الأصحاح الأول – تفسير رسالة بطرس الرسول الأولى – القمص أنطونيوس فكري

المقدمة

  1. كتب الرسالة القديس بطرس الرسول أحد الإثنى عشر، تلاميذ السيد المسيح.
  2. تتفق الرسالة مع أسلوب عظات بطرس الواردة فى سفر الأعمال: -.
  3. أشار إلى الله كديان يحكم بغير محاباة (17: 1) مع (أع 34: 10).
  4. الآب الذى أقام المسيح (21: 1) مع (أع 32: 2) + (أع 15: 3) + (أع 40: 10).

ج - السيد المسيح رأس الزاوية (7: 2) مع (أع 11: 4).

  1. كتبت إلى المتشتتين من شتات بنتس وغلاطية وكبدوكية وبيثينية، وهذه جميعها تقع فى آسيا الصغرى. وواضح من هذا أن الرسول أرسلها لكل المؤمنين فى آسيا الصغرى، لذلك تعتبر الرسالة من الرسائل الجامعة.
  2. كتبت ما بين سنة 63، سنة 67 م أثناء إضطهاد نيرون (54 - 68 م).
  3. كتبت من بابل (13: 5) وقد إختلفت الأراء فى تحديد مدينة بابل هذه: -.
  4. قيل أنها بابل القديمة فعلا، أى أن الرسول كتب الرسالة من وراء حدود فلسطين الشرقية، وكان هناك جالية كبيرة فى بابل فى مدينة عرفت بإسم بابل الجديدة إلى جوار خرائب بابل القديمة.
  5. قيل أن بابل هى إشارة لمصر القديمة (بابليون) وقد كانت قبلا موطنا لجماعة من اليهود ومقر معسكر رومانى لا تزال أثاره قائمة إلى يومنا هذا. فإذا علمنا أن القديس مرقس الرسول قد أتى إلى مصرسنة 61 – 62م. فيمكن إستنتاج أن بطرس قد أتى لزيارة مرقس فى مصر.
  6. يقول الكاثوليك أن بطرس كتب رسالته من روما، وأن بابل هى إشارة إلى روما، وهذا الرأى غير صحيح للأسباب التالية: -.

يستند الكاثوليك على أن بابل فى سفر الرؤيا هى إشارة إلى روما، ولكن بابل فى سفرالرؤيا هى إشارة لمملكة الشر فى العالم عموما.

ما الداعى لعدم ذكر الرسول إسم روما صراحة؟!

ثابت تاريخيا أن الرسول بطرس لم يصل إلى روما قبل إستشهاده بها بفترة طويلة كافية لإرسال رسالتين.

ترتيب الولايات كما جاءت فى الرسالة من الشرق إلى الغرب، مما يؤيد أن الرسالة كتبت من مكان ما بالشرق.

بولس يكتب لأهل رومية ويقول "لأنى مشتاق أن اراكم لكى أمنحكم هبة روحية لثباتكم" (رو11: 1). ويقول "أريد أن يكون لى ثمر فيكم أيضا كما فى سائر الأمم" (رو13: 1) فهل يكرز بولس لروما ويكون له ثمر فيها، ويأتى لمنح أهلها هبة روحية لثباتهم وبطرس هناك على رأس الكنيسة. ونحن نعلم أن هذا الأسلوب ليس اسلوب بولس الرسول الذى يقول "ولكن كنت محترصا أن أبشر هكذا ليس حيث سمى المسيح لئلا أبنى على أساس أخر" (رو20: 15).

كيف يكتب بولس رسالة يفرد فيها إصحاحا كاملا لإهداء السلام لشخصيات مغمورة فى روما ولا يذكر فيهم إسم بطرس الذى يعتبره أحد الأعمدة (غل9: 2) إذا كان بطرس موجودا فى روما بل على رأسها (راجع رو16).

  1. ثار الإضطهاد ضد المسيحيين فقتلوا إسطفانوس ثم يعقوب ثم أرادوا قتل بطرس وإشتد الإضطهاد أيام نيرون الذى أشعل النار فى روما فى 19 / 7 / 64 وإتهم المسيحيين بإشعالها، وإضطهدوهم بعنف وقسوة، وفى أيامه إستشهد بولس وبطرس. بل نرى فى (16، 14: 4) أنه كان وقت إعتبر فيه أن إعتناق المسيحية جريمة. لذلك يكتب الرسول رسالته هذه: -.
  2. لتشجيع المؤمنين على إحتمال الألم والإضطهاد، لذلك تعتبر هذه الرسالة من رسائل التعزية، ويربط بين الألم والمجد، ويتكلم كثيرا عن الرجاء.
  3. يحدثنا عن الحياة المقدسة حتى إذا إفْتُرِى علينا لا يكون لهذه الشكايات أساس من الصحة. والحياة المقدسة تظهر فى العلاقات داخل العائلة ومع المجتمع.

يتكلم الرسول عن النعمة والجهاد مثل (13، 1: 1 + 17، 14: 1 + 20: 2 + 18: 4).

الإصحاح الأول

العدد 1

آية (1): -

"1بُطْرُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى الْمُتَغَرِّبِينَ مِنْ شَتَاتِ بُنْتُسَ وَغَلاَطِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَأَسِيَّا وَبِيثِينِيَّةَ، الْمُخْتَارِينَ.".

بُطْرُسُ = هو الإسم الذى دعاه به الرب (يو42: 1) ويسمى بالسريانية صفا أو كيفا ومعناه الصخرة، إشارة للإيمان الذى نطق به (مت18، 16: 16).

رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ = هو أحد الإثنى عشر وليس رئيسا عليهم.

