 12: 6).

الأعداد 7-36

2. مزمور الحمد

لا يتوقَّف سفر الأخبار عن السرد المستمر للقيام بتسابيح الحمد والشكر لله، مع الاهتمام بفئات المُغَنِّين والمُسَبِّحين في الهيكل، فإن السفر يود أن يؤكد أن ملكوت الله في حقيقته تَمَتُّع بالحياة السماوية المتهللة.

نجد هنا مزمور الحمد الذي ألَّفه داود بالروح، وسَلَّمه لرئيس المُغًنِّين، لكي ما يُلَحَّن في المناسبة الشعبية لدخول التابوت في المكان المُعَد له. وُيظَن أن داود رتَّب هذا المزمور لكي يُرَتِّل يوميًا في خدمة الهيكل، فمهما رَتَّلوا من مزامير أخرى يجب أن لا يستثنوا هذا المزمور.

وضع داود مزامير كثيرة قبل هذا، بعضها في وقت المتاعب التي عاناها من شاول، أما هذا المزمور فقد ألَّفه وأعطاه لآساف للاستعمال في الهيكل. نجد أجزاء من هذا اللحن مُكَرَّرة في ثلاثة أجزاء أخرى من المزامير: (أعداد 8، 22؛ في مز 105: 1، 15؛ أعداد 22 - 33 في مز 96: 1، 3؛ أعداد 34، 36 في مز 106: 1، 47 - 48). هذه المزامير تتحدث عن أعمال الله العجيبة لخلاص شعبه في الماضي، وقد سبق الحديث عنها في تفسير المزامير.

جاءت هذه التسبحة لا تُرَكِّز فقط على إحضار التابوت إلى أورشليم، إنما تفتح باب الرجاء للشعب القادم من السبي وهم قليلو العدد وفاقدون للسلطة والقوة أمام العالم، لكن حضور الرب في وسطهم يُشْبِع كل احتياجاتهم.

يدعوه البعض مزمور بدء المملكة، يرى داود مملكة المسيّا فيُحَدِّثنا عن أبعادها.

ا. هو دعوة لشهادة وسط الأمم، لكي تَتَمَتَّع الشعوب بملكوته. غاية هذا المزمور بث روح الرجاء في حياة الشعب الراجع من أرض السبيّ. فهو يؤكد للراجعين من أرض السبيّ، والذين شعروا كأن أمتهم (دولتهم) صارت مفقودة وسط قوى العالم، إلا أن الله معهم. وهو الله نفسه الذي خلَّص آباءهم قديمًا، وأقام معهم عهدًا في الماضي؛ إنه ديَّان الأرض كلها، يدافع عن رسله المُختارِين. يضم هذا المزمور جزئين:

1. الجزء الأول مُوجَّه لإسرائيل [8 - 22]. حث الإسرائيليين على التسبيح للرب على عظمة أعماله، وطلب وجه الرب. يليق بهم أن يَذْكُروا عهده ووعوده التي قدَّمها لآبائهم.

2. الجزء الثاني مُوجَّه لكل الأمم [23 - 34]. يدعو المُرَتِّل كل الأمم أن يُمَجِّدوا الرب، فإن هذا لائق بإله الخليقة، ومن أجل قدرته وجلاله.

ب. ملكوت أبدي [15].

ج. ملكوت كل إنسانٍ مؤمنٍ أمينٍ [16].

د. ملكوت شعبه [17 - 22].

هـ. ملكوت مُفرِح [23 - 24].

و. ملكوت لمجد الله [25 - 30].

ز. الأرض تتناغم مع السماء [31 - 33].

ح. صلاح الله وخلاصه [34 - 36].

ختم المزمور بكلمة "آمين" التي يتغنَّى بها الشعب علامة قبوله ما نطق به المزمور الليتورجي. يُغَنِّي بها الشعب بصوت جهوري مع استخدام الصنوج وأدوات موسيقية أخرى.

يكشف لنا المزمور الوارد هنا عن منهج الشكر لله:

  1. نتذكر ما فعله الله معنا في الماضي [12].
  2. إخبار الآخرين (الشعوب) بأعماله معنا [8].
  3. الافتخار بالله، وباسمه القدوس [10].
  4. الابتسامة الدائمة والفرح بالرب [10].
  5. تَذَكُّر أحكام الله وعهده عبر الأجيال [14 - 18].
  6. وعوده الأمينة وحمايته لنا [21 - 22].
  7. دعوة كل البشرية للاشتراك في التسبيح له [23 - 34].
  8. نأتي إليه بتقدمات علامة الشكر له [29].
  9. مشاركة السمائيين في تسبيحهم للرب وفرحهم به وشكرهم الدائم [31].
  10. مشاركة الطبيعة معنا في التسبيح، أو مشاركتنا نحن معها [32 - 33].
  11. التسبيح والشكر على المستوى الشخصي والجماعي، طلبة لبنيان ملكوته ونمو كنيسته [36].

حِينَئِذٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوَّلاً جَعَلَ دَاوُدُ يَحْمَدُ الرَّبَّ بِيَدِ آسَافَ وَإِخْوَتِهِ: [7].

لم يفارق التسبيح قلب داود ولسانه حتى في أَمَرِّ الأوقات وسط الضيقات، غير أن دخول تابوت الله وتثبيته في وسط الخيمة يُعتبَر نقطة انطلاق جديدة للتسبيح. فالتسبيح الجماعي أمام تابوت العهد بترتيب ونظام مُعَيَّن له طعمه الخاص.

"اِحْمَدُوا الرَّبَّ.

ادْعُوا بِاسْمِهِ.

أَخْبِرُوا فِي الشُّعُوبِ بِأَعْمَالِهِ. [8].

ليتمجَّد الله في كل تسابيحنا، ولنُمَجِّده بشكرنا (احمدوا الرب)، وبصلواتنا (ادعوا باسمه)، وترانيمنا (غنوا له [8])، وأحاديثنا (تحادثوا بكل عجائبه [9]).

لنُمَجِّده كإله عظيم ومُسَبَّح جدًا [25]، كإلهٍ عالٍ (فوق جميع الآلهة)، كإلهٍ واحد، ٍ لأن كل آلهة الأمم أصنام [26].

لنُمَجِّده بكونه أكثر بهاء وبركة [27]، وكخالقٍ (الرب صنع السماوات)، وحاكمٍ لكل الخليقة (في كل الأرض أحكامه [14])، وكمن لنا وحدنا فهو الرب إلهنا.

غَنُّوا لَهُ. تَرَنَّمُوا لَهُ.

تَحَادَثُوا بِكُلِّ عَجَائِبِهِ. [9].

لا يستطيع الكل أن يُسَبِّح الله بنغمٍ ما، فهذا يحتاج إلى موهبة خاصة، لكن كل المؤمنين مدعوون للحديث بعجائب الله.

افْتَخِرُوا بِاسْمِ قُدْسِهِ.

تَفْرَحُ قُلُوبُ الَّذِينَ يَلْتَمِسُونَ الرَّبَّ. [10].

يفتخر به المؤمن من جهة إلهه، إنه القدوس، واهب القداسة لمن يؤمن به ويلتصق به.

سرُّ فرح قلوب من يلتمسونه أن الله يود خلاص كل الشعوب، فيضم ملكوته كل المسكونة.

لنتشجَّع ولننتصر ونفتخر بالله ونثق فيه، فالذين يُمَجِّدون اسم الله يسمح لهم أن يفتخروا باسمه [10]، ليتجرأوا للحصول على مواعيده لهم، لتفرح قلوب الذين يطلبون الرب، وبالأكثر الذين وجدوه، اطلبوا وجهه وقوته أيّ اطلبوه في تابوت قوته حيث يظهر فيه.

يُعَلِّق الشهيد يوستينوس على هذا المزمور (التسبحة)، قائلاً بأن المرتل يتحدث عما سيتم بعد خمسة عشر قرنًا بمجيء السيد المسيح كمن يراه قد تَمَّ فعلاً.

  • الآن عندما يتحدث الروح النبوي عن أمور مُقبِلة كأنها قد حدثت فعلاً، كما يظهر في العبارات المقتبسة، فإنني سأشرح هذا أيضًا حتى أن الذين يأتون إليها يجدون عذرًا في عدم فهمها. الأمور التي يفهمها تمامًا أنها ستحدث ينطق عنها مُقَدَّمًا كما لو كانت قد حدثت فعلاً. افحصوا تمامًا العبارات المقتبسة، فسترون أن هذا هو الطريق الذي يسلكونه. لقد نطق داود الكلمات المقتبسة 1500 سنة قبل تجسد المسيح وصلبه، وليس أحد ممن صلبوا قبله وهبوا فرحًا للأمم، وأيضًا الذين صُلبوا بعده. وإنما في أيامنا يسوع حكمة الله الذي صُلب ومات وقام ثانية وصعد إلى السماء بدأ يملك. وبواسطة كرازة الرسل في كل الأمم بخصوصه يوجد فرح للذين يتطلَّعون إلى عدم الفساد الذي وعد به[244].

القديس يوستينوس الشهيد.

اطْلُبُوا الرَّبَّ وَعِزَّهُ.

الْتَمِسُوا وَجْهَهُ دَائِمًا. [11].

إذ يرجع داود بذاكرته إلى شاول الذي عوض أن يسأل الرب سأل الجان، يدعونا "اطلبوا الرب وعِزَّه".

اذْكُرُوا عَجَائِبَهُ الَّتِي صَنَعَ.

آيَاتِهِ وَأَحْكَامَ فَمِهِ. [12].

يَا ذُرِّيَّةَ إِسْرَائِيلَ عَبْدِهِ وَبَنِي يَعْقُوبَ مُخْتَارِيهِ. [13].

يدعو المرتل المؤمنين مختاري الرب. وكما يقول السيد المسيح: "ليس أنتم اخترتموني، بل أنا اخترتكم، وأقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمرٍ، ويدوم ثمركم، لكي يعطيكم الآب كل ما طلبتم باسمي" (يو 15: 16).

هُوَ الرَّبُّ إِلَهُنَا.

فِي كُلِّ الأَرْضِ أَحْكَامُهُ. [14].

اذْكُرُوا إِلَى الأَبَدِ عَهْدَهُ،.

الْكَلِمَةَ الَّتِي أَوْصَى بِهَا إِلَى أَلْفِ جِيلٍ. [15].

إن كان الله قد قطع عهدًا مع إبراهيم ثم مع إسحق فيعقوب، فهو يود أن يقطع عهده مع كل من يؤمن به، مع القلة القليلة التي تطلبه، إنه يوصي بعهده إلى ألف جيل.

ليكن العهد الأبدي هو موضع فرحنا وتسبيحنا، وفي موضع مقابل: ذكر إلى الدهر عهده (مز 105: 8)، وحيث أن الله لا ينسى عهده أبدًا، يليق بنا نحن أيضًا ألا ننساه. لقد أمر الله بعهده، وهو يحثنا أن نطيع وصاياه، لأن له السلطان أن يعطي الوعد والقدرة على تنفيذه.

الَّذِي قَطَعَهُ مَعَ إِبْرَاهِيمَ.

وَقَسَمَهُ لإِسْحَاقَ. [16].

كان هذا العهد قديمًا، ولكن لن يُنسَى أبدًا. لقد قطعه الله مع إبراهيم وإسحق ويعقوب الذين ماتوا من القديم [16، 18]، ولكن مازال جديدًا للنسل الروحي ومواعيده نافذة.

وَقَدْ أَقَامَهُ لِيَعْقُوبَ فَرِيضَةً،.

وَلإِسْرَائِيلَ عَهْداً أَبَدِيًّا. [17].

من السمات الجميلة في حياة داود أنه يُقَدِّم ذبيحة شكر لله لأجل وعوده من أجل نسله. كما قَدَّم صلاة ليس من أجل نفسه فحسب، بل ومن أجل نسله عبر الأجيال. قلبه ملتهب بالحب نحو أحفاده وأحفاد أحفاده.

يليق حتى بالشاب الذي لم يبلغ بعد سن الزواج أن يُصَلِّي بكل قلبه من أجل تقديس الأجيال المُقبِلة.

قَائِلاً: لَكَ أُعْطِي أَرْضَ كَنْعَانَ حَبْلَ مِيرَاثِكُمْ. [18].

حِينَ كُنْتُمْ عَدَداً قَلِيلاً،.

قَلِيلِينَ جِدًّا، وَغُرَبَاءَ فِيهَا. [19].

"عددًا قليلاً": لا تتوقف عهود الله على عدد المؤمنين، ولا على إمكانياتهم وقدرتهم، فإبراهيم أخذ المواعيد وكان وأسرته فقط مؤمنين.

في كل جيل توجد قلة قليلة أمينة تَتَمَتَّع بالمواعيد الإلهية، وتقبل الدخول في عهدٍ مع الله.

لنتذكَّر بالشكر والتسبيح مراحم الله قديمًا لآبائنا وأجدادنا، ونتذكَّر كيف حافظ الله على البطاركة عندما كانت أحوالهم غير مستقرة، وعندما جاءوا نزلاء وغرباء في كنعان، ولما كانوا قلة، ومن الممكن ابتلاعهم بسهولة، لما كانوا في ترحالٍ مُستمِرٍ مُعرَّضون للخطر، ولما تحرَّش بهم كثيرون وأرادوا إزعاجهم. لكنه لم يسمح الله لأحد أن يؤذيهم، ولا حتى من الكنعانيين، والمصريين، فملوك مثل فرعون وأبيمالك وُبِّخوا وضُرِبوا بسببهم. فهم كانوا ممسوحين من الله، مُقَدَّسين بنعمته لمجد اسمه، واستلموا مسحة الروح. كانوا أنبياءه المسترشدين فيما لله لتعليم الآخرين. فالأنبياء كانوا ممسوحين (1 مل 19: 16)، لذلك إذا مَسَّهم أحد فقد مسَّ حدقة عينه (تث 32: 10؛ زك 2: 8)، وإذا ضرَّهم أحد يؤدي ذلك لهلاكه [19، 22].

وَذَهَبُوا مِنْ أُمَّةٍ إِلَى أُمَّةٍ،.

وَمِنْ مَمْلَكَةٍ إِلَى شَعْبٍ آخَرَ. [20].

لَمْ يَدَعْ أَحَداً يَظْلِمُهُمْ،.

بَلْ وَبَّخَ مِنْ أَجْلِهِمْ مُلُوكًا. [21].

لم يدع أحد يظلمهم، مع قلة عددهم وكثرة الأعداء المقاومين وشراستهم، يهبهم الله الشجاعة والقوة ويحفظهم من الشر.

وبّخ من أجلهم ملوكًا: مثل فرعون (تك 12: 17)؛ وأبيمالك (تك 20: 3).

لاَ تَمَسُّوا مُسَحَائِي،.

وَلاَ تُؤْذُوا أَنْبِيَائِي. [22].

يحسب الرب من يدعوهم ليتمتعوا بمواعيده، ويسلكوا في الحق، ويشهدوا له في العالم الشرير مسحاءَ له. أما الأنبياء فهم الذين يكلمهم الله، فيتكلمون عنه، ويشهدون له وللمجد الذي يعده للأمناء.

يستشهد العلامة أوريجينوس بهذه العبارة وهو يتحدث عن الذين يخدمون خلاص البشر في كل موضعٍ، ويُعَلِّمون بإنجيل يسوع في كل البلاد بتعليم صحيح وحياة مستقيمة يدعون "مسحاء" [245].

  • كما نسمع أن ضدَّ المسيح يأتي، ونعرف أنه يوجد أضداد للمسيح كثيرون في العالم (1 يو 2: 18)، بنفس الطريقة نعرف أن المسيح يأتي، ونرى أن خلاله يوجد مسحاء كثيرون في العالم، الذين مثله يُحِبُّون البرَّ، ويبغضون الإثم[246].
  • إن رغب أحد أن يرى أجسادًا كثيرة مملوءة بروح إلهي مثل المسيح الواحد، يخدمون من أجل خلاص الشعب في كل مكانٍ، فليلاحظ هؤلاء الذين يُعَلِّمون بإنجيل يسوع في كل الأماكن بتعليم صحيح واستقامة الحياة، الذين يُدعون هم أنفسهم "مسحاء" بواسطة الأسفار المقدسة بالقول: "لا تمسّوا مسحائي" (1 أي 16: 12؛ مز 105: 15 LXX).

لأننا كما نسمع بأنه يوجد أضداد المسيح كثيرون في العالم (1 يو 2: 18)، بنفس الطريقة يأتي المسيح، وبسببه يوجد مسحاء كثيرون في العالم، الذين يتشبَّهون به، فيحبون البرّ، ويبغضون الشر، لذلك فإن الله (الآب)، يمسحهم هم أيضًا بزيت البهجة "[247].

العلامة أوريجينوس.

"غَنُّوا لِلرَّبِّ يَا كُلَّ الأَرْضِ.

بَشِّرُوا مِنْ يَوْمٍ إِلَى يَوْمٍ بِخَلاَصِهِ. [23].

يدعو داود الملك والنبي، مرتل إسرائيل الحلو، المسكونة كلها لتُسَبِّح الله.

بَشِّروا من يومٍ إلى يومٍ بخلاصه. هكذا يرى إرميا النبي مراحم الله جديدة في كل صباح (مرا 3: 23). إذ يفتح المؤمن عينيه في الصباح يتوقَّع أخبارًا مُفرِحة، إذ تضم الكنيسة كل يوم الذين يخلصون (أع 2: 47).

ليكن الخلاص العظيم الذي لربِّنا هو الموضوع الخاص لتسابيحنا [23]. "خَبِّروا ببشارة خلاصه يومًا فيومًا، أيّ وعد الخلاص الذي للمسيح، فلنا الحق أن نتهلل به يومًا فيومًا لأننا ننهل منه يوميًا، وهو موضوع لا يمكن أن يفرغ أبدًا.

حَدِّثُوا فِي الأُمَمِ بِمَجْدِهِ،.

وَفِي كُلِّ الشُّعُوبِ بِعَجَائِبِهِ. [24].

ليت الجميع يستنيرون ويَتَعَلَّمون. أخبروا في الشعوب بأعماله [8]، حَدِّثوا الأمم بمجده [24]، ليتعرَّف عليه المتغربون عنه، ليُقَدِّموا له الولاء والعبادة، لذلك يجب أن نعمل لانتشار ملكوته بين الناس لترتعد أمامه جميع الأرض [30].

يتحدث المرتل هنا عن الأمم بكونها تُمَجِّد الله، مع أنها لم تكن بعد قد قَبِلَتْ الإيمان، إنما يتكلم المرتل عن المستقبل الأكيد كأنه ماضٍ.

  • كان الرب متجسدًا بين اليهود وحدهم، فلم يولد من عذراء من شعوب الأمم ولا عاش بينهم... ومع هذا فقد تحقق ما قيل عنه: "شعب لم أعرفه يتعبَّد لي" (مز 18: 43)؛ ولكن كيف يتعبَّد له دون أن يعرفه؟ "من سماع الأذن يسمعون لي" (مز 18: 44). عرفه اليهود فصلبوه، وأما العالم كله فسمع عنه وآمن به[248].

القديس أغسطينوس.

لأَنَّ الرَّبَّ عَظِيمٌ وَمُفْتَخَرٌ جِدًّا.

وَهُوَ مَرْهُوبٌ فَوْقَ جَمِيعِ الآلِهَةِ. [25].

لأَنَّ كُلَّ آلِهَةِ الأُمَمِ أَصْنَامٌ،.

وَأَمَّا الرَّبُّ فَقَدْ صَنَعَ السَّمَاوَاتِ. [26].

الْجَلاَلُ وَالْبَهَاءُ أَمَامَهُ.

الْعِزَّةُ وَالْبَهْجَةُ فِي مَكَانِهِ. [27].

"العزة والبهجة" عزة عظماء العالم مُرتبِطة بالخوف، لأنها عزة تقوم على سلطانٍ بشريٍ زائلٍ. أما عزة الله فترتبط بالجمال الروحي والبهجة، لأنها تقوم على قداسته وحُبِّه وحنوِّه ورحمته.

هَبُوا الرَّبَّ يَا عَشَائِرَ الشُّعُوبِ،.

هَبُوا الرَّبَّ مَجْداً وَعِزَّةً. [28].

هَبُوا الرَّبَّ مَجْدَ اسْمِهِ.

احْمِلُوا هَدَايَا وَتَعَالُوا إِلَى أَمَامِهِ.

اسْجُدُوا لِلرَّبِّ فِي زِينَةٍ مُقَدَّسَةٍ. [29].

جاءت في بعض الترجمات: "اسجدوا أمام القدوس عندما يظهر".

زينة مقدسة، لا تقوم على مظاهر خارجية زائلة، إنما على قداسة داخلية تتلألأ بالأكثر في السماء.

لنُسَبِّحْ الله بالعناية الدائمة لمقدساته التي عيَّنها. أحضروا تقدمة "آنذاك من ثمار الأرض، أما الآن فثمار شفاهنا من القلب" (عب 3: 15)، و "اسجدوا للرب في زينة مقدسة" [29]. فالقداسة هي بهاء الرب، وبهاء كل النفوس المقدسة، وكل الخدمات الخاصة بالأسرار.

ارْتَعِدُوا أَمَامَهُ يَا جَمِيعَ الأَرْضِ.

تَثَبَّتَتِ الْمَسْكُونَةُ أَيْضًا.

لاَ تَتَزَعْزَعُ. [30].

تتزعزع المسكونة بسبب الحروب وسقوط أنظمة وممالك، فحيث توجد الخطية والظلم يحلُّ الدمار والفساد وعدم الأمان. أما حيث يوجد برُّ الله وقداسته فتثبت المسكونة.

لِتَفْرَحِ السَّمَاوَاتُ وَتَبْتَهِجِ الأَرْضُ،.

وَيَقُولُوا فِي الأُمَمِ: الرَّبُّ قَدْ مَلَكَ. [31].

ليكن ملكوت الله سبب مهابة وفرح للشعب جميعه. ليتنا نهابه: "ارتعدي أمام الرب يا كل الأرض، ونفرح به." لتفرح السماوات وتبتهج، لأن الرب يملك، وقد ثبت المسكونة فلا تتزعزع [30 - 31].

  • صرخ صوت الرسل ليملأ الأرض كلها، يبلغ أقاصي المسكونة[249].

العلامة أوريجينوس.

القديس باسيليوس الكبير.

لِيَعِجَّ الْبَحْرُ وَمِلْؤُهُ،.

وَلْتَبْتَهِجِ الْبَرِّيَّةُ وَكُلُّ مَا فِيهَا. [32].

البحر كناية عن الاضطراب والقلق، فيقول القدِّيس يوحنا اللاهوتي عن السماء إن البحر لا يوجد فيما بعد (رؤ 21: 1). أما هنا فيعج البحر، أي عوض الأمواج والاضطرابات يُسَبِّح البحر الله بلغة الفرح والسلام.

حِينَئِذٍ تَتَرَنَّمُ أَشْجَارُ الْوَعْرِ أَمَامَ الرَّبِّ،.

لأَنَّهُ جَاءَ لِيَدِينَ الأَرْضَ. [33].

ليكن منظر الدينونة القادمة حاثًا لنا لسرورٍ غامر، ولتفرح الأرض والبحر والحقول والغابات لمجيء يوم الرب العظيم ليدين الأرض [32 - 33].

احْمَدُوا الرَّبَّ،.

لأَنَّهُ صَالِحٌ لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. [34].

وَقُولُوا: خَلِّصْنَا يَا إِلَهَ خَلاَصِنَا،.

وَاجْمَعْنَا وَأَنْقِذْنَا مِنَ الأُمَمِ لِنَحْمَدَ اسْمَ قُدْسِكَ،.

وَنَتَفَاخَرَ بِتَسْبِيحَتِكَ. [35].

جاءت الصلاة الختامية للمزمور [35 - 36] مطابقة للمزمور (مز 106: 47 - 48).

في وسط تسابيحنا ليتنا لا ننسى أن نصلي لأجل نجاة القديسين وخدام الله الذين في شدة [35]: "نجنا يا الله مخلصنا، أجمع شملنا وأنقذنا من الوثنيين، نحن المُشَتَّتين والمُضطهَدين" وعندما نكون في فرحٍ بنعم الله علينا، يجب أن نتذكَّر إخوتنا المذلولين ونُصَلِّي لأجل خلاصهم ونجاتهم، كما نصلي لأجل أنفسنا، فنحن أعضاء بعضًا لبعض، ولذا عندما نغني "يا رب خَلِّصهم" يليق بنا بالأحرى أن نقول "يا رب خَلِّصنا" وأخيرًا فيجب أن يكون الله هو الألف والياء في تسبيحنا، فداود يبدأ "احمدوا الرب" [8].

مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ مِنَ الأَزَلِ وَإِلَى الأَبَدِ.

فَقَالَ كُلُّ الشَّعْبِ: "آمِينَ"، وَسَبَّحُوا الرَّبَّ. [36].

بقول الشعب: "آمين"، يُعلِنون ثقتهم في الله، وتَعَهُّدهم أن يسلكوا بأمانة، ويحفظوا العهد مع الله. يختم بقوله: "مبارك الرب"، وحيث نجد في الموضع الذي اقتُبست منه هذه التسبحة (مز 106: 48) الإضافة: ليقل كل الشعب آمين الليلويا، نجد هنا أيضًا أنهم فعلوا هكذا: فقال كل الشعب آمين، وسَبَّحوا الرب. فقط عندما أنهى اللاويون هذا المزمور والتسبيح (وليس قبل ذلك) أبدى الشعب رضاه وموافقته بقولهم آمين، وهكذا سَبَّحوا الرب وهم بلا شك متأثرين بهذه الطريقة الجديدة للعبادة التي كانت مُستخدَمة فقط في مدارس الأنبياء (1 صم 10: 5)، وإن كانت هذه الطريقة للتسبيح تسرّ الرب أفضل من الكباش والثيران ذات القرون والأظلاف، "فيرى ذلك الودعاء فيفرحون" (مز 69: 31 - 32).

وَتَرَكَ هُنَاكَ أَمَامَ تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ آسَافَ وَإِخْوَتَهُ،.

لِيَخْدِمُوا أَمَامَ التَّابُوتِ دَائِماً خِدْمَةَ كُلِّ يَوْمٍ بِيَوْمِهَا [37].

بعد أن فتح داود الباب لعبادة منظمة، ترك اللاويين يمارسون التسبيح بلا توقُّف، والكهنة يُقَدِّمون الذبائح والتقدمات لله. لكل عضو في كنيسة المسيح عمله: التسبيح، والحراسة (الرعاية)، والكرازة (ضرب الأبواق)، والصلاة.

عبادة الله ليست هي عمل يوم ما، لكنها يجب أن تكون يوميًا. لذلك يُثَبِّتها داود لتُمارَس على الدوام، ويضع لها طريقة يتبعها الذين تعيَّنوا كل في موهبته.

في الخيمة التي صنعها موسى كان التابوت والمذبح معًا، ولكن منذ أيام عالي الكاهن كانا قد انفصلا واستمرا كذلك إلى أن بُنِي الهيكل، وليس واضحًا لماذا لم يُحضِرْ داود التابوت إلى جبعون حيث كان المذبح والخيمة، أو يُحضِر خيمة الاجتماع إلى جبل صهيون حيث أحضر التابوت. ربما أجزاء من خيمة موسى كانت قد وهنت بمرور الوقت تحت تأثير الطقس، ولذلك لم يكن نقلها أو لم تكن مناسبة لحماية التابوت، ومع ذلك لم يعملها من جديد مكتفيًا بخيمة للتابوت لأن الوقت كان قد اقترب لبناء الهيكل. فأيا كان السبب فإنهما كانا مفترقين كل أيام داود، ولكنه حرص ألا يكون أيّ منهما مُهمَلاً، وهذا واضح من أنه في أورشليم حيث كان التابوت تعيَّن آساف وإخوته ليخدموا أمام التابوت دائمًا خدمة كل يوم بيومها [37]. ربما لم تُقَدَّم هناك ذبائح أو بخور، لأنه لم يكن هناك مذابح، ولكن صلوات داود كانت مرفوعة كبخور ورفع يديه كذبيحة مسائية (مز 141: 2). هذا وكانت الذبائح تُقَدَّم في جبعون.

وَعُوبِيدَ أَدُومَ وَإِخْوَتَهُمْ ثمَانِيَةً وَسِتِّينَ،.

وَعُوبِيدَ أَدُومَ بْنَ يَدِيثُونَ وَحُوسَةَ بَوَّابِينَ. [38].

الأعداد 37-42

4. خدمة الكهنة

وَصَادُوقَ الْكَاهِنَ وَإِخْوَتَهُ الْكَهَنَةَ أَمَامَ مَسْكَنِ الرَّبِّ،.

فِي الْمُرْتَفَعَةِ الَّتِي فِي جِبْعُونَ [39].

العبادة في جبعون (16: 37 - 43): في (2 صم 6) لا نجد إشارة إلى الاستمرار في العبادة في خيمة الاجتماع بجبعون. أما سفر الأخبار الأول، فيؤكد وجود مركزيْن رئيسييْن للعبادة في هذه المرحلة من تاريخ إسرائيل إلى أن بُنِي الهيكل في أيام سليمان.

نَصْبُ الخيمة في أورشليم وإحضار التابوت فيها لم يُبطِلْ الاهتمام بمركز العبادة في المرتفعة التي في جبعون، إنما صار في إسرائيل مركزان للعبادة، واهتم داود بالمركزيْن، وكان يوجد رئيسان للكهنة، واحد في كل مركز. حتى في بدء حكم سليمان كان لجبعون تقديرها، وكانت العبادة تُقَدَّم هناك. جاء في (1 مل 3: 4 - 5) أن سليمان نفسه كان يذبح هناك "لأنها هي المرتفعة العظمى، وأصعد سليمان ألف مُحرَقة على ذلك المذبح. وفي جبعون تراءى الرب لسليمان في حلمٍ ليلاً، وسأله ماذا يعطيه" (1 مل 3: 4 - 5).

كان لخيمة الاجتماع التي في جبعون تقديرها، إذ كان الله يتكلم فيها مع موسى في البرية وجهًا لوجه (خر 33: 11)، وكانت تُمَثِّل حضرة الله وتقود الشعب.

إذ استقر التابوت في صهيون عاد الشعب إلى بيوتهم، ورجع داود يُسَبِّح الله في بيته.

  • لقد منعت الشريعة الصلاة وتقديم ذبائح خارج أورشليم (تث 12: 1 - 32)، فلماذا قَدَّم سليمان ألف مُحرَقة على المذبح في جبعون؟ لأن الخيمة كانت في جبعون، كما يشهد سفر الأخبار (1 أي 16: 39؛ 21: 29)، لذلك من أجل تكريم المسكن القديم كان سليمان يذهب كل عام ويُقَدِّم مُحرَقات[251].

أشوداد (نسطوري).

لِيُصْعِدُوا مُحْرَقَاتٍ لِلرَّبِّ عَلَى مَذْبَحِ الْمُحْرَقَةِ دَائِمًا صَبَاحًا وَمَسَاءً،.

وَحَسَبَ كُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي شَرِيعَةِ الرَّبِّ الَّتِي أَمَرَ بِهَا إِسْرَائِيلَ [40].

في جبعون كانت المذابح حيث يخدم الكهنة لأن عملهم كان تقديم الذبائح ورفع البخور وكانوا يقومون بها صباحًا ومساءًا حسب شريعة موسى (عدد 39 - 40). هذه كان يجب إقامتها لأنها تشير إلى وساطة المسيح، لذلك وضع لها شرف عظيم والقيام بها له بركته الهامة. فكان هنا صادوق ليُشرِف على خدمة المذبح، بينما كان أبياثار هناك في أورشليم ليُشرِف على خدمة التابوت، لأن معه صدرة القضاء التي يجب أن يسأل عن طريقها أمام التابوت، لذلك نقرأ أن صادوق وأبياثار "كانا الكاهنان" في أيام داود (2 صم 8: 17؛ 20: 25)، فأحدهما كان يخدم المذبح والآخر يخدم التابوت.

هنا وقد استقرت الأشياء ووُضِعَت الأمور الدينية في نصابها. نلاحظ:

أ. كان الشعب راضيًا وذهبوا إلى منازلهم مسرورين.

ب. عاد داود ليبارك بيته، مُعتزِمًا أن يحافظ على عبادته العائلية والتي لا يجب أن تلغيها العبادة العامة.

وَمَعَهُمْ هَيْمَانَ وَيَدُوثُونَ وَبَاقِيَ الْمُنْتَخَبِينَ الَّذِينَ ذُكِرَتْ أَسْمَاؤُهُمْ.

لِيَحْمَدُوا الرَّبَّ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. [41].

وَمَعَهُمْ هَيْمَانُ وَيَدُوثُونُ بِأَبْوَاقٍ وَصُنُوجٍ لِلْمُصَوِّتِينَ وَآلاَتِ غِنَاءٍ لِلَّهِ،.

وَبَنُو يَدُوثُونَ بَوَّابُونَ. [42].

في جبعون حيث توجد المذابح عيَّن داود مُغَنِّين ليشكروا الرب: "لأن إلى الأبد رحمته [41]، وقد استخدموا آلات موسيقية مقدسة ومخصصة لمثل هذه الخدمة تختلف عما كانوا يستعملونه في المناسبات الأخرى، فبين المرح العادي والفرح المقدس فرق شاسع، والحدود والمسافة بينهما يجب أن تُراعَى بدقةٍ.

يرى القدِّيس باسيليوس الكبير أن داود وضع مزامير وأعطاها ليدوثون ليستخدمها، لكي يُصلحَ آلام نفسه، وكأغنية للخورُس يُسَبِّحون بها في حضور الشعب. بهذا يَتَمَجَّد الله، ومن يسمعونها يُصلحون عاداتهم[252].

الأعداد 43-44

5. ختام الاحتفال

ثُمَّ انْطَلَقَ كُلُّ الشَّعْبِ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى بَيْتِهِ،.

وَرَجَعَ دَاوُدُ لِيُبَارِكَ بَيْتَهُ. [43].

يليق بنا أن نشهد لعمل الله حتى في وسط عائلاتنا، حيث يتلامس أفراد الأسرة مع سلامنا وفرحنا الداخلي.

لم يُذكَرْ هنا موقف ميكال زوجة داود ابنة شاول التي استخفت بداود لأنه رقص أمام تابوت العهد.

من وحي 1 أي 16.

لتتهلل أعماقي كما في عيدٍ دائمٍ.

  • إلهي، إذ بَنَى داود الملك له بيوتًا،.

نصب خيمة في أورشليم لينقل فيها تابوت عهدك.

أدرك أنه مَدِين لك بحياته وبنجاحه، وبكل البركات التي حلَّت عليه وعلى بيته.

اسمح لي أن تُُعلِنَ حضورك فيَّ،.

أحسب كل كياني خيمة، قَدِّسها وهيِّئها كي تتمتع بحضورك الدائم فيها.

  • قدَّم لك داود مُحرَقات وذبائح سلامة.

اقبل تسبيحي وشكري ومحبَّتي ذبائح مقبولة.

لتبسط يديك وتباركني، لتُدَشِّن كل أفكاري ومشاعري لك.

  • ليقُد روحك القدوس كل حياتي،.

أعلن ملكوتك في داخلي، فتمتلئ نفسي بفرح الروح الدائم.

أنصت إلى صوتك العذب، وأثق في وعودك الأمينة.

وأشكرك في كل الأوقات، ففي وسط ضيقتي تُحَوِّل النيران إلى ندى.

  • هَبْ لي ألا أكف عن التسبيح لك،.

فأشهد لك بالفرح السماوي عن عجائبك.

أفتخر بك، إذ تُقِيم من حياتي عيدًا لا ينقطع.

أطلبك على الدوام، لأنك سرُّ تعزيتي.

أذكر وعودك الأمينة الثابتة.

وعدت أن الأرض للرب ولمسيحه.

متى أرى كل البشرية ترتمي في أحضانك.

متى يَتَمَتَّع العالم بعربون السماء؟

  • وعدت: لا تَمِسُّوا مسحائي، ولا تؤذوا أنبيائي.

أعترف لك ليس من يؤذيني مثل خطيتي.

هَبْ لي التوبة الصادقة وانسحاق القلب.

لا أُلقي باللوم على الغير، إهمالي هو عدوِّي!

لتُمَرِّر الخطية في فمي فأبغضها.

حَرِّر نفسي من أسر الخطايا.

هَبْ لي سلطانًا فلا أخشى إبليس وكل حيله.

  • لك المجد يا أيها العجيب في حُبِّك.

ماذا أَرُد لك من أجل مَحَبَّتِك الفائقة.

لتعمل نعمتك فيها فتتزيَّن نفسي.

لا أكفُّ عن السجود لك بزينة مقدسة.

زينتي هي من عمل يديك، وفيض نعمتك،.

وقداسة برِّك الفائق!


[240] Break Through! The Bible for Young Catholics.

[241] "فيلذ له نشيدي" (مز 104: 34).

[242] In Gen. Homily 30. PG 53: 280.

[243] تفسير المزمور 34 (33).

[244] First Apology 41: 42.

[245] Origen: Against Celsus, Book 6: 79.

[246] Adv. Celsus, 6: 79.

[247] Against Celsus, 6: 79.

[248] Sermons On N. T. Lessons, Homily 12.

[249] In Exodus, 1: 4.

[250] Quaest. Ev. 2: 40.

[251] Ishodad of Merv (fl. c. 850): Books of Sessions 1 Kings 3: 4.أسقف نسطوري لهيداتا Hedatta كثيرًا ما اقتبس من الآباء السريان.

[252] Homilies on the Psalms 21: 1 (Ps 61).



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

اَلأَصْحَاحُ السَّابِعُ عَشَرَ - سفر أخبار الأيام الأول - القمص تادرس يعقوب ملطي

اَلأَصْحَاحُ الْخَامِسُ عَشَرَ - سفر أخبار الأيام الأول - القمص تادرس يعقوب ملطي