الباب الخامس : المجَد الباطل ومحبة المديح والكرامة – حياة التواضع والوداعة – البابا شنودة الثالث

الباب الخامس: المجَد الباطل ومحبة المديح والكرامة

البر الذاتى.

محبة المديح – وأنواعها.

خطايا تنتج عن محبة المديح.

كيف تهرب من محبة المديح؟

إخفاء الفضائل.

البعد عَن الرئاسات.

المتكأ الأخير.

الكبريَاء تلد المجَد البَاطل والبر الذاتى

المجد الباطل Vain Glory هو المجد المتعلق بأمور المادة والعالميات، وليس المجد الخاص بالروح ومركزها فى الأبدية.

والمنشغل بالمجد الباطل يسره مديح الناس له، أو مديح نفسه له.

البر الذاتى:

وأخطر ما يتعب الإنسان روحياً، أن تمدحه نفسه من الداخل.

ويظن فى نفسه أنه قد وصل، أو أن فيه شيئاً يستحق الإعجاب من الآخرين. حتى من غير ان يمدحه أحد من الخارج، تكبر نفسه فى عينيه من الداخل. ويكون حكيماً فى عينى نفسه "(أم 26: 5) أو" باراُ فى عينى نفسه "(أى 32: 1)، وهذا ما يسمى بالبر الذاتى. وفيه" يرتئى الإنسان فوق ما ينبغى له أن يرتئى "(رو 12: 3).

+ + +.

ومديح النفس قد تكون له أسباب دنيوية أو أسباب روحية:

فالأسباب الدنيوية هى أن تمدحك ذاتك من أجل مركز عالمى وصلت إليه، أو من أجل غنى أو جاه، أو جمال جسدى، أو شهرة، أو ذكاء، أو قدرات معينة فى العمل أو فى الترفيه عن الآخرين، أو فى الحيلة، أو الدهاء، أو القدرة على قهر الآخرين، وما إلى ذلك من أسباب.

أما عن مدح النفس لأسباب روحية:

فكأن تمدحك نفسك بسبب صلواتك أو أصوامك أو مطانياتك، أو خدمتك الروحية للآخرين، أو قدرتك على التأمل، وفهم الكتاب وحفظه واستخدامه، أو بسبب توبتك أو نموك الروحى، أو بسبب بعض الفضائل التى تظن أنك قد وصلت إليها...

+ + +.

وتزداد خطورة مديح النفس، إن ارتبطت بالمقارنة أيضاً.

فلا تظن فقط أنك بار، وإنما أكثر براً من الآخرين. أو تظن أن خدمتك أنجح من خدمة غيرك. وأن تأملاتك أعمق، ومستواك الروحى أعلى..! وبالتالى ترى باستمرار أن غيرك أقل منك...

+ + +.

وتزداد خطورة إن أقترنت بإحتقار الآخرين أو الإقلال من شأنهم.

أو إدانة الناس، والحديث عن مستواهم الضعيف وفهمهم الضئيل، والمقارنة بين نجاحك وفشلهم.. وقد يصل الأمر إلى حد مواجهة الآخرين، وتوبيخهم على أعمالهم وأخطائهم. وربما تنسب إليهم ما ليس فيهم من الضعفات والنقائص والأخطاء. وتفرض عليهم مستواك، او ما تظن أنك قد وصلت إليه من مستوى ومن فهم.

+ + +.

أو أن تفرض رأيك على غيرك، موقناً أنه الرأى الوحيد السليم بعكس ما يقوله الغير. وهكذا تكون "حكيماً فى عينى نفسك" (أم 3: 7).

ويدفعك الإحساس بالحكمة والفهم، إلى التشبث برأيك أو موقفك مهما كان خاطئاً! وإلى الجدل والمناقشة حتى إلى درجة العناد.. ومقاطعة الأخرين لكى تتكلم أنت.. ومعارضة كل من لا يوافقك فهمه...

وربما فى كل هذا تفقد صداقة الناس ومودتهم، أو أنك تفقد الروح الإجتماعية، والتعاون مع الآخرين احترام الغير...

+ + +.

والإنسان الذى تمدحه نفسه، من الصعب أن يعترف بأخطائه.

ربما لأنه لا يجد لنفسه أخطاء يعترف بها! أو لأن الكبرياء الداخلية تدفعه إلى تبرير أعماله أيا كانت، أو التماس الأعذار لها...

هو لا يرى نفسه مخطئاً. ولا يقبل من غيره أن يراه مخطئاً.. وهكذا يكون "باراً فى عينى نفسه" (أى 32: 1).

ومادام هو باراً فى نظرته إلى نفسه، فبأى شئ يعترف؟!

+ + +.

الإعتراف هو أولاً إدانة النفس من الداخل. ثم إعلان ذلك.

والمتكبر لا يدين ذاته.. لا يرى أنه قد أخطأ. وإن وجُد خطأ، ينسبه إلى الظروف المحيطة به، أو يلقى التبعية فيه على غيره. أو يسمى أخطاءه بأسماء روحية، ويحاول أن يلبسها "ثياب الحملان" (مت 7: 15). ويضع وراءها نيات طيبة ومقاصد روحية، تجعلها تبدو على غير حقيقتها سليمة لا عيب فيها!

+ + +.

وإن كان لا يعترف بخطئه، فبالتالى لا يعتذر لغيره.

فى كل خصومة بينه وبين أحد من الناس، يعتبر أن الطرف الآخر هو المخطئ. والطرف الآخر هو الذى يجب أن يعتذر، وهو الذى يجب أن يسعى إلى المصالحة!

ومادام لا يعترف فى داخله أنه قد أخطأ، فبالتالى لا يعترف بخطأ أمام الأب الكاهن، ولا يذهب لمصالحة الطرف الآخر قبل الذهاب إلى التناول من الأسرار المقدسة. لأنه "لا يتذكر أن لأخيه شيئاً عليه" (مت 5: 24، 23).

وإن حاول أحد أن يقنعه بأنه مخطئ، يدخل فى متاهة لا تنتهى من المناقشات وقلب الحقائق. ويجد أمامه ميزاناً خاصاً تقيم به الأمور ويحكم عليها حسب مفهوم خاص غير مفهوم للأخرين!

+ + +.

أن البار فى عينى نفسه، يود أن يكون باراً أيضاً فى أعين الناس.

فهو إما أن يعلن عن هذا البر ويحكى عنه للآخرين، وإما أن يدافع بكل جهده عما يشين هذا البر من نظرات الناس إليه. وإما أن يأخذ مظهراً معيناً يقنع الناس ببره، مهما كانت داخلياته! وإما أن يحيط نفسه بأصدقاء ومريدين يتحدثون عنه بالصلاح كل حين. ويمتدحونه... أو أن يحيط نفسه باستمرار بمن هم أقل منه سناً أو معرفة أو مركز أو درجة روحية، حتى يبدو الأكبر أمامهم فى كل وقت. ولا يعطى فرصة لأى نقد يوجه إليه. لأن كل المحيطين به يمجدونه ويمدحونه، وربما يستشيرونه فى كل شئ أو يتتلمذون عليه...

+ + +.

أما المتواضع يقارن نفسه باستمرار بمستويات أعلى منه.

وأما هذه المستويات الأعلى، تصغر نفسه فى عينيه، ويرى أنه لا شئ.. وهو يبحث باستمرار عما هو أكل وأعلى، شاعراً أنه لم يصل بعد إلى المستوى المطلوب.. إنه يضع أمامه قول الرب "كونوا قديسين لأنى أنا قدوس" (1 بط 1: 16). وأيضاً قوله "كونوا أنتم أيضاً كاملين، كما أن أباكم الذى فى السماوات هو كامل" (مت 5: 48).

والمستويات العليا التى ينظر إليها، قد تكون من الأمثلة الحية أمامه. أو يجدها فى تاريخ القديسين وفى شخصيات الكتاب المقدس. بل حتى فى مثاليات من العلمانيين الفاضلين.. وكما قال القديس بولس الرسول "أنسى ما هو وراء، وأمتد إلى ما هو قدام. أسعى نحو الغرض" (فى 3: 14، 13). وكلما امتد إلى قدام، ينظر إلى الكمال والموضوع أمامه، فيقول "أيها الأخوة، أنا لست أحسب نفسى أنى قد أدركت" "ولكنى أسعى لعلى أدرك" (فى3).

كان أحد الرهبان كلما حورب بالمجد الباطل بسبب جهاده الروحى، يقول لنفسه: "ألعلى قد بلغت إلى درجة الأنبا أنطونيوس أو الأنبا بولا؟!

+ + +.

الإنسان المتواضع إذا حورب بالبر الذاتى، يتذكر خطاياه..

يتذكر ماضيه السابق وكل ضعفاته وكل سقطاته وكل خطاياه. وحينئذ تخف عليه الحرب فلا يتكبر. إن القديس بولس الرسول الذى تعب أكثر من جميع الرسل (1 كو 15: 10)، والذى صعد إلى السماء الثالثة (2 كو 12: 4، 2) كان يقول "أنا الذى لست مستحقاً أن أدعى رسولاً، لأنى أضطهدت كنيسة الله" (1 كو 15: 9). مع أن ذلك حدث فى ماض قد انتهى وغفره له الله، ودخل بعده فى عهد جديد مع الرب "كإناء مختار يحمل اسمه امام امم وملوك" (أع 9: 15). ولكنه يذكّر نفسه بذلك الماضى فيحيا فى إتضاع..

وبالمثل كان داود النبى يقول "خطيتى أمامى فى كل حين" (مز50).

+ + +.

إن أتتك أفكار البر الذاتى، اذكر نعمة الله العاملة معك.

تذكر أن كل خير فيك، لست أنت سببه أو مصدره. إنما هى نعمة الله التى عملت فيك، وقوة الله التى سندتك. وأنك بدون الله ما كنت تستطيع أن تفعل شيئاً (يو 15: 5). فلا يليق أن تأخذ عمل الله وتنسبه إلى نفسك، وتنسى عمل النعمة.

لأنك إن نسبت عمل النعمة إلى نفسك، قد تتخلى عنك النعمة فتسقط.

وذلك لكى تعرف ضعفك، ولكى تعترف بضعفك. ولكى تخاف من البر الذاتى، وتحترس من الافتخار الردئ. وقد تسقط فى الخطايا التى انتقدت الناس عليها، وظننت أنك أقوى منهم فى مواجهتها.

حقاً إن البار فى عينى نفسه، يتخيل أنه قوى وأنه يستطيع!

+ + +.

أيضاً لكى تتخلص من البر الذاتى، انظر باستمرار إلى الأبدية.

لا تحاول أن تبنى مجدك على الأرض، فالمجد الأرضى مجد باطل. ولا تحاول أن تنال أجرك هنا، فكله أجر زائل. إنما باستمرار اعمل من اجل أبديتك. وقل لنفسك لا أريد ههنا شيئاً...

حاول أن تزهد فى كل كرامة دنيوية وكل كرامة بين الناس. واطلب شهادة الرب لك، لا شهادة البشر، ولا شهادة نفسك لنفسك.

ليكن كنزك فى السماء، وليس على الأرض (مت 6: 19). ولا تجعل المجد الأرضى يفقدك المجد السمائى. وإلا تكون أنت الخاسر.

+ + +.

اذكر أيضاً طبيعتك الضعيفة القابلة للميل والقابلة للتغير.

هذه الطبيعة القابلة أيضاً للسقوط. واعرف أنك لست أقوى من الأقوياء الذين سقطوا فقد كُتب عن الخطية أنها "طرحت كثيرين جرحى. وكل قتلاها أقوياء" (أم 7: 26). لذلك اذكر أنك إن تهاونت ولو قليلاً، أو إن تخلت النعمة عنك ولو قليلاً، ما أسهل أن يتغلب العدو عليك...

+ + +.

إذن احفظ نقاوة قلبك بالاتضاع.

لأنه بالاتضاع تلصق بك النعمة (يع 4: 6). فتستطيع بها أن تغلب. قل لنفسك: أنا مازلت سائرا فى الطريق، ولم أصل إلى نهايته بعد، والعبرة كلها بالنهاية. فلأكن إذن محترساً، ومتذكراً قول الرسول:

"من يظن إنه قائم، فلينظر لئلا يسقط" (1 كو 10: 12).

وإله السماء قادر أن يحفظك بالاتضاع، ويعطيك النصرة من عنده.

الكبرياء تلد المجَد البَاطل والمجد الباطل يَلد مَحبة المديح والكرامة

محَبة المديح:

المديح شئ، ومحبة المديح شئ آخر. وقد يمُدح الإنسان ولا يخطئ ولكنه لو أحب المديح يكون قد أخطأ.

آباؤنا الرسل مُدحوا، والقديسون والشهداء مدُحوا أيضاً. ولكن كل هؤلاء لم يخطئوا. فليس الخطأ فى أن يسمع الإنسان مديحاً، إنما الخطأ فى أن يحب هذا المديح ويسرّ به حينما يسمعه.

هناك نوعان من الناس لا يهوون المديح:

أولهما: نوع يهرب من المديح الذى يأتى إليه. سواء كان مديحاً من الناس، أو مديحاً من الشياطين، أو من نفسه.

والنوع الثانى يتمادى فى الهروب من المديح والكرامة، حتى أنه ينسب لنفسه عيوباً كثيرة. وحتى يُظهر عن نفسه جهالات ونقائص تحط من قدره. ولو أدى الأمر أن يُقال فيه ما ليس فهي. وهذا النوع توجد عنه قصص كثيرة فى سير الرهبان والراهبات.

الذين يحبون المديح

الذين يحبون المديح درجات متفاوتة فى الخطأ.

النوع الأول:

إنسان يأتيه المديح دون أن يسعى إليه. وعندما يسمع المديح، يسرّ به ويبتهج، على الرغم من أنه لم يسعّ إليه. وهذا الصنف من محبى المديح على درجات وأنواع:

أ - إنسان يسرّ بالمديح، ويسمعه فى صمت، وهو قابع فى مكانه: صامتاً ومسروراً فى داخله، دون أن يشعر به أحد.

ب - إنسان آخر يسمع المديح، ويتسبب فى الإستزاده منه. أى يظل يقول بعض عبارات تجعل الذى يمدحه يزيد فى مديحه. كأن يجره من موضوع المديح إلى موضع آخر يمُدح منه، أو نقطة أخرى فى نفس الموضوع تستحق المديح. أو يلجأ إلى أية وسيلة تجعل مادحه يزيد المديح.

ج - هناك إنسان يحب المديح وهو مسرور. ويتظاهر بعدم السرور بالمديح أو يرفضه، مع أنه مسرور من الداخل. ويظل يتمنع فيزيد الآخر فى مدحه. أو يذكر عن نفسه نقائص وهو لا يقصد أن يعيبها أو يشينها. بل فى قرارة نفسه يريد أن يسمع المزيد من المديح.

النوع الثانى:

أصعب من النوع السابق قليلاً: إنسان لم يأت المديح، ولكنه يشتهى أن يسمعه. وفى إشتهائه يسلك أحد طريقين:

أ - يشتهى المديح، ويظل صامتاً حتى يصله، متحيلاً اسباب يسمع بها المديح. كأن يبدأ موضوعاً معيناً، يشمل عملاً قد عمله يستحق فيه مديحاً. أو يجر الكلام خطوة خطوة، حتى يصل إلى النقطة التى لابد أن يسرّ بها الناس ويمتدحونها، ويمدحونه بسببها.

ب - أو أنه يشتهى المديح، فيعمل أعمالاً صالحة أمام الناس، لكى ينظروه فيمدحوه. كما قال الرب عن الذين استوفوا أجرهم على الأرض (مت6).

النوع الثالث:

وهو أصعب من النوعين السابقين. وفيه إنسان يحب المديح ويشتهيه. لكن المديح لم يأته بعد، على الرغم من أنه ينتظره ويتحيل له أسباباً...

فماذا يكون ردّ فعله على انتظاره المديح بلا نتيجة؟

إنه يصل إلى درجة أخرى. فيها يكره من لا يمدحه ويعتبره عدواً، ويكون بينهما سوء تفاهم. ذلك لأنه لم يلاحظ بعد ما فيه من صفات تستحق المديح، وما قام به من أعمال توجب له تقدير الناس...

نعم إن هذا الإنسان لم يضره فى شئ حتى يصير عدواً. إنما يكفى أنه لم يمدحه ببعض الكلام الطيب. لم يقابله مقابلة لطيفة، ولم يقدم له احتراماً زائداً، ولم يكرمه إكراماً من نوع خاص! مثل هذا الإنسان الذى يكره من لا يمدحه، ماذا يفعل إذن بالذى ينتقده؟! إن كان الساكت فقط عن مدحه، أصبح موضع كراهيته، فكم إذن يكون شعوره من جهة ناقديه؟!

النوع الرابع:

هناك نوع آخر يشتهى المديح، ويسرّ عندما يسمعه، ويكره من لا يمدحه. ولكنه لا يكتفى بذلك. بل هو يمدح نفسه إذا لم يجد أحداً يمدحه. فيتكلم عن أعماله الفاضلة التى عملها وتستحق المديح. وفى نفس الوقت يخفى خطاياه الشخصية.

هذا الإنسان هو الذى يتحدث كثيراً بالخير عن نفسه.

النوع الخامس:

إنه أصعب من ذلك النوع السابق الذى يمدح نفسه.

ذلك لأن مديح النفس من صنفين: واحد منهما – الذى ذكرناه – وهو الذى يمدح نفسه بما فيه. فيظل يتكلم عن أفعاله المجيدة التى عملها، وعما توجد فيه من صفات حسنة.

أما الصنف الثانى – الذى نذكره حالياً – فهو حالة إنسان يمدح نفسه بما ليس فيه وينسب إلى نفسه فضائل ليست عنده، بل يدّعيها ويتخيلها.

أو يذكر صفات حسنة عنده، ولكنه يبالغ فى الحديث عنها ويكبّرها...

أو أنه ينسب فضيلة غيره إلى نفسه! فإن كان مشتركاً فى عمل، قد تم نجاحه بمجهود مجموعة من الناس.. فإنه حينما يحكى عن هذا العمل، يركّز على نفسه فقط كما لو كان هو وحده السبب فى نجاح العمل، وليس مجرد مشترك فيه، لكى يكون المديح له وحده متجاهلاً كل الذين اشتركوا فى العمل وساهموا فى نجاحه، وكأنهم لم يكن لهم وجود ولا مجهود!!

بل قد يحدث فى بعض الأوقات ما هو أسوأ من هذا: أن ينسب إلى زملائه فى العمل كمية كبيرة من العيوب، ويتهمهم بالتقصير أو الضعف، ويخفى حقهم ودورهم. كأن يقول عن واحد منهم – على غير حق – أنه لم يستطع أن يتكلم، وكان متلعثماً حتى تضايق غيره!!

مثل هذا الإنسان لم يمدح ذاته فقط، بل أضاف إلى امتداح نفسه، أنه ذم الآخرين وشهّر بهم. وبنى كرامته على إمتهان الآخرين!

+ + +.

وعن التواضع الذى هو عكس هذا النوع من مديح النفس:

أذكر قصة راهب فاضل كان ينكر ذاته جداً. فحينما كان يعمل فى خدمة الدير عملاً حسناً، ويدرك أنه لابد سينال مديحاً بسببه، كان يشرك معه راهباً آخر فى جزء ضئيل جداً من العمل. أو فى نهاية العمل يطلب من أحد الرهبان أن يساعده. فإن مُدح على ذلك العمل بعد إتمامه، يقول "بارك الله أبانا فلان الذى تم العمل على يديه".. وهكذا ينسب إليه الفضل، حتى يبُعد المديح عن نفسه.

هناك مثل آخر واضح فى لعبة كرة القدم. فلو كان كل لاعب فى الفريق يبحث عن مدح نفسه، سيفشل الجميع. لأن كُلا منهم يريد أن يكون الهدف بواسطته وحده! ولكن بروح الفريق يلعب الجميع. وقد يسير أحدهم بالكرة حتى يصل إلى قرب المرمى، ثم يمرر الكرة لغيره فيكسب زميله الهدف ويمتدحونه. المهم هو إنتصار الفريق وليس فرداً معيناً منه.

فإن كان هذا فى الروح الرياضية، فكم بالأكثر تكون فى الحياة الروحية.

إن الإنسان الذى يسعى إلى مدح ذاته، متجاهلاً باقى الناس والظروف المحيطة، وقد يتجاهل عمل نعمة الله معه، إنما يمدح نفسه بما لا يستحق...

النوع السادس:

وهو يمثل أرادأ نوع من محبى المديح. إذ قد تصل محبة المديح بشخص إلى الدرجة التى فيها يحب أن يكون المديح له وحده. ويتضايق إذا مُدح شخص آخر غيره. أو يغتاظ إن شاركه أحد فى المديح. فهو يريد أن يمُدح وحده وليس غير. وإن مُدح آخر يغار ويحسده، ويحقد عليه ويتكلم عنه بالسوء.

الخطايا التى تنتج عَن محبة المديح الكرامة

ما اكثر الخطايا التى تنتج عن محبة المديح والكرامة. نذكر من بينها:

1 - الرياء:

محب المديح قد يصير إنساناً مرائياً، لا يعطى صورة حقيقية عن نفسه. فهو يخفى النقط السوداء التى فيه، ويُظهر فقط النقط البيضاء التى تجلب له المديح. وإخفاء النقط السوداء يتدرج فيه إلى نواحِ كثيرة. وكذلك إظهار النقط البيضاء يتدرج فيه إلى نقط خطيرة. وبهذا يقع فى عيوب لا تُحصى.

+ + +.

2 - الغضب وعدم الاحتمال:

مادام محب المديح يخفى عيوبه، فبالتالى لا يقبل أن يوجه إليه أى عيب. فيكون إنساناً يكره الانتقاد. وإذا انتقده أحد، فإنه لا يحتمل. وربما لا يقف فقط عند حدً عدم الإحتمال، بل قد يتطور به الأمر إلى الغضب والنرفزة والثورة إلى آخر هذا الطريق.

فكيف ينقده شخص ويقول عنه كلمة سيئة؟! وكيف يذكر له عيباً معيناً؟! لهذا فإنه يثور ويضج، ويتعب من الداخل ومن الخارج. كما يٌتعب مع الآخرين أيضاً. وكل هذا بسبب محبته للمديح والكرامة.

وهنا يجب أن نعلم أن علاج أنواع كثيرة من الغضب، هو ألا يكون الإنسان محباً للمديح ولا للكرامة. لأن كثيراً من غضبنا يكون مصدره هو محبة المديح، إذ لا يحتمل الإنسان كلمة إهانة أو نقد أو أية إساءة.

+ + +.

3 - الكراهية:

محب المديح قد يكره من لا يمدحه. ويكره أيضاً بالأكثر من ينتقده. كما يكره من يمدح غير أمامه. لأنه يريد المديح له وحده!

+ + +.

4 - الحسد:

محبة المديح والكرامة هى من الأسباب الأساسية للحسد. فالحاسد يريد أن يأخذ مركز غيره ومكانته عند الناس. ولا يريد أن يكون غيره أفضل منه. فلهذا يحسد كل من يراه موضع التقدير والإعجاب!

+ + +.

5 - النقد والإدانة والتشنيع والسب للغير:

يقع محب المديح فى هذه الأخطاء. ذلك لأنه يحب أن يكون جميع الناس أقل منه. لذلك فهو يشوّه أعمال الغير، لكى يكون هو وحده الذى بلا عيب.

ولهذا فإنه يقع فى إدانة الآخرين، وفى التشهير بهم. كما يقع فى السب، وما إلى ذلك من انتقاص حقوق الآخرين.

+ + +.

6 - وبذلك يخسر محبة الناس:

يخسر محبة الذين ينتقدهم، ومحبة أصدقائهم وأقاربهم. ويخسر محبة من لا يعجبه هذا الأسلوب فى تشويه الآخرين.

+ + +.

7 - هو أيضاً يحب المتكآت الأولى:

ولأنه يحب العظمة، فإنه يتنازع مع الناس على المتكآت الأولى، ويدخل فى خصومات وفى مشاكل مع من يجلس فى المتكآت الأولى، كما لو كان ذلك الشخص يغتصب حقاً من حقوقه، أو لا يعترف بمكانته وأولويته!

إنه يريد باستمرار أن يكون هو الأول والمتقدم والبارز والظاهر، والمختَص بالاحترام والهيبة. وكل من ينافسه فى هذا، لابد أن يسئ إليه، ويتكلم عنه ردياً.

+ + +.

8 - ومحبة المديح تدفعه إلى الكذب والإدعاء:

إن كان الإدعاء يوصله إلى مركز مرموق بين الناسن فلا مانع عنده أن يكذب ويدّعى ما ليس فيه من مواهب وصفات. وربما يختلق قصصاً وأحداثاً لإثبات ذلك.

+ + +.

9 - وقد يصل به الأمر إلى تدبير دسائس:

يتمكن بها من أن ينزع بها الظاهرين من مراكزهم، لكى يبقى هو وحده فى الصورة، بلا منافس وبلا شريك فى العظمة وفى إعجاب الناس.

+ + +.

10 - ومحبة المديح تؤدى إلى أكثر من هذا:

فقد تؤدى بمحب المديح إلى اشتهاء موت الآخرين لكى يأخذ مكانهم، أو على الأقل يشتهى فشلهم وعزلهم، لكى ينال موضعهم. فإن كان وكيلاً، وله رئيس، فإنه يتطلع إلى منصب هذا الرئيس، ويشتهى وظيفته بأية وسيلة! ويطلب أن يُزاح من مكانه، لكى يجلس هو على كرسيه. ويتخيل خيالات توصله إلى ذلك، كأن تقدم شكاوى ضد هذا الرئيس، ويحقق معه، وتثبت إدانته ويعزل، ويصبح الجو ممهداً أمامه هو، ويخلو له المكان.

وربما لا يسمح له ضميره أن يقول كلمة سوء عن رئيسه. ولكنه ينتظر بفارغ صبر أن تُقال تلك الكلمة من غيره، فيفرح بها ويسرّ، ولا يدافع عنه مع معرفته الأكيدة بأنه برئ. ولكنه لا يشهد بشهادة فى صالحه!

فلننظر كم من الخطايا قد وقع فيها مثل هذا الشخص، لفساد قلبه!

+ + +.

11 - ومحبة المديح والكرامة، تجعل الإنسان ليس فقط لا يحتمل التأديب ولا التوبيخ. بل لا يحتمل مجرد كلمة نصح!

فكيف ينصحه غيره؟ هل هذا الغير أفضل منه، أو يفهم أكثر منه؟! بينما هو العارف والفاهم والعالم، والناصح والموجه والمرشد!!

بل قد يتطور الأمر معه، فلا يحتمل إنساناً ينصح آخر أمامه. لأن النصح والإرشاد هما له فقط! هو الذى ينصح. وهكذا يتضايق دون أن يدرك أحد لماذا تضايق! إنه يغلى من الداخل. وإذا ما سئل عن سبب ضيقه، لا يستطيع أن يقول السبب.

+ + +.

12 - وبذلك يصبح مشكلة لنفسه، ومشكلة للآخرين.

وربما إذا سئل غيره فى وجوده، أو احترم الناس غيره فى وجوده، لدرجة شعر بها أنه كان الأحق بهذا الاحترام، أو أن الاحترام الذى قد وجُهّ لغيره كان أكثر مما وجّهّ إليه، يتضايق ويتعب فى الداخل،. ولو من أجل سبب بسيط. كأن يدخل إنسان، ويسلّم على غيره باشتياق أكثر أو باحترام أكثر! فهذا الإنسان المحب للمديح يصبح متعباً. فهو لا يحتمل الناس. كما أن الناس أيضاً فى مثل هذه الحالة لا يحتملونه...

+ + +.

13 - محبة المديح والكرامة تجعل الإنسان فى موضع متردد غير ثابت.

لأنه لا يسير على مبدأ واحد، وليست له خطة واضحة. وإنما إن كان هذا الأمر يسبب له المديح فإنه يفعله. وإن كان عكسه يأتى بالمديح، فإنه يفعل العكس!

إنه يتلون مع الناس كيفما كانت صورهم وأساليبهم واتجاهاتهم:

مع الوقور يكون وقوراً ومتزناً. ومع المهزار يكون مهزاراً!!

"ولكل شئ تحت السماوات وقت". والوقت عنده هو مجال المديح: مع محب الكلام يكلمه كثيراً لكى يمُدح على صمته. إن كان الدفاع عن الحق يجلب له المديح، فإنه يدافع عنه. لا حباً فى الحق، وإنما حباً فى المديح! وإن كان الدفاع سيغضب البعض منه، فإنه لا يقول الحق لئلا يغضبهم. وبذلك يخسر مديحهم له!!

إنه يريد المديح وكفى، بأية طريقة وبأية وسيلة. ولا مانع من التلون مع الناس، لكى يصل إلى مديحهم له!

يلبس لكل حالة لبوسها - ويتخذ أمام كل إنسان صورة وشكلاً وتصرفاً ليكسب رضاه ومديحه: أمام إنسان بحب الإتضاع، يجلس بوقار فى أتضاع، ويعمل الأعمال التى يُمدح عليها كمتضع. ومع المتكبر يكون فى صورة من العظمة التى يحبها.

+ + +.

14 - هو إنسان ملون، لا يثبت على وضع، لكى ينال المديح.

يعيش فى شقاء وتعاسة. يفقد سلامه الداخلى: يشتاق إلى الكرامة. فإن لم تأته، يتعب ويشقى. وإن أتته يفرح ويسرّ. ولكنه يفرح وقتياً، ويلازمه الشقاء: إما لخوفه من ضياع تلك الكرامة، أو لإشتياقه إلى كرامة أفضل. ويعيش فى تعب، لأن الكرامة الأفضل لم تصله بعد.. وسلسلة التعب النفسى معه تتوالى ولا تنتهى.

+ + +.

15 - محبة المديح يقع فى الغطرسة والكبرياء:

وهذه تقوده إلى باقى الشرور. والكبرياء تدفعه إلى محبة المديح. وإن نال هذا المديح يزيد مقدار الكبرياء عنده. ويتحول إلى الغطرسة.

+ + +.

16 - وأخيراً فإن محب المديح يخسر حياته الروحية خسراناً كاملاً.

لأن كل الفضائل التى يجهد ذاته فى عملها، تتشوه تشويهاً شاملاً إذ يدخلها حب المديح فيفسدها، أو يكون حب المديح هو هدفها، وليس حب الخير! فلا تصبح له فضيلة على الإطلاق، لأن كل فضائله قد تشوهت بسبب فساد الهدف والدافع إليها.

+ + +.

17 - هذا الإنسان – مهما تعب ومهما عمل، يقف أمام الله صفر اليدين.

ولا جزاء له عند الله، لأنه أخذ أجرته على الأرض. إذ يقول له الرب فى اليوم الأخير إنك استوفيت خيراتك على الأرض مديحاً وكرامة وعظمة. ولا تستحق شيئاً عندى فى السماء (مت 6: 16، 5، 2). إنك – لست من أجل الرب – عملت الفضائل بل من أجل كرامة تنالها من الناس، وقد نلتها وانتهى الأمر. فضائلك كانت من أجل ذاتك لكى ترتفع هذه الذات أمام الآخرين، وقد حصلت على ما تريد. فماذا بعد؟!

وهكذا يخسر هذا الإنسان الملكوت الأبدى والعشرة مع الله وقديسيه. وبسبب نزاعه مع الناس فى محبته للكرامة، يخسر الناس أيضاً، لأنهم لا يحبون المتغطرس والمتكبر، ويشمئزون مع سعيه وراء المديح. فيتعرض بهذا إلى ازدرائهم واحتقارهم، كما يمتدح نفسه أمامهم.

+ + +.

وصدق مار اسحق حينما قال:

من سعى وراء الكرامة، هربت منه. ومن هرب منها بمعرفة، سعت إليه.

إن كان الأمر هكذا، فكيف ينجو الإنسان إذن من محبة المديح والكرامة؟

الهروب مِن المديح والكرامة يمكن الهرب منهما بإخفاء الفضائل والبُعد عن الرئاسات

إخفاء الفضائل

طالما فضائلك ظاهرة أمام الناس، فأنت عرضه للمديح.. فإن أردت أن تهرب من مديحهم، عليك بقدر إمكانك أن تخفى فضائلك وأعمالك الحسنة. ليس معنى هذا أنك لا تعمل شيئاً حسناً أمام الناس. وإنما لا تعمل أمامهم بهدف أن تنال مديحهم. فإن كان العمل ضرورياً ولا يمكنك إخفاءه عن الناس، فعلى الأقل لا يكون هدفك وقصدك هو محبة المديح، بل عمل الخير ذاته.

+ + +.

وقد تعرض القديس أوغسطينوس لهذه المسألة فى تفسيره للعظة على الجبل:

يقول الرب "احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكى ينظروكم، وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم فى السموات" (مت 6: 1). ويقول أيضاً "فليضئ نوركم هكذا قدام الناس، لكى يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذى فى السموات" (مت 5: 16). فهل يوجد تناقض بين القولين؟ وكيف نوفق بينهما؟

يقول القديس أوغسطينوس فى هذا الموضوع "ليس هناك تناقض. لأن العيب ليس فى أن ينظر الناس أعمالكم الحسنة. إنما العيب هو أن تعملوا الأعمال الحسنة لكى ينظروكم.

فينبغى عليك أن تعمل الخير سواء نظرك الناس أو لم ينظروك. لا يكن هدفك أن يراك الناس وأنت تعمل الخير، ولا أن يمدحونك. بل إعمل العمل الصالح، لا لكى تتمجد أنت به، بل لكى يتمجد الله "لكى يمجدوا أباكم الذى فى السموات".

يقول البعض إنهم يعملون الصلاح لكى يكونوا قدوة أمام الناس.

ولكن علينا أن نفهم أن للقدوة مواضع، وأناس مفروض فيهم بحكم موضعهم أن يكونوا قدوة. مثل رجال الإكليروس والقادة والمسئولين والرسل والأنبياء والرعاة. فهؤلاء إن لم يكونوا قدوة، سيعثرون الآخرين.

أما الإنسان المتواضع، فإنه لا يرى فى نفسه شيئاً يُقتدى به الناس.

ويحاول أن يهرب من مواقف القدوة بحجة أنه خاطئ وضعيف. وعلى عكس هذا يُظهر نقائصه وضعفاته. ومع ذلك قد يصبح قدوة باتضاعه..

+ + +.

وكلما حاربه الفكر أن يكون قدوة، يقول لنفسه: لا استطيع أن أكون مرائياً، أظهر بغير حقيقتى. ويصرخ أمام الله قائلاً: أنت تعرف يا رب ما بداخل القبور المبيضة من عظام نتنة. إن كنت أنت برحمتك قد سترتنى، وأخفيت عيوبى عن الآخرين، هل استغل أنا هذا الستّر، لأمثّل دور القدوة؟! بينما أنا إنسان خاطئ بعيد عن حياة البر!!

أما الذى يريد أن يصير قدوة، فلكى يظهر أمام الناس حسناً يجوز أن يقع فى الكبرياء والرياء. فيجب أن نرضى الله لا الناس.

+ + +.

فلا يكن هدفنا أن نكون قدوة، حتى لو صرنا قدوة بتدبير من الله.

هكذا كان الآباء القديسون يتركون تدبير أمر معين فى الفضيلة إذا اشتهر عنهم ويعملون غيره، إذ كانوا يهربون جداً من المديح. ولكن ليس هذا أن تترك كل تدبير حسن تسير فيه لئلا يأتيك المديح بسببه، بل اثبت فى كل تدريب صالح من أجل نموك الروحى، وليس لكى ينظرك الناس.

البعد عن الرئاسات:

* الإنسان المتواضع لا يسعى وراء المناصب والرئاسات. بل فى حكمة يهرب منها وقد نبغ فى ذلك كثير من آباء الرهبنة ومنهم القديس بينوفيوس الذى عرفنا قصته من يوحنا كاسيان مؤسس الرهبنة فى فرنسا.

كان القديس بينوفيوس رئيساً على دير يضم أكثر من مائتى راهباً فى منقطة البرلس. وكان متضعاً جداً ومهاباً، وله مكانة عند الكثيرين.

إذ كانوا يحبونه بسبب قداسته وحياته الفاضلة، ولمواهبه العظيمة التى منحه الله إياها، وأيضاً بسبب كهنوته، ولأنه شيخ وقور.

جلس هذا القديس ذات يوم إلى نفسه وقال: ماذا تكون نتيجة هذا الوضع الذى أنا فيه؟ كل يوم مديح وكرامة واحترام وتوقير!! إننى أخاف أن يقول لى الرب فى اليوم الأخير "إنك قد أستوفيت خيراتك على الأرض" (لو 16: 25). فأين منى الطريق الضيق والكرب الذى أوصى به الرب، وقال إنه المؤدى إلى الحياة (مت 7: 14). وأين منى قول الكتاب: "إنه بضيقات كثيرة ينبغى أن ندخل ملكوت الله" (أع 14: 22)؟ وهوذا أنا رجل متمتع باحترام وتوقير وكرامة ورئاسة!

لذلك هرب القديس بينوفيوس ذات يوم من الدير دون أن يشعر به أحد.

وتنكر فى زى علمانى، وسار جنوباً حتى وصل إلى أحد أديرة القديس باخوميوس الكبير فى إسنا. وطرق الباب طالباً أن يقبلوه فى الدير. فنظروا إليه متعجبين من امر هذا الشيخ الذى أتى ليترهب! وقالوا له "هل أتيت بعد أن شبعت من العالم، وشبع العالم منك؟! أتريد أن تأخذ مظهر القداسة فى أواخر أيامك؟ إنك لا تصلح، فأرحل عنا".

فألح القديس بينوفيوس عليهم فرفضوا. وقالوا له "أنت رجل شيخ، ولا تحتمل الرهبنة وجهاداتها" فظل يلح عليهم وهم يرفضونه. ووقف عند الباب مدة على الرغم من رفضهم، فظل يلح عليهم وهم يرفضونه. ووقف عند الباب مدة على الرغم من رفضهم، دون أكل أو شرب. فلما رأوا احتماله وصبره، أدخلوه الدير على شرط ألا يرسم راهباً، ويكون فى زى العلمانيين يخدم فى الدير. وأسندوا إليه مساعدة الراهب الشاب المسئول عن حديقة الدير، ليكون كصبى عنده. فلم يمانع. وكان الشاب يوجه إليه أوامر يعمل بها، فكان مطيعاً له خاضعاً.

تحول القديس الذى كان يحترمه الناس ويطيعونه إلى تلميذ. وكانت أمنيته أن تتغير حياته، ويكون خاضعاً لغيره بدلا من خضع الغير له.

وكان معلمه الشاب شديداً عليه جداً. يريد أن يربى الشيخ تربية صحيحة، لأن الرهبنة ليست كسلاً! وصار القديس يطيعه طاعة كاملة، وينفذ أوامره بكل دقة، لايجادل ولا يناقش. وسار على هذا المبدأ مدة وسرّ به الشاب.

وأيضاً كان يقوم فى ساعة متأخرة من الليل – والرهبان نيام – ويعمل الأعمال التى يشمئز منها الآخرون لقذارتها. فإذا ما استيقظوا فى الصباح، يجدون كل شئ قد تم دون أن يعرفوا من الفاعل، فيبتهجون ويباركون الرب من أجل ذلك أما هو فكان مسروراً بهذا العمل. وظل على هذا الطقس ثلاث سنوات وهو يقول "أشكرك يا رب من أجل عطاياك ونعمك العظيمة، إذ خلصتنى من الاحترام والتوقير، ونقلتنى إلى حياة الطاعة والخضوع".

حدث بعد ذلك أن أتى لزيارة هذا الدير راهب من أديرة البرلس.

ورأى القديس بينوفيوس يحمل السباخ ويضعه حول الشجر. فشكّ فى الأمر ولم يصدق أنه هو! وأخيراً سمعه يرتل المزامير بصوته المعهود، فعرفه سجد له، وكشف أمره للرهبان. فأخذوه بمجد عظيم وأعادوه إلى ديره.

وبعد ذلك هرب أيضاً إلى بيت لحم، وعمل خادماً فى قلاية يوحنا كاسيان.

وتصادف أن ذهب راهب آخر إلى زيارة الأراضى المقدسة، فرآه وعرفه. وأعادوه مرة ثانية باحترام إلى ديره. وزاره يوحنا كاسيان عند مجيئه إلى مصر، وكتب عنه في مؤلفاته أنه مثال حى للهرب من الرئاسات...

فالذى يريد أن يخلص من مديح الناس والكرامة، عليه أن يهرب من محبة الرئاسات والمناصب.. لأنه إن نجح فى تلك المناصب، تشعره بأنه قد صار موضعاً للكرامة. وإن فشل فيها، وقع فى دينونة عظيمة.

+ + +.

* إن أحلام الرئاسة تعب داخلى:

لأنه أحياناً يخلو الإنسان إلى نفسه. وفى أحلام اليقظة يتصور أنه فى مركز هام، وأنه يعمل ويعمل.. وتدور فى ذهنه مشروعات كبيرة وأمور خطيرة. ويظن أنه لو أعطى السلطان، لسوف يعمل ما لم يستطيع غيره أن يعمله!

وهذه تخيلات المجد الباطل، وكبريائه موجودة فى الداخل تُشعر الإنسان بأنه يستطيع الشئ الكثير. وقد يسمح الله أن تُسند إلى هذا الشخص مسئولية، فيفشل فيها لكى يعرف مدى ضعفه.

+ + +.

ذهب أحد الشيوخ ليزور راهباً وشاباً فى قلايته الخاصة. وعندما همّ بقرع الباب، سمع صوتاً فى الداخل، فانتظر قليلاً حتى لا يعطل الراهب الشاب. فسمعه يعظ من الداخل فأنتظره حتى انتهى العظة وصرف الموعوظين قائلاً "أمضوا بسلام". ثم قرع الباب، وفتح الراهب الشاب، وفوجئ بالشيخ أمامه. فخجل وفكّر ما عسى أن يقول عنه الشيخ إذا كان قد سمعه يعظ بمفرده دون موعوظين! فقال "إنى أسف يا أبانا، لئلا تكون قد جئت من زمن وتعطلت على الباب". فابتسم الشيخ وقال له "جئت يا بنى وأنت تصرف الموعوظين". وعرف الشيخ أن هذا الراهب محارب بالمجد الباطل، إذ يتصور أنه قد صار معلماً وواعظاً...

فأحذر أن تتخيل أنك قد صرت رئيساً أو قائداً أو مشيراً. قل لنفسك إنك لم تصل إلى هذا المستوى بعد. ويكفى أن تكون أميناً للوضع الذى أنت فيه.

+ + +.

* إن الرئاسات ضارة لغير الناضجين:

قال القديس أوروسيوس أحد خلفاء القديس باخوميوس الكبير:

"إن الرئاسة مضرة للأشخاص الذين لم ينضجوا بعد". وضرب مثلاُ لذلك فقال "إذا أحضرت لبنة لم تحترق بعد بالنار وألقيتها فى الماء، فإنها تذوب. أما إذا احترقت بالنار، فإن ألقيت فى الماء، فإنها تبقى وتشتد".

كذلك الشخص الذى يصل إلى الرئاسة قبل أن ينضج، وقبلما يمحص بالنار، أى باختبارات الحياة، وقبلما تزول منه محبة المجد الباطل، فإنه معرض للهلاك. كذلك مساكين هم الناس الذين يخضعون لرئيس محب للمجد الباطل. فإنه يضيّع نفسه، ويضيع الناس معه، بسبب المجد الذى يطلبه منهم.

لماذا يهرَب المتواضع مِن حب الرئاسة والرعاية؟

إنه يهرب من الرئاسة حرصاً على خلاص نفسه، وهروباً من العظمة والكبرياء حسبما وعظ القديس يوحنا الأسيوطى:

سئل هذا القديس: "هل يليق بالإنسان أن يطلب رتبة وسلطاناً، بقصد تقويم المعوجين وإبطال الشرور؟". فأجاب:

كلا، لأنه إن كان الإنسان – وهو بعيد عن الدرجة – يريد أن يكون عظيماً، فماذا يفعل عندما يصل إلى الرئاسة والعظمة ذاتها؟!

فالذى وهو فى ضآلة شأنه لم يعرف الإتضاع، ماذا يفعل وهو فى العظمة؟! وإن سعى إلى الانتفاخ – وهو بعيد عن المناصب – فأى انتفاخ يكون له عندما ينال تلك المناصب؟!

إذ حينما لم يكن لديه سبب للعظمة، كان يطيش بها فى ضميره، فكم يكون بالحرى عندما ينال سبباً للافتخار؟!

+ + +.

إن كنت لا تشتهى الاتضاع، فلا تطلب درجة الرعاية. ولا تشتِه درجة الكهنوت لكى تعتنى بالناس. وأعلم أن الله يعتنى بشعبه أكثر منك. أشتهِ أن تكون حملاً فى القطيع يرعاك غيرك، لا أن تكون راعياً مسئولاً عن رعية يطلب الله دمها من يدك.

احترس من شهوة التسلط. واذكر أنك مهما صرت اليوم مكرماً بالعظمة، فغداّ ستكون مثل سائر الناس محبوساً فى القبر.

+ + +.

يهرب المتواضع من الرئاسة والرعاية، شاعراً بأنه أضعف من القيام بها.

قال القديس يوحنا الأسيوطى أيضاً: "إن كنت الآن لا تقدر أن تربح نفسك، فكيف تقدر أن تربح نفوساً كثيرة؟!.. إن كنت فى الوقت الذى ليس عليك فيه أثقال، لم تستطع أن تحيى ذاتك، فكيف تقدر أن تخلص شعباً كبيراً من شر هذا العالم؟! إن كنت الآن بلا مسئوليات كثيرة، ولم تقدر أن تخلص هذه النفس الواحدة التى هى نفسك، فكيف تقدر على نفوس الناس؟!

وبنفس منطق القديس يوحنا الأسيوطى، أقول لكل من يشتهى الرعاية ليخلص نفوس الاخرين: اهتم يا أخى بخلاص نفسك أولاً. فإن لم تستطع، فلن تقدر على تخليص غيرك مهما أخذت من مناصب...

نفسك التى تعرف عنها كل شئ: تعرف جميع أسرارها وتاريخها كله، وضعفاتها، وأسباب ما فيها من ضعفات وعيوب وأمراض روحية.. إذا لم تستطع أن تخلص هذه النفس المعروفة جداً لديك، فكيف تقدر على خلاص نفوس الناس الذين تجلس معهم فترات قليلة، ولا تعرف عنهم إلا القليل جداً؟!

ونفسك التى إذا وبختها، تقبل منك التوبيخ واللوم والزجر، ومع ذلك لم تقوّ على ردعها! فكيف تقدر على نفوس إن وبختها تغضب منك؟!

نفسك التى تثق بك، والتى هى مستعدة أن تسمع لك، لست قادراً عليها، فكيف تعمل مع الناس الذين قد لا يسمعون منك. وإن سمعوا ربما لا يثقون بما تقول!!

+ + +.

الذى يهرب من الرئاسات والمناصب، يحب المتكـأ الأخير.

لأنه يشعر أن هذا هو وضعه الطبيعى، وهذا هو استحقاقه. إذ قال القديسون "اعتبر نفسك أقل من الكل وآخر الكل، لكى تستريح. قال القديس برصنوفيوس:" لا تحسب نفسك فى شئ من الأمور، ولا يحسبك أحد شيئاً، وأنت تتنيح (أى تستريح) "...

فالشخص الذى لا يحب المديح والكرامة، يهرب من الرئاسة، ويهرب من المتكأت الأولى، ويشتهى أن يكون خادماً لغيره، لا أن يخدمه غيره. يشتهى أن يتتلمذ على المرشدين وينتفع بأقوالهم، لا أن يكون مرشداً لآخرين.

قال الشيخ الروحانى "فى أى مكان وُجدت فيه، كن صغير أخوتك وخديمهم".

+ + +.

فى مرة طلب منى أحد الآباء الكهنة الجدد – بعد رسامته – أن أقول له كلمة أو نصيحة، فقلت له "كن ابناً وسط أخوتك، وأخاً وسط أولادك". فالذى ينزل درجة يرتفع درجات.. وهذا هو الذى يستريح فى أى منصب يُوضع فيه. أما إن كان يريد أن يتمتع بكل كرامة هذا المنصب، ويملأ كرسيه أو ينتفخ، فهذا إنسان مسكين أسقطته المناصب..

أما أنت فكن آخر الكل "صغير أخوتك وخديمهم" فى كل مكان تحل فيه. وإن كان السيد المسيح قد غسل أرجل تلاميذه "(يو13)، ولم يستحِ أن يدعوهم أخوة له (عب 2: 11)، بينما هو المعلم والسيد، فهل تكون أنت رئيساً على أحد؟!

+ + +.

الإنسان المتواضع – إن صار رئيساً – يعتبر نفسه رئيساً فقط على العمل وليس على الناس. ويعتبر مرؤوسيه زملاء له...

إنه يهرب من الرئاسة والترأس، ومن السلطة والتسلط. أما إن أمسكه الله بإرادته التى لا تقاوم، وجعله رئيساً أوراعياً، فإنه عندئذ يطلب منه قوة يعمل بها، لأنه بنفسه لا يستطيع أن يعمل شيئاً (يو 15: 5). والذى يثق بقدراته الخاصة على تخليص الآخرين، لابد أن يكون مغروراً.

+ + +.

إنه لا يرفض الرئاسة إن أتت إليه، دون سعى منه إليها. فليس الضرر فى الرئاسة، إنما الضرر فى محبة الرئاسة وفى الارتفاع بسببها.

ليس الضرر أن تبقى رئيساً. ولكن الضرر هو أن تتسلط على غيرك. فقد يوجد رئيس وصاحب المتكأ الأول، وفى نفس الوقت يكون إنساناً متضعاً. يعامل مرؤوسيه برفق كأنه واحد منهم. فالرئيس والمرؤوس سواء عند الله. بل قد تكون للمرؤوس منزلة أكبر حسب برّه.

+ + +.

والرئيس المتواضع هو الذى يتفاهم مع مرؤوسيه بروح المحبة والبساطة شاعراً أن السلطة إنما تمنح للرؤساء من أجل إدارة العمل، وليس من أجل الكرامة الشخصية. وهكذا أيضاً درجات الكهنوت مهما علت، هى للتدبير والرعاية والخدمة، وليست للرفعة والتشامخ. وعلى ذلك فإن كل سلطة لا يجوز أن تنحرف عن معناها الأصلى كمجرد وسيلة لتدبير العمل، لتصبح وسيلة إلى تكبير الذات وإظهارها..!

يحكى عن القديس باخوميوس أب الشركة: إنه كان يسير مرة مع مجموعة من الرهبان، وكل واحد يحمل حاجياته. فتقدم أحد الرهبان لكى يحمل حاجيات القديس باخوميوس، فرفض ذلك وقال له: إذ كان المسيح له المجد دعا نفسه أخا لتلاميذه، فهل استخدمكم أنا فى حمل حاجياتى؟! لا يصير هذا الأمر أبداً. من أجل هذا فإن بعض الأديرة كائنة فى انحلال، لأن صغارهم مستعبدون لكبارهم "!

+ + +.

والقديس بولس الرسول يقول عن نفسه "إن حاجاتى وحاجات الذين معى، خدمتها هاتان اليدان" (أع 20: 34).

إن الرئيس المتواضع هو الذى يحترم الكل، يعامل الكل بلياقة. حقاً ما أعظم محبة وتواضع الذين يعاملون من هم أقل منهم باحترام وتوقير..

إنك بسهولة تحترم الشخص الأكبر منك. فهذا واجب وضرورة، وأنت مرغم على ذلك ومضطر أن تحترمه. لكن من يحترم من هو أقل منه، يكون متضعاً.

الذى يحترم من هم أصغر منه فى المنصب، أو العلم، أو السن، أو فى المقام، ويحفظ حقوقهم ويشعرهم بشخصياتهم، فهو إنسان متواضع يستحق محبة وتقدير الكل. وأعلم أن كرامتك ليست فى أن يخضع الناس لك بحكم القانون. إنما الاحترام الحقيقى، هو تقدير وتوقير ينبع من القلب، لمن هو مستحق لذلك. ولا يكون من الظاهر فقط.

+ + +.

* الرئيس المتواضع يكون رئيساً على ذاته أولاً.

فهو يضبط نفسه أولاً، ويحسن تدبيرها، قبل أن يتولى تدبير الغير. قال الشيخ الروحانى، وهو ينصح الرهبان الصغار ألا يشتهوا رئاسة مجمع الرهبان: "إن حوربت بهذا الفكر، فقل لنفسك: إن مجمعى هو مجمع أفكارى التى أقامنى الله عليها رئيساً، لكى أدبر أهل بيتى حسناً".

فكن إذن رئيساً على أفكارك ومشاعرك، وأضبطها حسناً. فلا تطيش شرقاً أو غرباً كن رئيساً على حواسك، على نظرك وسمعك. كن رئيساً على شهوات قلبك واضبطها.. وإن تمكنت من أن تكون رئيساً على نفسك وتضبطها، فأنت الشخص الذى قد تصلح أن تكون رئيساً.

وإذا كنت لم تعرف أن تحكم نفسك، ولا لسانك ولا فكرك، ولا قلبك من الداخل، فكيف تصلح أن تكون رئيساً على غيرك؟! إن لم تكن أميناً على القليل، لا يمكن أن تكون أميناً على الكثير (مت 25: 21).

+ + +.

* يمكنك أيضاً أن تهرب من محبة الرئاسة والكرامة، إن كنت تزهد فى الأمجاد الخارجية.

لأن كل ما يتعلق بالوظائف والمناصب هو عّرض خارجى لا يتعلق بذاتك فى الداخل. فالكرامة التى يقدمونها الناس لك، هى فى الواقع كرامة يقدمونها للمنصب الذى أنت فيه، وللوظيفة التى تشغلها، وليس لك شخصياً. بحيث إن ابتعدت عنك الوظيفة، ابتعدت عنك كرامتها. ولكن المزمور يقول "كل مجد ابنة الملك من داخل" (مز45) على الرغم من أنها "مشتملة بأطراف موشاة بالذهب، ومزينة بأنواع كثيرة".

مجدك إذن فى شخصيتك، لا فى وظيفتك أو رئاستك.

مجدك فى جوهرك: فى روحياتك، فى طبيعتك، فى عقلك، فى حكمتك، فى كل ما يوجد داخل قلبك من الفضائل والصفات الطيبة.

إن عرفت هذا تزهد فى المناصب والوظائف. وتقول مع السيد الرب: "مجداً من الناس، لست أقبل" (يو 5: 41)، مريداً المجد الذى يكللك به الله، وليس المجد الذى يمنحك الناس إياه. نعم، مجدك هو فى حكم الله عليك، وليس فى حكم الناس.

كيف تهرب من محبة المديح والكرامة

إن هروبك من محبة المديح الكرامة ومن محبة الرئاسة يستدعى الآتى:

1 - ينبغى أن تعرف أن المجد الذى تأخذه من الناس هو مجد زائف.

وربما يكون عن جهل. لأن الذين يمدحونك لا يعرفون حقيقتك. لأنهم يحكمون حسب الظاهر. لا يقرأون أفكارك، ولا يعرفون مشاعرك وإحساساتك الداخلية، ولا خطاياك الخفية وسقطاتك.

وبعض الناس قد يمدح على سبيل المجاملة، أو بسبب التشجيع، والبعض يمدح بسبب أدبه الخاص، أو بسبب التملق، أو لغرض معين فى نفسه. ومديح الناس قد يضرّ الكثيرين ويضللهم، ويبعدهم عن معرفة النفس، وعن تقويمها.

والمسكين الذى يحب المديح يهمه أن يُمدح كيفما كان الأمر، ويلذّ له أن يصدق كل ما يقال فيه خير، سواء عن حق أو عن باطل!

+ + +.

2 - أما أنت فأعرف أن مديح الناس لا يوصلك إلى ملكوت الله.

لأن الله فاحص القلوب والكلى (رؤ 2: 32)، وهو العارف الخبايا والأسرار. وفى حكمه عليك، لا يعتمد على كلام الناس عنك.

لذلك ينبغى لك أن تصادق من يوجهك ويوبخك. أما إذا مدحك الناس، فتذكر خطاياك.

ونقائصك، واعترافاتك التى تخجلك، والأخطاء البشعة التى وقعت فيها فى حياتك. وبذلك يخف عليك ألم المديح.

+ + +.

3 - قل لنفسك: أنا مازلت سائراً فى الطريق، ولا أعرف كيف سأنتهى؟

والكتاب يقول "أنظروا إلى نهاية سيرتهم" (عب 13: 7). فكثيرون بدأوا بالروح، وكملوا بالجسد "(غل 3: 3). والكتاب يقول أيضاً" من يظن أنه قائم، فلينظر أن لا يسقط "(1 كو 10: 12). وما أكثر حروب الشيطان، وما أشد حيله وخداع مكره، فاحفظنى يارب، لأن" الخطية طرحت كثيرين جرحى، وكل قتلاها أقوياء "(ام 7: 26)، وأنا لا أحسب نفسى أقوى من الذين سقطوا...

+ + +.

4 - للهروب من المديح، سواء مديح الناس، أومديح نفسك لك، انظر إلى المستويات التى هى أعلى منك بكثير. فتصغر نفسك فى عينيك.

إنك إن نظرت إلى الخطاة والضعفاء فى مستواهم الروحى، أو إلى من هم أقل منك فضيلة وبراً، ربما بالمقارنة تجد أنك "بار فى عينى نفسك" (أى 32: 1). وإن نظرت إلى من هم أقل منك فهماً وعلماً ربما بالمقارنة تصبح "حكيماً فى عينى نفسك" (أم 3: 7).

إن أولاد الله صاروا متواضعين، لأنهم كانوا باستمرار ينظرون إلى الكمال المطلوب منهم، حسب قول الرب "كونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم الذى فى السموات هو كامل" (مت 5: 48)، وأيضاً إلى قول الرب "كونوا قديسين، لأنى أنا قدوس" (1 بط 1: 16).

وبنظرتهم إلى القداسة والكمال، كانوا يرون أنهم "فى الموازين إلى فوق" (مز 62: 9). فيقول كل منهم لنفسه "وزنت بالموازين فوجُدت ناقصاً" (دا 5: 27).

كانوا يصلون إلى درجات عظيمة فى الصوم والصلاة والنسك وإنكار الذات وفى كل فضيلة يجاهدون للوصول إليها، كانوا فى نظر أنفسهم ضعفاء ومساكين، لأن المستوى العالى الذى كانوا يتطلعون إليه، مازال بعيداً عنهم. وهناك درجات لم يصلوا إليها!

إذا مدحتك نفسك على فضيلة معينة قد وصلت إليها، فتذكر ما قد وصل إليه الآباء فى هذه الفضيلة بالذات، حينئذ تدرك أنك لا شئ..

+ + +.

إذا مدحتك نفسك مثلاً لمواظبتك على صلاوة الأجبية، تذكر أنك تصلى بعض المزامير. وهناك آباء كانوا يصلون كل المزامير. ومنهم من كان يقضى الليل كله فى الصلاة. ومن كان يمارس الصلاة الدائمة. ومن كان يصلب فكره فى الصلاة حتى ما يخطر عليه فكر آخر كالتدريب الذى تدرب عليه القديس مكاريوس الاسكندرانى. وتذكر الصلاة بخشوع، والصلاة بدموع، والصلاة بحرارة وحب وإيمان.. حينئذ تجد أنك مجرد مبتدئ فى عمل الصلاة. وربما لم تصل بعد إلى درجة مبتدئ؟

وبالمثل قارن نفسك بالدرجات العليا لباقى الفضائل..

+ + +.

فهل يحاربك المجد الباطل، لأنك مدقق فى دفع العشور؟ فهل أنت أيضاً تدفع البكور؟ وإن كنت كذلك، فاعرف أن المسيحية ارتفعت فوق هذا المبدأ فى العطاء، إذ قال الرب "من سألك فاعطه" (مت 5: 42). وقال أيضاً "إن أردت أن تكون كاملاً، فاذهب وبع كل مالك، وأعطِ الفقراء، فيكون لك كنز فى السماء، وتعال اتبعنى" (مت 19: 21). وإن وصلت إلى هذا، فأمامك قصة لأحد القديسين كان متناهياً فى عمل الرحمة: فباع كل ما يملك وأعطى الفقراء. وإن لم يبق له شئ ليعطيه، باع نفسه عبداً، وأعطى ثمن نفسه للفقراء! أقول لك هذا، لا لتفعل مثله، فهذا غير ممكن الآن. وإنما لكى تتضع...

+ + +.

5 - لكى تهرب من الكرامة، اعرف المعنى الحقيقى للمتكأ الأخير.

فليس المتكأ الأخير أن تجلس فى المكان الأخير. فهناك من يتصرف هكذا لكى يقال عنه إنه متضع. وقد يتخذ المتكأ الأخير من الظاهر، بينما محبة المجد الباطل تقتله من الداخل. فالمتكأ الأخير حقاً، هو أن تشعر فى أعماقك أنك حقاً فى المتكأ الأخير، من جهة المكانة، وليس من جهة المكان. قال أحد الرهبان للقديس تيموثاوس "يا أبى، إنى أرى فكرى مع الله دائما" فأجابه القديس "الأفضل لك يا ابنى: أن ترى نفسك تحت كل الخليقة".

+ + +.

قيل عن إثنين من الرهبان الشبان إنهما دخلا إلى مائدة الدير. وكانت ذلك الحين مقسمة إلى موائد للشيوخ وأخرى للشبان. فدعا الشيوخ واحداً منهما أن يجلس معهم فجلس. وأما الآخر فذهب إلى مائدة الشبان. وعند الإنصراف قال هذا الأخير لزميله "كيف تجرأت – وأنت شاب – أن تجلس مع الشيوخ؟" فأجابه "إننى لو جلست على مائدة الشبان، ربما كانوا يقدموننى على أنفسهم فى كل شئ، لأننى أقدم منهم. ولكننى عندما جلست على مائدة الشيوخ، كنت أشعر بضآلتى وعدم استحقاقى، وبأنى لا استحق الكلام. وجلست فى استحياء مطرقاً كل الوقت. وكنت فى المتكأ الأخير".

+ + +.

إذن فحتى لو أجلسك الناس فى المتكأ الأول، قل لنفسك: إن كل هؤلاء الناس أفضل منى. إن وقفت مثلاً تدرس الأطفال فى مدارس الأحد، اعتبر أنهم ملائكة أفضل منك واطلب من الله أن تكون فى بساطتهم ونقاوتهم وكرامتهم عند الله...

كان أحد مدرسى مدارس الآحد إذا وقع فى مشكلة، يطلب من أطفال فصله أن يصلوا من أجله فى ضيقته. وكان يقول: إننى جرّبت صلواتهم فى مشاكل حياتى. وكنت أشعر إنها قوية ولها مفعول كبير، أكثر من صلواتى الخاصة.

+ + +.

6 - وإن أردت الهروب من محبة المديح، إهرب من محبة الرؤى والمعجزات.

لئلا يعرف الشياطين عنك هذا، فيضلوك برؤى كاذبة من عندهم. ويقول الرسول "إن الشيطان نفسه يغير شكله إلى شبه ملاك نور" (2 كو 11: 14). ظهر الشيطان مرة لأحد القديسين وقال له "أنا جبرائيل الملاك وقد ارسلنى الله إليك". فرد عليه القديس "لعلك أرسلت إلى غيرى وأخطأت الطريق. أما أنا، فإنى إنسان خاطئ لا أستحق أن يظهر لى ملاك". قال ماراسحق "إن الذى يرى خطاياه، أفضل ممن يرى ملائكة".

+ + +.

حقاً إن الرؤى لا تخلص نفسك فى اليوم الأخير، فلا تطلبها. إنما معرفتك بخطاياك، فهى التى تقودك إلى التوبة وخلاص نفسك.

يدخل فى هذا المجال أيضاً من يسعون إلى التكلم بألسنة، لا لتبشير الغرباء عن لغتهم، إنما بسبب الإدعاء إنهم قد وصلوا إلى الملء، فتتكلم بألسنة..!!

+ + +.

7 - إن أردت أن تهرب من المديح، ينبغى أن تخفى أعمالك الفاضلة عن الناس.

لأنك إن كنت تعمل الخير من أجل الله، وليس من أجل كرامة من الناس، فماذا يهمك إن كان الناس يرون هذا الخير منك أو لا يرونه. بل إن إظهار فضائلك لهم، قد يفقدك أجرك عند الله، إذ تكون قد أستوفيت خيراتك على الأرض (مت6).

فى إحدى المرات، تقابل بعض رهبان شيهيت مع الأم ساره، وكشفوا لها أفكارهم. فقالت لهم: بالحقيقة إنكم إسقيطيون. الذى لكم من الفضائل تخفونه. وما ليس فيكم من النقائص، تنسبونه إلى أنفسكم...

+ + +.

وفى مرة أخرى، كان يعيش فى برية شيهيت راهب سورى الأصل. هذا جاء إلى القديس مكاريوس الكبير وقال له "لى سؤال يا أبى: عندما كنت فى سورية، كنت أستطيع أن أصوم كثيراً، وأطوى الأيام صوماً. أما الآن فى مصر فلا أستطيع أن أكمل اليوم صوماً. فلماذا؟" وحيث أن الأديرة فى سورية كانت فى المدن فى وسط الناس، لذلك ردّ عليه القديس مكاريوس قائلا "لقد كنت تطوى الأيام صوماً، لأنك كنت تتغذى على المجد الباطل، الذى هو مديح الناس لك أثناء الصوم والإنقطاع عن الطعام. أما فى البرية فلا يراك أحد، ولذلك تجوع بسرعة"!

+ + +.

لذلك قال القديسون: إن الفضائل إذا عُرفت، تبيد وتنتهى. وبسبب هذا، كانوا يخفون فضائلهم ومعرفتهم وحكمتهم.

أما إن أراد الله أن يظهر فضائلك وحكمتك، فلتكن مشيئته. ولكن لا يكن ذلك منك أنت. فحاذر أن تفتخر بنفسك، أو أن تجلب لنفسك صيتاً حسناً.



الباب السابع : الوَداعة

الباب الخامس : المجَد الباطل ومحبة المديح والكرامة

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات