الأصحاح الأول – تفسير إنجيل مرقس – القمص أنطونيوس فكري

هذا الفصل هو جزء من كتاب: انجيل مرقس – القس أنطونيوس فكري.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الإصحاح الأول

معمودية المسيح ويوحنا المعمدان.

(مت1: 3 - 17) + (مر1: 1 - 11) + (لو1: 3 - 22) + (يو19: 1 - 37).

الأعداد 1-11

الآيات (مر 1: 1 - 11): -

"1بَدْءُ إِنْجِيلِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللهِ، 2كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ: «هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي، الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ. 3صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً». 4كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. 5 وَخَرَجَ إِلَيْهِ جَمِيعُ كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ وَأَهْلُ أُورُشَلِيمَ وَاعْتَمَدُوا جَمِيعُهُمْ مِنْهُ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ. 6 وَكَانَ يُوحَنَّا يَلْبَسُ وَبَرَ الإِبِلِ، وَمِنْطَقَةً مِنْ جِلْدٍ عَلَى حَقْوَيْهِ، وَيَأْكُلُ جَرَادًا وَعَسَلاً بَرِّيًّا. 7 وَكَانَ يَكْرِزُ قَائِلاً: «يَأْتِي بَعْدِي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَنْحَنِيَ وَأَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ. 8أَنَا عَمَّدْتُكُمْ بِالْمَاءِ، وَأَمَّا هُوَ فَسَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ». 9 وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يَسُوعُ مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ وَاعْتَمَدَ مِنْ يُوحَنَّا فِي الأُرْدُنِّ. 10 وَلِلْوَقْتِ وَهُوَ صَاعِدٌ مِنَ الْمَاءِ رَأَى السَّمَاوَاتِ قَدِ انْشَقَّتْ، وَالرُّوحَ مِثْلَ حَمَامَةٍ نَازِلاً عَلَيْهِ. 11 وَكَانَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ: «أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ».".

آية (مر 1: 1): -.

"1بَدْءُ إِنْجِيلِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللهِ،".

لم يفتتح الإنجيلي مار مرقس إنجيله بعرض أحداث الميلاد أو نسب المسيح. وإنما إذ يكتب للرومان يقدم المسيح ابن الله. صاحب السلطان، القوي. وهو له سلطان على الجسد والنفس، حياتنا الظاهرة والداخلية. والرومان يحبون القوة فنجد إنجيل مرقس يُصوِّر لهم المسيح القوي، بل الذي يعطي للمؤمنين به قوة (مر17: 16 - 18).

يبدأ الإنجيل ببنوة المسيح لله ويختتم بدعوة المسيح لتلاميذه أن يكرزوا الأمم ويعمدوهم ثم بإرتفاع المسيح إلى السموات إلى حضن أبيه. فكأن المعنى أن المسيح أعطانا البنوة لله وذهب ليعد لنا مكانا يحملنا فيه إلى أمجاد السماء فى حضن أبيه، فبالمعمودية نحصل على البنوة لله.

إِنْجِيلِ = القديس مرقس هو الوحيد الذي أعطى لسفره عنوان إنجيل. وإنجيل تعني الكرازة أو البشارة المفرحة للعالم وسرها الخلاص الذي قدمه المسيح للبشر. هو في هذه الآية يقدم للرومان مخلص = يَسُوعَ. وهو الممسوح ملكاً = الْمَسِيحِ.. ومن هو هذا المخلص.. هو ابْنِ اللهِ.

الآيات (مر 2: 1 - 3): -.

"2كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ: «هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي، الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ. 3صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً».".

هذه النبوات من (إش3: 40 + ملا1: 3). وهما تكشفان عن شخص السابق للرب. وملاخي دعاه ملاك الرب، لحياته الملائكية وكرامته السامية، كما أن كلمة ملاك معناها رسول، فهو مرسل من الله لتهيئة الطريق قدام المسيح بالدعوة للتوبة. ولتسمية ملاخي له بالملاك تصوره الكنيسة بجناحين كملاك للرب. وإشعياء يقول عنه صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ فهو الأسد الزائر يزأر بصوته المرعب في برية إسرائيل (الشعب الذي يحيا كما في برية فهو غير مثمر) حتى يقدموا توبة. ومرقس إذ يكتب للرومان يقدم المعمدان الذي يسبق المسيح الملك ليعد له الطريق فالرومان يرسلون أمام ملوكهم من يعد لهم الطريق. إذاً في آية (1) يقدم المسيح الملك ابن الله، وفي الآيات (2 - 3) يقدم من يعد الطريق للملك. ولاحظ أنه إذا كان رسول الملك هو أسد صارخ فكم وكم تكون قوة الملك.

يقول (ملا1: 3) "ها أنذا أرسل ملاكي فيهيئ الطريق أمامي" وينقلها مارمرقس هكذا "ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي، الذي يهيئ طريقك قدامك" وبهذا نفهم أن المسيح هو هو نفسه يهوه. فالمتكلم في نبوة ملاخي هو يهوه ويقول "قدامي" ومارمرقس يقولها عن المسيح "قدامك" وكلمة وجهك تشير للظهور الإلهي فهي تعني حضرة (صيغة تكريم للشخص).

أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً = وهي من الترجمة السبعينية "قَوِّموا في القفر سبيلاً لإلهنا". وهنا أيضاً نجد أن إلهنا يهوه في إشعياء هو هو نفسه المسيح الرب في إنجيل مرقس.

معمودية يوحنا المعمدان.

يوم العماد (الغطاس) يسمى عيد الظهور الإلهي، ففيه ظهر الثالوث القدوس، صوت الآب من السماء، والابن في الماء، والروح القدس على شكل حمامة يحل على المسيح. وهناك سؤال.. لماذا ظهر الثالوث يوم عماد المسيح بالذات، ولم يظهر مثلاً يوم التجلي؟

قال الله لنخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا، إذاً.. الخلق هو عمل الثالوث إذ يقول نخلق.. صورتنا.. كشبهنا.. أي بصيغة الجمع. هذا قول الآب الذى يريد (تك1: 26).

فالثالوث القدوس يشترك فى عمل الخلق، والخلق يُنسب للثلاثة أقانيم.

الخليقة الأولى: - آدم وحواء (تك1).

فى البدء خلق الله (الآب يخلق)... وروح الله (الروح يخلق) يرف على وجه المياه... وقال الله (الإبن الكلمة يخلق) ليكن نور (تك1: 1 - 3).

والإبن جبل ترابا من الجنة ليُكوِّن منه آدم، والروح نفخ فى أنفه نسمة حياة (تك2: 7).

لذلك جاءت كلمة الله فى هذه الآية إلوهيم "أى آلهة نسبة للثلاثة أقانيم.

الخليقة الجديدة: - (حز37).

نرى هنا إعادة الخلق للإنسان الذى مات بسبب الخطية وتحوَّل إلى عظام يابسة.

فالله يتكلم مع النبى قائلاً (الآب)... تنبأ على هذه العظام وقُلْ لها إسمعى كلمة الرب (الإبن)... وقُلْ هَلُمَّ يا روح (الروح القدس) وهِبْ على هؤلاء القتلى ليحيوا (حز4: 37، 9).

وهنا نرى عمل الثالوث فى إعادة الخلق للعظام اليابسة إشارة للخليقة الجديدة.

ونرى الخليقتين معاً فى هذه الآية "نحن عَمَله (الخليقة الأولى فى آدم) مخلوقين فى المسيح يسوع (الخليقة الثانية فى آدم الأخير). (اف 2: 10).

0 مهما عمل ذاك (الآب) فهذا يعمله الإبن كذلك (يو19: 5).

0 تُرسِل روحك فتخلِقْ، وتُجدِّد وجه الأرض (مز30: 104).

0 روح الله صنعنى ونسمة القدير أحيتنى (أى4: 33).

0 بكلمة الرب صنعت السماوات، وبنسمة فمه كل جنودها (مز6: 33).

0 كل شئ به كان (الإبن الكلمة) وبغيره لم يكن شئ مما كان (يو3: 1).

نرى فيما سبق أن الخِلقة هى عمل الثالوث، وتُنسب للثلاثة الأقانيم ولكن كل أقنوم يؤدى دور مُعيَّن. فالآب يريد والأبن والروح القدس أقنومى التنفيذ.

يقول الأباء:

0 كل شئ فى الوجود بما فيه الحياة هو من الآب بالإبن فى الروح القدس.

0 كل عطية أصلها فى الآب وتتحقق من خلال الإبن بواسطة الروح القدس.

0 كل عطية لها أصلها فى الآب وتُنقل بواسطة الإبن وتتحقق بالروح القدس.

0 الآب خلق العالم بكلمته وبروحه، فكل عطية من الآب هى من خلال الإبن بالروح القدس.

0 لذلك شبه الكتاب المقدس الإبن بذراع الله (إش9: 51). وشبه الروح القدس بإصبع الله، قارن (مت28: 12 مع لو20: 11).

0 وكما كان روح الله يرف على وجه المياه والأرض خربة وخالية (تك2: 1).

فاليوم ها هو روح الله يرف على مياه المعمودية على الأرض الخربة بسبب الخطية ليُعيد الله خلقها.

0 وكان تجديد الخليقة (أو الخليقة الثانية) مُحتاجا للثالوث القدوس، وهذا هو سر الظهور الإلهى يوم المعمودية.

وكان هذا التجديد هو خلاص للإنسان، ولذلك ينسب بولس الرسول الخلاص للثالوث القدوس "لكن حين ظهر لُطف مخلصنا الله... خلصنا بغسل الميلاد الثانى وتجديد الروح القدس الذى سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلصنا (تى4: 3 - 6).

فالآب يريد والابن يخلق، فبه كان كل شئ، والروح يعطي حياة لهذا المخلوق (حز10: 37).

ويوم العماد هو يوم تأسيس سر المعمودية الذي به نُخلق خليقة جديدة بعد أن فسدت خليقتنا الأولى بالخطية. وكما كانت الخلقة الأولى هي عمل الثالوث القدوس، هكذا الخليقة الثانية هي عمل الثالوث القدوس، لذلك ظهر الثالوث القدوس يوم المعمودية. فالآب يريد أن الجميع يخلصون (1تي4: 2). والابن يغطس في الماء إعلاناً لقبوله الموت عن البشر، وهذا هو الفداء المزمع أن يقدمه على الصليب. ثم يخرج من الماء إعلاناً عن أنه لن يظل ميتاً في القبر، بل سيقوم ويقيمنا معه متحدين به (رو3: 6 - 5). والروح القدس يحل على جسد المسيح. وجسد المسيح هو كنيسته. والروح القدس سيقوم بعد ذلك مع كل معمد بجعله يموت مع المسيح (حين يغطس أو يدفن فى الماء) ويقوم مع المسيح من موت الخطية (حين يخرج من الماء). نقوم مع المسيح ثابتين في المسيح كخليقة جديدة (2كو17: 5) وهذه الخليقة الجديدة يفرح بها الآب. وفرحة الآب هذه ظهرت في قوله "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت". قال هذا يوم العماد ولم يكمل "له اسمعوا" كما قال يوم التجلي فاليوم هو يوم فرحة الآب برجوع ابنه الضال (أي الكنيسة) إلى أحضانه. أما فى التجلى فكان الآب يلفت نظر التلاميذ إلى من هو شخص هذا المعلم، وأنه ليس كمعلمى اليهود بل هو إبن الله وعليهم أن يسمعوا كلامه وتعاليمه ووصاياه، فهى وصايا الله نفسه.

حقاً الآب فرح بطاعة المسيح الذي أطاع حتى الموت موت الصليب، لكنه فرح أيضاً برجوعنا إليه. لذلك قال المسيح ينبغي لنا أن نكمل كل بر. وهذا يعني أن آدم يوم خلق كان هناك شيئاً ينقصه.. وما هو؟ لو أخطأ آدم يموت وينتهي بالانفصال عن الله، فلا شركة للنور مع الظلمة. لكن اليوم رسم السيد المسيح طريقة غفران الخطية وتبرير آدم ليعود للأحضان الإلهية، وبهذا فرح الآب، فلقد أصبح هناك حل لمشكلة الموت الناتج عن الخطية. ولقد أصبح طريق تبرير الإنسان كاملاً، لذلك قال المسيح على الصليب "قد أكمل" فنحن كنا عاجزين عن البر، فجاء المسيح ليعطينا فيه أن نتبرر فنعود إلى حضن الآب كأبناء بثباتنا فى إبنه.

ما حدث يمكن تشبيهه بأنه بدون اختراع الأستيكة كان إذا حدث أي خطأ في ورقة نقوم بتمزيقها وإلقائها، وهذا ما حدث لآدم إذ أخطأ فمات. أما بعد اختراع الأستيكة صرنا نمحو الخطأ، ويمكن استخدام الورقة ثانية.

والتشبيه الأدق من الأستيكة هو الـ corrector الذى يُغطى الخطأ فتعود الورقة بيضاء، فعمل المسيح الكفَّارى هو تغطيتنا. كفَّارة = غطاء من cover. فلا يعود الآب يرى خطيتنا بل يرى بر إبنه، هذا إن كُنَّا ثابتين فى إبنه. لذلك يقول الرب "إثبتوا فىَّ" (يو4: 15). ولذلك فقول المسيح على الصليب "يا أبتاه اغفر لهم" - والرب قالها وجسده كله مغطى بالدم - كان كأنه يقول للآب فلتبدأ شفاعتى الكفارية عن جسدى الذى هو كنيستى من الآن. وهذا معنى ما كان يحدث يوم الكفارة اليهودى، إن هرون رئيس الكهنة ينضح من دم تيس الخطية على غطاء التابوت "الكافورت" فيغفر الله. وكان المسيح رئيس كهنتنا على الصليب ودمه يغطى جسده هو شرح لما كان هرون يعمله يوم الكفارة (لا16: 15، 16) "يكفر عنكم لتطهيركم. من جميع خطاياكم تطهرون" (لا16: 30).

إذاً المعمودية هي:

موت مع المسيح: ومن مات معه تغفر جميع خطاياه السابقة. فبموتنا فى المسيح فى المعمودية ينفذ فينا حكم الناموس.... أن من يخطئ يموت.

قيامة مع المسيح: نقوم متحدين به، وهذا يعطينا أن نحيا بحياته وهي حياة أبدية فالمسيح بعد أن قام من الاموات لن يموت ثانية (رو6: 9). ويقول بولس الرسول ايضاً "لي الحياة هي المسيح" (في21: 1) + "المسيح يحيا فيَّ" (غل20: 2). ولأن المسيح يحيا فينا كمل كل بر.

تبني: فمن إتحد بالمسيح الإبن يصير إبناً لله.

علي من ينكر مفاعيل المعمودية أن يجيب علي هذا السؤال وأنها مجرد علامة.

"لماذا اعتمد المسيح"؟ قيل ليلتزم بالناموس، لكن الناموس لا يطلب معمودية أحد. وقيل ليقف فى صفوف الخطاة! وهذا خطأ... فالمسيح ليس بخاطئ يقدم توبة ويعتمد علامة على توبته، بل هو حامل خطية! فكان يوحنا يعمد التائبين علامة على توبتهم. ولو فرض صحة هذا فلماذا قال نكمل ولم يقل أُكمِل، والعبرية ليس بها صيغة تفخيم. اذاً نكمل هو قول الثالوث الذي يخلق الانسان خليقة جديدة. وهل حمل الآب أو الروح القدس خطايانا! هذا كان عمل المسيح بصليبه.

لكن وكما قال الآباء أن المسيح لم يكن محتاجا للمعمودية لكن المعمودية كانت محتاجة للمسيح. المسيح كان بمعموديته يؤسس سر المعمودية، والروح القدس الذى حل عليه، حل علي جسده لحسابنا فكل من يعتمد الآن، فالروح القدس وبطريقة خفية يجعله يموت بإنسانه العتيق مع المسيح حين ينزل الماء، ويقوم مع المسيح حين يخرج من الماء. لذلك نقول عن المعمودية أنها سر. وسر تعنى اننا نحصل علي نعمة غير منظورة تحت أعراض منظورة.

ما ورد عن معمودية المسيح فى إنجيل متى.

الإصحاح الثالث (مت3).

الآيات (مت 3): -.

"1 وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ يَكْرِزُ فِي بَرِّيَّةِ الْيَهُودِيَّةِ 2قَائِلاً: «تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ. 3فَإِنَّ هذَا هُوَ الَّذِي قِيلَ عَنْهُ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً». 4 وَيُوحَنَّا هذَا كَانَ لِبَاسُهُ مِنْ وَبَرِ الإِبِلِ، وَعَلَى حَقْوَيْهِ مِنْطَقَةٌ مِنْ جِلْدٍ. وَكَانَ طَعَامُهُ جَرَادًا وَعَسَلاً بَرِّيًّا. 5حِينَئِذٍ خَرَجَ إِلَيْهِ أُورُشَلِيمُ وَكُلُّ الْيَهُودِيَّةِ وَجَمِيعُ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأُرْدُنِّ، 6 وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ. 7فَلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ يَأْتُونَ إِلَى مَعْمُودِيَّتِهِ، قَالَ لَهُمْ: «يَاأَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي؟ 8فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ. 9 وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْراهِيمُ أَبًا. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لإِبْراهِيمَ. 10 وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ. 11أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ، وَلكِنِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ. 12الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ، وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ، وَيَجْمَعُ قَمْحَهُ إِلَى الْمَخْزَنِ، وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأُ». 13حِينَئِذٍ جَاءَ يَسُوعُ مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى الأُرْدُنِّ إِلَى يُوحَنَّا لِيَعْتَمِدَ مِنْهُ. 14 وَلكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ قَائِلاً: «أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ، وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ! » 15فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ». حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ. 16فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ، وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ، فَرَأَى رُوحَ اللهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ، 17 وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلاً: « هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ».".

آية (مت 1: 3): -.

"1 وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ يَكْرِزُ فِي بَرِّيَّةِ الْيَهُودِيَّةِ.".

فِي تِلْكَ الأَيَّامِ = لا يقصد به بعد عودة العائلة المقدسة من مصر ولكن في ذلك العصر أو في ذلك الزمان. ولوقا حدد عمر المسيح في هذا الوقت (لو23: 3) أنه حوالي 30 عاماً.

يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ = لقب المعمدان غالباً أطلقه عليه الشعب. وكان ملاخي قد سبق وتنبأ عنه في (ملا1: 3) وتنبأ عن مجيء إيليا قبل مجيء المسيح الثاني في (ملا5: 4)، ولما كان اليهود لا يفهمون أن هناك مجيء أول ومجيء ثاني، ظنوا أن إيليا يجب أن يظهر قبل المسيا. ولكن المعمدان جاء في صورة إيليا الساكن في البراري والجبال وبنفس قوته.

بَرِّيَّةِ الْيَهُودِيَّةِ = هي القطاع الشرقي من إقليم اليهودية، يقع شرق قمة الجبل الرئيسية وغرب البحر الميت، لم تكن صحراء رملية ولكنها أرض غير مخصبة.

والمعمدان بدأ خدمته قبل أن يبدأ المسيح بشهور. وكان من حق يوحنا أن يصير كاهناً، ولكنه ترك الهيكل والكهنوت ذاهباً إلى البرية، ليعلن أن الجميع فسدوا وصاروا برية قاحلة تنتظر المسيح الذي سيأتي ليرويها بمياه الروح القدس لتصير فردوساً يحمل ثمار الروح (مز1: 63). لقد حُرِم يوحنا المعمدان من خدمة الهيكل ليهيئ الطريق لرئيس الكهنة الأعظم ربنا يسوع الذي جعل من بريتنا هيكلاً جديداً سماوياً.

كان يوحنا هو الرسول الذي يعد طريق الملك كما يسبق الملوك حرس شرف.

يوحنا المعمدان كان عمله الاساسي تأسيس سر المعمودية "الذى أرسلنى لأعمد بالماء" (يو1: 33) وكان هذا بأن يعمد المسيح.

آية (مت 2: 3): -.

"2قَائِلاً: «تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ.".

تُوبُوا = يوحنا يهيئ الطريق الملوكي بالتوبة، ومعنى طلب التوبة كشئ سابق لملكوت المسيح، أن ملك المسيح سيكون روحياً وليس أرضياً. والتوبة في اليونانية مطانية وتعني تغيير الاتجاه أي تغيير القلب والعقل من جهة الخطية ليهتدي ويتجه نحو الله. ويعطي الإنسان لله الوجه لا القفا. إذاً تُوبُوا = غيروا قلوبكم وعقولكم. ومن يقدم توبة تنفتح عيناه، فالخطية تسبب العمى للعيون الروحية. ومن تنفتح عيناه يعرف المسيح حين يظهر، وهكذا كان يوحنا يهيئ الطريق للمسيح.

اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ = أي أن مجيء المسيح ليسكن فينا صار على الأبواب. وطريق التمتع بهذا الملكوت هو أن ندرك حاجتنا إلى عمل المسيّا فينا، فإذ يدين الإنسان نفسه ينفتح القلب لاستقبال عمل المسيّا فيه. ويُمَلِّك الإنسان المسيح على قلبه فيصير ملكوت الله داخله "ها ملكوت الله داخلكم". واصطلاح ملكوت السموات هو اصطلاح خاص بمتى أما باقي الإنجيليين فكانوا يستعملون اصطلاح ملكوت الله. لأن متى كان يكتب لليهود الذي يخشون أن يستعملوا اسم الله. وملكوت الله معناه سيادة وحكم الله على القلب، لكن اليهود فهموه على أنه ملك مادي أرضي. ومن المؤكد أن المسيح استخدم التعبيرين ملكوت السموات وملكوت الله. وببساطة حيثما يملك الله يصير هذا المكان سماء.

آية (مت 3: 3): -.

"3فَإِنَّ هذَا هُوَ الَّذِي قِيلَ عَنْهُ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً».".

الاقتباس من (إش3: 40) ومن الترجمة السبعينية بالذات. صَوْتُ صَارِخٍ = هو صوت المعمدان. فهو كان صوتاً يوجه النظر ليسوع، يدعو الناس للتوبة فيكونوا مستعدين لقبول الرب يسوع. اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً = مرادفة لتوبوا. أي من ارتفع قلبه بالكبرياء أو من التهب قلبه بالطمع أو الشهوة فليغير طريقه. والعكس فمن كان يشعر بيأس أو صغر نفس فليكن له رجاء منذ الآن (إش4: 40).

آية (مت 4: 3): -.

"4 وَيُوحَنَّا هذَا كَانَ لِبَاسُهُ مِنْ وَبَرِ الإِبِلِ، وَعَلَى حَقْوَيْهِ مِنْطَقَةٌ مِنْ جِلْدٍ. وَكَانَ طَعَامُهُ جَرَادًا وَعَسَلاً بَرِّيًّا.".

كانت صرخات يوحنا لا تخرج من فمه فحسب بل تنطلق من كل حياته، تعلنها حياته الداخلية ومظهره الخارجي. حتى ملبسه كان أشبه بعظة صامتة وفعّالة وأيضاً طعامه. لِبَاسُهُ مِنْ وَبَرِ الإِبِلِ = خشن ورخيص وكان هذا لباس الأنبياء (زك4: 13).

طَعَامُهُ جَرَادًا هذا أكل الفقراء جداً. وَعَسَلاً بَرِّيًّا = وهذا يجدونه في الصخور وجذوع الأشجار. وكان زهد المعمدان سر قوته، أيضاً خلوته في البرية. وكان له شكل إيليا في ملبسه وطعامه.

آية (مت 5: 3): -.

"5حِينَئِذٍ خَرَجَ إِلَيْهِ أُورُشَلِيمُ وَكُلُّ الْيَهُودِيَّةِ وَجَمِيعُ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأُرْدُنِّ،".

هكذا لنرجع إلى الله علينا أن نخرج من العالم.

آية (مت 6: 3): -.

"6 وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ.".

الأردن = ينبع من جبال لبنان ويصب في البحر الميت ماراً ببحر الجليل (أو بحيرة جنيسارات أو بحيرة طبرية). واليهود عرفوا أنواعاً من المعموديات منها معمودية المتهودين الدخلاء. ومعمودية يوحنا كانت رمزاً للمعمودية المسيحية. وبولس الرسول اعتبر أن موسى والشعب إعتمدوا في البحر الأحمر والسحابة رمزاً أيضاً للمعمودية المسيحية. وبطرس الرسول يقول أن فلك نوح كان مثالا للخلاص بالمعمودية (1بط3: 21). ولكن معمودية يوحنا لم تهب البنوة لمن إعتمد مثل المعمودية المسيحية. وغفران الخطايا الذي كان هدف معمودية يوحنا استمد قوته من صليب المسيح (مثل شيك يكتب على ظهره يصرف في يوم كذا فهو حق لك ولكن مفعوله يبدأ في اليوم المحدد)، وهذا نفس ما يقال عن كل من غفرت خطاياهم فى العهد القديم. قوة معمودية يوحنا استمدت قوتها من قوة المرموز إليه كما حملت الحية النحاسية قوة الشفاء خلال الصليب التي ترمز إليه. فمعمودية يوحنا لم تكن بالروح مثل المعمودية المسيحية. وهناك معمودية الدم للشهداء وهناك معمودية الدموع والتوبة كما كان داود يعوم كل ليلة سريره (مز6: 6).

آية (مت 7: 3): -.

"7فَلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ يَأْتُونَ إِلَى مَعْمُودِيَّتِهِ، قَالَ لَهُمْ: «يَاأَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي؟".

الْفَرِّيسِيِّينَ = أهم طوائف اليهود الدينية التي ظهرت أيام المكابيين سنة 150ق. م. هدفهم أن يشددوا على وجهة النظر الدينية عند اليهود، وكانوا يحفظون الشريعة بدقة. وكان هذا كرد فعل للثقافة اليونانية المتحررة التي انتشرت. ومعنى فريسيون = مفروزون. ويسمون أنفسهم الأتقياء. واعتبروا تقليد الأباء على نفس مستوى الناموس. ساد عليهم الرياء والتظاهر والتمسك الظاهري لا الفعلي بالناموس فعشروا الشبث والنعنع وأطالوا صلواتهم.

الصدوقيين = هم الطائفة اليهودية الكبيرة بعد الفريسيين، ويرجح أنهم نشأوا كمضادين للفريسيين. اسمهم مشتق من اسم صادوق رئيس الكهنة أو من معنى اسم صادوق وهو يعني البار. وعلموا أن الفضيلة تمارس لأجل نفسها وليس من أجل أجر معين ومن هنا تمادوا وأنكروا القيامة لأنها أجر للأعمال الصالحة. وكانوا لا يؤمنون سوى بأسفار موسى الخمسة فقط، ولا يقبلون تقليد الشيوخ وأنكروا القيامة والأرواح والملائكة (أع8: 23).

وكانوا يسمونهم جماعة العقلانيين عند اليهود. وكان هدفهم في الحياة جمع المال وإرضاء ملذاتهم.

يَاأَوْلاَدَ الأَفَاعِي = أى أنهم يشبهون الأفاعى فالإبن يشبه أبيه (وهناك أولاد إبليس يو44: 8 + 1يو10: 3 وأبناء المعصية كو6: 3 وأبناء النور يو36: 12) = يوحنا هنا يريدهم أن يتساءلوا بينهم وبين أنفسهم لماذا أتوا هل هي توبة حقيقية أو سعياً وراء المظاهر. لأنه شعر أنهم لم يأتوا إليه بقلوبهم طالبين التوبة. وكان يوحنا قوياً لم يخف من الفريسيين والصدوقيين ولم يتملقهم، بل هو عرف مشاعرهم فهم لم يحتملوا إذ قد فضح ريائهم بقداسته الحقيقية. وإلتفت حوله الجماهير وأحبوه فخافوا على مراكزهم وأرادوا إظهار نقاوتهم بأن يعتمدوا هم أيضا. الْغَضَب الآتِي = الدينونة.

الآيات (مت8: 3 - 9): -.

"8فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ. 9 وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْراهِيمُ أَبًا. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لإِبْراهِيمَ.".

التوبة التي بلا ثمر هي مظاهر ورياء. وكان اليهود يظنون أنهم يخلصون لمجرد.

إنتسابهم لإبراهيم. ولكن يوحنا هنا يشرح لهم أن الخلاص ليس ميراثاً من الأباء.

يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لإِبْراهِيمَ. ما هي هذه الحجارة؟

يقال أن يوحنا المعمدان كان يتكلم وأمامه الحجارة التي وضعها يشوع في الأردن.

تشير إلى (إش1: 51 - 2) فهذا الصخر في إشعياء يشير لمستودع سارة المائت ولأن إبراهيم صار شيخاً غير قادر على الإنجاب ومع هذا كان لهما نسل ومنه اليهود. ويكون المعنى أنه كما أقام الله اليهود من مستودع ميت كالصخر، قادر هو أن يقيم له أولاداً آخرين.

تشير للأمم الذين صاروا حجارة بعبادتهم للأوثان الحجرية فشابهوها (مز8: 115).

تشير لكل قلب تقسى وتحجر، والله يحركه بالتوبة فيصير ابناً لإبراهيم.

وأولاد إبراهيم هم من يشابهونه في تقواه وإيمانه، ولكن هؤلاء الفريسيين والصدوقيين لا يشبهون إبراهيم بل هم أولاد أفاعي بمعنى أولاد إبليس (يو44: 8).

ولكن كل من تحجر قلبه، فالله قادر أن يحوله مرة أخرى إلى قلب لحمي (حز26: 36).

آية (مت 10: 3): -.

"10 وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ.".

التشبيه مأخوذ من الحطاب الذي وضع فأسه بجانب الشجرة وذهب يخلع سترته استعداداً لقطع الشجرة. فهذا المثل يشير للغضب القادم. فالمسيح أتي ليبشر بيوم مقبول وسنة مقبولة. فإما أن يستجيب الإنسان أو تأتي عليه الدينونة وسيف القصاص، ويلعنه الله كما لعن شجرة التين، إذا وجده بغير ثمار التوبة. والمسيح هو ذلك الحطاب الذي أتى بصليبه ليموت عني. وأعطاني المعمودية، فيها أموت معه لهدم الإنسان العتيق فمن يرفض بعد كل هذا لن يكون أمامه سوى الدينونة. والمسيح هو الحطاب الذي هو مزمع الآن أن يأتي للدينونة.

آية (مت 11: 3): -.

"11أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ، وَلكِنِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ.".

نرى هنا سر عظمة المعمدان وهو اتضاعه = لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ = (هو قول يشير لألوهية السيد المسيح فأي ملك أرضي يمكن أن يحل سيور حذاءه أي أحد. أو يحمل حذاءه أي أحد) هو يرى في نفسه أنه غير مستحق أن يعمل أحقر الأعمال التي يقوم بها العبيد.

سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ = وقارن هذه بقول المسيح "إن كان أحد لا يولد من الماء والروح (يو5: 3). فالروح القدس هو روح الإحراق (إش4: 4) وهو يجعل الماء نار إحراق فماذا يعني قوله الروح القدس ونار = إلا أن ماء المعمودية هو النار الذي يلقي فيها المعمد لتحرق خطاياه وتميت الإنسان العتيق. ويقول القديس مار يعقوب السروجي" المعمودية هي الكور العظيم الممتلئ ناراً، فيها يسبك الناس ليصيروا غير أموات "هذا يعني أن المعمودية هي ليست غسيل إنسان في ماء عادي، بل هي بعمل الروح القدس (روح الإحراق (إش4: 4) تحرق الخطايا القديمة، وتلقي نار حب داخل القلب. وانظر لعمل الروح القدس في أرمياء" فكان في قلبي كنارٍ محرقة "(أر9: 20) لذلك رأينا حلول الروح القدس على التلاميذ على هيئة ألسنة نارية فالمعمودية هي تحرق خطايانا بالنار وتغسلها بالماء.

آية (مت 12: 3): -.

"12الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ، وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ، وَيَجْمَعُ قَمْحَهُ إِلَى الْمَخْزَنِ، وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأُ».".

هنا نرى المسيح الديان. الرَفْشُ = يستخدم للتذرية [الرفش هو المذراة وهي ساق لها أصابع خشبية ترفع بها الحبوب المختلطة بالتبن والقش، فتسقط الحبوب لأسفل لثقلها أما القش والتبن فيطيران بعيداً. وبهذا تجمع الحبوب وحدها والتبن وحده وهذا يتم في مكان متسع بجانب الحقل يسمى البيدر أو الجرن. وتوضع الحبوب في المخزن، أما التبن والقش فيحرقان. والرفش إشارة لكلمة الله التي ستدين غير المؤمنين وغير التائبين (يو48: 12)] ويشير الرفش لسلطان المسيح. بَيْدَرَهُ = أي كنيسته ويشير لنهاية العالم. قَمْحَهُ = المؤمنين الأبرار. الْمَخْزَنِ = الكنيسة أو المجد في السماء. التِّبْنُ = الأشرار. نَارٍ لاَ تُطْفَأُ أي الدينونة الأبدية في جهنم. فالمسيح يترك الآن القمح مع التبن والزوان ولكن هناك يوم يفصل فيه بين هذا وذاك. ولكن من الآن فالتذرية موجودة وهناك فاصل بين الذي يؤمن والذي لا يؤمن وبين الذي يتوب والذي لا يتوب.

آية (مت 13: 3): -.

"13حِينَئِذٍ جَاءَ يَسُوعُ مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى الأُرْدُنِّ إِلَى يُوحَنَّا لِيَعْتَمِدَ مِنْهُ.".

لِيَعْتَمِدَ مِنْهُ = المسيح كان يؤسس سر المعمودية، فكل معمد بعد ذلك حين نزوله للماء وصعوده منه يموت مع المسيح ويقوم معه. ولكن العجب أن يقبل المسيح أن يقف فى صفوف الخطاة، وهذا كان مقدمة للصليب يوم يحمل المسيح خطايا البشر، والكنيسة تهتم بالمعمودية لأنه حتى المسيح لم يبدأ خدمته إلا بعد أن إعتمد.

آية (مت 14: 3): -.

"14 وَلكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ قَائِلاً: «أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ، وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ! ».".

من عرفه وهو في بطن أمه، من المؤكد أنه عرفه الآن.

آية (مت 15: 3): -.

"15فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ». حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ.".

المسيح يكمل كل بر أى بتأسيسه للمعمودية وبصلبه بعد ذلك، يؤسس الطريق لنا لنتبرر، ونحسب أبرارا فيه. هنا نرى منتهى الاتضاع أن يعتمد الله من أحد عبيده. وبولس الرسول عبر عن هذا بقوله "جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه" (2كو5: 21).

الآيات (مت16: 3 - 17): -.

"16فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ، وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ، فَرَأَى رُوحَ اللهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ، 17 وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلاً: « هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ».".

صَعِدَ = إذاً هو كان نازلاً في الماء. لذلك فالمعمودية بالتغطيس وفي يوم عيد الغطاس، يوم عماد المسيح تحتفل الكنيسة أيضاً بعيد الظهور الإلهي، إذ ظهر هنا بوضوح الثلاثة الأقانيم. صوت الآب في السماء والابن الإنسان في الماء والروح القدس في شكل حمامة. هنا نرى التمايز في الثالوث، الواحد عن الآخر، ولكنهم هم الله الواحد.

والمسيح حل عليه الروح القدس في شكل حمامة كاملة (حمامة رمز السلام والطهارة والوداعة والبراءة والبساطة وهذه ثمار يعطيها الروح لمن يحل عليه). وهي كاملة رمز لحلول الروح القدس بالكامل على المسيح. أما التلاميذ فحل عليهم على قدر ما يحتملون، ألسنة نار منقسمة. والروح حل على التلاميذ على شكل نار ليطهرهم، أما المسيح الذي بلا خطية لم يحتاج لشكل النار 1) هو لا يحتاج لنار تحرق خطاياه 2) التلاميذ لايحتملون كبشر الا لمواهب وعطايا الروح. ومعنى الألسنة المنقسمة = أن كل منهم أخذ بقدر إحتياجه وبقدر احتماله 3) أما المسيح فحل الروح عليه علي شكل الحمامة وتعنى الروح كاملا، فالروح إنسكب على المسيح رأس الكنيسة لحسابها أي لينسكب على الكنيسة بعد ذلك = كالطيب ينزل على الرأس ثم على اللحية أى الكنيسة جسد المسيح (مز 133). [اللحية شعر كثير يلتصق بالرأس كما يلتصق المؤمنين برأس الكنيسة المسيح].

وحلول الروح القدس على المسيح كان لتكريسه وإعداد جسده ليقدم ذبيحة نفسه، كما كان رئيس الكهنة يُمسح بالزيت ليقدم ذبائح. وصوت الآب من السماء تكرر يوم التجلي (مت5: 17) وأيضاً في (يو28: 12).

انْفَتَحَتْ لَهُ = يوحنا المعمدان رأى الحمامة نازلة على المسيح وعرف أن هذا هو الروح وقد إستقر على المسيح (يو31: 1 - 34). والسماء تنفتح الآن بعد أن كانت قد أغلقت أمام البشرية ومن أيام نوح فالحمامة رمز للسلام وزوال السخط وانتهاء زمن سلطان الخطية.

والحمامة مشهورة دائما أنها تعود لبيتها (حمامة نوح / الحمام الزاجل). وعمل الروح القدس هو دفع الكنيسة للإتحاد بالمسيح، والمسيح يحملها كعروس له إلى حضن الآب بإتحاده بها. وكلمة بساطة وهى صفة الحمام مترجمة SINGLE HEARTED، فى الترجمة الإنجليزية. أى يكون الإنسان له هدف واحد بقلبه، متجه دائماً للمسيح. وهذا هو عمل الروح القدس فينا: إذ أننا كلما نخطئ يبكتنا الروح القدس ويعيننا حتى نعود للثبات فى المسيح. لذلك نقول الحمامة رمز البساطة "كونوا بسطاء كالحمام" (مت16: 10). ومن يفعل أى يكون قلبه دائما لا هدف له سوى مجد الله، يثبت فى المسيح ويُحسب كاملاً (كو1: 28) وهذا معنى "إفتحى لى يا أختى ياحبيبتى يا حمامتى يا كاملتى" (نش2: 5).

لذلك فالروح القدس بتبكيته ومعونته يجعلنا دائماً فى حالة رجوع دائم للمسيح "إرجعى إرجعى يا شولميث" (نش13: 6). والروح يثبتنا في المسيح فى المعمودية (2كو1: 21، 22)، وإن أخطأنا يبكتنا لنتوب ويعيننا فنعود للمسيح ويثبتنا فيه.

المسيح يكمل كل بر (تأملات).

سلك بمعموديته من يوحنا طريق الاتضاع وهو كمال كل بر.

هو يعلن أهمية المعمودية ويعلن قبوله لمهمته أي موته فالمعمودية هي موت مع المسيح، فالمسيح بمعموديته يعلن أنه يقبل هذا الموت وأنه سيقوم بعد موته، وأنه يطيع حتى الموت موت الصليب. المعمودية هي مثال لسر موته وقيامته. المعمودية هى اعلان حب من الذى قال "ليت علىَّ الشوك..." (إش27: 2 – 5).

المسيح يؤسس سر المعمودية الذي به يكمل كل بر لآدم ونسله. فبموتنا مع المسيح وقيامتنا مع المسيح نتبرر. المسيح بالمعمودية أكمل كل بر للإنسان أي صار هناك وسيلة يتبرر بها الإنسان الذي كان قد حُكِمَ عليه بالموت بسبب الخطية. والتبرير له شقين ا) غفران الخطية وذلك يتم بموتنا مع المسيح ب) باتحادنا مع المسيح فنحيا بحياته فيستخدم اعضاءنا كألات بر، فنعمل أعمال بر.

لماذا المعمودية؟

المسيح غير محتاج للمعمودية فهو بلا خطية.

بهذا يتيح الفرصة ليوحنا ليشهد عنه، وليظهر لإسرائيل.

جعل المعمودية مثالاً لسر موته وقيامته.

بعد المعمودية حل عليه الروح القدس لحسابنا أي لتقديسنا. والمسيح اعتمد ثم حل عليه الروح بعد ذلك ليحدث لنا نفس الشئ، ففي المعمودية نموت مع المسيح ونقوم معه فنصبح مستعدين لحلول الروح القدس فينا.

ظهر أثناء المعمودية سر الثالوث القدوس فالخليقة الجديدة لنا هى عمل الثالوث.

المسيح لم يكن محتاجاً للمعمودية، لكن المعمودية هي التي كانت محتاجة للمسيح ليؤسسها فيعطي الماء القوة بالروح القدس ليعيد خلقتنا. هو قدَّس الماء لنعتمد نحن بالماء والروح بعد ذلك.

كان تكريساً لذاته للعمل (بالمعمودية) فنزول المسيح إلى الماء وتغطيسه فيه (كما نزل يونان إلى عمق الماء) كان إشارة لقبوله الموت. وكما عبر يشوع ماء الأردن مع الشعب ليدخلوا لكنعان الأرضية فالمسيح عبر معنا الموت لندخل معه إلى كنعان السماوية، وكان قبول المسيح للمعمودية هو قبول للموت. ونحن نموت معه في المعمودية ليدخلنا معه بقيامته وقيامتنا معه في المعمودية للأمجاد السماوية، كما كان عبور شعب إسرائيل لنهر الأردن المشقوق، إشارة لعبورنا إلى كنعان السماوية بالموت. وكان شق نهر الأردن وتوقف سريانه إشارة لأننا بالمعمودية نجتاز الموت دون أن يكون للموت سلطان علينا، بل بالموت نعبر إلى الحياة، وذلك لأن المسيح رأسنا قد خرج من الأردن رمزاً لقيامته وليقيمنا معه. وتبع معمودية المسيح وتكريسه لذاته، تكريس الآب له للعمل بحلول الروح القدس عليه فمسحه وصار اسمه المسيح أي الممسوح أي المخصص والمكرس لعمل الفداء.

الآيات (مر 4: 1 - 8): -.

"4كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. 5 وَخَرَجَ إِلَيْهِ جَمِيعُ كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ وَأَهْلُ أُورُشَلِيمَ وَاعْتَمَدُوا جَمِيعُهُمْ مِنْهُ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ. 6 وَكَانَ يُوحَنَّا يَلْبَسُ وَبَرَ الإِبِلِ، وَمِنْطَقَةً مِنْ جِلْدٍ عَلَى حَقْوَيْهِ، وَيَأْكُلُ جَرَادًا وَعَسَلاً بَرِّيًّا. 7 وَكَانَ يَكْرِزُ قَائِلاً: «يَأْتِي بَعْدِي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَنْحَنِيَ وَأَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ. 8أَنَا عَمَّدْتُكُمْ بِالْمَاءِ، وَأَمَّا هُوَ فَسَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ».".

قوة معمودية يوحنا لا في ذاتها وإنما في رمزها لمعمودية السيد المسيح. ويوحنا المعمدان يمثل نهاية الناموس في دفعه الإنسان إلى التمتع بالمسيح وقيادة الكل إليه (لو16: 16). إذاً فيوحنا كنهاية للعهد القديم، يقدم لنا خلاصة العهد القديم وهي جذب ودعوة العالم كله للمسيح. لاحظ قوله وخرج إليه جميع كورة اليهودية = فيوحنا بوعظه وكلماته النارية حرك مشاعر الجميع، فقدموا توبة علامتها المعمودية في الماء استعداداً لمجيء المسيح، ومن يقدم توبة حقيقية تنفتح عيناه ويعرف المسيح ويؤمن به، فيقبل المعمودية بالماء والروح ويصير من أبناء الله.

الآيات (مر 9: 1 - 11): -.

"9 وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يَسُوعُ مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ وَاعْتَمَدَ مِنْ يُوحَنَّا فِي الأُرْدُنِّ. 10 وَلِلْوَقْتِ وَهُوَ صَاعِدٌ مِنَ الْمَاءِ رَأَى السَّمَاوَاتِ قَدِ انْشَقَّتْ، وَالرُّوحَ مِثْلَ حَمَامَةٍ نَازِلاً عَلَيْهِ. 11 وَكَانَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ: «أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ».".

المسيح لم يكن محتاجاً للمعمودية فهو بلا خطية، ولكن كما كتب عنه أنه أحصى مع أثمة (إش12: 53). وكون السماء انشقت فهذا يعطي إحساس بأن الأمور السماوية صارت معروفة لنا ويمكن رؤيتها واقترب الإنسان للملائكة (يو51: 1). فالمسيح جعل الإثنين واحداً. أي السماء والأرض، (كما فهمتها كنيستنا القبطية وترتل بها في التسبحة المعروفة) فكل منهما مملكته.

ظهور الروح القدس كحمامة.

قيل عن الكنيسة أنها حمامة (نش15: 1 + 14: 2 + 1: 4 + 2: 5).

فنزول الروح القدس على شكل حمامة كان ليقيم الروح القدس كنيسة المسيح الحمامة الروحية الحاملة لسمات سيدها (نش12: 5) (بساطة / طهارة / مملوءة سلاماً....).

هذه هي سمات الكنيسة المختفية في المسيح ربنا. كنيسة روحية تحمل سماتها خلال الروح القدس الساكن فيها يهبها عمله الإلهي بلا توقف.

ظهور الروح القدس يرف فوق المياه في بداية الخليقة (تك2: 1) كان ليعطي حياة ويظهر الخليقة. وهذا ما حدث في المعمودية فالروح القدس حلَّ على المسيح ليكرس جسده ليصير هو الكنيسة، يموت على الصليب وتموت معه الكنيسة في المعمودية بعمل الروح القدس ويقوم من الأموات والكنيسة تقوم معه في المعمودية ويصوِّر الكنيسة فيه ويصير هو رأسها وهي على صورته، تموت وتقوم كل نفس في المعمودية بالماء والروح الذي يرف على سطح مياه المعمودية، وتخرج هذه النفس المعَمَّدَةَ لتصير في المسيح خليقة جديدة. ونرى في معمودية السيد المسيح.

الابن في الماء (وكنيسته مختفية فيه).

والروح القدس على شكل حمامة (ليهيئ الكنيسة الحمامة الحاملة لسمات المسيح ومختفية فيه، فهي جسده).

والآب بصوته "هذا ابْنِي الْحَبِيبُ.." يعلن بنوتنا له في ابنه ويقيم منا حجارة روحية حية تبني هيكل جسد المسيح.

انْشَقَّتْ = ربما تعني أن عين البشر هي التي انفتحت.

المعمودية: هي سر فكون أن المعمد حين ينزل إلى الماء يموت مع المسيح وحين يخرج من الماء يكون قد قام مع المسيح فهذا عمل سري ونعمة غير منظورة نحصل عليها بأشياء منظورة هي التغطيس في الماء.

يوحنا المعمدان فى إنجيل لوقا.

الآيات (لو 1: 3 - 23): -.

"1 وَفِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ مِنْ سَلْطَنَةِ طِيبَارِيُوسَ قَيْصَرَ، إِذْ كَانَ بِيلاَطُسُ الْبُنْطِيُّ وَالِيًا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَهِيرُودُسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الْجَلِيلِ، وَفِيلُبُّسُ أَخُوهُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى إِيطُورِيَّةَ وَكُورَةِ تَرَاخُونِيتِسَ، وَلِيسَانِيُوسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الأَبِلِيَّةِ، 2فِي أَيَّامِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ حَنَّانَ وَقَيَافَا، كَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ عَلَى يُوحَنَّا بْنِ زَكَرِيَّا فِي الْبَرِّيَّةِ، 3فَجَاءَ إِلَى جَمِيعِ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأُرْدُنِّ يَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا، 4كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ أقْوَالِ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: «صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً.

الآيات (لو 1: 3 - 2): -.

"1 وَفِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ مِنْ سَلْطَنَةِ طِيبَارِيُوسَ قَيْصَرَ، إِذْ كَانَ بِيلاَطُسُ الْبُنْطِيُّ وَالِيًا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَهِيرُودُسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الْجَلِيلِ، وَفِيلُبُّسُ أَخُوهُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى إِيطُورِيَّةَ وَكُورَةِ تَرَاخُونِيتِسَ، وَلِيسَانِيُوسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الأَبِلِيَّةِ، 2فِي أَيَّامِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ حَنَّانَ وَقَيَافَا، كَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ عَلَى يُوحَنَّا بْنِ زَكَرِيَّا فِي الْبَرِّيَّةِ،".

هنا نجد لوقا الطبيب الرجل العلمي يحدد الميعاد بالسنة. السَّنَةِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ مِنْ سَلْطَنَةِ طِيبَارِيُوسَ قَيْصَرَ = كان طيباريوس قيصر مشاركاً لأغسطس قيصر في حكم الإمبراطورية الرومانية لمدة سنتين قبل وفاة أغسطس. وبهذا تكون السنة الخامسة عشرة لطيباريوس هي سنة 26م أي والمسيح عمره 30 عاماً فالمسيح ولد سنة 4ق. م. وكَانَ بِيلاَطُسُ الْبُنْطِيُّ وَالِيًا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ = فبعد موت هيرودس الكبير انقسمت مملكته إلى أرباع. هِيرُودُسُ أنتيباس رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الْجَلِيلِ (هيرودس شهرته أنتيباس) وَفِيلُبُّسُ أَخُوهُ (هيرودس وفيلبس ابنا هيرودس الكبير) رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى إِيطُورِيَّةَ.. وكان بعد موت هيرودس الكبير مباشرة أن ابنه أرخيلاوس كان نصيبه اليهودية والسامرة وملك سنوات بسيطة ولشروره أقاله قيصر روما وعيَّن على اليهودية والياً رومانياً. وصارت اليهودية تتبع روما مباشرة عن طريق والٍ روماني، وكان في هذه الأيام هو بيلاطس البنطي. وَلِيسَانِيُوسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الأَبِلِيَّةِ كان ليسانيوس هذا يحكم قسماً إدارياً صغيراً بين دمشق وجبل حرمون. والإبلية مدينة واقعة شمال غرب دمشق. وإِيطُورِيَّةَ هي شرق الأردن وبحر الجليل ولأن مملكة هيرودس إنقسمت إلى أربعة أجزاء جاء من هنا لفظ رئيس ربع. فِي أَيَّامِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ حَنَّانَ وَقَيَافَا = هناك رئيس كهنة واحد بحسب الشريعة. وكان رئيس الكهنة هو حنان وأقاله وعزله الوالي الروماني وعين قيافا (زوج ابنته) مكانه إلا أن حنان استمر هو الرجل القوي يحكم من وراء اسم قيافا، لذلك ففي محاكمة المسيح، نجدهم أخذوا المسيح أولاً إلى حنان ثم ذهب إلى قيافا. ونجد لوقا في دقة يقول رئيس الكهنة بالمفرد فهذا بحسب الشريعة لا يوجد سوى رئيس كهنة واحد. كل هذه الأسماء من ملوك ورؤساء كهنة تشير: -.

إلى أهمية يوحنا المعمدان، فكل هؤلاء لتحديد بدء خدمة أعظم مواليد النساء. إلا أنه في بدء خدمة المسيح لم يحدد أي اسم فهو بدء كل شئ.

بين كل هؤلاء العظماء لم يوجد من استحق أن يكون سابقاً للمسيح سوى يوحنا.

يظهر ما وصلت إليه إسرائيل من مذلة، فلم تعد فقط خاضعة للإمبراطور الروماني بل مقسمة إلى أربعة أجزاء. ورئيسان للكهنة. وكان في هذا تحقيقاً لنبوة أبيهم يعقوب (تك10: 49). لقد زالت السلطة اليهودية.

بهذا اتضح التاريخ المدني العالمي للأحداث الخطيرة التي بها كان الخلاص للبشر.

آية (لو 3: 3): -.

"3فَجَاءَ إِلَى جَمِيعِ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأُرْدُنِّ يَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا،".

بدأ يوحنا كرازته بالتوبة متخذاً المعمودية علامة للتوبة. فإن كانت خدمة المسيح هي خدمة الزرع فخدمة يوحنا هي الحرث والفلاحة استعداداً للزرع.

الآيات (لو 4: 3 - 6): -.

"4كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ أقْوَالِ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: «صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً. 5كُلُّ وَادٍ يَمْتَلِئُ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَتَصِيرُ الْمُعْوَجَّاتُ مُسْتَقِيمَةً، وَالشِّعَابُ طُرُقًا سَهْلَةً، 6 وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلاَصَ اللهِ».".

يوحنا صوت يدوي في البرية لقبول الحق خلال السبل أو الطرق المستقيمة، إنه ينادي للنفوس اليائسة التي تشبه الوديان المنخفضة أن تمتلئ رجاءً (كان يبشر بأن المواعيد التي للأباء جاء وقت تحقيقها، هو كان كمجدد للرجاء بأن يوم الرب على الأبواب، كان هذا مدخلاً للمسيّا، ففي المسيح تحقيق لوعود الأنبياء). والنفوس المتشامخة كالجبل أن تتضع، بهذا يتمتع الكل بالخلاص. وقد يقصد بالأودية الأمم التي حطمتها الوثنية وأفقدتها كل رجاء، وبالجبال اليهود المتكبرين. والسبل المستقيمة هي دعوة لترك كل طريق معوج ملتوٍ ودعوة يوحنا لا تزال قائمة لكل نفس، فإن أعماقنا لن تبصر خلاص الله ما لم نسمع صوت يوحنا في داخلنا يملأ قلوبنا المنسحقة بالرجاء ويحطم كل عجرفة وكبرياء ويحول مشاعرنا الداخلية عن المعوجات ويجعل شعابنا العميقة سهلة. ولما كان إنجيل لوقا موجهاً لليونان، فقد اقتبس لوقا كلمات إشعياء النبي التي تفتح أبواب الرجاء لكل الأمم = وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلاَصَ اللهِ = فالمسيح سيأتي مخلصاً لكل العالم.

تجربة المسيح.

الآيات (مر 12: 1 - 13): -.

"12 وَلِلْوَقْتِ أَخْرَجَهُ الرُّوحُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، 13 وَكَانَ هُنَاكَ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَكَانَ مَعَ الْوُحُوشِ. وَصَارَتِ الْمَلاَئِكَةُ تَخْدِمُهُ.".

تفاصيل التجربة جاءت فى أناجيل متى ولوقا.

(مت1: 4 - 11) + (لو1: 4 - 15).

نجد الإنجيليين الثلاثة الذين أوردوا قصة تجربة المسيح، أنهم يأتون بها بعد معموديته وحلول الروح القدس عليه. إذ أن حلول الروح القدس على المسيح يعني مسحه أي تكريسه لعمل الفداء وهذا يعني حتماً الدخول في صراع مع الشيطان.

وما الذي أثار الشيطان ليبدأ المواجهة مع المسيح؟

من المعروف أن الشيطان هو رئيس هذا العالم كما أسماه المسيح (يو30: 14). وهو يستخدم إغراءات وملاذ العالم في إبعاد أولاد الله عنه. الله خلق العالم بما فيه لنستعمله، ولكن إبليس حوَّل العالم إلى هدف عند الناس. والمسيح بدأ حربه ضد إبليس بأنه صام والصوم هو زهد في ملذات هذا العالم، وكأن المسيح يعلن لرئيس هذا العالم أنه لا يهتم بأسلحته وملذاته، وبهذا أثار الشيطان.

ولكن كما نفهم من أقوال السيد المسيح أن الصوم والصلاة أقوى أسلحة ضد الشيطان (مت21: 17). ولذلك فالكنيسة الأرثوذكسية تضع أصواماً كثيرة لتسلح أولادها ضد إبليس، فإن كان المسيح قد إحتاج للصوم فكم وكم أنا الخاطئ الضعيف.

نعود ونقول أن الصوم هو سلاح ضد الشيطان ولكننا نجد هنا أن الصوم أثار الشيطان ضد المسيح فحاربه، فهل نصوم ليحاربنا الشيطان؟ نقول نعم فنحن في حروبنا لسنا نحارب بقوتنا بل أن المسيح الغالب يغلب فينا (يو33: 16 + رؤ2: 6). والروح الذي فينا هو روح قوة ونصرة ضد إبليس، فلماذا الخوف من حروبه!! بل أننا إذا غلبنا إبليس برفضنا لملذات العالم وجهادنا في صلواتنا وأصوامنا نمتلئ بالروح أكثر، وهذا ما حدث مع المسيح إذ يقول الكتاب أن المسيح بعد التجربة رجع بقوة الروح إلى الجليل (لو14: 4). لذلك فالله يسمح بالتجارب الشيطانية ضدنا ولكن هذا لنغلب به، وحينما نغلب نمتلئ أكثر بالروح وبهذا يعظم إنتصارنا (رو37: 8) وهناك قصة من العهد القديم تشرح هذه الفكرة تماماً. فقد جاء يهوشافاط كملك قديس على يهوذا، فأثارت قداسته ثائرة إبليس فأهاج الأعداء ضده واجتمع عليه جيش عظيم. إذاً سمح الله بتجربة هذا الملك القديس. فماذا فعل يهوشافاط؟ نجده يصلي ويسبح ويصرخ لله، ونجد الله يتدخل ويزيل العدو من أمامه، ويعود يهوشافاط وشعبه ومعهم غنائم كثيرة، عادوا أعظم من منتصرين (2أي1: 20 - 30) (أي لم ينتصروا فقط بل عادوا ومعهم غنائم). والمسيح أتى ليفتتح ملكوت الله في صميم العالم وهذا معناه إقتحام سلطة الشيطان رئيس هذا العالم ونهب داره أولاً، داره الذي سلَّحه بأسلحة الخطية المتعددة من شهوات وملذات العالم (مت28: 12 - 29) إذن فقد لزمت المواجهة.

ولقد تقدم المسيح أعزل من سلطانه الإلهي، إذ تخلى عمداً عماَّ له ليستطيع أن يقف موقفنا ويأخذ دورنا، ففي كل ما انتصر فيه المسيح معناه أننا انتصرنا، لقد انتصرت البشرية فيه. ولنلاحظ أن المسيح بلاهوته لا قوة تقف أمامه ولا معنى أن نتكلم عن انتصاره بلاهوته على إبليس أو غيره، فقوة الله لا يفوقها قوة أخرى.

لقد أتى المسيح ليحارب الشيطان بعد أن حل عليه الروح القدس، والروح القدس هو قوة رادعة للشيطان، والمسيح أرسل لنا الروح القدس لنغلب الشيطان وندوسه، فالشيطان قوي وخداعاته قوية، لكننا بالروح القدس الذي فينا نكتشف ألاعيبه ونهزمه ونرفض عروضه الخبيثة.

ونكرر أنه علينا أن لا ننزعج إذا حاربنا الشيطان إذا زهدنا العالم وصمنا وصلينا وذهبنا للكنيسة وواظبنا عليها، فهو لا يحتمل كل هذا والله يسمح بهذه التجارب إذ نخرج منها ببركات كثيرة وغنائم عديدة، بل نمتلئ بالروح أكثر وأكثر. وهذا ما يحدث وحدث مراراً مع الرهبان والمتوحدين، إذ حينما تركوا العالم وذهبوا للبرية أثاروا الشيطان بزهدهم ورفضهم لأدوات إغراءاته وأسلحته، أي ملذات هذا العالم، فكان أن زادت حروبه ضدهم، حتى أنه كان يظهر لهم في صورة وحوش ضارية تحاربهم، ولكن لنراجع سيرة هؤلاء لنرى البركات التي حصلوا عليها، فعادوا أعظم من منتصرين.

والمسيح دخل التجربة وهو حامل البشرية فيه وممثلها بقصد مباشر، هو أن يجيز البشرية التي فيه كل تجارب الشيطان ثم يغلب الشيطان بجسده الضعيف، وبهذا فهو يحطم أسلحته وقوته لحساب الإنسان الجديد أو الخليقة الجديدة التي هو رأسها التي ستقوم به وفيه من بين الأموات.

بعد هذه التجربة ربط المسيح إبليس بعد أن هزمه، ثم بعد ذلك على الصليب جرده من كل سلطانه، ثم نزل ليهزم الشيطان في الناس ويشفيهم ويخرج الشياطين منهم إعلاناً لأنه أتي ليحرر البشرية من إبليس. المسيح بموته على الصليب كحامل لخطايانا أبطل أقوى أسلحة الشيطان أي الخطية، فالنعمة التى وهبها الله لنا أعظم وأقوى وقادرة أن تتغلب على شهوات الإنسان الخاطئة (رو6: 14 + يع4: 6). فصارت الخطية فينا ميتة أي مدانة (رو3: 8) صارت الخطية مدانة في المؤمنين إذ ماتوا مع المسيح، وجرد المسيح إبليس وتابعيه من رتبهم وسلطانهم ليوم الدينونة (كو15: 2). ولكن بقى لهم عمل يتناسب مع ضعفهم حتى إلى ذلك اليوم، فهم ما زالوا يحاربون المؤمنين ولكن في ضعف، وشرح هذه الفكرة نجده في عدة أماكن في العهد القديم:

(حز24: 30) فالله يكسر ذراعي فرعون (رمز إبليس) ولكنه لا يكسر رقبته. سيظل له رأس ولكن بلا قوة الذراعين. فإبليس مازال يستخدم رأسه في بث أفكاره المسمومة من تشكيك، وإثارة شهوات في المؤمنين، لكن لنثق أنه بلا ذراعين أي بلا قوة، الشيطان هو قوة فكرية ولكنه هو لا يستطيع أن يرغم أحد على قبول أفكاره، بل أن المؤمنين حين يصرخون لله يطردون هذه الأفكار سريعاً.

نسمع في قصة فرعون والخروج أن جيش فرعون قد غرق في البحر الأحمر، ولكننا لم نسمع أن فرعون نفسه قد غرق. وفرعون رمز لإبليس الذي بقي بعد معركة الصليب بلا قوة (بلا جيش).

المسيح كرأس للخليقة الجديدة دخل المعركة وغلب لأن آدم رأس الخليقة القديمة دخل المعركة وهُزِمَ.

بالمعمودية وحلول الروح القدس على المسيح تكرس المسيح للصليب، وهذا معنى قول السيد المسيح "هذا الذي قدسه الله الآب (كرسه أو خصصه)" (يو36: 10)، في التجارب عروض من إبليس على المسيح كما سنرى ليبتعد عن الصليب في خدمته.

ربما استخدم إبليس سلاح الأفكار ضد المسيح، فهو تارة يشككه في محبة الآب الذي تركه جائعاً ولم يحول له الحجارة إلى خبز، وتارة يثير فيه شهوة امتلاك العالم، وهذا ما يصنعه إبليس معنا. ولكن لنلاحظ أن التعرض للتجربة الفكرية ليس خطية وليس هو السقوط، بل أن انتصارنا على هذه التجارب يعقبه نصرة وبركة، لكن أن نتلذذ بالفكر فهذه هي الخطية، أن نتحاور مع إبليس، هذا هو الخطأ. لذلك قال الآباء "ليس الخطأ أن تحوم الطيور حول رؤوسنا، بل الخطأ أن تتخذ الطيور من رؤوسنا أوكاراً لها.

الله يسمح إذاً بالتجارب ويعيننا في أثنائها لنخرج مملوئين من الروح ونخرج منها أكثر قوة وصلابة وخبرة، واثقين في وعود الله، مختبرين قوته ونصرته، الله بهذا يكون كأم تعلم أولادها المشي، وكالنسر الذي يحمل أفراخه على جناحيه ويرتفع لأعلى ثم يتركهم ليتعلموا الطيران ولكنه يهبط ويصير تحتهم حتى لا يسقطوا على الأرض بل عليه.

بل نخرج من هذه التجارب أكثر تواضعاً إذ ندرك ضعفنا وندرك أيضاً قوة الله، بل ندرك أننا بالمسيح أقوى من الشيطان وأسلحته.

المسيح هو الطريق، ففيه اعتمدنا وفيه نلنا قوة الروح القدس وفيه نصوم ونزهد في العالم، وفيه نُقْتاد إلى التجارب غير هيابين وفيه نغلب ونخرج من التجارب أعظم من منتصرين.

نتعلم أيضاً من المسيح أن نستخدم كلمة الله في حروبنا للرد على إبليس وعلينا أيضاً أن نستخدم اسم يسوع، فحينما تهاجمك الأفكار أصرخ قائلاً "يا ربي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ، يا ربي يسوع المسيح أعني" فتهرب منك الأفكار. إرشم نفسك بعلامة الصليب التي يفزع منها إبليس، إستعن بالقديسين وشفاعتهم فيأتون لمعونتك.

إبليس هو المجرب ومن أسمائه أي صفاته أنه الشيطان أي المقاوم. وهو المعاند والمشتكي والمتمرد. هو خصم لا يكف عن الحرب.

كلمات السيد المسيح التي استخدمها مقتبسة من سفر التثنية (تث3: 8 + تث16: 6 + تث13: 6) بالترتيب.

ملحوظة: في طقس المعمودية نجحد الشيطان وهذا معناه أن المؤمن سيدخل في تحد مع الشيطان يرفضه ويرفض أعماله وإغراءاته. وكما أن التجربة للمسيح ارتبطت بالمعمودية هكذا نحن بالمعمودية ندخل في معركة مع إبليس العمر كله، لكنها معركة ستنتهي حتماً بانتصار أولاد الله الذين قبلوا المسيح رأساً لهم وحل عليهم الروح القدس. فالروح القدس هو الذي يقودنا بعد المعمودية.

ما ورد فى إنجيل متى عن التجربة.

الإصحاح الرابع (مت 1: 4 - 11).

الآيات (مت 1: 4 - 11): -.

"1ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ. 2فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيرًا. 3فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا». 4فَأَجَابَ وَقَالَ: «مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ». 5ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ، 6 وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ». 7قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لاَ تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ». 8ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضًا إِبْلِيسُ إِلَى جَبَل عَال جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا، 9 وَقَالَ لَهُ: «أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي». 10حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ». 11ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ.".

آية (مت 1: 4): -.

"1ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ.".

ثُمَّ = هذه الكلمة هنا بعد المعمودية تعني أن التجربة أمر طبيعي كان لزاماً على السيد أن يدخل فيه نيابة عنا، فاتحاً لنا طريق الملكوت. ولنلاحظ أن إبليس حارب السيد بعد حلول الروح عليه، فنحن أيضاً معرضين لحروب إبليس بعد كل نعمة ننالها (فهو يحسدنا).

أُصْعِدَ يَسُوعُ... مِنَ الرُّوحِ = الروح يقتاد المسيح وفق خطة إلهية ليهزم إبليس ويربطه، وتحسب إمكانياته إمكانيات البشرية بعد ذلك. والمسيح لم يقتاده الروح عنوة، بل أن المسيح كان في اشتياق لهزيمة إبليس. لكن نفهم من كلمة أصعد يسوع، أن الروح القدس يدفع الإنسانية التي في المسيح. حقاً الروح القدس والابن واحد مع الآب، ومشيئتهم واحدة، إلاّ أن هذا يعني أن الروح يحرك ويدفع الإنسانية التي في المسيح، وهذا ما يعمله الروح القدس فينا الآن فهو يحركنا ويدفعنا ويبكتنا ويتوبنا ويدفعنا دفعاً للأحضان الإلهية. ويعطينا القوة لرفض أفكار إبليس.

الْبَرِّيَّةِ = بحسب المفهوم اليهودي فالبرية هي مسكن للشياطين، فهي أماكن خربة وقبور، والمسيح ذهب بهذا للشيطان في عرينه ليحاربه.

والإنسان قبل المسيح كان كبرية خربة، حولها الروح القدس لجنة مثمرة. (الروح القدس يرمز له بالمياه). كان الإنسان مسكناً للشياطين، ميتاً كقبر، رائحته نتنة فصرنا رائحة المسيح الزكية. إذاً فالإنسان هو أرض المعركة بين المسيح وإبليس. ومن المؤكد أن الشيطان جرب المسيح كثيراً لكن الإنجيليين لم يذكروا سوى ثلاث تجارب.

آية (مت 2: 4): -.

"2فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيرًا.".

نلاحظ أن الحرب بدأت أو اشتدت حينما جاع المسيح، ومع الجوع تشتد شهوة الإنسان للطعام، هي لحظة ضعف للجسد، والشيطان متمرس في إسقاط الإنسان بعراكه مع شهوة الجسد. لقد كان جوع المسيح أو زهده وتركه للطعام ولملذات العالم هو استدراج الشيطان لمنازلته. ولقد صار الصوم والزهد سلاحاً به نهزم إبليس مع الصلاة. بالصوم ننزع من إبليس رئيس هذا العالم سلاحه الذى هو ملذات العالم، والصلاة هى سلاحنا المخيف للشيطان، إذ بالصلاة تكون لنا صلة بالله الذى يرعب الشياطين. لذلك قال الرب أن "هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم".

ولنلاحظ أن المسيح بصومه قدس أصوامنا وشجعنا عليها، كالأم التي تتذوق الدواء أمام طفلها المريض حتى يشرب منه. بدون ضبط البطن طرد آدم من الفردوس. وبضبط البطن والصوم هزم المسيح إبليس.

وكان جوع المسيح إعلاناً وتأكيداً لحقيقة ناسوته، فهو ليس خيالاً. فجسد المسيح كان جسداً كاملاً حقيقياً يجوع ويعطش ويتألم.

أَرْبَعِينَ يوماً = رقم (40) يشير لفترة ما يعقبها خير أو عقوبة فموسى صام 40يوماً ليستلم شريعة العهد القديم، والطوفان كان 40 يوماً. وإسرائيل جُرِّب في سيناء 40 سنة لكنهم تذمروا، أما المسيح فذهب بإرادته ليجوع ويجرب ولم يتذمر. وهذه الأربعين يوماً تشير لمدة غربتنا على الأرض، إن قضيناها في زهد وأصوام وبلا تذمر نذهب للسماء.

الآيات (مت 3: 4 - 10): -.

"3فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا». 4فَأَجَابَ وَقَالَ: «مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ». 5ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ، 6 وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ». 7قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لاَ تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ». 8ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضًا إِبْلِيسُ إِلَى جَبَل عَال جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا، 9 وَقَالَ لَهُ: «أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي». 10حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ».".

لخص معلمنا القديس يوحنا في رسالته الأولى الخطايا التي في العالم في ثلاث فئات هي شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة (1يو16: 2) وهي بعينها نفس الثلاث التجارب التي قام بها إبليس ضد آدم الأول وضد المسيح آدم الأخير.

والسيد المسيح قهر الشيطان بعدم إبلاغه مراده واحتقاره لوسائل الإغراء التي اتبعها معه. ولاحظ أن المسيح يستخدم سلاح كلمة الله بقوله مكتوب. فالكلمة المقدسة هي سيف ذو حدين وهي سيف الروح (أف17: 6 + عب12: 4).

التجربة الأولى: تجربة شهوة البطن (الخبز) آيات (3 - 4).

ماذا يقصد إبليس بهذه التجربة؟

هو يشكك المسيح في محبة الآب، فهو يقصد أن يقول، إن كان الآب أي الله هو أبوك حقاً، وهو إله خير محب، فلماذا يتركك جائعاً. إذاً فليحول لك الحجارة إلى خبز. والمقصود من التشكيك هو تخريب العلاقة مع الله. وهذا ما يصنعه إبليس مع كل منا، فهو يأتي ليهمس في أذن من له مشكلة أو مصاب بمرض "أطلب من الله إن كان يحبك أن يصنع معك معجزة ويشفيك، أو يحل لك المشكلة. وهذا أسلوب يتبعه معنا فى حالات ضعفنا نتيجة تجربة أو مرورنا بأى ضيقة (فنجده هنا يحارب المسيح إذ وجده جائعاً). وإذا لم تحل المشكلة يأتي إبليس ليقول لك الله لا يحبك فهو يشفي كل الناس إلا أنت وهذا معنى تخريب العلاقة مع الله وكان رد المسيح لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ. وهذا يعني ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل إن أراد الله لي الحياة حتى بدون خبز فسأحيا. وعلينا أن نستخدم نفس الرد على إبليس" إن حاول أن يشككنا في محبة الله قائلين "ليس بحل المشكلة أو بالشفاء من المرض وحده يحيا الإنسان، بل بإرادة الله. ونتعلم من رد المسيح:

أن لا نطيع إبليس فيما يقترحه علينا.

أن لا نطلب ونلتمس المعجزات في أمورنا ومطالبنا. واثقين فيما يختاره الله لنا.

الجسد يطعم بالخبز ولكن لا ننسى أن لنا روحاً تطعم بكلمة الله. فالجسد المأخوذ من التراب يتغذي على ما تخرجه الأرض، أما الروح لأنها على صورة الله فهي تتغذى بكلمة الله. ومن لا يتغذى بكلمة الله هو ميت روحياً. لقد أراد إبليس أن يجذب المسيح للإهتمام بالماديات فحوَّل المسيح الكلام إلى الروحيات.

الشيطان رأي ولادة المسيح المعجزية وسمع الآب السماوي يشهد عن المسيح قائلاً "هذا هو ابني الحبيب" وهو يريد أن يتأكد من شخص المسيح فيقول له إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فهو تشكك فيه إذ رآه جائعاً.

إن كان المسيح هو ابن الله فليستخدم لاهوته لعمل معجزة، أو يطلب من أبيه عمل المعجزة، لكن المسيح أثبت هنا أنه لا يريد هذا لنفسه، لأن إرادته كإرادة أبيه أي خلاص النفوس، هو أتى لأجل هذا، وليس لعمل معجزات تفيده هو شخصياً. ولاحظ أن المسيح يُشبع الجموع بمعجزة ولا يعمل معجزة لأجل نفسه وهو جائع. فالمسيح لا يريد أن ينحصر في ذاته بل هو يسلم بكل ما يريده الآب، هو لا يريد أن يستخدم مشيئته بعيداً عن مشيئة الله ليكمل شهوة جسده. وبهذا انتزع سلاح الشيطان الذي يقوم على استخدام مشيئة الإنسان بعيداً عن مشيئة الله (يو38: 6).

وكانت التجربة الأولى هي تجربة الخبز، ولكن لنلاحظ أن النفس الشبعانة تدوس العسل، أي أن عدو الخير لن يجد له مكاناً داخلنا ما دامت نفوسنا شبعانة بالله.

آدم غلبه إبليس إذ أكل والمسيح هزم إبليس إذ امتنع عن الأكل.

التجربة الثانية: تجربة جناح الهيكل آيات (5 - 7):

كان رد المسيح على الشيطان في التجربة الأولى أنه بكلمة الله يحيا الإنسان أي أن المسيح استخدم كلمة الله. وهنا نجد أن الشيطان يتقدم بمشروعه الثاني القائم على الاعتماد على كلمة الله. هو يستخدم كلمة الله بطريقة مضللة ويجعلها أساساً للتجربة، وكان رد المسيح أيضاً بكلمة من كلام الله. ففي كلام الله كل الكفاية للرد على تشكيك إبليس ومحاولاته.

ما هو هدف إبليس من هذه التجربة؟

إما يموت المسيح فَيُسَّرْ إبليس بموته، أو على الأقل يتألم.

أو يفعلها المسيح وينجو فعلاً فيقع في الإفتخار والكبرياء. ولاحظ أن المسيح لو فعل هذا وقت احتشاد الجماهير لآمن الجميع به بسبب هذه المعجزة الخارقة ولكن طريق المسيح هو طريق الصليب وليس هذه الأساليب الصبيانية التليفزيونية. وعموما فالشيطان يريد أن يتأكد هل هذا هو إبن الله، وإن كان هو فليبعده عن الصليب عن طريق عمل المعجزات والخوارق مثل هذا العرض الذى يعرضه عليه بإلقاء نفسه. وهذا ما سوف يعمله الشيطان مع ضد المسيح فى الأيام الأخيرة إذ يزوده بالعجائب (رؤ13).

أو أن المسيح لا يجيب خوفاً من الموت فيعيره إبليس بأنه غير قادر.

إبليس يقنع المسيح باستخدام حقه كابن لله بطريقة فيها تهور، طريقة خاطئة وفيها تجربة للآب ولكن محبة الآب لنا لا تحتاج لإثبات بهذه الأساليب فهو يحفظنا في كل طرقنا الصالحة، ولا داعي أن نضعه موضع الامتحان.

قول إبليس اطْرَحْ نَفْسَكَ يعبر عن شهوته لسقوط كل إنسان.

لاحظ أن إبليس يحارب المسيح في المدينة المقدسة وعلى جناح الهيكل أي في الأماكن المقدسة، والشيطان لا يكف عن أن يحاربنا حتى في أقدس الأماكن.

قد تكون حرب الشيطان هنا ذهنية فقط أي هو يغري المسيح بأن يذهب ويفعل هذا ليصير الكارز المشهور بالأعاجيب وهذا هو تعظم المعيشة أما المسيح فاختار طريق الصليب.

الشيطان استخدم آيات من (مز91) ولكنه لم يكملها، فالباقي ليس في مصلحته، إذ أن بقية الآيات تقول "تطأ الأفعي".. كناية عن إبليس.

ونرى في رد السيد المسيح.

[1] لم يسخط ولم يثور ولم يهتاج ضد إبليس بل يرد في ثقة وهدوء.

[2] الله يحفظنا من التجارب التي أتعرض لها وليس التي أصنعها بنفسي حتى أجرب محبته. وعلينا أن نثق في محبة الله دون طلب إثبات.

[3] المسيح اختار طريق الصليب ورفض طريق استعراض إمكانياته بطلب ملائكة تحفظه. وعلينا أن نختار طريق الألم واحتمال الألم دون أن نطلب معجزات تسهل لنا الطريق، أو بقصد المباهاة والمجد الباطل.

التجربة الثالثة: شهوة العيون آيات (8 - 10):

الشيطان هو رئيس هذا العالم، وهو يغوي المؤمنين بملذات وأمجاد هذا العالم الباطلة التي يملكها ويتحكم فيها والثمن هو للأسف السجود له أي التبعية الكاملة له التي تصل لحد عبادته. الشيطان يطبق المثل العامي "حسنة وأنا سيدك". وكون أن الرب يسميه رئيس هذا العالم (يو14: 30) فهذا يعنى أنه قادر أن يعطى من يخضع له كل الملذات الخاطئة.

وقد تكون التجربة هنا هي مجرد تجربة ذهنية فكرية في داخل العقل أي أن الشيطان يُصَوِّر للمسيح كل مباهج الدنيا وأنه قادر أن يعطيه ملك كل العالم، أي يسهل له تكوين مملكة من العالم كله دون الحاجة للصليب وكان هذا هو طلب اليهود.

هذه التجربة هي تجربة كل يوم للمؤمنين، أن يدخلوا من الباب الواسع لذلك ينبهنا الكتاب "لا تحبوا العالم.." ولاحظ أن إبليس "كذاب وأبو الكذاب" (يو44: 8) فهو يغوي المؤمنين بعالم فانٍ زائل.

ونجد المسيح هنا ينتهر إبليس وهذا يعلمنا أن لا نساوم الشيطان بل ننتهره صارخين "كيف نفعل هذا الشر أمام الله". نحن بالمسيح الذي فينا قادرين أن ننتهر الشيطان قائلين له اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ هذا معنى أن المسيح غلب ويغلب فينا، أنه أعطانا فيه هذا السلطان. والأفضل أن نقول حين نحارب "يا ربي يسوع المسيح أبعد الشيطان عني" فأنا لا سلطان لي على الشيطان مثل المسيح، لكن باسم المسيح نطرده.

خداع إبليس هنا خطير إذ يوهمنا أنه لا داعي للصليب أو للألم، بل يكفي الخضوع له أو السجود له، وهو سيعطينا الكثير، لكن على أولاد الله أن يرفضوا هذا الفكر وينتهروه، راضين بالصليب.

بعد أن هُزِمَ إبليس في التجارب الثلاث اتضح أن المسيح قد حطم سلاحه. وهذا ما يعنيه بأنه ربطه، إذ أن ربطه هو نتيجة حتمية لتحطيم سلاحه الكامل الذي اعتمد عليه وهو إغراءات العالم (التي رفضها السيد) وسلاح المراوغة والخداع لاسقاط الإنسان بعيداً عن الله ووصاياه (وهذه استخدم السيد ضدها سلاح كلمة الله).

والخطوة التالية للسيد هي نهب أمتعته (مت29: 12). وهذه تمت بخدمة المسيح وعمله طيلة ثلاثة سنوات ونصف، كان فيها يجذب النفوس لله ويحررها من سلطة إبليس ليؤسس ملكوت الله إذ كنا قبل المسيح أمتعة إبليس (كان يسكن فينا سكنى المتاع).

والمسيح هزم إبليس في التجارب الثلاث فلم يعد له قدرة أن يواجه المسيح. ثم نزل المسيح للعالم ليخرجه من البشر الذين كان قد استولى عليهم فبعد أن أكمل ردع الشيطان على الجبل نزل ليردعه في الناس. المسيح دائماً يخرج غالباً ولكي يغلب.

آية (مت 11: 4): -.

"11ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ.".

الملائكة تخدم هذا المنتصر على إبليس، ربما هي أتت له بطعام والأغلب أن الملائكة جاءت تسبحه. فالملائكة تفرح بكل نصرة وتأتي لتخدم لتثبت كرامة المنتصر. وإذا غلبت إبليس تأتي الملائكة لتمدحك وتخدمك كحراس لك.

الأعداد 12-13

الآيات (مر 12: 1 - 13): -

"12 وَلِلْوَقْتِ أَخْرَجَهُ الرُّوحُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، 13 وَكَانَ هُنَاكَ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَكَانَ مَعَ الْوُحُوشِ. وَصَارَتِ الْمَلاَئِكَةُ تَخْدِمُهُ.".

وَلِلْوَقْتِ = أي بعد العماد مباشرة، فالشيطان يحقد علينا ويحسدنا عقب كل بركة ننالها أَخْرَجَهُ الرُّوحُ = الروح القدس أخرجه ليغلب لحسابنا. إِلَى الْبَرِّيَّةِ.. وَكَانَ مَعَ الْوُحُوشِ = البرية القفرة الموحشة الخربة مكان الشياطين، وبها وحوش تخيف، ويخيف بها إبليس الإنسان كما كان يظهر للأنبا أنطونيوس على شكل وحوش مخيفة. والمسيح انتصر على كل ذلك حتى ننتصر نحن فيه. نحن نحمل في جعبتنا إمكانيات إلهية الآن بها نغلب. من يقوده روح الرب وهو مختفي في الرأس المسيح بلا شك تكون معركته رابحة.

وإذا كان المسيح قد عاش 40يوماً وسط الوحوش فهو بهذا قد أعاد السلطان للإنسان على الحيوان، ولذلك فالوحوش لا سلطان لها الآن على أولاد الله وهذا ما حدث مع مارمرقس والأنبا برسوم العريان. ونلاحظ أن مارمرقس هو الذي أشار لموضوع الوحوش في البرية لأن هدف مارمرقس في إنجيله إظهار قوة المسيح وسلطانه أمام الرومان الذين يحترمون القوة. ومارمرقس لم يشر لأن المسيح انتصر على الوحوش فهذا في رأيه أمر مفروغ منه ولكنه يضع اللمسة القوية أنه كان مع الوحوش. والملائكة التي صارت تخدمه صارت أيضاً تسند كل الخليقة بحراستها لنا وصلواتها عنا ومعنا.

وربما اختصر مارمرقس قصة التجربة في إنجيله لأن تجربة إبليس للمسيح كانت أصعب بدرجة تفوق خيالنا، وهذا ما لمَّح له القديس لوقا أن إبليس جربه بكل تجربة. أما متى ولوقا فأوردوا على قدر ما نحتمل من القصة.

آية (لو 1: 4): -.

"1أَمَّا يَسُوعُ فَرَجَعَ مِنَ الأُرْدُنِّ مُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَكَانَ يُقْتَادُ بِالرُّوحِ فِي الْبَرِّيَّةِ.".

أَمَّا يَسُوعُ = هذا اسمه الإنساني، فهو جرب كإنسان، لذلك فيوحنا الذي تكلم عن لاهوت المسيح لم يورد هذه التجربة، وبهذا فهو صار مُجَرَّب مثلنا. فلو دخل التجربة بلاهوته لما كان قد جرب مثلنا.

هذه الآية نرى فيها ارتباط المعمودية بالتجربة.

آية (لو 2: 4): -.

"2أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنْ إِبْلِيسَ. وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. وَلَمَّا تَمَّتْ جَاعَ أَخِيرًا.".

2أَرْبَعِينَ يَوْمًا = موسى يصوم 40يوماً ليتسلم شريعة العهد القديم كان فيها يحرم جسده لترتفع الروح حُرَّة من مشاغبات الجسد فيأخذ من الله الشريعة. وهكذا صام المسيح 40يوماً قبل البدء في خدمة العهد الجديد.

آية (لو13: 4): -.

"13 وَلَمَّا أَكْمَلَ إِبْلِيسُ كُلَّ تَجْرِبَةٍ فَارَقَهُ إِلَى حِينٍ.".

فَارَقَهُ إِلَى حِينٍ = فالشيطان لا يكف عن حروبه ضدنا، فإن لم نستجب لإغراءاته أشهر ضدنا اضطهاداً، وهذا ما فعله بالمسيح إذ أثار ضده الفريسيين وغيرهم، ثم انتهى بمؤامرة الصليب. وربما أن القديس لوقا أراد أن ينوه عن هذا إذ هو نقل التجربة الثانية، أي تجربة جناح الهيكل في أورشليم بحسب متى لتصبح في لوقا التجربة الثالثة، لأنه يريد أن يقول أن هزيمة إبليس هنا الأخيرة في أورشليم كانت تمهيداً لهزيمته النهائية على الصليب في أورشليم أيضاً.

كُلَّ تَجْرِبَةٍ = ربما كانت هناك تجارب أخرى لم يكشف عنها المسيح فهي فوق إدراكنا، بل حتى القديسين حاربهم إبليس بحروب فوق إدراكنا. ونشكر الله أن الله لا يدعنا نجرب فوق ما نحتمل.

آية (لو 14: 4): -.

"14 وَرَجَعَ يَسُوعُ بِقُوَّةِ الرُّوحِ إِلَى الْجَلِيلِ، وَخَرَجَ خَبَرٌ عَنْهُ فِي جَمِيعِ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ.".

رجوع يسوع بقوة الروح بعد هزيمته لإبليس وبعد صومه فيه درس لنا بأهمية الصيام وعدم الخوف من حروب إبليس. وهذا القول لا يعني أن يسوع لم يكن قوياً ثم صار قوياً، بل أن البشرية التي فيه صارت تحمل قوة جديدة هي لحسابي ولحسابك، هي رصيد نتمتع نحن به. وظهرت هذه القوة في السلطان الذي كان المسيح يعلم به ويصنع به المعجزات.

المسيح يبدأ فى إختيار تلاميذه.

الأعداد 14-20

الآيات (مر14: 1 - 20): -

"14 وَبَعْدَمَا أُسْلِمَ يُوحَنَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى الْجَلِيلِ يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللهِ 15 وَيَقُولُ: «قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ». 16 وَفِيمَا هُوَ يَمْشِي عِنْدَ بَحْرِ الْجَلِيلِ أَبْصَرَ سِمْعَانَ وَأَنْدَرَاوُسَ أَخَاهُ يُلْقِيَانِ شَبَكَةً فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّهُمَا كَانَا صَيَّادَيْنِ. 17فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ: «هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا تَصِيرَانِ صَيَّادَيِ النَّاسِ». 18فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا شِبَاكَهُمَا وَتَبِعَاهُ. 19ثُمَّ اجْتَازَ مِنْ هُنَاكَ قَلِيلاً فَرَأَى يَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَاهُ، وَهُمَا فِي السَّفِينَةِ يُصْلِحَانِ الشِّبَاكَ. 20فَدَعَاهُمَا لِلْوَقْتِ. فَتَرَكَا أَبَاهُمَا زَبْدِي فِي السَّفِينَةِ مَعَ الأَجْرَى وَذَهَبَا وَرَاءَهُ.".

المسيح لا يستخدم قوى سحرية لجذب الناس، بل أننا نفهم أنه قضى يوماً تقريباً فى إقناع يوحنا وأندراوس بعد أن شهد المعمدان لهما بأن يسوع هو المسيا (يو 35: 1 - 42). ويوحنا وأندراوس أقنعا أخويهما بطرس ويعقوب فأتيا للمسيح فأقنعهم أولاً (إر 7: 20) وبعد هذا دعاهم هنا. فطريقة الله هى الإقناع وليس الإجبار. والمسيح إختار صيادين بسطاء ليحولهم إلى صيادين للناس، ولم يختار حكماء وفلاسفة، حتى تظهر قوته الإلهية العاملة فيهم (1كو 17: 1 - 31).

بحر الجليل = هو بحيرة عذبة طولها 13 ميلاً، وهى شرق مقاطعة الجليل يصب فيها نهر الأردن الآتى من الشمال ثم تذهب المياه بعد ذلك إلى البحر الميت. وتسمى بحيرة جنيسارت وأيضاً بحر طبرية، وهذا الإسم أطلقوه عليها إكراماً لطيباريوس قيصر.

ملحوظة: إختار الله فى العهد القديم رعاة غنم ليرعوا شعبه كموسى وداود وغيرهم، لأن فى العهد القديم، كان الشعب اليهودى هو شعب الله، والله هو راعيهم الأعظم، وأرسل لهم الله رعاة يرعون شعبه الذى كان داخل حظيرة الإيمان فعلاً، أمّا فى العهد الجديد فإختار الله صيادين ليصطادوا الأمم الذين كانوا غارقين فى بحر هذا العالم (لو5: 10). والمسيح إختار صيادين بسطاء من الجليل المحتقر ليعمل بهم، فيكون المجد لله لا للبشر.

تركا الشباك. تركا السفينة = تركا مصدر رزقهم وأطاعا. لذلك كانوا رسلاً جبابرة. والسامرية تركت جرتها، وإبراهيم ترك أور. وماذا تركنا نحن؟

وفى آية 15: - قد كمل الزمان = فالنبوات حددت زمان مجئ المسيح (دا 9).

بحر الجليل = هو بحيرة طبرية، ويسمى أيضا بحيرة جنيسارت.

سلطان الرب على الشياطين.

ؤ.

"21ثُمَّ دَخَلُوا كَفْرَنَاحُومَ، وَلِلْوَقْتِ دَخَلَ الْمَجْمَعَ فِي السَّبْتِ وَصَارَ يُعَلِّمُ. 22فَبُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ. 23 وَكَانَ فِي مَجْمَعِهِمْ رَجُلٌ بِهِ رُوحٌ نَجِسٌ، فَصَرَخَ 24قَائِلاً: «آهِ! مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ؟ أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا! أَنَا أَعْرِفُك مَنْ أَنْتَ: قُدُّوسُ اللهِ! » 25فَانْتَهَرَهُ يَسُوعُ قَائِلاً: «اخْرَسْ! وَاخْرُجْ مِنْهُ! » 26فَصَرَعَهُ الرُّوحُ النَّجِسُ وَصَاحَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَخَرَجَ مِنْهُ. 27فَتَحَيَّرُوا كُلُّهُمْ، حَتَّى سَأَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَائِلِينَ: «مَا هذَا؟ مَا هُوَ هذَا التَّعْلِيمُ الْجَدِيدُ؟ لأَنَّهُ بِسُلْطَانٍ يَأْمُرُ حَتَّى الأَرْوَاحَ النَّجِسَةَ فَتُطِيعُهُ! » 28فَخَرَجَ خَبَرُهُ لِلْوَقْتِ فِي كُلِّ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالْجَلِيلِ.".

الآيات (لو31: 4 - 37): -.

"31 وَانْحَدَرَ إِلَى كَفْرِنَاحُومَ، مَدِينَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ، وَكَانَ يُعَلِّمُهُمْ فِي السُّبُوتِ. 32فَبُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ، لأَنَّ كَلاَمَهُ كَانَ بِسُلْطَانٍ. 33 وَكَانَ فِي الْمَجْمَعِ رَجُلٌ بِهِ رُوحُ شَيْطَانٍ نَجِسٍ، فَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ 34قِائِلاً: «آهِ! مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ؟ أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا! أَنَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ: قُدُّوسُ اللهِ! ». 35فَانْتَهَرَهُ يَسُوعُ قَائِلاً: «اخْرَسْ! وَاخْرُجْ مِنْهُ! ». فَصَرَعَهُ الشَّيْطَانُ فِي الْوَسْطِ وَخَرَجَ مِنْهُ وَلَمْ يَضُرَّهُ شَيْئًا. 36فَوَقَعَتْ دَهْشَةٌ عَلَى الْجَمِيعِ، وَكَانُوا يُخَاطِبُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَائِلِينَ: «مَا هذِهِ الْكَلِمَةُ؟ لأَنَّهُ بِسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ يَأْمُرُ الأَرْوَاحَ النَّجِسَةَ فَتَخْرُجُ! ». 37 وَخَرَجَ صِيتٌ عَنْهُ إِلَى كُلِّ مَوْضِعٍ فِي الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ.".

كفرناحوم = كفر النياح أو الراحة وجغرافياً فهي أوطى من الناصرة لذلك يقول إنحدر.

فى السبت = يوم الراحة فالقديس مرقس بدأ معجزات السيد المسيح بهذه المعجزة، وهو يكتب للأمم ليعلن لهم أن السيد المسيح أتى ليعطي الراحة للمتعبين إذ يحررهم من الأرواح النجسة التي سيطرت عليهم زماناً وأتعبتهم بل استعبدتهم. الرومان كانوا أقوياء عسكريا ولكن لا حول لهم ولا قوة أمام الأرواح والقوى الخفية. ومرقس هنا يبرز سلطان المسيح عليها. وكأن مرقس يقول أيهما أجدر بالخضوع، المسيح أم ملككم بقوته العسكرية. كمن له سلطان وليس كالكتبة = كان الكتبة يقولون، الناموس يقول.. أو المعلم فلان يقول، أما السيد المسيح فكان يقول.. أما أنا فأقول كذا وكذا.. والكتبة كانت كلماتهم جوفاء بلا قوة، أمّا المسيح فكلماته كلها قوة وجذابة للنفس.

آه ما لنا ولك يا يسوع الناصري.. أنا أعرفك = الشياطين عرفت المسيح ولكن ليس كمعرفة الملائكة والقديسين الذين يجدون في معرفته فرحاً وحياة وشركة أبدية (يو3: 17). أمّا الشياطين فتعرفه دياناً لها يأتي ليهلكها، وترتعب منه. من يفرح بالمسيح هو من إمتلأ قلبه محبة، أمّا هؤلاء الشياطين فمملوئين كراهية وحقد. هم يعرفون الله لكنها معرفة بلا حب ولا رجاء، يؤمنون ويقشعرون (يع19: 2) وهم يحاولون إبعاد البشر عن الله. والله لا يقبل شهادة هؤلاء، فهم إذا شهدوا يكون هذا بنية خبيثة، فمثلاً هم أقنعوا الفريسيين أن السيد يخرج الشياطين بواسطة بعلزبول، وربما يريدون بشهادتهم إثبات هذه العلاقة. المهم أن المسيح في غنى عن شهادة الأشرار عنه. والسيد المسيح كان لا يريد في البداية الإعلان عن أنه المسيا المنتظر حتى لا تحدث ثورة سياسية إذ يظن الشعب أنه جاء ليحررهم من الرومان. والمسيح رفض شهادة الشياطين. فشهادتهم له هي نوع من الخداع. فهم يريدون إثبات أن لهم علاقة بالمسيح، واليوم يشهدون له وغداً يهاجمونه فيضللون السامعين.

ولاحظ أن الشيطان لم يحتمل وجود المسيح الذي كان يعلم بسلطان فبدأ يهتاج. ولكن الشيطان مهما كانت قوته فهو بلا حول ولا قوة أمام سلطان رب المجد. ولاحظ أنهم عرفوا كثيراً عن المسيح، لكن الشياطين لم يدركوا أنه الله المتجسد، ولكن الشيطان فزع منه كما تفزع الظلمة من النور. ولاحظ أن السيد المسيح قبل أن يخرج الشياطين من الناس سبق وهزم الشياطين في البرية. فهو إن لم يكن قد هزمه، ما كان يقدر أن يكون له هذا السلطان. فهو هزمه لحسابنا ليحررنا من سلطانه.

مَا هذِهِ الْكَلِمَةُ؟ لأَنَّهُ بِسُلْطَانٍ = يقصدون بقولهم الكلمة أن المسيح ليس كمن لهم موهبة إخراج الشياطين بالصلاة والتضرعات، لكن هم وجدوا المسيح بكلمة واحدة يأمر الشيطان فيخرج فوراً. كلام المسيح ووصاياه يصاحبه قوة للتنفيذ. قوة شعر بها كل من كان يسمع المسيح، وقوة لم يتمكن الشيطان أن يصمد أمامها فأطاع وخرج فورا.

أنا أعرفك = الشيطان يعرف الله جيداً، عرفه وهو ملاك وإختبر محبته. وعرفه بعد سقوطه وأدرك عدله. وهو يعرف قوة الله وسلطانه. وحين رأى قوة المسيح وسلطانه أدرك أن هذه القوة قد إختبرها وعرفها من قبل، وأنها فى الله فقط، فبدأ يشك أن المسيح هو الله.

شفاء حماة سمعان.

الأعداد 21-34

الآيات (مر 21: 1 – 34): -

"29 وَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْمَجْمَعِ جَاءُوا لِلْوَقْتِ إِلَى بَيْتِ سِمْعَانَ وَأَنْدَرَاوُسَ مَعَ يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا، 30 وَكَانَتْ حَمَاةُ سِمْعَانَ مُضْطَجِعَةً مَحْمُومَةً، فَلِلْوَقْتِ أَخْبَرُوهُ عَنْهَا. 31فَتَقَدَّمَ وَأَقَامَهَا مَاسِكًا بِيَدِهَا، فَتَرَكَتْهَا الْحُمَّى حَالاً وَصَارَتْ تَخْدِمُهُمْ. 32 وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ، إِذْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَدَّمُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ السُّقَمَاءِ وَالْمَجَانِينَ. 33 وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا مُجْتَمِعَةً عَلَى الْبَابِ. 34فَشَفَى كَثِيرِينَ كَانُوا مَرْضَى بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَخْرَجَ شَيَاطِينَ كَثِيرَةً، وَلَمْ يَدَعِ الشَّيَاطِينَ يَتَكَلَّمُونَ لأَنَّهُمْ عَرَفُوهُ.".

الآيات (لو 38: 4 –41): -.

"38 وَلَمَّا قَامَ مِنَ الْمَجْمَعِ دَخَلَ بَيْتَ سِمْعَانَ. وَكَانَتْ حَمَاةُ سِمْعَانَ قَدْ أَخَذَتْهَا حُمَّى شَدِيدَةٌ. فَسَأَلُوهُ مِنْ أَجْلِهَا. 39فَوَقَفَ فَوْقَهَا وَانْتَهَرَ الْحُمَّى فَتَرَكَتْهَا! وَفِي الْحَالِ قَامَتْ وَصَارَتْ تَخْدُمُهُمْ. 40 وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، جَمِيعُ الَّذِينَ كَانَ عِنْدَهُمْ سُقَمَاءُ بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدَّمُوهُمْ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَشَفَاهُمْ. 41 وَكَانَتْ شَيَاطِينُ أَيْضًا تَخْرُجُ مِنْ كَثِيرِينَ وَهِيَ تَصْرُخُ وَتَقُولُ: «أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ! » فَانْتَهَرَهُمْ وَلَمْ يَدَعْهُمْ يَتَكَلَّمُونَ، لأَنَّهُمْ عَرَفُوهُ أَنَّهُ الْمَسِيحُ.".

هنا نرى السيد المسيح يشفى حماة بطرس، فالسيد يهتم ببيت خادمه أو تلميذه، فعلى الخادم أن يقدم عمره كله للمسيح ولا يفكر فى أموره الخاصة، والمسيح يتكفل بإحتياجات بيته. وكلما خدمنا المسيح يخدمنا المسيح. فقامت وخدمتهم = دليل الشفاء الفورى والكامل (لم توجد فترة نقاهة). ونرى هنا أن دليل الشفاء الروحي هو خدمة الآخرين، حينما حل المسيح في بطن العذراء ذهبت لتخدم أليصابات. فلمس يدها = المسيح كان يمكن أن يشفى بمجرد كلمة منه. ولكن كان يلمس فى بعض الأحيان المرضى ليعلمنا أن جسده المقدس كان به قوة الكلمة الإلهى وهذا لنفهم أنه إذا إتحدنا بجسده المقدس يمكن للنفس أن تُشفى من أمراضها وتقوى على هجمات الشياطين.

وهذه المعجزة جذبت كثيرين فأتوا، والسيد شفى كثيرين. وربما من لم يحصل على الشفاء، كان هذا بسبب عدم إيمانه. والشياطين إذ رأت قدرته عرفته فلم يدعهم ينطقون فهو يرفض شهادتهم. ولوقا وحده إذ هو طبيب يصف الحمى بأنها شديدة.

ونلاحظ أن بطرس لم يسأل السيد بنفسه، إنما الموجودين سألوه، وهذه الصورة محببة لدى السيد وهى تطبيق لقول يعقوب صلوا بعضكم لأجل بعض. هى صورة حية لشفاعة الأعضاء بعضها لبعض أمام رأسنا يسوع.

لماذا أسكت السيد الشياطين أن تنطق بأنه إبن الله؟ لقد تصور اليهود أن المسيح أتى كمخلص من الرومان، فهموا بعض الآيات كما فى المزامير مثل تحطمهم بقضيب من.

حديد (مز 9: 2 + مز 6: 79) بطريقة خاطئة، لذلك حرص السيد أن لا ينتشر خبر أنه المسيا اولاً، حتى لايفهم الشعب أنه آتٍ ليحارب الرومان، لذلك كان يوصى تلاميذه أن لا يقولوا إنه المسيا، وأيضاً المرضى وكل الذين أخرج منهم شياطين أمرهم أن لا يقولوا لأحد، وهنا ينتهر الشياطين حتى لا تقول وتتكلم وتكشف هذه الحقيقة أمام الجموع لأن الجموع كان لها فهم سياسى وعسكرى لوظيفة المسيح. ولكن حينما أعلن بطرس أن المسيح هو إبن الله تهلل المسيح وطوب بطرس، ولكنه وجه تلاميذه للفهم الصحيح والحقيقى للخلاص وأن هذا سيتم بموته وصلبه وقيامته وليس بثورة سياسية أو عمل عسكرى (مت 15: 16 - 23). فالمسيح يود أن يعرف الناس حقيقته ولكن لمن له القدرة على فهم حقيقة الخلاص. وفى أواخر أيام المسيح على الأرض إبتدأ يعلن صراحة عن كونه إبن الله (مت 63: 26 - 64) ولكن نلاحظ أنه تدرج فى إعلان هذه الحقيقة بحسب حالة السامعين، فإن من لهُ سيعطى ويزاد (مت 12: 13) فبقدر ما ينمو السامع فى إستيعاب أمور وأسرار الملكوت يرتفع التعليم ويزيد وينمو ليعطى الأكثر والأعلى، فمستوى السامع فى نموه هو الذى يحدد مستوى التعليم الذى يقدمه المسيح، أما النفس الرافضة فينقطع عنها أسرار الملكوت والحياة مع الله. الله يعطينا إذاً أن نكتشف أسراره بقدر ما نكون مستعدين لذلك. السيد أيضاً إنتهر الشياطين لعلمه بأن الشيطان مخادع، فهو اليوم يشهد للمسيح وغداً يشهد ضده فيضلل الناس لذلك أسكتهم حتى لا ينطقوا بأنه إبن الله. ولنفس السبب أخرج بولس الرسول الشيطان الذى فى الجارية (أع 16: 18).

ملحوظة: - يبدو أن المسيح كان قد إعتاد أن يأتى لبيت بطرس لتناول الطعام وأنه أتى فى هذا اليوم لهذا الغرض، بدليل أن حماة بطرس قامت وأعدت الطعام وكان السيد يأخذ معهُ تلاميذه الأخصاء يوحنا ويعقوب (مر 29: 1). عموماً حماة سمعان ترمز لكل نفس أصيبت بالخطية فأقعدتها عن الحركة والخدمة فجاء المسيح ليشفيها. ونلاحظ أيضاً أن شفاء حماة سمعان كان فورياً بدون فترة نقاهة.

التبشير فى الجليل.

الأعداد 35-39

الآيات (مر35: 1 - 39): -

"35 وَفِي الصُّبْحِ بَاكِرًا جِدًّا قَامَ وَخَرَجَ وَمَضَى إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ، وَكَانَ يُصَلِّي هُنَاكَ، 36فَتَبِعَهُ سِمْعَانُ وَالَّذِينَ مَعَهُ. 37 وَلَمَّا وَجَدُوهُ قَالُوا لَهُ: «إِنَّ الْجَمِيعَ يَطْلُبُونَكَ». 38فَقَالَ لَهُمْ: «لِنَذْهَبْ إِلَى الْقُرَى الْمُجَاوِرَةِ لأَكْرِزَ هُنَاكَ أَيْضًا، لأَنِّي لِهذَا خَرَجْتُ». 39فَكَانَ يَكْرِزُ فِي مَجَامِعِهِمْ فِي كُلِّ الْجَلِيلِ وَيُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ.".

وكان يصلي = هي علاقة النور بالشمس، هي صلة الإبن بأبيه، هي المحبة المتبادلة، وإن كان المسيح يصلي فكم وكم إحتياجنا نحن للصلاة. فبدون الصلاة أي الصلة بالله فلا سلطان لنا على إبليس. ولا حماية من الله لنا بدون علاقتنا بالله. ولاحظ أنه إذ عَلِمَ بأن الجموع تطلبه ذهب ليكرز ويخرج شياطين، فهو لم يأتي لراحته بل ليريح الناس = لأني لهذا خرجت. والمسيح لم يكتفي بمدينة واحدة بل هو يريد أن يذهب للجميع = ينبغي لي أن أبشر المدن الأخر. فهو يريد أن الجميع يخلصون. فنحن نرى أن سكان كفر ناحوم حاولوا أن يمسكوه ويحتفظوا به لكنه في محبة شرح لهم أنه أتى للكل. يريد أن يحرر الكل من سلطان إبليس.

شفاء أبرص.

الأعداد 40-45

الآيات (مر 40: 1 - 45): -

"40فَأَتَى إِلَيْهِ أَبْرَصُ يَطْلُبُ إِلَيْهِ جَاثِيًا وَقَائِلاً لَهُ: «إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي» 41فَتَحَنَّنَ يَسُوعُ وَمَدَّ يَدَهُ وَلَمَسَهُ وَقَالَ لَهُ: «أُرِيدُ، فَاطْهُرْ! ». 42فَلِلْوَقْتِ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ ذَهَبَ عَنْهُ الْبَرَصُ وَطَهَرَ. 43فَانْتَهَرَهُ وَأَرْسَلَهُ لِلْوَقْتِ، 44 وَقَالَ لَهُ: «انْظُرْ، لاَ تَقُلْ لأَحَدٍ شَيْئًا، بَلِ اذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ وَقَدِّمْ عَنْ تَطْهِيرِكَ مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى، شَهَادَةً لَهُمْ». 45 وَأَمَّا هُوَ فَخَرَجَ وَابْتَدَأَ يُنَادِي كَثِيرًا وَيُذِيعُ الْخَبَرَ، حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَدِينَةً ظَاهِرًا، بَلْ كَانَ خَارِجًا فِي مَوَاضِعَ خَالِيَةٍ، وَكَانُوا يَأْتُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ.".

بدأ القديس مرقس معجزات المسيح بمعجزة إخراج روح نجس (1: 23 – 28)، فالمسيح أتى ليخلص البشرية من سلطان إبليس. ومرقس يكتب للرومان وبهذا يظهر قوة المسيح على الأرواح التى تخيف البشر. بهذه المعجزة أراد مرقس أن يقول للرومان إن ملوككم هزموا جنوداً هم بشر، أما ملكنا إبن الله فله سلطان على القوى الخفية التي أخافت كل البشر حتى ملوككم. وبعد أن تكلم مرقس عن سلطان المسيح على الأرواح النجسة إنتقل لمعجزات الشفاء وذكر كما نرى فى هذه الأيات شفاء أبرص. أما متى فإذ يكتب لليهود بدأ بمعجزة شفاء أبرص، فاليهود يعرفون أن البرص هو ضربة غضب من الله، ولا يشفيه سوى الله. فيفهمون أن المسيح هو الله.

وقول المسيح له أر نفسك للكاهن = فهذا لأن هذا الشخص كان معروفاً بأنه أبرص، وكان معزولاً لا يستطيع أن يحيا وسط المجمع ويحتاج لشهادة من الكهنة بأنه قد برأ ليعود لحياته الطبيعية. تحنن = هذه هى محبة الرب يسوع. فإنتهره = هذه أتت بعد فتحنن يسوع. فلا نفهمها بأن السيد زجره، بل نبهه لعدم العودة للخطية. نضيف لهذا أن السيد يحترم الشريعة، وهو لم يأت لينقض الناموس وهو أراد أن يُظهر للكهنة أنه قادر على شفاء البرص فيدركوا أنه المسيا فشفاء البرص هو من الله فقط.

ولقد بدأ القديس متى معجزات المسيح بهذه المعجزة، فالبرص كما قلنا رمز للخطية، والمسيح أتى لشفاء البشرية من الخطية أساساً. وكون أن القديس متى قد بدأ بهذه المعجزة فهو بهذا يريد أن يشرح لليهود معنى الخلاص وأنه ليس خلاصا من الرومان بل من الخطية التى يرمز لها البرص، لذلك كانت أولى معجزاته شفاء أبرص.

قَدَّم السيد المسيح أولاً التعاليم المحيية كما رأينا فى (مت5 - 7)، ثم هاهو يقدم الشفاء. فهدف المسيح الأساسى هو التعليم وليس شفاء الأمراض، فالتعليم هو الذى سيقدم الشفاء من مرض الخطية إذ يرينا طريق الثبات فى المسيح فنحيا فى مجد أبدى. والإنجيليون قدموا لنا بعضاً من المعجزات التى صنعها السيد ليقدموا لنا فكر الله من نحونا. بل أن السيد المسيح كان بمعجزاته يستعلن لنا محبة الله الآب. فهو حينما يشفى أبرصاً أو أعمى أو يقيم ميت فهو يريد أن يقول.. إن إرادة الآب من نحوكم هى الشفاء والبصيرة والحياة. والآب قطعاً لا يريد لنا أن نُشفى من أمراضنا الجسدية ثم نهلك أبدياً، لكن إرادة الآب من نحونا هى شفائنا روحياً وأن تكون لنا البصيرة الروحية أى أن نعاين الله وأن تكون لنا حياة أبدية (والأمراض قد تكون وسيلة يستخدمها الله للشفاء الروحى، وهذا حدث مع بولس ومع أيوب) والمسيح صنع معجزات مع اليهود ومع الأمم فهو يعلن أنه أتى لخلاص الجميع. والمسيح قطعاً إستخدم المعجزات لجذب الناس، وليعرفوا قوته فيقبلوا على سماع تعاليمه، وحتى الآن فالمعجزات التى تحدث بأسماء قديسين كثيرين هى لجذب مؤمنين كثيرين تنفعهم المعجزة فى تثبيت إيمانهم.

أبرص = البرص هو رمز للخطية (راجع كتاب اللاويين).

يطلب إليه جاثيا = هو يقدم العبادة والخضوع قبل أن يقدم مشكلته، يطلب ما لله قبل أن يطلب ما لنفسه. ولذلك تبدأ كنيستنا فى كل مناسبة صلواتها بصلاة الشكر.

إن أردت تقدر = هذه صلاة إيمان بقدرة المسيح على الشفاء أريد فأطهر = المسيح يعلن سلطانه على البرص وإرادته الطيبة نحو خليقته. وصاحب كلمات السيد وإرادته عمله مد يسوع يده ولمسه ونلاحظ أن من كان يتلامس مع أبرص يتنجس ويحتاج إلى أن يتطهر، لكن السيد الرب القدوس لم يكن ممكناً للبرص أن ينجسه، بل البرص يهرب من أمامه "فالنور يضئ في الظلمة، والظلمة لم تدركه" (يو5: 1). وهو يدخل إلى أى نفس مهما كانت نجاستها ليطهرها. والمريض كان يحتاج إلى لمسة يد الرب ليدرك حنانه عليه، فهو لم يكن محتاجاً فقط للشفاء الجسدى، بل إلى لمسة حنان ليدرك محبة الرب له.

أنظر أن لا تقول لأحد = كان اليهود فى انتظار ظهور المسيا ليخلصهم من حكم الرومان، وبهذا القول الذى إستعمله السيد مراراً كان يتجنب أن يأخذوه عنوة ليجعلوه ملكاً فتحدث ثورة وسط الشعب تثير السلطات، والمسيح لم يأت ليكون ملكاً أرضياً. بل أن هذا سيثير الكهنة والكتبة فيخططون لموته قبل أن ينهى تعليمه. والسيد يهتم بالتعليم أكثر من المعجزات.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

الأصحاح الثاني - تفسير إنجيل مرقس - القمص أنطونيوس فكري

تفاسير إنجيل مرقس الأصحاح 1
تفاسير إنجيل مرقس الأصحاح 1