الباب الثالث: فوائد مَخافة الله

الباب الثالث: فوائد مَخافة الله

  1. مخافة الله توصل إلى التوبة وتنفيذ الوصايا.

إنها تمنع من فعل الخطية قبل إرتكابها. أما إن ارتكب الإنسان الخطية، فإنها تعطيه رعباً من نتائج الخطية ومن عقوبة الله. وهكذا تقوده إلى التوبة والرجوع إلى الله...

مخافة الله إذن تحفظنا من السقوط، وإن حدث وسقطنا، تعطينا التوبة...

  1. مخافة الله هى بداية الطريق، وهى سياج للحياة الروحية حتى لا تعثر ولا تنحرف.

بها نضع الله أمامنا. ونقول مع يوسف الصديق: كيف أفعل هذا الشر العظيم، وأحطئ إلى الله (تك 39: 9). لذلك فالذى يخاف الله لا يخطئ، لأنه يخاف من الله العادل، الذى وضع مبدأ "اجرة الخطية هى موت" (رو 6: 23). كذلك يخاف الله العالم بكل شئ، الذى يقول "أنا عارف أعمالك" (رؤ 3: 15، 1). يخاف أيضاً من إنذارات الله وعقوباته. لذلك يمتنع عن الخطية، وينفذ الوصايا. وتكون مخافة الله فى قلبه حصناً يمنعه من السقوط.

  1. الذى يخاف الله، يطيع الله، أما الذى لا يطيعه، فهو شاهد على نفسه أنه لا يخاف الله...

إنه يطيع الله، ويفعل ما يوافق مشيئته الإلهية. فقد قال الرب فى سفر أرمياء النبى "ويكونون لى شعباً... وأنا أكون لهم إلهاً... أعطيهم قلباً واحداً، وطريقاً واحداً، ليخافونى فى كل الأيام لخيرهم... وأجعل مخافتى فى قلوبهم..." (أر 32: 38 - 40).

  1. مخافة الله تعلم الإنسان حياة الحرص والتدقيق:

فالإنسان الذى يخاف الله يكون مدققاً فى كل ما يعمله، وحريصاً فى كل ما ينوى أن يفعله. لأنه يخاف لئلا يسقط ويغضب الله. بينما يحذرنا الرسول قائلاً "من يظن أنه قائم، فلينظر لئلا يسقط" (1 كو 10: 12). ويقول أيضاً "لاتستكبر بل خف" (رو 11: 20).

صدقونى، إن المخافة وإن كان البعض يتعب منها نفسياً، إلا أنها تفيده روحياً لكى يحترس.

ولكى يفكر كثيراً كلما وقفت أمامه عثرة، ويبذل جهده لئلا يسقط.

أما إذا لم توجد مخافة الله فى القلب، فما أسهل أن ينطبق عليه المثل "إذا لم تستحِ، فأفعل ما تشاء!!"..

  1. كثيرون من الذين تركوا المخافة، تحولوا إلى الاستهتار.

وتحولوا إلى اللامبالاة.. يقولون: لنعش فى المحبة.. حسناً، وهل المحبة تمنع الحرص والتدقيق فى الحياة الروحية؟!.. وغالبية هؤلاء – فى فقدان المخافة وصلوا إلى كبرياء القلب، وإلى قساوة القلب، وفقدوا أيضاً المحبة التى يدعونها...

  1. الذى يتدرب على المخافة، يصل أيضاً إلى الأدب فى مخاطبة الله...

لأن الذين يدعون أنهم يحيون فى محبة الله، دون أن يعبروا على مخافة الله.. كثيراً ما يعاتبون الله فى صلواتهم باسلوب خالِ من الأدب اللائق بمخاطبة الله. وبأسم الدالة يخطئون فى غير مخافة!!

وهوذا أبونا ابراهيم – على الرغم من الدالة الكبيرة التى بينه وبين الله، يقول أثناء تشفعه فى سادوم، "شرعت أن أكلم المولى، وأنا تراب ورماد" (تك 18: 27).

هوذا الله يقول فى سفر ملاخى النبى "الابن يكرم أباه، والعبد يكرم سيده. فإن كنت انا أباً، فأين كرامتى. وإن كنت سيداً، فأين هيبتى؟!" (ملا 1: 6).

  1. مخافة الله تقود أيضاً إلى الجدية فى الحياة الروحية:

بينما هناك أشخاص باسم (المحبة) لا توجد فى حياتهم ضوابط على الإطلاق. حياتهم تسيب، بلا جدية!! لا يحرصون على شئ ولا يهتمون بشئ، ولا ينفذون شيئـاً. ويظنون أن الارتباط بالجدية فى تنفيذ الوصية، نوعاً من الناموس!! ويقولون إننا لسنا تحت ناموس!! وبهذا يصلون إلى التسيب، وعدم الإلتزام بشئ.

أما الإنسان الروحى الذى يخاف الله، فإنه يكون ملتزماً.

ويكون أيضاً إنساناً جاداً، وأميناً فى القليل... ذلك لأن مخافة الله على الدوام أمام عينيه.

أما الذى لا يخاف الله، فإنه لا يكون ملتزماً ولا جاداً. وللأسف نجد هذا أحياناً فى محيط الخادم، فربما يدعى أحدهم إلى اجتماع هام للشباب، ويعد ولا يحضر. ويقدم اعتذار بعد فوات الفرصة. أما الذى يخاف الله، فإنه يكون ملتزما فى مواعيده. ويقول فى قلبه إن الله سيحاسبنى عن كل نفس أهملتها فى الاجتماع.

وتجده مدققاً وحريصاً وملتزماً فى خدمته وأميناً، ذلك لأن مخافة الله أمام عينيه...

  1. مخافة الله تقود أيضاً إلى الإتضاع وانسحاق القلب.

وبالاتضاع يقول: من أنا التراب حتى اتحدى الله وأكسر وصاياه؟! وحتى إن وقف يصلى، يقول: من أنا حتّى أقف أمام الله؟! ومن أنا حتى أتكلم مع الله؟! وأمامنا فى هذا المجال قصة الفريسى والعشار:

إن العشار – فى مخافته لله – عندما دخل إلى الهيكل، "وقف من بعيد، لا يشاء أن يرفع عينيه نحو السماء. بل قرع على صدره قائلاً: اللهم أرحمنى أنا الخاطئ" ذلك لأنه كان واقفاً فى مخافة الله. وأوصلته المخافة إلى انسحاق القلب. لذلك خرج مبرراً دون ذلك الفريسى الذى – فى غير مخافة – وقف أمام الله مفتخراً بصومه، وعشوره، بل وقف يدين العشار، ويقول إنه أفضل من سائر الناس الخاطفين الظالمين الزناة (لو 18: 10 - 14).

  1. المخافة تلد الخشوع. والخشوع يلد الدموع.

الإنسان الذى يخاف الله، يكون خاشعاً فى صلاته، وفى كل عبادته. إنه يأخذ حرارة فى قلبه من مخافته لله. وقد تمتلئ صلاته بالدموع، نابعة من انسحاق قلبه... وهكذا كان آباؤنا القديسون، على الرغم من القمم الروحية العالية التى وصلوا إليها، لم تفارقهم مخافة الله، ولا انسحاق القلب، ولا الخشوع ولا الدموع.

والأمثلة على ذلك كثيرة فى سير القديسين.

  • القديس العظيم الأنبا أرسانيوس، لما وافته ساعة الوفاة، ارتعب وخاف. فقال له تلاميذه "أحتى أنت يا أبانا تخاف من هذه الساعة؟!" فأجابهم القديس العظيم وقال لهم "إن رعب هذه الساعة ملازم لى منذ دخلت إلى الرهبنة".. هكذا كانت مخافة الله ملازمة له حتى ساعة الموت...
  • وكذلك القديس الأنبا سيصوى (الأنبا شيشوى): لما أتته ساعة الموت، خاف. فقال له تلاميذه "وأنت أيضاً يا أبانا تخاف؟!" فقال لهم "على قدر طاقتى أطعت وصايا الله. ولكن حكم الناس شئ، وحكم الله شئ أخر"... وقيل عنه إنه فى ساعة وفاته، كان يطلب فرصة لكى يتوب!!... هذا القديس المتكامل فى الفضيلة، السامى والعالى فى مستواه، كان يطلب فرصة لكى يتوب!! فماذا ترانا نفعل نحن؟!....

أما الإنسان الذى يدعى أنه وصل إلى المحبة، ويسلك بالدالة مع الله على طول الخط:

فمن الجائز أن يصل إلى اللامبالاة، ويفقد كذلك روح الإنسحاق. وما أسهل أن هذا التدلل يوصله إلى عدم الاهتمام بكل ما يوصله إلى الله!...

وبعد ذلك يشرب الخطية كالماء.. ويغطى على سقوطه بقوله:

إن الله يعرف ضعف البشرية، وهو حنون غفور!!

أما الذى يسلك فى مخافة، فإذ يضع خطاياه أمام عينيه كل حين، تمتلئ عيناه بالدموع، وقلبه بالخشوع.

  1. الذى يعيش فى مخافة الله، دائماً يحاسب نفسه:

ولا يحاسب نفسه فقط عن أعماله، وإنما حتى على الأفكار والنيات، ويحاسب نفسه على عدم النمو... يحاسب نفسه على كل صغيرة وكبيرة. ويشعر كما لو أنه واقف أمام جهاز تسجيل يسجل عليه كل شئ. يسجل مشاعره وعواطفه، وأفكاره ونياته، وأخطاء اللسان، وأخطاء الحواس... وفى الواقع أن هذا صحيح فكل تفاصيل حياتنا مسجل علينا.

وهذا المسجل علينا، سيذاع فى اليوم الأخير.

أمام الملائكة، وأمام البشر، جميعاً... ولكن ثقوا أنكم إن خفتم من هذا، وتبتم عن جميع خطاياكم، فكل ما تتوبون عنه، يمحوه الله من جهاز التسجيل، ولا يعود يحسب عليكم. كما قال الكتاب "طوبى للذين غفرت آثامهم وسُترت خطاياهم. طوبى للإنسان الذى لا يحسب له الرب خطية" (رو 4: 8، 7) (مز 32: 2، 1).

  1. وهكذا فإن مخافة الله، ليست فقط تقود إلى محاسبة النفس، وإنما أيضاً إلى لوم النفس، والندم والتوبة...

والإنسان الذى يخاف الله يستمع إلى قول القديس مقاريوس الكبير "احكم يا اخى على نفسك، قبل أن يحكموا عليك". وبالتالى يبكت نفسه على كل ما فعلته، وما تنوى أن تفعله، ويبعد عن كل فكر ردئ. وكما قال القديس باخوميوس الكبير "إن خوف الله يحرق الأفكار الردية، ويطرد كل رذيلة من الإنسان"...

لذلك فإن مخافة الله توصل إلى نقاوة القلب. وكيف؟

  1. مخافة الله تدفع الإنسان إلى الجهاد والتعب من أجل الله، ومن أجل الوصول إلى مرضاته...

مثال ذلك طالب فى الجامعة، وأمامه مقرر طويل... ألف صفحة مثلا، لم يذاكر منها سوى عشرين صفحة فقط! لذلك يملكه الخوف الذى يدفعه إلى مضاعفة جهده لكى يصل مهما تعب فى سبيل ذلك.

ونحن مقررنا الروحى هو القداسة التى بدونها لا يعاين أحد الرب الذى قال "كونوا قديسين، لأنى أنا قدوس" (1 بط 1: 16)...

بل مقررنا الروحى هو الكمال، حسب قول الرب "كونوا كاملين، كما أن أباكم الذى فى السموات هو كامل" (مت 5: 48).

ألا نخاف إذن، والطريق طويل بيننا وبين القداسة والكمال؟

أو لا يدفعنا الخوف إلا الجهاد والتعب، وإلى السهر على خلاص أنفسنا "لئلا يأتى بغتة فيجدنا نياماً" (مر 13: 36). وكلما سرنا فى الطريق، ووجدنا الكمال لا يزال بعيداً، نصغى بكل اهتمام إلى نصيحة القديس بولس الرسول "أركضوا لكى تنالوا ومن يجاهد يضبط نفسه فى كل شئ" (1 كو 9: 25، 24).

"وهكذا فإن الذى يخاف الله، تجده فى الطريق الروحى، دائم الجهاد والركض لا يتوقف. وماذا أيضاً:

  1. مخافة الله تقود إلى النمو الروحى:

وفى كل يوم يتقدم، لأنه يرى طريق الكمال طويلاً، ويخاف أن يدركه الموت قبل ان يصل.

أحد الرهبان كان يقرأ كتاب الدرجى. ووجد فيه ثلاثين درجة فى سلّم الفضائل، وأولها الغربة والموت عن العالم. فوضع أمامه لافتة كتب فيها (لسَه بدرى عليك)... وجاهد لكى ينموا صاعداً فى هذا السلم الروحانى.

إن الذى يخاف الله، يجاهد باستمرار لينمو صاعداً، بينما الذى ليست فيه مخافة الله، قد ينحدر إلى أسفل وأسوأ.

  1. الذى فى قلبه مخافة الله، لا يخاف فقط على نفسه، بل على غيره أيضاً، فيسعى لنشر الملكوت.

يهمه أيضاً مصير كل من يعرفهم، وأبديتهم. يخاف عليهم، كما كان أيوب الصديق يخاف على أولاده ويقدّم عنهم محرقات (أى 1: 5). وهكذا على خلاص الآخرين، فيجاهد فى الخدمة لأجلهم، وينمو فى الخدمة ومحبة الملكوت. كما قال القديس بولس الرسول "كنت أود لو أكون أنا نفسى محروماً من المسيح، لأجل اخوتى أنسبائى حسب الجسد" (رو 9: 3).

  1. كل هذا يجعل مخافة الله تقود إلى الصلاة.

فالإنسان يجاهد، ولكنه يرى جهاده ليس كافياً. فيلجأ إلى الصلاة المستمرة، طالباً من الرب معونة ونعمة، له ولغيره. إن الخوف على خلاص النفس، لا يكفيه مجدر الجهاد البشرى. فالرب يقول "بدونى لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً" (يو 15: 5). وهكذا فإن المخافة تقود إلى الالتجاء إلى الله. مثلما خاف بطرس من الغرق وهو يمشى على الماء، فصرخ إلى الرب الذى أمسك بيده (مت 14: 31، 30).. المخافة تدعوك أن تحترس وتدقق. وفى نفس الوقت تقول للرب "اسندنى فأخلص".

  1. مخافة الله أيضاً تدعوك إلى المعرفة، حتى لا تسقط عن جهل. هذا يدعوك إلى القراءة وإلى المشورة...

وهكذا تلهج فى كلام الله نهاراً وليلاً، لكى تستفيد نفسك بوصاياه. وإن وجدت ما يحتاج إلى استرشاد، تلجأ إلى الآباء الروحيين لكى يشرحوا لك الطريق، متذكراً قول الكتاب "وعلى فهمك لا تعتمد" (ام 3: 5).

  1. ومخافة الله تدعوك إلى حسن التعامل مع الآخرين.

إذ تخاف من قول الرب "ومن قال (لأخيه) يا أحمق، يكون مستوجب نار جهنم" (مت 5: 22). وهكذا فإن الذى يخاف الله، لا يجرح شعور أحد. ولا يدين أحداً، خوفاً من أنه بالدينونة التى بها يدين، يدان (مت 7: 2). بل يرحم الكل، لكى يستحق الرحمة، كقول الرب "طوبى للرحماء فإنهم يرحمون" (مت 5: 7).



أضف تعليق

الباب الرابع : مخافة الله فى الكنيسَة الأولىَ

الباب الثانى: أسَباب الخوف

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات