اَلأَصْحَاحُ الثَّالِثُ وَالثَّلاَثُونَ – سفر أخبار الأيام الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 14- تفسير سفر أخبار الأيام الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

اَلأَصْحَاحُ الثَّالِثُ وَالثَّلاَثُونَ

الملك مَنَسَّى وابنه آمون.

يسرد هذا الأصحاح الشر العظيم الذي ارتكبه الملك مَنَسَّى (687 - 642 ق. م، كان شريكًا في العرش منذ 697 ق. م)، وقد جاء الحديث مُطابِقًا كلمة بكلمة بما ورد في (2 مل 21: 1 - 9).

تمتع حزقيا بعدة إمكانيات من القوة والسلطة والغِنَى (2 أي 27: 32 - 29)، لكن لم تتسبب تلك الأمور في بُعْدِه عن طريق الله ووصاياه. وعلى عكس ذلك نجد مَنَسَّى ابنه الذي تولَّى الحكم كشف المال والسلطة عن خفايا قلبه الداخلية. فالغِنَى المفاجئ لشخص ما عن طريق الميراث أو أي عمل يكشف عن الأغراض والأهداف الدفينة في القلب. هل هو يخدم الله وإخوته ويُتاجر ويربح، أم يخدم نفسه وأنانيته؟

في تاريخ حزقيا رأينا أن الله يخبره بسبي يهوذا إلى بابل كنتيجة لخطية الكبرياء التي سقط فيها. تواضع حزقيا وشعبه أمام هذا الحكم مما جعل الله يؤجِّل تنفيذ القضاء إلى وقتٍ لاحقٍ بعد موت حزقيا. ساء موقف يهوذا في علاقته بالله، واقتيد مَنَسَّى مُقيَّدًا بالسلاسل إلى بابل، حيث كانت في ذلك الوقت تحت سلطان أشور.

ينقسم حكم مَنَسَّى الذي استمر 55 سنة إلى ثلاث مراحل:

1. فترة العبادة الوثنية.

2. سقوطه في السبي.

3. رجوعه من السبي، حيث صرخ مَنَسَّى كما من أعماق الهاوية، وتذلل أمام إله آبائه، واعترف بخطئه، فصار إنسانًا جديدًا.

لم يذكر سفر الملوك سقوطه في السبي ولا توبته واعترافه بخطئه، ربما لأن كثرة شروره وبشاعتها واستمراره في ارتكابه لها مدة طويلة أَثَّرَت على الشعب حتى بعد توبته. تجاهل سفر الملوك قصة توبة مَنَسَّى؛ لكنه لم ينكرها، إنما كان هدف الكاتب إظهار شر الأمة الذي أدى إلى هلاكهم. أما هنا فذُكِرَت توبته في شيءٍ من التفصيل مع تأكيد غِنَى مراحم الله وطول أناته وقوة نعمته واهبة التجديد. يرى البعض أن سفر الملوك يهتم بالحديث عما يمسُّ الشعب، أما أخبار الأيام فما يشغله الحالة الشخصية للملك، لذلك لم يذكر سفر الملوك توبة مَنَسَّى.

1. شروره وارتداده عن الله 1 - 10.

2. توبته ونجاحه 11 - 17.

3. ختام مُلْكِه 18 - 20.

4. الملك آمون وشروره 21 - 25.

* صلاة مَنَسَّى.

الأعداد 1-10

1. شروره وارتداده عن الله

كَانَ مَنَسَّى ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً حِينَ مَلَكَ،.

وَمَلَكَ خَمْسًا وَخَمْسِينَ سَنَةً فِي أُورُشَلِيمَ. [1].

وُلِدَ بعد ثلاث سنوات من امتداد عُمْر أبيه حزقيا. هذا يجعل البعض يتساءل: هل كان سبب حزن حزقيا على موته حين جاءه إشعياء يخبره بأنه سيموت، أنه لم يكن لديه ابن يرثه (٢ مل ١: ٢٠)؟ وفي نفس الوقت يتساءل البعض: إن كان حزقيا لم يكن قد أنجب ابنًا يرثه، كيف قال له إشعياء النبي: "هوذا أيام يحمل فيها كل ما في بيتك... ويؤخذ من بنيك الذين يخرجون منك الذين تلدهم، فيكونون خصيانا في قصر ملك بابل" (٢ مل٢٠: ١7 - ١٨)؟

يمكن القول بأنه إلي يوم مرضه الشديد ومجيء إشعياء إليه يخبره أنه لا يعيش لم يكن قد أنجب ابنًا، وكان النبي يتحدَّث عما سيحدث لأبنائه أنهم يكونون خصيانًا في قصر ملك بابل بروح النبوة، أنه إذ يوهب خمسه عشر عامًا ينجب أبناء، وغالبًا ما كان مَنَسَّى هو الابن الأكبر.

تُرَى هل أهمل حزقيا التقي في تربية ابنه، فصار الابن مدللاً، لا يلتزم في طفولته وصباه بحياة روحية لائقة؟ أم أنه اهتم به، ولكن بعد موت حزقيا انحرف الصبي مَنَسَّى وراء الشهوات وأعطى أذنه لمشيرين أشرار؟

وَعَمِلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ حَسَبَ رَجَاسَاتِ الأُمَمِ،.

الَّذِينَ طَرَدَهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَمَامِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. [2].

سلك مَنَسَّى حسب رجاسات الأمم:

أولاً: قام ببناء أو سمح بإعادة بناء المعابد الوثنية في البلاد، مُحَطِّمًا ما فعله حزقيا أبوه.

ثانيًا: قام بتدنيس هيكل الرب نفسه، بإقامة مذابح وثنية في داخله [4 - 5].

ثالثًا: أعاد تقديم الذبائح البشرية، مُقَدِّمًا أبناءه ذبائح.

رابعًا: انشغل بالسحر والخزعبلات [6].

سُجِّلَت خطايا مَنَسَّى في 2 مل 21: 3 - 6؛ إر 7: 31، جاء فيها: "وبنوا مرتفعات توفة التي في مادي ابن هنوم، ليحرقوا بنيهم وبناتهم بالنار الذي لم آمر به ولا صعد على قلبي".

يقف القارئ في ذهول للتحوُّل السريع في جيلٍ واحدٍ، من ملك يُكَرِّس طاقاته للعمل لحساب ملكوت الله إلى ابنه الذي يهدم كل ما فعله والده، ويبذل كل طاقاته للعمل لحساب العبادة الوثنية.

يرى البعض أن خلاص أورشليم في أيام حزقيا بطريقة مفاجئة دون الدخول في معركة جعل البعض يحسبون أن أورشليم لم ولن تسقط يومًا ما مهما كان شر القائد والشعب. على هذا أعطى مَنَسَّى العنان لنفسه للملذات الشهوانية. هذا ما حذَّر منه إرميا النبي (إر 7: 4).

هذا وكان مَنَسَّى قاتلاً وعنيفًا حتى قَدَّمَ أبناءه ذبائح 2 مل 21: 3 - 11. كتب يوسيفوس المؤرخ اليهودي عنه: [ذبح بطريقة بربرية كل الأتقياء بين اليهود، ولم يعفِ الأنبياء من ذلك، فكان في كل يومٍ يقتل بعضًا منهم، حتى صارت أورشليم تفيض بالدم[375].].

أحد الأنبياء المرموقين الذين قتلهم مَنَسَّى هو العظيم إشعياء. جاء في قصة عن استشهاده أن الملك أمر بنشره، وقطع جسمه إلى قطعتين[376].

وَعَادَ فَبَنَى الْمُرْتَفَعَاتِ الَّتِي هَدَمَهَا حَزَقِيَّا أَبُوهُ،.

وَأَقَامَ مَذَابِحَ لِلْبَعْلِيمِ، وَعَمِلَ سَوَارِيَ،.

وَسَجَدَ لِكُلِّ جُنْدِ السَّمَاءِ وَعَبَدَهَا. [3].

حَطَّم كل الإصلاح الذي قام به حزقيا أبوه، فإن كان حزقيا قد كَرَّسَ حياته لإعادة العبادة لله الحي، جاء ابنه يُكَرِّس حياته لتحطيم عبادة الله ونشر العبادة الوثنية.

وَبَنَى مَذَابِحَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ،.

الَّذِي قَالَ عَنْهُ الرَّبُّ فِي أُورُشَلِيمَ يَكُونُ اسْمِي إِلَى الأَبَدِ. [4].

وَبَنَى مَذَابِحَ لِكُلِّ جُنْدِ السَّمَاءِ فِي دَارَيْ بَيْتِ الرَّبِّ. [5].

وَعَبَّرَ بَنِيهِ فِي النَّارِ فِي وَادِي ابْنِ هِنُّومَ،.

وَعَافَ وَتَفَاءَلَ وَسَحَرَ.

وَاسْتَخْدَمَ جَانًّا وَتَابِعَةً،.

وَأَكْثَرَ عَمَلَ الشَّرِّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ لإِغَاظَتِهِ. [6].

نجَّس بيت الرب بعبادة الأوثان، وعبَّر بنيه في النار للإله ملوك. جعل وسائط الشيطان الشريرة مصادر إرشاده واستشاراته. كان أشبه بالذين يعبدون الشيطان في العصر الحديث.

وَوَضَعَ تِمْثَالَ الشَّكْلِ الَّذِي عَمِلَهُ فِي بَيْتِ الله،.

الَّذِي قَالَ الله عَنْهُ لِدَاوُدَ وَلِسُلَيْمَانَ ابْنِهِ فِي هَذَا الْبَيْتِ وَفِي أُورُشَلِيمَ،.

الَّتِي اخْتَرْتُ مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ أَضَعُ اسْمِي إِلَى الأَبَدِ. [7].

تمثال الشكل هو تمثال للملك ليعبدوه كإله.

وَلاَ أَعُودُ أُزَحْزِحُ رِجْلَ إِسْرَائِيلَ عَنِ الأَرْضِ الَّتِي عَيَّنْتُ لآبَائِهِمْ،.

وَذَلِكَ إِذَا حَفِظُوا وَعَمِلُوا كُلَّ مَا أَوْصَيْتُهُمْ بِهِ،.

كُلَّ الشَّرِيعَةِ وَالْفَرَائِضِ وَالأَحْكَامِ عَنْ يَدِ مُوسَى. [8].

استخف باختيار الرب صهيون مكان راحته إلى الأبد، وإسرائيل شعبه الذي أقام معهم ميثاقًا.

وَلَكِنْ مَنَسَّى أَضَلَّ يَهُوذَا وَسُكَّانَ أُورُشَلِيمَ لِيَعْمَلُوا.

أَشَرَّ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ طَرَدَهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَمَامِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. [9].

انحراف مَنَسَّى دفع بالمملكة سريعًا إلى الهاوية للتباين بين حكمه وحُكْمِ أبيه، حتى صارت يهوذا أَشرّ من الأمم.

وَكَلَّمَ الرَّبُّ مَنَسَّى وَشَعْبَهُ، فَلَمْ يُصْغُوا. [10].

لم يصغِ مَنَسَّى وشعبه لصوت الرب. يلاحظ في هذا كله الآتي:

1. أنه ليس بالأمر الغريب ولكنه مُحزِنٌ للغاية أن بعض الأبناء الذين تَرَبُّوا في بيوت مُقَدَّسة وصالحة، يُقاوِمون الله، ويحرمون أنفسهم من نعمته. لذا يليق بالوالدين أن يطلبوا باستمرار أن تعمل نعمة الله في أبنائهم وأحفادهم. إنهم يستطيعون أن يُقَدِّموا لأبنائهم غِنَى وكرامة زمنية، أما التقوى، فتحتاج إلى نعمة الله أن تعمل فيهم.

2. يليق بالكنيسة التي تسلك بالروح أن تطلب بإلحاح من الله ألا تنحرف الأجيال القادمة، بل أن تنمو في الروح، وتكون أكثر روحانية مما هي عليه.

الأعداد 11-17

2. توبته ونجاحه

فَجَلَبَ الرَّبُّ عَلَيْهِمْ رُؤَسَاءَ ْجُنْدِ مَلِكِ أَشُّورَ،.

فَأَخَذُوا مَنَسَّى بِخِزَامَةٍ وَقَيَّدُوهُ بِسَلاَسِلِ نُحَاسٍ،.

وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى بَابِلَ. [11].

كلمة "بابل" هنا لا تعني مدينة بابل، وإنما منطقة بابلون، أو بابلونيا Bablonia في الإمبراطورية الأشورية، كانت نينوى في منطقة بابيلون، وهي حاليًا في العراق.

إذ قاوم مَنَسَّى الله نفسه وعبد الأوثان، أَذَلَّه رئيس جيش أشور الوثني. هكذا إن كان عدو الخير يبذل كل الجهد ليغري المؤمنين على الشرِّ، فإنه إذ يسقط المؤمن في الشر، يذله الشر نفسه.

قيل إن لسبي مَنَسَّى قصة، فقد كان ملك أشور غالبًا أشور بانيبال، وكان أخوه يحكم في بابل كنائبٍ عنه. يبدو أن أخاه قام بحركة تمرُّد ضد أشور بانيبال، وكان ذلك غالبًا في عام 648 ق. م. قام أشور بانيبال بإخماد الحركة واشتبه أن مَنَسَّى من بين المشتبه فيهم أن لهم دورًا في حركة التمرُّد، فأراد أن يذلَّه.

لم يأخذ مَنَسَّى في محنته موقف العناد كما فعل آحاز، الذي ضاعف تعدِّيه.

غضب الله حب وحنو!

دُهِشْتُ لعمل الله العجيب؛ فبينما كانت كلمات الفقرات التالية أمامي لأكتب تعليقًا عليها، إذا بأحد الأحباء يتصل بي ليعاتبني لأنني وسط أحاديثي عن تعزيات رب المجد يسوع للكثيرين في أحداث انفجار السيارة المُفَخَّخة ليلة رأس السنة (2011م) أمام كنيسة القديسيْن مار مرقس والبابا بطرس بالإسكندرية والبركات العجيبة التي قدَّمها الله للكنيسة، يلزمنا أن نذكر بأن هذه التجربة دعوة لكل مؤمنٍ ليمارس بحق التوبة، لأن الله يغضب علينا كأولاد لله نتهاون أحيانًا مع الخطية.

غضب الله خاصة نحو كنيسته أو أولاده ليس انتقامًا كانتقام البشر، ولا يصدر عن بغضه، فإن الله كلي الحب لكل البشرية، خاصة للملتصقين به.

تكشف كلمات القديس مار يعقوب السروجي التالية عن سمو غضب الله وعذوبته. فالله يدعونا أن نحمل صورته، ويدعونا أن نسعى بلا توقُّفٍ كل حياتنا "إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله إلى إنسان كامل إلى قياس قامة ملء المسيح" (أف 4: 13).

يسمح الله بالضيقات لأنها تسندنا بنعمته أن ننضم إلى فئة شبه السمائيين، إن صحَّ لنا القول.

  • المجد لك، يا ربي، إذ بكل الوسائل والطرق تُرِيد أن تربح كل من يسمع بتمييزٍ (وتعقلٍ).

بالبرِّ والنعمة، تَتَقَدَّم كطبيبٍ لكل محتاج إلى الصحة.

من هنا يهتم محيي الكل أن يشفي، لأنه قادر أن يحيي كل البشر.

معه الغضب وأيضًا له الغفران؛ الغيرة والحنق؛ موجود فيه السلام والحب.

في جانبٍ واحدٍ يفيض بالعطاء العظيم لسائليه، وفي الجانب الآخر يمنع قطرة (ماء) عن طالبيه.

رحمته تمتزج بالخوف، وأيضًا انتقامه بالحنو العظيم.

يُهَدِّد ويُفَّرح؛ مملوء رحمة وكثير الانتقام.

في جانبٍ واحدٍ دعا اللص ليدخل الفردوس (لو 23: 43)، وفي الجانب الآخر طرد من عنده صانعي القوات (مت 7: 22).

في وقتٍ تَقَبَّل من زانية دموعها (لو 7: 44)؛ وفي وقت آخر منع بنات أورشليم أن يبكين (لو 23: 28).

في موضعٍ أعطى دينارًا للفعلة الآخرين (مت 20: 9)؛ وفي موضع آخر أخرج الكهنة من ملكوته (مت 8: 12).

لم يعرف هؤلاء الذين أخرجوا الشياطين باسمه (مت 7: 22)؛ وللصٍ قال: اليوم تكون معي في الفردوس (لو 23: 43).

دعا واحدًا من العشارين أن يتبعه (مت 9: 9)؛ وآخر زاحم أن يأتي خلفه، ولم يعطه ذلك (مت 8: 19 - 20).

هذا جميعه لأجل حياة البشر؛ بكل وسيلة لا يسمح أن يهلك ولا واحد من بيت الآب.

خوَّف الصالحين لئلا يستندوا على الافتخار؛ وشَجَّعَ الأشرار لئلا يسقطوا في قطع الرجاء.

بحكمته وَبَّخ أولئك من الكبرياء؛ وبنعمته دعا هؤلاء للتوبة.

قال: إن كنت تصنع قوات وتفتخر لست تعرفني؛ ومن كان عشارًا وفيه حب، فليأتِ إليَّ.

من يخرج الشياطين وينتفخ هو فاعل إثم؛ وإن كانت زانية تبكي فهي خير منه بكثيرٍ.

وضع للمتجاسرين أساس الجحيم؛ وحثَّ المتكاسلين بالفعلة الآخرين.

بساعةٍ واحدةٍ شوَّق هؤلاء للتوبة، وأولئك خوَّفهم حين قال: هوذا الأولون يصيرون آخرين، ويكونون في ملكوت السماوات (مت 20: 16).

أيها الخاطي، لك رجاء عظيم إن كنتَ تتوب؛ وخوَّف البار وأرعبه لئلا يتراخى.

يبدو قاسيًا على الصالحين؛ ويوقظ الغضب على الأبرار.

إنه بسيط مع الأشرار، ومملوء تحنُّنًا على الخطاة...

هذا الطبيب مملوء حكمة، ومع الكل يصير كالكل، وبمهارةٍ يعطي العونَ لكل أحدٍ.

من كان صحيحًا يعطيه طعامًا قويًا، ويُقَدِّم للمرضى كل واحدٍ ما يناسبه[377].

القديس مار يعقوب السروجي.

وَلَمَّا تَضَايَقَ طَلَبَ وَجْهَ الرَّبِّ إِلَهِهِ،.

وَتَوَاضَعَ جِدًّا أَمَامَ إِلَهِ آبَائِهِ [12].

جاء في النسخة الكلدانية الإضافة التالية: [إذ صنع الكلدانيون بغلاً نحاسيًا، وكان مملوءًا ثقوبًا، ووضعوه في داخله، أشعلوا نارًا حوله، وإذ كان في هذا البؤس، طلب عونًا من الأصنام التي صنعها، لم ينل شيئًا، إذ لا تنفع في شيءٍ. لذلك تاب، وصَلَّي أمام الرب إلهه، وتواضع جدًا في عيني الرب إله آبائه[378].].

قدم مَنَسَّى توبة، وأصلح من طرقه، لكن بقيت آثار الشرور التي مارسها لمدة طويلة وسط الرؤساء والشعب، حتى عندما قام يوشيا الملك بإصلاحاته فيما بعد لم يستطع أن يُغَيِّرَ مصير أورشليم وسقوطها أمام البابليين. وحُسِبَ هذا الانهيار أو السبي البابلي بسبب خطايا مَنَسَّى (2 مل 24: 3).

استجاب الله لتوبة مَنَسَّى بالرغم من كثرة شروره، ومرارة آثارها على الرؤساء والشعب، ذلك لأن توبته جاءت حسب مَسَرَّة الله، إذ قيل هنا:

١. طلب الرب [١٢]: قد يعترف الإنسان بشرِّه مثل يهوذا بعدما خان السيد المسيح، لكنه لم يطلب الرب. فالعنصر الرئيسي في التوبة ليس معرفة خطايانا واعترافنا بها فحسب، وإنما يلزم تقديم الجانب الإيجابي وهو الشوق نحو الرجوع إلي الرب والالتصاق به وخدمته. هذا ما نلمسه في توبة بطرس الرسول بعد جحده للرب. وها نحن نلمسه هنا مع مَنَسَّى.

٢. التواضع أمام الرب [١٢] فإن الرب قريب من المتواضعين.

٣. الصلاة لله [١٣]، فطلب الرب من كل القلب والتواضع أمامه زكياه أمام الله بالصلاة إليه.

  • ليس هناك من يحزننا مثل ذلك الساقط في الخطية، الذي يتذكَّر خطاياه ليتلذذ بالأمور الجسدية الأرضية، بدلاً من أن ينشغل ذهنه بسبل معرفة الله الجميلة!

فآدم أخفى نفسه عندما عرف بحضور الله. راغبًا في الاختباء عندما دعاه الله بذلك الأمر الذي جرح به نفسه (عدم ملاقاة الرب)، قائلاً: "آدم أين أنت؟" (تك 3: 9). بمعنى "أين تخفي نفسك؟ لماذا تختبئ؟ لماذا تهرب من الله الذي كنت تتوق إلى رؤيته؟!

القدِّيس أمبروسيوس.

  • كما أن الأرض لا تعطي ثمارا بغير بذار... هكذا الإنسان لا يستطيع أن يصنع توبة بغير التواضع وتعب الجسد.

القديس إشعياء الإسقيطي.

  • الصلاة الممتدَّة والدموع الغزيرة تجتذبان الله للرحمة.

العلامة أوريجينوس.

  • سبيلنا نحن أيضًا أن نتوسل إلى الله، لكي يُجَرِّدَنا من الإنسان العتيق ويلبسنا المسيح السماوي... لأن الرب عندما شاء أن يشبعنا بذوق ملكوته قال: بدوني لا تقدرون أن تعملوا شيئًا (يو 15: 5).

يجب على كل واحدٍ منا أن يغصب نفسه على التوسل إلى الله، لكي يُحسَب أهلاً لنوال كنز الروح السماوي، لكي يقدر بلا تعبٍ وصعوبة أن يُتَمِّمَ وصايا الرب كلها بطهارة وبدون عيب[379].

القدِّيس مقاريوس الكبير.

وَصَلَّى إِلَيْهِ، فَاسْتَجَابَ لَهُ وَسَمِعَ تَضَرُّعَهُ،.

وَرَدَّهُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، إِلَى مَمْلَكَتِهِ.

فَعَلِمَ مَنَسَّى أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الله. [13].

لا نعلم المدة التي قضاها في السبي، ولا كيف عاد من السبي.

اقتبس آدم كلارك إضافة غالبًا من النسخة الكلدانية حيث واضح أنها تكملة للإضافة السابقة في (ع 12). [إذ كان يصلي هكذا (وهو في البغل النحاسي) خرج كل الملائكة الرؤساء إلي أبواب الصلاة التي في السماء، وأغلقوا كل أبواب الصلاة وكل النوافذ والمنافذ التي للسماء، لئلا تُسمَع صلاته. للحال تحرَّكت مراحم خالق العالم، الذي يبسط يمينه لاستقبال الخطاة الذين يتحوَّلون إلي مخافته، والذين تنسحق رغبات قلوبهم بالتوبة. عندئذ صنع نافذة في السماء تحت عرش مجده وسمع صلاته، وقبل طلبته بحنوٍ. وعندما هَزَّت كلمة الرب الأرض، انفجر البغل وهرب (الملك). عندئذ خرج الروح من بين أجنحة الكاروبيم الذين أوحي لهم خلال مرسوم كلمة الرب، عاد إلي مملكته في أورشليم. عندئذ عرف مَنَسَّى أن الرب الإله هو الذي صنع هذه العجائب والآيات، وعاد إلي الرب بكل قلبه. ترك مَنَسَّى كل أصنامه، ولم يعد يعبدها بعد[380].].

هذه الإضافة وإن أبرزت حنو الله غير أنها لا تتفق مع نظرة الكتاب المقدس نحو القوات السماوية التي تشتهي خلاص البشرية، وتُسَبِّح الرب المُخَلِّص من أجل محبته للبشر.

سمح الله بمذلة مَنَسَّى في صورة مُرَّة، لئلا يذهب إلى بابل بدون مَذَلَّة، فيعبد آلهة البابليين. راجع مَنَسَّى نفسه، وأدرك أن الآلهة التي تعبَّد لها عاجزة عن مساعدته، وأنه لا طريق للخلاص إلا بالرجوع إلى الله الحيّ بالتوبة والتواضع.

أما ثمار توبته فهي:

1. عَلِمَ مَنَسَّى أن الرب هو الله [13]. ما لم يستطع أن يَتَعَلَّمَه من والده التقي وهو في القصر الملكي مُدَلَّلاً، أدركه وهو مُقَيَّد بسلاسل من نحاس وممسوك بخزامة، يعيش في بابل في مَذَلَّة.

2. اهتم ببناء أسوار لمدينته [14]، كما بنى أسوار عالية لأعماقه لحفظها من العدو غير المنظور.

3. أزال الآلهة الغريبة وطرحها خارج المدينة [15]، وقال لها: "اخرجي" (إش 33: 22).

4. عاد إلى عبادة الله الحيّ "ورَمَّم مذبح الرب" [16]، الذي أُهمِلَ لمدة طويلة أو قام كهنة الأوثان بتكسيره. وذبح عليه ذبائح سلامة وشكر. صار يشكر الله على خلاصه.

كما سبق أن أَضَلَّ شعبه، ودفعهم لعبادة الأوثان، بعد توبته "أمر يهوذا أن يعبدوا الرب إله إسرائيل" [16]. استطاع أن يُبْعِدَهم عن الآلهة الكاذبة، لكنهم استمرُّوا يعبدون الرب على المرتفعات [17].

يقول عنه يوسيفوس أنه في كل بقية حياته تغيَّر إلى الأفضل، ونُظِرَ إليه كرجلٍ مبارك.

  • أبناؤنا الأحباء، لقد سمعنا كيف عاقبه الرب الإله إلى حين ذاك الذي أدمن الوثنية، وذبح أشخاصًا أبرياء كثيرين، ومع هذا قبله عندما تاب، وغفر له معاصيه، ورَدَّه إلى مملكته. فإنه ليس فقط يغفر للتائبين، بل ويردّهم إلى كرامتهم السابقة[381].

الدسقولية.

  • كان مَنَسَّى شريرًا إلى أبعد حد (2 مل 21: 2 - 7). لقد نشر إشعياء ومَزَّقه، وتَدَنَّس بكل العبادات الوثنية، ولطخ أورشليم بدم الأبرياء. لكنه عندما أُسِرَ، استخدم خبرته في محنته مستعينًا بالتوبة كعلاج، إذ يقول الكتاب عنه إنه تواضع جدًا أمام الرب، وصَلَّى إليه، فاستجاب له، ورَدَّه إلي مملكته (2 أي 33: 12). فإن كانت التوبة قد أنقذت مَنْ نَشَرَ النبي ومَزَّقه، أفما تُخَلِّصك أنت يا من لم ترتكب مثل هذا الشر العظيم؟! [382].

القديس كيرلس الأورشليمي.

  • ينصت الآب إليك وأنت تتكلم في داخل نفسك، ويسرع لمقابلتك. عندما تكون لا تزال بعيدًا يراك ويركض.

إنه ينظر ما في داخل قلبك، ويُسرِع حتى لا يؤخرك أحد، بل ويحتضنك.

"مقابلته لك" هي سبق معرفته، و "احتضانه لك" هو إعلان رحمته، وتعبير عن حُبِّه الأبوي.

يقع على عنقك لكي يُقِيمَك أنت الساقط تحت ثقل الخطايا، ولكي يُرجعك إلى السماء إذ اتجهت إلى الأرض، فتطلب خالقك.

يقع المسيح على عنقك، لكي يُخَلِّصَ عنقك من نير العبوديَّة، فيحملك نيره الهَيِّن (مت 11: 30)...

يقع على عنقك بقوله: "تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم، احملوا نيري عليكم" (مت 11: 28). هكذا يحتضنك الرب عندما تتوب[383].

القدِّيس أمبروسيوس.

  • أيها الحق الكلي القداسة، كيف أُغَنِّي لك!

لقد نذرت هذا اليوم أن يكون عيدًا لك.

لكنني أنا معتم قبل أن يَحِلَّ الليل.

بالتأكيد أُقَدِّم صلاتي، لكنني أحسب أنني قادر على حفظ شعاع مصباحك في هذا الشعاع الخالي من العيوب، والبهي.

لكن قدمي قد زلَّت، وإذ سقطتُ أرضًا جاء عدوي المُظْلِم، وسلبني لهيب السماء!

أَعِنْ ظلمتي، حتى أصير يا رب نورًا!

القديس غريغوريوس النزينزي.

  • يا ابن الله افتح لي بحُبِّك الباب العظيم؛ أنت هو الباب وطريق الحياة للسائرين فيك.

أيها الصاحب (الصديق) الصالح، معك أسير إلى الذي أرسلك؛ لأن الشرير بالتصاقه بالعالم صحبه كثيرون.

بك أَتَقَدَّم للحديث معك، يا مُعَلِّم الحياة، لأن بدونك لا يستطيع إنسان أن ينظر أبيك[384].

القديس مار يعقوب السروجي.

وَبَعْدَ ذَلِكَ بَنَى سُورًا خَارِجَ مَدِينَةِ دَاوُدَ غَرْبًا إِلَى جِيحُونَ فِي الْوَادِي،.

وَإِلَى مَدْخَلِ بَابِ السَّمَكِ،.

وَحَوَّطَ الأَكَمَةَ بِسُورٍ وَعَلاَّهُ جِدًّا.

وَوَضَعَ رُؤَسَاءَ جُيُوشٍ فِي جَمِيعِ الْمُدُنِ الْحَصِينَةِ فِي يَهُوذَا. [14].

ربما أعاد بناء نقط الضعف في السور وقَوَّاها، وكان قد قام الأشوريون بهدمها.

وَأَزَالَ الآلِهَةَ الْغَرِيبَةَ وَالصَّنَمَ مِنْ بَيْتِ الرَّبِّ،.

وَجَمِيعَ الْمَذَابِحِ الَّتِي بَنَاهَا فِي جَبَلِ بَيْتِ الرَّبِّ وَفِي أُورُشَلِيمَ،.

وَطَرَحَهَا خَارِجَ الْمَدِينَةِ. [15].

قام بكل ما في استطاعته أن يفعله من إزالة الأصنام التي أقامها والده، وتطهير العبادة لله الحقيقي. لقد طرح ما يمت للعبادة الوثنية خارج المدينة، وكان يلزمه تدميرها. لكن للأسف أعادها ابنه فيما بعد.

وَرَمَّمَ مَذْبَحَ الرَّبِّ وَذَبَحَ عَلَيْهِ ذَبَائِحَ سَلاَمَةٍ وَشُكْرٍ،.

وَأَمَرَ يَهُوذَا أَنْ يَعْبُدُوا الرَّبَّ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ. [16].

إِلاَّ أَنَّ الشَّعْبَ كَانُوا بَعْدُ يَذْبَحُونَ عَلَى الْمُرْتَفَعَاتِ،.

إِنَّمَا لِلرَّبِّ إِلَهِهِمْ. [17].

جاء في الترجوم: [مع ذلك ذبح الشعب على المرتفعات، ولكن فقط لاسم كلمة الرب إلههم[385].].

الأعداد 18-20

3. ختام مُلْكِه

وَبَقِيَّةُ أُمُورِ مَنَسَّى وَصَلاَتُهُ إِلَى إِلَهِهِ،.

وَكَلاَمُ الرَّائِينَ الَّذِينَ كَلَّمُوهُ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ،.

هِيَ فِي أَخْبَارِ مُلُوكِ إِسْرَائِيلَ. [18].

كلام الرائيين الذين كَلَّموه باسم الرب إله إسرائيل: جاء في الترجوم: [التي قيلت له باسم كلمة الرب إله إسرائيل[386].].

يبدو أن بعد توبته أراد أن يشهد لله عن طول أناته ورحمته، فأرسل اعترافه إلى الرائيين (الأنبياء) الذين "كَلَّموه باسم الرب". أراد أن يُفَرِّح قلوب الأنبياء الذين سبقوا ووَبَّخوه على ما كان يفعله ولم يسمع لهم زمانًا طويلاً.

وَصَلاَتُهُ وَالاِسْتِجَابَةُ لَهُ وَكُلُّ خَطَايَاهُ وَخِيَانَتُهُ،.

وَالأَمَاكِنُ الَّتِي بَنَى فِيهَا مُرْتَفَعَاتٍ، وَأَقَامَ سَوَارِيَ وَتَمَاثِيلَ قَبْلَ تَوَاضُعِهِ،.

مَكْتُوبَةٌ فِي أَخْبَارِ الرَّائِينَ. [19].

  • ارتكب مَنَسَّى رجاسات بلا عدد، ومَدَّ يده ضد القديسين، وأدخل الرجاسات إلى الهيكل، وملأ المدينة بالقتلى، وصنع أمورًا أخرى تَعَدَّت كل حدود، ومع هذا بعد كل هذا الشر العظيم والمستمر، غسل نفسه من كل هذه الأشياء. كيف؟ وبأية طريقة؟ بالتوبة! [387].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

ثُمَّ اضْطَجَعَ مَنَسَّى مَعَ آبَائِهِ.

فَدَفَنُوهُ فِي بَيْتِهِ وَمَلَكَ آمُونُ ابْنُهُ عِوَضًا عَنْهُ. [20].

كثيرًا ما يُظهِر الله مصادقته للملك أو عدم رضاه عنه خلال دفنه:

1. دُفِنَ كثير من ملوك يهوذا في مدينة داود في مقابر الملوك، وليسوا دائمًا الأفضل من غيرهم.

2. حُرِمَ البعض من هذا المدفن، إذ قيل عن يوآش الذي قَتَلَ الكاهن زكريا بن يهوياداع: "فدفنوه في مدينة داود، ولم يدفنوه في قبور الملوك" (24: 25).

3. دُفن عُزِّيا أو عزريا في حقل المقبرة التي للملوك، لأنهم قالوا إنه أبرص، لأنه حاول اقتحام العمل الكهنوتي الذي لا يحق له (26: 23).

4. آحاز المرتد عن الإيمان "دفنوه في المدينة في أورشليم، لأنهم لم يأتوا به إلى قبور ملوك إسرائيل" (28: 27).

5. مَنَسَّى دُفِنَ في بيته [20] أو في بستان بيته كما جاء في الملوك (2 مل 21: 18). يبدو انه اختار هذا بنفسه، إذ شعر في أعماقه أنه غير مستحق أن يُدفَنَ في المقابر الملكية.

6. الأربعة ملوك الذين في نهاية ملوك يهوذا ثلاثة منهم (يهوآحاز ويهوياكين وصدقيا) ماتوا في مصر أو في بابل. ويهوياكين تحقق فيه القضاء المُعلَن في إرميا: "وتكون جثته مطروحة للحر نهارًا، وللبرد ليلاً" (إر 30: 36).

الأعداد 21-25

4. الملك آمون وشروره

كَانَ آمُونُ ابْنَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً حِينَ مَلَكَ،.

وَمَلَكَ سَنَتَيْنِ فِي أُورُشَلِيمَ. [21].

وَعَمِلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ كَمَا عَمِلَ مَنَسَّى أَبُوهُ،.

وَذَبَحَ آمُونُ لِجَمِيعِ التَّمَاثِيلِ الَّتِي عَمِلَ مَنَسَّى أَبُوهُ وَعَبَدَهَا. [22].

أخطأ مَنَسَّى الملك، لأنه عندما تاب نزع الأوثان وألقاها خارج المدينة، ولم يقم بحرقها أو سحقها كما طلبت الشريعة (تث 7: 5). لذلك لما ملك آمون عرف أن يجدها، وقام حالاً بنصبها وتقديم ذبائح لها.

وَلَمْ يَتَوَاضَعْ أَمَامَ الرَّبِّ كَمَا تَوَاضَعَ مَنَسَّى أَبُوهُ،.

بَلِ ازْدَادَ آمُونُ إِثْمًا. [23].

عاد إلى ما فعله أبوه قبل توبته، فأعاد تأسيس العبادة الوثنية، ولم يتواضع مثل أبيه، بل ازداد إثمًا [33].

قُتِلَ في بيته ولم يذكر أخبار الأيام أين دُفِنَ. جاء في 2 مل 21: 26 أنه دُفِنَ مثل أبيه في بستان عُزِّيا.

كان الشر متغلغلاً في قلب آمون حتى بعد توبة أبيه، لهذا ففي فترة سنتين "ازداد آمون إثمًا" عمَّا فعله أبوه.

لم يُقَدِّم آمون توبة في تواضعٍ كما فعل أبوه [23]. ربما وضع آمون في قلبه أن يتوب في أواخر أيامه مثل أبيه، فإن أباه حكم خمسة وخمسين عامًا، بينما قُتِلَ آمون بعد سنتين من استلامه الحكم.

وَفَتَنَ عَلَيْهِ عَبِيدُهُ وَقَتَلُوهُ فِي بَيْتِهِ. [24].

وَقَتَلَ شَعْبُ الأَرْضِ جَمِيعَ الْفَاتِنِينَ عَلَى الْمَلِكِ آمُونَ،.

وَمَلَّكَ شَعْبُ الأَرْضِ يُوشِيَّا ابْنَهُ عِوَضًا عَنْهُ. [25].

صلاة مَنَسَّى.

وردت صلاة مَنَسَّى في الترجمة السبعينية تحت عنوان "صلاة مَنَسَّى ملك يهوذا أثناء سبيه في بابل"، وهي تُقرَأ أو يُسَبَّح بها في ليلة أبوغالمسيس، جاء فيها:

"أنت يا رب لم تجعل التوبة للصديقين إبراهيم وإسحق ويعقوب، هؤلاء الذين لم يخطئوا إليك. بل جعلت التوبة لمثلي أنا الخاطي.

لأنني أخطأت أكثر من عدد رمل البحر ".

اعترف بخطيته وبشاعتها، وصَلَّى:

"أطلب إليك يا رب اغفر لي، ولا تهلكني بآثامي".

يدعو الله: "أنت إله التائبين"، ويختم صلاته: "فأُسَبِّحك كل أيام حياتي".

لقد أَدَّت الضيقة غرضها، فقدم مَنَسَّى التوبة بأمانة، لذلك: "استجاب له، وسمع تضرعه، ورَدَّه إلى أورشليم إلى مملكته". ففيه "أظهر الله كل أناة" (1 تي 1: 16؛ إش 1: 18).

من وحي ٢ أي ٣٣.

أبواب حُبِّك مفتوحة لكل خاطي.

  • لك المجد يا مُخَلِّصي الصالح!

تركت مَنَسَّى الشرير يحكم خمسة وخمسين عامًا.

أَطلتَ أناتك عليه، حتى يرجع إليك.

كَرَّس كل طاقاته لنشر عبادة الأصنام.

نَجَّس بيتك المقدس ومذبحك الطاهر.

أقام لنفسه تمثالاً في بيتك،.

وكأنه يود أن يجلس علي عرشك الإلهي.

قَدَّم من أبنائه ذبائح للشياطين.

سَلَّم من أبنائه للحرق، حاسبًا هذا عبادة!

مارس بوحشية ما لا تفعله الحيوانات المفترسة.

  • جلب عليه شره مرارةً لا تُحتَمَل.

سيق كحيوانٍ إلي أرض السبي.

وعاش في ذلٍ وعارٍ.

سمحت له بالتأديب ليس انتقامًا لما فعله،.

إنما كمشرط في يد طبيبٍ.

تطلب شفاءه وخلاصه ومجده الأبدي!

  • حين تحرَّكَ قلبه بالتوبة، تحرَّكت السماء متهللة،.

لم تحتمل تنهُّدات قلبه ودموعه.

غفرت له كل ما فعله.

أَعَدته إلي مملكته في أورشليم.

فتحتَ يا مُخَلِّصي باب الرجاء لكل الخطاة.

من لا يرجع إليك يا غافر الخطية، ليتطهر بدمك الثمين؟

من لا يُسَبِّحك يا من تعدُّ لنا الأمجاد؟!

إصلاحات يوشيا الملك.

2 أخبار الأيام 34 - 35.

من بين العشرين ملكًا ليهوذا تسعة عشر ملكًا وعثليا الملكة، يمكن أن يقال إنه يوجد فقط ثمانية ملوك يُدعَون صالحين، وإن كان بعضهم صارت لهم أخطاء جسيمة. هؤلاء الثمانية هم آسا، ويهوشافاط، ويوآش، وأمصيا، وعزيا (عزريا)، ويوثام، وحزقيا، ويوشيا.

أما يوشيا فيُعتبَر أحد عظماء ملوك يهوذا المُصلِحين وآخرهم، قَدَّمه إرميا مثلاً كان يليق بخلفائه أن يقتدوا به، قائلاً عنه: "أما أكل أبوك وشرب وأجري حقًا وعدلاً، حينئذ كان له خير. قضى قضاء الفقير والمسكين، حينئذ كان خير. أليس ذلك معرفتي، يقول الرب؟" (إر ٢٢: ١٥ - ١٦) [388].

من العجيب أن الله يسمح بحركة إصلاح قبل السبي بفترة قصيرة، بعد حكمي مَنَسَّى وآمون، اللذيْن أغرقا يهوذا في الوثنية والخطية. أراد أن يُعطِي رجاءً، أنه في كل العصور يوجد خلاص لكل من يطلب أن يرجع إليه.

جاء عصر يوشيا الذي يُعتبَر آخِر ضوء تبعثه الشمعة الأخيرة التي كادت أن تنطفئ، يتبعها ليل طويل حالك السواد، حتى يأتي الملك الحقيقي، يُشرِق بنور برِّه على الجالسين في الظلمة.

تبقى حياة الملك يوشيا صورة مبهجة تملأ النفس رجاءً، فقد وُلِدَ من أبٍ شريرٍ وعن جدٍ شريرٍ، وفى جو ديني فاسد، وفي قصر ملوكي مُنْحَل بالفساد، وتسلَّم كرسي العرش في الثامنة من عمره تحت وصاية أناسٍ لا يبالون بما هو لله. ومع هذا فقد التصق بالرب، وبدأ حركة الإصلاح على مستوى الهيكل وكل يهوذا وحتى إسرائيل قدر استطاعته.

لقد سمح الله بظهور هذه الشخصية قبل دمار يهوذا وإسرائيل تمامًا ليختبر الشعب والقادة سنوات مجيدة تكون شاهدة عليهم بأنهم كانوا قادرين على اختيار طريق الرب.

اتَّسم عصره بالأمور الهامة التالية:

1. انهيار أشور تدريجيًا أعطى فرصة ليوشيا أن يبدأ بالاستقلال والتحرير من أشور.

2. اهتمامه بترميم الهيكل أَدَّى به إلى اكتشاف سفر الشريعة في السنة الثامنة عشرة من حُكْمِه (2 مل 22: 3). وقراءة السفر قاد إلى تجديد العهد بين الملك وكل الشعب مع الله.

3. الاحتفال بعيد الفصح.


[375] Antiq. 10: 3: 1.

[376] The Martyrdom of Isaiah.

[377] راجع ميمر بدير القديس مقاريوس على التوبة.

[378] Adam Clarke Commentary.

[379] للمؤلف: تلمذتي لأب اعترافي، 1974، ص 82.

[380] Adam Clarke Commentary.

[381] Constitutions of the Holy Apostles, Book 2: 3: 22.

[382] مقالاته لطالبي العماد، 2: 14.

[383] In Luc 15: 11 - 32.

[384] راجع ميمر بدير القديس مقاريوس على التوبة.

[385] Adam Clarke Commentary.

[386] Adam Clarke Commentary.

[387] St. John Chrysostom: Homilies on St. Matthew, hom 22: 6.

[388] The Wiersbe Bible Commentary, p. 724.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

اَلأَصْحَاحُ الرَّابِعُ وَالثَّلاَثُونَ - سفر أخبار الأيام الثاني - القمص تادرس يعقوب ملطي

اَلأَصْحَاحُ الثَّانِي وَالثَّلاَثُونَ - سفر أخبار الأيام الثاني - القمص تادرس يعقوب ملطي

تفاسير أخبار الأيام الثاني الأصحاح 33
تفاسير أخبار الأيام الثاني الأصحاح 33