الانطلاق لمعرفة الله.(?) – إنطلاق الروح – البابا شنودة الثالث

الانطلاق لمعرفة الله[2]. (🞺)

بقلم: قداسة البابا المعظم.

الأنبا شنوده الثالث.

أعترف أمامك يارب أن اتجاهى فى الكتابة كان ينبغى أن يتغير. وأعترف فى خجل أمامك أننى كثيراً ما حدثت الناس عن الفضيلة، وقليلاً ما حدثتهم عنك، بينما ينبغى أن تكون أنت الكل فى الكل؟...

غير أننى لكى أتحدث عنك، لابد أن أعرفك. وكيف أعرفك وأنا إنسان محدود، وأنت إله غير محدود؟! بل كيف أعرفك وأنت غير المدرك، وغير المفحوص، أنت النور الذى لا يدنى منه، ولا يستطيع إنسان أن يراه ويعيش...؟!

ولقد حاولت أن أسأل قديسيك الذين عرفوك، أو الذين عرفوا عنك ((بعض المعرفة)) فاقتربت الى بولس الرسول الذى صعد إلى السماء الثالثة، وسألته عنك فقط ان الذى سمعه ورآه أمور ((لا ينطق بها، ولا يسوغ لانسان أن يتكلم عنها)) (2 كو 12: 4). وكذلك يوحنا الحبيب الذى رأى بابا مفتوحاً فى السماء. وشاهد عرش الله، لم يشرح لنا رؤياه إلا في رموز لا يمكن أن تعطى الصورة الذاتية للحقيقة كما هى...

وأحياناً أسأل نفسى: أهى كبرياء منى أن أحاول أن أعرفك بينما ما أزال جاهلاً بحقيقة نفسى، وما أزال جاهلاً بكثير من الأمور البشرية والمادية؟ ان كنت لم أعرف كنه ذاتى، فكيف أعرف خالق هذه الذات؟

وان كنت لم أعرف بعد سماءك وملائكتك، فكيف أعرف ذاتك الالهية؟

كل ما أعرف عنك، هو ما تكشفه لنا من ذاتك. وأنت لا تكشف لنا الا ما تستطيع ذاتنا أن تحتمله. لانك ان كشفت لنا أكثر، ستقف طبيعتنا البشرية مبهورة فى دهش، وقد وقف عقلها عن الفهم، وعجزت مفرداتها اللغوية عن التعبير، وتعترف أن ما تراه هو من الأمور التى لا ينطق بها.

وأنا أحاول فى معرفتك أن أخرج عن نطاق الكتب بكل ما فيها من عمق، بل أن أخرج أحياناً عن حدود معرفة العقل، لكى أعطى للروح فى انطلاقها مجالها الأوسع الذى تفوق فيه العقل بمراحل... ولكن روحنا البشرية محدودة... محدودة فى قدراتها وفى مواهبها، وفى معرفتها... كما أنها تقاسى كثيراً من ضباب هذا الجسد المادى...

أترانا يارب سنعرفك إذن فى الملكوت الأبدى؟ وسننظرك حينئذاك وجهاً لوجه كما قال عبدك بولس؟ أرانى حقاً حائرا أمام عبارة ((وجهاً لوجه)).

أننا فى الملكوت على الرغم من القيامة الممجدة، وما سنلبس من أجساد نورانية روحانية، لابد أن سنظل – كما نحن – بشراً محدودين...

ستكشف لنا شيئاً عن ذاتك لم نكن نعرفه فى العالم، فنسر بذلك ونفرح، ثم تكشف لنا أكثر فأكثر، على قدر ما نحتمل. وقد تكشف لنا أكثر فتصرخ نفس كل واحد منا وهى مريضة حباً ((كفانا كفانا)).. وتظل أنت توسع فى قلوبنا، وتوسع فى أرواحنا لنستوعب عنك المزيد... وتظل أنت يارب كما أنت... غير محدود... ونظل نحن – كما نحن – على الرغم من اتساعنا، محدودين، نعرف عنك بعض المعرفة...

ويطول بنا الزمن فى الأبدية، ونحن نستمتع بمعرفتك، نذوق وننظر ما أطيب الرب، ونكتشف كل حين شيئاً جديداً عنك، فنتغذى بهذه المعرفة الحلوة المشبعة ولكننا لا يمكننا أن نلم بك كلك.

إذن متى نعرفك المعرفة الحقيقية؟

يجيب ربنا يسوع ويقول ((هذه هى الحياة الأبدية، أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك...،... اذن فمعرفتك ليست موضوع سنين أو أيام، وانما طريقها هو الأبدية كلها، الأبدية التى لا تنتهى...

ان كان الأمر هكذا فى الأبدية، فماذا نقول إذن عن جهالتنا على الأرض؟ أحقاً نحن نعرف شيئاً؟

لذلك أتوسل إليك أيها الخالق العظيم، أن تعذرنى أن كنت أحدث الناس عن الفضيلة أكثر مما أحدثهم عنك. فذلك يرجع إلى سببين:

السبب الأول: هو أننى لا أعرف. كل ما أعرفه هو أننى أصلى اليك أن تكشف لى شيئاً عن ذاتك، وما تكشفه لى أخبر الناس به، لكى يجربوا مداقة الملكوت على الأرض.

والسبب الثانى: هو أننى عندما أحدثهم عن الفضيلة أنما أريدهم أن يعدوا قلوبهم لمعرفتك. أريدهم أن يرفعوا البخور عشية وباكر على مذبح هذا القلب حتى يستحق أن تقدم عليه السرائر الالهية.

ونحن بذاتنا لا نعرف، لكننا نريد – بنعمتك – أن نعد ذواتنا لمعرفتك، وهذه المعرفة تأتى منك أنت، بما تكشفه لنا، ولا تأتى بمجهود عقولنا، ولا حتى بمجهود أرواحنا. أن كل جهاد عقولنا وارواحنا – مع ضرورته – انما يدخل فى حقيقته تحت معنى الصلاة أو التوسل، لكى يملأ السحاب البيت، وتشتعل النار فى العليقة، ويكشف الرب ذاته... وحينئذ يسجد القلب فى خشوع، ويرتل فى شكر ((أعطيتنى علم معرفتك))...

هذه المعرفة الالهية هى اللؤلؤة الكثيرة الثمن، التى من أجلها باع التاجر كل أمواله واشتراها.

ولعله من الأموال التى باعها هذا التاجر، ما نكنزه فى عقولنا من معارف بشرية متعددة تشغل كل أوقاتنا حتى لا نتفرغ لمعرفتك أنت، وحتى لا نجلس مع مريم عند قدميك تسكب فى قلوبنا ذلك الماء الحى، الذى كل من يشربه لا يعود يعطش ايضاً...

ليتنا نسعى إلى هذه المعرفة، ونطلبها بكل قلوبنا، ونجدها فى داخلنا، فى عمق أعماقنا، حيث تسكن أنت، وحيث هيكلك المقدس الذى تدشن يوم أخذنا المسحة المقدسة منك.

25 ديسمبر سنة 1973.

16 كيهك سنة 1690.

†.

كانت الساعة السابعة مساء، والسكون يخيم على أرجاء المكان، حين بدأت وأبى الراهب نضرب بأقدامنا فى رمل الصحراء، نتمشى حيناً ونقف حيناً آخر، متأملين فى موضوعات أسمى من أن يكتبها قلم بشرى... وقد طال بنا التجوال ونحن لا ندرى، أو نحن لا نود أن ندرى، حتى استقر بنا المطاف أخيراً على عتبة الدير، فجلسنا نناقش موضوع:

.



انطلاق الروح - إنطلاق الروح - البابا شنودة الثالث

الانطلاق من معرفة الخطية? - إنطلاق الروح - البابا شنودة الثالث

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات