قاموس القديسين و الشخصيات حرف خ

هذا الفصل هو جزء من كتاب: قاموس القديسين و الشخصيات التاريخية. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.


خ

خائيل الأول البابا السادس والأربعون

سيامته بطريركًا

كان هذا الأب راهبًا بدير القديس مقاريوس وكان عالمًا زاهدًا. فلما تنيح سلفه البابا ثاؤذوروس الخامس والأربعون اجتمع أساقفة الوجه البحري وكهنة الإسكندرية في كنيسة الأنبا شنودة بمصر، وادعوا بأن لهم وحدهم حق الانتخاب بينما قام فريق آخر يدعي خلاف ذلك. وحصل خلاف بينهم على من يصلح للبابوية. وأخيرًا استدعوا الأنبا موسى أسقف أوسيم والأنبا بطرس أسقف مريوط. ولما حضرا وجد الأنبا بطرس تعنتًا من كهنة الإسكندرية، فزجرهم على ذلك وصرف الجمع هذه الليلة حتى تهدأ الخواطر. ولما اجتمعوا في الغد ذُكر اسم القس خائيل بدير القديس مقاريوس، فارتاحوا إلى اختياره بالإجماع، وحصلوا على كتاب من والي مصر إلى شيوخ برية شيهيت (وادي النطرون). ولما وصلوا إلى الجيزة وجدوا القس خائيل قادمًا مع بعض الشيوخ لمقابلة الأمير حفصا لكي يعفيهم من الضرائب، فامسكوه وقيدوه وساروا به إلى الإسكندرية، ورسموه بطريركًا في 17 توت سنة 460ش (14 سبتمبر سنة 743م). وحدث أن امتنع المطر عن الإسكندرية مدة سنتين، ففي هذا اليوم سقطت أمطار غزيرة لمدة ثلاثة أيام فاستبشر السكندريون من ذلك خيرًا.

دَعى نفسه "خائيل" أي "الأخير"، ولم يرضَ أن يُدعَ ميخائيل تواضعًا منه حتى لا يكون اسمه كاسم رئيس الملائكة.

شدائده

في عهد خلافة مروان آخر خلفاء الدولة الأموية وولاية حفص بن الوليد جرت على المؤمنين في أيام هذا الأب شدائد عظيمة وهاجر البلاد المصرية عدد كبير من المؤمنين، كما بلغ عدد الذين أنكروا المسيح أربعة وعشرون ألفًا، وكان البطريرك من جراء ذلك في حزنٍ عظيمٍٍ جدًا إلى أن أهلك الله من كان سبب ذلك.

بسبب شدة الضيق هرب بعض الأساقفة إلى الأديرة، فعقد البابا مجمعًا قرر فيه ضرورة استمرار الأساقفة في ايبارشياتهم، وحرم من يتجاوز هذا الحكم.

خلاف مع الملكيين (البطريرك التابع لبيزنطة)

بعد سيامته بمدة وجيزة تقرب قوم من الملكيين (الروم) عند الخليفة مروان، ودفعوا له مالاً وحثوه على إصدار أمر إلى عبد الملك بن موسى بمصر لكي يسلمهم دير القديس مارمينا بمريوط، وكانت في يد الأقباط الأرثوذكس. فلما عادوا إلى مصر سلموا الأمر إلى عبد الملك، فعقد مجلسًا تحت رئاسة قاضٍ يدعى عيسى للنظر في ملكية الدير، ودعا الفريقين لكي يدافع كل منهما عن حقه. فجمع البابا أشهر أساقفته وعلماء كنيسته وعرض عليهم صورة أمر الخليفة وكلفهم بالحضور في مجلس القضاء. لكن الملكيين رشوا القاضي، فكان يماطل ولا يستمع إلى الأقباط الأرثوذكس. وبينما كان يستعد لكتابة تقريره في صالح الملكيين عُزل من منصبه وتعين قاضٍ آخر يُدعى أبو الحسيني، وكان عادلاً لا يحابي الوجوه فقدم الحقيقة إلى عبد الملك واستمر الدير في حوزة الأقباط.

بين ملك النوبة وأسقفها

في دنقلة بالنوبة حدث خلاف بين قرياقوص الملك والأنبا إبراهيم أسقفها، وذلك لأن الأسقف حاول ردع الملك عن تصرفاته الشريرة. اغتاظ الملك وطلب من البابا السكندري قطع الأسقف وإلا يدفع بالشعب إلى عبادة الأوثان.

خشي البابا من ضياع شعب النوبة كله فاستدعى الأسقف وعقد مجمعًا لدراسة الموقف. فرأى الكل أن يبقى الأسقف بالإسكندرية ويبعثون بأسقفٍ آخر للنوبة حتى يهدأ الملك. شعر الأسقف إبراهيم بأن الحكم فيه ظلم فترك الإسكندرية وذهب إلى أحد الأديرة بالنوبة حتى نهاية حياته هنا.

قرياقوس ملك النوبة

لاقى هذا الأب البطريرك مصائب شديدة من عبد الملك بن مروان، كالضرب والحبس والتكبيل بالحديد. فقد وضع رجليه في خشبة عظيمة وطوق رقبته بطوق حديد ثقيل، وكان معه أنبا موسى أسقف أوسيم وتادرس أسقف مصر وغيرهما، فوضعوهم في خزانة مظلمة نُقرت في صخر لا تصل إلها أشعة الشمس، واستمروا في هذا الضيق من 11 توت إلى 12 بابه، وكان أيضًا معهم ثلاثمائة من الرجال والنساء.

في وسط هذا الضيق كان المرضى يأتون إلى البابا في السجن يصلي من أجلهم وينالون نعمة الشفاء. كما اهتم البابا بالمسجونين، فتاب كثيرون ورجعوا إلى الرب. أطلق الوالي سراحه فمضى إلى الصعيد وعاد بما جمعه إلى الوالي بالرغم من الظروف المالية الصعبة التي اجتازها المصريون بسبب الضرائب الفادحة، وكان البابا يعبر بينهم كملاك الرب، يشفي مرضاهم خلال نعمة الله الفائقة. فأخذه منه ثم ألقاه في السجن. فلما علم بذلك قرياقوس ملك النوبة استشاط غضبًا وجهز نحو مائة ألف جندي وسار إلى القطر المصري واجتاز الصعيد قاتلاً كل من صادفه من المسلمين حتى بلغ مصر، فعسكر حول الفسطاط مهددًا المدينة بالدمار.

فلما نظر الوالي عبد الملك جيوش قرياقوس منتشرة كالجراد جزع خوفًا وأطلق سبيل البطريرك بالإكرام والتجأ إليه أن يتوسط في أمر الصلح بينه وبين ملك النوبة، فلبى دعواه وخرج بلفيف من الإكليروس والتقى بالملك، وطلب منه أن يقبل الصلح مع عبد الملك، فقبل وانصرف من حيث أتى. أكرم عبد الملك المسيحيين ورفع عنهم الأثقال وزاد في اعتبارهم.

شفاء ابنة الوالي عبد الملك

صلى البطريرك على ابنة الوالي وكانت تعاني من روح نجس وخرج منها الروح بصلاته.

مناظرات بينه وبين قزما بطريرك الملكيين عن الاتحاد

حدثت مناظرات بين هذا الأب وقزما بطريرك الملكيين عن الاتحاد، فكتب إليه الأب خائيل رسالة وقع عليها مع أساقفته قائلاً: "إنه لا يجوز أن يُقال إن في المسيح طبيعتين مفترقتين بعد الاتحاد ولا اثنين ولا شخصين". واقتنع قزما بذلك ورضى أن يصير أسقفًا على مصر تحت رئاسة الأب خائيل.

