الأصحاح الرابع والعشرون – سفر حزقيال – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 31- تفسير سفر حزقيال – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الأصحاح الرابع والعشرون

الحصار النهائي.

هذا هو ختام الحديث عن سبي يهوذا النهائي وتحطيم مدينة الملك العظيم، بدأت رؤياه بالمركبة النارية الإلهية لكي يلتهب قلبه رجاءً وسط الأنباء المُرّة (ص1)، وانتهت بهذا الحديث المُرّ، القدر المُلقى داخل النار، وتنهدات قلبه المكتومة كنار متأججة في داخله من أجل موت زوجته - شهوة عينيه - فجأة دون أن يبكيها أو يعلن حزنه عليها.

1. القدر والنار [1 - 14].

2. وفاة زوجته [15 - 27].

الأعداد 1-14

1. القدر والنار:

حدد الرب لحزقيال النبي السنة التاسعة من حكم يهوياقين في الشهر العاشر في اليوم العاشر كيوم اقتراب نبوخذنصَّر من أورشليم. لقد طلب الرب منه أن يدَّون هذا التاريخ في مذكراته، وقد جاء مطابقًا لتاريخ حصار أورشليم النهائي (2 مل 25: 1)، وكأن الرب أراد أن يعلن أن ما يحدث ليس وليد المصادفة ولا هو خطة بشرية لكنها أحداث تتم بسماح إلهي بخطة مرتبة في توقيت دقيق.

طلب الرب من حزقيال أن يضرب مثلاً "للبيت المتمرد" [3]، الذي يصير حالاً بيتًا خربًا ومدمرًا، فقد شبه أورشليم بالقدر المملوء زنجارًا (صدأ) وقد جمع فيه قطع لحم "طيبة، الفخذ، والكتف" وأن تملأ بخيار العظام لكي تغلي فتسلق عظامها في وسطها. وكانت كلمات الرب: "ويل لمدينة الدماء، القدر التي فيها زنجارها وما خرج منها زنجارها. أخرجوها قطعة قطعة، لا تقع عليها قرعة... كثِّر الحطب. أَضْرِم النار. أنضج اللحم، تبِّله تتبيلا، ولتُحرق العظام، ثم ضعها فارغة على الجمر ليحمي نحاسها ويحرق فيذوب قذرها ويفنى زِنجارُها" [6 - 11].

لقد رأى أورشليم كقدر والنار متقدة تحتها كما سبق أن رآها إرميا النبي (1: 13)، لكنها بخلاف المفهوم الذي حمله رؤساء الشعب حينما ظنوا أن أورشليم هي القدر الذي يحمي اللحم داخلها، فلا يقدر أحد أن يقترب إليه مادام في داخل القدر (خر 11: 3)، إذ ظنوا أن أورشليم تبقى سورًا نحاسيًا تحمي من بداخلها، يُدافع عنها الله مهما تكن الظروف لأنها مدينته. هنا يعلن حزقيال النبي العكس، إنها القدر الذي يسكب الله نار غضبه تحتها بسبب زنجارها أي فسادها. فالنار تُشير إلى مرارة السبي وتدمير لمن فيها بأمر إلهي، إذ يقول الرب للكلدانيين: "كثِّر الحطب، أضرم النار". لقد تزايدت جدًا في شرها لهذا تحتاج إلى نيران كثيرة لتأديبها.

أما وضع الماء مع القطع داخل القدر فإشارة إلى حالة الرخاوة التي صارت إليها يهوذا، قادة وشعبًا. لقد صار الكل كالماء لا حول له ولا قوة، كله ميوعة!

أما وضع القطع المختارة من الفخذ والكتفين مع العظام فإشارة إلى أنه لا يفلت العظماء والمسئولون كما لا يفلت الشعب. الكل يسقط تحت النار، ويخرجون قطعة قطعة ولا تقع عليهم قرعة، علامة خروج الجميع من المدينة بلا اعتبار لكرامة أحد أو قدراته أو إمكانياته، يتشتت الجميع في أرض غريبة بلا ترتيب. تُفرغ أورشليم من شعبها، وتدمَّر لكي تُطهر من صدأها المتكاثر، حيث دخلت العبادة الوثنية إلى هيكل الرب ومقدساته، على كل مرتفعة في الجبال والتلال، كما في الوديان وعلى ضفاف النهر، وتحت كل شجرة خضراء!

إنها صورة رهيبة لأورشليم المتقدة نارًا، لكن ليس بلا هدف. إذ يرى القديس جيروم أنه في هذا عودة للإصلاح، قائلاً: [وضع اللحم في القدر يعني أن الخطاة يصيرون لطفاء. فتتغير قساوتهم ويتحولون نحو الله، فتصير قلوبهم الحجرية قلوبًا لحمية... يا للرحمة العظيمة! يا له من سر عظيم! توضع قطع اللحم في القدر لكي يذوب قلب الإنسان ويعرف أنه هو الرب! [213]].

الأعداد 15-27

2. وفاة زوجته:

هذه خاتمة إعلانات الله لحزقيال النبي عن سبي يهوذا النهائي وهلاك المدينة، لقد بلغت الذروة حينما صار له الأمر الإلهي بأن زوجته تموت، وأن يعلن ذلك لرجال يهوذا، لا يذرف عليها دمعة، ولا يصنع مناحة ولا ينطق بكلمة حزن، يلف عصابته ويلبس نعليه ولا يُغطي شاربيه ولا يأكل من خبز الناس مع أن زوجته هذه هي شهوة عينيه! وبالفعل كلم الشعب هكذا وفي المساء ماتت زوجته لينفذ كل ما أمر به في اليوم التالي.

إنها صورة مرعبة لتدمير الشعب، العروس المحبوبة لدى الله، لكنه ليس من يبكي ولا من يسكب دمعة واحدة من شدة الحزن القاتل، فيتوقف اللسان عن الكلام وتجف الدموع، ويُبتلع الإنسان من الحزن الداخلي، ويصير كمن هو في ذهول.

لقد تحقق ذلك بالفعل، وكان ذلك آخر سهم يصيب حزقيال النبي بكونه قد صار آية لهم (24، 27) يتنهد في مرارة داخله ولا يقدر أن ينطق، لقد رفض أن يقبل خبز الناس، أي خبز الحزن، حيث اعتاد الشرقيون أن يرسلوا طعامًا في بيت الحزن ليأكلوا... إنه لن يقبل شبعًا من يد بشرية ولا تعزية من إنسان!

لم يصنع مناحة على زوجته، لأنه لا يوجد في أورشليم من يبكي على قتلاها والمطرودين منها. أما لف العصابة عليه واحتذاؤه بالنعلين وعدم تغطية شاربيه فعلامة أنه لا مجال للبقاء في البيت للحزن... الكل يخرج ويهرب، ليس من يبكي ميتًا! أخيرًا تمت وفاة زوجته مساءً في الظلمة علامة عدم استعدادهم لهذه الأحداث رغم التحذيرات الإلهية المستمرة خلال الأنبياء.

من وحي حزقيال 24.

جنازة بلا دموع!

  • شبهت شعبك باللحم الذي في قدر به صدأ،.

تشتعل النيران بلا نفع،.

لأن اللحم يصير ناضجًا، لكنه مسموم!

  • اسمح لي يارب أن أنتفع بنار تأديبك،.

إنزع عن قلبي صدأ الخطية،.

واقتلع جذور السموم من أعماقي،.

عندئذ أنتفع بنيران تأديبك،.

وأصير طعامًا نافعًا!

  • سمحت لنبيك أن تموت زوجته،.

إنها شهوة عينية التي أحبها،.

لكنه لا يبكيها ولا يقبل عزاءً فيها من إنسان!

ماتت في المساء وسط الظلمة،.

هكذا تموت نفسي الثمينة جدًا،.

تموت وسط ظلمة الخطية،.

لا أطلب تعزية من بشر،.

إنما أطلب عونك وتعزيتك،.

أنت وحدك قادر أن تُقيمها من ظلمة قبرها،.

وتجعلها هيكلاً مقدسًا لروحك القدوس!

الباب الرابع.

نبوات ضد الأمم لتأديبهم.

[ص 25 - ص 32].

إذا دخلت أورشليم في الحصار وسقطت تحت التأديب بدأ حزقيال النبي يعلن عن إقامة الملكوت الجديد، الأمر الذي يحتاج أولاً إلى تحطيم الشر، فجاءت النبوات ضد الأمم الغريبة الشامتة في الشعب رمزًا لتحطيم قوى عدو الخير إبليس للدخول في الإصلاح الحقيقي في العصر المسياني، وعودة البشرية من سبي الخطيئة، وكأن الإصلاح يتحقق بواسطة جانبين متلازمين ومتكاملين: هدم مملكة الشر، وإقامة مملكة الله.

هذا ما رأيناه في دراستنا لليتورجيات الخاصة بالمعمودية[214]، فقد ظهر الخط واضحًا في جحد الشيطان وطرد قوى الشر من جانب وقبول مملكة المسيح من جانب آخر. وكأن طالب العماد، لكي يُقبل في الجيش الروحي للخلاص، يلتزم باعتزاله جيش إبليس. لهذا يقول الأب ثيؤدور المصيصي لطالبي العماد: [مادام الشيطان الذي أطعتموه مرة خلال رأس جنسكم (آدم) هو علة كل الشرور التي تلحق بكم لهذا يجب أن تتعهدوا بتركه[215]]، [الآن قد أُخْتِيرت لملكوت السموات، ويمكن التعرف عليك، إن فحصك أحد يجدك جنديًا عند ملك السماء[216]].

عددهم الرمزي:

لاحظ القديس جيروم في تفسيره للمزامير أن عدد الشعوب المقاومة في العهد القديم كما وردت في (مز 83) أحد عشر وليس اثنى عشر. فإنهم وإن كانوا أقوياء ومعاندين لكنهم لم يبلغوا رقم الكمال (12) الذي يشير لملكوت الله على الأرض... يبدو العدو قويًا لكننا متى تسلحنا بالله نفسه يضعف للغاية. لهذا إذ صرخ المرتل قائلاً: "اللهم لا تصمت لا تسكت ولا تهدأ يا الله، فهوذا أعداؤك يعجبون ومبغضوك قد رفعوا الرأس" (مز 83: 1 - 2) يعود فيقول: "يا إلهي اجعلهم مثل الجل، مثل القش أمام الريح، كنار تحرق الوعر، كلهيب يشعل الجبال، هكذا اطردهم بعاصفتك وبزوبعتك روعهم. املأ وجوههم خزيًا فيطلبوا اسمك يا رب. ليخزوا ويرتاعوا إلى الأبد، وليخجلوا ويبيدوا" (مز 83: 13 - 17).

لهذا كان القديس يوحنا الذهبي الفم كثيرًا ما يؤكد أن الشيطان وإن تظاهر بسلطان عظيم لكنه بلا سلطان علينا، إنما يخدعنا ويضللنا. والخطيئة وإن كان قتلاها أقوياء، لكنها في حقيقتها ضعيفة وعاجزة إن رفضناها. بخوفنا نسقط تحت أسر الشيطان ونقبل الخطيئة في داخلنا فنصير تحت ذلها.

غير أن الأمم التي تنبأ ضدهم حزقيال هم سبعة إشارة إلى تحطيم كل قوى الشر، لأن رقم 7 يشير إلى الكمال، فلا يكون لها مجال في ملكوت الله. كما يلاحظ أنه لم يذكر بابل ضمن هذه الأمم الغريبة ربما لأنها هي الأداة التأديبية التي يستخدمها الله.

أخيرًا فإن حزقيال لم ينفرد وحده بهذه النبوات بل أعلنها أيضًا إرميا (46 - 51) وإشعياء (13 - 23) وعاموس (1، 2) وصفنيا (2: 4 - 15).


[213] On Ps. hom 34.

[214] للمؤلف: الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر.

[215] PG 44: 984 A.

[216] Cat. Hom. , 13: 17.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

الأصحاح الخامس والعشرون - سفر حزقيال - القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثالث والعشرون - سفر حزقيال - القمص تادرس يعقوب ملطي

تفاسير سفر حزقيال الأصحاح 17
تفاسير سفر حزقيال الأصحاح 17