الفصل الثالث: قدسوا صوماً – روحانية الصوم – البابا شنودة الثالث

الفصل الثالث: قدسوا صوماً

قال الرب على لسان يوئيل النبى ((قدسوا صوماً، نادوا باعتكاف)) (يوئيل 1: 14، 2: 15). فما معنى تقديسنا للصوم؟ وكيف يكون؟

معنى عبارة ((قدسوا صوماً))

كلمة ((تقديس)) كانت فى أصلها اليونانى تعنى التخصيص.

فلما قال الرب لموسى ((قدس لى كل بكر، كل فاتح رحم... إنه لى)) (خر 13: 2). كان يعنى خصص لى هؤلاء الأبكار، فلا يصيرون لغرض آخر: أبكار الناس كانوا يتفرغون لخدمة الرب قبل اختيار هارون وأولاده. وأبكار البهائم كانت تقدم ذبائح...

والثياب المقدسة هى المخصصة للرب لخدمة الكهنوت. وفى هذا قال الرب لموسى النبى ((فيصنعون ثياباً مقدسة لهرون أخيك ولبنيه، ليكهن لى)) (خر 28: 5).

أوانى المذبح هى أوان مقدسة للرب، لأنها مخصصة لخدمته، لا يمكن أن تستخدم فى غرض آخر. وتقديس بيت للرب معناها تخصيص بيت للرب، فلا يمكن أن يستخدم فى أى غرض آخر سوى عبادة الرب ((بيتى بيت الصلاة يدعى)) (مت 21: 13).

ولعل البعض يسأل: ما معنى قول الرب عن تلاميذه ((من أجلهم أقدس أنا ذاتى...)) (يو 17: 19)؟ معناها أخصص ذاتى لأجلهم، أى لأجل الكنيسة، لأنى جئت لأفدى هؤلاء...

وبهذه تكون المقدسات هى المخصصات للرب.

أى أنها أشياء للرب وحده وليس لغيره، هى مخصصة للرب، مثل البكور مثلاً. وفى هذا يقول الرب على لسان حزقيال النبى ((هناك أطلب تقدماتكم وباكورات جزاكم مع جميع مقدساتكم)) (حز 20: 40). ويقول عن بكور كل شجرة مثمرة ((وفى السنة الرابعة يكون كل ثمرها قدساً لتمجيد الرب)) (لا 19: 24) أى يكون ثمرها مخصصاً للرب، يُعطى لكهنة الرب (حز 44: 30).

والأموال التى تدخل إلى خزانة الرب فى الهيكل، قيل عنها ((تكون قدساً للرب، وتدخل فى خزانة الرب)) (يش 6: 19). أى تخصص للرب.

وبنفس المعنى كان تقديس الأيام أى تكون مخصصة للرب.

فعبارة ((أذكر يوم السبت لتقدسه)) (خر 20: 8) أى تخصص هذا اليوم للرب ((لا تعمل فيه عملاً ما)) إنه للرب. وبنفس المعنى تقديس كل مواسم الرب، كل أعياده. تقام فيها محافل مقدسة، وتخصص تلك الأيام للرب. لا يعمل فيها أى عمل (لا23: 36، 31، 25، 21، 8، 7، 3).

وهكذا تقديس الصوم معناه تخصيصه للرب.

تكون أيام الصوم مقدسة، أى مخصصة للرب. هى أيام ليست من نصيب العالم، ولكنها نصيب الرب، قدس للرب.

ولهذا وضح الوحى الإلهى هذا المعنى بقوله ((قدسوا صوماً، نادوا باعتكاف)). لأن الإعتكاف يليق بتقديس الصوم للرب أى بتخصيصه له.

ولكن ماذا تستطيع أن تفعل، إن لم يكن بإمكانك أن تخصص كل الوقت للرب؟ وإن لم تستطع أن تعتكف بسبب أعمالك الرسمية.

اعتكف ما تستطيعه من الوقت لكى تتفرغ للرب. وإن ضاق وقتك على الرغم منك، فهناك معنى آخر للتخصيص:

على الأقل: خصص هدف الصوم للرب.

وهكذا يكون صوماً مقدساً، أى مخصصاً للرب فى هدفه، وفى سلوكه. وبهذا ندخل فى المعنى المتداول لكلمة مقدس، أى طاهر، لأنه للرب...

فهل هدف صومك هو الرب.

ما هو هدف صومك؟

لماذا نصوم؟ ما هو هدفنا من الصوم؟ لأنه بناء على هدف الإنسان، تتحد وسيلته. وأيضاً بناء على الهدف تكون النتيجة.

هل نحن نصوم، لمجرد أن الطقس هكذا؟

لمجرد أنه ورد فى القطمارس، أو التقويم (النتيجة)، أن الصوم قد بدأ، أو قد أعلنت الكنيسة هذا الأمر؟ إذن فالعامل القلبى الجوانى غير متكامل... طبعاً طاعة الكنيسة أمر لازم، وطاعة الوصية أمر لازم. ولكننا حينما نطيع الوصية، ينبغى أن نطيعها فى روحانية وليس فى سطحية... وإن كانت الكنيسة قد رتبت لنا هذا الصوم، فقد رتبته من أجل العمق الروحى الذى فيه. فما هو هذا العمق الروحى؟ وما هدفنا من الصوم؟

هل هدفنا هو مجرد حرمان الجسد وإذلاله؟

فى الواقع إن حرمان الجسد ليس فضيلة فى ذاته، إنما هو مجرد وسيلة لفضيلة، وهى أن تأخذ الروح مجالها. فهل تقتصر على الوسيلة، أم ندخل فى الهدف منها وهو إعطاء الروح مجالها؟...

ما أكثر الأهداف الخاطئة التى تقف أمام الإنسان فى صومه!

فقد يصوم البعض لمجرد أن يرضى عن نفسه.

لكى يشعر أنه إنسان بار، يسلك فى الوسائط الروحية، ولا يقصر فى أية وصية... أو قد يصوم لكى ينال مديحاً من الناس فى صومه، أو فى درجة صومه... وهكذا يدخل فى مجال المجد الباطل، أى يدخل فى خطية!

ما هو إذن الهدف السليم من الصوم؟

الهدف السليم أننا نصوم من أجل محبتنا لله.

من أجل محبتنا لله، نريد أن تكون أرواحنا ملتصقة بالله. ولا نشاء أن تكون أجسادنا عائقاً فى طريق الروح. لذلك نخضعها بالصوم لكى تتمشى مع الروح فى عملها. وهكذا نود فى الصوم، أن ترتفع عن المستوى المادى وعن المستوى الجسدانى، لكى نحيا فى الروح، ولكى تكون هناك فرصة لأرواحنا البشرية أن تشترك فى العمل مع روح الله. وأن تتمتع بمحبة الله وبعشرته.

حقاً أن التمتع بمحبة الله وحلاوة عشرته، من المفروض أن يكون أسلوب الحياة كلها. ولكن لا ننسى أننا ننال ذلك بصورة مركزة فى الصوم، فيها عمق أكثر، وحرص أكثر، كتدريب وكتمهيد لكى تكون هذه المتعة بالله هى أسلوب الحياة كلها.

فنحن نصوم لأن الصوم يقربنا إلى الله.

الصوم فيه اعتكاف، والاعتكاف فرصة للصلاة والقراءة الروحية والتأمل. والصوم يساعد على السهر وعلى المطانيات. والسهر والمطانيات مجال للصلاة. والصوم فيه ضبط للإرادة وانتصار على الرغبات. وهذا يساعد على التوبة التى هى الطريق إلى الله وإلى الصلح معه. ونحن نصوم وفى صومنا نتغذى على كل كلمة تخرج من فم الله (مت4).

إذن من أجل محبة الله وعشرته، نحن نصوم.

نصوم، لأن الصوم يساعد على الزهد فى العالميات، والموت عن الماديات. وهذا يقوينا على الاستعداد للأبدية والالتصاق بالله.

إن كان الصوم إذن هو أيام مخصصة لله وحده، وإن كنا نصوم من أجل الله ومحبته، فإن سؤالاً يطرح نفسه علينا وهو:

هل هناك أصوام غير مخصصة لله؟

نعم، قد توجد أصوام للبعض لا نصيب لله فيها. كإنسان يصوم ولا نصيب لله فى حياته على الرغم من صومه! يصوم وهو كما هو، بكل أخطائه، لم يتغير فيه شئ! أو يصوم كعادة، أو خوفاً من الإحراج لأجل سمعته كخادم. أو أن صيامه مجرد صوم جسدانى كله علاقة بالجسد، ولا دخل للروح فيه!

أو هو صوم لمجرد إظهار المهارة، والقدرة على الإمتناع عن الطعام. أو قد يكون صوماً عن الطعام، وفى نفس الوقت يمتع نفسه بشهوات أخرى لا يقوى على الامتناع عنها...!

يظن البعض أن الصوم مجرد علاقة بين الإنسان وبين الطعام، دون أن يكون الله طرفاً ثالثاً فيها.

كل اهتماماته فى صومه هى هذه: ما هى فترة الإنقطاع؟ متى يأكل؟ وكيف ينمو فى إطالة فترة انقطاعه؟ وماذا يأكل؟ وكيف يمنع نفسه عن أصناف معينة من الطعام؟ وكيف يطوى أياماً...؟

كأن الصوم بين طرفين فقط هو والطعام، أو هو والجسد! دون أن يكون الله طرفاً فى هذا الصوم بأية صورة من الصور!! أحقاً هذا صوم؟!

إن الصوم ليس هو مجرد تعامل مع الجسد، بل هو تعامل مع الله. والصوم الذى لا يكون الله فيه، ليس هو صوماً على الإطلاق.

نحن من أجل الله نأكل، ومن أجله نصوم.

من أجل الله نأكل، لكى ينال هذا الجسد قوة يستطيع بها أن يخدم الله، وأن يكون أميناً فى واجباته تجاه الناس. ونحن من أجل الله نجوع لكى نخضع الجسد فلا يخطئ إلى الله. ولكى يكون الجسد تحت سيطرتنا، ولا نكون نحن تحت سيطرة الجسد، لكى لا تكون رغبات الجسد وشهواته هى قائدتنا فى تصرفاتنا. وإنما نسلك حسب الروح وليس حسب الجسد، من أجل محبتنا لله، وحفاظاً على شركتنا مع روحه القدوس.

أما في غير ذلك فيكون الصوم مرفوضاً من الله.

أصوام باطلة ومرفوضة

ليس كل صوم مقبولاً من الله. فهناك أصوام باطلة، لا تعتبر بالحقيقة أصواماً، وهى مرفوضة من الله. وقد قدم لنا الكتاب أمثلة من هذه الأصوام المرفوضة.

1 - منها الصوم الذى لكسب مديح الناس.

الصوم المكشوف الظاهر، الذى يشاء أن يكون مكشوفاً لكى يراه الناس ويمتدحوه. وعن هذا الصوم قال السيد الرب فى عظته على الجبل:

((ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين، فإنهم يغيرون وجوههم لكى يظهروا للناس صائمين. الحق أقول لكم إنهم قد استوفوا أجرّهم. وأما أنت فمتى صمت، فادهن رأسك وأغسل وجهك، لكى لا تظهر للناس صائماً بل لأبيك الذى فى الخفاء. فأبوك الذى يرى فى الخفاء يجازيك علانية)) (مت 6: 16 - 18).

هذا الصوم الذى لمديح الناس، ليس لأجل الله، ولا نصيب لله فيه. لذلك هو صوم باطل.

2 - وصوم الفريسى المفتخر مثال آخر لصوم غير مقبول.

هذا الفريسى الذى وقف أمام الله يتباهى بفضائله ويقول ((أصوم يومين فى الأسبوع وأُعشر جميع أموالى)). وفى نفس الوقت كان يدين العشار قائلاً عن نفسه ((لست مثل سائر الناس الظالمين الخاطفين الزناة ولا مثل هذا العشار)). لذلك لم يخرج من الهيكل مبرراً، مثلما خرج العشار المنسحق القلب (لو 18: 9 - 14).

وهذا المثل يرينا أن الصوم الذى لا يمتزج بالتواضع والإنسحاق هو صوم مرفوض من الله لأن صاحبه يظن فى نفسه أنه بار، ويحتقر الآخرين (لو 18: 9).

3 - الصوم الذى هدفه خاطئ، صوم غير مقبول.

ومن أمثلة هذا الصوم أولئك اليهود الذين صنعوا اتفاقاً فيما بينهم ((وحرموا أنفسهم قائلين إنهم لا يأكلون ولا يشربون حتى يقتلوا بولس. وكان الذين صنعوا هذا التحالف نحو أربعين)) (أع 23: 12، 13). وطبعاً كان صومهم هذا خطية. بل لا نستطيع أن نسميه صوماً بالمعنى الروحى.

4 - صوم الشعب الخاطئ أيام ارمياء النبى.

هؤلاء لم يقبل الرب صومهم، بل قال عنهم لأرميا النبى ((لا تصلّ لأجل هذا الشعب للخير. حين يصومون لا أسمع صراخهم. وحين يصٌعدون محرقة وتقدمة لا أقبلهم. بل بالسيف والجوع والوبأ أنا أفنيهم)) (أر 14: 11، 12)..

هؤلاء لم يقبل الرب أصوامهم ولا صلواتهم ولا محرقاتهم، لأنهم كانوا يعيشون فى الشر، وقلوبهم لم تكن طاهرة قدامه...

إذن الصوم البعيد عن التوبة هو صوم غير مقبول.

فالله يريد القلب النقى، أكثر مما يريد الجسد الجائع.

والإنسان الذى يصوّم فمه عن الطعام، ولا يصوّم قلبه عن الخطايا، ولا يصوّم لسانه عن الأباطيل، فصوم هذا الإنسان باطل، حتى إن سلم جسده ليحترق فلا ينتفع شيئاً (1 كو 13: 3).

5 - والصوم البعيد عن الرحمة والصدقة، غير مقبول.

وقد شرح الرب هذا الأمر لأشعياء النبى، فقال له ((يقولون لماذا صمنا ولم تنظر؟ ذللنا أنفسنا ولم تلاحظ؟... ها إنكم للخصومة والنزاع تصومون... أمثل هذا يكون صوم أختاره... هل تسمى هذا صوماً ويوماً مقبولاً للرب؟! أليس هذا صوماً أختاره: حل قيود الشر، فك عقد النير، وإطلاق المسحوقين أحراراً... أليس أن تكسر للجائع خبزك، وأن تدخل المساكين التائهين إلى بيتك...)) (أش58: 3 - 7).

فالذى يصوم، حتى ولو كان صوماً بتذلل بالمسوح والرماد، يحنى فيه كالأسلة رأسه، هو صوم غير مقبول، إن لم يكن ممتزجاً بأعمال الرحمة وبنقاوة القلب...

6 - والصوم الذى ليس لأجل الله، صوم باطل.

فقد يصوم إنسان، لأن الأطباء أمروه بهذا.

وقد يصوم آخر من أجل رشاقة جسده وحسن منظره.

وكلاهما ليس من أجل الله، ولا ينتفع روحياً بصومه.

وقد يصوم إنسان ثالث، بأسلوب إضراب عن الطعام، وليس بهدف روحى، ولا من أجل الله... كما يمتنع رابع عن الطعام حزناً أو يأسا، ولا نستطيع أن نعتبر أحداً من هؤلاء صائماً بالحقيقة.

نعود ونقول: كل صوم ليس هو من أجل الله، وليس هو بسبب روحى، لا يمكن أن نعتبره صوماً على الإطلاق، ولا يقبله الله.

فما هو الصوم الروحى المقبول أمام الله؟

هو الصوم الذى تكوّن فيه علاقة عميقة مع الله.

الصوم الذى تشعر فيه بالله فى حياتك، هو الفترة المقدسة التى تشعر أن الله يملكها، وأنها مخصصة كلها لله، وأن وجود الله ظاهر جداً خلالها فى كل تصرفاتك، وعلاقتك بالله تزداد وتنمو فى كل يوم من أيام الصوم، بمتعة روحية تشتهى بسببها أن يطول صومك ولا ينتهى.

لعل هذا يجعلنا نفحص سؤالاً هاماً وهو:

ما علاقة الله بصومك؟

ما الذى أخذه الله من صومك؟ وما الذى أخذته أنت من الله؟ ماذا أعطيت الله فى صومك، وماذا أعطاك؟ هل كان صومك فترة غير عادية فى حياتك؟ أياماً مقدسة شعرت فيها بيقظة روحية تدعوك أن تذوق وتنظر ما أطيب الرب؟ هل اختبرت فيها كيف تسلك حسب الروح وليس حسب الجسد؟

ليس الصوم هو تغيير طعام بطعام.

وليس هو امتناع فترة معينة عن الطعام... كل هذه مجرد وسائل، ولكنها ليست هى جوهر الصوم. فجوهر الصوم هو انطلاق الروح من مطالب هذا الجسد، لكى يسمو الجسد معها، ويرتفع الإنسان بعيداً عن ثقل المادة، متجهين معاً فى اتجاه واحد هو محبة الله، والتمتع بعشرته. هذا هو الصوم المقدس، أى المخصص لله.

ثلاثة أشياء لابد أن تخصصها لله فى صومك، إن أردت أن تقدس هذا الصوم لله.

فى الصوم تخصص القلب والفكر والإرادة لله.

فلا يكون كل صومك هو انشغال بالأكل والشرب. إنما امتناعك عن الأكل والشرب، وضبطك لنفسك فيما تأكل وتشرب، إنما هو تدريب لهذه الإرادة كيف تقوى، ولا تكون قاصرة على موضوع الطعام فحسب، وإنما إرادتك التى نجحت فى السيطرة على الطعام، تقدم ذاتها لله فى كل شئ.

فلا تريد إلا ما يريده الله...

وهذه هى الحكمة من الصوم. أن منع النفس عن الأكل، يمتد إلى أن يصير منعاً عاماً عن كل ما يغضب الله... فلا يكفى أن تمنع نفسك عن الأطعمة الحيوانية، أو عن الأكل عموماً، وتبقى بلا ضابط فى خطايا معينة! إنما فى صومك قدم إرادتك لله فى كل تصرفاتك وقل له ((لتكن لا إرادتى بل إرادتك)).

إبحث إذن أين تشرد إرادتك بعيداً عن الله.

وركز على هذه النقطة بالذات لكى تنجح فيها، وتقدم لله إرادة صالحة ترضيه. وهذا التدريب الذى تسلك فيه أثناء الصوم، سوف يصحبك بعده أيضاً. لأنه من غير المعقول أن تضبط نفسك فى البعد عن خطايا معينة أثناء الصوم، ثم تبيح هذا الأمر لنفسك عندما ينتهى الصوم! وإلا فما الذى تكون قد استفدته من صومك؟!

إحرص أن يكون الصوم قد غيّر فيك شيئاً.

لا تأخذ من الصوم مجرد تغيير الطعام، إنما تغيير الحياة إلى أفضل... تغيير النقائص التى فيك، والضعفات التى تحسها فى علاقتك مع الله والناس. لأنه ماذا تستفيد إن قهرت نفسك خلال خمسة وخمسين يوماً فى الصوم الكبير، وخرجت من الصوم كما كنت تماماً قبله، دون أن تكوّن علاقة حب مع الله، وعلاقة ثبات فيه؟!

تأمل كم صوماً مر عليك، وأنت كما أنت!

كم من الأصوام التى صمتها، منذ أن عرفت الله حتى الآن؟ كم سنة مرت عليك، وفي كل سنة عدد من الأصوام، مع أربعاء وجمعة فى كل أسبوع. تأمل لو كنت فى كل صوم منها تنجح إرادتك، ولو فى الإنتصار على نقطة ضعف معينة، حتى تصطلح مع الله فيها وتذوق حلاوة مشيئته... ترى لو سلكت هكذا، كم كنت ترى حصاد حياتك وفيراً فى الروحيات، وكم كانت علاقتك بالله تزيد وتتعمق...

لا تأخذ من الصوم شكلياته، بل أدخل إلى العمق.

فليس الصوم مجرد شكليات ورسميات، ولا هو مجرد فروض أو طقوس، إنما هو نعمة أعطيت لنا من الله، ونظمتها الكنيسة لخيرنا الروحى. لأجل تنشيط أرواحنا، وتذكيرنا بالمثالية التى ينبغى أن نسلك فيها، وتدريبنا على ((القداسة التى بدونها لا يعاين أحد الرب)) (عب 12: 14).

الصوم إذن فترة مقدسة مثالية غير عادية.

يحتاج إلى تدبير روحى من نوع خاص يتفق مع قدسيتها. حالماً يبدأ الصوم نشعر أننا دخلنا فى حياة لها سموها، وفى أيام غير عادية نتدرب فيها على حياة الكمال. ولذلك لا يجوز أن تمر علينا شأنها كباقى الأيام... إنها صفحة جديدة فى علاقتنا مع الله، تدخلها بشعور جديد وبروح جديدة….

حقاً إن كل أيام حياتنا ينبغي أن تكون مقدسة. ولكن فترة الصوم هي أيام مقدسة غير عادية. وإن سلكنا فيها حسناً، سنصل إلى قدسية الحياة كلها… إنها فترة نتفرغ فيها لله على قدر إمكاننا، ونعمق علاقتنا به.

هل سمعتم عن الصوم الذى يخرج الشياطين؟

وكيف قال الرب عن الشياطين ((هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم)) (مت 17: 21). فأى صوم هذا الذى لا تستطيع الشياطين أن تحتمله فتخرج؟ أهو مجرد الإمتناع عن الطعام؟ كلا بلا شك. بل إنها العلاقة القوية التى تربط الصائم بالله، هذه التى لا يحتملها الشيطان... الدالة التى بين الإنسان والله، دالة الحب وصلة الروح التى حرم منها الشيطان، ما أن يراها حتى يتعب ويذهب...

القلب الملتصق بالله فى الصوم، هذا يراه الشيطان فيهرب.

فهل قلبك ملتصق بالله فى الصوم؟

هل تعطيه قلبك كما تعطيه إرادتك؟ وهل تشعر بحبه أثناء الصوم؟ وهل هذا الحب طابع واضح فى صلواتك وتأملاتك أثناء الصوم؟ وهل من أجل محبته نسيت طعامك وشرابك، ولم تعد تهتم بشئ من هذا؟

وكأنك تقول لجسدك أثناء صومك:

أنا لست متفرغاً لك الآن. أكلت أو لم تأكل، هذا موضوع لم يعد يشغلنى أو يهمنى... ((لكل شئ تحت السموات وقت)). وليس هذا هو وقتك... أنا الآن مشغول بعمل روحى مع الله. فتعال اشترك معنا، إن أردت أن يكون لك كيان فى هذا الصوم. أما الطعام فليس الآن مجاله. طعامى الآن هو كل كلمة تخرج من فم الله.

هذه هى مشاعر من يقول فى صومه مع القديس يوحنا الرائى:

كنت فى الروح يوم الرب (رؤ 1: 10).

ولا شك أن يوم الصوم هو يوم للرب. فهل أنت ((فى الروح)) أثناء صومك؟ هل نسيت جسدك تماماً بكل ماله من رغبات ومطالب واحتياجات، وفضلت أن تحيا فى الروح خلال فترة الصوم؟ ليس للجسد عندك سوى الضروريات التى لا قيام له بدونها... وكأنك تقول مع بولس الرسول ((فى الجسد أم خارج الجسد، لست أعلم. الله يعلم)) (2 كو 12: 3).

هل يكون فكرك منشغلاً بالله فى صومك؟

فى أثناء القداس الإلهى ينادى الأب الكاهن قائلاً ((أين هى عقولكم))؟ ويجيب الشعب ((هى عند الرب)). وأنا أريد أن أسأل نفس السؤال أثناء الصوم ((أين هى عقولكم))؟ أتستطيع أن تجيب ((هى عند الرب))؟ أليس الصوم فترة مقدسة لله، مخصصة له، يجب فيها أن ينشغل الفكر بالله وحده؟ إفحص يا أخى نفسك، وابحث عن أفكارك أين هى أثناء الصوم.

هل مشاغل الدنيا تملأ فكرك أثناء الصوم؟

فأنت فى دوامة العمل، وفى دوامة الأخبار، وفى دوامة الأحاديث مع الناس، لا تجد وقتاً لله تعطيه فيه فكرك! وربما تصوم حتى الغروب، وفكرك ليس مع الله، قد أرهقه الجولان فى الأرض والتمشي فيها...! وربما تفكر فى التفاهات، وتتكلم عن التفاهات، والله ليس على فكرك، لا تذكره إلا حينما تجلس لتأكل، فتصلى قبل الأكل، وتذكر الله، وتذكر أنك كنت صائماً! هل هذا صوم روحى يريح ضميرك؟! ليتك إذن تذكر قول داود النبى:

جعلت الرب أمامى فى كل حين.

هو أمامى فى كل عمل أعمله، وفى كل كلمة أقولها. إنه شاهد على كل شئ. وأيضاً جعلته أمامى لأنه هدفى الذى لا أريد أن أتحول عنه لحظة واحدة. وهو أمامى لأننى من أجله وحده أصوم... أصوم لكى لا أنشغل عنه بل أجعله أمامى كل حين...

إن كنت فى الأيام العادية، ينبغى أن تضع الله أمامك فى كل حين، فكم بالأكثر فى فترات الصوم التى هى مخصصة لله ومقدسة له؟

إن كان الله ليس على فكرك، فلست صائماً.

يوم الصوم الذى لا تفكر فيه فى الله، اشطبه من أيام صومك، إنه لا يمكن أن يدخل تحت عنوان ((قدسوا صوماً))...

ولكن لعل البعض يسأل: كيف يمكننى تنفيذ هذا الأمر، وأنا أعيش فى العالم، ولى مسئوليات كثيرة ينبغى أن أفكر فيها؟

إذن إحفظ التوازن، وأمامك ثلاث قواعد:

1 - لا تجعل مسئولياتك تطغى، بحيث تستقطب كل أفكارك، ولا تبقى فى ذهنك موضعاً لله... إجعل لمسئولياتك حدوداً، واعط لربك مجالاً.

2 - كل فكر لا يرضى الله إبعده عنك، فهو لا يتفق مع المجال القدسى الذى تعيش فيه. وكما يقول القديس بولس الرسول ((مستأسرين كل فكر لطاعة المسيح)) (2 كو 10: 5). لذلك لا تنجس صومك بفكر خاطئ. فالفكر الذى يطيع المسيح استبقه معك، والذى لا يطيع اطرده عنك.

3 - إشرك الله معك فى أفكارك، وفى أهداف أفكارك. وقل:

أنا من أجل الله أفكر فى هذا الموضوع.

أنت تفكر فى مسئولياتك. حسناً تفعل. ولكن لا تجعلها منفصلة عن الله. الله هو الذى أعطاك هذه المسئوليات. وأنت من أجله تفكر فيها. ولا يكون فكرك فيها منفصلاً عن الله... من أجل الله تفكر فى شئون عملك. ومن أجله تفكر فى دروسك ومذاكرتك. ومن أجله تفكر فى خدمتك وفى مسئولياتك العائلية. بشرط أن هذا التفكير كله لا يبعدك عن الله الذى هو الأصل والأساس. فكر فى مسئولياتك. وقل للرب أثناء ذلك:

إشترك فى العمل مع عبيدك.

طالب مثلاً يذاكر أثناء الصيام. والله يشترك معه. هو يذاكر، والله يعطيه الفهم، ويثبت المعلومات فى ذهنه وفى ذاكرته. وهذا التلميذ يقول للرب ((أنا يارب لا أستطيع أن أفهم من ذاتى. أنت تجلس معى وتفهمنى، وأشكرك بعد ذلك لأنك كنت معى... وأنا أذاكر يارب، ليس من أجل العلم، ولا من أجل مستقبلى، إنما من أجلك أنت، لكى يعرف الكل أن أولادك ناجحون، وأن كل عمل يقومون به يكونون أمناء فيه، ويكون الرب معهم ويأخذ بيدهم، فيحبك الناس بسببهم...)).

تقول لله: من أجلك آكل، ومن أجلك أصوم.

من أجلك آكل، لكى آخذ قوة أقف بها فى الصلاة، وأسهر بها فى التأمل، وأخدم بها أولادك، ويأخذ بها الناس فكرة أن أولادك أمناء فى عملهم.

وأنا أصوم، لكى يمكن لروحى أن تلتصق بك دون عائق من الجسد.

هكذا تكون فى الصوم مع الله فى كل عمل تعمله.

وتدخل فى شركة مع المسيح الذى صام.

تشترك معه فى الصوم، على قدر ما تستطيع طبيعتك الضعيفة أن تحتمل. هو صام عنك، فعلى الأقل تصوم عن نفسك. وهو قد رفض هذا الخبز المادى، وأنت تشترك معه فى رفض هذا الطعام البائد. وهو كان يتغذى بحبه للآب وعشرته معه، وأنت أيضاً تكون كذلك. وهو انتصر على الشيطان أثناء صومه، وأنت تطلب إليه أن يقودك فى موكب نصرته...

وبهذا يكون الصوم فترة غذاء روحى لك.

أخطر ما يتعب البعض فى الصوم، أن يكون الجسد لا يتغذى، والروح أيضاً لا تتغذى. وهذا الوضع يجعل الصوم فترة حرمان أو تعذيب، وليس هذا هو المعنى الروحى للصوم. بل إن هذا الحرمان يعطى صورة قاتمة للصوم، إذ يقتصر على حرمان الجسد (سلبياً) ويترك غذاء الروح من الناحية الإيجابية.

وغذاء الروح معروف وهو:

الصلاة، والتأمل، وقراءة الكتاب المقدس، وكل القراءات الروحية كأقوال الآباء وسير القديسين، والألحان والتسابيح، والإجتماعات والأحاديث الروحية، والمطانيات،... وما أشبه.

وغذاء الروح يشمل أيضاً المشاعر الروحية، ومحبة الله التى تتغذى بها الروح، وكل أخبار الأبدية...

والروح إذا تغذت، تستطيع أن تحمل الجسد.

وهذا نراه واضحاً جداً فى أسبوع الآلام، إذ تكون درجة النسك فيه شديدة، وفترة الإنقطاع طويلة. ولكن الجسد يحتمل دون تعب، بسبب الغذاء التى تأخذه الروح خلال هذا الأسبوع من ذكريات الآم المسيح، ومن القراءات والألحان والطقوس الخاصة بالبصخة، وتركيز العقل فى الرب وآلامه...

وكثيراً ما يقرأ الإنسان، ويشبع بالقراءة ولذتها، ويحين موعد الطعام، فلا يجد رغبة فى الأكل، بل كل رغبته أن يكمل القراءة. لأن الروح تغذت فحملت الجسد فلم يشعر بجوع...

إذن أعط الروح غذاءها أثناء الصوم. وكن واثقاً إن غذاء الروح سيعطى الجسد قوة يحتمل بها الصوم. كما أن صوم الجسد يعطى عمل الروح قوة إذ يكون عملاً روحياً ممتزجاً بزهد الجسد وزهد الفكر. ولذلك نجد:

صلوات الصوم أعمق، وقداسات الصوم أعمق.

هى صلوات خارجة من جسد صائم قد أسلم قيادته للروح. وهى صلوات خارجة من قلب صائم عن الماديات، ومن روح صائمة عن كل شهوة عالمية. لذلك تكون صلاة قوية. كصلوات الليل ونصف الليل التى يصليها الإنسان بجسد خفيف بعيد عن الأكل.

آباؤنا فى أصوامهم كانوا يهتمون بعمل الروح. فماذا عن أكلهم؟

كانوا أيضاً فى الطعام يهتمون بعمل الروح.

وذلك أنهم كانوا يكلفون واحداً منهم يقرأ لهم شيئاً من سير القديسين وأقوال الآباء أثناء تناولهم للطعام، حتى لا ينشغلون بالأكل المادى ولا يتفرغون له، وحتى يكون لهم غذاؤهم الروحى أيضاً أثناء تناولهم غذاء الجسد. وهكذا تعودوا عدم التفرغ لعمل الجسد، وتعودوا سيطرة الروح على كل عمل من أعمال الجسد.

هناك وصايا تأمر بالصوم. ولكن آباءنا لم يصوموا بسبب الأمر.

لم يصوموا طاعة للوصية، إنما محبة للوصية.

الطاعة درجة المبتدئين. ولكن الحب هو درجة الناضجين والكاملين.

وآباؤنا لم يكن الصوم بالنسبة إليهم أمراً ولا فرضاً ولا طقساً، إنما كان لذة روحية، وجدوا فيها شبعاً روحياً، ووجدوا فيها راحة نفوسهم وأجسادهم.

وفى الصوم لم يقف آباؤنا عند حدود طاعة الوصية،.

وإنما دخلوا فى روحانية الوصية...

وروحانية الوصية الخاصة بالصوم هو لخيرنا، ولولا ذلك ما أمرنا الله بالصوم. وبالإضافة إلى ما قلناه، سنشرح هذا الأمر بالتفصيل بمشيئة الرب فى الفصل المقبل الخاص (بالفضائل المصاحبة للصوم).

أما الآن فسنتحدث عن أقدس أصوام السنة وهو الصوم الكبير.

الصوم الكبير

الصوم الكبير عبارة عن ثلاثة أصوام:

الأربعين المقدسة فى الوسط.

يسبقها أسبوع إما أن نعتبره أسبوعاً تمهيدياً للأربعين المقدسة، أو تعويضاً عن أيام السبوت التى لا يجوز فيها الإنقطاع عن الطعام.

يعقب ذلك أسبوع الآلام. وكان فى بداية العصر الرسولى صوماً قائماً بذاته غير مرتبط بالصوم الكبير.

والصوم الكبير أقدس أصوام السنة.

وأيامه هى أقدس أيام السنة، ويمكن أن نقول عنه إنه صوم سيدى، لأن سيدنا يسوع المسيح قد صامه. وهو صوم من الدرجة الأولى، إن قسمت أصوام الكنيسة إلى درجات.

هو فترة تخزين روحى للعام كله.

فالذى لا يستفيد روحياً من الصوم الكبير، من الصعب أن يستفيد من أيام أخرى أقل روحانية. والذى يقضى أيام الصوم الكبير باستهانة، من الصعب عليه أن يدقق فى باقى أيام السنة.

حاول أن تستفيد من هذا الصوم فى ألحانه وقراءاته وطقوسه وروحياته الخاصة وقداساته التى تقام بعد الظهر.

كان الآباء يتخذون الصوم الكبير مجالاً للوعظ.

لأن الناس يكونون خلاله فى حالة روحية مستعدة لقبول الكلمة. حقاً إن الوعظ مرتب فى كل أيام السنة. ولكن عظات الصوم الكبير لها عمق أكثر. وهكذا فإن كثيراً من كتب القديس يوحنا ذهبى الفم، كانت عظات له ألقاها فى الصوم الكبير، وكذلك كثير من كتب القديس أوغسطينوس. بل أن الكنيسة كانت تجعل أيام الصوم الكبير فترة لإعداد المقبلين للإيمان.

فتعدهم بالوعظ فى الصوم الكبير ليتقبلوا نعمة المعمودية.

فكانت تقام فصول للموعوظين خلال هذا الصوم تلقى فيها عليهم عظات لتعليمهم قواعد الإيمان وتثبيتهم فيها. وهكذا ينالون العماد فى يوم أحد التناصير، لكى يعيدوا مع المؤمنين الأحد التالى أحد الشعانين ويشتركون معهم فى صلوات البصخة وأفراح عيد القيامة.

ومن أمثلة ذلك عظات القديس كيرلس الأورشليمى لإعداد الموعوظين للإيمان، بشرحه لهم قانون الإيمان فى أيام الصوم الكبير.

ولإهتمام الكنيسة بالصوم الكبير جعلت له طقساً خاصاً.

فله ألحان خاصة، وفترة انقطاع أكبر. وله قراءات خاصة، ومردات خاصة، وطقس خاص فى رفع بخور باكر، ومطانيات خاصة فى القداس قبل تحليل الخدام نقول فيها (اكلينومين تاغوناطا).

ولهذا يوجد للصوم الكبير قطمارس خاص. كما أنه تقرأ فيه قراءات من العهد القديم. وهكذا يكون له جو روحى خاص.

وقد جعلت الكنيسة له أسبوعاً تمهيدياً يسبقه.

حتى لا يدخل الناس إلى الأربعين المقدسة مباشرة بدون استعداد. وإنما هذا الأسبوع السابق، يمهد الناس للدخول فى هذا الصوم المقدس، وفى نفس الوقت يعوض عن إفطارنا فى السبوت التى لا يجوز الانقطاع فيها.

بل الكنيسة مهدت له أيضاً بصوم يونان.

فصوم يونان، أو صوم نينوى يسبق الصوم الكبير بأسبوعين، ويكون بنفس الطقس تقريباً وبنفس الألحان، حتى يتنبه الناس لقدوم الصوم الكبير ويستعدون له بالتوبة التى هى جوهر صوم نينوى.

وكما اهتمت الكنيسة بإعداد أولادها للصوم الكبير، هكذا ينبغى علينا نحن أيضاً أن نلاقيه بنفس الإهتمام.

وإن كان السيد المسيح قد صام هذا الصوم عنا، وهو فى غير حاجة إلى الصوم، فكم ينبغى أن نصوم نحن عن أنفسنا، ونحن فى مسيس الحاجة إلى الصوم، لكى نكمل كل بر، كما فعل المسيح.

ومن اهتمام الكنيسة بهذا الصوم أنها أسمته الصوم الكبير.

فهو الصوم الكبير فى مدته، والكبير فى قدسيته.

إنه أكبر الأصوام فى مدته التى هى خمسة وخمسون يوماً. وهو أكبرها فى قدسيته، لأنه صوم المسيح له المجد مع تذكار آلامه المقدسة.

لذلك فالخطية فى الصوم الكبير أكثر بشاعة.

حقاً إن الخطية هى الخطية. ولكنها أكثر بشاعة فى الصوم الكبير مما فى باقى الأيام العادية. لأن الذى يخطئ فى الصوم عموماً، وفى الصوم الكبير خصوصاً، هو فى الواقع يرتكب خطية مزدوجة: بشاعة الخطية ذاتها، يضاف إليها الإستهانة بقدسية هذه الأيام. إذن هما خطيئتان وليس واحدة.

والاستهانة بقدسية الأيام، دليل على قساوة القلب.

فالقلب الذى لا يتأثر بروحانية هذه الأيام المقدسة، لا شك أنه من الناحية الروحية قلب قاسٍ. والذى يخطئ فى الصوم، ينطبق عليه قول السيد المسيح ((إن كان النور الذى فيك ظلاماً، فالظلام كم يكون)) (مت 6: 23). أى إن كانت هذه الأيام المقدسة المنيرة فترة للظلام، فالأيام العادية كم تكون؟!

وقد اهتم الآباء الرهبان القديسون بالصوم الكبير.

حياتهم كلها كانت صوماً. ولكن أيام الصوم الكبير كانت لها قدسية خاصة فى الأجيال الأولى، حيث كانوا يخرجون من الأديرة فى الأربعين المقدسة ويتوحدون فى الجبال. ولعلنا نجد مثالاً لهذا فى قصة القديس زوسيما القس ولقائه بالقديسة مريم القبطية التائبة.

وهكذا كان أيضاً نفس الإهتمام فى رهبنة القديس الأنبا شنودة رئيس المتوحدين، وفى كثير من أديرة اثيوبيا.

فلنهتم نحن أيضاً بهذه الأيام المقدسة.

إن كنا لا نستطيع أن نطوى الأيام صوماً كما كان يفعل السيد المسيح له المجد، فعلى الأقل فلنسلك بالزهد الممكن، وبالنسك الذى نستطيع أن نحتمله.

وإن كنا لا نستطيع أن ننتهر الشيطان ونهزمه بقوة كما فعل الرب، فعلى الأقل فلنستعد لمقاومته. ولنذكر ما قاله القديس بولس الرسول فى رسالته إلى العبرانيين معاتباً ((لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية)) (عب 12: 4).

مفروض إذن أن يجاهد الإنسان حتى الدم فى مقاومة الخطية.

إن كانت ثلاثة أيام صامتها استير وشعبها، كان لها مفعولها القوى، فكم بالأولى خمسة وخمسون يوماً يصومها الشعب كله فى تضرع أمام الله...

هنا وأقول لأنفسنا فى عتاب:

كم صوم كبير مرّ فى حياتنا، بكل ما فى الصوم الكبير من روحيات؟ لو كنا نجنى فائدة روحية فى كل صوم، فما حصاد هذه السنين كلها فى أصوامها الكبيرة التى صمناها، وفى باقى الأصوام الأخرى أيضاً؟

إن المسألة تحتاج إلى جدية فى الصوم، وإلى روحانية فى الصوم، ولا نأخذ الأمر فى روتينية أو بلا مبالاة.



الفصل الرابع: فضائل ومشاعر مصَاحبة للصوم - روحانية الصوم - البابا شنودة الثالث

الفصل الثانى: الصوم والجسد - روحانية الصوم - البابا شنودة الثالث

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات