الأصحاح الثاني والعشرون – قصة بلعام – سفر العدد – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 04- تفسير سفر العدد – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الأصحاح الثاني والعشرون – قصة بلعام

إذ أشرف الشعب على الدخول إلى أرض الموعد، ابتكر الشيطان حربًا جديدة لا خلال قواد وجنود بل خلال بلعام النبي، لا بأسلحة منظورة إنما بطلب اللعنة أن تحل عليهم لكي لا ينجحوا في الطريق. إنها آخر سهم يصوب من الشيطان لمحاربتهم قبل عبورهم الأردن. وقد اهتم الوحي الإلهي بعرض القضية في كثير من التفاصيل وإن كانت لا تزال تعتبر لغزًا في نظر الكثيرين.

١ – شخصية بلعام بن بعور.

٢ – دعوة بالاق الأولى له ١ - ٨.

٣ – ظهور الله لبلعام ٩ - ١٣.

٤ – تكرار الدعوة له ١٤ - ٢١.

٥ – بلعام في الطريق ٢٢ - ٣٥.

٦ – استقباله في موآب ٣٦ - ٤١.

١ – شخصية بلعام بن بعور

إذ رأى بالاق بن صقور ملك موآب الخطر يحوط به عوض أن يستعد للحرب بخطة حربية، التجأ إلى بلعام لكي يلعن الشعب فينهزم أمامه.

من هو بلعام هذا؟ من أي شعب هو؟ وهل هو نبي حقيقي أم عرّاف؟ من الذي كان يتحدث معه الله أم إلهًا وثنيًا؟

أولاً: من جهة جنسه فواضح أنه ليس من شعب الله. فقد كان مستقرًا في المنطقة، ويبدو أن له ماضي طويل في أعمال خارقة للطبيعة يعرفها الملك جيدًا، إذ يقول له: "لأَنِّي عَرَفْتُ أَنَّ الذِي تُبَارِكُهُ مُبَارَكٌ وَالذِي تَلعَنُهُ مَلعُونٌ" (ع٦). وكان بلعام قد مارس أعمالاً نجح فيها. وفي حديث الملك معه عن الشعب الذي يريد أن يلعنه يظهر بوضوح أن لا علاقة لبلعام به، إذ يقول له: "هُوَذَا الشَّعْبُ الخَارِجُ مِنْ مِصْرَ قَدْ غَشَّى وَجْهَ الأَرْضِ" (ع١١).

يقول بلعام للملك: "هُوَذَا أَنَا مُنْطَلِقٌ إِلى شَعْبِي. هَلُمَّ أُنْبِئْكَ بِمَا يَفْعَلُهُ هَذَا الشَّعْبُ بِشَعْبِكَ فِي آخِرِ الأَيَّامِ" (٢٥: ١٤). وكأنه يتحدث عن ثلاث شعوب، شعب بلعام، وشعب الملك، والشعب الذي سيتصرف بشعب الملك، فماذا يقصد بلعام بقوله "شعبي"؟... غالبًا ما كان بلعام من الأمم المجاورة المتحالفة مع بني موآب في ذلك الحين مثل المديانيين، وهم شعب كثير التجوال في الصحراء، وكان على علاقة طيبة مع موآب في ذلك الوقت، لهذا إستعان الملك بشيوخ مديان. وربما قصد بلعام بقوله "شعبي" الجماعة التي يعيش في وسطها كشعبٍ محلي يقيم حول هذا الرجل في خضوع له وولاء أمام شهرته وإمكانياته الفائقة.

ثانيًا: هل كان بلعام نبيًا حقيقيًا أم عرافًا؟

رأى البعض أن بلعام كان نبيًا حقيقيًا، دخل في معاملات مع الله، فكان غالبًا ما يستشيره قبل أي تصرف. ويكرر الكتاب المقدس مثل هذه العبارات: "فَأَتَى اللهُ إِلى بَلعَامَ" (ع٩)، "فَقَال اللهُ لِبَلعَامَ" (ع١٢)، "كَشَفَ الرَّبُّ عَنْ عَيْنَيْ بَلعَامَ فَأَبْصَرَ مَلاكَ الرَّبِّ" (ع٣١)، "فَوَافَى الرَّبُّ بَلعَامَ وَوَضَعَ كَلاماً فِي فَمِه" (٢٣: ١٦)... هذا وقد نطق بلعام بخمسة نبوات إلهية غاية في الروعة (ص٢٣، ٢٤).

عند أصحاب هذا الرأي، ليس الأمر الغريب أن يتعبد إنسان أممي لله، ففي العصر الرسولي وُجد كرنيليوس الذي كان يعبد الله بتقوى (أع١٠: ٣٥)، إذ نعمة الله غير قاصرة على أمة معينة لكنها تعمل في النفس التي تسعى نحو الرب بقلبٍ مملوء إخلاصًا.

ويعللون صحة نبوته أنه لو كان ساحرًا أو عرّافًا فلماذا اهتم الله بإصرار ألاَّ يلعن الشعب، فإن ما يخرج من فم الشيطان وأتباعه ضد أولاد الله لا قيمة له! أما كون بلعام قد أخطأ وتكرر خطأه، وانتهت حياته بجريمة كبرى ارتكبها في حق الله وأولاده، فإنهم يرون أن كلمة "نبي" لا تعني وظيفة دائمة متى أعطيت لإنسان رافقته كل حياته، وإنما يمكن أن يوهب روح النبوة لإنسانٍ فترة مؤقتة لتحقيق خطة إلهية ومقاصد سماوية بعدها ينزع عنه هذا الروح. هذا والأنبياء أنفسهم لهم أخطاؤهم لا في حياتهم الشخصية فحسب، بل وأحيانًا في الخدمة إن تصرفوا من ذواتهم، كما حدث مع ناثان النبي حين أخبره داود النبي أن يبني بيتًا للرب، فأجابه من نفسه: "اذهب افعل كل ما بقلبك لأن الرب معك" (٢صم٧: ١ - ٣). لكن ناثان صحح الموقف في اليوم التالي عندما أعلن له الرب أن داود لن يبني البيت بل ابنه (٢صم٧: ٤ - ١٦).

لقد رأت الكنيسة الأولى بآبائها في بلعام رجلاً ساحرًا وعرافًا استخدمه الله لتحقيق رسالة إلهية ومقاصد علوية، فإنه ليس غريبًا أن يخرج من الآكل أكلاً ومن الجافي حلاوة. وفيما يلي موجزًا لنظرة الآباء لشخصية بلعام والأحداث التي دارت حوله:

  1. يرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن بلعام كان ساحرًا يحمل قوة شيطانية، وقد دعاه الملك ليلعن الشعب، فأراد الله أن يوضح عجز الشيطان عن إصابة أولاد الله بضرر، فإنه حتى إن أراد أن يلعن يلتزم أن يبارك، وإن أراد أن يسب فلا يجد فيهم مجالاً لسبهم. كما التزمت الشياطين أن تشهد للسيد المسيح أنه قدوس الله وكانت تنطق بالحق مع أن طبيعتها مملوءة كذبًا، ولم يرد الرب شهادتها له، لكنه سمح بذلك لإعلان غلبة الحياة المقدسة حتى على إفتراءات الشياطين.

يقول القديس: لقد دعي الساحر كرفيق له ضد من يهاجمهم. يقول التاريخ أن هذا الساحر كان عرافًا ومتكهنًا، يستمد قوته المؤذية بالحدس من أعمال الشياطين لمحاربة الأعداء، وقد طلب منه الحاكم أن يلعن الذين يعيشون مع الله، لكن ما حدث أن اللعنة تحولت إلى بركة. إننا ندرك خلال الأحداث الماضية التي تأملناها (سحرة مصر أثناء الضربات العشر) أنه ليس للسحر فاعليه ضد الذين يعيشون في الفضيلة، بل بالعكس الذين يتحصنون بالعون الإلهي يغلبون كل هجوم...

في تاريخ الإنجيل كانت جماعة الشياطين "لجيئون" مستعدة لمقاومة سلطان الرب. لكنه إذ إقترب إليهم ذاك الذي له سلطان على كل شيء حيا لجيئون سلطانه الفائق ولم يخفي الحقيقة أنه بلاهوته سيعاقب المخطئين في الوقت المناسب. خرجت أصوات الشياطين هكذا: "نحن نعرفك، من أنت، قدوس الله". وأيضًا: "أتيت قبل الوقت لتعذبنا". لقد حدث ذلك قبلاً عندما رافقت القوة الشيطانية بلعام وأعلمته أن الشعب الله لا يغلب...

حقًا إن الذي يرغب أن يلعن السالكين في الفضيلة لا ينطق ضدهم شيئًا ولا يلعن، بل تتحول اللعنة إلى بركة. ما نقصده أن الإنتهار المملوء خزيًا لن يقترب من الذين يعيشون في الفضيلة. فإنه كيف يمكن أن يُسب بالطمع من كان لا يملك شيئًا؟ أو كيف يتهم أحد بالإسراف وهو يعيش حياة العزلة والبعد عن الآخرين؟! أو يتهم بالترف من كان في عاداته معتدلاً؟! أو يتهم بأمورٍ أخرى ملومة متى كان الإنسان يمارس ما هو ضدها؟! فإن هؤلاء (السالكين في الفضيلة) يقدموا حياتهم بلا لوم حتى كما يقول الرسول: "يخزي المضاد إذ ليس له شيء رديء ضدهم" (تي٢: ٨). عندئذ يقول من دُعي لكني يلعنه: كيف ألعن من لم يلعنه الله؟! بمعنى كيف أسب من لم يترك مجالاً قط لسبه؟! فإن حياته لا ينفذ إليها شر لأنه يتطلع نحو الله[185]].

كأن الله سمح بهذا الأمر الخاص ببلعام قبل دخول الشعب أرض الموعد ليعلن أن الإنسان المتحصن بالله، المتبرر بدم السيد المسيح والملتهب بروح الله القدوس إذ يرتفع نحو أورشليم السمائية لا تقدر حتى الشياطين أن تلعنه أو تفتري عليه، بل يشرق النور الإلهي فيه، ويشهد الكل له! ولعله لهذا ألزم الرسول بولس في إختيار الأسقف لا أن يكون مشهودًا له من الداخل فحسب، بل والذين هم من خارج.

يليق بنا أن ندافع عن أنفسنا حتى ضد الشيطان نفسه، لكننا نترك الحياة المقدسة التي لنا في المسيح يسوع ربنا تشهد لنا وتسندنا.

  1. يذكر الكتاب: "فَانْطَلقَ شُيُوخُ مُوآبَ وَشُيُوخُ مِدْيَانَ وَحُلوَانُ العِرَافَةِ فِي أَيْدِيهِمْ وَأَتُوا إِلى بَلعَامَ" (ع٧). لقد حملوا أجرة العرافة والسحر، الأمر الذي لم يرفضه بلعام، إنما إستضاف الرجال ليرد عليهم جوابًا (ع٨). يقول العلامة أوريجينوس: [توجد أشياء يصفها الكتاب المقدس بحلوان العرافة، أما في التقليد الوثنيين فتسمى مشاجب ومراجل أو أسماء أخرى مشابهة، تكرس لهذا العمل، حيث تستخدم في العرافة[186]].

وفي موضع آخر نجد بلعام يطلب من بالاق أن يبني له سبعة مذابح في مرتفعات بعل (٢٢: ٤١، ٢٣: ١) ليقدم ذبائح للبعل، وبعد تقديم الذبائح ذهب إلى رابية لعل الله يجيبه (٢٣: ٢).

يقول بلعام في نبوته الثانية: "ليس عيافة على يعقوب ولا عرافة على إسرائيل" (٢٣: ٢٣)، وكأن إمكانياته في العرافة قد توقفت تمامًا.

يرى العلامة أوريجينوس أن بلعام كان ساحرًا وأراد أن يمارس عرافته بالسحر، لكن الله تدخل ليس عن إستحقاق وإنما إعلانًا عن رعايته لشعبه، إذ يقول: [عادة كانت الشياطين تحضر عندما يأخذ بلعام حلوان العرافة، لكنه رأى العكس فقد هربت الشياطين والله حضر. لهذا السبب كان يقول أنه يسأل الله. إذ لم يعد يرى الشياطين التي كانت تطيعه. لقد جاء الله بنفسه ليتلقي مع بلعام، لا عن إستحقاقٍ للزيارة وإنما لكي تهرب الأرواح التي إعتادت أن تحضر إليه لتجلب اللعنة والأذى بالسحر، مؤكدًا سهره على شعبه[187]].

  1. اعتاد الله أن يتعامل مع البشر حسب ظروفهم وباللغة التي يفهمونها، فنسمع أنه في معبد أبولون يشهد كاهن الوثن أن الإله الوثني أعلن عجزه من أجل المتجسد، فصار ذلك بابًا بين الوثنيين لقبول الإيمان. أما بخصوص هذا الساحر، فيقول العلامة أوريجينوس أنه كان مشهورًا وقد صار له تلاميذ كثيرون احتفظوا بنبواته في بلاد المشرق، ومنها عرف المجوس عن السيد المسيح، إذ جاء فيها "يبرز من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل" (٢٤: ١٧). بهذا إذ ظهر لهم النجم أدركوا النبوة وعرفوا أنها تحققت، فصاروا أفضل من الشعب اليهودي الذين لم يسمعوا لكلمات الأنبياء التي بين أيديهم. [هم أدركوا حسب المخطوطات الوصية التي تركها بلعام أن الوقت قد جاء فأسرعوا يبحثون عنه ويسجدوا له، مظهرين عظم إيمانهم بإكرامهم هذا الملك الطفل الصغير[188]].

ثالثًا: من الذي كان يتحدث معه، هل الله حقًا أم إلهًا وثنيًا؟!... أترك الإجابة عن هذا التساؤل إلى الحديث في البند رقم ٣ "ظهور الله لبلعام".

الأعداد 1-8

٢ – دعوة بالاق الأولى له.

إذ رأى بالاق بن صفور ملك موآب ما حدث مع الأموريين فزع من الشعب جدًا وقال لشيوخ مديان: "الآنَ يَلحَسُ الجُمْهُورُ كُل مَا حَوْلنَا كَمَا يَلحَسُ الثَّوْرُ خُضْرَةَ الحَقْلِ" (ع٤). لماذا إستخدم بالاق هذا التشبيه؟ يقول العلامة أوريجينوس: [بدون أدنى شك لأن الثور وهو يلحس خضرة الحقل يستخدم لسانه كمنجل فيقطع كل ما يجده. هكذا كان هذا الشعب كالثور الذي يحارب بالفم والشفتين، مستخدمًا أسلحته التي هي كلمات (العبادة) والصلوات. إذ عرف بالاق ذلك أرسل رسلاً إلى بلعام لكي يواجه الكلمات بكلمات والصلوات بصلوات[189]].

لقد أدرك بالاق أن سرّ القوة في هذا الشعب ليس في أسلحته المادية لكن في وجود الرب سرّ البركة. وسطهم، لهذا عوض أن يجهز جيشًا لمحاربته أرسل رسلاً وقدم هدايا كثيرة ووعد بوعودٍ لكي يأتي بلعام ويلعن هذا الشعب، فتنزع عنه البركة سرّ قوته. يقول العلامة أوريجينوس: [الحرب تهددك أيها الملك بالاق بن صفور، وستمائة ألف رجلاً مسلحين يتسلطون على أرضك، لهذا يلزمك أن تعد سلاحك وتجمع جيشك وتفكر في الحرب حتى تتقدم إلى الأمام بقوة ضد العدو الذي لا يزال بعيدًا... لكن الملك أرسل إلى بلعام متجاهلاً الحرب، واضعًا كل رجائه في الكلمات التي ينطق بها واللعنات التي يصوبها كسهام. إنه يحاول أن ينتصر بكلمات بلعام ضد الشعب الذي لم يقدر الجيش الملكي أن يغلبه... إنه لسلوكٍ غريب، أين ومتى رأينا أمرًا كهذا. أي ملك أمام معركة أكيدة ينسى الحرب ويتجاهل جيشه ملتجئًا إلى خدمات عرافه؟! [190]].

أرسل إليه يدعوه قائلاً:

"هُوَذَا شَعْبٌ قَدْ خَرَجَ مِنْ مِصْرَ،.

هُوَذَا قَدْ غَشَّى وَجْهَ الأَرْضِ وَهُوَ مُقِيمٌ مُقَابَِلِي،.

فَالآنَ تَعَال وَالعَنْ لِي هَذَا الشَّعْبَ،.

لأَنَّهُ أَعْظَمُ مِنِّي،.

لعَلهُ يُمْكِنُنَا أَنْ نَكْسِرَهُ فَأَطْرُدَهُ مِنَ الأَرْضِ،.

لأَنِّي عَرَفْتُ أَنَّ الذِي تُبَارِكُهُ مُبَارَكٌ وَالذِي تَلعَنُهُ مَلعُونٌ "(ع٥، ٦).

يقول العلامة أوريجينوس: [كان بلعام مشهورًا بفنونه السحرية، ليس له مثال في سحره المؤذي. لا يحمل بمراسيمه بركة، بل يملك اللعنة، فإنه حيث تدعى الشياطين تلعن ولا تبارك... حقًا لقد لاحظوا أن الكثير من الجيوش قد هُزمت بلعناته، الأمر الذي لا يقدر أن يبلغه بالحديد والأسلحة. كان له هذا اليقين وأمامه الخبرة المتجددة. ترك بالاق كل وسائل الحرب وأساليبها ليرسل رسلاً ويقول: هوذا شعب قد خرج من مصر، هوذا قد غشي وجه الأرض وهو مقيم مقابلي.

في رأيي، كان الملك مندفعًا بقوة. يبدو لي أنه قد تعلم أن أبناء إسرائيل حصلوا على النصرة ضد أعدائهم بالصلاة لا بالأسلحة، بالتضرعات أكثر مما بالحديد، إنهم لم يستخدموا قط أسلحة ضد فرعون، إذ قيل لهم: "الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون" (خر١٤: ١٤). وفي المعركة ضد عماليق لم تكن لقوة الأسلحة فاعلية صلوات موسى، بل كان إذا رفع موسى يديه نحو الله ينهزم عماليق، وإذا أرخى يديه حلت الهزيمة بإسرائيل (خر١٧). بكل تأكيد سمع بالاق ملك موآب بهذه الأمور، فقد كتب: "يسمع الشعوب فيرتعدون. تأخذ الرعدة سكان فلسطين، حينئذ يندهش أمراء آدوم. أقوياء موآب تأخذهم الرجفة، يذوب جميع سكان كنعان" (خر١٥: ١٣، ١٤). إذن قد بلغهم الخبر كما تنبأ موسى قبلاً في نشيده عند عبور البحر الأحمر. لقد تعلم موآب أن هذا الشعب ينتصر بالصلوات ويحارب خصومه بالفم لا بالسيف. لقد تبصر في الأمر وقال في نفسه: بما أن الأسلحة لا تقدر أن تقاوم صلوات هذا الشعب وتضرعاته فعليّ أن أجد تضرعات وأسلحة شفاهية وصلوات تقدر أن تغلبهم[191]].

لقد أسرع الملك برسله ليأتوا ببلعام فيلعن الشعب، قائلاً له: "لأَنِّي عَرَفْتُ أَنَّ الذِي تُبَارِكُهُ مُبَارَكٌ وَالذِي تَلعَنُهُ مَلعُونٌ" (ع٦). يقول العلامة أوريجينوس: [أعتقد أن الملك لا يعرف إن كان الذين قد باركهم بلعام قد تباركوا، إنما ينطق بهذا – كما يبدو لي – ليجامله ويلاطفه لتحقيق مقاصده بتفخيم فنه وتعظيمه، فإن السحر لا يعرف أن يبارك، إذ لا تعرف الشياطين فعل الخير. إسحق ويعقوب يعرفان أن يباركا وهكذا كل القديسين، أما الأشرار فلا يعرفوا أن يباركوا[192]].

الأعداد 9-13

٣ – ظهور الله لبلعام

إذ وصل الرسل طلب منهم بلعام أن يبيتوا عنده حتى يستشير الرب ويجاوبهم "فَأَتَى اللهُ إِلى بَلعَامَ... فَقَال اللهُ لِبَلعَامَ: لا تَذْهَبْ مَعَهُمْ وَلا تَلعَنِ الشَّعْبَ لأَنَّهُ مُبَارَكٌ" (ع٩، ١٢).

هنا يقف الكثيرون في حيرة من الذي جاء لبلعام وتحدث معه بكلمة الحق، هل الله حقًا أم ألزم الله آلهة بلعام أن تنطق بالحق حتى ولو بغير إرادتها؟!

قبل أن ندخل في هذه المناقشات أود أن أوضح أن ما قد أعلن لبلعام هو كلمة حق، سواء كان المتحدث الله نفسه مباشرة أو عن طريق الروح الذي يتصل به بلعام. فإن الله أراد أن يعلن ويكشف رعايته، لهذا فإن الأمر صدر من قبل الله، دون اعتبار للوسيلة. لقد رأى كثير من الآباء أن المتحدث غالبًا ما كان إله بلعام نفسه وليس الله الحق، لكن الله استخدمه، من هؤلاء العلامة أوريجينوس والقديسين باسيليوس وامبروسيوس وغريغوريوس أسقف نيصص.

يقول القديس غريغوريوس النيصي: [أيضًا بلعام بكونه عرافًا وراء يشتغل في العرافة جلب تعليم الشياطين وعرافة السحر، فقيل عنه في الكتاب أنه نال مشورة من الله[193]].، إذ هو حسب هذا إلهه. ويقول القديس أمبروسيوس: [أذكر ماذا حمل بلعام ضدك طالبًا معونة فن السحر ولكنني ألزمته ألاَّ يضرك[194]]. ويقول القديس باسيليوس: [بلعام أيضًا عراف وراءٍ، إذ صارت الأقوال بين يديه عندما أخذ تعاليم من الشياطين بفنون العرافة وصفه الكتاب المقدس أنه أخذ مشورة من الله[195]]. ويكمل القديس موضحًا أن الكتاب المقدس يتحدث عن الناس بسبب الألفاظ الدارجة لهذا يسمي الأصنام آلهة. أما العلامة أوريجينوس فتحدث في هذا الأمر بشيء من التوسع أحاول أيجازه هنا في الأسطر التالية:

يرى العلامة أوريجينوس[196] أنه حينما يكتب اسم الرب أو الله في العبرية "يهوه" فإنه يقصد به الله الحق ذاته، أما إذا كتبت بغير هذا التعبير فتأخذ الاحتمالين. فقد قال الرسول بولس: "لأنه وإن وجد ما يسمى آلهة سواء كان في السماء أو على الأرض كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرون، لكن لنا إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له، ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به" (١كو٨: ٥، ٦)... لهذا يتشكك أوريجينوس في ظهور الله نفسه لبلعام بكونه لم يذكر "يهوه". هذا وفي الكلمات: "لا تَذْهَبْ مَعَهُمْ وَلا تَلعَنِ الشَّعْبَ لأَنَّهُ مُبَارَكٌ" (ع١٢)، لماذا لم يقل لا تلعن شعبي؟ في كل الأحاديث الطويلة التي تحدث بها الرب مع بلعام لم يذكر قط هذا التعبير "شعبي"!!!

على أي الأحوال، فإن الأمر صدر من قبل الله نفسه ألاَّ يلعن بلعام شعب الله، سواء جاء عن طريقه مباشرة أو ألزم آلهته أن تنطق بهذا، إنها رعاية الله الفائقة بأولاده.

الأعداد 14-21

٤ – تكرار الدعوة له

إذ رفض بلعام أن يذهب مع رسل بالاق، عاد الأخير فأرسل إليه أناسًا أعظم "رُؤَسَاءُ مُوآبَ" (ع١٤)، وأغراه بالمال قائلاً له: "لأَنِّي أُكْرِمُكَ إِكْرَاماً عَظِيماً وَكُل مَا تَقُولُ لِي أَفْعَلُهُ. فَتَعَال الآنَ العَنْ لِي هَذَا الشَّعْبَ" (ع١٧). لقد أجاب في حزم "وَلوْ أَعْطَانِي بَالاقُ مِلءَ بَيْتِهِ فِضَّةً وَذَهَباً لا أَقْدِرُ أَنْ أَتَجَاوَزَ قَوْل الرَّبِّ إِلهِي لأَعْمَل صَغِيراً أَوْ كَبِيراً" (ع١٨). إنها إجابة قاطعة وقوية توبخ المؤمنين، وكما يقول السيد المسيح أن أبناء هذا الدهر صاروا أحكم من أبناء الملكوت لقد سجلها الوحي الإلهي لتوبيخنا، كما وبخ الله يونان النبي بواسطة رجل وثني، إذ قال له: "مالك نائمًا. قم اصرخ إلى إلهك عسى أن يفتكر الإله فينا فلا نهلك" (يو ١: ٦).

مع هذه الإجابة القوية مال قلبه نحو المكافأة الأرضية، فعوض أن يرد عليهم بما أخبره الرب أولاً سألهم أن يمكثوا ليلة ليسمع صوت الرب ثانية، وكأنه كان يأمل أن يغيّر رأيه، لهذا سمح له الرب بالنزول حسب سؤال قلبه. كثيرًا ما يستجيب الرب لنا حسب انحراف قلبنا إذا أصررنا على طلبتنا. يعلق العلامة أوريجينوس على تصرف بلعام هذا قائلاً: [إنه يريد أن يسمع، فإن الإنسان الجشع لا يستطيع أن يرفض المنفعة بسهولة. فإنه ماذا يسمع من الله في هذه المرة؟ "إِنْ أَتَى الرِّجَالُ لِيَدْعُوكَ فَقُمِ اذْهَبْ مَعَهُمْ" (ع٢٠). لقد تركه الرب لرغبته الخاصة لكي ما يستفيد، فيتحقق فيه ما كُتب: "سلمتهم إلى قساوة قلوبهم ليسلكوا في مؤمرات أنفسهم" (مز٨١: ١٢). وفي نفس الوقت تكمل خطة الإرادة الإلهية... إذ كانت شهوة المنفعة المادية تسود على قلبه لهذا لم توضع كلمة الله في قلبه إنما في فمه. عجيبة هي كلمة الله وعظيمة، فإنه إذ لا يمكن أن تصل إلى الأمم النبوات الخاصة داخل إطار إسرائيل، لهذا استخدم الله بلعام الذي كان الأمم يثقون فيه، لكي يعرفوا أسرار المسيح المخفية ويقدم لهم كنزًا ثمينًا، لا خلال القلب والروح بل بالأكثر خلال الفم والكلام[197]].

الأعداد 22-35

٥ – بلعام في الطريق

تكلم الرب مع بلعام حسب اشتياق قلبه المنحرف نحو المادة، أو كما قال على لسان حزقيال النبي: "الذي يصعد أصنامه إلى قلبه ويضع معثرة إثمه تلقاء وجهه ثم يأتي إلى النبي فأنا الرب أجيبه حسب كثيرة أصنامه" (حز١٤: ٤). لقد أمره بالذهاب مع الرجال "رُؤَسَاءُ مُوآبَ"، وإذ تمم بلعام الأمر "َحَمِيَ غَضَبُ اللهِ لأَنَّهُ مُنْطَلِقٌ وَوَقَفَ مَلاكُ الرَّبِّ فِي الطَّرِيقِ لِيُقَاوِمَهُ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلى أَتَانِهِ وَغُلامَاهُ مَعَهُ. فَأَبْصَرَتِ الأَتَانُ مَلاكَ الرَّبِّ وَاقِفاً فِي الطَّرِيقِ وَسَيْفُهُ مَسْلُولٌ فِي يَدِهِ فَمَالتِ الأَتَانُ عَنِ الطَّرِيقِ وَمَشَتْ فِي الحَقْلِ. فَضَرَبَ بَلعَامُ الأَتَانَ لِيَرُدَّهَا إِلى الطَّرِيقِ" (ع٢٢ - ٢٣).

حادثه بلعام وحماره الذي نطق موبخًا إياه فريدة وعجيبة، أما سرّ إستخدام الله هذا الحيوان الأعجم لتوبيخ بلعام فله معانٍ كثيرة:

أولاً: يقول العلامة أوريجينوس: [فتح الرب فم الأتان (٢٨) حتى تصير الأتان ديانًا له، بصوت الحيوان الأعجم يخزي من كان يظن أنه حكيم[198]].

ثانيًا: لما فتح الرب فم الأتان فقالت لبلعام: "مَاذَا صَنَعْتُ بِكَ حَتَّى ضَرَبْتَنِي الآنَ ثَلاثَ دَفَعَاتٍ؟!" (ع٢٨)، لم يظهر بلعام أي علامة اندهاش بل أجاب: "لأَنَّكِ ازْدَرَيْتِ بِي. لوْ كَانَ فِي يَدِي سَيْفٌ لكُنْتُ الآنَ قَدْ قَتَلتُكِ" (ع٢٩). ودخل معها في حوار ذلك لأن بلعام كعراف اعتاد أن يتحدث مع الطيور والحيوانات العجماوات، لهذا وبخه الرب بذات الوسيلة التي اعتادها في سحره وعرافته. يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [يقدم لنا التاريخ شهادة عن العرافة بملاحظة الطيور حينما تقول عن الشخص المشار إليه أنه يملك قوة العرافة ويتقبل مشورة من الطير... مثل هذا يتعلم أمورًا خلال ما إعتاد عليه، وذلك بواسطة نهيق حماره. فقد إعتاد أن يقبل المشورة بأصوات حيوانات غير عاقلة تحت تأثير شيطاني، لذا وصف الكتاب المقدس بوضوح ما نطق به الحمار. بهذا الطريق أظهر الكتاب أنهم عوض التعقل قبلوا التعليم خلال الحيوانات غير العاقلة. بانتباهه إلى الحمار تعلم عن الأمور التي خدعته وعرف أن قوة الذين استؤجر ضدهم لن تقهر[199]].

ثالثًا: حملت القصة مفاهيم رمزية، فإن الملاك الذي ظهر للأتان يشير إلى ملاك الرب الذي كان يسير أمام شعبه (خر٣٢: ٣٤)، هذا الذي رأته الأتان ولم يقدر بلعام أن يراه. أما الأتان – فكما يرى العلامة أوريجينوس[200] - تشير إلى الكنيسة البسيطة التي كانت قبلاً حاملة الذي يعني "شعب باطل". لقد حملت قبلاً كل ما هو باطل، لكن السيد المسيح أرسل إليها تلميذيه يحلانها، ويأتيان بها فيركبها (مر١١: ٢). لقد حلها التلاميذ من الرباطات لكي يصعد الرب عليها ويدخل بها المدينة المقدسة، أورشليم السمائية (عب١٢: ٢٢). بهذا يتحقق قول النبي: "ابتهجي جدًا يا ابنة صهيون، إهتفي يا بنت أورشليم. هوذا ملكك يأتي إليك، هو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش بن أتان" (زك٩: ٩).

ماذا فعلت الأتان؟ "فَلمَّا أَبْصَرَتِ الأَتَانُ مَلاكَ الرَّبِّ زَحَمَتِ الحَائِطَ وَضَغَطَتْ رِجْل بَلعَامَ بِالحَائِطِ فَضَرَبَهَا أَيْضاً" (ع٢٥). إذ يظهر لها الحق لا تطيق بلعام بل تدخل به في الطريق الضيق وتضغط على رجليه فلا يقدر أن يمشي ولا أن يمتطيها بل يتركها لكي يصعد السيد ويملك في كنيسته.

الأعداد 36-41

٦ – استقباله في موآب

خرج الملك بنفسه لاستقباله، وفي عتابٍ قال له: "أَلمْ أُرْسِل إِليْكَ لأَدْعُوَكَ؟ لِمَاذَا لمْ تَأْتِ إِليَّ؟ أَحَقّاً لا أَقْدِرُ أَنْ أُكْرِمَكَ؟!" (ع٣٧).


[185] Life of Moses 2: 292, 294 - 6.

[186] In Num. , hom 13.

[187] Ibid.

[188] Ibid.

[189] Origen: In Num. , hom 13.

[190] Ibid.

[191] Ibid.

[192] Ibid.

[193] On The Holy Trinity.

[194] Epist. 41: 24.

[195] Epist. 139: 6.

[196] In Num. , hom 14.

[197] Ibid.

[198] Ibid.

[199] Life of Moses 2: 293.

[200] In Num. , hom 13, 14.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

الأصحاح الثالث والعشرين – نبوات بلعام - سفر العدد - القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الحادي والعشرون – طريق النصرة - سفر العدد - القمص تادرس يعقوب ملطي