إِلَى الْمُتَغَرِّبِينَ = هذا يتناسب مع روح الرسالة إذ هى موجهة إلى أناس متألمين وهى دعوة لهم لأن يشعروا أنهم غرباء عن هذا العالم فيشتاقوا لموطنهم الحقيقى، أورشليم السماوية وليس أورشليم الأرضية، والتى بدأ منها إضطهاد المسيحيين ولاحظ أن التعلق بالسماويات هو أساس لإحتمال الآلام بصبر والرسالة موجهة لليهود الذين آمنوا بالمسيح فإضطهدوا فتشتتوا، ثم إنضم إليهم الأمم الذين آمنوا.

بُنْتُسَ وَغَلاَطِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ... = وهذه مرتبة من الشرق إلى الغرب. إذاً هو يكتب من مكان ما بالشرق، وليس من روما التى تقع فى غرب آسيا الصغرى.

آسيا = هى مقاطعة فى آسيا الصغرى (تركيا حاليا).

الْمُخْتَارِينَ = على الصليب فتح الإبن يديه معلنا دعوة الآب لكل البشرية. فالله يريد أن الجميع يخلصون (1تى4: 2). والله يدعو وكل إنسان حر فى أن يقبل أو يرفض.

"يا أورشليم... كم مرة أردت....... ولم تريدوا" (مت37: 23) والآب بسابق علمه يعرف الذين يتبعونه ويتجاوبون مع دعوته (رو29: 8). والمختارين إسم أطلقه الرسل على كل المؤمنين وليس معنى هذا أن كلهم يثبتون إلى النهاية فى الإيمان، فالله لا يحرم الإنسان من حريته. ولكن كلمة المختارين تشير إلى أن البداية هى من الله، والفضل هو لله فى إيمانى، إذاً لماذا الإنتفاخ؟

العدد 2

آية (2): -

"2بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِقِ، فِي تَقْدِيسِ الرُّوحِ لِلطَّاعَةِ، وَرَشِّ دَمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ: لِتُكْثَرْ لَكُمُ النِّعْمَةُ وَالسَّلاَمُ.".

سبق وقال أنهم مختارين، واليهود فهموا أن الله إختارهم كشعب مختار متعصبا لجنسهم ولغتهم وبلادهم، ولكن الرسول يبين هنا أساس إختيار الله لشعبه المسيحى.

1 - 2بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِقِ = مما سبق نرى أن الله يدعو(يو6: 44، 45) ولكن ليس الكل يوافق ولكن الإختيار ليس عشوائيا، بل الله يختار من بسابق معرفته يعرف أنه سيتجاوب مع دعوته (رو28: 8 - 30) فعلم الله غير إرادة الله.

2 - تَقْدِيسِ الرُّوحِ لِلطَّاعَةِ = تأثير الروح القدس الذى حل علينا بالميرون هو تبكيت النفس على خطاياها، وإقناعها بترك محبة العالم، بل هو يعطى قوة نميت بها شهوة الجسد الخاطئة ونطيع وصايا الله، فنتقدس أى نتخصص ونتكرس لله (يو8: 16) + (إر7: 20) + (رو26، 13: 8) هذا إذاً هو عمل الروح القدس أن يقدسنا أى يخصصنا لطاعة من إختارنا أى الآب. فالله يختار من يعلم أنه سيقبل تحقيق إرادته "هذه هى إرادة الله قداستكم" (1تس4: 3). بل أن الروح يسكب محبة الله فى قلوبنا (رو5: 5) ومن يحب الله يطيع وصاياه (يو23، 21: 14).

3 - وَرَشِّ دَمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ = بهذه نرى عمل الثالوث فى خلاصنا. فالآب يختار ويدعو والروح يقدس للطاعة والإبن يطهر بدمه. فمن يلبس ثياباً بيض في السماء هم من غسلوا وبيضوا ثيابهم في دم الخروف (رؤ7: 14). ودم المسيح يكفر عنا أى يغطينا، فلا يرى الآب خطايانا، بل يرى دم ابنه، فنحسب كاملين فيه وبلا لوم (كو1: 28 + أف1: 4). ولذلك فإن أفضل طاعة لا قيمة لها بدون دم المسيح. وكلمة رش دم = مقتبسة من العهد القديم (لا4: 14 - 7) + (مز7: 51) حيث كانوا يتطهرون برش دم الذبائح. ورش الدم هو للتطهير، فبدم المسيح نتطهر وتغفر لنا خطايانا (1يو7: 1) + (رؤ14: 7) ولكن لا يكفى التطهير، بل علينا أن نطيع الروح القدس لنتقدس، على أننا طالما كنا فى الجسد فنحن معرضين لأن نخطىء بسبب ضعف جسدنا لذلك فدم المسيح يطهرنا من كل خطية (1يو1: 7) هذا إن كنا نطيع الروح القدس. والروح القدس هو العامل فى أسرار الكنيسة التى تثبتنا فى جسد المسيح. فبالإعتراف الله أمين وعادل، هو يغفر خطايانا (1يو9: 1) + (يع16: 5) + (يو23، 22: 20). والتناول يعطى لغفران الخطايا. ومن يأكل جسد إبن الإنسان ويشرب دمه يكون له حياة أبدية ويثبت فى المسيح والمسيح يثبت فيه (يو48: 6 - 58) + (مت 26: 26 - 28).

الله مثلث الأقانيم خلق الإنسان = الآب يريد ويدعو "نعمل الإنسان.." (تك1: 26) وأقنومى التنفيذ الإبن والروح القدس، الإبن يُكَوِّن الإنسان من تراب الأرض، فبه كان كل شئ، والروح يعطيه حياة (تك2: 7).

الله مثلث الأقانيم يخلقنا خلقة ثانية بالمعمودية = الآب يريد أن الجميع يخلصون. والإبن مات على الصليب وقام، لأجل كل البشر. والروح القدس فى سر المعمودية يشركنا مع المسيح فنموت بإنساننا العتيق ويقيمنا مع المسيح القائم من الأموات متحدين به ولنا حياته الأبدية. لذلك ظهر الثالوث يوم معمودية السيد المسيح وهو يوم تأسيس المعمودية.

الله مثلث الأقانيم يقدسنا = (هذه الآية) الآب يختار، والإبن بدمه يُكَفِّر أى يغطينا والروح القدس يبكت ويعين لنرجع للمسيح ولنثبت فى المسيح فيغطينا دمه. والروح القدس يظل يقنعنا ويعمل فينا لنقبل عمل الإماتة لنظل مدفونين مع المسيح فتظهر فينا حياته (2كو4: 10، 11).

الإنسان = الله دعاه والمسيح فداه والروح القدس يسكن فيه ليثبته فى المسيح. ولكنه هو حر أن يقبل ويقتنع بعمل الروح القدس، أو يظل منفصلا عن المسيح بخطيته.

لتكثَرْ لَكُمُ النِّعْمَةُ وَالسَّلاَمُ = لا سلام بدون نعمة. ولقد إختار الرسول كلمة يونانية (نعمة) وكلمة عبرية (سلام) فالرسالة موجهة لليهود والأمم. والسلام الذى يطلبه لهم الرسول يملأهم حتى وسط آلامهم.

العدد 3

آية (3): -

"3مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ،".

مُبَارَكٌ اللهُ = كلمة مبارك هى تسبحة حمد وشكر لله الذى قدم لنا برحمته خلاصا عجيبا نحن غير المستحقين. فكلمة بركة عبرية تعنى يتكلم كلام حسن عن شخص ما.

وَلَدَنَا ثَانِيَةً = أعطانا بالميلاد الثانى أى المعمودية أن نكون أولادا لله وخليقة جديدة (2كو17: 5) والإبن له ميراث (رو17: 8). وبالطبيعة الجديدة ندرك الله بالروح القدس الساكن فينا ومن يعرفه يحبه، فكل من عرفه أحبه. ونعرفه فنحبه.

وبمحبة الله هذه وإدراكنا للميراث المعد لنا كبنين نحتمل أى ألم بفرح.

لِرَجَاءٍ حَيٍّ = من دخل فى علاقة حب مع المسيح يكون له رجاء كما يقول بولس الرسول "والرجاء لا يخزى لأن محبة الله قد إنسكبت فى قلوبنا بالروح القدس" (رو5: 5). فمن أحب الله إذ شعر بمحبته، يزداد رجاءه فى الحياة الأبدية. وهذا الرجاء يفيض فينا بحياة روحية حقيقية = الحياة الروحية هى حياة يقودها الروح القدس، ومن له هذا الرجاء ينقاد بسهولة ونشاط لدعوة وعمل الروح القدس. وهذا الرجاء هو رجاء حى قوى مؤسس على قيامة المسيح، أى أن ما أعطانا هذا الرجاء الحى هو قيامة المسيح = بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فقيامة المسيح أعطتنا أن تكون لنا قيامة وحياة أبدية مثله، وأنه سيكون لنا نصيبا فى عالم آخر ذهب إليه المسيح قبلنا ليعده لنا (يو1: 14 - 3). لذلك هو رَجَاءٍ حَيٍّ فى مقابل رجاء ميت الذى هو الرجاء فى هذا العالم المحكوم عليه بالموت والفناء والذى كثيرا ما يخيب الظنون والأمال.

العدد 4

آية (4): -

"4لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ،".

لِمِيرَاثٍ = المولود من الجسد ينتظر ميراثا ماديا، والمولود من الروح يتعلق قلبه بميراث روحي (رو17: 8). ونلاحظ أن الطفل لا يدرك شيئا عن ميراث أبائه المعد له، وهكذا نحن لا ندرك عظمة الميراث المعد لنا فهو لا يخطر على بال إنسان (1كو9: 2) ولذلك نجد الرسول هنا لا يعطى مواصفات لهذا الميراث، بل يتكلم عنه من الجانب السلبي فهو ميراث لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل.

لاَ يَفْنَى = أى ليس قابلا للزوال، عكس ميراث إسرائيل الأرضي الذى طالما ضاع منهم.

وَلاَ يَتَدَنَّسُ = كما دنس البابليون واليونان والرومان هيكل اليهود، أما ميراثنا السماوي فلن يدخله عدو يدنسه فهو محروس بسور إلهى وعلى أبوابه ملائكة (رؤ12: 21).

وَلاَ يَضْمَحِلُّ = لا يزول جماله ولا يفقد بهاؤه، أما كل جمال أرضى فهو كإكليل زهور لابد أن يذبل (يع11، 10: 1).

مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ = هو موضوع عناية الله وحراسته، ونحن بالصبر والجهاد نسعى نحوه.

العدد 5

آية (5): -

"5أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ.".

علينا أن نجاهد ولكن باطمئنان أن قوة الله تحرسنا حتى لا يضيع منا هذا الميراث المعد لنا. فالعلة الأولى لحفظ المؤمن المسيحي هى قُوَّةِ اللهِ (يو11: 17).

والوسيلة لهذا هى الإيمان = بِإِيمَانٍ فبدون إيمان لا يمكن إرضاؤه (عب6: 11) والله الذى حفظ الكنيسة رغم كل الإضطهادات قادر أن يحفظنا ويحفظ كل نفس متكلة عليه من الخطايا المحيطة بنا، فقوة الله التى أقامت المسيح قادرة أن تقيم أضعف مؤمن (اف20، 19: 1). وقوة الله تعمل بإيماننا. فعدم الإيمان يعطل عمل الله "ولم يصنع هناك قوات كثيرة لعدم إيمانهم" (مت58: 13).

تطلع إلى يسوع إذا هوجمت من تجربة وقل له أنا أثق فى قوتك ولا تتطلع إلى ضعفك أو قوة أعدائك، فبطرس غرق فى الماء إذ نظر إلى شدة الريح ولم ينظر إلى قوة يسوع (مت30: 14). فإنها لخطية شنيعة أن يظن أحد أن القدير غير قادر على حمايته، وأيضا هو جهل وخطية أن نظن أننا نحن الذين نحمى أنفسنا.

لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ = فالمسيح بدأ عمله الخلاصى بالصليب والروح يعيننا الآن حتى نكمل، ولكن عمل الخلاص ينتهى بحصولنا على الجسد الممجد ودخولنا إلى الميراث الأبدى. ولكن كيف نكون محروسين؟

  1. برجوعنا وتوبتنا المستمرة. وهذا يكون بالإستجابة لصوت تبكيت الروح القدس فينا.
  2. الإتكال الكامل على المسيح وعدم الشك فيه ولا فى قدرته.
  3. رفض كل إغراءات إبليس والهروب من كل أماكن الشر.
  4. الإهتمام بتنفيذ وصايا الله والسهر الدائم على تنفيذ مرضاته.
  5. الشركة مع الله فى صلاة دائمة بهذا نكون كمن فى حصن.

العدد 6

آية (6): -

"6الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ، مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ ­ إِنْ كَانَ يَجِبُ ­ تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ،".

الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ = أى الخلاص (آية 5) فالخلاص ليس معناه غفران خطايانا أو أننا سنرث فى الأبدية ملكوت السموات فقط. بل الخلاص يعمل فينا الآن ونحن على الأرض فنحيا نجاهد بفرح، والروح الساكن فينا يعيننا فنسلك فى البر بإبتهاج قلب، إذ أننا ولدنا من الله وصرنا خليقة جديدة (2كو17: 5) هذه الخليقة الجديدة لا سلطان للخطية عليها (رو14: 6). وهذه الخليقة الجديدة مملوءة بالروح ومن ثماره الفرح (غل23، 22: 5). لذلك نجد أولاد الله مملوئين بهجة، والبهجة التى يعطيها الله لأولاده هنا على الأرض هى عربون ما سنحصل عليه فى الأبدية من أفراح أبدية. وكلمة تبتهجون التى إستعملت هنا فى اللغة اليونانية الأصلية تشير لشدة الفرح. ونلاحظ أن أحلى مزامير داود قيلت وسط الآلام، وكانت مواكب الشهداء تدخل لساحات الإستشهاد بالترانيم وسط فرح عجيب، لذلك نفهم أن سمة الفرح الذى يعطيه الله للمؤمنين أنه لا ينتزع منهم وسط الآلام ولا بسبب أى ضيقة (يو22: 16).

إِنْ كَانَ يَجِبُ ­ تُحْزَنُونَ = قوله يجب يشير لأن التجربة لها هدف وقصد معين، فهى تطهر وتنقى المؤمن من أى شوائب. فالنيران (آية 7) هى نيران مطهرة، والله لا يلقى أحد فى تجربة إن لم يكن قادرا على إحتمالها (1كو13: 10). بل أن الله يظهر وسط الضيقة مساندا للمتألم (كما حدث مع الثلاثة فتية فى أتون النار) ووجود الله وسط الضيقة يعطى تعزية عجيبة للمتألم. هنا نرى شركة الصليب إذ نحمل صليبنا مع المسيح المصلوب، ونرى شركة الفرح مع المسيح الذى يحمل معنا صليبنا.

يَسِيرًا = زمن العمر كله مهما كان طويلا فهو زمن قصير نسبيا (2كو17: 4).

بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ = تشير لتعدد أشكال التجارب، وإستخدمت كلمة متنوعة ثانية فى (10: 4) لوصف نعمة الله، فبنعمة الله فقط نستطيع أن نواجه التجارب. وهى متنوعة لان لكل خطية او مرض روحى علاج مختلف (إش28: 23 – 29). والله يعلم طريقة علاج كل مرض.

العدد 7

آية (7): -

"7لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ،".

تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ = إيماننا يولد وينمو (لو5: 17) + (2تس3: 1). وحتى ينمو ينقيه الله من شوائبه بأنه يسمح ببعض التجارب. وهذا ما يحدث مع الذهب الذى يمر فى النار ليطهر مما هو زغل وغش فيظهر المعدن الحقيقى للذهب. وهدف التجارب هو غربلة إيماننا ليتبقى منه ما هو صحيح، ولينمو إيماننا ويصير إيمانا صادقا. وإن كان الذهب ثمينا إلا أنه فانٍ، بعكس إيماننا الذى سيزكينا للمجد. الإيمان لوكان قويا صحيحا فهذا سيعود على صاحبه بالمجد عند إستعلان يسوع المسيح أى ظهوره. وكلمة تزكية جاءت فى الترجمة الإنجليزية Genuineness أى حقيقى وغير زائف. وكلمة تزكية فى العربية تعنى أن يشهد إنسان لآخر بالكفاءة والنزاهة ليستحق عمل ما مثلا. وبإضافة المعنى الإنجليزى للمعنى العربى تتضح الصورة، فالله يسمح لنا ببعض التجارب لنتنقى فنتزكى أى نصبح مستحقين للمجد السمائى.

تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ = المدح والكرامة هى أجر من إحتمل التجربة وتنقى إيمانه.

وَالْمَجْدِ = إذ نرى الله (1يو2: 3) نعكس مجده. ولن نراه فقط بل نتحد به.

وإذ نعكس مجده سيكون لنا جسد ممجد، وإذ نعكس نوره سيكون لنا جسد نورانى.

العدد 8

آية (8): -

"8الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ تُحِبُّونَهُ. ذلِكَ وَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَرَوْنَهُ الآنَ لكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ، فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ،".

لعل بطرس كان فى ذهنه وهو يكتب هذه الآية قول السيد "طوبى لمن آمن ولم يرى. ورؤية المسيح بالجسد لها تأثير أضعف من الرؤية بالروح القدس أى التى يعطيها لنا الروح القدس بالإيمان، فكثيرون من الذين رأوا المسيح بالجسد شاركوا فى صلبه. ونفهم من الآية أن الإيمان هو مدخل لكل شىء ولكل بركة إلهية،" فبدون إيمان لا يمكن إرضاؤه "(عب6: 11). وبالإيمان تنفتح أعيننا ونعرف المسيح معرفة حقيقية، وإذ نعرفه نحبه، والمحبة هى طريق الفرح، فنفرح فرحا عجيبا = فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ. ففى معرفة المسيح حياة (يو3: 17).

ونلاحظ فى هذه الآية إرتباط الإيمان بالمحبة والإبتهاج. فكلما ينمو إيماننا تزداد محبتنا فيزداد إبتهاجنا. وشروط نمو الإيمان: -.

  1. نزع كل ما لا يتفق وقداسة الله من داخل قلوبنا.
  2. التأمل بهدوء فى مواعيد الله فى الكتاب المقدس. والتأمل فى أعمال محبة الله لنا.
  3. طاعة كل وصية نعرفها ولو بالتغصب، وهذا ما يسمى بالجهاد.
  4. بذل أنفسنا فى أعمال محبة ولو بالتغصب، وهذا ما يسمى أيضا بالجهاد.
  5. عدم التذمر فى الضيقات، فالله يسمح بها فى محبته لنا لزيادة ونمو إيماننا.

العدد 9

آية (9): -

"9نَائِلِينَ غَايَةَ إِيمَانِكُمْ خَلاَصَ النُّفُوسِ.".

هدف إيماننا هو خلاص نفوسنا كما أجسادنا فى يوم الرب (رو23: 8).

الأعداد 10-11

الآيات (10 - 11): -

"10الْخَلاَصَ الَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ، الَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ، 11بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَدِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ، إِذْ سَبَقَ فَشَهِدَ بِالآلاَمِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ، وَالأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا.".

الْخَلاَصَ ليس معناه الحياة فى السماء بعد الموت، بل فى جعل نفوسنا سليمة كاملة، وحصولنا على طبيعة جديدة سليمة ونحن ما زلنا على الأرض (2كو17: 5) وإستبدال الفساد بالحياة الأبدية.

النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ = وهو نصرة كل يوم على الخطايا التى تأتى من داخل أو من إبليس. وهو حياة كلها فرح وتعزية وسط ضيقات العالم. هذا لم يعرفه شعب العهد القديم، لكن الروح كشف للأنبياء بأن هناك خلاص معد سيأتى فى ملء الزمان، لقد أعلن الروح القدس للأنبياء عن أشياء ربما لم يفهموها بالكامل، وربما حيرت عقولهم بعد أن حصلوا عليها، لكنهم فى أمانة سجلوا لنا كل ما حصلوا عليه وكشفه لهم الروح القدس. وشهادتهم هذه فيها تحقيق لصدق الكتاب المقدس. وكانت شهادتهم فيها نبوات عن أن شخصا هو المسيا سيأتى ويتألم ويموت ويقوم ويصعد للسماء ويسكب روحه القدوس.

بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ = بل هم حددوا وقت مجيئه (دا9: 24 - 26) ومكان ولادته (ميخا5: 2)، وكان ذلك بروح الله القدوس الذى فيهم = رُوحُ الْمَسِيحِ = فالروح القدس هو واحد مع الآب والإبن وسُمِّى هنا روح المسيح لأنه وَجَّه الأنبياء للحديث عن المسيح ليوجه الأنظار إليه (رؤ10: 19) بل تكلم الأنبياء عن الأمجاد المعدة للمؤمنين بالمسيح. وكون أن الله يكشف كل هذا فى النبوات فهو يقصد أن يقول أن الخلاص أعده الله أزليا للبشر حتى قبل أن يخلقهم، هو شىء مرتب فى فكر الله.

ولكن لاحظ قوله فَشَهِدَ بِالآلاَمِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ، وَالأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا = فهذا الكلام موجه لأناس متألمين، ويقول لهم إن المسيح تألم لأجلكم، أفلا تقبلون أن تتألمون مثله، وإن كان هو قد تمجد فأصبروا لكى تتمجدوا معه.

العدد 12

آية (12): -

"12الَّذِينَ أُعْلِنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ لَيْسَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لَنَا كَانُوا يَخْدِمُونَ بِهذِهِ الأُمُورِ الَّتِي أُخْبِرْتُمْ بِهَا أَنْتُمُ الآنَ، بِوَاسِطَةِ الَّذِينَ بَشَّرُوكُمْ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُرْسَلِ مِنَ السَّمَاءِ. الَّتِي تَشْتَهِي الْمَلاَئِكَةُ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْهَا.".

هم بشروا بالمسيح المخَلِّص الذى لن يأتى فى زمانهم، بل سيأتى فى ملء الزمان.

بَلْ لَنَا = أى المسيح سيأتى فى زمان بطرس. والذى نبشركم نحن به = أُخْبِرْتُمْ بِهَا أَنْتُمُ.

الَّتِي تَشْتَهِي الْمَلاَئِكَةُ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْهَا = الحب من سمات الملائكة، لذلك فالملائكة تشتهى أن تطلع على خلاص الإنسان، وإن كان الملائكة لم يدركوا كل أبعاد النعمة والأمجاد التى حصل عليها البشر، فبالأولى نحن لن يمكننا فهم كل شىء، بل نحن على الأبواب وفى بداية المعرفة.

(فى الآيات التالية يصور لنا القديس بطرس الرسول أن أمامنا طريقين نسلك فى أحدهما.

  1. القداسة أى نحيا فيما يرضى الله.
  2. أن نتلذذ بشهوات العالم.

ويقول إن من ينام هو من يسلك فى هذه الملذات، أما الصاحى فهو من يدرك أنه فى أى لحظة ستنتهى حياته فيخاف أن يخالف وصايا الله، ليس عن خوف ينشأ عنه كبت، بل هو خوف من له رجاء فى مجد أبدى يخاف ان يضيع منه.

العدد 13

آية (13): -

"13لِذلِكَ مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ صَاحِينَ، فَأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ بِالتَّمَامِ عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.".

مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ صَاحِينَ = هذا تشبيه مأخوذ من عادة كانوا يمارسونها حينما يستعدون لعمل ما، والمقصود إستعدوا ذهنيا وإصحوا، فأمامكم عمل وجهاد حتى لا يضيع خلاص نفوسكم. والرسول فسر قوله منطقوا أحقاء ذهنكم بقوله صاحين. وبقية الرسالة تعنى بإظهار أنه فى مقابل هذا الخلاص الذى قام به ربنا يجب أن نجاهد بسلوك مسيحى متمثلين بالله نفسه فى قداسته.

لِذلِكَ = أى بناء على ما تقدم من كلام عن الخلاص الثمين إعملوا كذا وكذا.

صَاحِينَ = كالعبيد الذين ينتظرون قدوم سيدهم فى أى لحظة. هذه = قول الرب إسهروا.

وقوله مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ = تشير أيضا لأن الرسول يريد أن يقول كونوا عاقلين متزنين معتدلين فى كل أمور حياتكم، وإجمعوا كل أفكاركم فى المسيح الذى سيأتى وحرروا أفكاركم من كل قيد، وهكذا مع عواطفكم. ساهرين فى حياة مقدسة متشبهين بعريسنا القدوس.

فَأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ = السهر والجهاد بغير رجاء يجعل النفس تخور. فإختاروا طريق الله وليكن لكم رجاء فيما لا يُرى وليس فيما يُرى، أى ليكن رجاءكم فى المجد السماوى وليس فى الأرضيات التى ترونها الآن. ليكن رجاؤنا فى المجد المعد لنا الذى أطلق عليه هنا النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ = أى المجد الذى ستحصلون عليه = عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ = أى فى مجيئه الثانى.

العدد 14

آية (14): -

"14كَأَوْلاَدِ الطَّاعَةِ، لاَ تُشَاكِلُوا شَهَوَاتِكُمُ السَّابِقَةَ فِي جَهَالَتِكُمْ،".

كَأَوْلاَدِ الطَّاعَةِ = تعبير عبرانى يعنى أن الطاعة أمهم التى يتوجب عليهم أن يرثوا صفاتها، والمعنى أنه عليكم أن تطيعوننى فيما أطلبه منكم وهو لاَ تُشَاكِلُوا شَهَوَاتِكُمُ السَّابِقَةَ = التى كنتم تمارسونها فى بعدكم عن الله = فِي جَهَالَتِكُمْ = إذ كنتم تجهلون الله وتجهلون مجد الحياة الأبدية المُعَّد لكم، كنتم تحيون حياة العصيان والبحث عن الملذات العالمية كما يفعل أهل العالم، ولكن الآن حصلتم على طبيعة جديدة هى طبيعة الطاعة. فلنفهم أننا صرنا أولادا لآب سماوى كلى الصلاح، فلا يجب أن ننساق وراء شهواتنا السابقة، ولنسلك بما يليق بمركزنا الجديد.

لاَ تُشَاكِلُوا = لا تعودوا وتتشبهوا بهذه الحياة وبهؤلاء الذين يحيون فى الخطية.

الأعداد 15-16

الآيات (15 - 16): -

"15بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ. 16لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ».".

قداسة فى العبرية "قدش" ومعناها شىء معزول ومفرز لله ومخصص له. كما كان يكتب على عمامة رئيس الكهنة "قدس للرب". وهكذا كانت العشور تسمى قدس للرب، وهكذا ينبغى أن نقدس هيكلنا الداخلى للرب مجاهدين ضد الخطية والشهوات. حقيقة لا نستطيع أن نحيا بلا خطية، ولكن إن سقطنا نقوم ونعترف، واضعين أمام أعيننا غربتنا فى هذا العالم. وقُدُّوسِ باليونانية تعنى اللاأرضى. والمتعالى والمتسامى عن الارضيات وهذه لا تقال سوى على الله فقط. وقِدِّيسِ هو من يجتهد أن يتسامى ويبتعد عن الارضيات مكرساً نفسه لله. وكلما يعلو الانسان فى السمو يصبح أكثر قداسة. وهذا كما قال بولس الرسول "إن كنتم قد قمتم مع المسيح فأطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس.." (كو3: 1 – 5).

وبهذا نفهم أننا مخصصين لله لكى نحيا فى السماويات، ولا يشغل تفكيرنا الملذات الأرضية، بل المجد المعد لنا فى السماء (كو 1: 3 - 4). ويساعدنا على ذلك أن نميت أعضائنا التى على الأرض (كو 5: 3). أى نقف أمام الخطية كأموات ونكرهها. ومن يفعل يعطيه روح الله معونة، هذا هو عمل النعمة (رو 13: 8).

نَظِيرَ الْقُدُّوسِ... كُونُوا قِدِّيسِينَ = المثال الذى نضعه أمامنا هو الله نفسه، وليس إنسان، هذه مثل "كونوا كاملين كما أن أباكم الذى فى السموات هو كامل". والمقصود كما أن الله أبوكم قدوس سماوى، عيشوا حياتكم حياة سماوية.

فِي كُلِّ سِيرَةٍ = فى كل تصرف، وفى كل معاملة وفى كل أمر، حتى فى أفكاركم الخفية.

لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ». = (لا 44: 11).

العدد 17

آية (17): -

"17 وَإِنْ كُنْتُمْ تَدْعُونَ أَبًا الَّذِي يَحْكُمُ بِغَيْرِ مُحَابَاةٍ حَسَبَ عَمَلِ كُلِّ وَاحِدٍ، فَسِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ،".

إن الإدعاء بكوننا أولاد الآب السماوى يستدعى سلوكا وقورا فى حياتنا الزمنية. فالله أبونا يَحْكُمُ بِغَيْرِ مُحَابَاةٍ = وهذا يعنى أن الله لن يقبلنا لأننا مؤمنين مع كوننا خطاة ويترك غير المؤمنين. بل لأنه قدوس لن يقبل أى خطية وسيحاكم كل واحد مؤمن كان أو غير مؤمن = حَسَبَ عَمَلِ كُلِّ وَاحِدٍ. لذلك يقول فَسِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ = وهذه مثل قول بولس الرسول "تمموا خلاصكم بخوف ورعدة" (فى 12: 2). حقا الله أبونا فلا نيأس، ولكن الله ديان فعلينا أن لا نستهتر.

الأعداد 18-19

الآيات (18 - 19): -

"18عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ، 19بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ،".

أبعد أن إشترانا المسيح بعد أن كنا عبيد شهواتنا وعبيدا لإبليس، وهو إشترانا بدمه، هل نعود ونبيع بكوريتنا بأكلة عدس (أى بشهوة رخيصة) الأبكار هم من خلصوا من عبودية فرعون بدم خروف الفصح، ونحن صرنا أبكارا خلصنا، وتحررنا بدم فصحنا المسيح.

سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ = حياتكم الأولى المليئة بالعار والخطية.

تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ = إستلم اليهود من أبائهم عادات رديئة ووصايا أبطلت ناموس الله الحقيقى. والوثنيين إستلموا من أبائهم سيرة باطلة وخطايا بها يعيشون على غرار أبائهم. وأتى المسيح ليغيرنا تغييرا عجيبا فسيرتنا الباطلة تستبدل بالقداسة فى كل شىء.

لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ = كانوا يفتدون أسري الحرب بفضة وذهب، وهكذا يفعلون مع العبيد ليحرروهم، أما الرب فقدم دمه ليفتدينا ويحررنا من حياة العبودية لخطايانا القديمة.

العدد 20

آية (20): -

"20مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنْ قَدْ أُظْهِرَ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ،".

بذل المسيح لذاته على الصليب، والدم الذى إشترانا به كان فى خطة الله الأزلية = مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. ولكنه ظهر فى ملء الزمان.

العدد 21

آية (21): -

"21أَنْتُمُ الَّذِينَ بِهِ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَأَعْطَاهُ مَجْدًا، حَتَّى إِنَّ إِيمَانَكُمْ وَرَجَاءَكُمْ هُمَا فِي اللهِ.".

أَنْتُمُ = راجعة للآية السابقة إذ قال "من أجلكم". فهو قدم دمه من أجلكم أنتم الذين تؤمنون به. حقا لقد قدم المسيح دمه لكل العالم، لكن لن يستفيد به فى خلاص نفسه إلا كل من يؤمن به = أَنْتُمُ الَّذِينَ بِهِ تُؤْمِنُونَ.

أَنْتُمُ الَّذِينَ بِهِ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ = فنحن بالمسيح عرفنا الآب فنحن لا نستطيع أن نرى الآب فى مجده (خر 20: 33). ولذلك أتى المسيح وتجسد (تث 15: 18 - 18) وذلك ليستعلن لنا الآب. ولذلك قال المسيح "من رآنى فقد رأى الآب" (يو 9: 14).

فحينما رأينا محبة المسيح لنا أدركنا محبة الآب لنا. وحين رأينا المسيح يقيم أموات أدركنا أن إرادة الآب لنا حياة أبدية وهكذا.

وَأَعْطَاهُ مَجْدًا = بصعوده للسماء وجلوسه عن يمين الآب.

الله الذى أقامه = لاهوت المسيح المتحد بناسوته هو أقامه، فلاهوت الآب والإبن والروح القدس واحد.

الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ = إيماننا ورجاؤنا ينبعان من قوة قيامته وصعوده ليعد لنا مكانا. وبدون عمل المسيح ما كان لنا أن نتوقع سوى دينونة الله لنا.

إِيمَانَكُمْ وَرَجَاءَكُمْ هُمَا فِي اللهِ = الذى أحبنا وبذل إبنه لأجلنا (رو 23: 8).

العدد 22

آية (22): -

"22طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ، فَأَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ.".

طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ = إذاً علينا أن نجاهد لنطهر أنفسنا ولكن كيف؟ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ = أى نعرف الحق الإلهى المعلن فى الكتاب المقدس وكل وصاياه ونطيعها. والحق هو المسيح الذى قال عن نفسه "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو 6: 14) وهذا فى مقابل الرموز فى العهد القديم أو العالم الباطل الذى يتعبد له الوثنيون. إذاً المقصود هو الإيمان بالمسيح الحق وطاعة كل وصاياه، والإيمان ليس هو الإيمان النظرى بل الثقة فى أن وصايا المسيح هى طريق الحياة الأبدية فننفذها.

بِالرُّوحِ = فالروح يعين ضعفاتنا (رو26: 8). نحن أضعف من أن نطيع الحق، لكن الروح القدس يعطينا معونة، لكنه يعطيها لمن يجاهد ويحاول أن يحفظ الوصية، كقول بولس الرسول "إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد" (رو 13: 8).

فالروح القدس يعلم ويذكر ويبكت ويعين ومن يطيع ولا يقاوم يملأه الروح محبة لله (يو 26: 14 + يو 8: 16 + رو 26: 8 + رو 5: 5). أما من يقاوم الروح ولا يطيع، يُحزِن الروح ويطفئه (أف 30: 4 + 1 تس 19: 5).

إذاً من يطيع يمتلىء محبة لله أولا وبالتالى سيمتلىء محبة للإخوة = لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ ومن ثمار الروح المحبة... ومن يطيع يمتلئ. لذلك يقول فِي طَاعَةِ الْحَقِّ.

(جهادنا فى طاعة الحق أى نغصب أنفسنا على طاعة الوصية)... بِالرُّوحِ (معونة الروح)... يؤدى لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ (النتيجة).

إذن المحبة الأخوية لا تأتى من إجتماعاتنا معا فى جلسات ودية للأكل والشرب، بل من طاعة الحق وتطهير النفس بالروح أى بمساعدة الروح.

لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ = حيث يتسع القلب لكل البشرية بلا تمييز أو محاباة.

الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ = إذ لا تنبع عن دوافع مظهرية بل حب داخلى بلا غرض أو مكسب ما.

مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ = محبة ليس دافعها الشهوة أو الدنس، بل من قلب قد تطهر بالروح وصار نقيا فى غاياته. بِشِدَّةٍ = على مثال حب المسيح الباذل على الصليب. محبة كهذه ليست من إمكانيات الإنسان الطبيعى، بل من إمكانيات الإنسان المولود ثانية من الماء والروح، والذى صار خليقة جديدة على صورة الله المحب. لذلك يشير فى الآية التالية للمولودين ثانية الذين لهم إمكانيات هذا الحب الطاهر بشدة.

العدد 23

آية (23): -

"23مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى، بِكَلِمَةِ اللهِ الْحَيَّةِ الْبَاقِيَةِ إِلَى الأَبَدِ.".

مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً = لقد حصلنا على الولادة الثانية بالمعمودية أى من الماء والروح (يو 5: 3). لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى = أى ليست من زرع بشرى أى نتيجة علاقة جسدية عادية. أى العلاقة التى بين أب وأم، فولادتنا هكذا أعطتنا جسد يموت، أى زرع يفنى. أما المعمودية فهى أعطتنا حياة زرعت فينا هى حياة المسيح وهذه الحياة لا تفنى (راجع رو6). فالزرع الناشىء عن الولادة الجديدة لا يفنى فهو حياة المسيح فينا، ولذلك يقول بولس الرسول "فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فىَّ" (غل 20: 2).

ويقول "لى الحياة هى المسيح" (فى 21: 1). فالزرع الذى زرع فينا هو حياة المسيح، لذلك يقول مولودين ثانية... مما لا يفنى بكلمة الله. وفى الولادة الثانية نصير أولاداً لله لأننا نتحد بابنه كلمة الله.

وكلمة الله تفهم كالآتى: -.

  1. اللوغوس أو الكلمة المتجسد الذى بفدائه صار للمعمودية قوة. وبالمعمودية زرعت فينا حياة المسيح (كلمة الله) فصارت لنا حياته.
  2. وعود الله (كلمات الله فى النبوات والعهد القديم) بأنه ستكون لنا طبيعة جديدة (إر31: 31 - 34) + (حز 19: 11).
  3. كلمة الله فى الكتاب المقدس. وهذه تنقى من يسمعها (يو 3: 15) فكلمة الله هى سيف ذى حدين (عب 13: 4) الحد الأول ينقى بأن يقطع محبة الخطية من قلوبنا، وكأننا بهذا نولد من جديد. أما الحد الثانى فهو لمن يرفض هذه التنقية ويسمى حد الدينونة (يو 48: 12) + (رؤ 16: 2). فكلمة الرب فى كتابه المقدس تدخل فى نفوس البشر الميتة فتحييها فيعودوا لحياة المحبة الطاهرة الإلهية.

نفهم مما سبق أن كلمة الله هى وعده بأن تكون لنا حياة جديدة، قلب لحم عوضا عن قلب الحجر. قلب مكتوب عليه وصايا الله بالحب (أر 31: 31 - 34) + (حز 19: 11) وهذه الطبيعة الجديدة حصلنا عليها بالمعمودية فزرعت فينا حياة كلمة الله. ولكن بإختلاطنا بشهوات العالم نفقد هذه الطبيعة الجديدة ونستعيدها بدراسة كلمة الله التى تنقى (يو 3: 15). ولذلك علينا بالإنتظام فى دراسة الكتاب المقدس.

العدد 24

آية (24): -

"24لأَنَّ: «كُلَّ جَسَدٍ كَعُشْبٍ، وَكُلَّ مَجْدِ إِنْسَانٍ كَزَهْرِ عُشْبٍ. الْعُشْبُ يَبِسَ وَزَهْرُهُ سَقَطَ،".

مقتبسة من (إش 6: 40 - 8) والمقصود أن يزهدوا فى محبة الجسد وتدليله ومحبة العالم وأمجاده. وهذا يساعدهم مع ما سبق فى (آية 23) على إحتفاظهم بحالة البنوة التى حصلوا عليها فى الميلاد الثانى. فإماتة الجسد وشهواته تظهر حياة المسيح فينا هذه التى زرعت فينا بالمعمودية (2كو4: 10، 11).

العدد 25

آية (25): -

"25 وَأَمَّا كَلِمَةُ الرَّبِّ فَتَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ». وَهذِهِ هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي بُشِّرْتُمْ بِهَا.".

الجسد الذى ولدنا به من آدم عشب يموت ويفنى أما بعد الولادة الثانية بالمعمودية ننال حياة أبدية لاتحادنا بالمسيح الذى لا يموت.

No items found

الأصحاح الثاني - تفسير رسالة بطرس الرسول الأولى - القمص أنطونيوس فكري

تفاسير بطرس الرسول الأولى الأصحاح 25
تفاسير بطرس الرسول الأولى الأصحاح 25