الفصل السابع لاهوت المسيح فى رسائل بولس الرسول – رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي – معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

هذا الفصل هو جزء من كتاب: رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي – معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل.

إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

الفصل السابع لاهوت المسيح فى رسائل بولس الرسول

بعد صعود المسيح وحلول الروح القدس على الكنيسة فى يوم الخمسين بدأ الرسل ينمون بشدة فى كل من العدد والفاعلية والروحية (أع 1 - 2) وخلال قوة الروح القدس المشرقة فان الرسل فهموا تماماً معنى خدمة الرب للعالم فابتدأوا يكرزون بالإنجيل بكل مجاهرة لكل مَنْ ينصت إليهم. أما مركز حياة الكنيسة ونشاطها فكان فى أورشليم ولم تعد الخدمة قاصرة على اليهود فقط بل أمتدت واستمرت حسب عمل يسوع (أع 3 - 4) وقد فشلت كل مؤامرات الهراطقة وقرارات السنهدريم الخاصة باضطهاد المسيحيين بالنيل من المسيحية فى أى أمر. وخلال هذا الاضطهاد فإن اسطفانوس أحد الشمامسة السبعة فى الكنيسة تم القبض عليه وحضر أمام مجمع السنهدريم وبعد أن قدم دليلاً قوياً فى الدفاع عن الإيمان المسيحى فانه تم رجمه حتى الموت.

وبعد استشهاد اسطفانوس تشتت الجماعة المسيحية فى كل مقاطعات اليهودية والسامرة ولكن الرسل بقوا فى أورشليم (أع 8: 1) ولكن الذين تشتتوا بشروا بالإنجيل فى بلاد أخرى غير أورشليم المدينة المقدسة.

وكان شاول الطرسوسى هو أحد القادة فى هذا الاضطهاد اليهودى للكنيسة (أع 8: 1 - 3)، وقد ولد وتربى خارج فلسطين (طرسوس هى مدينة يونانية فى آسيا الصغرى)، وكان شاول يهودياً من سبط بنيامين عبرانى ابن عبرانى وفريس مضطهد للكنيسة (فى 3: 5 - 6). وكان غريباً أن يتحول هذا الإنسان الذى كان مضطهداً للمسيحية إلى أعظم قديس فى الكنيسة إذ حدث بينما كان فى الطريق إلى دمشق بسوريا لكى يقبض على اى مسيحى يجده هناك إذ به يلتقى مع المسيح القائم (أع 9: 1 - 19؛ 22: 1 - 21؛ 26: 9 - 23). واختبار رؤية المسيح القائم هو الذى غير حياة بولس وتحول إلى الإيمان بالمسيح واعتمد وصار عضواً فى كنيسة دمشق، وهى الجماعة التى كان مزمعاً أن يهلكها (أع 9: 10 - 31) وقد أعلن له أيضاً أنه مختار لكى يصير أداة إلهية بأن يحمل الإنجيل ليس لليهود فقط بل لأمم العالم أيضاً (أع 9: 15). وقد نشأ بولس كمواطن رومانى فى مدينة يونانية (أع 22: 23 - 29) وكان معداً أن تكون له قدرة وفاعلية فى التعامل مع كل الجنسيات المختلفة. وهكذا فإن مضطهد الكنيسة صار واحداً من رسل المسيح (رسول الأمم). وكعلامة لإرساليته الخصوصية إلى الأمم فإن الفريسى الذى تحول إلى المسيحية توقف عن استخدام أسمه العبرانى «شاول» واستخدم إسمه اليونانى «بولس» (أع 13: 9). وعن طريق خدمة بولس الرسول تحولت المسيحية من شيعة يهودية صغيرة إلى ديانة عالمية. وبعد تحوله (عام 32م) عاش بولس وبشر فى مقاطعة دمشق حوالى ثلاث سنوات (32 – 35م) (غل 1: 15 - 19؛ أع 9: 20 - 25) وقد زار أورشليم زيارة قصيرة (35م) وتتبع مشورة الرسل الآخرين ثم رجع إلى مقر وطنه فى طرسوس (أع 9: 26 - 31) وظل بولس فى طرسوس حوالى تسع سنوات (35 - 44م) وبدون شك قد بشر بالإنجيل فى ذلك الوقت لكل من اليهود والأمم وقد تحول كثيرون من الذين جاءوا من اليونان وعاشوا فى أنطاكية بسوريا إلى مسيحيين. وأرسلت كنيسة أورشليم برنابا لكى يرافق بولس فى رعاية الجماعة الكبيرة من المؤمنين اليهود والأمم فى أنطاكية واستمرت خدمة بولس وبرنابا فى أنطاكية لمدة عام او عامين آخرين (عام 45 - 46م أع 11: 30، 29) وفى نهاية ذلك الوقت طلب الروح القدس أن يرحلا من أنطاكية ويبشرا بإنجيل المسيح إلى العالم اليونانى والرومانى (أع 13: 1 - 3) وانتهت خدمة بولس فى الكنائس المحلية وحولته إرادة الله إلى رسول للأمم ليخدم الرب كرسول متحول للعالم أجمع.

ولقد قام بولس الرسول بثلاث رحلات رئيسية. كانت الرحلة الأولى عام 47 - 49م حيث حمل رسالة الخلاص إلى قبرص وبعض بلاد آسيا الصغرى (أع 13 - 14). وفى رحلته الثانية والثالثة (49 - 52م و52 - 56م) سافر بولس بتركيز إلى آسيا الصغرى ومكدونيا واليونان (أع 15: 28؛ 18: 22، 21؛ 21: 16).

وكنتيجة لنشاط بولس الرسول وعمله تم تحول كثيرين من الأمم إلى الإيمان وتم تأسيس كنائس محلية كثيرة. ولقد كان لنجاح خدمة بولس الرسول فى خدمة العالم الأممى وخضوعه للرب تأثيراً على اليهود الذين أثيروا بسبب ذلك ولذلك حدث بعد رحلته الثالثة وبينما كان فى زيارة إلى كنيسة أورشليم تم مهاجمة بولس الرسول وكاد يقتل عن طريق مؤامرة يهودية لولا انقاذه عن طريق فرقة جنود رومانية وضعوه فى الجيش نتيجة الهياج العام الذى تسبب فيه (أع 21 - 22). وعن طريق المناورة السياسية القانونية لمجمع السنهدريم والسلطات الرومانية تم وضع بولس فى سجن أورشليم أولاً ثم فى قيصرية أكثر من سنتين (56 - 58م أع 23 - 24) وأخيراً بعد فقدان كل أمل فى سماع كلمة عدل سواء من اليهود أو من السلطات الروماني استخدم بولس حقه كمواطن رومانى واستؤنفت قضيته أمام الامبراطور فى روما (أع 25: 1 - 12) ولذلك فان السلطات الرومانية فى اليهودية أرسلت بولس إلى روما (أع 27 - 28) وبعد وصول بولس إلى روما حفظوه فى منزل هادئ محبوساً لمدة سنتين أخريتين (59 - 61م أع 28: 17: 30) حتى سقط الاتهام الذى كان موجهاً إليه وتم اطلاق صراحه عندئذ واستمر فى البشارة باسم المسيح كارزاً بالإنجيل فى روما. ووفقاً للتقليد فانه حمل رسالة المسيحية حتى وصلت إلى أسبانيا. ثم سلبت حريته بعد ذلك عام 64م لانه حدث فى ذلك العام أن الأمبراطور نيرون (54 - 68م) أقام الاضطهاد الأول على الكنيسة واستمر حبس بولس الرسول مرة ثانية فى روما حتى عام (67 - 68م) – حينما كان مع بطرس الرسول وقادة آخرين – وتم قتلهم بأمر الامبراطور.

كتابات القديس بولس الرسول:

كان بولس الرسول معلماً وواعظاً ولم يكن كاتباً. فهو لم يكتب عظات متتابعة لكى يعبر بها عن أفكاره اللاهوتية، ولم يجلس لكى يكتب أجزاء مما يحويه الإنجيل ولكنه كان المصدر الرسولى الرئيسى لكتابات القديس لوقا. وقد كتب القديس بولس عدداً من الرسائل خلال خدمته التى استغرقت خمسة وثلاثين عاماً. واحتوت على ثلاث عشرة رسالة من رسائله وصارت جزءاً من الأسفار القانونية للعهد الجديد. أما الرسالة الرابعة عشر فهى منسوبة أيضاً للقديس بولس لانها تكشف عن تعاليمه بخصوص السيد المسيح، ولكن لأن هذه الرسالة قد كتبت بعد عام 70م لذلك ثار الشك عما إذا كان بولس هو كاتبها – لانه مات عام 67 أو 68م – وبعض من الدارسين يقولون بأن كاتبها هو أحد زملاء بولس ويرجحون أن يكون برنابا أو لوقا أو أبولو.

وبعض رسائل بولس الرسول كتبت إلى جماعات مسيحية محددة (رومية – كورنثوس الأولى والثانية – غلاطية – فيليبى – كولوسى – تسالونيكى الأول والثانية) وبعض آخر من رسائل موجهة إلى أشخاص معينين (تيموثاوس الأول والثانية – تيطس – فليمو) ورسالة واحدة موجهة إلى الكنيسة كلها على الاتساع (رسالة أفسس) أما رسالة العبرانيين فإنها تأخذ شكل عظة أو تفسير أكثر من الرسالة وهى موجهة إلى الجماعة اليهودية التى دخلت إلى المسيحية والموجودة فى كل من روما أو أورشليم أو أفسس.

وكتابات بولس الرسول ليست كتابات وتفاسير لاهوتية بطريقة تلقائية ولكنها تحتوى على شروحات لأمور فلسفية وتعاليم أخلاقية عن الكنيسة المسيحية. ولكن هدف بولس الرسول فى كتاباته هو تشجيع الكنائس الجديدة فى العالم اليونانى والرومانى أن تبقى ثابتة فى روحانياتها وأخلاقها خلال تلمذتها للمسيح. وكان بولس مهتماً بمشكلة الهراطقة فى الكنيسة الأولى لان كثيرين قد تبعوا تعاليم غريبة لا تتفق مع التقاليد الرسولية. وكان أهم الهرطقات التى هددت الكنيسة خلال القرن المسيحى الأول هو مشكلة التهود Judaizer ومشكلة الغنوسية Gnostic.

ومشكلة التهود هى أصرار اليهود أن المسيحية هى لون من ألوان اليهودية، وكل الأمم الذين يتحولون إلى الإيمان المسيحى يجب أن يتبعوا ناموس موسى (الختان – العبادة – تقديس الناموس – حفظ السبت). أما الغنوسيون فكانوا يعلمون نوعاً من الروحانية وينكرون التجسد (المسيح أخذ جسداً حقيقياً) وينكرون أيضاً قيامة المسيح، ويعتبرون المسيح واحداً من الذين لهم صفة نصف الالوهة فهو مخلص ملائكى ويعتبرون أن الحق الإلهى ممكن فقط لجماعة صغيرة من المستنيرين.

وكثير من رسائل بولس الرسول كتبت لوقف تيار التهود والغنوسية. وخلال هذه الرسائل يعتبر الرسول بولس أن المسيحيين – سواء كانوا يهوداً أو أمماً – هم أحرار من الناموس اليهودى. ويعلن الرسول بولس أن الله هو خالق العالم المادى، وأن خلاصنا هو فى شخص المسيح فى الكنيسة، وان الرسالة الرسولية للخلاص فى المسيح يسوع مقدمة لكل العالم.

وتنقسم رسائل بولس الرسول التى احتواها العهد الجديد إلى أربعة مجموعات حسب التاريخ الذى كتبت فيه:

1 - رسائل بولس الرسول الأول والثانية إلى تسلونيكى كتبت من كورنثوس (باليونان) حوالى عام 50م خلال رحلته الثانية. وبولس هو أحد مؤسسى كنيسة تسالونيكى (فى مقدونية). وفى رسائله إلى المسيحيين فى تسالونيكى فهو يشجعهم أن يبقوا فى طهارة الروح والسلوك. ويتحدث بولس الرسول فى الرسالتين عن مجئ المسيح الثانى والدينونة الأخيرة ويدعو التسالونيكيين لانتظار يوم الرب بيقظة وصبر (1تس 4 - 5؛ 2تس 2). وكان التسالونيكيون متحمسين مثل بقية المسيحيين لموضوع مجئ المسيح الثانى فكانوا يهملون الحياة الأرضية ويلقون على الأرض الاهتمامات الجسدية. ولذلك كان بولس الرسول يحثهم أن لا يدعوا حياتهم الاسكاتولوجية (المتعلقة بالآخرة والأبدية) أن تبعدهم عن الحياة الروحية الاخلاقية اليومية لكى يمارسوا إيمانهم العملى.

2 - الرسائل الكبيرة التى كتبها بولس خلال رحلته الثالثة (52 - 56م) وهى رسالة غلاطية (كتبها ربما فى أفسس) عام 52 أو 53م. وكانت غلاطية مقاطعة رومانية كبيرة فى آسيا الصغرى. وكانت غلاطية فى ذلك الوقت هى هدف بقية الكنائس الأخرى لتلك المنطقة. وتحتوى الرسالة على دفاع بولس الرسول عن سلطاته الرسولية ورده القوى المفحم ضد موضوع التهود الذى أصبح يمثل الخطر الكبير على الكنيسة المسيحية فى غلاطية.

3 - الرسالتان الأول والثانية إلى كورنثوس كتبتا من أفسس (الشاطئ الغربى من آسيا الصغرى) عام 55م. وكانت كورنثوس مقاطعة وطنية فى اليونان وكانت معروفة بالفساد والأنحراف. وبولس الرسول هو مؤسس كنيسة كورنثوس وكان قد اضطرب بالأخبار التى وصلت إليه بالفوضى الروحية والسلوكية التى نشأت هناك. وقد كتبت الرسالة الأولى لكورنثوس لاصلاح الفساد الذى دب فى الحياة المسيحية فى كورنثوس. وبعد جهاد صعب استطاع بولس أن يقنع الكورنثوسيين بخطأ طريقتهم. وفى الرسالة الثانية عبّر عن شكره لله من أجل نقاء الكنيسة فى كورنثوس.

4 - وبعد كتابة الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس ذهب بولس الرسول بنفسه إلى كورنثوس وبقى هناك مع القطيع التائب حوالى ثلاثة شهور. وخلال ذلك الوقت (عام 56) كتبت رسالته إلى الجماعة المسيحية فى روما. وكان بولس يرجوا أن يزور الكنيسة فى روما. وفى رسالته إليهم ناقش معهم طبيعة الخلاص فى المسيح (ص 1 - 8) والعلاقة بين اليهود والأمم فى خطة الله الخلاصية (ص 9 - 11) وحياة القداسة العملية التى يجب أن يجاهد فيها كل المسيحيين. ورسالة رومية هى أكثر الرسائل شمولاً لفكر بولس الرسول اللاهوتى ولفهم إنجيل المسيح.

5 - وخلال سجنه الأول فى روما (59 - 61م) كتب بولس الرسول رسائل الأسر Prison Letters وهى رسالة فليمون وكولوسى وأفسس (عام 59م) ثم رسالة فيليبى التى كتبت عام 60م:

كان فليمون مسيحياً تقياً فى مقاطعة كولوسى فى آسيا الصغرى ثم هرب منه انسيموس العبد الذى كان معتوقاً له إلى روما. ثم زار أنسيموس بولس الذى كان صديقاً لسيده فليمون ثم تحول انسيموس إلى المسيحية. وفى رسالة بولس إلى فليمون يطلب منه أن يقبل أنسيموس ثانية كأخ مسيحى. وقد وعد بولس فليمون أن يرد إليه ما سرقه العبد الهارب سواء كان مالاً أو منقولات.

† أما رسالة كولوسى فقد كتبت لمواجهة الغنوسية التى تفشت فى كنيسة كولوسى. فركز بولس الرسول على أن يسوع المسيح هو المخلص الوحيد فى العالم وفى المسيح قد خلق الله العالم « وفيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً» (كو 2: 9).

† رسالة أفسس معروفة أنها وثيقة أرسلها بولس الرسول إلى كل الكنائس فى آسيا الصغرى. ومحور الرسالة هو العلاقة بين المسيح وكنيسته. والكنيسة هنا يشار إليها أنها جسد المسيح السرى التى تحوى بقوة الروح القدس أسرار الله للخلاص المقدس لكل العالم.

† وكنيسة فيليبى (مقاطعة رومانية فى مقدونية) كانت تحوى الجماعة المسيحية التى أسسها بولس الرسول. ولما علموا بسجنه فى روما أرسلوا إليه تقدمات لكى يتعزى بها. والرسالة إلى فيليبى لها طابع روحى مرتفع وهى تعب عن تجاوب بولس مع كرم قطيع رعيته. فهو يعبر عن فرحه فى استمرار إيمانهم فى المسيح ويحذرهم من تعاليم الهراطقة بخصوص التهود ويحثهم أن يتمسكوا بجهادهم وأن يحيوا الحياة المسيحية الكاملة ويشكرهم على التقدمة التى أرسلوها له.

6 - أما الرسائل الرعوية التى كتبت بعد سجن بولس الرسول فى روما فهى رسائل تيطس والرسالة الأولى إلى تيموثاوس (كتبت فيما بين عام 61 - 64م) بينما الرسالة الثانية إلى تيموثاوس هى ثمرة سجن بولس الثانى فى روما عام 64 - 67 أو 68م. وفى هذه الرسائل يتحدث بولس الرسول عن طبيعة وعمل الخدمة المسيحية. وهو يطلب من تيطس وتيموثاوس خادمى الإنجيل اللذين رسمهما بولس الرسول نفسه أن يعملا بهمة ونشاط من أجل بقاء التعاليم والأوامر المقدسة فى كنائس المسيح.

7 - أما الوثيقة المعروفة برسالة العبرانيين فهى فى الواقع عظة أو تفسير غير مبين فيها مَنْ هو كاتبها وتحتوى على مجادلة تظهر سمو المسيحية على اليهودية. ويبدو أنها مكتوبة لليهود الذين صاروا مسيحيين وقت الاضطهاد وكانوا على وشك أن يتخلوا عن إيمانهم المسيحى ويرتدوا إلى اليهودية. ولذلك كتبت لكى تنقذهم من ذلك الارتداد (عب 6: 1 - 12) ولكى يربحهم ثانية للالتزام بالثبات فى المسيحية. وكاتب رسالة العبرانيين يُظهر فى الرسالة موضوعات ثلاثة هامة:

أ - عظمة المسيح على أنبياء اليهود (عب 1: 1 - 3) وعظمته على الملائكة (عب 1: 4 - 2: 18) وعظمته على موسى ويشوع (عب 3: 1 - 4: 13).

ب - عظمة كهنوت المسيح على الكهنوت اللاوى (عب 4: 14 حتى 7: 28).

ﺟ - عظمة العهد الجديد فى المسيح على العهد القديم الذى لإسرائيل الأول (عب 8: 1 حتى 10: 18).

وتحوى رسالة العبرانيين شرحاً للتأمل فى حياة الإيمان (عب 10: 19 حتى 12: 29) وفى الختام يحث المسيحيين وينذرهم أن لا ينحرفوا وينقادوا للتعاليم الغريبة (عب 13: 1 - 15).

ومضمون رسالة العبرانيين هو أن العهد القديم الذى لإسرائيل الأول قد أكمل وفاق عظمته فى العهد الجديد الذى ليسوع المسيح وأنه فى المسيح صار عمل الله الخلاصى كاملاً ونهائياً. والأمر يحتاج إلى كتاب مستقل لشرح كل رسالة من رسائل بولس الرسول على حدة. ولكن فيما تبقى من هذا الفصل لن نركز على شرح تفاصيل الرسائل ولكن سنتحدث بصفة عامة عن الأفكار اللاهوتية فى رسائل بولس الرسول التى احتواها العهد الجديد.

الرسالة العامة لرسائل بولس الرسول

1 - خطة الله فى الخلاص:

إن إنجيل المسيح كما دوّنه بولس الرسول هو أولاً اعلان لحالة البشر ومدى احتياجهم للخلاص (رو 1: 28 – 3: 20) وثانياً هو اعلان خطة الله الآب للخلاص المقدم لكل العالم والجنس البشرى (أف 1: 14، 3؛ 3: 4 - 12؛ كو 1: 24 - 29) وتحليل بولس لحالة الجنس البشرى سوف نقدمها فى الفصل التالى ولكننا نتحدث هنا بصفة عامة عن خطة الله فى الفداء.

إن الخطية قد فصلت البشرية من حضورها الكامل أمام الله ومن الحياة فى الله. ولكن محبة الله للبشر هى محبة باذلة، والله قد قرر فى كرمه أن ينقذ الجنس البشرى من أثار الخطية والموت وينقذه أيضاً من العبودية للشيطان. وإرادة الله وهدفه ليس أن يصالح البشر فقط بل يصالح كل شئ لنفسه خلال ابنه يسوع المسيح وخلال قوة الروح القدس. وفى راى القديس بولس فان نموذج تاريخ الخلاص يتلخص فيما يلى:

1 - سقوط الجنس البشرى من نعمة الله.

2 - فداء الله للإنسانية وللعالم خلال العهد القديم مع إسرائيل الأول وخلال العهد الجديد فى المسيح يسوع والروح القدس.

3 - خلق العالم وخلقة الجنس البشرى.

وعهد الله مع الجنس البشرى أدرك فى خدمة المسيح على الأرض وفى حياة الكنيسة الملهمة بالروح القدس وفى مجئ المسيح الثانى الذى سوف يكمل دخولنا إلى ملكوت الله (رو 8؛ 1كو 15، 2، 1؛ 2كو 3 - 5؛ أف 1 - 6؛ 1تس 4 - 5؛ 2تس 1 - 2).

ويتحدث بولس الرسول عن عمل الله فى الخلاص كأنه سر مخفى خلال الأجيال والدهور ولكنه الآن اعلن للقديسين (كو 1: 26) والله الآب قد باركنا فى المسيح بكل بركة روحية (أف 1: 3 - 6) ومن البدء كان هذا هو الهدف من إرادة الله «كل الذين ينقادون بروح الله فاولئك هم أبناء الله» (رو 8: 14 - 17) والإنجيل هو اعلان «الحكمة المكتوبة التى سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا» (1كو 2: 7). وهذا الاعلان هو لأولئك «الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه ليكون هو بكراً بين أخوة كثيرين والذين سبق فعينهم فهؤلاء دعاهم أيضاً» (رو 8: 30، 29).

وقصد الله لخلاص المسيحيين لا يلغى حريتهم الروحية. ومن وجهة النظر الأرثوذكسية فإننا ننقاد إلى المسيح بواسطة الروح القدس. ولكننا نظل أحراراً نقبل أو نرفض الخلاص المقدس لنا من الله فى المسيح. والله يعرف مَنْ الذى سوف يقبله ومَنْ الذى سوف يرفض الإنجيل. وهو عيّن أولئك الذين يقبلونه ويدخلهم إلى البنوية الإلهية للمسيح أما الآخرون فإنهم سوف ينفصلون عن الحضور الإلهى. وهكذا فإن الله لم يلغ حرية اختيارنا وصار لنا حرية اختيار خلال حياتنا فى هذا العالم لكى تصير لنا حرية قبول أو رفض قيادة الروح القدس.

فالخلاص هو إذن عمل الثالوث المقدس ولكن وفقاً لتعاليم بولس الرسول عن الفداء فإننا نلنا الفداء خلال دم المسيح وفى المسيح فان معنى وهدف الخليقة قد أعلن. والمسيح هو غاية كل الأشياء، وفيه تم اتحاد السماء والأرض فتصالحنا مع الله (أف 1ك 7 - 10) والمسيح هو الله الكامل والإنسان الكامل وهو الوسيط الوحيد بين الله والإنسان (1تى 2: 6، 5). وخلال الإيمان فيه فإننا نتحرر من ناموس الخطية والموت (رو 2: 8) وهذا هو السر الذى تحدث عنه بولس الرسول «انه باعلان عرفنى بالسر كما سبقت فكتبت بالإيجاز. الذى بحسبه حينما تقرأونه تقدرون أن تفهموا درايتى بسر المسيح» (أف 3: 3 - 5). وقد كتب بولس الرسول فى احدى رسائله إلى تيموثاوس « وبالاجماع عظيم هو سر التقوى الله ظهر فى الجسد تبرر فى الروح تراءى لملائكة كرز به بين الأمم أومن به فى العالم رفع فى المجد» (1تى 3: 16).

وهكذا فانه خلال شخص المسيح وعمله فانه تم كشف وإدراك خطة الله الآب فى الخلاص وصارت خدمة الروح القدس فى الكنيسة وبالكنيسة ممكنة.

2 - حالة الجنس البشرى:

يخبرنا الإنجيل بأن الإنسان خلق أصلاً فى شركة مع الله (تك 1 - 2) وهذا هو قصد الله وخطته الأبدية أن يكون الجنس البشرى والعالم كله فى شركة معه فى توافق وانسجام تام. وفى هذا الانسجام والتوافق يأخذ الإنسان الحياة الإلهية ويتمتع بها. ولكن الذى حدث أنه بدلاً من أن يتجاوب مع هذا الحب ويطيع الله المملوء بالكرم انحرف الإنسان عن الله إلى ذاته وخضع لتجربة الشيطان وصار عبداً لقوى الشر. ويعلن الإنجيل حقيقة تغرب الإنسان عن الله كنتيجة للخطية، ولكنه لا يعطى تفسيراً لسقوط الإنسان التلقائى. ويخبرنا الإنجيل أيضاً عن سقوط الملائكة وتمردهم الذى تم قبل خلقة الإنسان (رؤ 12: 1 - 17؛ أش 14: 5 - 15؛ حز 28: 11 - 19) كما يخبرنا عن تجربة سقوط آدم وحواء (تك3) ولكن الانجيل لم يخبرنا بطريقة قاطعة لماذا سقطت الملائكة والبشر رغم أنه كانت لهم علاقة مباشرة مع الله ولم يكونوا فى فساد مع الخطية ورغم هذا صاروا فى علاقة عداوة مع الله خالقهم.

ولم يشرح بولس – مثل بقية الذين كتبوا العهد الجديد – سر تمرد الإنسان ضد الله ولكنه افترض حدوث سقوط الإنسان وركز اهتمامه على حالة التغرب التى بها سقط الجنس البشرى فى فترة ما بعد السقوط. وبين سقوط الإنسان وتجسد المسيح لم يحيا الإنسان فى الحياة الإلهية والحضور الإلهى وأصبح خاضعاً لقوى الموت والخطية. ووفقاً لفكر بولس الرسول فان الخطية قد جاءت إلى العالم عن طريق آدم. ودخل الموت إلى العالم عن طريق الخطية وساد الموت على العالم لان الكل قد أخطأ لان أجرة الخطية هى موت (رو 5: 12؛ 6: 23) وليس معنى هذا أن كل الناس قد أخطأوا فى آدم وأننا ولدنا خطاة بسبب خطية آدم. ولكن الكنيسة الأرثوذكسية تعلم أننا قد ورثنا آثار خطية آدم. والعالم قد هلك بسبب الخطية وكوننا نحيا فى عالم ساقط فاننا دائماً نجرب بالخطية وننهزم من التجربة وصرنا مجرمين فى نظر الله وهذا الجرم هو جرمنا نحن علاوة على أثار خطية آدم التى ورثناها.

وكثير من اللاهوتيين الأرثوذكس يعتمد على فكرة بولس الرسول فى الربط بين الخطية والموت وأن الفساد البشرى هو فى فترة ما بعد السقوط Postlapsarian.

وعن طريق الخطية فإن الجنس البشرى قد حرم من شجرة الحياة التى هى الخلود الإلهى وأصبح الموت هو مصير البشر. ونتيجة ميراث الفساد فان الموت حل على البشر وأصبح عبداً للخطية ومهموماً بالموت وأصبح الضعف البشرى والشيخوخة والمرض من صيب الإنسان. وأصبح الإنسان متمركزاً حول ذاته ومستغرقاً فيه وسقط من بر الله وحكمته وأصبح متمركزاً حول مسراته الذاتية أكثر من الله وهكذا ولد الإنسان وهو فى عبودية للخطية والموت. وكثيراً ما يتحدث بولس الرسول عن خضوع الإنسان للخطية والموت والجسد Sarx (رو 8: 3 - 11؛ غلا 5: 19 - 24). وكلمة Sarx اليونانى التى تقابلها بالإنجليزيى Flesh تختلف عن كلمة Soma اليونانية التى يقابلها Body بالإنجليزية. لان الجسد البشرى (Body - Soma) مثل بقية المخلوقات المادية هو أصلاً صالح (تك 1: 31) أما الجسد بمعنى الانحرافات والشهوات (Fkesh – Sarx) فهو يفيد مخالفة إرادة الله واتباع مشيئة شهوات الجسد التى هى ضد شهوات الروح (غلا 5: 17). والسلوك بالروح هو السلوك فى حياة المحبة والفرح والسلام وطول الأناة واللطف والصلاح والإيمان والوداعة والتعفف (غلا 5: 22 - 23). ولكن أن نتبع شهوات الجسد هى أن ينغمس الإنسان فى الزنى والعهارة والنجاسة والدعارة وعبادة الأوثان والسحر والعداوة والخصام والغيرة والسخط والتحزب والشقاق والبدع والحسد والقتل والسكر والبطر (غلا 5: 19 - 21).

وكنتيجة للسقوط أصبح الإنسان فى الشهوات الدنسة وأصبح الفكر والمشيئة يتجهان للأشياء الجسدية أكثر من الأمور الروحية «الذين هم حسب الجسد فيما للجسد يهتمون ولكن الذين حسب الروح فيما للروح. لان اهتمام الجسد هو موت ولكن اهتمام الروح هو حياة وسلام» (رو 8: 6، 5). وكذلك «اهتمام الجسد هو عداوة لله... فالذين هم فى الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله» (رو 8: 8، 7).

وهناك نتيجة أخرى للسقوط هى اصابة الإنسان بالعمى الروحى بسبب فساد عقل الإنسان المنحرف عن معرفة الله وفى فشل الإنسان أن يكرم الله أصبح فى حماقة الفكر وغباوة وظلمة القلب «لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا فى أفكارهم واظلم قلبهم الغبى» (رو 1: 21). وابتدأ الإنسان يطلب الحكمة بعيداً عن الله (تك 3) وفيما يظن الإنسان أنه حكيماً صار جاهلاً « وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء» (رو 1: 22؛ 1كو 1: 18؛ 2: 16؛ 3: 19، 18).

إن الجهل الروحى مثل الفساد هو نتيجة وسبب لخطية البشر. وبدون معرفة الله ومشيئته فان معرفة البشر تصير جهلاً وظلمة. ويسلّم الإنسان نفسه للنجاسة ويمارس كل أنواع الدنس (أف 4: 17 - 19) لأنه ينقض الشركة مع مجد الله غير الفاسد (رو 1: 23) لان الفكر البشرى يكون قد انحرف من النور إلى الظملة (أف 5: 8 - 14؛ كو 1: 9 - 14) وفى فكر بولس الرسول أن كثيراً من الانحراف الروحى والسلوكى قد ساد العالم نتيجة الظملة والجهل لسقوط الفكر البشرى (رو 1: 24 - 32؛ أف 4: 17 - 19؛ كو 3: 5 - 10؛ 1تس 4: 3 - 6؛ تى 3: 3).

وليس معنى هذا هو سقوط كل أحد فى الخطية ولكن معناه هو فشل كل أحد فى طرق عديدة أن يحيا لله وأن يسلك بالكمال فى طريق البر (مز 23: 3). لأن قلوبنا أصبحت لا تميل إلى الله بل إلى غيره وأصبحنا مجرمين بسبب التراخى والكسل والسقوط فى كل خطايا العالم.

واليهود القدامى وخاصة الفريسيين هم فخورين بأن الله قد اختارهم لكى يصيروا حماة الناموس الإلهى وهم يؤمنون أنهم سوف يخلصون خلال الناموس لأن الناموس هو اعلان لمشيئة الله. وفى رأيهم أن الناموس هو تحرير من لعنة العمى الروحى. وأصبح من الممكن الرجوع مرة ثانية إلى معرفة الله ومشيئته التى فقدت نتيجة السقوط. ولقد أعلن الله عن قداسته عن طريق الناموس الذى أعلنه موسى لإسرائيل كما أعلن الله أيضاً عن مستوى الاخلاق والتدين الذى يجب أن يحيا فيه الإنسان. ولكن وفقاً للعهد القديم فإن الإنسان لكى يخلص يجب أن يطيع الناموس الإلهى.

وكثير من اليهود آمنوا أخيراً أنهم قادرون أن يحيوا حسب ما يتطلبه الناموس الموسوى (رو 2: 17 - 20). وفى كتابات القديس بولس الرسول تم رفض فكرة إمكانية الخلاص للإنسان حسب أعمال الناموس رفضاً نهائياً (رو 2: 17 – 8: 2؛ غلا 3 - 5؛ فى 3) ولقد أعلن بولس الرسول أن الناموس الإلهى كان له عمل فى اظهار حالة الإنسان ومدى احتياجه للخلاص. ولكن الناموس نفسه لم يجلب الخلاص للجنس البشرى بل على العكس كان ليظهر المسافة الشاسعة التى تفصل الإنسان الخاطئ عن الكمال الروحى والاخلاقى اللذين لله. وكل مَنْ يتأمل بجدية فى مستوى الناموس الصارم والقاسى لهو يتأكد أنه لا يوجد مَنْ يقدر أن يحيا وفقاً لهذا المستوى (رو 2: 21 - 23؛ 7: 7 - 25). ومن الممكن أن يكون الناموس سبباً فى أن الإنسان يسقط فى الشر لأن روحه الشريرة بالطبيعة تخالف وتعصى الوصايا والتحذيرات الإلهية (رو 7: 11، 8، 5). ان الناموس صار لعنة لأولئك الذين يظنون أن طريق الخلاص هو تنفيذ تلك المطبات (لانهم لا يقدروا على ذلك) لان ناموس موسى نفسه يجلب اللعنة «ملعون مَنْ لا يقيم كلمات هذا الناموس» (تث 27: 26؛ غلا 3: 11). فالناموس يعلن أقصى حالات فشل الإنسان وسقوطه، ولا يمنح الإنسان أى قوة روحية أو أخلاقية لكى يخلص الإنسان من اللعنة. ولكن فى نفس الوقت كان الناموس بركة كبيرة لأنه – كما يؤمن اليهود – اعلان للطبيعة الإلهية وعلاج للجهل الروحى الذى حدث للإنسان.

وفى كشف الحقيقة الكاملة لانحلال الإنسان الروحى والاخلاقى أصبح هناك احتياج البشر للخلاص. إن الناموس الموسوى كان له عمل فى إعداد العالم لعمل الفداء فى شخص يسوع المسيح (غلا 3: 22، 21).

ولقد أعلن بولس الرسول إلى يهود هذه الأيام انه رغم أن الناموس هو مصدر المعرفة إلاَّ أنه ليس مفتاحاً للخلاص (رو 3: 20) وان ما أظهره الناموس هو ان الإنسان فى حالة السقوط لا يستطيع أن يحيا وفقاً لمشيئة الله.

وان كلاً من اليهود والأمم تحت قوة الخطية (رو 3: 10) واقتباساً من (مز 14: 1 - 3) أعلن بولس الرسول «ليس بار ولا واحد. ليس من يفهم. ليس من يطلب الله. الجميع زاغوا وفسدوا معاً. ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد» (رو 3: 10 - 12). ولذلك فإن كلاً من اليهود والأمم فى احتياج للخلاص المقدم فى المسيح لأن «الجميع أخطأوا وأعوزهم مجدا لله» (رو 3: 23). وفقط عن طريق الإيمان بالمسيح – وليس عن طريق أعمال الناموس – فإن الإنسان يتبرر فى عينىّ الله (رو 3: 21 - 30) وخلال الطاعة الكاملة للمسيح ابن الله المتجسد فإن كل متطلبات الناموس تكون قد تمت فالمسيحيون غير مطالبين بطقوس الناموس اليهودى لأن التطهير الآن أصبح فى المسيح خلال أسرار الكنيسة. وبينما الناموس الأخلاقى فى العهد القديم مازال باقياً وظاهراً، ولكن خلال الإيمان فى المسيح فقط وعن طريق قوة الروح القدس نستطيع أن نجاهد لكى نحيا فى بر ونكمل خلاصنا النهائى من الشيطان.

التطهير الآن فى المسيح خلال أسرار الكنيسة. وبينما الناموس الأخلاقى فى العهد القديم مازال باقياً وظاهراً، ولكن خلال الإيمان فى المسيح فقط وعن طريق قوة الروح القدس نستطيع أن نجاهد لكى نحيا فى بر ونكمل خلاصنا النهائى من الشيطان.

وهنا مجال آخر تم فيه سقوط الإنسان وهو خضوعه لقهر الشيطان وقوى إبليس. وحسب التقليد اليهودى القديم فإن الشيطان هو رئيس سلطان الأرض. وقد تحدث بولس الرسول عن الشيطان بأنه «إله هذا الدهر» (2كو 4: 4) لأنه بعد تمرد الشيطان على الأمر الإلهى ووفقاً لخطة الله الخلاصية فى الفداء فإن الله قد سمح للشيطان أن يستمر فى حروبه مع هذا العالم. ولقد أساء آدم وحواء باستخدام موهبة الحرية لانهما تجاوبا مع غواية الشيطان وأكملا ما كان بأمر من الله (تك 3: 1 - 6) وهذا قاد الجنس البشرى أن يصير تحت سلطان الظلمة وغواية الشيطان (كو 1: 13).

وهكذا فإن التغرب عن الله وسقوط البشر جعلهم يتبعون الشيطان الذى هو «رئيس سلطان الهواء والروح الذى يعمل الآن فى أبناء المعصية (الملائكة أو البشر الساقطين) » (أف 2: 2، 1). وبسبب حيل الشيطان فان الجنس البشرى قد خضع للشيطان الذى هو رئيس سلطان الظلمة (أف 6: 12، 11؛ كو 2: 20، 15؛ 4: 1 - 9، 8، 3) وحينما فقد الإنسان الخاطئ علاقته مع الله دخل فى عبودية لما ليس إله بالطبيعة (غل 4: 8) وانهزم الإنسان لكل قوى العالم المقاومة لله والإنسان.

وفى الواقع فان القوى الأخرى التى تحكم الإنسان الخاطئ فى فترة السقوط هى الخطية والموت والجسد أما العمى الروحى فهو ما أسدله الشيطان على البشر نتيجة لخطيتهم (أف 2: 1 - 3؛ 5: 3 - 14). وكنتيجة للسقوط فإن الإنسان قد فقد حريته الروحية الكاملة تحت قيادة الله وتغرب عن حياة الله والمثول فى حضرته وأصبح عبداً للشيطان وتحت سلطانه مما جعل الحكم على الإنسان هو الموت وتسلطت الخطية عليه وأصبح ينقاد لشهوات الجسد وحرم من الحكمة الروحية والأخلاقية وأصبح اليأس هو حالة الإنسان بعد السقوط، حتى الناموس الإلهى نفسه الذى أظهره الله لإسرائيل أصبح تعبيراً عن اللعنة التى أصابت الإنسان بسبب إدانته، ولم يستطيع أى أحد أن يكمل متطلبات الناموس.

وحينما تغرب الإنسان عن المثول أمام الله وحرم من حريته الروحية أصبح يحيا فى حالة من الانحراف لا يستطيع معهها أن يصير شريكاً للحياة الأبدية. ولذلك أصبح الإنسان فى مسيس الحاجة للتحرر من حالة السقوط وأن يتخلص من الأسر الشيطانى عن طريق الفداء.

3 - شخص الرب يسوع المسيح وأعماله:

إن فكر بولس الرسول عن الفداء يعتمد أساساً على شخص الرب يسوع المسيح وأعماله. ووفقاً للتقليد الرسولى للكنيسة الأولى ووفقاً لكتابات العهد الجديد الأخرى فإن بولس الرسول أعلن عن يسوع الناصرى أنه هو المسيا الإسرائيلى وهو أيضاً ابن الله المتجسد، وهو قوة الله وحكمته ومجده المعلن للبشر (فى 2: 6 - 11؛ كو 1: 15 - 20؛ 2: 9؛ 1كو 1: 24؛ 2: 8) وكثيراً ما تحدث بولس الرسول عن يسوع أنه هو الرب (Kyrios باليونانى) (فى 2: 11؛ رو 5: 1؛ 10: 9؛ 15: 57؛ 2كو 8: 9) وكلمة الرب هو الاسم الذى كان اليهود ينادون الله به. ووفقاً لتعاليم بولس الرسول فإن ابن الله الأزلى السابق وجوده صار إنساناً فى يسوع الناصرى الذى أخلى نفسه وأخذ شكل العبد (فى 2: 7، 6) ولقد تحدث بولس أيضاً عن الله الابن أنه مصدر وأصل كل المخلوقات «فانه فيه خلق الكل ما فى السموات وما على الأرض... الذى هو قبل كل شئ وفيه يقوم الكل» (كو 1: 17، 16). وابن الله نفسه هذا قد ولد من إمرأة (غل 4: 4) وان لاهوته قد اتحد مع ناسوته فى شخص يسوع المسيح. والمسيح هو الله الحقيقى، لأن فيه سر أن يحل كل ملء اللاهوت جسدياً (كو 1: 19؛ 2: 9)، وهو أيضاً إنسان حقيقى لأنه صورة الله غير المنظور ومثاله (كو 1: 15؛ 2كو 4: 4). وخلال أعمال المسيح الخلاصية وخصوصاً خلال موته وقيامته فان البشر والعالم كله نالوا الخلاص من قوى الشر. ولقد أدرك بولس أن الاعلان الرسولى ليسوع الذى هو الإله المتأنس الذى تألم ومات من أجل خطايانا وخطايا كل العالم، ولم يقبله كثيرون من البشر لصعوبة ذلك الايمان « ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونانيين جهالة» (1كو 1: 23).

وعلى الأقل منذ القرن الثانى قبل الميلاد واليهودية تشير إلى المسيا على أنهرجل عظيم ملك ممسوح من الله وسوف يقود ممالك إسرائيل إلى النصرة فوق أعدائها ويعد العالم لمجئ ملكوت الله. ولذلك فان كثيرين من اليهود اعتبروا أن صلب المسيا هو نوعاً من التجديف. والأمم أيضاً خصوصاً السفسطائين من اليونان والرومان لم يعتبروا المسحية أكثرمن نوع من التفوق الروحى ولذلك اعتبروا أنهم فى غباوة حينما فكروا هذا الفكر. ولكن العثرة (اليهود الذين عثروا فى الصليب) والغباوة (الأمم الذين عرفوا حقيقة المسيحية) فى الإيمان المسيحى كانت عبارة عن حكمة إلهية حقيقية (1كو 1: 18 – 2: 5)، ولقد رأى بولس أن من واجبه الإلهى أن يقدم الرسالة الرسولية للخلاص فى المسيح لكل من اليهود والأمم (أع 9: 15؛ 26: 12 - 23؛ رو 1: 1 - 3؛ 2: 20؛ 9: 1؛ 11: 36؛ غلا 2: 8، 7؛ أف 3: 8، 7).

وتنادى تعاليم العهد الجديد بأن خطة الله للخلاص قد تمت بفاعلية الثالوث المقدس: الآب قصد الفداء للعالم منذ الأزل ولكن فى ملء الزمان أرسل الابن والروح القدس إلى العالم لكى يجعل الخلاص ممكناً وأن يعلن (الروح القدس) الأخبار السارة (الإنجيل) للخلاص من الشيطان. فلا يمكن فى الفداء أن نتجاهل عمل الآب أو عمل الروح القدس. وإذا كان العهد الجديد يركز على عمل الابن إلاَّ أن ارسالية المسيح ابن الله المتجسد هى أداة الخلاص فى خطة الله الآب وأن خدمة الروح القدس فى الكنيسة هى نتيجة عمل الابن لان الكنيسة لم تأخذ الروح القدس كقوة وحياة إلاَّ بعد صعود المسيح إلى الآب (يو 15: 27، 26؛ 16: 5 - 11).

وفى اعلان الرسالة الرسولية للخلاص فى المسيح فان اللاهوتيين فى الكنيسة الأولى يركزون على بعض أعمال المسيح ويعطونها أهمية أكثر من غيرها. وأكثر أعمال المسيح التى يتم التركيز علهيا هى تجسده وآلامه وموته وقيامته. وحين يأتى الحديث عن القيامة فإن معظم الكتاب المسيحيون بما فيهم يوحنا وبولس الرسولان – يتحدثون عن الصعود والجلوس عن يمين الآب.

ويوجد ثلاث صور للعمل الإلهى الواحد فى التجسد:

أولاً – خلال تجسد الله الابن فإن اللاهوت قد اتحد مع الناسوت ولذلك نحن ننال الشركة مع الطبيعة الإلهية.

وثانياً – خلال آلام المسيح وموته فان الإنسان يتحلل عن سلطان الخطية وبذلك يتخلص من سلطان الموت.

وثالثاً – خلال القيامة والصعود والجلوس عن يمين الآب فان خلاص الجنس البشرى من لعنة الفساد قد أعلنت لكل العالم.

والقديس بولس قد تحدث عن الكرازة بفداء المسيح التى تتركز فى آلام المسيح وموته وقيامته وتفترض أن التجسد هو أمر مفروض فى أعمال المسيح الخلاصية. لأنه خلال المسيح فقط الذى هو إله حقيقى وإنسان حقيقى يستطيع أن يُخلّص العالم بموته وقيامته. وعن طريق موت المسيح وقيامته محيت خطايانا ونال الإنسان التبرير أمام الله الآب وحصل على الفداء من قوى الشر والصلح مع الله. ولكى يشترك الإنسان فى أعمال المسيح هذه يجب أن يعرف المسيح كمخلص وسيد (كو 1: 23) فالإنسان الساقط يحتاج أن يتصالح ويتبرر أمام الله. وقد أعلن بولس الرسول امكانية هذا التصالح حيث صار خلال الإيمان بالمسيح تمحى خطية الإنسان وتكرس حياته لله مرة ثانية ويصير باراً فى عينىّ الله ويتحرر من قوى الخطية والموت ويصير ابناً لله بالتبنى (غلا 4: 5). ولكى يتصالح الإنسان الخاطئ مع الله يجب أن يتوب ويتخلى عن ذاته ويجعل الله هو محور ومركز حياته. وتحتاج التوبة إلى معونة من الله لان الإنسان من ذاته لا يقدر على التوبة لان التوبة هى خروج الإنسان من ذاته وتسليمه بالتمام لله. لأن الخاطئ لا يريد أن يحيا حياة انكار الذات. ولكى يساعد الله الإنسان على التوبة فانه نزل وتجسد وصار إنساناً. وفى المسيح (الله الإنسان) يستطيع الإنسان أن يخرج عن التمركز حول الذات وتسليم حياته لله ويتألم ويموت من أجل الله. والمسيح قد سدد ديوننا التى لا نستطيع نحن أن نسددها وهى ديون الحب والطاعة والمفروض تقديمها لله (كو 2: 14).

وحينما يتطابق إيماننا مع إيمان المسيح فى آلامه وموته عندئذ يصير من الممكن أن نتوب وندخل فى اتحاد مع الله خلال قيامة المسيح وصعوده وجلوسه عن يمين الآب وعندئذ نفتدى ونتبرر ونتصالح ونخلص من حالة العبودية ونصير وارثين لله فى الخلاص والموعود به «إذاً ليست بعد عبداً بل ابناً وان كنت ابناً فوارث لله بالمسيح» (غلا 4: 7).

4 - كرازة الروح القدس وحياة الكنيسة:

ظهرت تعاليم بولس الرسول عن الروح القدس والكنيسة فى تكامل مع بعضها بعضاً. لأنه توجد علاقة وثيقة بين عمل الروح القدس وكرازة الكنيسة. وتحليل بولس الرسول لتلك العلاقة تحتوى على الأمور الآتية:

أولاً – الكنيسة وعمل الخلاص.

ثانياً – وحدة الكنيسة.

ثالثاً – بشارة الكنيسة.

رابعاً – الكنيسة عمل التقديس.

خامساً – الكنيسة وتمجيد الإنسان.

أولاً – الكنيسة وعمل الخلاص:

إن الخلاص المقدم فى شخص المسيح أصبح من الممكن نواله لجميع الجنس البشرى خلال بشارة الكنيسة. وكرازة الكنيسة لا تتم إلاَّ فى قوة الروح القدس العامل فيها، ذلك الروح الذى نزل على التلاميذ يوم الخمسين. ويقول بولس الرسول إن الكنيسة هى جسد المسيح السرى المملوء بالروح القدس والتى تحمل للعالم أسرار الله للخلاص. ولكى نتحرر من عبودية الشيطان وحتى نحيا مع الله وفى حضور الله يجب أن نصير واحداً مع المسيح. ولكى نتحد مع المسيح يجب أن نكرس نفوسنا له ونمارس الأسرار ونحيا حسب سلوك الكنيسة. والخلاص يجب أن يناله كل أحد على إنفراد خلال الإيمان والطاعة للمسيح كمخلص وسيد. ولكن لم يناد بولس الرسول بالخلاص الفردى Solitary Salvation وعلى العكس فإنه نادى أنه لكى نصير فى المسيح يجب أن نشترك مع المسيحيين ونتضامن معهم ونصير متحدين مع بعضنا بعضاً ومع الرب حتى يمكن أن نصير أعضاء فى الكنيسة التى هى جسد المسيح (1كو 12: 12) وأن يصير المسيح نفسه هو الرأس.

والروح القدس هو الذى يقود كل واحد للإيمان بالمسيح وفى الاعتماد على إيمانه فإنه يأخذ الروح القدس (بالأسرار) فيدخل الروح القدس فى حياته. وكل من يسمع ويؤمن بكلمة الحق الذى هو إنجيل الخلاص فانه يختم بخاتم الروح القدس ويدخل إلى الحياة مع المسيح فى الكنيسة «الذى فيه أيضاً أنتم إذ سمعتم كلمة الحق إنجيل خلاصكم الذى فيه أيضاً إذ آمنتم ختمتم بروح الموعد القدوس» (أف 1: 14، 13).

وخلال قوة الروح القدس يسير الإنسان خليقة جديدة مبنياً فى المسيح خلال حياة الكنيسة ثم يتقدس خلال ممارسة الأعمال الصالحة وأخيراً فهو يتحد بالحياة الأبدية المقدسة التى للثالوث المقدس.

وخلال الفداء والصلح الذى صنعه المسيح وخلال الخليقة الجديدة وتقديس الروح القدس فإن كل أحد يستطيع أن تكون له شركة مع مجد الله ويصير شريكاً فى قداسة الله.

وعمل الروح القدس يصل إلينا عن طريق جسد المسيح الذى هو الكنيسة والكنيسة هى هيكل الله المقدس ومكان حلول الروح القدس (أف 2: 19 - 22) وخلال بشارة الروح القدس فى الكنيسة نحن ننال التبنى ونصير أولاداً لله ونصير وارثين للمسيح كابن لله وننال الشركة بالإيمان خلال حياة الكنيسة فى طريق الخلاص. فالإيمان هوعمل التجاوب للرب وتكريس الإنسان بالتمام للحياة فى المسيح ولقوة الروح القدس. وهذا الإيمان الحى يجب أن يعمل فى كل أحد يحيا فى الكنيسة. وفى المسيح وفى الكنيسة فإن الإنسان يأخذ كل ميراثه كابن الله فهو يقوم مع المسيح ويحيا فى قوة وحضرة الرب (أف 2: 4 - 7).

ثانيا – وحدة الكنيسة:

يتحدث بولس الرسول عن وحدة كل المؤمنين فى جسد المسيح غير المنقسم فى الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية. وهو يحث المسيحيين وقتئذ «أن يحفظوا وحدانية الروح برباط السلام» (أف 4: 3). ولكى يصيروا «جسد واحد وروح واحد كما دعيتم أيضاً فى رجاء دعوتكم الواحد. رب واحد إيمان واحد ومعمودية واحدة. إله وآب للكل الذى على الكل وبالكل وفى كلكم» (أف 4: 4 - 6).

وقبل خلقة الكنيسة فى يوم الخمسين كان العالم الأممى غير اليهودى غريباً عن اتحاد إسرائيل وغريباً عن عهد الله الموعود به «لذلك إذكروا أنكم أنتم الأمم قبلاً فى الجسد المدعوين غرلة... إنكم كنتم فى ذلك الوقت بدون مسيح أجنبيين عن رعوية إسرائيل وغرباء عن عهود الموعد» (أف 2: 11 - 12). ولكن خلال المسيح وكنيسته فإن كل من اليهود والأمم قد اتحدا فى إسرائيل التى لله. وكل الذين لهم الإيمان فى المسيح قد اتحدوا وصاروا إنساناً واحداً ونالوا روحاً واحداً (أف 2: 13 - 18). وفى الحديث إلى الأمم المسيحيين فى منتصف القرن الأول أعلن بولس الرسول «لستم إذن بعد غرباء ونزلاء بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله» (أف 2: 19) وهكذا فإنه فى المسيح وفى الكنيسة يتحد كل المؤمنين بالإيمان كأولاد لله (غلا 3: 26 - 29).

ولكى نعطى مثالاً عملياً لوحدة الكنيسة ولكى نختبر الوحدة المعطاة بالروح يجب أن يحيا المسيحيون فى رباط السلام ويمارسوا الاتضاع والوداعة والصبر والاحتمال والحب. ووحدة الكنيسة لا يمكن أن تتم حينما يفشل المسيحيون أن يسلكوا حسب الوعود التى دعوا إليها. ولكن هذه الوحدة تصير ممكنة فقط حينما يقودنا ويرشدنا الروح القدس فيعلمنا ويقدسنا (أف 4: 1 - 3).

وفى مناقشة التعبير العملى لوحدة الكنيسة فان الرسول بولس يعتمد كلية على عمل الروح القدس خلال الكنيسة. والروح القدس هو هبة المسيح للكنيسة وهو أيضاً مصدر مواهب الكنيسة. ويتحدث بولس الرسول عن التدبير العام للروح القدس الذى به يصير كل أعضاء الكنيسة كهنة (الكهنوت العام) كما أن هناك أيضاً تدبيراً خاصاً الذى يقيم قادة روحيين (أف 4: 7 - 12).

وخلال التدبير العام للروح القدس فإن الكنيسة كلها قد أخذت موهبة المسيح وكل أحد فى الكنيسة يأخذ حسب قامته أى يأخذ نعمة حتى يحيا الحياة المسيحية. وخلال هذه النعمة العامة التى للروح القدس فإن كل عضو فى الكنيسة يأخذ نعمة مقدسة حتى يملأ المسيح كل شئ بحضوره (أف 4: 10). أما القادة الروحيون فانهم يقامون خلال التدبير الخاص الذى للروح القدس (رسل – أنبياء – أساقفة – كهنة - شمامسة – معلمين – مبشرين)، والروح القدس يسكب مواهب على اولئك المدعوين ويكرسهم ويقيمهم المسيح والروح القدس حتى تقوم الكنيسة بخدماتها وكرازتها للعالم (أف 4: 12، 11؛ يو 20: 21 - 23) ولقد تحدث بولس الرسول فى رسالته إلى تيطس وتيموثاوس عن قواعد رسامة القادة فى الكنيسة من أجل حياة الكنيسة وبشارتها. وتحدث عن الامكانيات الشخصية والسلوكية التى يجب أن يتحلى بها كل مَنْ يدعى ليكون أسقفاً أو كاهناً أو شماساً (1تى 3: 1 - 13؛ تى 1: 5 - 9) وتحدث بولس الرسول عن أولئك يستطيعوا أن يمارسوا بشارتهم فى الكنيسة (2تى 1: 6 - 14). والرعاة المسيحيون يحتاجون إلى تعاليم وسلوك قوى حتى يبقوا فى مواعيد الله لأنهم يكملون بشارتهم نيابة عن الله فى المسيح (2تى 2: 1 - 13). والعمل الأساسى لقادة الكنيسة هو ممارسة إيمان الكنيسة والدفاع عنه، وممارسة الإيمان هو أن نحيا بالتقوى واضعين كل رجائنا فى المسيح فقط (1تى 4: 7 - 10). وفى الاعتماد على الإيمان الوفى فإن القادة فى الكنيسة يجب أن يحيوا فى بر وأن يكون لديهم القلب النقى والضمير الصالح (1تى 1: 5). وأن يكون سلوك هؤلاء القادة حسب المحبة الصبر والوداعة والثبات (1تى 6: 11؛ 2تى 4: 10). والقادة فى الكنيسة يجب أيضاً أن يدافعوا عن الإيمان المسلّم لنا من الرسل (1تى 1: 10؛ 4: 6؛ 6: 14). والدفاع عن الإيمان يتطلب الاخلاص فى حفظ التقاليد الرسولية والتمسك بتعاليم الروح القدس (2تى 3: 14 - 17). والإيمان الرسولى الذى هو كلمة الحق يجب أن نسلمه بالحق وأن نفصله باستقامة (2تى 2: 15). والقادة المسيحيون (الأساقفة والكهنة) يفسرون قاعدة الإيمان خلال قراءة الكتاب المقدس فى الليتورجية (الخدمة الطقسية) (1تى 4: 13)، ويجب أيضاً على القادة أن يعلموا ويبشروا بالإنجيل لاقناع الآخرين وتأنيبهم وحثهم لأولئك الذين هم غير كاملين وفقاً للإيمان الحق وهذا يجب أن يعملوه فى صبر وفى سرعة أيضاً لكل وقت مناسب أو غير مناسب (2تى 4: 2). وفى هذا الطريق فإن رعاية القادة سوف تنتج سنداً ومعونة للوحدة الروحية والسلوكية للكنيسة التى هى جسد المسيح.

ثالثا - كرازة الكنيسة

إن عمل الكنيسة هو اعلان خطة الله فى الخلاص فى المسيح لكل العالم حتى تتحقق الشركة مع جسد المسيح لكل الذين يطلبون ذلك (أف 3: 1 - 21؛ كو 1: 24 - 29).

وتحمل الكنيسة أسرار الله فى الخلاص وهى الوسيلة المنظورة التى من خلالها تحصل البشرية على نعمة الثالوث المقدس المخلّصة. وخلال تعاليم الكنيسة وكرازتها وأعمال النعمة والمحبة، وخلال طقوسها وأسرارها فإنها تقدم كلمة الله للعالم (كو 1: 25) والله قد أمر الكنيسة أن تنذر كل إنسان وتعلم كل إنسان بكل حكمة لكى تحضر كل إنسان كاملاً فى المسيح يسوع (كو 1: 28).

وبالاضافة إلى تحديد بولس الرسول لمفهوم الكنيسة فإنه يتحدث أيضاً عن حياة الأسرار لجسد المسيح (الكنيسة) فيقول عن المعمودية إنها شركة مع موت المسيح وقيامته.

«أم تجهلون أننا كل مَن أعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته. فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضاً فى جدة الحياة. لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضاً بقيامته» (رو 6: 3 - 11؛ كو 2: 11 - 15).

وخلال المعمودية التى هى «غسل الميلاد الثانى وتجديد الروح القدس» (تى 3: 5)، نحن نخلع الإنسان العتيق الذى تسلطت عليه قوى الشر ونتجدد فى الروح وفى الذهن ونلبس الطبيعة الجديدة المخلوقة حسب صورة المسيح فى البر والقداسة الحقيقة (أف 4: 22 - 24). أما تعاليم بولس الرسول عن سر الافخارستيا فقد جاءت فى الرسالة الأولى إلى كورنثوس (10: 16؛ 11: 17 - 24). وتحدث عن التناول من الخبز والخمر أنه شركة فى جسد المسيح ودمه (1كو 10: 16). ولقد حذر كنيسة كورنثوس من الاشتراك فى الجسد المقدس والدم الكريم بدون توبة لئلا يتناول الإنسان دينونة لنفسه (1كو 11: 27 - 29).

وتحدث بولس الرسول عن سرين آخرين من أسرار الكنيسة وهما سر الزيجة وسر الكهنوت. ففى رسالة (أف 5: 21 - 33)، شبه علاقة الزوجية بين الرجل والمرأة أنها رمز وأيقونة للعلاقة بين المسيح العريس والكنيسة العروس (2كو 11: 2؛ رؤ 19: 1 - 10؛ 21: 9، 2؛ وفى 1تى 3: 1 - 13؛ 2تى 1: 7، 6؛ تى 1: 5 - 9) يتحدث عن عظمة مواهب الله التى نحصل عليها بواسطة سر الكهنوت ومن ثم فإنه يشترك فى كهنوت المسيح نفسه (2تى 2: 1؛ عب 4: 14 – 7: 28). وتعاليم بولس الرسول عن الأسرار أنه خلال قبول كلمة الحق المقدمة وخلال الاشتراك فى أسرار الكنيسة فان الإنسان تصير له شركة مع المسيح نفسه وشركة مع الثالوث المقدس. وبشارة الكنيسة تكمل بشارة الإنجيل لكل الأمم خلال اتحاد كل المؤمنين بابن الله الوحيد عن طريق أسرار الكنيسة.

رابعاً – الكنيسة وعمل التقديس:

لكى ندخل إلى كمال الخلاص فى المسيح فإن الإنسان المؤمن يجب أن يضع كل إيمانه فى المسيح، وأن يجاهد لكى يحيا حسب مشيئة الله بتجاوبه مع الروح القدس وعندئذ يستطيع المسيحيون أن يمارسوا الأعمال الصالحة التى تسر الله (أف 2: 10؛ 5: 10). فالمسيحى إذن يجب أن يمارس إيمانه وأن يكرس نفسه بالتمام لله ويشترك فى طقوس وأسرار الكنيسة (رو 12: 3 - 8؛ 1كو 11: 14؛ أف 1: 3 – 4: 16؛ 1تى 2: 1 - 7)، ويجب أن يجاهد الإنسان لكى يحيا حياة التقوى والبر واضعاً المسيح نفسه مثلاص لسلوكه (رو 12: 1 - 15؛ 1كو 6: 9 - 20؛ غلا 5: 13 – 6: 10؛ أف 4: 17 – 6: 9؛ كو 3: 5 – 4: 6).

وهكذا خلال ممارسة الإيمان أصبح ممكناً أن نأخذ الروح القدس لان الكلمة قد صار جسداً. وخلال عمل الروح القدس فإن رغبتنا فى الثبات فى المشيئة الإلهية تصير قوة داخلية وليست خارجة عن أنفسنا. أما قبل حلول الروح القدس (أى قبل التجسد) فإن عمل الروح القدس فى التحول كان عملاً خارجاً عن أنفسنا. أما الآن فلم يعد الروح القدس يعمل فينا من الخارج بل من داخل ذواتنا وأصبحت المشيئة الإلهية حاضرة فى أنفسنا عن طريق الروح القدس. وحلول الروح القدس فينا هو أساس عمل التقديس.

وخلال عمل التقديس فإن الطبيعة الفاسدة للإنسان تتحول إلى حياة أبدية. وهذا التحول الذى للمؤمن لا يتم تلقائياً ولا رغماً عنا يجب على المؤمن أن يتعاون بإرادته مع الروح القدس لكى يقدسه. ولا يوجد أى تناقض بين نعمة الله وحرية الإنسان. وفى المسيح ابن الله المتجسد قد اتحدت إرادة الله مع إرادة الإنسان وتضامنتا معاً.

ولهذا فإن عمل النعمة وعمل الإرادة يتعاونان معاً فى حياة الإنسان الثابت فى المسيح. ولهذا لابد أن تتضامن الإرادة الإلهية مع المشيئة البشرية حيث تتحد إرادة الله الفعالة مع حرية الإنسان. وهذا التعاون الارادى مع الله هو الأساس الفائق للأعمال الصالحة. ولهذا فإن عدم التطابق بين الإيمان والأعمال هو نتيجة لعدم تعاون الارادة البشرية مع المشيئة الإلهية.

وخلال عمل النعمة المنسكبة بالروح القدس فإن المسيحيين ينالون قوة أن يحيوا حياة الايمان والرجاء والمحبة (1كو 13: 13). حتى يتقدس المؤمنون يجب أن يخضعوا للروح القدس، وهذا الخضوع يتم إذا كان إيمان المؤمن مبنياً على أساس المسيح خلال العضوية فى الكنيسة. وخلال الشركة مع المسيح يشترك المؤمن مع الطبيعة الانسانية للمسيح تلك الطبيعة البشرية (الناسوت) التى اتحدت بالتمام وبالحرية مع إرادة الله الآب. وبهذا المعنى يستطيع المسيح أن يتعاون بحرية وبالتمام مع إرادة الله الآب بنعمة الروح القدس المنسكبة فى الإنسان. وكلما يتعاون المؤمن مع نعمة الروح القدس كلما يتقدس وينمو فى النعمة خلال الأعمال الصالحة المعتمدة على إيمانه فى المسيح. وعن طريق هذا النمو الروحى والسلوكى فإن المسيحيين يدخلون إلى عمق الشركة مع الله. أما بخصوص الأسرار فاننا نستطيع القول إنه خلال أعمال التقديس فان المسيحيين يدركون الشركة مع الله خلال سرى المعمودية والميرون.

وخلال أعمال التقديس فان المؤمن يختبر اتحاده مع الله فى المسيح. وهكذا فان الله صار واحداً مع الإنسان فى تجسد المسيح، والإنسان يستطيع أن يصير واحداً مع الله خلال أعمال الروح القدس فى التقديس. وعملية التقديس هذه هى التى تعطى المسيحيين إمكانية الشركة مع تجلى المسيح وقيامته وصعوده وجلوسه عن يمين الآب.

ومن يقاوم قيادة الروح القدس لن يستطيع أن يصير مؤمناً بالمسيح. وكل من يؤمن بالمسيح لن يكف عن ممارسة أعمال التقديس، أى أن الذى يؤمن بالمسيح يجب أن يجاهد تجاه القداسة والبر وأن يجاهد ضد الشيطان والعالم وضد نفسه. والتجاوب مع الروح القدس فى أعمال التقديس يظهر فى الأعمال الصالحة التى هى الاعلان الخارجى لإيمان الإنسان فى المسيح.

وقبول الروح القدس (فى الأسرار) والتجاوب معه (فى الأعمال الصالحة) ضروريان ولازمان للإيمان المسيحى لان الإيمان بدون أعمال ميت كما يقول يعقوب الرسول (يع 2: 26)، وهو ميت ليس مجازياً بل حرفياً لأنه حيث لا يوجد أعمال مقدسة فإننا ببساطة نقول إنه لا يوجد إيمان. وعلى العكس ما قاله مارتن لوثر وأتباعه البروتستانت فإن الإنسان لن يتبرر أمام الله بالإيمان فقط ولكننا نتبرر بالإيمان الذى يعبر عنه بالأعمال الصالحة والفضائل التى هى الاعلان الخارجى للحياة المسيحية.

وهكذا فإن الكنيسة الأرثوذكسية – وفقاً لتعاليم بولس الرسول – أعلنت ضرورة التجاوب مع الروح القدس فى الجهاد نحو القداسة عن طريق إرادتنا الحرة الخاضعة لقيادة الروح القدس الذى سوف يقودنا نحو حياة النصرة على الخطية والموت خلال أعمال التقديس. وسوف يرفعنا الروح القدس عندئذ إلى حياة الشركة مع الثالوث المقدس. ورغم أننا لا نستحق الخلاص نتيجة أعمالنا الصالحة ولكن لا يجب أن نهملها قط بل نخضع للروح القدس من كل قلوبنا وعقولنا وأنفسنا حتى يكون لنا نصيب فى الفرح الثابت (فى الأبدية) الذى أعطاه الله الآب لنا عن طريق عمل الابن وعمل الروح القدس.

خامساً – الكنيسة وتمجيد الإنسان:

إن هدف الروح القدس الكامل فى تقديس الكنيسة وتعليمها هو إدراك كل أعضاء جسد المسيح (الكنيسة) للوحدة مع الله التى ورثناها خلال الإيمان والمعرفة لإبن الله. ويحدد بولس الرسول وحدة الإيمان هذه فيقول: «إلى أن تنتهى جميعاً إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله. إلى إنسان كامل إلى قياس قامة ملء المسيح» (أف 4: 13).

وخلال بشارة الروح القدس فان المؤمنين فى المسيح عليهم أن يدركوا وحدتهم العامة خلال الإيمان بإبن الله. وواجبنا الذى يدعونا إليه بولس الرسول هو ان نصير «صادقين فى المحبة ننموا فى كل شئ إلى ذاك الذى هو الرأس المسيح الذى منه كل الجسد مركباً معاً ومقترناً بمؤازرة كل مفصل حسب عمل على قياس كل جزء يحصل نمو الجسد لبنيانه فى المحبة» (أف 4: 16، 15). ولهذا فإن المسيح هو مصدر وهدف روحانية الكنيسة ونموها.

ونهاية عمل التقديس هو الشركة فى الطبيعة الإلهية فى المسيح خلال إيماننا «فإذ قد تبررنا بالايمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح الذى به أيضاً قد صار لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة» (رو 5: 2، 1). وخلال عمل التقديس فإننا «ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما فى مرآه نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب بالروح» (2كو 3: 18) وكذلك يقول الرسول إن: «الله الذى قال أن يشرق نور من ظلمة هو الذى أشرق فى قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله فى وجه يسوع المسيح» (2كو 4: 6).

وهكذا خلال عمل التقديس وبقوة الروح القدس فإننا نقوم مع المسيح ونجلس معه عن يمين الآب، لأن المسيحى الحقيقى مات عن العالم والجسد والشيطان وحياته مستترة مع المسيح فى الله وحينما يظهر المسيح حياتنا فحينئذ سوف نظهر أيضاً معه فى المجد (كو 3: 1 - 4).

وهكذا خلال الكنيسة فإن المؤمنين يصيرون واحداً مع لامسيح بالإيمان وخلال الروح القدس فإن الرعاة يدربون المؤمنين لأجل عمل الخدمة لأجل بناء جسد المسيح وهدف هذا العمل هو التدريب على شركة الطبيعة الإلهية حتى تتكمل الكنيسة كلها ككل فى إيمان ومعرفة ابن الله وحينما يكمل هذا الاتحاد فإن كل عضو فى الكنيسة ينمو لكى يصل إلى قامة الملء التى فى المسيح. وهذا النمو فى المسيح لا يمكن أن يتم خارج الكنيسة. ووحدة المؤمنين فى الكنيسة هى وحدة مع المسيح نفسه. ويجب أن نبنى أنفسنا فى الكنيسة لكى ما نبنى أنفسنا فى المسيح. وحين نبنى فى المسيح فإننا ندخل إلى كمال الإتحاد مع الأبدية ومع الثالوث المقدس. وخلال حياة الروح القدس فى الكنيسة فإن الشركة مع الطبيعة الإلهية التى بدأت بتجسد الله الكلمة هى التى تقودنا إلى الكمال.

5 - مجئ المسيح الثانى والقيامة العامة للموتى:

إن الرسالة الرسولية للخلاص فى المسيح هى رسالة اسكاتولوجية (أخروية أى متعلقة بالعالم الآخر) فهى تشير إلى الأمور الخاصة باواخر الدهور حيث يتم اكمال خطة الله فى الفداء.

ومحور حديث الإنجيل الاسكاتولوجى هو مجئ ملكوت الله. ولقد تنبأ أنبياء العهد القديم أنه فى الأيام الأخيرة سوف يرسل الله المسيا لكى يعد إسرائيل والعالم لليوم العظيم للدينونة حيث يكمل دخولنا إلى ملكوت السموات. أما كتّاب العهد الجديد فهم يشيرون إلى يسوع الناصرى انه كمال أمل إسرائيل فى المسيا.

وخلال مجئ المسيح الأول (حياته وموته وقيامته وصعوده) فإن ملكوت الله قد تأسس. وفى الأيام الأخيرة لتاريخ العالم انسكب الروح القدس على تابعى المسيح (يوئيل 2: 28 - 32؛ حز 36: 24 - 28؛ أع 2) لكى يجعلهم مستعدين للعمل الإلهى. ولكن فى المجئ الثانى فإن المسيح سوف يحصد ثمر كل الأشياء. والمجئ الثانى مرتبط بالقيامة العامة للموتى وبالدينونة الأخيرة والتأسيس النهائى لملكوت الله. وكتابات بولس الرسول – مثل كتابات العهد الجديد فيها الروح الاسكاتولوجية التى احتوتها الجماعة الرسولية الأولى. ولقد اعتبر بولس الرسول ان الوقت من صعود المسيح حتى المجئ الثانى هو وقت الضيق والاضطهاد حيث الجهاد الروحى لشعب الله مع الشيطان وخدامه (رو 12: 12؛ 2كو 4: 4؛ 11: 14؛ 12: 7؛ غلا 1: 4؛ أف 2: 3، 2؛ 6: 12، 11). وأيضاً يستمر حرب الكنيسة مع سلطان الظلمة حتى مجئ الرب يسوع المسيح (أف 6: 10 - 20؛ 1كو 1: 8) وسوف يستمر الشيطان فى الهجوم ضد تلاميذ المسيح حتى نهاية عمر الكنيسة (على الأرض) «لأنه لا يأتى (مجئ المسيح الثانى) إن لم يأت الارتداد ويستعلن إنسان الخطية ابن الهلاك... الذى مجيئه يعمل الشيطان بكل قوة وبآيات وعجائب كاذبة» (2تس 2: 9، 3). وسيأتى النبى الكاذب الذى سوف يحكم العالم ويعلن نفسه أنه إله وأنه سوف يصدق ويتبعه كثيرون «حتى أنه يجلس فى هيكل الله كإله مظهراً نفسه أنه إله» (2تس 2: 11، 10). وأولئك الذين سوف يخدعون سوف يرفضون محبة الحق ليخلصوا وسوف ينفصلون عن الله ويدانون. وتحدث بولس الرسول عن أولئك الذين سوف يتبعون المسيح بإيمانهم وانهم بسبب ذلك سوف يواجهون اضطهاداً شديداً (رو 8: 35؛ مت 24: 15 - 28).

ومجئ المسيح الثانى سوف يضع نهاية لسلطان الشيطان على الأرض. ويتحدث بولس الرسول عن يوم الرب انه مجئ مفاجئ باروسيا[(1)] - من حيث الوقت – لأنه سوف يأتى كلص فى الليل فجأة وبلا توقع. والنبى الكذاب وكل الذين يتبعوه سوف يهلكون تماماً (1تس 5: 2؛ 2تس 2: 8؛ 1: 7 - 10).

وبسبب مفاجأة ذلك اليوم وعدم توقعه فإن بولس الرسول يحث المسيحيين الذين يقرأون رسائل أن يحفظوا الإيمان وان يكونوا ساهرين كل حين حتى يكونوا مستعدين عند مجئ الرب (1تس 5: 1 - 11). ومجئ المسيح سوف يقترن بالقيامة العامة للموتى «لأن الرب نفسه بهتاف بصوت رئيس ملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء والأموات فى المسيح سيقومون أولاً. ثم نحن الأحياء الباقين سنخطف جميعاً معهم فى السحب لملاقات الرب فى الهواء» (1تس 4: 17، 16). ويخبرنا الرسول بولس بأن كل الموتى سوف يقومون وليس فقط الموتى فى المسيح لانه دائماً يتحدث عن الدينونة الأخيرة (رو 2: 1 - 16؛ 14: 10 - 12؛ 1كو 4: 5؛ 2كو 5: 10؛ غلا 6: 7 - 10؛ 2تس 1: 9؛ 2تى 4: 8).

وفى الدينونة الأخيرة فإن المؤمنين بالمسيح سيدخلون للمجد (كو 3: 1 - 3)، أما الذين لم يؤمنوا بالمسيح (سواء الذين ارتدوا أو الذين رفضوا الإنجيل) فإنهم سوف يواجهون الانفصال الأبدى من مجد الله والمثول فى حضرته (رو 2: 8؛ 2تس 1: 9، 8). ويتحدث بولس الرسول عن قيامة الأموات فى الأصحاح الخامس عشر من رسالته الأولى إلى كورنثوس. لكنه فى هذا الأصحاح لم يتحدث عن قيامة غير المؤمنين ولكنه ركز حديثه على قيامة المؤمنين.

وأساس إيمان المسيحيين فى القيامة العامة هو قيامة المسيح نفسه وشهادة الكنيسة الرسولية فى ذلك الأمر هو «أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب. وأنه دفن وأنه قام فى اليوم الثالث حسب الكتب» (1كو 15: 4، 3). وقد أشار بولس الرسول إلى عدة ظهورات لقيامة المسيح لتلاميذه ورسله بما فيهم بولس الرسول نفسه الذى التقى مع المسيح القائم فى الطريق إلى دمشق (1كو 15: 5 - 11).

وعن طريق قيامة المسيح فإن الجنس البشرى بأكمله قد تحرر من القبر «فإن لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام. وإن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا وباطل أيضاً إيمانكم» (1كو 15: 14، 13). لأنه بدون نصرة المسيح على قوى الشر والموت الذى شهدته قيامته فإن الجنس البشرى سوف يستمر غريباً عن حب الله وسيبقى فى عبوديته للخطيئة والموت (1كو 15: 17 - 19). ولو كان لنا رجاء فى المسيح فى هذا العالم فقط فنحن اشقى جميع الناس لان كل ما فى هذا العالم سوف يتحول وسيعمل الموت فى حياتنا الطبيعية «الضعف الجسدى والمرض والشيخوخة» (1كو 15: 18 - 19).

ويعلن الرسول بولس بأن محور الإيمان المسيحى هو قيامة المسيح وهو أساس رجائنا فى الخلاص الكامل من الشر. ولو كان هذا الإيمان وهذا الرجاء بلا أساس لكان لنا الحق فى أن نكرس حياتنا لمسرات هذا العالم ولنأكل ونشرب لان غداً نموت (1كو 15: 32). ويربط بولس الرسول بين قيامة المسيح والقيامة العامة للموتى ومجئ ملكوت الله. وقد دخل الفساد إلى الطبيعة البشرية عن طريق خطيئة آدم ولكن فى المسيح قد تحررت البشرية من لعنة الفساد. وكما فى آدم الجميع هكذا فى المسيح سيحيا الجميع (1كو 15: 20 - 22؛ رو 5: 12 - 21) لأن أولئك الذين يؤمنون بالمسيح وأولئك الذين لهم شركة مع الكنيسة فان القيامة العامة بالنسبة لهم هى دخولهم فى المجد والحياة الأبدية فى ملكوت الله، وفى مجئ المسيح الثانى فان الذين هم للمسيح سوف يقومون معه إلى قوة وحضور الله الآب (1كو 15: 23 - 28). وبعد الدينونة الأخيرة فإن ملكوت الله سوف يؤسس كمكان نهائى يدخل إليه شعب الله، وسوف يتحد الله نهائياً مع خليقته اتحاداً كاملاً (1كو 15: 24 - 28). ويتحدث بولس الرسول أيضاً عن طبيعة جسد القيامة فى القيامة الأخيرة وأن أجساد الموتى فى المسيح سوف تتحول وأن طبيعة الجسد ستتغير بمقارنته بجسد القيامة مثل البذرة فى علاقتها بالنبات «الذى تزرعه لا يحيا إن لم يمت والذى تزرعه لست تزرع الجسم الذى سوف يصير بل حبة مجردة ربما من حنطة أو أحد البواقى» (1كو 15: 37، 36، 42 - 44).

ففى المسيح نحن نتحرر من الفساد الذى ورثناه من آدم ونرتفع إلى حضرة الله باختلاف كلى عن حالتنا التى نحياها هنا. وكما لبسنا صورة آدم الترابى هكذا سوف نلبس صورة المسيح السماوى (1كو 15: 45 - 49).

وقد تحولت إنسانيتنا فى المسيح وصرنا شركاء للطبيعة الإلهية ورجعنا مرة ثانية إلى الحالة الأولى وحل علينا الروح القدس..

وفى المجئ الثانى للمسح فان الموتى سوف يقومون والمؤمنون سوف ينقلون إلى حالة أخرى وسوف يتحرر المؤمنون من دينونة الخطية والموت خلال نصرة المسيح (1كو 15: 51 - 58). وفى رسالة رومية كتب بولس الرسول «فانى أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا» (رو 8: 18). وحينما ترتفع الكنيسة إلى مستوى البنوية الإلهية للمسيح فإنها سوف تتحرر من عبودية الفساد والشر فى المجئ الثانى بعد أن كانت تصرخ من الألم. والعالم نفسه سوف يتحول فى يوم الرب يسوع المسيح (رو 8: 19 - 25). وعندئذ سوف يحيا المؤمنون مع المسيح إلى الأبد وعندئذ لن يفصلنا عن المسيح أى شئ (فانى متيقن أنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة ولا علو ولا عمق ولا خليقة تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التى فى المسيح يسوع ربنا» (رو 8: 39، 38).

وقد تحدثنا فى هذا الفصل عن الموضوعات الرئيسية فى رسائل بولس الرسول التى احتواها العهد الجديد. ويخبرنا بولس الرسول عن الخطة الإلهية لخلاص الجنس البشرى والعالم، وتلك الخطة التى نفذها الثالوث المقدس. فالإنسان أصلاً فى احتياج للخلاص لانه فى سقوطه أصبح عبداً للخطية والموت وظلمة الجهل الروحى وسلطان الشيطان الطاغى، لكن خلال تجسد الله الابن فى شخص يسوع المسيح وخلال خدمة الكنبية فإن الإنسان يحصل على الفداء من قوة الشر وينال غفران الخطايا والتصالح مع الله. وخلال عمل الروح القدس فى الكنيسة وبالكنيسة التى هى جسدا لمسيح فان الإنسان يحصل على نعمة الشركة مع الطبيعة الإلهية ونعمة التقديس والتمجيد. وعن طريق الحياة فى المسيح والحياة فى الكنيسة وبقوة الروح القدس فإن الإنسان يقوم من الموت فى اليوم الأخير ويتحول إلى صورة الله ومثاله الكامل.


[(1)] - باروسيا Parousia كلمة يونانية معناها إعلان مخفى.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الفصل الثامن شهادة الرسائل الجامعة الكاثوليكون - رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي - معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

الفصل السادس لاهوت المسيح فى إنجيل يوحنا - رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي - معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات