القيامـَة هىَ قيَامة الجَسَد وَحْدَه أمَّا الـروح فهىَ دَائمة الحَياة

القيامـَة هىَ قيَامة الجَسَد وَحْدَه أمَّا الـروح فهىَ دَائمة الحَياة

أهنئكم يا أبنائى وأخوتى جميعاً بعيد القيامة المجيد، راجياً فيه من الرب خيراً لبلادنا المحبوبة، فى كل نواحى الحياة اجتماعية واقتصادية وسياسية. كما نرجو لكم سعادة ورفاهية.

فينا طبيعتان متمايزتان:

وأود فيما أهنئكم بالعيد، أن نتأمل معنى القيامة ونرى ما الذى يقوم.. إننا حسب تكويننا البشرى فينا طبيعتان متحدتان، هما الجسد والروح: الجسد طبيعة مادية، والروح طبيعة غير مادية. الجسد مرئى، والروح غير مرئية. الجسد طبيعة قابلة للموت، والروح حية لا تموت. هذه ميزة ميزنا بها الله على كل الكائنات التى على الأرض: أن لنا الروح التى هى دائمة الحياة.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

لذلك فلا يوجد موت كلى للإنسان. إنما هو موت للجسد فقط، بانفصاله عن الروح تبقى حية بعد موت الجسد.

وعلى هذا القياس، فالقيامة هى قيامة الجسد وحده. لأن الروح لم تمت حتى تقوم. وهكذا لا نقول بقيامة الروح، إنما بعودة الروح، أى بعودتها إلى الجسد ليقوم.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

هذه الروح الإنسانية هى روح حية خالدة، عاقلة ناطقة وهى أسمى وأرقى ما فى الإنسان.. الجسد هو الغلاف الخارجى الذى يغلّف الروح، بينما الروح هى الجوهر. الجسد هو الصدفة التى تحوى اللؤلؤة، والروح هى اللؤلؤة. ومهما كان الجسد جميلاً وبهياً من الخارج، فلا قيمة لجماله إن لم تكن الروح جميلة أيضاً. بل إن جمال الروح يعطى ملامح الجسد جمالاً أروع. بينما لو دخل الشر إلى الروح، تكون ملامح الجسد منفرة...

+ + + + + + + + + + + + + + +.

الجسد يعتمد فى كيانه ووجوده على الروح. فإن فارقته الروح، تفارقه الحياة وكل مظاهرها. تفارقه الحرارة فيبرد، والحركة فيخمد. ويصبح بلا نبض، وبلا نفَس، وبلا شعور بلا حسَ بلا صوت. قد توقف المخ والقلب وكل الأعضاء. وأصبح جثة هامدة يوارونها التراب. كما قال الرب لأبينا آدم "أنت تراب، وإلى التراب تعود"..

إذن كل ما كان للجسد من نشاط، كل مصدره الروح.

أنــواع الأرواح:

على أن الأرواح تختلف فى نوعياتها ودرجاتها.

أعظم الأرواح درجة هم الملائكة، الذين لهم قوة عجيبة جداً.. يستطيعون فى لمح البصر أن ينزلوا من السماء إلى الأرض، أو أن يصعدوا من الأرض إلى السماء. حسبما يكلفهم الله من مهمات يقومون بها فى طاعة كاملة وفى سرعة هائلة، وأحياناً بأسلوب معجزى حسب نوع المهمة.

وأرواح الشياطين هى أيضاً قوية، ولكنها شريرة، فقد كان الشيطان ملاكاً حينما خلقه الله. ولما سقط فقد قداسته وطهارته، ولكنه لم يفقد طبيعته...

+ + + + + + + + + + + + + + +.

والروح الإنسانية هى ايضاً روح قوية. ولكننا بمزيد الأسف لم نستخدم كل طاقات أرواحنا. مثلما استخدمنا طاقات العقل.

فاستطاع العقل أن يصل إلى الكواكب، وأن يخترع الأقمار الصناعية والكومبيوتر والفاكس والتليفونات عابرة القارات والمحيطات، وأن يستخدم الليزر، ويرقى فى كل مجالات العلم... ولم تلحق به الروح فى رقية...

ولما لم نستخدم طاقات الروح، ضعفت مثل أية طاقة أو موهبة تضعف بعدم استخدامها أو بقلة استخدامها...

+ + + + + + + + + + + + + + +.

كثير من النساك وصلوا إلى درجات من شفافية الروح.

ووصلوا إلى قامات روحية عالية فى صلتهم بالله – تبارك إسمه – الذى منحهم مواهب عديدة أضيفت إلى القوة الروحية الطبيعية التى لأرواحهم.. بل إن جماعات من اليوجا ومن الهندوس أمكنهم بتدريبات روحية قوية أن يكشفوا الطاقات القوية التى لأرواحهم حسب طبيعتها البشرية. وقاموا بأعمال مذهلة يقف أمامها العقل متعجباً ومبهوراً...

إن كان الأمر هكذا، فكم بالأولى أهل الإيمان، الذين يتولى روح الله قيادة أرواحهم. وهم قد عاشوا فى تسليم كامل للمشيئة الإلهية...! وكما يقول القديس الرسول عنهم إنهم ينقادون بروح الله (رو8: 14).

الأروَاح الــكبيرة:

هناك أرواح كبيرة، فوق المستوى الجسدى والنفسى والمادى.

هذه تستطيع أن تقود نفسها، وأن تقود غيرها، وأن يكون لها تأثير قوى على المجتمع الذى تعيش فيه. بل كل من يتقابل مع هذه الأرواح، يشعر أنه منجذب لتأثيرها، خاضع للقوة التى فيها.. هذه هى أرواح قيادية. وأرواح يمكنها أن تحمل مسئوليات ضخمة تعجز عن حملها الأرواح العادية.

إنها أرواح كبيرة فى قدراتها، فى مواهبها، فى شفافيتها، فى معرفتها وحكمتها، فى صلتها بالله. كبيرة فى مستواها، وفى عملها ومعاملاتها، وفى تأثيرها على غيرها. ينطبق على صاحب هذه الروح قول المزمور "وكل ما يعمله ينجح فيه" (مز1).

+ + + + + + + + + + + + + + +.

هذه الأرواح الكبيرة استاطعت أن تنال قوة من فوق، من عمل الروح القدس فيها.

حسب الوعد الإلهى: إنكم "ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم" (أع1: 8). وأيضاً قوله "تلبسون قوة من الأعالى" (لو24: 49).

من أمثلة هذه الأرواح: أرواح الأنبياء والرسل، وكبار القديسين والرعاة. ومن قد نالوا من الله مواهب فائقة للطبيعة (1كو12).

+ + + + + + + + + + + + + + +.

هذه الأرواح الكبيرة – حتى بعد الموت يأتمنها الله على مهمات معينة تقوم بها على الأرض.

كما يحدث بالنسبة إلى بعض القديسين، يرسلهم الله إلى الأرض لكى يبلغوا رسالة خاصة، أو أن يقوموا بمعجزة شفاء أو تقديم معونة معينة لشخص ما أو لمجموعة من الناس.

ليست كل الأرواح يأتمنها الله على صنع معجزة. لأنه توجد أرواح ضعيفة إذا أجترحت معجزة، يدخل العجب إلى قلبها، وترتفع فى داخلها بكبرياء، لأنها لم تحتمل تلك الكرامة. وكما قال القديس الأنبا أنطونيوس إن أحتمال الكرامة أصعب من أحتمال الإهانة...

فإن تكبرت الروح تفقد سموها وتسقط.

كما تكبر الشيطان وسقط (أش 14، 13: 14). وكما قال الكتاب "قبل الكسر الكبرياء، وقبل السقوط تشامخ الروح" (أم16: 18).

ضباب الجسَد:

الروح تعيش الآن محاطة بضباب الجسد وضباب المادة.

وهذا الضباب يمنع عنها الكثير من المعرفة، ويعوقها فى كثير من الأحيان عن التأمل فى الإلهيات والتأمل فى السماويات. بل قد يجذبها الجسد معه إلى أسفل، فتستغرق فى أمور العالم الحاضر. أو قد تضعف جداً، فتشترك معه فى شهواته الجسدية وتسقط، أو على الأقل تستنفذ طاقتها الروحية فى الصراع مع الجسد "الروح تشتهى ضد الجسد، والجسد يشتهى ضد الروح، ويقاوم أحدهما الآخر" (غل5: 17).

الأرواح الضعيفة:

الروح الضعيفة تخضع للجسد، والروح القوية تنتصر عليه. والروح المتوسطه تصارعه. فأحياناً تعلو عليه، وأحياناً تنجذب إليه.

الروح القوية تغلب الشيطان أيضاً. يحاول أن يجس نبضها لكى يعرف كله معدنها.. مرة بفكر، وأخرى بأغراء خاص، أو بمداعبة الحواس. فإن ثبتت صامدة أمامه، وقد أغلقت كل أبوابها فى وجهه.. حينئذ يشعر بأنها من نوع غير عادى، فيهابها ويخشاها.. وقد ترتقى مثل هذه الروح إلى الوضع الذى تستطيع فيه أن تخرج الشياطين من المصروعين منها. وتكون لصلواتها قوة ترعب الشياطين.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

أما الأرواح التى خضعت للشياطين، وسارت فى تيارهم، فهذه تكون للشياطين سلطة عليها فى وقت الموت.

يلتف الشياطين حولها ساعة الموت، ولا يعطونها فرصة للتوبة، بما يلقونه فى عقلها من أفكار وشهوات وأمنيات، أو ما يلقونه فيها من شكوك إيمانية كثيرة. حتى إذا ما خرجت هذه الروح من الجسد، يجذبونها معهم إلى الهاوية، لتكون فى صحبتهم بعد الموت كما كانت معهم خلال حياتها الأرضية.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

أصعب من هذا يا أخوتى ما يحدث لروح الملحد وغير المؤمن.

هذا الذى لا يؤمن بوجود الله، ولا بالحياة الأخرى.. يحدث له فى ساعة الموت أن ترتعب روحه التى تشعر بأن الموت بالنسبة إليها هو فناء وضياع، ونهاية كاملة لوجودها وتتمنى لو كانت تستطيع التخلص من أفكار الشك التى تسيطر عليها.. وفى هذه الحالة يغذى الشيطان كل هذه الأفكار، وكأنها نار يلقى عليها حطباً. فإذا خرجت روح الملحد من جسده ووجد أن هناك حياة بعد الموت، يشعر بخوف كبير بسبب عدم إيمانه، ويشعر أنه غريب فى جو لم يألفه. فتستطيع الشياطين أن تجذبه إليها أيضاً. وتقول له: انت لنا بجملتك...

الأرواح الــقــوية:

أما الأرواح القوية فلا تخاف. هى أقوى من الخوف.

إنها لا تخاف الموت، لأنها أستعدت له بالإيمان والتوبة. ولا تخاف مما بعد الموت، إذ لها رجاء فى الحياة الأبدية والعشرة مع الله فيها.

إنها تدرك تماماُ أن الموت هو مجرد انتقال من حياة أرضية مادية، إلى حياة سمائية أفضل بكثير. فتفرح بما يسمونه الموت. ولكنها تسميه الأنطلاق من روابط الجسد المادية.

وهى لا تخاف أيضاً من الشياطين الذين لا يجدون لهم مكاناً فيها. والأجمل من هذا كله أنها فى ساعة الموت، تحيط بها الملائكة، وتحملها إلى الفردوس (لو16: 22) وتزفها فى فرح إلى مجمع الأبرار.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

الأرواح القوية – فى حياتها على الأرض – تستطيع أن تجذب الجسد إلى حياة الطهارة، ويمكنها أن تحمله وتصعد به إلى ما هو فوق مستواه المادى.

أنظروا إلى روح مثل روح يوسف الصديق، كيف رفعته روحه الطاهرة القوية إلى مستوى فوق الجسد وفوق كل شهواته وملاذه، فكان سامياً جسداً وروحاً على الرغم من الإغراءات لتى أحاطت به (تك39).

كذلك فى الصوم، إذا انشغل الإنسان بالفكر الروحى، لا يشعر بتعب الجسد مهما صام. لأن الروح حينئذ ترفع الجسد وتحمله. مثال ذلك من ينشغل بقصة جميلة جداً تستهوى روحه وفكره: إن قالوا له تعال فالأكل معد. يقول ليس الآن. ولا يشعر بجوع فروحه منشغلة.. وهكذا أيضاً من ينشغل بألحان أو قراءات أو تأملات روحية، تجعل روحه فى حالة لا تعبأ فيها بتعب الجسد.

ومثل هذا يحدث لنا فى أيام مقدسة مثل أسبوع الآلام، وبالذات يوم الجمعة الكبيرة بكل ما تحمل من صوم شديد...

+ + + + + + + + + + + + + + +.

الروح القوية تحمل الآخرين أيضاً. وتحتمل اساءاتهم.

الروح الضعيفة هى التى يقوىَ عليها الغضب والضيقة والرغبة فى الانتقام من اساءات الناس. أما الروح القوية فهى كالجبل الراسخ تصدمه الرياح والزوابع والرمال، وهو صامد لا يتأثر... لذلك قال الرسول "يجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل ضعفات الضعفاء، ولا نرضى أنفسنا" (رو15: 1).

لا شك أن الذى يحتمل هو أقوى روحاً من الذى يعتدى!

الروح القوية لا تهزها الأخبار ولا الأحداث. بل لا يتعبها المرض والألم. يقول الأطباء عن أمثال هؤلاء إن روحهم المعنوية قوية.

+ + + + + + + + + + + + + + +.

الإنسان الذى له روح قوية يتمتع بحرارة الروح.

تكون صلاته حارة ومستجابة، تستطيع أن تفتح أبواب السماء. وكل عمل طيب تعمله الروح فى حرارة، بغير تكاسل ولا تهاون، بل بحماس وغيرة ونشاط. وإن قامت بمسئولية معينة أو بخدمة للغير، تفعل ذلك بكل عواطفها. لذلك بنصحنا الكتاب بأن نكون "حارين فى الروح" (رو12: 11).

هذه الروح الحارة الطاهرة، تكون لها هيبة.

مثل هيبة الآباء أمام أبنائهم، وهيبة المرشدين أمام تلاميذهم. يكون لها هيبة أمام أفكار الخطية. فأى فكر أو شعور خاطئ لا يقوى على الاقتراب إليها. بل تكون لها هيبة أمام الأشرار وأمام الشياطين. فيخجل الأشرار أن يستهتروا أمام روح طاهرة، ولا يجرؤون على ذلك...

+ + + + + + + + + + + + + + +.

يا اخواتى وأبنائى الأحباء.

إن كنا ونحن نتحدث عن القيامة نذكر الأبدية ومصيرنا الأبدى، فلنستعد لذلك بتقوية أرواحنا والسلوك بالروح.

فقد قال الكتاب "أسلكوا بالروح، ولا تكملوا شهوة الجسد" (غل5: 16). فالسلوك بالروح هو الذى يوصلنا إلى الله.

والشخص الذى يسلك بالروح، لا يكون جسدانياً ولا مادياً ولا شهوانياً. بل تكون حياته روحية، وأهدافه روحية، ووسائله روحية، وكلماته روحية، ومعاملاته روحية، وأفكاره روحية، وأحاديثه روحية. وكل من يتصل به ينتفع بأسلوبه الروحى وقدوته الروحية... مثل هذا يكون له فى القيامة نصيب مع الأبرار الذين لم يسلكوا حسب الجسد، بل حسب الروح (رو8: 1).

+ + + + + + + + + + + + + + +.

ولكى نصل إلى هذا علينا بتقوية أرواحنا.

نغذى روحنا بالصلاة والتأمل والقراءات الروحية والتفكير الروحى. ونغذيها بالفضائل الأساسية كمحبة الله ومحبة الناس ومحبة الغير. ونغذيها بالسلام والوداعة والإيمان والإتضاع. ونبعد عنها كل ما يهدم بناءها الروحى أو يخرجها عن المجال الروحى. وفى كل ذلك نصلى أن يعين الله جهادنا على الأرض، ويقوى أرواحنا، ويجذبنا إليه، فتسكن محبته فى قلوبنا.

ونستطيع بنقاوة الروح أن نسكن فى السماء مع الله، ومع أرواح الملائكة والقديسين، بعد القيامة...



أضف تعليق

لمــاذا يهتمُ اللّه بالأجساد وَيمنحُهَا القيامَةمِن المـــوت ؟

القيامَة معّجزة ضَرورية تدل عَلى قُدرة الله اللانهائية

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات