الأَصْحَاحُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ – سفر أخبار الأيام الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 13- تفسير سفر أخبار الأيام الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الأَصْحَاحُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ

خطاب داود للقادة.

إن ما وَرَدَ في بداية سفر الملوك عن نهاية أيام داود، لم يُظهِر سليمان بصورة ساطعة كالتي وردت في الأصحاح الحالي وما يليه، حيث نرى وداع داود المهيب لابنه ورعاياه، وقد كان ختامًا جليلاً، ونرى في الأصحاح الحالي:

1. ما تَمَّمَه سليمان من بناء هيكل الرب، تحقق كرمز لما ينبغي علينا أن نحققه خلال الحق، حيث يسكن الرب ويستريح في قلوبنا كبيتٍ له.

2. لقد أَعَدَّ داود تجهيزات ضخمة لبناء الهيكل، لكنه لم يستطع أن يستحضر الراحة الداخلية للنفس حتى يأتي مسيحنا واهب الراحة والسلام.

3. لقد اختار الله سليمان ابنًا له، يبني له بيتًا [10] (عب 2: 3 - 4). وفي نفس الوقت يَعتبَر الله مملكة سليمان هي مملكة الرب [5].

4. هذا يتحقق بشرط وهو "إذا طلبته يُوجَد منك، وإذا تركته يرفضك إلى الأبد" [7، 9].

5. لم يُسَجِّل لنا سفر أخبار الأيام مؤامرة أدونيّا أو ضعف داود، إنما يُرَكِّز على عمل الله في انتقال المملكة لسليمان.

6. لم يكن الاجتماع للدخول في وضع خطة هندسية للمبنى، فقد جاء الهيكل امتدادًا لخيمة الاجتماع التي وُضِعَ رسمها لموسى خلال إعلان إلهي (خر 25: 9).

7. افتتاحية الخطاب تكشف عن النظرة السليمة للملوكية. فالملك يتحدث مع شعبه بكونه أخًا لهم، وشعبًا يعتزُّ هو بهم، وأن اختياره إنما لأجلهم (1 أي 14: 2)، وليس لنفع خاص به، سواء كان ماديًا أو معنويًا. وأن علاقة الملك بالله، علاقة ابن مع أبيه [6].

8. نغمة الخطاب الذي قَدَّمه تقرب من لغة سفر التثنية وبعض كتابات الأنبياء، إنه أسلوب الكرازة والرغبة في خدمة الرب بقلبٍ كامل "(تث 6: 5؛ إر 24: 7).

1. اجتماع داود بالقادة 1 - 8.

2. أمر ووعد وتحذير لسليمان 9 - 10.

3. تسليم سليمان تصميمات الهيكل 11 - 19.

4. داود يُشَجِّع سليمان لاستلام العمل والسير فيه 20 - 21.

الأعداد 1-8

1. اجتماع داود بالقادة

اجتمع الملك بالقادة من مختلف الأقسام والأعمال، وكشف لهم عن رغبته في بناء هيكل للرب، ويذكر الأسباب التي لأجلها حُرِمَ من ذلك. كما كشف عن اختيار سليمان ليَخلِفَه في الحكم.

تحدث داود مع كل رؤساء إسرائيل ورؤساء الفِرق وخدام الملك ورؤساء الجيش ورؤساء الأموال والأملاك وكل جبابرة البأس. كان حديثه الوداعي ليس ما يشغله فيه سوى بناء بيت الرب. عوض أن يشتكي أنه عاجز عن بناء بيت الرب أعلن اهتمامه بإعداد سليمان ابنه لهذا العمل.

وَجَمَعَ دَاوُدُ كُلَّ رُؤَسَاءِ إِسْرَائِيلَ،.

رُؤَسَاءَ الأَسْبَاطِ وَرُؤَسَاءَ الْفِرَقِ الْخَادِمِينَ الْمَلِكَ،.

وَرُؤَسَاءَ الأُلُوفِ وَرُؤَسَاءَ الْمِئَاتِ،.

وَرُؤَسَاءَ كُلِّ الأَمْوَالِ وَالأَمْلاَكِ الَّتِي لِلْمَلِكِ وَلِبَنِيهِ،.

مَعَ الْخِصْيَانِ وَالأَبْطَالِ وَكُلِّ جَبَابِرَةِ الْبَأْسِ، إِلَى أُورُشَلِيمَ. [1].

قام داود بخدمة كبيرة في أيامه، فقد خدم جيله بمشورة الله (أع 13: 36)، ولكن قد دَنَا وقت مفارقته الجسد، وكمثال "لابن داود" كلما دنا وقته ازداد عمله بكل قوته. فهو الآن استرد القليل من صحته بعد التوعك المذكور في (1 مل 1: 1)، حينما كانوا يدثرونه بالثياب فلم يدفأ، مع ذلك فقد تَشدَّد واسترد صحته، ربما كان ذلك استجابة لصلاته في (مز 71: 18) لينال فرصة لتقديم خدمة أخرى لله ولشعبه.

استدعى كل عظمائه للاجتماع به لكي يُوَدِّعهم معًا [1]، كما فعل موسى (تث 31: 28) ويشوع (يش 23: 2؛ 24: 1)، فلم يُعلِنْ داود وارث العرش إلاَّ في حضور ورضا من يُمَثِّلون الشعب.

عقد داود اجتماعًا موسَّعًا من كل قادة إسرائيل للمساندة في تتويج سليمان خليفة له. أكَّد الملك أن اختيار سليمان لا يقوم على قواعد وراثية، وإنما بناء على اختيار الله نفسه له.

وَوَقَفَ دَاوُدُ الْمَلِكُ وَقَالَ:

"اِسْمَعُونِي يَا إِخْوَتِي وَشَعْبِي.

كَانَ فِي قَلْبِي أَنْ أَبْنِيَ بَيْتَ قَرَارٍ لِتَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ، وَلِمَوْطِئِ قَدَمَيْ إِلَهِنَا،.

وَقَدْ هَيَّأْتُ لِلْبِنَاءِ. [2].

يتحدث داود الملك وهو شيخ، وفي اللحظات الأخيرة من عمره، مُقَدِّمًا نفسه، ليس أكثر من أخ مع إخوته: "اسمعوني يا إخوتي وشعبي" [2]. فقد كان موضع سرور عظيم له أن يكونوا خدامه (21: 3)، لكنه يدعوهم الآن إخوته الذين يُحِبّهم وشعبه الذين يرعاهم، وليس خدامه الذين يقودهم.

خاطبهم بقدر كبير من الاحترام والحنان، وهو لم يقم فقط من سريره ليجتمع معهم فالمناسبة نشطت من روحه، بل قام من كرسيه ووقف أيضًا على رجليه [2] مهابة لله الذي سيُعلِنُ إرادته، وتوقيرًا لذلك المجمع المهيب لإسرائيل الله. كأنه ينظر إلى نفسه على أنه أَقَلُّ منهم كمجموعة مع أنه أعظم من أيّ فرد فيهم، فتَقَدُّم سنه وضعفه بالإضافة إلى مكانته العظيمة كانت أسبابًا كافية لأن يجلس. لكنه أراد أن يُظهِرَ مقدار تواضع قلبه تجاه افتخاره بعدد شعبه ومُلْكه عليهم.

يليق بالرؤساء أن يتكلموا بالمودة واللطف والتواضع حتى مع مرؤوسيهم، فهذا لا يُقَلِِّل من كرامتهم، بل يُزِيد من حُبهم له، وبذلك جذب داود انتباههم إلى ما هو على وشك أن يقوله.

يقول القديس باسيليوس الكبير إن فضيلة التواضع هي أفضل درس نتعلمه من المسيح نفسه [التواضع هو إقتداء بالمسيح والتعرُّف علي التقوى هو التعرُّف علي التواضع والوداعة[316].].

يقول أيضًا إنه يليق بالرئيس أن يكون علي علاقة قوية بكل الإخوة. تكشف له كل أسرار قلوبهم[317]، وأن يكون نموذجًا يُقَدِّرونه[318]. وأن يحب إخوته "كما تُرَبِّي المُرضِعة أولادها" (1 تس 2: 7) [319]. وأن يكون طبيبًا للنفوس يُقَدِّم الدواء اللائق لمرض كل إنسانٍ[320]. كما يقول:

[يكون أمام الله كخادم المسيح، ووكيل سرائر الله، يخشى دومًا لئلا يقول أو يفعل شيئًا ضد إرادة الله، فيوجد شاهدًا كذبًا لله. أو يكون مجروحًا بتدنيس المقدسات، وذلك بتقديم ما هو ضد تعليم الرب، أو ما هو ليس مسر لله. في معاملاته مع الإخوة كمرضعة مع أولادها، هكذا يكون شغوفًا أن يُقَدِّمَ لكل واحدٍ ليس فقط إنجيل الله، بل ويُقَدِّم خطته التي بها يُسَرّ الله وتنتفع كل الجماعة، كوصية ربنا وإلهنا يسوع المسيح القائل: "وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم" (يو 13: 34). "ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه" (يو 15: 13) [321].].

وَلَكِنَّ الله قَالَ لِي:

لاَ تَبْنِي بَيْتاً لاِسْمِي،.

لأَنَّكَ أَنْتَ رَجُلُ حُرُوبٍ،.

وَقَدْ سَفَكْتَ دَمًا. [3].

أوضح داود الملك ما كان بنيَّتِه؛ وهو أن يبني هيكًلا لله، وكيف أن الله منعه من ذلك [2 - 3]، وقد أشار قبلاً بذلك لسليمان (22: 7 - 8). وهنا وضح أن بيتًا لراحة تابوت العهد وهو بيت لموطئ قدمي الله، لأن السماء هي عرش الله، والأرض وأفخم ما يُمكِن بناؤه من هياكل هي موطئ قدميه، فهناك فرق شاسع بين إعلانات المجد الإلهي في العالم العلوي والسفلي، فالملائكة تُحِيط بعرشه (إش 6: 2)، ونحن الضعفاء المساكين نسجد عند موطئ قدميه (مز 99: 5؛ 132: 7)، وكبرهان لإخلاصه في غرضه لبناء الهيكل أخبرهم داود عما أَعَدَّه له، ولكن الله لم يسمح له أن يقوم بالبناء، لأن الله عَيَّن له عمًلا آخر، فإدارة حروب إسرائيل كانت كافية لفردٍ واحدٍ. يجب عليه أن يخدم الشعب بالسيف، وآخر يخدم بالمطمار (أداة للبناء)، فأوقات الراحة هي أوقات بناء (أع 9: 31).

وَقَدِ اخْتَارَنِي الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ مِنْ كُلِّ بَيْتِ أَبِي،.

لأَكُونَ مَلِكاً عَلَى إِسْرَائِيلَ إِلَى الأَبَدِ،.

لأَنَّهُ إِنَّمَا اخْتَارَ يَهُوذَا رَئِيسًا،.

وَمِنْ بَيْتِ يَهُوذَا بَيْتَ أَبِي،.

وَمِنْ بَنِي أَبِي سُرَّ بِي لِيُمَلِّكَنِي عَلَى كُلِّ إِسْرَائِيلَ. [4].

وَمِنْ كُلِّ بَنِيَّ (لأَنَّ الرَّبَّ أَعْطَانِي بَنِينَ كَثِيرِينَ).

اخْتَارَ سُلَيْمَانَ ابْنِي لِيَجْلِسَ عَلَى كُرْسِيِّ مَمْلَكَةِ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ. [5].

أعلن عن اختياره للمُلْكِ وبعد ذلك سليمان، لأن كليهما كان بدون شك بتدبير إلهي، فهما أحق من أيّ ملك على الأرض أن يُعلِنَا مُلكْهما لأن الرب إله إسرائيل اختارهما في الحال بالنبوة [4 - 5]، فحق البكورية لا يكون مزعومًا، فهو يُعطَى بالأحقية، وليس بأقدمية السن:

1. فيهوذا لم يكن بكر يعقوب، ولكن الله اختار سبطه ليكون السبط الحاكم. فيعقوب تنبأ عن مجيء المسيح من سبط يهوذا (تك 49: 10).

2. ويظهر أن عائلة يسى لم تكن أكبر عائلات السبط، فهو بالتأكيد لم يكن الأكبر من سبط يهوذا، لأن شيلوه كان قبل فارص، وليس ظاهرًا إذا كان من نسل نحشون أو من سلمون، فرام وهو أب نحشون كان له أخ أكبر منه (1 أي 2: 9)، وربما كذلك بوعز وعوبيد ويسى، ولكن "اختار الرب إله إسرائيل بيت أبي من بيت يهوذا".

3. كان داود أصغر أبناء يسى، ولكن الله أحبَّه واستحسن أن يجعله ملكًا، فالله يأخذ من يُحِبُّه ويُحب من يجعله كنفسه، كما فعل مع داود "رجل حسب قلبه".

4. كان سليمان من أصغر أبناء داود، ولكن الله اختاره ليجلس على العرش، لأنه كان مُرجحًا عليهم كلهم لبناء الهيكل، فهو أكثرهم حكمة وميله للسلام. واضح من هذا الأصحاح أن داود الملك لم يكن قد تنازل عن العرش لسليمان تمامًا وبوضوح.

جاءت خلافة سليمان لأبيه داود باختيار الله له، وليس على مُجرَّد الوراثة، هذا ما أعلنه داود في هذه المناسبة. لم يكن سليمان الابن البكر ليخلف أباه كملكٍ، فإن كان داود نفسه لم يستلم العرش خلال الوراثة، فإن سليمان وإن كان ابنًا لداود، لكن ليس من حقِّه استلام العرش، لأنه ليس بالابن البكر، إنما لأن الرب اختاره.

الأمر العجيب أنه ليس كل القيادات قبلت سليمان وهو ليس بالابن البكر ليكون ملكًا. لم يروِ الكاتب مطامع أبناء داود في استلام العرش.

ما كان يشغل قلب داود ليس مُجَرَّد استلام سليمان العرش، إنما بناء الهيكل، ووضع خطة مُحَدَّدة ومُنظَّمة لتحقيق ذلك.

إنما جاءت تعليمات داود لابنه وهو يُسَلِّمه العرش خاصة ببناء الهيكل، كأن العمل الأول والرئيسي للملك القادم هو الاهتمام ببناء الهيكل.

5. جاءت تعليماته تتناغم مع ما ورد في سفر التثنية وفي الأنبياء. أنها تحمل صورة الكرازة بأسلوب وعظي. لقد رَكَّز داود النبي والملك على الحاجة إلى خدمة الله بكل القلب (تث 6: 5؛ إرادة 24: 7)، وأن نطلبه لكي نجده (تث 4: 29؛ إرادة 29: 13).

هنا أعلن الكاتب في شيءٍ من البساطة أن الله أعلن لداود عن تسليم العرش لسليمان، حتى يبني الهيكل الذي لم يستطع داود تحقيقه تمامًا، إنما هيَّأ للبناء بتقديم الإمكانيات والمواد والتدابير الخ.

لم يكن سليمان الابن البكر لداود ليتسلَّم العرش، ولم يكن داود نفسه الابن البكر لدى أبيه يسَّى. هذا التصرُّف بدأ منذ الجيل الأول للبشرية، فقد اختار الله شيث لينال البركة لا أخاه البكر قايين واختار الله يعقوب لا أخاه البكر عيسو. حسابات الله تختلف تمامًا عن الحسابات البشرية. البشر يطلبون البكر حسب السن، أما البكر الحقيقي في عينيّ الله فهو من كان بالأكثر مُقَدَّسًا!

ونحن كمؤمنين صرنا أعضاء كنيسة الأبكار ليس من أجل عامل الزمن، إنما خلال اتحادنا وشركتنا بالمسيح البكر.

كانت المملكة تخص الله نفسه، فهو الذي يختار من يُقِيمه ملكًا دون الالتزام بقوانين الوراثة المعتادة. فلم يكن داود وارثًا لشاول، ولا سليمان أكبر أبناء داود.

في حديث القديس غريغوريوس النيصي عن خلقة الإنسان، يرى أن الله قد خلق العالم بكل إبداعه كقصرٍ عظيمٍ أعدَّه لآدم وحواء كملكٍ وملكةٍ. وأن الله قدَّم للإنسان كل إمكانية السعادة والسلطة على الخليقة التي أوجدها من أجله.

في مقاله "مقارنة بين الملك والراهب[322] Comparatio regis et monachi" يكشف القديس يوحنا الذهبي الفم عن منهجه المسيحي ألا وهو إدراك المؤمن، راهبًا كان أو كاهنًا أو من الشعب أنه يتطلَّع إلى نعمة الله العاملة فيه، فتجعله ملكًا صاحب سلطان أعظم وأقوى من ملوك كثيرين.

ويرى القديس مار يعقوب السروجي أن الله خلق الأرض وكل ما عليها وما تحتها، وأوْجد الكواكب، كإعداد لقيام وكيله أو سفيره على الأرض، الإنسان! إنه كمن يُعِدّ قصرًا ملوكيًا لأجل الملك!

وَقَالَ لِي: إِنَّ سُلَيْمَانَ ابْنَكَ هُوَ يَبْنِي بَيْتِي وَدِيَارِي،.

لأَنِّي اخْتَرْتُهُ لِي ابْناً،.

وَأَنَا أَكُونُ لَهُ أَباً، [6].

يشعر داود الملك أن أب سليمان الحقيقي هو الله نفسه: "لأني اخترته لي ابنًا، وأنا أكون له أبًا [6].

يرى القديس يعقوب السروجي أن الإنسان بدخوله مياه المعمودية، إنما يدخل إلى ميلاده الجديد، فيُحَرِّره من ميلاده الجسدي القديم، فبعد أن كان له آدم الذي لدغته الحيَّة أبًا، صار له الآب السماوي أباه الجديد، وعوض حواء التي سقطت صارت له المعمودية المقدسة الأم الجديدة. بهذا دخلنا إلى حياة جديدة وإمكانيات جديدة.

لقد نسينا حواء، وقبلنا أمنا المعمودية التي بدونها كنا قد طُرحنا من العلو وبلغنا العمق.

تركنا آدم، لأن الله أعدنا أبناء. تحطمت الهاوية عن جنسنا، وها نحن قد تركناها.

الآن لسنا ندعو ذاك المسكين المحتاج المُحطم آدم أبًا لنا، لأننا قد وجدنا لنا أبًا آخر مملوءًا غِنَى، أخذ موضع ذاك المسكين.

  • تمتعنا بعمل لاهوته في داخل المياه، صرنا بالحقيقة أبناء، ومنذ ذلك الحين صار لنا أن ندعوه أبانا، ذاك الخفي الذي أعطانا روحه بالمعمودية[323].
  • أيها الابن الذي جعلنا بنين لأبيه من المياه، بك أتكلم على ميلادنا الروحي.

أيها الوحيد الذي أعطانا روحه في المعمودية، أعطني الكلمة لأُرَتِّلَ لك بها بمحبة.

أيها الرب الذي شاء أن يصير أخًا للعبيد الأشرار، املأني من تعليمك لأكرز بنعمتك كل يوم.

أيها الشمس العظمى الذي أحلَّ نوره في المياه، أَشرِقْ فيَّ لأستنير وأصف جمالك وأنا مُتعجِّب.

يا ابن البتول الذي أعطانا أيضًا أمًا بتولاً، لتلدك كلمتي وأنا مندهش بتمييز.

ليعلن لساني وصوته عال ميمر التسبيح بحركة العقل بلا اضطراب وبلا جدال[324].

القديس يعقوب السروجي.

وَأُثَبِّتُ مَمْلَكَتَهُ إِلَى الأَبَدِ،.

إِذَا تَشَدَّدَ لِلْعَمَلِ حَسَبَ وَصَايَايَ وَأَحْكَامِي كَهَذَا الْيَوْمِ. [7].

أفصح لهم عن غرض ونعمة الله الخاصة بسليمان [6 - 7]. "لأني اخترته لي ابنًا"، وبذلك صَرَّح بالعهد الذي قاله الله لسليمان كمثال للسيد المسيح "أنت ابني" (مز 2: 7)، ابن محبتي، لأنه دُعِي "يديديا" لأن الرب أحبَّه، والسيد المسيح هو ابنه الحبيب، الذي قال عنه الله إنه مثال للآتي:

1. "هو سيبني بيتي"، والسيد المسيح هو المؤسس وأساس هيكل الإنجيل.

2. "وأُثَبِّت مملكته إلى الأبد"، هذه النبوة تَمَّت في مملكة المسيا، التي ستستمر إلى أبد الأبد (إش 9: 7؛ لو 1: 33). أما فيما يختص بسليمان فتثبيت مملكته هنا مشروط: "إذا تشدَّد للعمل حسب وصاياي وأحكامي كهذا اليوم". فسليمان كان في ذلك الحين على نحو مرجو منه وحسن: "فإذا استمر كذلك ستستمر مملكته وإلاَّ فلا"، فنلاحظ أننا إذا كنا ثابتين في واجبنا فحينئذ، وليس خلاف ذلك، نتوقَّع استمرار فضل الله، فيا ليت الذين تَرَبُّوا حسنًا وابتدأوا حسنًا يلاحظون أنهم إذا استمروا يكونون سعداء، فالمثابرة تؤدي إلى الإكليل.

  • قَدَّم لنا الله في حنو محبته وصايا مطهرة، حتى أننا، إن أردنا، نقدر بمراعاتنا للوصايا أن نتطهَّر، لا من الخطايا فحسب، بل ومن الشهوات أيضًا، لأن الخطايا شيء والشهوات شيء آخر.

فالشهوات هي الغضب والزهو وحُبّ الملذات والكراهية والشهوات الدنسة وما شابه ذلك. أما الخطايا فهي تنفيذ هذه الشهوات عمليًا، بمعنى أن الإنسان بجسده ينفذ الأعمال التي تثيرها فيه شهواته. فالإنسان يمكن أن تكون له شهوات ولكنه لا يُخرِجها إلى حيز التنفيذ.

كانت الشريعة (في العهد القديم) تهدف إلى تعليمنا عدم صنع ما لا نريده لأنفسنا، وبالتالي حرمت علينا مجرد التنفيذ العملي للشر.

أما الآن (في العهد الجديد)، فإننا مطالبون بطرد الشهوة ذاتها، التي تدفعنا نحو الشر. فنطرد البغضة ذاتها ومحبة الملذات وحب الكرامة وغير ذلك من الشهوات[325].

القديس دوروثيؤس.

  • الشخص الذي لا يحفظ الوصايا ليس فيه حب للرب.

القديس ديديموس الضرير.

وَالآنَ فِي أَعْيُنِ كُلِّ إِسْرَائِيلَ مَحْفَلِ الرَّبِّ،.

وَفِي سَمَاعِ إِلَهِنَا،.

احْفَظُوا وَاطْلُبُوا جَمِيعَ وَصَايَا الرَّبِّ إِلَهِكُمْ،.

لِتَرِثُوا الأَرْضَ الْجَيِّدَةَ،.

وَتُوَرِّثُوهَا لأَوْلاَدِكُمْ بَعْدَكُمْ إِلَى الأَبَدِ. [8].

الله الذي يُقِيم الملك، لذا يليق بالملك المُعيَّن من قِبَل الله أن يحفظ الوصايا الإلهية.

لم يَسْمَحْ الله لداود أن يبني له بيتًا، إنما يود أن يكون داود نفسه بيتًا له يسكن فيه. يقول العلامة أوريجينوس: [ليكن للنفس مذبح في وسط القلب، عليه تُقدَّم ذبائح الصلاة ومُحرَقات الرحمة، فَتُذبَح فوقه ثيران الكبرياء بسكين الوداعة، وتُقتَل عليه كباش الغضب وماعز التنعم والشهوات... لتعرف النفس كيف تُقِيم داخل قدس أقداس قلبها منارة تضئ بغير انقطاع.].

هذا ما أدركه داود النبي، لذلك أوصى شعبه عند انتقاله: "احفظوا واطلبوا جميع وصايا الرب إلهكم" (1 أي 28: 8). فبعد أن تحدث معهم داود عن وعد الله له بأن ابنه يبني له البيت (1 أي 28: 6)، أراد أن يكون الشعب كله بيتًا مُقدَّسًا للرب.

كما أعد داود لابنه إمكانيات ضخمة لبناء الهيكل (1 أي 28: 11 - 19) مع تصميمات الهيكل، طلب من الشعب أن يسلكوا في وصايا الرب لكي يمدَّ الله يده ويبني بيته.

وجَّههم أن "يلتصقوا ويثبتوا في الله وفي واجبهم" [8]، ونلاحظ هنا الآتي:

1. موضوع التوجيه: هو "احفظوا واطلبوا جميع وصايا الرب إلهكم"، فالرب هو إلههم، وصاياه يجب أن تَحْكُمَهم، وعليهم أن يُوقِّروها كلها، ويجب أن يصحوا لحفظها، ولذلك يجب أن يبحثوا عنها، أيّ يجب أن يُحِبُّوا التحقيق والفحص في واجباتهم بأن يفتشوا الكتب، يأخذوا نصيحة، يطلبوا الشريعة من أفواه المؤتمنين عليها بشفاههم، ويُصَلُّوا إلى الله ليُعَلِّمَهم ويُرشِدَهم؛ فوصايا الله لا تُحفَظ إلاَّ بالاهتمام الزائد.

2. إجلال التوجيه: لقد وجَّههم أمام جميع إسرائيل الذين سيلاحظون هذا التوجيه الشعبي في حضرة الله "الآن في أعين كل إسرائيل محفل الرب وفي سماع إلهنا" كان لهم مشورة حسنة وتحذير صريح، فإذا لم يقبلوها فهم المخطئون "فالله والناس شاهدون عليهم" (1 تي 5: 21؛ 2 تي 4: 1)، فالذين يخدمون في الكنيسة يجب أن يكونوا أمناء في خدمتهم ومرضيين أمام الله والناس.

3. الغرض من حفظ التوجيه: لكي يكونوا سعداء، ويرثوا بسلام الأرض الجيدة، ويورثوها لأولادهم بعدهم إلى الأبد.

  • يليق بنا أن نؤمن أن فترة التأخير في تنفيذ الوصية هي وقت للعصيان بالنسبة لمن ينفذ الوصية بعد ذلك... لذلك وجب علينا أن نتذكر القول: "لا تتأخر في الرجوع إلى الرب، ولا تؤجِّله من يوم إلى يوم" (سيراخ ٥: ٧)، و "لا تقل لصاحبك اذهب وعد، فأعطيك غدًا، وموجود عندك" (أم ٣: ٢٨). يلزمنا أن نعتقد أنه دينونة على مرثا إن الكلمات: "فرفعوا الحجر" قد كُتبت مؤخرًا، وكان يجب أن تُقَال فورًا بعد الكلمات: "قال يسوع: ارفعوا الحجر". [326].

العلامة أوريجينوس.

  • سمع داود كلمات ربِّه التي وُجِّهت إليه، وأمر كل شعب إسرائيل ليأتوا.

صدر أمره، وجلب الآلاف بلا إحصاء، وجمع صفوفًا بلا عددٍ إلى القصر الملكي.

وبدأ الراعي الصالح يتكلم مع رعيته، وهو يقوتها بالطعام الروحي والشراب.

فتح فمه مثل ينبوعٍ تتفجر منه الحياة، لكي تروي شعبها بشربٍ صالحٍ من مرعاه.

"يا أبنائي: أنا ذاهب في رحلة عظيمة في كل الأرض، وأُدفَن مثل آبائي بين الراحلين (1 مل 2: 2).

وأردتُ أن أبني هيكلاً للرب قبل أن أموت، ولم يشأ الرب أن أبنيه كما فكرَّتُ (1 أي 28: 2).

لكن قال لي الرب: ابنك يبني لي هيكلاً عظيمًا لأسكن وأَتقدَّس فيه (1 أي 28: 6).

والآن ابني سليمان هو صبي وصغير جدًا، والرب الذي خلقه يقوده ويعطيه الحكمة (1 مل 3: 7؛ 1 أي 29: 1).

اسلكوا في طريق بيت الله، ولا تحيدوا عنها يمينًا ولا يسارًا.

احفظوا أوامره ونواميسه وفرائضه أيضًا، لتأكلوا ثمار الأرض وخيراتها كما هو مكتوب (1 أي 28: 8).

يا أبنائي لا تتشبَّهوا بآبائكم الذين أكلوا وتجاسروا، فألقى الرب جثثهم في موضع قفر (عد 14: 29).

انظروا كم أحاطت بي المِحَن والمخاطر الشريرة، والرب نجَّاني، وتقويت أكثر من جميع الملوك (2 صم 22).

وأنتم إن ثبتم معه بحبٍ كاملٍ، سوف لا تؤذيكم الحروب والمخاطر وكل الصعوبات "[327].

القديس مار يعقوب السروجي.

الأعداد 9-10

2. أمر ووعد وتحذير لسليمان

يليق بنا أن نُقارِن وصايا داود الملك لابنه سليمان بخصوص بناء هيكل الرب في نهاية أخبار الأيام الأول بما قَدَّمه داود نفسه لسليمان نفسه من وصايا في (1 مل 21: 1 - 9). ففي سفر الملوك بعد تقديم الوصايا أوصى بقتل يوآب ومعاقبة شمعي (21: 5 - 6، 8 - 9). أما هنا بعد تقديم حديث مُطَوَّل بخصوص بناء الهيكل أوصى بخصوص كهنة الهيكل والعبادة فيه.

وَأَنْتَ يَا سُلَيْمَانُ ابْنِي اعْرِفْ إِلَهَ أَبِيكَ،.

وَاعْبُدْهُ بِقَلْبٍ كَامِلٍ وَنَفْسٍ رَاغِبَةٍ،.

لأَنَّ الرَّبَّ يَفْحَصُ جَمِيعَ الْقُلُوبِ وَيَفْهَمُ كُلَّ تَصَوُّرَاتِ الأَفْكَارِ.

فَإِذَا طَلَبْتَهُ يُوجَدُ مِنْكَ،.

وَإِذَا تَرَكْتَهُ يَرْفُضُكَ إِلَى الأَبَدِ. [9].

وختم بتوجيه لسليمان نفسه [9 - 10]، لقد اهتم جدًا بأن يكون سليمان متدينًا، فهو سيكون رجًلا عظيمًا ولكن لا يجب أن ينظر إلى العبادة بنظرة وضيعة، يجب أن يكون حكيمًا وفي العبادة تكمن حكمته، ونلاحظ في التوجيه الذي أعطاه له أو النصائح التي قَدَّمها داود لابنه:

أوًلا: أن ينظر إلى الله إله أبيه، أبيه الطيب الذي كَرَّسه ورَبَّاه لله، لقد وُلِدَ في بيت الله ولذا فهو مرتبط بالواجب له، وقد تربَّى في بيته، ولذا فعليه واجب الشكر له، "صديقك وصديق أبيك لا تترك"، فيجب أن يعرف الله ويخدمه، فنحن لا نخدم الله الخدمة الحقيقية ما لم نعرفه، ولا نعرفه إن لم نخدمه من كل القلب والفكر والقدرة، أي نخدمه بقلبٍ كاملٍ أيّ مستقيمٍ.

ثانيًا: أسرار نفوسنا كلها مكشوفة أمام الله، فهو فاحص القلوب حتى أعماق الأشياء الغير مفحوصة للإنسان (أم 25: 3) لذلك يجب أن نكون مُخْلِصين، لأننا إذا تعاملنا بالخداع، فالله يرى وهو لا يُفرض عليه شيء بالحيلة أو الخداع، فيجب أن نُشغِلَ أفكارنا ونستخدمها لخدمة الله، لأنه يعرف كل تصوراتها النقية والشريرة.

ثالثًًا: أننا نختبر من هنا السعادة الحقيقية أو التعاسة إلى الأبد حسبما نعمله أو لا نعمله لخدمة الله، لأننا إن سعينا إليه جادين سنجده وهذا كاف ليجعلنا سعداء (عب 11: 6)، وإن تركناه وتركنا خدمته ولم نتبعه فسيرفضنا إلى الأبد وهذا كاف ليجعلنا تعساء. ويجب أن نلاحظ أن الله لا يترك أحدًا إن لم يتركه هو أولاً.

يليق بالملك والرؤساء أن يشعروا أنهم مُكَرَّسون بكل قلوبهم ودوافعهم للرب، يحملون سمات الله من حبٍ وحنوٍ وقداسةٍ وسلوكٍ لائقٍ.

  • "أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم؟ إن كان أحد يُفسِدُ هيكل الله، فسيُفسِده الله" (1 كو 3: 16 - 17)؟ وفي موضع آخر يقول: "الرب معك مادمت معه، إن تركته يتركك" [328].

القديس جيروم.

  • وصايا الله هي: النقاوة، السلام الدائم غير المُتغيِّر، الامتلاء بالرحمة، وغير ذلك من الفضائل الجميلة المُتَوَّجة بالتطويب.

جاهدوا أن تُنَفِّذوا وصايا الروح، التي تهب حياة لنفوسكم، وبها تَتَقَبَّلون الله في نفوسكم. إنها الطريق الأمين...

فبدون نقاوة القلب والجسد، لا يقدر أحد أن يكون كاملاً أمام الله، إذ مكتوب في الإنجيل: "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت 8: 5).

فالكمال مصدره نقاوة القلب. إذ القلب هو مركز الخير الطبيعي والشر غير الطبيعي. والشر هو مصدر آلام النفس من ذمٍ وبغضةٍ ومجدٍ باطل وما أشبهه. أما الخير فيُوَلِّد معرفة الله والقداسة ونقاوة النفس من كل الآلام[329].

القديس أنطونيوس الكبير.

  • كيف يقدر أن ينال كمال نقاوة القلب من لا يُنَفِّذ الوصايا التي يظهرها الرسول: "احملوا بعضكم أثقال بعضٍ وهكذا تَمِّموا ناموس المسيح" (غل 2: 6)، ومن ليس لديه فضيلة المحبة التي هي: "لا تُقَبِّح... ولا تحتدُّ... ولا تظنُّ السوءَ... وتحتمل كلَّ شيءٍ... وتصبر على كل شيءٍ" (1 كو 4: 13 - 7)؟! لأن "الصدِّيق يُراعِي نفسه بهيمتهِ، أما مراحم الأشرار فقاسية" (أم 10: 12) [330].

الأب شيريمون.

  • إننا نرى بعضًا ممن زهدوا أمور هذا العالم، ليس فقط الذهب والفضة، بل والممتلكات الضخمة، يتضايقون ويضطربون من أجل سكِّينة أو قلم أو دبُّوس أو ريشة، بينما لو وجَّهوا أنظارهم نحو نقاوة القلب بلا شك ما كانوا يضطربون من أجل الأمور التافهة، فكما لا يبالون بالغِنَى العظيم، يتركون أيضًا كل شيء[331].

الأب موسى.

اُنْظُرِ الآنَ لأَنَّ الرَّبَّ قَدِ اخْتَارَكَ لِتَبْنِيَ بَيْتاً لِلْمَقْدِسِ،.

فَتَشَدَّدْ وَاعْمَلْ ". [10].

"الرب اختارك لتبني بيتًا للقدس" لذلك اطلب الرب واخدمه لكي يتم العمل من مبدأ حسن بطريقة مستقيمة ويكون مقبولاً. في اختصار جاءت وصاياه له:

  1. اعرف الرب معرفة شخصية.
  2. احفظ وصايا الرب وأَطِعْ أوامره.
  3. اعبد الرب بنقاوة قلب.
  4. اخدم الرب بفرحٍ.
  5. كن أمينًا: "انظر الآن" كن حذرًا من كل شيء يظهر أنه أو يؤول إلى شرٍّ.
  6. تشدَّدْ وتَشَجَّع، لا تترك مجالاً للإحباط ولا للخوف. فنحن لا نستطيع أن نُتَمِّمَ عملنا كما يجب أن لم نصُمم ونشحذ بكل قوانا من النعمة الإلهي.

الأعداد 11-19

3. تسليم سليمان تصميمات الهيكل

ليس من مجال لأي تصوُّر بشري في بناء هيكل الرب، إنما مثل موسى؛ قُدِّم نموذج الهيكل بالروح.

وَأَعْطَى دَاوُدُ سُلَيْمَانَ ابْنَهُ مِثَالَ الرِّوَاقِ وَبُيُوتِهِ وَخَزَائِنِهِ،.

وَعَلاَلِيِّهِ وَمَخَادِعِهِ الدَّاخِلِيَّةِ وَبَيْتِ الْغِطَاءِ، [11].

إن كان موسى قد تلقَّى طراز الخيمة من الله (خر 25: 9)، فإن شكل المؤسسات هنا قَدَّمه داود مُوحَى به من الله [19].

نُسِبَ التصميم المعماري للهيكل ومرفقاته لداود الملك، كما نُسِبَ التصميم المعماري للخيمة لموسى النبي (خر 25: 9؛ عب 9: 1 - 2)، والتصميم المعماري لهيكل العهد الجديد لحزقيال السرِّي (حز 46 - 48). والثلاثة تصميمات قيل إن الروح القدس هو الذي قام بإعلان رسمها [12؛ 19].

هذه الإنشاءات صُمِّمَتْ على مثال المقادس السماوية التي رآها موسى النبي على الجبل وأعلنها الله لداود وحزقيال. نظرها يوحنا الحبيب في رؤياه. هكذا يليق بالمؤمن الحقيقي أن يمارس العبادة لله على الأرض كأيقونة للعبادة في السماء.

من جهة التوجيه الذي أعطاه داود لابنه سليمان لطلب الله وخدمته، فإن كتاب الشريعة هو قانونه الوحيد، والآن لبناء الهيكل سَلَّمَه نموذجًا للمبنى لأنه كان ذا خصائص لم يَرها قط هو ولا مهندسوه، فنموذج خيمة الشهادة أراه الله لموسى على الجبل (عب 8: 5)، كذلك نموذج الهيكل أعطاه الله بيده لداود [19]، وقد أُعطى له كتابة ربما بخدمة ملائكة.

داود أعطى النموذج لسليمان لكي يعرف ماذا يُزَوِّد وماذا يُنَفِّذ حسب قانون مُعَيَّن، والسيد المسيح لما ترك لتلاميذه تعليمات لبناء كنيسة الإنجيل، أعطاهم نموذجًا دقيقًا لها وأمرهم أن يلاحظو ويتبعوا ما أمرهم به فقط.

وَمِثَالَ كُلِّ مَا كَانَ عِنْدَهُ بِالرُّوحِ لِدِيَارِ بَيْتِ الرَّبِّ.

وَلِجَمِيعِ الْمَخَادِعِ حَوَالَيْهِ،.

وَلِخَزَائِنِ بَيْتِ الله وَخَزَائِنِ الأَقْدَاسِ، [12].

في إقامة خيمة الاجتماع رأى موسى النبي نموذجًا أمام عينيه على الجبل، وأراد أن يُنَفِّذَه. أما هنا فقد أعلن داود أن تنظيم العبادة في الهيكل هي بوحي إلهي [12].

حتى الأواني المقدسة في الهيكل تختلف عنها في خيمة الاجتماع، لكن لم تختلف عنها في معناها.

"مثال كل ما كان عنده بالروح"، لا يمكن الاعتماد على تقوى داود أو حكمة سليمان في أمرٍ بهذا المقدار، فالهيكل يجب أن يكون مُقَدَّسًا ويحمل إشارة للسيد المسيح. يجب أن يكون فيه ليس فقط وسائل الراحة واللياقة، بل أيضًا كان نوعًا من الأسرار المقدسة، ولا يجب أن يُترَك لفن الإنسان أو خياله ليخترعه، ولكن يجب أن يُوحَى بتأسيس إلهي.

المسيح هو الهيكل الحقيقي، والكنيسة هي هيكل الإنجيل، والسماء هي الهيكل الأبدي وكلها مستوحاة من المشورة الإلهية، وُضِعَ المثال بحكمة إلهية مؤسسة قبل إنشاء العالم لمجد الله ومجدنا.

وَلِفِرَقِ الْكَهَنَةِ وَاللاَّوِيِّينَ،.

وَلِكُلِّ عَمَلِ خِدْمَةِ بَيْتِ الرَّبِّ،.

وَلِكُلِّ آنِيَةِ خِدْمَةِ بَيْتِ الرَّبِّ. [13].

المثال الخاص ذُكِرَ هنا "الرواق وبيوته وخزائنه وعلاليه ومخادعه الداخلية وبيت الغطاء"، وأعطاه قائمة لفِرَقِ الكهنة ولكل آنية بيت الرب، ومثال مركبة الكاروبيم (ع 18) فبجانب الكاروبين اللذين على الغطاء كان هناك كاروبان أكبر حجمًا وأجنحتهما كانت تُمَسُّ من حائط للآخر (1 مل 6: 23، 28) ولهذيْن أعطى داود لسليمان نموذجًا يُسَمَّى "المركبة" لأن الملائكة هم مركبة الله (مز 68: 17).

فَمِنَ الذَّهَبِ بِالْوَزْنِ لِمَا هُوَ مِنْ ذَهَبٍ لِكُلِّ آنِيَةِ خِدْمَةٍ فَخِدْمَةٍ،.

وَلِجَمِيعِ آنِيَةِ الْفِضَّةِ فِضَّةً بِالْوَزْنِ لِكُلِّ آنِيَةِ خِدْمَةٍ فَخِدْمَةٍ. [14].

حَدَّدَ مواد لأثمن أدوات الهيكل. ولكي لا يعمل أيّ شيء أقل من المثال فقد أعطاه وزنًا دقيقًا لكل إناء من الذهب والفضة (ع 14)، في خيمة الشهادة كان هناك منارة ذهبية واحدة ولكن في الهيكل عشرة (1 مل 7: 49).

وَبِالْوَزْنِ لِمَنَائِرِ الذَّهَبِ وَسُرُجِهَا مِنْ ذَهَبٍ بِالْوَزْنِ.

لِكُلِّ مَنَارَةٍ فَمَنَارَةٍ وَسُرُجِهَا،.

وَلِمَنَائِرِ الْفِضَّةِ بِالْوَزْنِ لِكُلِّ مَنَارَةٍ وَسُرُجِهَا.

حَسَبَ خِدْمَةِ مَنَارَةٍ فَمَنَارَةٍ. [15].

كان في خيمة الاجتماع منارة ذهبية واحدة (خر 25: 31 - 40)، أما هنا فوُجِدَتْ عدة منائر (1 مل 7: 49).

بجانب المنارات الفضية التي يُظَنُّ أنها منارات كانت تُحْمَل باليد [15]، وفي خيمة الشهادة كان هناك مائدة واحدة، ولكن في الهيكل بجانب مائدة خبز الوجوه كان هناك عشر أخرى (2 أي 4: 8) بجانب موائد فضية لأن الهيكل كان أكبر جدًا من الخيمة ولذلك استوجب أثاثات تُناسِب حجمه.

وَذَهَباً بِالْوَزْنِ لِمَوَائِدِ خُبْزِ الْوُجُوهِ لِكُلِّ مَائِدَةٍ فَمَائِدَةٍ،.

وَفِضَّةً لِمَوَائِدِ الْفِضَّةِ. [16].

وُجِدَتْ مائدة خبز الوجوه واحدة في خيمة الاجتماع (خر 25: 23)، وكذلك في هيكل سليمان (1مل 7: 48)، أما هنا فوُجِدَتْ عشر موائد.

وَذَهَبًا خَالِصاً لِلْمَنَاشِلِ وَالْمَنَاضِحِ وَالْكُؤُوسِ.

وَلأَقْدَاحِ الذَّهَبِ بِالْوَزْنِ لِقَدَحٍ فَقَدَحٍ،.

وَلأَقْدَاحِ الْفِضَّةِ بِالْوَزْنِ لِقَدَحٍ فَقَدَحٍ. [17].

وَلِمَذْبَحِ الْبَخُورِ ذَهَباً مُصَفًّى بِالْوَزْنِ،.

وَذَهَباً لِمِثَالِ مَرْكَبَةِ الْكَرُوبِيمِ.

الْبَاسِطَةِ أَجْنِحَتَهَا الْمُظَلِّلَةِ تَابُوتَ عَهْدِ الرَّبِّ. [18].

كان تابوت العهد على صورة عرش، لا على صورة مَرْكَبَة، غير أننا نرى السفر يكتب أنه على شكل مركبة، وهي في نفس الوقت العرش الإلهي كما جاء في (حز 1، 10).

الذهب الخاص بمذبح البخور ذُكِرَ أنه "ذهبًا مُصفّى" [18]، أيّ أنه أصفى من الآخرين لأنه كان نموذجًا لشفاعة المسيح الكفارية التي ليس هناك أكثر منها نقاوة وكمالاً.

وَقَالَ: "قَدْ أَفْهَمَنِي الرَّبُّ كُلَّ ذَلِكَ بِالْكِتَابَةِ بِيَدِهِ عَلَيَّ،.

أَيْ كُلَّ أَشْغَالِ الْمِثَالِ ". [19].

الأعداد 20-21

4. داود يُشَجِّع سليمان لاستلام العمل والسير فيه

قُدِّمَت لسليمان الخطة ومواد البناء، وخدام الهيكل واللاويون وتدابيرهم.

وَقَالَ دَاوُدُ لِسُلَيْمَانَ ابْنِهِ:

"تَشَدَّدْ وَتَشَجَّعْ وَاعْمَلْ.

لاَ تَخَفْ وَلاَ تَرْتَعِبْ،.

لأَنَّ الرَّبَّ الإِلَهَ إِلَهِي مَعَكَ.

لاَ يَخْذُلُكَ وَلاَ يَتْرُكُكَ حَتَّى تُكَمِّلَ كُلَّ عَمَلِ خِدْمَةِ بَيْتِ الرَّبِّ. [20].

إن كان داود قد حمل الشعب كما على ذراعي نفسه، ليُسَلِّمهم لله القائد الحقيقي، بدوره طمأن ابنه سليمان، مؤكدًا له أن الله هو الذي حفظه منذ طفولته ووهبه الحكمة والاستنارة والقوة كي يتصرَّف في المنازعات حسب فكرهِ الإلهي.

الله سيُعِينك ويجب أن تنظر إليه أولاً [20]: "الرب الإله إلهي معك الذي اخترت أن أعبده، الذي كان معي طول الأيام وأنجحني، والذي من خبرتي الشخصية لقوته وصلاحه أُقَدِّمه لك، فهو سيكون معك ليُرشِدَك ويُقَوِّيك ويُنجح طريقك، وسوف لا يرفضك أو يتركك، فيجب أن نكون متيقنين أن الله الذي اقتنى آباءنا وحملهم في خدمتهم في أيامهم كذلك سيعمل معنا ولا يتركنا أبدًا إذا كنا أمناء له مادام هناك عمل له فينا وبنا، فالتشجيع الذي قُدِّم ليشوع (يش 1: 5)، وسليمان، مُقَدَّم لكل المؤمنين (عب 13: 5)، فهو سوف لا يرفضك ولا يتركك، فالله لا يترك أحدًا إن لم يتركه هو أولاً.

  • "سيدي ماذا أفعل لو طالبوني بإصدار حكمٍ، لأنني صبي، ولم أتمرَّس على أعمالٍ حكيمةٍ؟".

قال داود: الرب الذي حفظني منذ طفولتي، وسلَّم في يديّ الثروات وكنز النبوة،.

يُعطِيك الحكمة والاستنارة والقوة والمعرفة لتستطيع أن تتصرَّف في المنازعات[332].

القديس مار يعقوب السروجي.

وَهُوَذَا فِرَقُ الْكَهَنَةِ وَاللاَّوِيِّينَ لِكُلِّ خِدْمَةِ بَيْتِ الله.

وَمَعَكَ فِي كُلِّ عَمَلٍ كُلُّ نَبِيهٍ بِحِكْمَةٍ لِكُلِّ خِدْمَةٍ وَالرُّؤَسَاءُ،.

وَكُلُّ الشَّعْبِ تَحْتَ كُلِّ أَوَامِرِكَ ". [21].

أناس صالحون سيعضدونك [21]، الكهنة واللاويون سيرشدونك وتستطيع استشارتهم، وعندك عاملون صالحون وهم مهرة ومطيعون وهاتان صفتان مهمتان في الذين يعملون بالهيكل، وأخيرًا القادة والشعب سيكونون أبعد ما يكون عن معارضة أو تأخير العمل وجميعهم تحت أمرك كُلَّ في مكانه مستعد لإكماله وبذلك فالعمل الصالح سيستمر مادام كل المشتركين يعملون من كل قلوبهم.

من وحي 1 أي 28.

هيِّئ كل كياني لإقامة هيكلك في أعماقي!

  • انشغل داود الملك بإقامة هيكلٍ لك.

قَدَّم كل ما لديه بحبٍ وسرور،.

إذ وجد سعادته وفرحه فيك.

هيَّأ قلب ابنه وقلوب كل القادة والشعب،.

ليشترك الكل في بناء هيكلك العظيم بسرورٍ.

  • من يُعِدُّ قلبي وفكري وكل طاقتي لهذا العمل؟

ليس لي ذهب وفضة أُقَدِّمهما لبناء هيكلك.

بدمك الثمين وحُبِّك العجيب ونعمتك الفائقة،.

تُقِيم هذا المبنى العجيب في داخلي!

إنه لا يحتاج إلى أيادٍ بشرية،.

ولا إلى حجارة وخشب ومواد بناء،.

أنت تُقِيمه بروحك القدوس،.

يهبني من فيض قداستك ووداعتك وحُبِّك،.

من فيض أسرارك الإلهية وبهائك ونورك،.

فتُقِيم موضعًا لك فيَّ تسند فيه رأسك.

تُقِيم سماءً جديدةً يفرح بها السمائيون!

تُقَِيم فيه ينبوع حُبٍ لا ينضب!

تُقِيم فيه فيض فرحٍ وتهليل لا يتوقَّف!

  • تعالَ أيها الرب يسوع وأبوك الصالح وروحك القدوس.

لتُعلِن حضورك الإلهي في أعماقي.

فأنت الذي وضعتَ تصميم المبنى.

أنت الذي تُدَشِّنه بقداستك،.

أنت الذي تُزَيِّنه ببهائك.

أنت الذي تحفظه وتحرسه،.

فلا يتسلَّل عدو الخير إليه!

  • احتاج داود رجل الحروب إلى سليمان ليبني البيت.

وأنا أول الخطاة مُحتاج إليك يا ملك السلام،.

لتُقِيم عرشك في داخلي.

وتُحَوِّل قلبي الترابي إلى ملكوتك!

لتملك وتُقَدِّس وتفتح أبواب قلبي لبرِّك!


[316] De Ren. , 10.

[317] Reg. Fus. 26.

[318] Reg. Fus. 43.

[319] Reg. Brev. 98; Reg. Fus. 25.

[320] Reg. Fus. 52.

[321] Reg. Brev. 98.

[322] PG 47: 387 - 392. Bour,vol. 1, Part1, ch. 12.

[323] ميمر عن المعمودية المقدسة.

[324] الميمر 9 على المعمودية المقدسة (راجع نص بول بيجان ترجمة الدكتور بهنام سوني).

[325] الفيلوكاليا، 1993، ص 177.

[326] Commentary on John, Book 28: 19 – 22.

[327] ميمر 11 على الزانيتين (راجع الأب بول بيجان ترجمة دكتور سوني بنهام).Stephen A. Kaufman: Jacob of Sarug's Homily on the Judgment of Solomon, Gorgias, 2008.

[328] Against the Pelagians, 3: 1.

[329] رسالة 20.

[330] Cassian: Conferences 11: 10.

[331] Cassian Conf. 1: 6.

[332] ميمر 11 على الزانيتين (راجع الأب بول بيجان ترجمة دكتور سوني بنهام).Stephen A. Kaufman: Jacob of Sarug's Homily on the Judgment of Solomon, Gorgias, 2008.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

اَلأَصْحَاحُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ - سفر أخبار الأيام الأول - القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح السابع والعشرون - سفر أخبار الأيام الأول - القمص تادرس يعقوب ملطي