تجديد الاضطهاد

لم تستمر فترة الراحة طويلاً إذ حضر مروان إلى مصر ونكث هو وعبد الملك عهدهما مع الأقباط، وأخذا في اضطهادهم بقسوة بربرية. اضطر الأقباط إلى الثورة حتى هزموا جيش مروان، لكن مروان استجمع قواته وقاتلهم بشدة وقبض على البابا السكندري وبطريرك الروم، فدفع الأخير ألف قطعة ذهب بينما لم يكن لدى البابا ذات المبلغ. ثقل رجليه بقطعة من الحديد وألقاه في السجن وابتدأ يعذبه تسعة أيام ثم أحضره وجذبه بيده وطرحه وصار يضربه بقضيب في يده مائتين مرة ثم أمر الوالي بضرب عنقه، لكنه عدل عن ذلك. طلب منه أن ينصح البشامرة الثائرين من الأقباط بالتوقف عن مقاتلته، لكن البشامرة ثاروا بالأكثر.

في سنة 751م دخل أبو العباس مصر بجيش زاخر للاستيلاء على الحكم من يد مروان، وكان الأقباط في ضيق شديد فانحازوا إليه وطلبوا مساعدته. عسكر أبو العباس على شاطئ النيل في البر الشرقي تجاه مروان الذي كان مازال قابضًا على البابا وبعض الأساقفة. وأمر الجند أن يهينوا البابا من الجانب الآخر للنيل وينتفون شعر لحيته كما قاموا بتعذيب الأنبا موسى أمام الأقباط.

في اليوم التالي أحضر البابا ومعه الأساقفة ومجموعة من الشعب وتركهم في الشمس عشرة ساعات ثم بدأ في تعذيبهم بقسوة شديدة، حتى كان الأقباط ومعهم المسلمون في البر الشرقي يبكون بمرارة. وكان البابا يصلي ويثبّت المؤمنين.

لم يحتمل عبد الله بين مروان المنظر، فسكب دموعًا كثيرة أمام أبيه لكي يطلق سراحهم، قائلاً له بأنه لن يقدر على مقاومة الخراسانيين وسيضطر إلى الذهاب إلى السودان، هناك أولاد هذا البطريرك لن يقبلوه. تطلع مروان إلى جيش الخراسانيين فانزعج جدًا واضطر إلى إعادة البابا ومن معه إلى المعتقل بالجيزة، وأدخلهم موثقين في أربعة سجون في ضيقٍ شديدٍ حتى أشرفوا على الموت، لكن البابا كان يعزيهم.

عبر الخراسانيون إلى الضفة الغربية وهزموا مروان، فهرب بينما ذهب ابنه ليحرق السجن الذي فيه البابا، لكن ما أن أشعل النار حتى أكرهه الأعداء على الهروب. أطفأوا النيران وأطلقوا المسجونين وجاءوا بهم إلى كنيسة مارمرقس بالجيزة.

شدة جديدة

إذ استولى أبو العباس على مصر أحسن معاملته مع المسيحيين، غير أن هذه الراحة لم تدم سوى أربع سنوات مرت كالحلم. وبسفر أبو العباس وترك الولاية لآخرين أساءوا التصرف، وصاروا يضايقون الأقباط من جديد. حاول البابا أن يذكرهم بما أظهره أبو العباس من آمان لهم لكنه لم ينجح، واستمر المسيحيون في مرارة حتى شوهدت مياه النيل ناقصة عن منسوبها المعتاد ذراعين.

رفع منسوب مياه النيل

أقام الأساقفة مع البابا صلوات عيد الصليب وتقدموا مع جميع كهنة الجيزة وأهل الفسطاط وحملوا الأناجيل والمباخر ودخلوا كنيسة مار مرقس واكتظت الحقول والحدائق حولها بالشعب. تقدم البابا ورفع الصليب وصلى الكل، وكان الشعب يصرخ: "يا رب ارحم" لمدة ثلاث ساعات، فزاد النيل ذراعًا. سمع الوالي بذلك فأرسل علماء المسلمين وحاخامات اليهود وصلوا فلم يرتفع مقياس النيل.

اضطر أن يدعوا النصارى للصلاة، حيث أقام البابا الأسرار الإلهية وألقوا بمياه غسل الأواني في النهر في الساعة السادسة من النهار، فزادت المياه حتى بلغت ثلاثة أذرع، فأحب الوالي أبوعون الأقباط.

خلاف مع كنيسة إنطاكية

كانت زوجة المنصور أبي جعقر عاقرًا فسمعت عن تقوى اسحق أسقف حاران وعمله العجائب فاستدعته وصلى من أجلها فوهبها الله طفلاً، فصار الأسقف اسحق موضوع الإكرام والتبجيل. وإذ تنيح يوحنا بطريرك إنطاكية سأل الأنبا اسحق الوالي أن يخلفه فأجابه طلبه حالاً وهدد من يعترض ذلك. قيل أنه تسبب في قتل مطرانين رفضا أن لا يترك الأسقف ايبارشيته ليصير بطريركًا.

بناء على طلب الأنبا اسحق كلف الخليفة والي مصر أن يحقق طلبات البطريرك الأنطاكي الجديد، كما بعث البطريرك رسالة إلى البابا خائيل في صحبة مطراني دمشق وحمص وكاهنين. عقد البابا مجمعًا لمدة شهر وقرروا ألا يشترك البابا مع بطريرك أخذ رتبته بقوة السلطان. وكان أمام البابا أحد اختيارين، إما مصادقة البطريرك اسحق أو الذهاب لمقابلة الخليفة. وإذ كان البابا يستعد للسفر وهو شيخ، متحملاً مشقة الطريق إذا بخبر انتقال اسحق من العالم قد حلّ المشكلة.

كانت أيامه الأخيرة في سلام بعد أن أقام على الكرسي ثلاثة وعشرين عامًا، إذ تنيح في 16 برمهات سنة 468 ش (767م).

القس منسى يوحنا: تاريخ الكنيسة القبطية، الجيل الثامن.

خائيل الثاني البابا الثالث والخمسون

حبه للوحدة

كان هذا الأب راهبًا قديسًا وقد رٌسم قسًا على دير القديس أنبا يحنس. وكان ذا سيرة صالحة، فاختاروه بطريركًا واعتلى كرسي البطريركية سنة 849م.

سيم في عهد خلافة المتوكل بن المعتصم، ولم يكد يجلس على الكرسي حتى تعرض له الولاة الظالمون طالبين منه مبالغ طائلة على سبيل الرشوة أو يمنعوه من الجلوس على الكرسي، فاضطر أن يبيع ذخائر الكنيسة ويوفي المطلوب.

ولما حلت أيام الصوم المقدس صعد إلى البرية لتمضيتها هناك، فتذكر حياته الأولى في البرية، فسأل الله ببكاء وتضرع قائلاً: "أنت تعلم يا رب أني لا أزال أهوى الوحدة، وأنه ليس لي طاقة على هذا المركز الذي أنا فيه". فقبل الرب دعاءه وتنيح بسلام سنة 851م بعد عيد الفصح، بعد أن قضى على الكرسي سنة واحدة وأربعة أشهر وثمانية وعشرين يومًا.

السنكسار، 22 برمودة.

خائيل الثالث البابا السادس والخمسون

اختياره بطريركًا

بعد نياحة البابا شنودة الأول استقر رأى جميع الشعب والأساقفة على اختيار الأب ميخائيل خلفًا له. وكانت سيامته في شهر برمودة من نفس السنة التي تنيح فيها سلفه (597ش، 880م). في عهد خلافة المعتمد بن المتوكل، ولم يتعرض احمد بن طولون لسيامته لانشغاله مع ابنه في الحرب. فقد كانت عادة الولاة التعرض للشعب في تنصيب بطاركة رغبة في سلب أموالهم.

خلاف مع أسقف سخا

إذ رأى البابا الجو صافيًا أمامه نهض إلى تعمير الكنائس التي تهدمت أثناء الاضطهاد، وتشييد بعضها التي أُزيلت معالمها.

كان هذا الأب ذا خصال حميدة غير أن أحزانًا شديدةً قد نالته، منها أن البابا قِسْما كان قد بنى كنيسة على اسم الشهيد أبطلماوس ببلدة دنوشر التابعة لأسقف سخا. وحدث أن أهالي دنوشر أرادوا أن يدعوا الأب البطريرك وبعض الأساقفة المجاورين لتكريس الكنيسة فلم يطب لدى الأسقف هذا الأمر. ولما عملوا على غير رغبته وجاء الأب البطريرك ومعه الأساقفة لم يقبل هذا الأسقف البقاء. فخرج من الكنيسة مدعيًا أنه ذاهب ليهتم بأمر طعامهم. فلما طال غيابه كثيرًا وحان وقت القداس صلى الأب البطريرك صلاة الشكر ورفع القربان بعد إلحاح من الأساقفة وبما له من حقوق الرئاسة. غضب الأسقف ودفعه شره إلى دعوى أن البطريرك تعدى القوانين ورفع قربانًا في إيبارشية بدون إذن صاحبها، وعاد إلى الكنيسة مسرعًا وتعدى على المذبح المقدس الطاهر، أما البابا البطريرك فأكمل صلاة القداس بكل هدوءٍٍٍ وكمالٍٍ.

أحمد بن طولون يلقيه في السجن

في اليوم التالي عقد البطريرك مجمعًا من الأساقفة الذين معه والكهنة والعلماء وقطع ذلك الأسقف وأقام غيره. فازداد غضبًا وأضمر سوءً، فمضى إلى والي مصر أحمد بن طولون وقال له: "إن البطريرك كثير الثروة واسع الغنى"، وكان الوالي يستعد للذهاب إلى الحرب ومحتاجًا إلى النفقات. استدعى الوالي الأب البطريرك وطلب منه أموال الكنائس وأوانيها، فأبى أن يعطيها له، فطرحه في السجن مع شماس اسمه ابن المنذر مدة سنة كاملة وهو لا يقتات بغير الخبز والبقول المسلوقة والملح.

الإفراج مقابل غرامة مالية

اتفق يوحنا وموسى من كتَّاب الوالي مع كاتبيّ وزيره يوحنا ومقار ابنه على إنقاذ البطريرك، واستغاثوا بالوزير، فلبّى دعوتهم وشفع لدى الوالي على شرط دفع مبلغ 20 ألف دينارًا لابن طولون. فكتب البطريرك تعهدًا على نفسه بدفع المبلغ على قسطين، الأول بعد شهر والثاني بعد أربعة أشهر وبهذا أمكنه الخروج من السجن. فلما جاء ميعاد القسط الأول دفع أولئك الكُتَّاب ألفيّ دينار وتبرع الوزير بألف ودفع البابا سبعة آلاف جمعها من الأساقفة والمؤمنين. واقترض البابا من التجار المسلمين، وكان لا بد له من جمع المبلغ ليفي التجار ولكي يسدد القسط الثاني. وكان لا يخاف الموت إنما يخشى على حياة يوحنا الكاتب وابنه اللذين ضمناه على تسديد المبلغ.

اضطر أن يطلب من الشعب أبناء الكنيسة، كما وضع على كل راهب دينارًا، فلم يفِ بالمطلوب. اضطر أن يبيع بيوتًا موقوفة للكنائس وأراضٍ خارج الفسطاط كان يسكنها جماعة من الأثيوبيين، وقرر على كل أسقف أن يدفع مبلغًا من المال؛ كل ذلك تُعتبر مبالغ زهيدة خاصة وكادت الشهور الأربعة أن تعبر سريعًا.

اضطر إلى سيامة عشرة أساقفة على عشرة إيبارشيات كانت خالية مقابل مبلغ دفعه كل واحد منهم. وقد تألم البابا كثيرا لهذا الموقف لكن لم يكن هذا إلا لرفع الاضطهاد عن الكنيسة. ولم يذكر أحد من المؤرخين أنه سام أسقفًا غير كفءٍ بسبب المال. قالت مدام بوتشر في كتابها عن الأمة القبطية: "ولا يغرب عن ذهن اللبيب أن أساقفة الأقباط قديما دفعوا تلك المبالغ فدية لكنيستهم، ولكن أساقفة الكنيسة الإنجليزية الذين يتمتعون بالسلام والأمن في ظل حكومة ملك مسيحي لا يزالون يدفعون إلى يومنا هذا مبلغًا لا يقل عن 300 جنيهًا يؤدونها ضريبة للحكومة ولرئيس الأساقفة يوم رسامتهم" (ج 274: 2).

انتهز اليهود هذه الفرصة وأخذوا يساومون البابا على كنيسة للأقباط كانت قد خربت وتهدمت، واضطر أن يبيعها. ويقول القس منسي يوحنا أنها كانت في الأصل كنيس يهودي تحولت إلى كنيسة، وعند الانشقاق استولى عليها الروم وبقيت في حوزتهم حتى القرن التاسع، فاستولى عليها الأقباط. وإذ حل الضيق بهم استأجرها اليهود لمدة مائة عام وقيل أنهم اشتروها، وهي الآن في أيديهم، ويعتبرونها من أقدس الأماكن إذ يزعمون أن فيها قبر إرميا النبي.

أراد أن يتدبر القسط الثاني فقصد بلبيس، وبينما هو يفكر في الأمر إذا براهب رثْ اللباس مرَّ بتلاميذه وقال لهم: "امضوا وقولوا لمعلمكم أن الرب سيمزق عنه صك الغرامة بعد أربعين يومًا". فلما علم البابا بذلك طلب الراهب فلم يجده. وقد تم ذلك فعلاً، إذ أنه لم تمضِ تلك المدة حتى توفى ابن طولون وتولى مكانه ابنه خمارويه سنة 875م، الذي استدعى البابا وطيب خاطره ثم مزق الصك الثاني.

قضى هذا الأب على الكرسي المرقسي حوالي خمسًا وعشرين سنة ثم تنيح بسلام سنة 907م.

السنكسار، 20 برمهات.

خرستوذولس البابا السادس والستون

✥ متوحد صانع عجائب:

هو أصلاً من بلدة بورة على الشاطئ الغربي لفرع دمياط، وترهب منذ حداثته بدير البراموس، وانتقل منها ليتوحد في صومعة تطل على البحر في نتراوه (بحيرة البرلس حاليًا).

وهو من الآباء النساك الذي تمجد الرب على أيديهم بآيات وعجائب كثيرة، وعاصره أيضًا آباء نساك عُرِف عنهم صنعهم للعجائب.

✞ اختياره بطريركًا:

اختاره أراخنة الإسكندرية بطريركًا، فسار إليه عشرة منهم ومعهم سيمون كاهن بكنيسة مار مرقس، وبصعوبة كبيرة تمكنوا من مقابلته وامسكوه وساروا به إلى الإسكندرية، حيث رُسِم بطريركًا في الخامس عشر من كيهك سنة 763ش (11 ديسمبر 1046م). ويشهد عنه تاريخ البطاركة بهذه العبارة:

"كانت بداية أمره حسنة وظهرت منه معجزات، وكان الروح القدس قريبًا منه وكانت قسمته من الله"، ثم سار حسب العادة إلى دير أبو مقار ببرية شيهيت. وبعد رسامته بطريركًا كرّس ست كنائس بالإسكندرية كما جدّد بيعة مار مرقس ".

✞ إقامة مقر بابوي بالقاهرة:

بعد سيامته انتقل من الإسكندرية إلى مصر، واتخذ كنيسة المعلقة بظاهر الفسطاط مقرًا له. كما جدد كنيسة القديس مرقوريوس وجعلها كاتدرائية كبرى ومركزًا لكرسيه، وجعل أيضًا كنيسة السيدة العذراء في حي الأروام مقرًا له يأوي إليه عند اللزوم وذلك برضى أسقف بابيلون.

أما سبب ذلك فهو انتقال عظمة مدينة الإسكندرية إلى مدينة القاهرة، وكثرة عدد المسيحيين فيها، ولارتباطه بالحكومة. فصار البابا يعين أسقفًا للإسكندرية باسم وكيل الكرازة المرقسية.

✞ شدائده:

كانت مدة حبريّة هذا البطريرك في خلافة الخليفة الفاطمي المستنصر، وقد نالته متاعب كثيرة على يد وزيره محمد اليازوري الذي كان شديد الكراهية للمسيحيين عامة وللأقباط خاصة.

* كما نالته متاعب على يد رجال قبيلة "اللواته" الذين عاثوا فسادًا في الوجه البحري وقبضوا على البابا خرستوذولس وأذاقوه ألوان العذاب بعد أن نهبوا داره.

* وشى به شخص يدعى علي القفطي عند أمير الجيوش بدر الجمالي، ولكن فيما بعد اتضح له كذبه، فاحترمه الأمير وأكرمه.

✞ اتهامه بتحريض ملك النوبة:

أُتهم بأنه استخدم سلطانه على جرجس ملك النوبة للضرر بمصالح المسلمين، وألزمه بقطع العلاقات التجارية معهم والامتناع عن إرسال الجزية المعتادة من الرقيق. وكان البابا قد أوفد أسقفًا من قبله إلى ملك النوبة لتدشين كنيسة بنيت في عهده. استدعى البابا وأخذ يقنع يازوري وزير الخليفة في مصر بأن علاقته بالنوبة دينية وليست لها أي صلة بالسياسة فاقتنع بذلك.

* مقاومة أحد القضاة له

شيد البابا كنيسة فخمة في دمنهور واتخذها مقرًا لكرسيه أحيانًا لبعدها عن مركز الحكومة ومنع وصول الاضطهاد إليها. فكان كثير من الأقباط يتوافدون عليها.

انتقل القاضي عبد الوهاب أبو الحسين من القاهرة إلى دمنهور وكان يتوهم أن البابا سيهبه شيئًا، وإذ خاب أمله استخدم كراهية الوزير للبطريرك فوشي به بأنه سلب أموال الكثيرين وبنى بها عشرين كنيسة وشيد كنيسة فخمة في دمنهور وقصرًا شاهقًا نقش عليه البسملة المسيحية. واتهمه بأنه يحتقر الإسلام. سمع له الوزير وأرسل فورًا من يهدم الكنائس، ناصره في ذلك أبو الفرج البابلي من كبار الدولة الذي كان وكيلاً على الوجه البحري، وألزم البابا أن يمحو البسملة المسيحية المنقوشة على باب قصره، فلم يمانع في ذلك، لكنه قال: "إن محوها من على السور لن يمحها عن صفحات قلبي".

* أُلقي القبض على البابا وبعض أساقفة الوجه البحري واعتقلوا وأُرسلوا إلى القاهرة متهمين باتهامات باطلة. لكن الخليفة أخلى سبيلهم وطيب خاطرهم. اغتاظ الوزير فأمر بإغلاق جميع الكنائس في القطر المصري، فثار الشعب القبطي وبلغ الخبر للخليفة الذي أمر بنفي الوزير إلى تانيس بأقصى الوجه البحري، وأخيرًا إذ وجده يثير المسلمين على المسيحيين قتله.

* إعادة القبض على البابا

ثار اضطهاد آخر عندما حاول الأقباط فتح الكنائس وتعينت ضريبة باهظة على أقباط الإسكندرية مقابل تسليم البابا مفاتيح كنيسة واحدة لممارسة العبادة.

* ألقي القبض علي البابا وسلبوا تسعة آلاف دينارًا وجدوها في الخزنة ثم أطلقوا سراحه بتوسط ذوي النفوذ من موظفي الأقباط.

✞ الهجوم على الأديرة:

بينما كان البابا يزور أديرة وادي النطرون هجم اتباع ناصر الجولة زعيم الترك على الأديرة وذبحوا كثيرين من الرهبان وأسروا البابا وعذبوه، لكن الله نجاه بواسطة أحد أبنائه الأقباط يُدعى أبو الطيب، كان رئيس كتبة ناصر الدولة بعد أن دفع لمولاه ثلاثة آلاف دينار فدية.

✞ منع المئونة

تدهورت حالة الأقباط المادية جدًا، وإذ رسم البابا مطرانًا لبلاد النوبة طلب من ملك النوبة جرجس أن يرسل زادًا، ولكن جنود ناصر الدولة اعترضوا رسل ملك النوبة عند وصولهم إلى حدود مصر وأرجعوهم بالمئونة إلى ملكهم.

✞ القبض على البابا

إذ تولى بدر الدين الجمالي الولاية وشي إليه أحد المسلمين بأن فيكتور مطران النوبة أمر بهدم جامع المسلمين، فثار وألقي القبض على البابا. برهن له البابا كذب الاتهام فأطلقه.

* هرب أحد العصاة من وجه بدر الدين الجمالي إلى النوبة، فكلف البابا أن يبعث إلى أسقفه من قبله ليطلب من ملك النوبة تسليم هذا الهارب، وبالفعل قبض عليه ملك النوبة وسلمه إلى مندوبي بدر الدين وجاءوا به إلى القاهرة.

* القبض على البابا مرة أخرى

وشي إلى بدر الدين بأن كيرلس مطران أثيوبيا يغرر بمسلمي أثيوبيا ألضعيفي الإيمان ويدعوهم إلى شرب الخمر عند تناول الإفطار. القي القبض على البابا وطلب منه الوالي معاقبة المطران. وإذ لم يكن قد سيم كيرلس بعد مطرانًا أوضح البابا للوالي بطلان التهمة.

* كان غيظ الولاة يتزايد بسبب نفوذ البابا في أثيوبيا، فكانوا يستلمون المراسلات المتبادلة ويمزقونها أو يردونها.

✞ متاعب من داخل الكنيسة:

أحب يوحنا بن الظالم الأسقفية وسعى لدى البابا حتى ولاه أسقفية سخا. تحالف معه بعض الأساقفة وجمهور من الشعب على عزل البابا وادعوا بأن رسامته غير قانونية لأنه لم تقرأ عليه فصول مختصة بسيامة البطاركة. لكن استطاع أبا زكريا يحي بن مقارة وهو شيخ فاضل يعمل في بلاط الخليفة وله كلمة مسموعة أن يتدخل ويصالح البابا مع أسقف سخا ويطيّب خاطر الكل.

* تشاحن أسقفان على حدود ايبارشيتهما ولم يُحل الخلاف إلا بعد تعبٍ شديد.

✞ الاحتفاظ برأس مار مرقس الرسول

في عهد هذا البطريرك تمكن الأقباط من الاحتفاظ برأس مار مرقس الرسول على الرغم من سعي الروم للحصول عليها مقابل عشرة آلاف دينار.

* من الأمور الحسنة التي تُذكر له اهتمامه بالنواحي الطقسية والعبادة، وقد وضع قوانين طقسية، توجد نسخة منها بمكتبة المتحف القبطي بمصر القديمة.

✞ علاقته بإنطاكية:

في أواخر حبريّة البابا خرستوذولس رُسِم بطريرك جديد في إنطاكية اسمه يوحنا وكان من القديسين، فبعث إليه الأنبا خرستوذولس برسالة الشركة في الإيمان بين الكنيستين كالمعتاد. كذلك حرص على الصلات الطيبة التي تربط بين الكنيسة في مصر ومملكة النوبة المسيحية. وأخيرُا لما أكمل سعيه تنيح بسلام سنة 1077م.

وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها، صفحة 121.

خرستوذولس القديس

اهتمامه بخلاص نفسه

كان القديس خرستوذولس صائغًا من مدينة عين شمس، عاش أمينًا في عمله، تقيًا مهتمًا بخلاص نفسه. أراد عدو الخير أن يحطمه فأرسل إليه امرأة حسنة الصورة جدًا، تحمل إناء من الذهب مكسورًا. تقدمت إليه كصائغٍ تطلب منه أن يصنع لها بعض الحليّ من هذا الإناء الذهبي، وبخداع صارت تكشف له عن يديها كي يصنع لها سوارين، وعن أذنيها ليصنع لها قرطًا، وعن الصدر ليصنع له صليبًا. شعر هذا التقي أنها جاءت بهدفٍ شريرٍ فطلب منها أن تأتيه في اليوم التالي لأنه مريض.

انطلق هذا الشاب الوحيد إلى بيته بعد أن حمل كل ما لديه من ذهب، ثم صار يعاتب نفسه قائلاً: "يا نفسي لستِ أقوى من القديسين الذين هربوا من العالم وسكنوا البراري، مثل القديسين مقاريوس وأنطونيوس وباخوميوس وغيرهم، فاهربي من هذا العالم إن أردتِ الخلاص".

رهبنته هو ووالدته

صلى بدموعٍ طالبًا مشورة الله، ثم قصَّ ما جرى له على والدته وسألها بدموع غزيرة أن تسمح له أن يمضي إلى البرية.

لم تقف والدته حائلاً في طريق خلاصه، إنما التهب قلبها هي أيضًا بالشوق لتكريس بقية حياتها لحساب ملكوت الله، فسألت ابنها أن يرشدها إلى دير تترهب فيه ليكون حرًا، ويكون الرب معه.

فرح الابن باشتياق والدته، وللحال أخذها إلى أحد أديرة الراهبات وسلمها لرئيسته، وقدم لها حاجتها من المال، ثم وزع ما تبقى على المساكين ومضى نحو الجبل.

في البرية

سار في الجبل نحو ثلاثة أيام حتى التقى بثلاثة رجالٍ، وكان بيد كل واحدٍ منهم صليب يشع منه نور أبهى من نور الشمس. فقصدهم وتبارك منهم وسألهم أن يرشدوه إلى ما فيه خلاص نفسه. فأرشدوه إلى وادٍ به أشجار مثمرة وعين ماء عذب. فلبث به عدة سنوات يسلك في حياة نسكية تقوية، يقتات من ثمر أشجار هذا الوادي ويقضي أغلب وقته في الصلوات والتسابيح بالمزامير، وهو متكئ على عصا بها صليب قدمها له هؤلاء الرجال.

جهاده ضد عدو الخير

لما عجز الشيطان عن التغلب عليه، ظهر لقومٍ أشرارٍ في زي بربري وقال لهم: "إن هناك كنزًا عظيمًا في هذا الوادي وقد عثر عليه شخص وهو مقيم بجواره، هلموا معي لأريكم إياه". فتبعوه إلى الجبل ولكنهم لم يستطيعوا النزول إلى الوادي. فذهب الشيطان في زي راهبٍ شيخٍ إلى القديس خرستوذولس وقال له: "في أعلى الجبل رهبان ضلوا الطريق وقد أعياهم التعب وكاد يقتلهم العطش، هلم إليهم لننزلهم إلى هنا ليأكلوا ويشربوا ويحيوا". فرسم القديس علامة الصليب على وجهه كعادة الرهبان، وللحال تحول الشيطان إلى دخان واختفى، وهكذا كان دائمًا يتغلب عليه بعلامة الصليب.

نياحته

كان دائم الجهاد بلا انقطاع حتى بلغ سن الشيخوخة. ولما دنا وقت انتقاله من هذا العالم أقبل إليه الثلاثة السواح الذين سبقوا فظهروا له وأرشدوه إلى الوادي. صلى الجميع معًا وبعد أن تباركوا من بعضهم البعض. وقالوا له: "الرب أرسلنا إليك لتخبرنا بسيرتك لنسطرها لمنفعة الاخوة". فأخبرهم بكل ما حدث له، ثم مرض قليلاً وتنيح بسلام. فصلوا عليه وواروا جسده التراب.

السنكسار، 14 كيهك.

خروماتيوس أوكروماتيوس أسقف أكويلا القديس

أحد رجال الدين الغربيين الذين كان لهم تأثيرهم القوي في عصره. كان صديقًا للقديسين أمبروسيوس وجيروم ورفينوس وغيرهم من القادة الكنسيين. وكان يساند القديس يوحنا الذهبي الفم ضد مقاوميه.

نشأته

نشأ في مدينة أكويليا Aquileia، وعاش فيها مع أمه الأرملة (التي امتدحها القديس جيروم Jerome في رسالة إليها سنة 374م بأن لها نسل مقدس)، وشقيقه يوسابيوس الذي صار هو الآخر أسقفًا، وشقيقاته غير المتزوجات.

أعماله الكنسية

بعد رسامته كاهنًا اشترك في مجمع عُقِد في أكويليا ضد بالاديوس وسيكونديانوس Secundianus الأريوسيين سنة 381م.

بعد نياحة القديس فالريان Valerian سنة 388م انتُخِب كروماتيوس بدلاً منه أسقفًا على أكويليا، ومن خلال هذا المنصب صار من مشاهير عصره.

اهتمامه بنشر الكلمة المكتوبة

كان من بين الذين ساندوا القديس جيروم لكي يترجم الأسفار المقدسة ويكتب وينسخ تفاسير الكتاب المقدس هما الأسقفان خروماتيوس وهيليودورس Helidorus أسقف Altinum.

إنه موقف كنسي حق، نرى فيه الأساقفة يعملون معًا لنشر الكلمة وتفسير الكتاب المقدس بروح التواضع. فلا يخجلوا من أن يطلبوا بكل قوة من القديس جيروم كي يترجم ويفسر لهم الأسفار المقدسة. وأيضًا تبرز روح الوحدة في العمل.

جاء في مقدمة الأمثال والجامعة ونشيد الأناشيد للقديس جيروم:

"حسنًا أن أبعث برسالتي المزدوجة للذين هما اثنين في الأسقفية، ولا أفصل على الورق اللذين ارتبطا معًا في الواحد بناموس المسيح.

أكتب تفاسير عن هوشع وعاموس وزكريا والملوك بناء على طلبكما، إن لم يمنعني المرض.

قدمتما لي راحة بالمعونة التي قدمتموها إليّ، لقد أعنتما السكرتاريين والناسخين لديّ حتى أقدم كل قوتي لكم...

ليس من العدل أن أتجاهل عطشكما وعملكما من أجل الآخرين...

إني مدين لكل أحد بل ولكما. لهذا فإنني وإن كنت أعاني من مرض طال زمانه إلا أنني لن أصمت ولن أكون أبكم بينكما هذا العام. لقد كرّست حياتي لكما ثلاثة أيام عمل (كل أسبوع)، لترجمة كتب سليمان الثلاثة ".

كما أشار إليهما القديس جيروم في تفاسيره لأسفار أخرى مثل طوبيت وأخبار الأيام وقدم كتابيه في تفسير حبقوق لخروماتيوس.

تبادل الكثير من الرسائل مع صديقه القديس جيروم، كما حاول أن يكون صانع سلام في قضية أوريجينوس.

علاقته بصديقه روفينوس

كان صديقًا قديمًا لروفينوس روفينوس Rufinus الذي التجأ إلى دير في أكويلا ونال العماد على يديه حوالي عام 371.

عندما نشر روفينوس ترجمة كتاب "عن المبادئ" للعلامة أوريجينوس تحولت الصداقة بين جيروم وروفينوس إلى عداوة عنيفة ومرة، وبقي خروماتيوس صديقًا للاثنين، وبذل كل الجهد لمصالحتهما ولم يفلح.

طلب خروماتيوس من روفينوس ترجمة "التاريخ الكنسي" ليوسابيوس القيصري إلى اللاتينية، وأيضا عظات أوريجينوس عن يشوع وأعمال أخرى.

علاقته بالقديس يوحنا ذهبي الفم

أثناء اضطهاد القديس يوحنا الذهبي الفم احتضن خروماتيوس قضيته بكل حماس. كتب للقديس ذهبي الفم رسالة تعزية مملوءة بالعاطفة مع المندوبين العربيين. وفا عام 406 تسلم منه خطاب شكر (ذهبي الفم رسالة 145).

كما كان خروماتيوس مؤيدًا قويًا للقديس يوحنا ذهبي الفم حتى أنه كتب للإمبراطور هونوريوس Honorius معترضًا على اضطهاد ذهبي الفم، وقام هونوريوس بنقل هذا الاعتراض إلى شقيقه أركاديوس Arcadius في القسطنطينية، ولكن للأسف كانت هذه الجهود بدون فائدة (بالاديوس 403).

علاقته بالقديس أمبروسيوس

بناء على طلب شرح القديس أمبروسيوس نبوة بلعام في شكل رسالة.

كتب أيضا لهونوريوس لصالح ذهبي الفم، والذي وجه خطابه إلي أخيه أركاديوس كشهادة توضح مشاعر الكنيسة الغربية.

كتاباته

كان خروماتيوس نفسه مُعَلِّقًا مقتدرًا على أسفار الكتاب المقدس. توجد 18 عظة باسمه عن الموعظة علي الجبل، ومعها 17 مقتطفًا عن تفسير لإنجيل متى 3: 15 - 17؛ 5؛ 6.

تفسيره حرفي لا رمزي، وتأملاته سلوكية وليست روحية.

تنيح هذا الأسقف القديس حوالي سنة 407م.

Butler, December 2.

Henry Wace & William Piercy: A Dictionary of Early Christian Biography, 1999.

خريسبوس أو كريسبوس

نشأته

أحد اخوة أربعة كبادوكيين بالمولد، منهم اثنان يدعيان كوسماس Cosmas وغبريال، كما ذكر كيرلسCyril of Scythopolis. تركوا موطنهم وذهبوا إلى أورشليم ليتعلموا على يدي اوثيميوسEuthymius.

أعماله الكنسية

في عام 455 أقامه البطريرك جوفينال رئيسًا على دير لوراLaura، وبالتالي على كنيسة القيامة.

صار كاهنًا؛ وبعد تولى أخوه كوسماس كرسي سكيثوبوليس Scythopolis، عُين خريسبوس "حارسًا للصليب المقدس"، وبقي هكذا إلى يوم نياحته.

كان غزيرًا في كتاباته، ترك أعمالاً كثيرة وإن كان لم يبقَ إلا القليل جدًا منها.

سجل لنا فوتيوس أنه قرأ له بخصوص عماد غمالائيل ونيقوديموس بواسطة القديسين بطرس ويوحنا، وعن استشهاد الأخير، نقلاً عن كاهنٍ زميل له يدعى لوسيان، ظهر له في حلم في الموقع الذي فيه وُضع جسداهما مع جسد الشهيد إسطفانوس

Henry Wace & William Piercy: A Dictionary of Early Christian Biography, 1999.

خريستوجونس أو كريستوجونس الشهيد

أحد الشهداء في عصر دقلديانوس، كان اسمه يُدرج في القداس الإلهي الغربي منذ فترة مبكرة جدًا، مما يبدو أنه كان له صيته العظيم.

لا نعرف عنه إلا القليل جدًا. يحتفل بذكراه مع القديسة الشهيدة انسطاسية Anastasia (22 ديسمبر) التي استشهدت في اضطهاد الإمبراطور دقلديانوس. وكان هو الأب الروحي لها.

يُذكر عنه أنه من المسئولين في روما العظمى، وأنه إنسان يخاف الرب، ومعلم للمسيحيين، وعندما حدث اضطهاد أُلقي القبض عليه وأودع في السجن.

إذ كان دقلديانوس في Nice (ربما اختصار نيقوميدية) كتب إلى روما أنه يجب قتل جميع المسيحيين، وأن يُحضر خريستوجونس مقيدًا إلى Nice، وعند حضوره سيقطع رقبته.

يرى البعض أن دقلديانوس أصدر أربع قرارات خاصة باضطهاد المسيحيين، فإلى أي قرار من الأربعة صدر منه الأمر السابق؟

1. القرار الأول كان في فبراير 303.

2. القرار الثاني بعد الأول بقليل، فيه أمر بوضع جميع رجال الكهنوت في السجن. يبدو في هذا القرار كان لخريستوجونس أثره العظيم على تثبيت المؤمنين. كان من سجنه يرسل إلى أنسطاسية رسائل إرشاد وتوجيه.

3. القرار الثالث في الاحتفال العظيم الحادي والعشرين لتوليه الملك، فيه الزم الكهنة أن يقدموا ذبائح إن أرادوا الخروج من السجن. لم يصدر قرارًا بالقبض على كل المسيحيين. ولكن إن مات أحد أثناء تعذيبه يُحسب هذا قانونيًا.

4. في ربيع سنة 304 صدر القرار الرابع وهو لم يأت بشيء جديد إنما جاء يفسر القرارات السابقة. يبدو أن بقاء خريستوجونس بالرغم من كل العذابات أثار دقلديانوس فطلب إرساله سريعًا ليقطع رقبته.

تم استشهاده في أكويلا Aquileiaأو بالقرب منها في Aquae Gradata، بفريلاFriulia حيث حُكِم عليه وقُطِعت رأسه.

بعد استشهاده ألقوا بجسده في البحر، وأخرجه القديس زوْيلوس Zoilus ودفنه. وكان استشهاد القديس كريسوجونوس حوالي سنة 304م.

Butler, November 24.

خريستوظُلو الشهيد

رافق هذا الأب القديس الشهيدين أنبا بضابا والقس أندراوس (وردت سيرتهما تحت "الأنبا بضابا") إلى الاستشهاد في زمن أريانوس والي أنصنا، ونال معهما إكليل الاستشهاد.

السنكسار، 19 أبيب.

خريستوفوروس الشهيد حامل المسيح

قديس من رجال النصف الأول من القرن الثالث، نال شهرة عظيمة في بلاد وسط أوروبا بسبب كثرة معجزاته.

نشأته

ولد روبروبس Reprobos (اسمه قبل المعمودية) ومعناه "عديم القيمة"، أو "أوفيرو" ومعناه "الحاملOffero"، في بلاد سوريا حوالي سنة 250م.

كان من نسل كنعان، وكان عملاقًا طويل القامة وضخم الجسم، وكان وجهه يحمل ملامح عنيفة ومخيفة، يدرب نفسه أن يكون مقاتلاً.

تقول الروايات أنه إذ كان يخدم ملك كنعان فكر أنه يريد أن يصير خادمًا مطيعًا لأعظم ملك في العالم كله، فأخذ يبحث حتى وجد من ظن أنه أعظم ملك، فقبله الملك في خدمته وصار من خاصته. اختير ليكون ضمن رجال الحرس الإمبراطوري وذلك لضخامة جسمه وشهامته. بسرعة فائقة تألق نجمه وصار رئيسًا للحرس الإمبراطوري. انكسر الإمبراطور في حرب، فانطلق أوفيرو يطلب خدمة الملك الغالب معتقدًا أنه أعظم ملك في العالم.

خدمته لرئيس هذا العالم

في أحد الأيام كان المغني في حضرة الملك يغني أغنية فيها ذكر لاسم "الشيطان". لاحظ أوفيرو على الملك - الذي كان مسيحيًا - أنه كثيرًا ما يرشم نفسه بعلامة الصليب كل مرة يُذكَر فيها اسم الشيطان.

تعجب كريستوفر من ذلك، وسأل الملك عن معنى العلامة التي يكرر رشمها ملكه وسبب رشمه لها، فأجابه بعد تردد: "كل مرة يُذكَر فيها الشيطان أخاف أن يتسلط عليَّ، فأرسم تلك العلامة حتى لا يزعجني". تعجب كريستوفر وسأله: "هل تشك أن الشيطان يمكنه أن يؤذيك؟ إذن فهو أقوى وأعظم منك".

شعر أوفيرو أن ملكه ضعيف أمام إبليس فقرر أن يخدم الملك العظيم. وفي الليل انطلق من القصر، وجال من مكان إلى آخر يسأل عن إبليس. وإذ دخل صحراء واسعة فجأة وجد فرقة من الفرسان تتجه نحوه، وكان منظرهم كئيبًا للغاية.

في شجاعة وقف أوفيرو أمام قائد الفرقة يعترض طريقه، وكان منظره مرعبًا. عندئذ سأله القائد عن شخصه وسبب مجيئه إلى الغابة، فقال أنه يبحث عن الملك الذي يسود على العالم. أجابه القائد بكبرياء: "أنا هو الملك الذي تبحث عنه!"

فرح أوفيرو وأقسم له أنه مستعد أن يخدمه حتى الموت، وأنه سيطيعه في كل شيء، وسيتخذه سيدًا له إلى الأبد.

كان عدو الخير يثيره للهجوم على المدن في الظلام وقتل الكثيرين ليعود في الفجر إلى الصحراء مع جنود الظلمة. وكان أوفيرو معجبًا بهذا الملك العاتي وجنوده الأشرار الأقوياء.

إدراكه قوة الصليب

في ذات ليلة عاد أوفيرو إلى الصحراء، وفي الطريق وجد الفارس القائد ساقطًا، وكاد كل كيانه أن يتحطم. وكان جواده ساقطًا علي ظهره متهشمًا. تطلع ليري ما وراء هذا كله فوجد صليبًا ضخمًا من الخشب على حافة الطريق، وقد أشرق نور منه.

كان القائد مرتجفًا غير قادرٍ علي الحركة نحو الصليب. تعجب أوفيرو مما حدث وسأل الشيطان عن ذلك فرفض الإجابة، فقال له أوفيرو: "إذا لم تخبرني سوف أتركك ولن أكون خادمك أبدًا".

اضطر الشيطان أن يخبره: "كان هناك شخص اسمه المسيح عُلِّق على الصليب، وحين أرى علامته أخاف وأرتعد وأهرب من أمامها أينما وُجِدت".

إذا بخيبة الأمل تحل على أوفيرو الذي قال له: "بما أنك تخاف من علامته فهو إذن أعظم وأقدر منك. لقد كنت مخدوعًا حين ظننت أني وجدت أعظم سيد على الأرض. لن أخدمك فيما بعد وسأذهب لأبحث عن المسيح لأخدمه".

هرب القائد وكل جنوده وبقي أوفيرو أمام الصليب. رفع عينه ليري تلك القوة العجيبة التي حطمت قوات الظلمة. هنا صرخ أوفيرو طالبًا أن يتبع سيده الجديد المصلوب.

أخذ يبحث عن وسيلة ليجد السيد المسيح، وأخيرًا اهتدي إلى شيخ راهب قديس يعيش في كهفٍ مجهولٍ في حياة السكون حدثه عن الإيمان المسيحي.

خريستوفر الخادم

قال له الشيخ الراهب: "إن الملك الذي تريد أن تخدمه يطلب منك الصوم المستمر". فأجاب أوفيرو: "أطلب شئ آخر، لأنني لا أستطيع تنفيذ ما تطلبه".

قال المتوحد: "إذن عليك بالتبكير كل يوم من أجل الصلوات الكثيرة"، فأجاب أوفيرو: "وهذا أيضًا لا أستطيعه".

ثم قال المتوحد مرة أخرى: "هل تعرف النهر الفلاني حيث يبتلع كثير من المسافرين أثناء الفيضان، ولا تستطع القوارب أن تقاوم تياره؟" أجاب أوفيرو: "أعرفه جيدًا"، فقال المتوحد: "بما أن بنيانك قوي فعليك بالسكنى إلى جوار النهر وعليك أن تحمل كل من يريد أن يعبر النهر، وهذا العمل سوف يسعد الرب يسوع المسيح الذي تريد أن تخدمه، وأرجو أن يأتي اليوم الذي يظهر ذاته لك".

كان رد القديس: "بالتأكيد هذه خدمة يمكنني تنفيذها وأعِدَك بذلك".

مضى أوفيرو إلى ذلك المكان بجوار النهر وبنى لنفسه كوخًا من الحجارة وغطاه بأغصان الشجر ليسكن فيه، وأحضر عصا كبيرة يمسكها بيده لتساعده على حفظ توازنه في الماء، وكان يجلس عند الشاطئ يساعد كل العابرين، وفي نفس الوقت كان يبعث فيهم السلام الداخلي بكلماته الروحية العذبة، واستمر يفعل ذلك مدة طويلة بدون توقف.

عاد أوفيرو إلى الراهب ليتدرب علي حياة العبادة الصادقة والخدمة لله. أخيرًا طلب منه أن يعود إلى النهر.

امتلأت حياته بالفرح، ووجد لذته في التعب من أجل الآخرين غير أنه أحيانًا كان يحزن لعدم إمكانية الصلاة المستمرة.

اختبار محبته

في إحدى الليالي بينما كان الجو عاصفًا والأمطار شديدة سمع صوت طفلٍ يناديه من الخارج: "خريستوفر أخرج إليَّ، واحملني عبر النهر". استيقظ القديس وفتح باب كوخه ليري ذاك الذي يتجاسر علي طلب العبور في وسط هذا الجو العاصف في الليل وسط الظلام. لكنه لم يرَ أحدًا فظنّ أنه كان يحلم.

إذ أغلق الباب وتمدد على الأرض لينام سمع الصوت يناديه مرة أخري بوضوح باسمه طالبًا أن يحمله عبر النهر.

وقف للمرة الثانية علي باب كوخه فلم يرَ أحدًا.

دخل كوخه وأغلق بابه وظل ينتظر فجاءه الصوت خافتًا في هذه المرة. قفز من مكانه وانطلق يبحث عن مصدر الصوت فوجد طفلاً على الشاطئ يطلب منه أن يحمله ويعبر به. بشجاعة حمله ونزل في الماء البارد، وسط التيار الجارف الخطير، وعرّض حياته للخطر. سار به لكن بدأ ثقل الطفل يزداد عليه جدًا وسط هذا الجو الخطير. بالكاد عبر النهر بجهد جهيد وبلغ الضفة الأخرى ففرح انه خدم هذا الطفل وعبر به. وقال له: "لقد عرضتني إلى خطر عظيم، وكنت ثقيلاً حتى تصورت أنني أحمل العالم كله فوقي ولا أعتقد أنه بإمكاني أن أحمل أكثر مما حملت اليوم".

قفز الطفل من على كتفيه، وأعلن عن شخصه ثم قال له: "سيكون اسمك من الآن خريستوفر لأنك حملت المسيح. لا تتعجب لأنك لم تحمل العالم بل من خلق العالم كله فوق كتفيك. أنا هو يسوع المسيح الملك الذي تخدمه بعملك هذا، وحتى تتأكد مما أقول اغرس عصاك بجانب الكوخ وسترى أنها غدًا تُخرِج لك زهورًا وثمارًا"، ثم اختفى الطفل عنه.

نفذ خريستوفر الأمر وفي الصباح وجد عصاه مثل النخلة وتحمل زهورًا وأوراق وبلحًا. عاد خريستوفر يخدم الجميع بوداعةٍ وحبٍ شديدٍ.

القبض عليه

ذهب القديس إلى مدينة ليسيا Lycia ولكنه لم يفهم لغتهم، فصلَّى إلى الله أن يفهمهم فأعطاه الله طلبه. وأثناء صلاته ظنه الناس مختلاً فتركوه ومضوا، فلما فهم لغتهم غطى وجهه ومضى إلى مكان استشهاد المسيحيين فعزَّى الموجودين باسم الرب.

لما رأى القاضي ذلك ضربه على وجهه، فرد قائلاً: "لولا وصية المسيح التي تعلمني ألا أقابل الإساءة بمثلها لما كنت أنت وجنودك تحسبون شيئًا أمامي".

شهادته للسيد المسيح

غرس عصاه في الأرض وصلَّى إلى الله أن تحمل زهورًا وثمارًا من أجل إيمان الموجودين، فتم له ذلك حتى آمن ثمانية آلاف رجل. أرسل القائد إلى ديسيوس الملك يروي له ما حدث، حينئذ أرسل الملك اثنين من فرسانه ليبحثا عنه، فوجداه يصلي ولم يجسرا على الطلب منه.

أرسل إليه الملك عدة مرات وأخيرًا أرسل مائتين جنديًا. سألهم القديس بعد انتهائه من الصلاة: "ماذا تريدون؟" فلما نظروا في وجهه أجابوه: "أرسلنا الملك لنحضرك مقيدًا إليه". قال لهم: "لن تأخذونني إليه مقيدًا أو غير مقيد"، فأجابوه: "اذهب إذن في طريقك وسوف نقول للملك أننا لم نجدك". أجابهم خريستوفر: "لا يكون هكذا بل سأذهب معكم". وفي الطريق إذ فرغ الطعام ولم يبقَ سوى القليل جدًا من الخبز، صلى القديس على الخبز وبارك فصار كثيرًا جدًا، حتى دهش الجند وآمنوا بالسيد المسيح. وحين بلغوا إنطاكية اعتمد الجند على يديّ البطريرك بولا.

حين رآه الملك ارتعب من منظره حتى سقط عن كرسيه، ثم سأل القديس عن اسمه ومدينته، فأجاب خريستوفر: "قبل أن أتعمد كان اسمي ريبروبُس وبعد المعمودية خريستوفر. قبل المعمودية كنت من كنعان، وبعدها أنا إنسان مسيحي".

قال الملك: "إن لك اسم غبي إذ تتذكر المسيح المصلوب الذي لم يستطِع أن يساعد نفسه وبالتالي لن يكون ذا منفعة لك. فلماذا إذن تلعن كنعان ولماذا لا تقدم قرابينك للآلهة؟"

كان رد القديس حادًا: "إنك بالحقيقة تدعى داجنَس Dagnus لأنك تحمل موت العالم وتابع للشيطان، وآلهتك ما هي إلا صنعة أيدي الناس".

أجاب الملك: "لقد تربيت وسط الحيوانات المتوحشة ولذلك لا يمكنك النطق إلا بلغة متوحشة وكلمات غير معروفة للناس، وإذا قَرَّبت الآن للآلهة فسوف أمنحك عطايا وكرامة جزيلة، أما إذا رفضت فسوف أدمرك وأقضي عليك من فرط الألم والتعذيب". رفض القديس الوعود والتهديد فسجنه الملك بينما أمر بقطع رؤوس كل فرسانه الذين آمنوا على يد خريستوفر.

امرأتان في السجن

أرسل الملك امرأتين إلى السجن ووعدهما بعطايا جزيلة إذا استطاعا إسقاط خريستوفر معهما في الخطية، أما القديس فحين رأى ذلك أخذ يصلي طالبًا المعونة من الله.

وقف أمامهما قائلاً: "ماذا تطلبان؟ وما الذي أتى بكما إلى هنا؟"

خافت المرأتان من منظره وتأثرتا بصفاء وجهه فقالتا: "أشفق علينا يا قديس الله حتى نؤمن بالإله الذي تبشر به".

حين سمع الملك بذلك أمر بإحضارهما أمامه وهددهما بالتعذيب والقتل إن لم يقرِّبا للآلهة، فأجابتاه: "إذا كانت رغبتك أن نقرِّب للأوثان فأمر بإعداد الهيكل وتنظيفه وأحضر كل رجالك إليه".

وحين تم لهما ما طلباه دخلا الهيكل ولفَّا حزاميهما حول أعناق الآلهة وجذبوها بقوة فسقطت إلى الأرض وتحطمت، ثم قالتا للموجودين بسخرية: "استدعوا الأطباء لعلاج آلهتكم". أمر الملك فعُلِّقت واحدة ورُبِط ثقل عظيم في قدميها حتى تمزقت أعضاؤها وأسلمت الروح، أما الأخرى فأُلقِيت في وسط النار فلم تؤذِها فقطعوا رأسها واستشهدت.

تعذيبه

أُحضِر خريستوفر أمام الملك فأراد أن يذيقه الآلام، فأمر بإلقائه في قدر وأن يُوقد نار تحته. فوقف في القدر يخاطب الحاضرين كمن هو في فردوسٍ مفرحٍ أو داخل كنيسة، يعلن لهم عن محبة الله ورعايته وخلاصه الأبدي. تأثر الحاضرون ودهشوا كيف يحول الله النار إلى بردٍ ويعطي شهداءه حبًا للآخرين وسلامًا، فآمنوا بالسيد المسيح وعندئذ أمر الملك بتقطيع أجسادهم بالسيوف.

استشهاده

أمر بضربه بقضبان حديدية ووضع صليب من حديد ملتهب فوق رأسه، ثم أعد له كرسيًا من حديد أجلسه عليه وأشعل تحته، فاحترق الكرسي مثل الشمع بينما لم يتأثر القديس وخرج سالمًا.

إذ رأى الملك ذلك أمر بربطه وضربه بالسهام بواسطة أربعين من فرسانه الأشداء، فلم تصبه أيِّ من السهام بل كانت تتعلق في الهواء دون أن تلمسه، وحدث أن ارتد أحد هذه السهام وأصاب عين الملك فأعماه. فقال له القديس: "غدًا سوف أموت فاصنع طينة صغيرة من دمي واطلي بها عينيك وسوف تشفى".

أمر الملك فقطعوا رأسه بحد السيف وهكذا نال إكليل الاستشهاد. ثم أخذ الملك قليل من دمه ووضعه على عينيه وقال: "باسم إله خريستوفر" فبرئ في الحال.

السنكسار، 2 برمودة.

القمص بيشوي عبد المسيح: خريستوفر حامل المسيح، 1978.

Butler, July 25.

خريسولوجوس أو كريسولوجوس

ولد بطرس خريسولوجوس رئيس أساقفة رافينا Rvenna (433 - 454 م) في فورم كورنيلي Forum Cornelii أثناء أسقفية كرينليوس الذي اهتم بتربيته وسامه شماسًا، وجعله قيّما oeconomus على الكنيسة.

يتشكك بعض الدارسين في أنه قد صار رئيس أساقفة رافينا.

عظاته المائة وست وسبعين لا تحمل قوة البلاغة التي ينسبونها إليه. فإنها عظات قصيرة جدًا، كُتبت بلغة سهلة بسيطة، ليس فيها ما يمس القلب أو يلهب المشاعر.

شهرته كواعظ ربما اعتمدت على نبرات صوته وطريقة إلقائه وليس على مادة الوعظ.

أعماله الأخرى من تفاسير للكتاب المقدس ورسائل ضد الأريوسيين بادت بالحريق الذي تم عند محاصرة ايمولا Imola بواسطة ثيؤدورك Theodoric، عام 524م.

خوزي وهرواج وحنانيا الشهداء

تُعيد الكنيسة القبطية بتذكار استشهاد القديسين هرواج وحنانيا وخوزي الشهداء الذين من الفيوم في السادس عشر من شهر كيهك.

السنكسار، 16 كيهك.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

قاموس القديسين و الشخصيات حرف د

قاموس القديسين و الشخصيات حرف ح

قاموس القديسين و الشخصيات حرف خ
قاموس القديسين و الشخصيات حرف خ