الأصحاح الرابع والعشرون – (تابع) نبوات بلعام – سفر العدد – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 04- تفسير سفر العدد – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الأصحاح الرابع والعشرون – (تابع) نبوات بلعام

يحوي هذا الأصحاح:

١ – نبوته الثالثة ١ - ١٤.

٢ – نبوته الرابعة ١٥ - ١٩.

٣ – نبوته الخامسة ٢٠ - ٢٥.

الأعداد 1-14

١ – نبوته الثالثة

إذ جاء بالاق ببلعام إلى رأس الملذات ليعزله عن الرب فينطق بلعناته الخاصة عوض بركة الرب أدرك بلعام على العكس أنه لن يقدر أن يتصرف من ذاته فتنبأ للمرة الثالثة، بظروفٍ إختلفت عن النبوتين السابقتين من جهة:

  1. لم يستخدم الفأل أي السحر كعادته (ع١).
  2. لم ينسحب إلى مكانٍ منعزل بل ذهب مباشرة متجهًا نحو الشعب ومعسكرهم (ع٢).
  3. حل عليه روح الرب فانفتحت عيناه لرؤية الموقف في أكثر وضوح (ع٢، ٤).
  1. عدم إستخدامه الفأل: توقف بلعام عن استخدامه كل فنون السحر ليس حبًا في الله وإيمانًا به، وإنما غالبًا إدراكًا لعجز شياطينه تمامًا عن مساندته في تمكينه من النطق بلعناته. يقول العلامة أوريجينوس: [نستطيع أن نتساءل بماذا عرف بلعام أنه قد حسن في عيني الرب أن يبارك إسرائيل؟! لقد لاحظ أنه عندما أحرق الذبائح لم يتقدم شيطان واحد ولا تجاسرت سلطة معايدة أن يظهر بالقرب من ضحاياه، فقد إبتعد خدام الشرّ الذين إعتادوا على مساعدته في تقديم لعناته[213]].، أولاً تعلن شوق الله لمباركة إسرائيل الجديد أي الكنيسة، كما يرى البعض فيها نبوة عن عودة اليهود عن جحودهم وعدم إيمانهم فيقبلوا السيد المسيح في آخر الأزمنة، ويتمتعوا بالبركة الروحية عوض العنصرية الصهيونية.
  2. إنسحابه ليرى معسكر الجماعة المقدسة: إذ تنبأ قبلاً عن التجسد (النبوة الأولى٩ ثم عن أحداث الصليب والقيامة (النبوة الثانية) إنفتحت عيناه لرؤية الكنيسة المتحدة بالمسيح المتمتعة ببركة الخلاص، لهذا انطلق مباشرة ليعاينها.
  3. حلول الروح عليه: لما كانت النبوة التالية تخص يوم البنطقستي، يوم ميلاد الكنيسة المتمتعة بالخلاص بالمسيح يسوع خلال عمل الروح القدس لهذا "كان عليه روح الرب". لكن للأسف كشر الروح له عن أسرار الله في معاملته للبشرية، فانفتحت عيناه دون قلبه، وعوض التوبة إزداد عجرفة وكبرياء، قدم معرفة دون إتضاع، وامتلأ قلبه جفافًا بسبب محبته للفضة.

أما موضوع النبوة فشمل أمرين: الشعب الذي يراه بعينيه الجسديتين كنواة مقدسة، والشعب الذي يراه بعيني النبوة بكونه كنيسة العهد الجديد التي تقوم بواسطة الروح القدس في يوم البنطقستي كجسد المسيح يسوع.

فمن جهة الشعب الذي يراه أمامه بعينيه الجسديتين يرى في: شعبًا مملوء جمالاً "ما أحسن خيامك يا يعقوب..."، مثمرًا على الدوام "كأودية ممتدة كجناتٍ على نهر"، يحمل كرامة الحاضر "مثل سرعة الرئم" وفي المستقبل القريب "يأكل أممًا"، وأخيرًا عن أثره على من هم حوله وإهتمام الله به. هذه نبوة تحققت فعلاً في بدء إنطلاق هذا الشعب، لكنها انتزعت عنهم بإنكارهم المسيّا المخلص، فصارت هذه النبوة ميراثًا لإسرائيل الجديد، الكنيسة التي جاءت من الأمم، وفيما يلي شرح مبسط للنبوة:

"وَحْيُ بَلعَامَ بْنِ بَعُورَ، وَحْيُ الرَّجُلِ المَفْتُوحِ العَيْنَيْنِ،.

وَحْيُ الذِي يَسْمَعُ أَقْوَال اللهِ،.

الذِي يَرَى رُؤْيَا القَدِيرِ مَطْرُوحاً وَهُوَ مَكْشُوفُ العَيْنَيْنِ "(ع٣ - ٤).

يعلق العلامة أوريجينوس هكذا: [من المدهش أن يمتدح بلعام بمثل هذا المديح... كيف يكون بلعام مفتوح العينين هذا الذي سلّم نفسه للعرافة والسحر؟!... لقد إستحق هذا المديح العظيم إذ قيل عنه "فكان عليه روح الله"، "ووضع الرب كلامًا في فمه" (٢٣: ١٦)، الأمر الذي لا نجده حتى في موسى أو في نبي آخر، أن يرتفع إلى مكانٍ عال هكذا[214]].

جاءت كلمات بلعام عن نفسه "الرجل المفتوح العينين" تشير إلى حالة المؤمن في كنيسة العهد الجديد حيث رفع البرقع، فانكشفت أعماق الشريعة وحل الحق عوض الظل، وتحققت النبوات. صار الإنسان "يسمع أقوال الله" ليس خلال حروف بل مسجلة بالحب على الصليب في ابنه الوحيد، و "يرى رؤيا القدير" ليس خلال أحلام كدانيال أو إعلانات رمزية بل كما قال الرسول "ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجهٍ مكشوف كما في مرآة تتغير إلى تلك الصورة عينها من مجدٍ إلى مجد كما من الرب الروح" (٢كو٣: ١٨).

لقد صار الإنسان بالخطية مفتوح العينين إذ تعرف على الشرّ ومارسه، وبالمسيح يسوع ربنا صار مفتوح العينين يتعرف على الأمور الإلهية السماوية ويعيشها في حياتنا اليومية. يقول العلامة أوريجينوس: [قالت الحية لحواء بأن "الله عالم أنه يوم تأكلين منه تنفتح أعينكما" (تك٣: ٥)، فأكلت ويقول الكتاب "وانفتحت أعينهما" (تك٣: ٧). لكن يوجد نوعان من الأعين: الأعين التي تنفتح بالخطية، وأعين نظهر بها آدام وحواء قبل أن تنفتح هذه الأعين[215]]. وقد جاء السيد المسيح ليفتح البصيرة الداخلية الروحية التي كانت عمياء، ويعمي هذه الأعين التي تتعرف على الشرّ وتشتهيه. لهذا يقول: "لدينونة أتيت أنا إلى هذا العالم حتى يبصر الذين لا يبصرون (أي تنفتح البصيرة الروحية) ويعمي الذين يبصرون (أي تغلق أعين الشرّ التي فتحها الشيطان بناء على نصيحة الحية)" (يو٩: ٣٩). ما أحوجنا أن يفتح الرب أعيننا على السمويات ويغلقها نحو الشرّ!!

خلال نصيحة الحية إنفتحت أعين الإنسان على الشرّ فصار أعمى، وخلال السيد المسيح انغلقت عينيه عن الشرّ لتتفتحا على الإلهيات فصار بصيرًا أو مستنيرًا.

إذ إنفتحت عيناه قال: "مَا أَحْسَنَ خِيَامَكَ يَا يَعْقُوبُ مَسَاكِنَكَ يَا إِسْرَائِيلُ!" (ع٥). في الترجمة السبعينية "ما أحسن ماسكنك يا يعقوب، خيامك يا إسرائيل". إن كان المسكن يشير إلى حالة الإستقرار فإن الخيمة تشير إلى حالة التحرك المستمر. فالكنيسة في حالة إستقرار بكونها جسد المسيح السرّي، مستقرة في حضن الآب، وفي نفس الوقت هي دائمة الحركة والنمو، تنطلق بالروح القدس من مجدٍ إلى مجد لكي يبلغ أعضاؤها إلى قياس ملء قامة المسيح. بالمسكن أراد إعلان دخولنا إلى الإتحاد مع الله في ابنه يسوع المسيح بواسطة روحه القدوس فتعرفنا على أسرار معرفة الثالوث القدوس كخبرة نعيشها ونمارسها، وبالخيام أراد تأكيد حالة النمو المستمر في المعرفة، ننطلق بقيامنا من خبرة إلى خبرة، وندخل من معرفة إلى معرفة... بهذا "نمتد إلى ما هو قدام" (في٣: ١٣) كالبدو الرحل لا نتوقف عن طلب المزيد من المعرفة الروحية حتى نراه وجهًا لوجه.

"كَأَوْدِيَةٍ مُمْتَدَّةٍ. كَجَنَّاتٍ عَلى نَهْرٍ. كَشَجَرَاتِ عُودٍ غَرَسَهَا الرَّبُّ. كَأَرْزَاتٍ عَلى مِيَاهٍ. يَجْرِي مَاءٌ مِنْ دِلائِهِ وَيَكُونُ زَرْعُهُ عَلى مِيَاهٍ غَزِيرَةٍ وَيَتَسَامَى مَلِكُهُ عَلى أَجَاجَ وَتَرْتَفِعُ مَمْلكَتُهُ" (ع٦، ٧).

يا لها من صورة حية ليوم البنطقستي، يوم ميلاد كنيسة المسيح المقدسة بالروح القدس! لقد وهبها الاستقرار كمساكن مقدسة وأعطاها حيوية النمو الدائم كخيامٍ دائمة الحركة. الآن يراها بلعام أودية بلا حدود وجنات مثمرة على الدوام!

جاءت الترجمة السبعينية: "كحدائق (غابات صغيرة) مظللة، كجنات على نهر، كخيام نصبها الله، كأرزات على مياه. يأتي رجل من زرعه ويحكم على أمم كثيرة، وتتسامى مملكة جوج، وتتزايد مملكته" (ع٦، ٧). هنا يبرز عمل الروح القدس في حياة الكنيسة، فيجعلها كالغابات المظللة التي تستضيف الحيوانات والطيور، وكجناتٍ على نهر تفرح قلب الإنسان وتعيد إليه سلامه المفقود، وكخيامٍ نصبها الله فصارت مقدسة تتحرك نحو صانعها لتستريح فيه، وكأرزاتٍ مرتفعة ومستقيمة، وكرجلٍ يحكم بسلطان لا يقدر الشيطان بكل جنوده عليه!

يعلق العلامة أوريجينوس على هذا النص، قائلاً: [يقدم بلعام صورة ساحرة وعجيبة: "كغابات صغيرة مظللة، كجنات على نهر، كخيام نصبها الله، كأرزات على مياه". الذين يتعبون في الطريق يسيرون خلال "الأشجار المظللة" التي هي جماعة الأبرار وطغمة الأنبياء القديسين. هؤلاء تتذوق أرواحهم الرطوبة تحت ظل المعاني التي يجدونها في كتابتاهم وفي سيرهم وتعاليمهم، متلذذين من عمق الأشجار!... إنهم كجناتٍ على نهر، يحملون صورة الفردوس حيث يوجد فيه شجر الحياة على الأنهار أي الكتابات الإنجيلية والرسولية... مخلصنا هو النهر الذي يفرح مدينة الله (مز٤٦: ٥). بالروح القدس أيضًا لا يصير لنا فقط النهر بل ينبوع مياه توهب لنا في بطوننا (يو٤: ١٣). أيضًا الآب يقول: "تركوني أنا ينبوع المياه الحية" الذي هو مدصر هذه الأنهار (المياه). لهذا ينصب الإسرائيليون خيامهم ليستقوا من هذه الأنهار، هذه الخيام التي نصبها الله نفسه[216]].

ما أجمل الكنيسة وما أعظمها فقد نصب الله نفسه خيامها على الأنهار المقدسة لتستقي من ينابيع معرفة الثالوث القدوس، تفرح بالآب "ينبوع المياه الحية" والابن "نهر الحياة" والروح القدس الذي يفجر ينابيع مياه حية داخل النفس!

ماذا يعني نصب الخيمة على المياه المقدسة إلاَّ غرس المؤمنين في مياه المعمودية المقدسة، حيث يخلع الإنسان كل وصمة للخطية ويحمل الإنسان الجديد على صورة خالقه. في الجرن يغرس عضوًا في جسد المسيح، يصير هيكلاً للروح القدس، ويتمتع بحق الإستقرار في حضن الآب بكونه إبنًا له.

بهذا تتحول الكنيسة إلى غابات مظللة، يلجأ إليها كل إنسان ليستريح تحت ظلالها من ضربات شمس التجارب الحارقة للنفس. وتصير كجناتٍ على نهر، تناجي عريسها قائلة: "ليأت حبيبي إلى جنته ويأكل ثمره النفيس" (نش٤: ١٦). ويجيبها عريسها متهللاً "قد دخلت جنتي يا أختي العروس، فقطفت مري مع طيبي، أكلت شهدي مع عسلي، شربت خمري مع لبني، كلوا أيها الأصحاب، اشربوا واسكروا أيها الأحباء" (نش٥: ١).

تصير كأرزات على مياه، وكما يقول العلامة أوريجينوس: [هذه الخيم هي أيضًا كأرزات على مياه، الأرز هنا لا يحمل الكبرياء الشريرة، إنما هو "أرز الله" الذي يسند فروع الكرمة التي نقلت من مصر (مز٨٠: ٨)، لكي ينضج الثمر ويغطي ظلها الجبال[217]].

إذ رأى عمل الروح القدس في حياة الكنيسة تحدث عن دوره في حياتها الكرازية، فقال: "يأتي رجل من زرعه ويحكم على أمم كثيرة" فإن السيد المسيح يأتي متجسدًا من بيت إسرائيل، هذا الذي يملك روحيًا على أممٍ كثيرة خلال عمل الروح الله القدوس في كنيسته. يقول العلامة أوريجينوس: [إنه المسيح الذي خرج من ذرية إسرائيل حسب الجسد. كيف يملك على الأمم؟ هذا لا يحتاج إلى شرح، خاصة إن قرأنا ما يقوله الآب: "إسألني فأعطيك الأمم ميراثًا لك، وأقاصي الأرض ملكًا لك" (مز٢: ٨). لكن ماذا يعني "يتسامى ملكه على جوج؟ إن" جوج "تعني فوق السطوح، فلا نأخذ النص بكونه إسم شعب معين... إنما يعني" يتسامى مملكته فوق السطوح وتنمو مملكته ". التسامي فوق السطوح، فوق الذين يشغلون الأجزاء الفضلى ويسكنون المرتفعات العالية... لهذا السبب أظن أن المخلص يقول:" والذي على السطح فلا ينزل ليأخذ من بيته شيئًا "(مت٢٤: ١٧)، محذرًا الذين بلغوا درجات الكمال العليا ألاَّ ينزلوا عنها إلى الأماكن السفلى والدنيئة في هذا العالم.. أما نمو مملكته فيعني تزايد الكنائس وتكاثر المؤمنين، فترتفع مملكته إلى أن" يضع الآب جميع الأعداء تحت قدميه، آخر عدو يبطل هو الموت "(١كو١٥: ٢٥، ٢٦) [218]].

إذن تنمو الكنيسة في إتجاهين، نمو كل مؤمن نحو الكمال ليرتفع فوق السطوح ويبلغ السمويات، ونمو ليضم الكثيرين إلى معرفة الله، أي الكرازة في العالم.

أما علامات هذه الكرازة فهي: "اَللهُ أَخْرَجَهُ مِنْ مِصْرَ" (ع٨)، كأن غايتها إنطاق النفس وعبورها من أرض العبودية متجهة نحو أرض الموعد كما انطلق الشعب القديم. ويرى البعض في هذه العباره إشارة إلى هروب السيد المسيح إلى أرض مصر، لكي يدعى من مصر فيعبر بالأمم إلى طريق الإيمان. يقول العلامة أوريجينوس: [أخرجه الآب من مصر، وجعله يأتي إليه، لكي يفتح الطريق للذين هم من مصر هذا العالم فيصعدون نحو الله[219]].

يكمل قائلاً: "لهُ مِثْلُ سُرْعَةِ الرِّئْمِ" (ع٨)، وقد رأينا في تفسيرنا للأصحاح السابق (٢٣: ٢٢) أنها تشير إلى الكرازة بالسيد المسيح بقوة ليملك روحيًا إلى أقاصي الأرض (تث٢٣: ١٧).

"يَأْكُلُ أُمَماً مُضَايِقِيهِ. وَيَقْضِمُ عِظَامَهُمْ وَيُحَطِّمُ سِهَامَهُ" (ع٨). خلال هذه الكرازة يحطم الروح القدس أفكار الشرّ في الإنسان التي كانت كالأمم المقدومة للنفس، يقضم عظامهم أي الشهوات الجسدية، ويحطم سهام التجارب الشريرة. بهذا ينقل الروح القدس الإنسان نفسًا وجسدًا إلى الحياة المقدسة، واهبًا إياه روح الغلبة والنصرة.

أما موضوع الكرازة فهو: "جَثَمَ كَأَسَدٍ. رَبَضَ كَلبْوَةٍ. مَنْ يُقِيمُهُ! مُبَارِكُكَ مُبَارَكٌ وَلاعِنُكَ مَلعُونٌ" (ع٩). يحدث العريس والعروس معًا، لأنهما متحدان، فقد جثا العريس كأسد على الصليب وربضت معه عروسه، من يقيمهما؟! يقوم السيد بسلطانه، إذ قال "لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها"، وهيأ عروسه قوة القيامة. بهذا حملت الكنيسة إمكانيات عريسها، فصار من يباركها يتبارك بعريسها، ومن يلعنها يحمل غضب عريسها.

إشتعل غصب بالاق على بلعام وصفق بيديه علامة الحيرة الشديدة والعجز عن التصرف، لم يبقى له إلاَّ التهديد... "اهرب إلى مكانك... هوذا الرب منعك من الكرامة!". وشعر بلعام أنه لا علاج للموقف لهذا قرر أن يرجع إلى شعبه، لكنه قبل أن ينطلق نطق بنبوتين أخريتين (الرابعة والخامسة) دون أن يطلب منه بالاق أن يتكلم.

الأعداد 15-19

٢ – نبوته الرابعة

قلنا أن النبوة الأولى ركزت بالأكثر على رؤية إسرائيل الجديد من خلال التجسد، والثانية من خلال الصلب والقيامة، والثالثة من خلال الروح القدس، والآن يوضح بالأكثر عن عمل الكنيسة الكرازي دون أن يفصل هذه الأعمال الخلاصية عن بعضها البعض.

بدأ مقدمته بذات الكلمات التي نطق بها في مقدمة النبوة السابقة لكنه يضيف هنا عبارة عجيبة لا يجرؤ نبي أن ينطق بها: "وَيَعْرِفُ مَعْرِفَةَ العَلِيِّ" (ع١٦). لماذا نطق بهذه الكلمات؟ هل لأنه ما رآه وتعرف عليه يفوق كل إدراك بشري، لم يكن يتوقعه قط فحسب في نفسه أنه قد أدرك معرفة العلي؟ أو لأنه تعرف على أسرار الابن الوحيد الذي قال "لا أحد يعرف الآب إلاَّ الابن ومن أراد الابن أن يعلن له" (مت١١: ٢٧)، وكأنه يريد أن يؤكد أن الابن المتجسد والذبيح يكشف له أسرار الآب؟! أو لأنه دخل خلال النبوة إلى يوم البنطقستي والتقي بالروح القدس الذي "يفحص كل شيء حتى أعماق الله" (١كو٢: ١٠)؟! أو لعله كإنسانٍ قد تمتع بهذه العطايا وأدرك هذه الأسرار أراد أن يميز بين معرفته السابقة ومعرفته الحالية، قبلاً كان يستخدم فنون السحر والعرافة ويعتمد على الشياطين مدعيًا معرفة المستقبل، أما نبواته هذه فهي عطية الله، إنها معرفة الله الصادقة لا الشياطين المضللة. ويرى البعض أن بلعام كإنسانٍ غير نقي القلب إذ تمتع بعطايا الله ومعرفته تحول إلى الكبرياء والاعتداد بالذات عوض التواضع والانسحاق.

يقول: "أَرَاهُ وَلكِنْ ليْسَ الآنَ. أُبْصِرُهُ وَلكِنْ ليْسَ قَرِيباً" (ع١٧). من الذي يراه ولكنه كمن هو بعيد؟

"يَبْرُزُ كَوْكَبٌ مِنْ يَعْقُوبَ وَيَقُومُ قَضِيبٌ مِنْ إِسْرَائِيل،.

فَيُحَطِّمُ طَرَفَيْ مُوآبَ وَيُهْلِكُ كُل بَنِي الوَغَى.

وَيَكُونُ أَدُومُ مِيرَاثاً، وَيَكُونُ سَعِيرُ أَعْدَاؤُهُ مِيرَاثاً.

وَيَصْنَعُ إِسْرَائِيلُ بِبَأْسٍ.

وَيَتَسَلطُ الذِي مِنْ يَعْقُوبَ، وَيَهْلِكُ الشَّارِدُ مِنْ مَدِينَةٍ "(ع١٧ - ١٩).

يقول "أَرَاهُ وَلكِنْ ليْسَ الآنَ. أُبْصِرُهُ وَلكِنْ ليْسَ قَرِيباً" (ع١٧). وبحسب الترجمة السبعينية يقول: "سأشير إليه ولكن ليس الآن، أباركه ولكنه لم يقترب" رآه بروح النبوة أو أشار إليه لكنه بعيد عنه، إذ بقي أكثر من ١٥٠٠ عامًا على تجسده حين نطق بلعام، إنه يشير إليه من بعيد حتى يأتي ملء الزمان (غل٤: ٤) فيقترب إلى الأمم ويفهم المجوس هذه الكلمات. حينئذ يباركون الرب مقدمين قلوبهم وحياتهم مع ذهبهم ولبانهم ومرهم. يقول بلعام "أبارك" لكنه لم يقترب بعد، يأتي وقت يقترب فيه الرب فتنفتح ألسنة الأمم بكلمات التسبيح والبركة.

أما قوله: "يَبْرُزُ كَوْكَبٌ مِنْ يَعْقُوبَ وَيَقُومُ قَضِيبٌ (إنسان) مِنْ إِسْرَائِيل"، فيحمل نبوة عن لاهوت السيد وناسوته، فهو الكوكب السماوي الذي جاء متجسدًا ليملك (قضيب) على قلوب البشرية. وكما سبق فقلنا أن هذه النبوة سجلت في كتب أبناء المشرق، خلالها تعرف المجوس على الملك المولود حين ظهر لهم النجم في المشرق.

بظهوره كوكبًا منيرًا في قلوب الأمم خلال الكرازة بالإنجيل "يحطم طرق موآب". إن كان رؤساء موآب يعني تحطيم عمل الشيطان وخداعاته اليمينية (البرّ الذاتي) والشمالية (الخطايا والنجاسات). الكرازة بالإنجيل تحرر موآب من رؤسائه، أو كما يقول العلامة أوريجينوس: [هذا المولود من إسرائيل يحطمهم عندما يجرد الرياسات والسلاطين ويشهرهم جهارًا على صليبه (كو٢: ١٥)، فيخلص الموآبيين ويقودهم إلى معرفة الرب[220].].

"وَيُهْلِكُ كُل بَنِي الوَغَى" (ع١٧)، وفي الترجمة السبعينية: "ويهلك بني شيث". يرى العلامة أوريجينوس أنه بعد قتل هابيل أنجبت حواء "شيث" الذي خرج منه كل جنس البشر، أما نسل قايين فأهلكه الطوفان. هذا الجنس صار غنيمة للشياطين. لهذا إذا جاء السيد وصارت كلمة الكرازة بالإنجيل حطم الشيطان وسبي هؤلاء الذين كانوا تحت قبضته، فصار كغنيمة للسيد (أف٤: ٨). هنا يهلك السيد الشرّ الذي فيهم ويقتنيهم أسرى للخلاص، ليدخل بهم إلى سمواته. لهذا يقول العلامة أوريجينوس: [إني أشتهي أن أكون أنا أيضًا أسير المسيح، يقتادني مع غنائمه، ويحفظني مقيدًا برباطاته، فاستحق أن يقال عني: "أسير يسوع المسيح" (أف٣: ١)، كما كان الرسول بولس يقول مفتخرًا[221]].

يقول بلعام: "وَيَكُونُ أَدُومُ مِيرَاثاً وَيَكُونُ سَعِيرُ (عيسو) أَعْدَاؤُهُ مِيرَاثاً" (ع١٨). قلنا قبلا أن أدوم تعني إنسانًا دمويًا محبًا للقتال، وسعير تعني "شعر". فإن أدوم ربما يشير إلى النفس البشرية وقد فسدت بالخطية فصارت محبة للقتال، وسعير تشير إلى الجسد الملوء شعرًا وكأنه الكرازة بالإنجيل يملك الله على النفس والجسد معًا، فينزع عنا الإنسان العتيق العامل في نفوسنا وأجسادنا ونوهب الإنسان الجديد كميراث الله فينا.

يرى العلامة أوريجينوس أن أدوم كما سعير يشيران إلى الجسد، بكون أدوم يشير إلى الدم (الجسد) وسعير إلى الشعر. لهذا يعلق قائلاً: [أدوم هو الجسد الذي يقاوم الروح (غل٥: ١٧)، عدو الروح. ولكن في مجيء المسيح إذ نخضع الجسد للروح برجاء القيامة يحصل الجسد أيضًا على الميراث. لأنه ليس فقط النفس كانت عدوًا للروح بل الجسد أيضًا، فبإطاعته للروح القدس يكون له نصيب في الميراث الآتي[222]].

أما قوله: "يَصْنَعُ إِسْرَائِيلُ بِبَأْسٍ" (ع٩)، فإن المؤمن وقد خضع بنفسه وجسده لعمل الروح القدس وصار ميراثًا للرب، يصير رجل بأس لا يقدر عدو الخير على مقاومته. حقا لا يعود يحارب جسده وعواطفه وأحاسيسه، بل تتجند هذه جميعها لا لمحاربة النفس بل لمحاربة الخطية، ويصير الجسد الذي كان ثقلاً على النفس معينًا لها.

لهذا يكمل قائلاً: "وَيَتَسَلطُ (يظهر) الذِي مِنْ يَعْقُوبَ وَيَهْلِكُ الشَّارِدُ مِنْ مَدِينَةٍ" (ع١٩). من هذا الذي يظهر أو يتسلط إلاَّ السيد المسيح الذي خرج من إسرائيل، يتجلى في حياة الإنسان المؤمن ببهاء مجده، ويهرب الشيطان الشارد من مدينة الله (القلب). يدخل السيد المسيح إلى القلب بصليبه فيهلك الشيطان ولا يكون له موضع في داخل النفس. يتسلط الإنسان الجديد الحامل سمات المصلوب ويهرب الإنسان القديم بأعماله.

الأعداد 20-25

٣ – نبوته الخامسة

لقد رأى عماليق فنطق بالنبوة الخامسة والأخيرة، وإن كان البعض يعتبرها جزءًا لا يتجزأ من النبوة الرابعة.

يقول: "عَمَالِيقُ أَوَّلُ الشُّعُوبِ وَأَمَّا آخِرَتُهُ فَإِلى الهَلاكِ" (ع٢٠). إن أول حرب تمت في البرية كانت ضد عماليق، لهذا قال أن عماليق أول الشعوب وقد بقوا في حربٍ مستمرة مع هذا الشعب حتى إنتهى عماليق في أيام حزقيا (١أي٤: ٤٣).

إن عدنا إلى سفر التكوين (١٤: ٧) نسمع عن الملوك رجعوا إلى عين مشفاط (الدينونة) التي هي قادش (مقدس) وضربوا كل بلاد العمالقة. لهذا حيث تقوم الدينونة ويفرز البشر عن البرّ، والنجاسة عن التقديس يقتل العمالقة في قادش أي في المقدسات. وكأنه حيث توجد القداسة لا يمكن أن يوجد العمالقة (جنود الشرّ)... يقول العلامة أوريجينوس: [إذًا الذين يلتفون حول المقدسات (قادش) ويهتدون إلى التقديس والطهارة يقتلون عماليق ويزيلونه هذا الذي يقتنص الشعب بسرعة ويجعله منحرفًا... في القداسة (قادش) التي هي عين شفاط (الدينونة)... وبقلب طاهر يتأمل عقاب الخطاة وسعادة الأبرار، بهذا يصارع ليطرح أمراء عماليق. أما الذين لا يهتدون إلى قادش أي القداسة ولا إلى عين الدينونة فلا يتأملون يوم الدينونة القادم. هؤلاء يخضعون لأمراء عماليق. يخطفهم عماليق بسرعة ويفترسهم وينحرف بهم بعيدًا عن الله[223]].

إن عدنا إلى التكوين (٣٦: ١١، ١٢) نسمع أيضًا عن عماليق بن اليفاز بكر عيسو الذي ولدته أمه تمناع. هذا هو عماليق المقاوم لأولاد الله الذي ينبغي مقاومته، والده اليفاز الذي يعني "الهي شتتني" [224]، وأمه تمناع التي تعني "ممتنعة"... هنا عماليق ثمرة الإضطراب والتشتت بعيدًا عن الله والإمتناع عن الرجوع إليه. إنه يمثل حالة التغرب عن الله والإمتناع عن اللقاء معه. لهذا حسب أول عدو لشعب الله لأنه مقاوم لشعب الله ولشعبه، يلتقي بأولاد الله في البرية ليهلكهم.

إن كان عماليق يمثل باكورة المقاومة لله في شعبه، فإن السيد المسيح يمثل باكورة الطاعة لله فيهم، لهذا جاء السيد الذي هو الباكورة (١كو١٥: ٣٢) ليهلك باكورة الشرّ أي عماليق. لهذا يقول بلعام: "وَأَمَّا آخِرَتُهُ فَإِلى الهَلاكِ" وفي الترجمة السبعينية "وأما زرعه فيهلك". هذا الزرع كما يقول العلامة أوريجينوس هو [الإعتقاد الذي جعله راسخًا في ذهن الناس أن ينحرفوا بعيدًا عن الرب. هذا هو الروح الفاسد، والعقيدة البغيضة، الزرع الذي غرسه فيهم. هذا يهلك خلال الرجوع بتنهدات ليخلصوا (إش٣٥: ٢٢) [225]].

يكمل بلعام النبوة قائلاً: "ثُمَّ رَأَى القِينِيَّ... وَقَال: «لِيَكُنْ مَسْكَنُكَ مَتِيناً وَعُشُّكَ مَوْضُوعاً فِي صَخْرَة" (ع٢١). ماذا يعني (القيني) إلاَّ المقتني أو المالك (تك١٤: ٧) فإن كان يلزمنا إبادة روح الشرّ عماليق وكل زرعه أي معتقداته وشروره إنما يجب أن نقتني آخر أو نكون نحن موضوع إقتنائه، ألا وهو السيد المسيح الصخرة ففيه نجد مسكنًا متينًا، وندخل إليه كالعصفور الذي يجد له فيه عشًا! يقول العلامة أوريجينوس: [يستطيع القيني أن يخلص إن نصب عشه على الصخرة، أي وضع رجاءه في المسيح، فلا يلتفت إلى خداعات الهراطقة الذين حوله... [226]].

يقول: "لكِنْ يَكُونُ قَايِنُ لِلدَّمَارِ. حَتَّى مَتَى يَسْتَأْسِرُكَ أَشُّورُ؟" (ع٢٢). إنه يحذر من دخل إلى السيد المسيح ووجد له فيه مسكنًا، إن عاد يتطلع إلى أشور (الهراطقة) ينحرف على الحق فيهلك. إن كان عماليق يمثل الخطر خارج الكنيسة (الخطية والشر) فإن أشور يمثل الخطر داخل الكنيسة خلال الهرطقات تحت اسم المسيح.

يقول: "آهِْ! مَنْ يَعِيشُ حِينَ يَفْعَلُ ذَلِكَ" (ع٢٣). لقد أدرك أنه يتنبأ عن العصر الماسياني الذي يبعد عنه أكثر من ١٥٠٠ عامًا، كما أدرك أنه بعيد من جهة التصديق إذ تحدث أمور فائقة للعقل.

تختم نبوته بالقول: "وَتَأْتِي سُفُنٌ مِنْ نَاحِيَةِ كِتِّيمَ (كريت) وَتُخْضِعُ أَشُّورَ وَتُخْضِعُ عَابِرَ فَهُوَ أَيْضاً إِلى الهَلاكِ" (ع٢٤). لقد رأى بالروح النبوة أحداثًا كثيرة منها:

  1. ما فعله إسكندر المقدوني قادمًا من جزيرة كريت (الحاكم اليوناني)، ويرى البعض أنه يشير إلى الإستعمار الروماني قادمًا من الغرب حيث كان كتيم تشير لا إلى كريت وحدها بل كل الغرب.
  2. تشير إلى خضوع العبرانيين (عابر) للسبي البابلي (أشور).
  3. يرى البعض في خضوع عابر للهلاك إشارة إلى فرض العبرانيين شخص السيد المسيح ودخولهم إلى الهلاك خلال عدم الإيمان.

[213] In Num. , hom 17.

[214] Ibid.

[215] Ibid.

[216] Ibid.

[217] Ibid.

[218] Ibid.

[219] Ibid.

[220] In Num. , hom 18.

[221] Ibid.

[222] Ibid.

[223] In Num. , hom 19.

[224] Ibid.

[225] Ibid.

[226] Ibid.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

الأصحاح الخامس والعشرون – السقوط مع الموآبيات - سفر العدد - القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثالث والعشرين – نبوات بلعام - سفر العدد - القمص تادرس يعقوب ملطي