الأصحاح الرابع – تفسير إنجيل متى – القمص أنطونيوس فكري

هذا الفصل هو جزء من كتاب: انجيل متى – القس أنطونيوس فكري.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الإصحاح الرابع

تجربة المسيح.

(مت1: 4 - 11).

(مر12: 1 - 13).

(لو1: 4 - 15).

نجد الإنجيليين الثلاثة الذين أوردوا قصة تجربة المسيح، أنهم يأتون بها بعد معموديته وحلول الروح القدس عليه. إذ أن حلول الروح القدس على المسيح يعني مسحه أي تكريسه لعمل الفداء وهذا يعني حتماً الدخول في صراع مع الشيطان.

وما الذي أثار الشيطان ليبدأ المواجهة مع المسيح؟

من المعروف أن الشيطان هو رئيس هذا العالم كما أسماه المسيح (يو30: 14). وهو يستخدم إغراءات وملاذ العالم في إبعاد أولاد الله عنه. الله خلق العالم بما فيه لنستعمله، ولكن إبليس حوَّل العالم إلى هدف عند الناس. والمسيح بدأ حربه ضد إبليس بأنه صام والصوم هو زهد في ملذات هذا العالم، وكأن المسيح يعلن لرئيس هذا العالم أنه لا يهتم بأسلحته وملذاته، وبهذا أثار الشيطان.

ولكن كما نفهم من أقوال السيد المسيح أن الصوم والصلاة أقوى أسلحة ضد الشيطان (مت21: 17). ولذلك فالكنيسة الأرثوذكسية تضع أصواماً كثيرة لتسلح أولادها ضد إبليس، فإن كان المسيح قد إحتاج للصوم فكم وكم أنا الخاطئ الضعيف.

نعود ونقول أن الصوم هو سلاح ضد الشيطان ولكننا نجد هنا أن الصوم أثار الشيطان ضد المسيح فحاربه، فهل نصوم ليحاربنا الشيطان؟ نقول نعم فنحن في حروبنا لسنا نحارب بقوتنا بل أن المسيح الغالب يغلب فينا (يو33: 16 + رؤ2: 6). والروح الذي فينا هو روح قوة ونصرة ضد إبليس، فلماذا الخوف من حروبه!! بل أننا إذا غلبنا إبليس برفضنا لملذات العالم وجهادنا في صلواتنا وأصوامنا نمتلئ بالروح أكثر، وهذا ما حدث مع المسيح إذ يقول الكتاب أن المسيح بعد التجربة رجع بقوة الروح إلى الجليل (لو14: 4). لذلك فالله يسمح بالتجارب الشيطانية ضدنا ولكن هذا لنغلب به، وحينما نغلب نمتلئ أكثر بالروح وبهذا يعظم إنتصارنا (رو37: 8) وهناك قصة من العهد القديم تشرح هذه الفكرة تماماً. فقد جاء يهوشافاط كملك قديس على يهوذا، فأثارت قداسته ثائرة إبليس فأهاج الأعداء ضده واجتمع عليه جيش عظيم. إذاً سمح الله بتجربة هذا الملك القديس. فماذا فعل يهوشافاط؟ نجده يصلي ويسبح ويصرخ لله، ونجد الله يتدخل ويزيل العدو من أمامه، ويعود يهوشافاط وشعبه ومعهم غنائم كثيرة، عادوا أعظم من منتصرين (2أي1: 20 - 30) (أي لم ينتصروا فقط بل عادوا ومعهم غنائم). والمسيح أتى ليفتتح ملكوت الله في صميم العالم وهذا معناه إقتحام سلطة الشيطان رئيس هذا العالم ونهب داره أولاً، داره الذي سلَّحه بأسلحة الخطية المتعددة من شهوات وملذات العالم (مت28: 12 - 29) إذن فقد لزمت المواجهة.

ولقد تقدم المسيح أعزل من سلطانه الإلهي، إذ تخلى عمداً عماَّ له ليستطيع أن يقف موقفنا ويأخذ دورنا، ففي كل ما انتصر فيه المسيح معناه أننا انتصرنا، لقد انتصرت البشرية فيه. ولنلاحظ أن المسيح بلاهوته لا قوة تقف أمامه ولا معنى أن نتكلم عن انتصاره بلاهوته على إبليس أو غيره، فقوة الله لا يفوقها قوة أخرى.

لقد أتى المسيح ليحارب الشيطان بعد أن حل عليه الروح القدس، والروح القدس هو قوة رادعة للشيطان، والمسيح أرسل لنا الروح القدس لنغلب الشيطان وندوسه، فالشيطان قوي وخداعاته قوية، لكننا بالروح القدس الذي فينا نكتشف ألاعيبه ونهزمه ونرفض عروضه الخبيثة.

ونكرر أنه علينا أن لا ننزعج إذا حاربنا الشيطان إذا زهدنا العالم وصمنا وصلينا وذهبنا للكنيسة وواظبنا عليها، فهو لا يحتمل كل هذا والله يسمح بهذه التجارب إذ نخرج منها ببركات كثيرة وغنائم عديدة، بل نمتلئ بالروح أكثر وأكثر. وهذا ما يحدث وحدث مراراً مع الرهبان والمتوحدين، إذ حينما تركوا العالم وذهبوا للبرية أثاروا الشيطان بزهدهم ورفضهم لأدوات إغراءاته وأسلحته، أي ملذات هذا العالم، فكان أن زادت حروبه ضدهم، حتى أنه كان يظهر لهم في صورة وحوش ضارية تحاربهم، ولكن لنراجع سيرة هؤلاء لنرى البركات التي حصلوا عليها، فعادوا أعظم من منتصرين.

والمسيح دخل التجربة وهو حامل البشرية فيه وممثلها بقصد مباشر، هو أن يجيز البشرية التي فيه كل تجارب الشيطان ثم يغلب الشيطان بجسده الضعيف، وبهذا فهو يحطم أسلحته وقوته لحساب الإنسان الجديد أو الخليقة الجديدة التي هو رأسها التي ستقوم به وفيه من بين الأموات.

بعد هذه التجربة ربط المسيح إبليس بعد أن هزمه، ثم بعد ذلك على الصليب جرده من كل سلطانه، ثم نزل ليهزم الشيطان في الناس ويشفيهم ويخرج الشياطين منهم إعلاناً لأنه أتي ليحرر البشرية من إبليس. المسيح بموته على الصليب كحامل لخطايانا أبطل أقوى أسلحة الشيطان أي الخطية، فالنعمة التى وهبها الله لنا أعظم وأقوى وقادرة أن تتغلب على شهوات الإنسان الخاطئة (رو6: 14 + يع4: 6). فصارت الخطية فينا ميتة أي مدانة (رو3: 8) صارت الخطية مدانة في المؤمنين إذ ماتوا مع المسيح، وجرد المسيح إبليس وتابعيه من رتبهم وسلطانهم ليوم الدينونة (كو15: 2). ولكن بقى لهم عمل يتناسب مع ضعفهم حتى إلى ذلك اليوم، فهم ما زالوا يحاربون المؤمنين ولكن في ضعف، وشرح هذه الفكرة نجده في عدة أماكن في العهد القديم:

(حز24: 30) فالله يكسر ذراعي فرعون (رمز إبليس) ولكنه لا يكسر رقبته. سيظل له رأس ولكن بلا قوة الذراعين. فإبليس مازال يستخدم رأسه في بث أفكاره المسمومة من تشكيك، وإثارة شهوات في المؤمنين، لكن لنثق أنه بلا ذراعين أي بلا قوة، الشيطان هو قوة فكرية ولكنه هو لا يستطيع أن يرغم أحد على قبول أفكاره، بل أن المؤمنين حين يصرخون لله يطردون هذه الأفكار سريعاً.

نسمع في قصة فرعون والخروج أن جيش فرعون قد غرق في البحر الأحمر، ولكننا لم نسمع أن فرعون نفسه قد غرق. وفرعون رمز لإبليس الذي بقي بعد معركة الصليب بلا قوة (بلا جيش).

المسيح كرأس للخليقة الجديدة دخل المعركة وغلب لأن آدم رأس الخليقة القديمة دخل المعركة وهُزِمَ.

بالمعمودية وحلول الروح القدس على المسيح تكرس المسيح للصليب، وهذا معنى قول السيد المسيح "هذا الذي قدسه الله الآب (كرسه أو خصصه)" (يو36: 10)، في التجارب عروض من إبليس على المسيح كما سنرى ليبتعد عن الصليب في خدمته.

ربما استخدم إبليس سلاح الأفكار ضد المسيح، فهو تارة يشككه في محبة الآب الذي تركه جائعاً ولم يحول له الحجارة إلى خبز، وتارة يثير فيه شهوة امتلاك العالم، وهذا ما يصنعه إبليس معنا. ولكن لنلاحظ أن التعرض للتجربة الفكرية ليس خطية وليس هو السقوط، بل أن انتصارنا على هذه التجارب يعقبه نصرة وبركة، لكن أن نتلذذ بالفكر فهذه هي الخطية، أن نتحاور مع إبليس، هذا هو الخطأ. لذلك قال الآباء "ليس الخطأ أن تحوم الطيور حول رؤوسنا، بل الخطأ أن تتخذ الطيور من رؤوسنا أوكاراً لها.

الله يسمح إذاً بالتجارب ويعيننا في أثنائها لنخرج مملوئين من الروح ونخرج منها أكثر قوة وصلابة وخبرة، واثقين في وعود الله، مختبرين قوته ونصرته، الله بهذا يكون كأم تعلم أولادها المشي، وكالنسر الذي يحمل أفراخه على جناحيه ويرتفع لأعلى ثم يتركهم ليتعلموا الطيران ولكنه يهبط ويصير تحتهم حتى لا يسقطوا على الأرض بل عليه.

بل نخرج من هذه التجارب أكثر تواضعاً إذ ندرك ضعفنا وندرك أيضاً قوة الله، بل ندرك أننا بالمسيح أقوى من الشيطان وأسلحته.

المسيح هو الطريق، ففيه اعتمدنا وفيه نلنا قوة الروح القدس وفيه نصوم ونزهد في العالم، وفيه نُقْتاد إلى التجارب غير هيابين وفيه نغلب ونخرج من التجارب أعظم من منتصرين.

نتعلم أيضاً من المسيح أن نستخدم كلمة الله في حروبنا للرد على إبليس وعلينا أيضاً أن نستخدم اسم يسوع، فحينما تهاجمك الأفكار أصرخ قائلاً "يا ربي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ، يا ربي يسوع المسيح أعني" فتهرب منك الأفكار. إرشم نفسك بعلامة الصليب التي يفزع منها إبليس، إستعن بالقديسين وشفاعتهم فيأتون لمعونتك.

إبليس هو المجرب ومن أسمائه أي صفاته أنه الشيطان أي المقاوم. وهو المعاند والمشتكي والمتمرد. هو خصم لا يكف عن الحرب.

كلمات السيد المسيح التي استخدمها مقتبسة من سفر التثنية (تث3: 8 + تث16: 6 + تث13: 6) بالترتيب.

ملحوظة: في طقس المعمودية نجحد الشيطان وهذا معناه أن المؤمن سيدخل في تحد مع الشيطان يرفضه ويرفض أعماله وإغراءاته. وكما أن التجربة للمسيح ارتبطت بالمعمودية هكذا نحن بالمعمودية ندخل في معركة مع إبليس العمر كله، لكنها معركة ستنتهي حتماً بانتصار أولاد الله الذين قبلوا المسيح رأساً لهم وحل عليهم الروح القدس. فالروح القدس هو الذي يقودنا بعد المعمودية.

الآيات (مت 1: 4 - 11): -.

"1ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ. 2فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيرًا. 3فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا». 4فَأَجَابَ وَقَالَ: «مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ». 5ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ، 6 وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ». 7قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لاَ تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ». 8ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضًا إِبْلِيسُ إِلَى جَبَل عَال جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا، 9 وَقَالَ لَهُ: «أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي». 10حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ». 11ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ.".

العدد 1

آية (مت 1: 4): -

"1ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ.".

ثُمَّ = هذه الكلمة هنا بعد المعمودية تعني أن التجربة أمر طبيعي كان لزاماً على السيد أن يدخل فيه نيابة عنا، فاتحاً لنا طريق الملكوت. ولنلاحظ أن إبليس حارب السيد بعد حلول الروح عليه، فنحن أيضاً معرضين لحروب إبليس بعد كل نعمة ننالها (فهو يحسدنا).

أُصْعِدَ يَسُوعُ... مِنَ الرُّوحِ = الروح يقتاد المسيح وفق خطة إلهية ليهزم إبليس ويربطه، وتحسب إمكانياته إمكانيات البشرية بعد ذلك. والمسيح لم يقتاده الروح عنوة، بل أن المسيح كان في اشتياق لهزيمة إبليس. لكن نفهم من كلمة أصعد يسوع، أن الروح القدس يدفع الإنسانية التي في المسيح. حقاً الروح القدس والابن واحد مع الآب، ومشيئتهم واحدة، إلاّ أن هذا يعني أن الروح يحرك ويدفع الإنسانية التي في المسيح، وهذا ما يعمله الروح القدس فينا الآن فهو يحركنا ويدفعنا ويبكتنا ويتوبنا ويدفعنا دفعاً للأحضان الإلهية. ويعطينا القوة لرفض أفكار إبليس.

الْبَرِّيَّةِ = بحسب المفهوم اليهودي فالبرية هي مسكن للشياطين، فهي أماكن خربة وقبور، والمسيح ذهب بهذا للشيطان في عرينه ليحاربه.

والإنسان قبل المسيح كان كبرية خربة، حولها الروح القدس لجنة مثمرة. (الروح القدس يرمز له بالمياه). كان الإنسان مسكناً للشياطين، ميتاً كقبر، رائحته نتنة فصرنا رائحة المسيح الزكية. إذاً فالإنسان هو أرض المعركة بين المسيح وإبليس. ومن المؤكد أن الشيطان جرب المسيح كثيراً لكن الإنجيليين لم يذكروا سوى ثلاث تجارب.

العدد 2

آية (مت 2: 4): -

"2فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيرًا.".

نلاحظ أن الحرب بدأت أو اشتدت حينما جاع المسيح، ومع الجوع تشتد شهوة الإنسان للطعام، هي لحظة ضعف للجسد، والشيطان متمرس في إسقاط الإنسان بعراكه مع شهوة الجسد. لقد كان جوع المسيح أو زهده وتركه للطعام ولملذات العالم هو استدراج الشيطان لمنازلته. ولقد صار الصوم والزهد سلاحاً به نهزم إبليس مع الصلاة. بالصوم ننزع من إبليس رئيس هذا العالم سلاحه الذى هو ملذات العالم، والصلاة هى سلاحنا المخيف للشيطان، إذ بالصلاة تكون لنا صلة بالله الذى يرعب الشياطين. لذلك قال الرب أن "هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم".

ولنلاحظ أن المسيح بصومه قدس أصوامنا وشجعنا عليها، كالأم التي تتذوق الدواء أمام طفلها المريض حتى يشرب منه. بدون ضبط البطن طرد آدم من الفردوس. وبضبط البطن والصوم هزم المسيح إبليس.

وكان جوع المسيح إعلاناً وتأكيداً لحقيقة ناسوته، فهو ليس خيالاً. فجسد المسيح كان جسداً كاملاً حقيقياً يجوع ويعطش ويتألم.

أَرْبَعِينَ يوماً = رقم (40) يشير لفترة ما يعقبها خير أو عقوبة فموسى صام 40يوماً ليستلم شريعة العهد القديم، والطوفان كان 40 يوماً. وإسرائيل جُرِّب في سيناء 40 سنة لكنهم تذمروا، أما المسيح فذهب بإرادته ليجوع ويجرب ولم يتذمر. وهذه الأربعين يوماً تشير لمدة غربتنا على الأرض، إن قضيناها في زهد وأصوام وبلا تذمر نذهب للسماء.

الأعداد 3-10

الآيات (مت 3: 4 - 10): -

"3فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا». 4فَأَجَابَ وَقَالَ: «مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ». 5ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ، 6 وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ». 7قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لاَ تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ». 8ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضًا إِبْلِيسُ إِلَى جَبَل عَال جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا، 9 وَقَالَ لَهُ: «أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي». 10حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ».".

لخص معلمنا القديس يوحنا في رسالته الأولى الخطايا التي في العالم في ثلاث فئات هي شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة (1يو16: 2) وهي بعينها نفس الثلاث التجارب التي قام بها إبليس ضد آدم الأول وضد المسيح آدم الأخير.

والسيد المسيح قهر الشيطان بعدم إبلاغه مراده واحتقاره لوسائل الإغراء التي اتبعها معه. ولاحظ أن المسيح يستخدم سلاح كلمة الله بقوله مكتوب. فالكلمة المقدسة هي سيف ذو حدين وهي سيف الروح (أف17: 6 + عب12: 4).

التجربة الأولى: تجربة شهوة البطن (الخبز) آيات (3 - 4).

ماذا يقصد إبليس بهذه التجربة؟

هو يشكك المسيح في محبة الآب، فهو يقصد أن يقول، إن كان الآب أي الله هو أبوك حقاً، وهو إله خير محب، فلماذا يتركك جائعاً. إذاً فليحول لك الحجارة إلى خبز. والمقصود من التشكيك هو تخريب العلاقة مع الله. وهذا ما يصنعه إبليس مع كل منا، فهو يأتي ليهمس في أذن من له مشكلة أو مصاب بمرض "أطلب من الله إن كان يحبك أن يصنع معك معجزة ويشفيك، أو يحل لك المشكلة. وهذا أسلوب يتبعه معنا فى حالات ضعفنا نتيجة تجربة أو مرورنا بأى ضيقة (فنجده هنا يحارب المسيح إذ وجده جائعاً). وإذا لم تحل المشكلة يأتي إبليس ليقول لك الله لا يحبك فهو يشفي كل الناس إلا أنت وهذا معنى تخريب العلاقة مع الله وكان رد المسيح لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ. وهذا يعني ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل إن أراد الله لي الحياة حتى بدون خبز فسأحيا. وعلينا أن نستخدم نفس الرد على إبليس" إن حاول أن يشككنا في محبة الله قائلين "ليس بحل المشكلة أو بالشفاء من المرض وحده يحيا الإنسان، بل بإرادة الله. ونتعلم من رد المسيح:

أن لا نطيع إبليس فيما يقترحه علينا.

أن لا نطلب ونلتمس المعجزات في أمورنا ومطالبنا. واثقين فيما يختاره الله لنا.

الجسد يطعم بالخبز ولكن لا ننسى أن لنا روحاً تطعم بكلمة الله. فالجسد المأخوذ من التراب يتغذي على ما تخرجه الأرض، أما الروح لأنها على صورة الله فهي تتغذى بكلمة الله. ومن لا يتغذى بكلمة الله هو ميت روحياً. لقد أراد إبليس أن يجذب المسيح للإهتمام بالماديات فحوَّل المسيح الكلام إلى الروحيات.

الشيطان رأي ولادة المسيح المعجزية وسمع الآب السماوي يشهد عن المسيح قائلاً "هذا هو ابني الحبيب" وهو يريد أن يتأكد من شخص المسيح فيقول له إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فهو تشكك فيه إذ رآه جائعاً.

إن كان المسيح هو ابن الله فليستخدم لاهوته لعمل معجزة، أو يطلب من أبيه عمل المعجزة، لكن المسيح أثبت هنا أنه لا يريد هذا لنفسه، لأن إرادته كإرادة أبيه أي خلاص النفوس، هو أتى لأجل هذا، وليس لعمل معجزات تفيده هو شخصياً. ولاحظ أن المسيح يُشبع الجموع بمعجزة ولا يعمل معجزة لأجل نفسه وهو جائع. فالمسيح لا يريد أن ينحصر في ذاته بل هو يسلم بكل ما يريده الآب، هو لا يريد أن يستخدم مشيئته بعيداً عن مشيئة الله ليكمل شهوة جسده. وبهذا انتزع سلاح الشيطان الذي يقوم على استخدام مشيئة الإنسان بعيداً عن مشيئة الله (يو38: 6).

وكانت التجربة الأولى هي تجربة الخبز، ولكن لنلاحظ أن النفس الشبعانة تدوس العسل، أي أن عدو الخير لن يجد له مكاناً داخلنا ما دامت نفوسنا شبعانة بالله.

آدم غلبه إبليس إذ أكل والمسيح هزم إبليس إذ امتنع عن الأكل.

التجربة الثانية: تجربة جناح الهيكل آيات (5 - 7):

كان رد المسيح على الشيطان في التجربة الأولى أنه بكلمة الله يحيا الإنسان أي أن المسيح استخدم كلمة الله. وهنا نجد أن الشيطان يتقدم بمشروعه الثاني القائم على الاعتماد على كلمة الله. هو يستخدم كلمة الله بطريقة مضللة ويجعلها أساساً للتجربة، وكان رد المسيح أيضاً بكلمة من كلام الله. ففي كلام الله كل الكفاية للرد على تشكيك إبليس ومحاولاته.

ما هو هدف إبليس من هذه التجربة؟

إما يموت المسيح فَيُسَّرْ إبليس بموته، أو على الأقل يتألم.

أو يفعلها المسيح وينجو فعلاً فيقع في الإفتخار والكبرياء. ولاحظ أن المسيح لو فعل هذا وقت احتشاد الجماهير لآمن الجميع به بسبب هذه المعجزة الخارقة ولكن طريق المسيح هو طريق الصليب وليس هذه الأساليب الصبيانية التليفزيونية. وعموما فالشيطان يريد أن يتأكد هل هذا هو إبن الله، وإن كان هو فليبعده عن الصليب عن طريق عمل المعجزات والخوارق مثل هذا العرض الذى يعرضه عليه بإلقاء نفسه. وهذا ما سوف يعمله الشيطان مع ضد المسيح فى الأيام الأخيرة إذ يزوده بالعجائب (رؤ13).

أو أن المسيح لا يجيب خوفاً من الموت فيعيره إبليس بأنه غير قادر.

إبليس يقنع المسيح باستخدام حقه كابن لله بطريقة فيها تهور، طريقة خاطئة وفيها تجربة للآب ولكن محبة الآب لنا لا تحتاج لإثبات بهذه الأساليب فهو يحفظنا في كل طرقنا الصالحة، ولا داعي أن نضعه موضع الامتحان.

قول إبليس اطْرَحْ نَفْسَكَ يعبر عن شهوته لسقوط كل إنسان.

لاحظ أن إبليس يحارب المسيح في المدينة المقدسة وعلى جناح الهيكل أي في الأماكن المقدسة، والشيطان لا يكف عن أن يحاربنا حتى في أقدس الأماكن.

قد تكون حرب الشيطان هنا ذهنية فقط أي هو يغري المسيح بأن يذهب ويفعل هذا ليصير الكارز المشهور بالأعاجيب وهذا هو تعظم المعيشة أما المسيح فاختار طريق الصليب.

الشيطان استخدم آيات من (مز91) ولكنه لم يكملها، فالباقي ليس في مصلحته، إذ أن بقية الآيات تقول "تطأ الأفعي".. كناية عن إبليس.

ونرى في رد السيد المسيح.

[1] لم يسخط ولم يثور ولم يهتاج ضد إبليس بل يرد في ثقة وهدوء.

[2] الله يحفظنا من التجارب التي أتعرض لها وليس التي أصنعها بنفسي حتى أجرب محبته. وعلينا أن نثق في محبة الله دون طلب إثبات.

[3] المسيح اختار طريق الصليب ورفض طريق استعراض إمكانياته بطلب ملائكة تحفظه. وعلينا أن نختار طريق الألم واحتمال الألم دون أن نطلب معجزات تسهل لنا الطريق، أو بقصد المباهاة والمجد الباطل.

التجربة الثالثة: شهوة العيون آيات (8 - 10):

الشيطان هو رئيس هذا العالم، وهو يغوي المؤمنين بملذات وأمجاد هذا العالم الباطلة التي يملكها ويتحكم فيها والثمن هو للأسف السجود له أي التبعية الكاملة له التي تصل لحد عبادته. الشيطان يطبق المثل العامي "حسنة وأنا سيدك". وكون أن الرب يسميه رئيس هذا العالم (يو14: 30) فهذا يعنى أنه قادر أن يعطى من يخضع له كل الملذات الخاطئة.

وقد تكون التجربة هنا هي مجرد تجربة ذهنية فكرية في داخل العقل أي أن الشيطان يُصَوِّر للمسيح كل مباهج الدنيا وأنه قادر أن يعطيه ملك كل العالم، أي يسهل له تكوين مملكة من العالم كله دون الحاجة للصليب وكان هذا هو طلب اليهود.

هذه التجربة هي تجربة كل يوم للمؤمنين، أن يدخلوا من الباب الواسع لذلك ينبهنا الكتاب "لا تحبوا العالم.." ولاحظ أن إبليس "كذاب وأبو الكذاب" (يو44: 8) فهو يغوي المؤمنين بعالم فانٍ زائل.

ونجد المسيح هنا ينتهر إبليس وهذا يعلمنا أن لا نساوم الشيطان بل ننتهره صارخين "كيف نفعل هذا الشر أمام الله". نحن بالمسيح الذي فينا قادرين أن ننتهر الشيطان قائلين له اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ هذا معنى أن المسيح غلب ويغلب فينا، أنه أعطانا فيه هذا السلطان. والأفضل أن نقول حين نحارب "يا ربي يسوع المسيح أبعد الشيطان عني" فأنا لا سلطان لي على الشيطان مثل المسيح، لكن باسم المسيح نطرده.

خداع إبليس هنا خطير إذ يوهمنا أنه لا داعي للصليب أو للألم، بل يكفي الخضوع له أو السجود له، وهو سيعطينا الكثير، لكن على أولاد الله أن يرفضوا هذا الفكر وينتهروه، راضين بالصليب.

بعد أن هُزِمَ إبليس في التجارب الثلاث اتضح أن المسيح قد حطم سلاحه. وهذا ما يعنيه بأنه ربطه، إذ أن ربطه هو نتيجة حتمية لتحطيم سلاحه الكامل الذي اعتمد عليه وهو إغراءات العالم (التي رفضها السيد) وسلاح المراوغة والخداع لاسقاط الإنسان بعيداً عن الله ووصاياه (وهذه استخدم السيد ضدها سلاح كلمة الله).

والخطوة التالية للسيد هي نهب أمتعته (مت29: 12). وهذه تمت بخدمة المسيح وعمله طيلة ثلاثة سنوات ونصف، كان فيها يجذب النفوس لله ويحررها من سلطة إبليس ليؤسس ملكوت الله إذ كنا قبل المسيح أمتعة إبليس (كان يسكن فينا سكنى المتاع).

والمسيح هزم إبليس في التجارب الثلاث فلم يعد له قدرة أن يواجه المسيح. ثم نزل المسيح للعالم ليخرجه من البشر الذين كان قد استولى عليهم فبعد أن أكمل ردع الشيطان على الجبل نزل ليردعه في الناس. المسيح دائماً يخرج غالباً ولكي يغلب.

العدد 11

آية (مت 11: 4): -

"11ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ.".

الملائكة تخدم هذا المنتصر على إبليس، ربما هي أتت له بطعام والأغلب أن الملائكة جاءت تسبحه. فالملائكة تفرح بكل نصرة وتأتي لتخدم لتثبت كرامة المنتصر. وإذا غلبت إبليس تأتي الملائكة لتمدحك وتخدمك كحراس لك.

لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين.

كما قلنا أن المسيح شابهنا فى كل شئ، فهو كان يجوع ويعطش ويتألم ويبكى ويصرخ (عب5: 7)، ولم يسانده اللاهوت أبدا (لقد كان من الممكن أن يسانده اللاهوت فلا يعطش ولا يشعر بألام الصليب والمسامير، لكنه أراد أن يَكْمُل بالألام ليشابهنا فى كل شئ عب2: 10). بل فى ألامه فى بستان جثيسمانى جاءت ملائكة تقويه، فاللاهوت ترك الناسوت ليحتمل كل ألام البشر. وإحتاج لملائكة تخدمه وهو جائع بعد صومه أربعون يوما فى البرية وحربه مع إبليس (مر1: 13). [ولنلاحظ أن الله لا يحرمنا من مساندة الملائكة، فهم "أرواح خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص" (عب1: 14)].

لذلك نقول فى قانون الإيمان تجسد وتأنس.

فهو كان إنسانا كاملا مشابها لنا، ففى طفولته كان طفلا عاديا ولكنه متفوقا عمن كانوا فى سنه ولذلك أبهر الشيوخ فى حواره معهم فى الهيكل وعمره 12 عاما (لو2: 41 – 47)، وهكذا كان فى شبابه ورجولته.

ولكن لإتحاد لاهوته بناسوته كان فداءه لنا غير محدود فلاهوته لانهائى، فقدم كفارة وغفرانا لكل البشر فى كل زمان، ولكن لكل من يؤمن به ويثبت فيه.

ولإتحاد لاهوته بناسوته خرج من جنبه دم وماء عندما طعن على الصليب. وقام جسده من الأموات بقوة لاهوته الحى والمحيى.

ولإتحاد لاهوته بناسوته كان لعابه يشفى المرضى وإذا لمسهم أو لمسوه مثل المرأة نازفة الدم، يشفوا، بل بلمسته أقام إبن أرملة نايين. وجسده فى سر الإفخارستيا يعطى حياة أبدية لإتحاده بلاهوته المحيى.

كل ما صنعه المسيح بجسده كان لحسابنا.

رأينا فيما سبق أن المسيح جعلنا أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه. ويطلب الرب منا قائلا "إثبتوا فىَّ وأنا فيكم" فيكون أن كل ما كان المسيح يعمله بجسده، نقدر نحن أيضا أن نعمله، لذلك يقول الرب "وهذه الآيات تتبع المؤمنين: يخرجون الشياطين بإسمى، ويتكلمون بألسنة جديدة... ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون" (مر16: 18). وكما تجلى جسد المسيح على جبل التجلى، فهذا سيحدث معنا ونأخذ صورة جسد مجده (فى3: 21) ونصير مثله لأننا سنراه كما هو (1يو3: 2) وهذا معنى أننا نجلس فى عرشه (رؤ3: 21) وهذا أيضا معنى أننا نرث الله نرث مع المسيح (رو8: 17).

يقول الرب ".. ليكون لكم فىَّ سلام. فى العالم سيكون لكم ضيق ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يو16: 33). وهذا يعنى أننا كأعضاء جسد المسيح قادرين إن ثبتنا فيه أن نغلب كما غلب هو ولا يُنزع سلامنا من داخلنا طالما نحن ثابتين فيه.

حلَّ الروح القدس على جسد المسيح يوم العماد، وذلك لحسابنا، فكل من يثبت فى المسيح يحل عليه الروح القدس فى سر الميرون بعد أن يعتمد ويتحد بالمسيح. ولكن لنفهم أن الروح القدس يحل على المسيح بصورة أقنومية (لذلك كانت هيئة الحلول على شكل حمامة كاملة). أما على البشر فالروح يحل كألسنة منقسمة (أع 2)، وذلك بقدر ما يحتمل وبقدر ما يحتاج الإنسان من مواهب وثمار وسلطان. ولذلك قيل "مسحك الله إلهك بدهن الإبتهاج أكثر من رفقائك" (مز45: 7). وهذا تم شرحه فى طقس رسامة رئيس الكهنة فى العهد القديم، إذ كانوا يسكبون عليه دهن المسحة من قنينة الدهن ويمسحونه (خر29: 7)، وأما الكهنة فكانوا ينضحون (يرشون) عليهم من دم الذبيحة ومن دهن المسحة، ولكن لا يسكب عليهم. فرئيس الكهنة يمثل المسيح الذى حل عليه الروح القدس كأقنوم كاملا، أما الكهنة فيمثلون الشعب المسيحى كله، فكل مسيحى هو كاهن بالمفهوم العام (يقدم ذبائح التسبيح والإنسحاق... إلخ). وهذا المنظر صوَّره داود النبى فى (مز 133) "هوذا ما أحسن وما أجمل أن يسكن الإخوة معا. مثل الدهن الطيب على الرأس، النازل على اللحية، لحية هارون، النازل إلى طرف ثيابه" (المسيح هو الرأس) ثم ينزل على اللحية والقميص (الكنيسة). وفى طقس تقديم الدقيق كان يقدم عجين ملتوت بالزيت (إشارة للإتحاد الأقنومى بين الإبن والروح القدس) ثم يمسح بزيت إشارة لحلول الروح القدس على جسد المسيح.

المسيح غلب الشيطان فى التجربة على الجبل كإنسان بدون مساندة اللاهوت، وكان هذا حتى يعطى إمكانية لكل من يثبت فى المسيح أن يغلب إبليس.

"رجع يسوع بعد التجربة إذ غلب الشيطان بقوة الروح إلى الجليل" (لو4: 14). وبنفس الطريقة فكل من يغلب منا يمتلئ بالروح.

ولنرى ماذا حدث مع المسيح. فقد حلَّ عليه الروح وإمتلأ من الروح القدس، أى البشرية التى فيه إمتلأت لنمتلئ نحن فيه أى حينما نتحد به ونثبت فيه، ثم صام ليقاتل إبليس مقتادا بالروح ويغلب فيعود بقوة الروح إلى الجليل (لو4: 1، 2، 14) وهذا يعنى أن كل من يثبت فى المسيح يسهل أن يكون إنسانا روحيا أى ينقاد بالروح ويغلب الشيطان وتجاربه، ويمتلئ قوة. وسمعنا أن الروح حمل فيلبس إلى مركبة الخصى الحبشى (أع8: 44) وكان الروح يقود الرسل والكنيسة كلها (سفر أعمال الرسل).

ونفهم أن المسيح إحتاج أن يصوم ليغلب الشيطان، وقال هذا لتلاميذه "هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم" (مت17: 21).

قلنا أن اللاهوت لم يكن يساعد الناسوت ليكون جسد المسيح مشابها لنا تماما، لذلك علينا أن لا نقول أن المسيح غلب لأنه الله، بل هو غلب كإنسان، وكان ذلك أ) بالصوم. ب) بقيادة الروح القدس. ونرى أننا قد سكن فينا الروح القدس وهو يريد أن يقودنا فى موكب النصرة كما قاد جسد المسيح فغلب، وأننا بالصوم وتقديم أجسادنا ذبيحة حية (رو12: 1) قادرين أن نغلب فى المسيح فنحن صرنا أعضاء جسمه.

وقيل عن المسيح "وكان الصبى ينمو ويتقوى بالروح، ممتلئا حكمة، وكانت نعمة الله عليه" (لو2: 40). وقيل عنه "وأما يسوع فكان يتقدم فى الحكمة والقامة والنعمة، عند الله والناس" (لو2: 52). فنفهم من هذا أن يسوع كان إنسانا مشابها لنا تماما يقوده الروح ويسانده الروح، وبالغلبة على الشيطان يمتلئ قوة وهذا الإمتلاء من الروح هو معنى القول ينمو فى النعمة والحكمة فالروح القدس هو روح الحكمة. بل هذا يعطينا أن نفهم معنى أن المسيح يصلى قبل أن يختار تلاميذه (لو6: 12، 13)، فكان هذا ليمتلئ حكمة من صلته بالآب فيختار تلاميذه. ونرى أن المسيح قد طبق ما قاله وعلم به تماما... يصلى ويصوم فيمتلئ قوة ونعمة وحكمة.

وهكذا صار المسيح لكل من يثبت فيه طريقا لذلك يقول الرب "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو14: 6). كل من يجاهد ليثبت فى المسيح يصير له المسيح طريقا للمجد.

المسيح صام وصلى ورفض إغراءات الشيطان وإلتزم بكل وصايا الناموس، وكان الإنسان الكامل. وإمتلأ بالروح، وقبل الصليب حتى الموت، ليقوم ويتمجد بجسده = يجلس عن يمين الآب. والآن فكل من يقبل أن يجاهد ليسير فى نفس الطريق يصوم ويصلى ويرفض خطايا الشيطان ويقبل أن يميت جسده... يمتلئ بالروح ويقوده الروح ليغلب ويقوم من موت الخطية، ويُحسب فى المسيح كاملا وبلا لوم (كو1: 28 + أف1: 4). وفى النهاية يكون له الجسد الممجد.

لذلك تجسد المسيح ليكون جسده هو الطريق لنغلب.

ويكون لنا الطريق لنمتلئ بالروح الذى يعين والطريق للمجد.

وذلك لكل من يجاهد ليثبت فيه.

(مت4: 12 - 25).

العدد 12

آية (مت12: 4): -

"12 وَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ أَنَّ يُوحَنَّا أُسْلِمَ، انْصَرَفَ إِلَى الْجَلِيلِ.".

بعد معمودية يسوع فى الأردن والتجربة فى البرية، ذهب يسوع إلى الجليل وهناك حَوَّل الماء إلى خمر (يو 11: 2) ثم ذهب ليقيم فى كفر ناحوم (يو 12: 2). وبعد هذا عاد يسوع لأورشليم وطهر الهيكل لأول مرة (يو 13: 2 - 22) وتقابل مع نيقوديموس (يو3: 1 - 21). وفى هذه الآية (مت 12: 4) نسمع أن يسوع يغادر اليهودية منصرفاً إلى الجليل وقارن مع (مر 14: 1 + يو 1: 4 - 3).

الأعداد 13-17

الآيات (مت13: 4 - 17): -

"13 وَتَرَكَ النَّاصِرَةَ وَأَتَى فَسَكَنَ فِي كَفْرَنَاحُومَ الَّتِي عِنْدَ الْبَحْرِ فِي تُخُومِ زَبُولُونَ وَنَفْتَالِيمَ، 14لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: 15«أَرْضُ زَبُولُونَ، وَأَرْضُ نَفْتَالِيمَ، طَرِيقُ الْبَحْرِ، عَبْرُ الأُرْدُنِّ، جَلِيلُ الأُمَمِ. 16الشَّعْبُ الْجَالِسُ فِي ظُلْمَةٍ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا، وَالْجَالِسُونَ فِي كُورَةِ الْمَوْتِ وَظِلاَلِهِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ». 17مِنْ ذلِكَ الزَّمَانِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ: «تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ».".

بعد عودة السيد المسيح إلى الجليل أتى إلى الناصرة، وكان اليهود من سكان الجليل قليلى العدد ومن سبطى زبولون ونفتالى، وأكثر سكانها كانوا من الفينيقيين واليونان والعرب. ولهذا سميت جليل الأمم + إش 1: 9. وكأن إشعياء كان يتنبأ بما سيحدث لمنطقة الجليل. وكان الوثنيون قد ملأوا الجليل لما كان إسرائيل فى السبى. ولإختلاط اليهود بالوثنيين صار حالهم ردئ، لذلك قيل عنهم الشعب الجالس فى الظلمة = ظلمة الخطية والجهل وإنقطاع الأمل فى الخلاص أبصر نوراً عظيماً = هو المسيح الذى أتى نوراً للعالم. طريق البحر = بحر الجليل. عبر الأردن = أى غرب الأردن. من ذلك الزمان = أى بعد القبض على يوحنا، آية (12).

والمسيح ترك الناصرة وذهب إلى كفر ناحوم.

لأن الناصرة رفضته.... إذاً لنحذر أن نرفضه وإلاّ سيتركنا.

ليختار تلاميذه من بين صياديها لأن كفر ناحوم عند البحر أى ساحلية. وفى آية 17 نجد أن دعوة المسيح هى التوبة، نفس دعوة المعمدان، فالتوبة هى المدخل، والبشارة المفرحة بأن من يتوب يدخل الملكوت.

الأعداد 18-22

الآيات (مت18: 4 - 22): -

"18 وَإِذْ كَانَ يَسُوعُ مَاشِيًا عِنْدَ بَحْرِ الْجَلِيلِ أَبْصَرَ أَخَوَيْنِ: سِمْعَانَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ بُطْرُسُ، وَأَنْدَرَاوُسَ أَخَاهُ يُلْقِيَانِ شَبَكَةً فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّهُمَا كَانَا صَيَّادَيْنِ. 19فَقَالَ لَهُمَا: «هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ». 20فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا الشِّبَاكَ وَتَبِعَاهُ. 21ثُمَّ اجْتَازَ مِنْ هُنَاكَ فَرَأَى أَخَوَيْنِ آخَرَيْنِ: يَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَاهُ، فِي السَّفِينَةِ مَعَ زَبْدِي أَبِيهِمَا يُصْلِحَانِ شِبَاكَهُمَا، فَدَعَاهُمَا. 22فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا السَّفِينَةَ وَأَبَاهُمَا وَتَبِعَاهُ.".

المسيح لا يستخدم قوى سحرية لجذب الناس، بل أننا نفهم أنه قضى يوماً تقريباً فى إقناع يوحنا وأندراوس بعد أن شهد المعمدان لهما بأن يسوع هو المسيا (يو 35: 1 - 42). ويوحنا وأندراوس أقنعا أخويهما بطرس ويعقوب فأتيا للمسيح فأقنعهم أولاً (إر 7: 20) وبعد هذا دعاهم هنا. فطريقة الله هى الإقناع وليس الإجبار. والمسيح إختار صيادين بسطاء ليحولهم إلى صيادين للناس، ولم يختار حكماء وفلاسفة، حتى تظهر قوته الإلهية العاملة فيهم (1كو 17: 1 - 31).

بحر الجليل = هو بحيرة عذبة طولها 13 ميلاً، وهى شرق مقاطعة الجليل يصب فيها نهر الأردن الآتى من الشمال ثم تذهب المياه بعد ذلك إلى البحر الميت. وتسمى بحيرة جنيسارت وأيضاً بحر طبرية، وهذا الإسم أطلقوه عليها إكراماً لطيباريوس قيصر.

ملحوظة: إختار الله فى العهد القديم رعاة غنم ليرعوا شعبه كموسى وداود وغيرهم، لأن فى العهد القديم، كان الشعب اليهودى هو شعب الله، والله هو راعيهم الأعظم، وأرسل لهم الله رعاة يرعون شعبه الذى كان داخل حظيرة الإيمان فعلاً، أمّا فى العهد الجديد فإختار الله صيادين ليصطادوا الأمم الذين كانوا غارقين فى بحر هذا العالم (لو5: 10). والمسيح إختار صيادين بسطاء من الجليل المحتقر ليعمل بهم، فيكون المجد لله لا للبشر.

تركا الشباك. تركا السفينة = تركا مصدر رزقهم وأطاعا. لذلك كانوا رسلاً جبابرة. والسامرية تركت جرتها، وإبراهيم ترك أور. وماذا تركنا نحن؟

الأعداد 23-25

الآيات (مت23: 4 - 25): -

"23 وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب. 24فَذَاعَ خَبَرُهُ فِي جَمِيعِ سُورِيَّةَ. فَأَحْضَرُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ السُّقَمَاءِ الْمُصَابِينَ بِأَمْرَاضٍ وَأَوْجَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَالْمَجَانِينَ وَالْمَصْرُوعِينَ وَالْمَفْلُوجِينَ، فَشَفَاهُمْ. 25فَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْجَلِيلِ وَالْعَشْرِ الْمُدُنِ وَأُورُشَلِيمَ وَالْيَهُودِيَّةِ وَمِنْ عَبْرِ الأُرْدُنِّ.".

مجامعهم = المجامع هى قاعات فى المدن الإقليمية حيث كان اليهود يجتمعون للصلاة والتسبيح يوم السبت، وللتعليم أيضاً، أما باقى الأيام فكانت تستخدم للقضاء. لكن لا يوجد سوى هيكل واحد فى أورشليم وتقدم فيه الذبائح. ونلاحظ أن السيد المسيح صنع معجزات كثيرة ليظهر بها نفسه فتقبله الجموع ويذيع صيته، فيجتمعون حوله، فيبدأ يعلمهم.

العشر المدن = كانوا عشر مدن قريبة من بعضها على الشاطئ الشرقى من بحر الجليل، وإسمها باليونانية ديكابوليس.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

الأصحاح الخامس - تفسير إنجيل متى - القمص أنطونيوس فكري

الاصحاح الثالث - تفسير إنجيل متى - القمص أنطونيوس فكري

تفاسير إنجيل متى الأصحاح 16
تفاسير إنجيل متى الأصحاح 16