قاموس القديسين و الشخصيات حرف ن

هذا الفصل هو جزء من كتاب: قاموس القديسين و الشخصيات التاريخية. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.


ن

نابور وفيلكس الشهيدان

امتدح القديس إمبروسيس هذين الشهيدين جدًا، وذهبت جموع غفيرة من الناس إلى ميلان لتكريمهما.

يقول التقليد أنهما كانا جنديين Moorish في جيش ماكسيميان هركيلاس Maximian Herculeus وكانا يعسكران في ميلان، وأن رأسيهما قُطِعت من أجل الإيمان.

Butler, July 12.

ناتاليا وهادريان أوأدريان الشهيدان

حوار مع غالريوس

كان هادريان شابًا يعمل رئيسًا للموظفين الذين يعملون مع غالريوس حاكم الشرق الذي كان يحاكم المسيحيين في عهد دقلديانوس. وقد حدث أن غالريوس ذهب إلى نيقوميديا فقدموا له ثلاثة وعشرين مسيحيًا لمحاكمتهم، أظهروا شهادة مدهشة لإيمانهم، وكان ذلك سببًا في تأثر هادريان الوثني لدرجة كبيرة بما كان يرى من شجاعة المسيحيين، فسأل عن سرها. فلما جاءوا بأولئك المسيحيين إلى ساحة القضاء أمام غالريوس الذي ثار لإجابتهم ونادى على الموظفين ليكتبوا مذكرة.

سأل هادريان: "هل أكتب مذكرة باسمي معهم؟ فأنا مسيحي أيضًا".

هل جننت؟ أتريد أن تفقد حياتك؟

لست مجنونًا يا سيدي، وإنما كنت من قبل مجنونًا بالفعل، وأما الآن فإني كامل العقل.

أصمت والتمس العفو مني، واعترف أمام الجميع بأن ما قلته كان خطأ منك، ولسوف أمحو قولك هذا من مضبطة المحكمة.

كلا وإنما الأجدر لي أن أسأل العفو من الله عن كل أفعالي الشريرة السابقة وأخطاء حياتي.

هل ستضحي وتعبد الآلهة كما أفعل أنا وكل أحد؟

أنت على خطأ. ولِمَ تسوق الآخرين إلى الخطأ فتضيع نفسك وكل أنفس هؤلاء اليتامى الذين تسوقهم إلى عبادة آلهة لا حياة فيها، ويتركون الله الذي خلق السماوات والأرض والبحر وكل ما فيها؟

أتظن أن آلهتنا هكذا صغيرة، بينما هي عظيمة؟

لا أظن أنها صغيرة أو عظيمة، إنها لا شيء على الإطلاق.

اعترف للآلهة حتى تتعطف عليك وتردّك بكرامة إلى وظيفتك السابقة. إنك لست كالآخرين المسجونين معك، فإنك ابن رجل شريف، ومازلت في ريعان شبابك، وأمامك المجال واسعًا للترقي. أما هؤلاء فهم مخلوقات بائسة من الفلاحين.

إنك تقول ذلك لأنك تعرف شيئًا عن أسرتي وأسلافي وبيتي. ولكنك لو عرفت شيئًا عن هؤلاء القديسين وغناهم الروحي، والمسكن الذي يتطلعون إليه لألقيت بنفسك عند أقدامهم، وتوسلت إليهم أن يصلوا من أجلك، بل أنك ستحطم آلهتك بيديك.

عندئذ أمر غالريوس جنده بأن يلقوا هادريان على الأرض ويوسعوه ضربًا وهم يرددون: "لا تجدف على الآلهة".

ظل غالريوس يحاول مع هادريان، وأمر الجند أن يتوقفوا عن ضربه لأن الجسم الرهيف لا يقدر أن يحتمل أكثر من ذلك، ثم قال غالريوس:

أنظر كيف أود أن أنقذك؟ اذا دعوت الآلهة بلسانك فقط (أي بدون تقديم قرابين) سأستدعي أطباء حالاً لعلاج جراحاتك وتكون معي اليوم في قصري.

أنا مستعد أن أفعل ذلك لو أن الآلهة وعدت بصوت مسموع أن تفعل ما قاله الإمبراطور.

ماذا تقول؟ إنها لا تقدر أن تتكلم.

لماذا إذن تقربون قرابين لأشياء لا تقدر أن تتكلم؟

نُقِل هادريان إلى السجن.

ميراث عجيب

أُخبِرت زوجته ناتاليا - التي كانت هي نفسها مسيحية وتزوجا منذ 13 شهرًا فقط - بما حدث، فأسرعت إلى السجن وأخذت تُقَبِّل السلاسل التي كان زوجها مقيدًا بها، قائلة:

"طوباك يا هادريان،

لأنك وجدت الكنوز التي لم يتركها لك أبوك وأمك،

والتي سيحتاجها حتى الأغنياء في اليوم الذي لا ينفع فيه الأب ولا الأم ولا الأبناء ولا الأصدقاء ولا ممتلكات العالم ".

توديع زوجته

تركته ناتاليا وذهبت لرعاية رفقائه المسيحيين في السجن وتوجيههم. وحين علم هادريان بقرب موعد محاكمته قدّم رشوة للسجان حتى يُسمح له بالذهاب لتوديع زوجته.

في طريقه إلى المنزل أُخبِرَت ناتاليا بمجيء زوجها فظنَّت أنه أنقذ نفسه بإنكار الإيمان، فأوصدت في وجهه الباب. لكنه أخبرها بالحقيقة وأن بقية المسجونين رهائن إلى حين عودته للسجن، فتعانقا وقبَّلا بعضهما وصحبته ناتاليا للسجن مرة أخرى. وقد بقيت هناك أسبوعًا لرعاية المعترفين وتضميد جراحاتهم، حتى أُحضِر هادريان أمام الإمبراطور ورفض التبخير للأوثان، فجُلِد وأعيد للسجن ثانية.

ناتاليا تخدم المسجونين

أتت سيدة أخرى لرعاية المعترفين، ولما علم الإمبراطور بذلك منع النساء من زيارة المسجونين، فحلقت ناتاليا شعرها وتخفَّت في زي الرجال وقدّمت رشوة للجند ودخلت مثل الرجال، وطلبت من زوجها حين يذهب للمجد في السماء أن يصلي لأجلها حتى تكمل جهادها وتلحق به.

مساندة زوجته له

حُكِم على الشهداء بتقطيع أطرافهم، وطلبت ناتاليا أن يبدأوا بزوجها حتى تتجنب مشاهدة عذاباتهم كلهم.

أسرعت نَتاليا من قاعة المحكمة إلى زنزانة المعترفين الآخرين وأخبرتهم أن استشهاد زوجها قد بدأ، وطلبت صلواتهم لمعاضدته.

وحين أتوا به إلى الآلة تقدمت هي وكشفت أطراف زوجها ثم سجدت بجواره حين كانت عظامه تتهشم إلى أن قُطِعت يديه ورجليه. يقال أن زوجته ناتاليا كانت تمسك بيديه وقدميه وهي تسند إيمانه أثناء هذه العملية البشعة، ولم يلبث هادريان أن مات متأثرًا بما لحق به من تعذيب.

فأخفَت ناتاليا أحد كَفَّيه بين ملابسها قبل جمع أجساد الشهداء لحرقها. ولكن في تلك اللحظة هبَّت عاصفة ممطرة أطفأت النار فجمع المسيحيون في نيقوميديا أجساد الشهداء ودفنوها بالقرب من بيزنطية.

بعد مدة سافرت ناتاليا إلى بيزنطة (القسطنطينية) هربًا من مضايقة أحد جنود الإمبراطور الذي أراد الزواج منها، وأخذت معها كنزها الثمين: كف هادريان في ستر أرجواني ككنز ثمين.

وبعد وصولها بفترة قصيرة تنيحت بسلام ودفنت مع الشهداء وحُسِبت من ضمنهم، وكانت نياحتها سنة 304م.

Butler, September 8.

موسوعة تاريخ الأقباط: الجزء 11 الكتاب الرابع، صفحة 103.

الاستشهاد في المسيحية، صفحة 110.

نادية يوسينا

عُرفت سيرة هذه العذراء التي تألمت من أجل الإيمان من الرسائل الروحية التي بعثتها إليها صديقتها نيولا سادونيتا التي سنتحدث عنها بمشيئة الله.

إلقاء القبض عليها

إذ كانت هذه الفتاة الرقيقة الطبع في السنة النهائية من كلية الطب ألقت السلطات الشيوعية القبض عليها، وصدر الحكم عليها بالنفي سبعة أعوام.

تلقت نادية خبر الحكم في هدوء وبشكر، وكان السلام يملأ قلبها، كما كانت تصلي من أجل مضطهديها.

كانت تعمل في المعتقل في مصنع زجاج من الصباح الباكر إلى ساعة متأخرة بالليل، مما سبب لها تدهورًا في حالتها الصحية، فعانت الكثير من أمراض العيون وأمراض الجهاز التنفسي.

العمل الشاق مع الأمراض طوال السبع السنوات لم يعقْ نادية من الالتزام بالصلاة والالتصاق بالله واتساع قلبها بالحب لمسخّريها ومعذبيها.

نارسيسوس أو ناركيسُس الأسقف الشهيد

وُلد في الشرق وكرز بالإنجيل في راهيتيا Rhaetia، حيث حوَّل القديس أفرا St. Afra من حياة الخطية إلى التوبة، ثم سافر إلى أسبانيا وبشَّر فيها بنجاح كبير.

نال إكليل الاستشهاد مع شماسه فيلكس Felix الذي كان من أفريقيا أثناء اضطهاد الإمبراطور دقلديانوس. وتعيِّد له الكنيسة الغربية في الثامن عشر من شهر مارس.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. IV, page 3.

نارسيسوس أو ناركيسُس أسقف أورشليم القديس

كان نارسيسوس طاعنًا في السن حين صار على رأس كنيسة أورشليم، ويذكر يوسابيوس أن المسيحيين هناك كانوا حتى زمان كتابته يتذكرون العديد من المعجزات التي أجراها الله على يديّ نارسيسوس. منها أنه في أحد ليالي عيد الفصح لم يجد الشمامسة زيتًا لإضاءة المصابيح في الكنيسة، فأحضر نارسيسوس ماءً وصلى عليه ثم أمرهم أن يضعوه في المصابيح، وحين فعلوا ذلك تحوّل في الحال إلى زيت.

حياة الوحدة

مع أن القديس نال تقديرًا واحترامًا من الكثيرين، إلا أن بعض الأشرار الذين لم يستريحوا لحزمه في مراعاة النظام اتهموه بارتكاب جريمةٍ ما، لم يحددها يوسابيوس، ولكن هذا الاتهام لم يُقبَله الأغلبية. ومع هذا اتخذها القديس نارسيسوس حجة ليترك أورشليم ليحيا بعض الوقت في الوحدة التي كان يشتهيها منذ مدة طويلة.

عودته إلى كرسيه

أمضى عدة سنوات في وحدته، وحتى لا تظل الكنيسة دون رعاية قام الأساقفة في الكنائس المجاورة بإقامة ديوس Dius وبعده جيرمانيكوس Germanicus ثم غورديوس Gordius لخدمة كرسي أورشليم.

وفى زمن غورديوس ظهر نارسيسوس مرة أخرى. وكان كمن قام من بين الأموات، وابتهج لظهوره كثير من الشعب، وطلبوا إليه العودة إلى كرسيه. فخضع لرغبتهم ولكن نظرًا لشيخوخته الشديدة جعل القديس الكسندر Alexander مساعدًا له.

وقد كتب الكسندر رسالة حوالي سنة 212م ذكر فيها أن القديس نارسيسوس يبلغ من العمر 116 سنة، وأخيرًا تنيح بسلام حوالي سنة 215م.

Butler, October 29.

نازاريوس أو ناصري وصِلسس الشهيدان

كان والد القديس نازاريوس ضابطًا وثنيًا في الجيش الروماني، بينما كانت أمه مسيحية آمنت على يدي القديس بطرس الرسول أو أحد تلاميذه.

بدافع حبه وغيرته على خلاص الآخرين ترك نازاريوس مدينته روما وصار يبشر بالمسيحية في أماكن كثيرة. لما وصل إلى مدينة ميلان قُطِعت رأسه مع مرافقه الشاب صِلسس، الذي اتخذه مساعدًا له في أسفاره، وذلك أثناء الاضطهاد الذي أثاره الإمبراطور نيرون ضد المسيحيين.

دُفِنا في بستان خارج المدينة، واكتشف القديس إمبروسيس جسديهما حوالي سنة 395م. ونُقل الجسدان إلى كنيسة الرسل، ومن العجيب أنه اكتشف في قبر القديس نازاريوس أن لون دمه ومنظره كما لو أنه قد سُفِك في نفس اليوم.

وحدث أيضًا أن امرأة بها روح نجس شُفِيت بعد نقل الجسدين إلى الكنيسة.

Butler, July 28.

ناصرة الشهيدة

راجع سيرة أختها الشهيدة أناتوليا.

نامفامو الشهيد

كان نامفامو مع رفقائه لوسيتاس Lucitas وميجدون Mygdon أو ميجين Miggin وساماي Samae أو سانامي Saname أول من استشهدوا في أفريقيا. وبالتالي فإنهم استشهدوا سنة 180م أثناء حكم الوالي ساتورنينوس Saturninus أول من هاجم المسيحيين، حسب قول ترتليان.

حاز نامفامو في هذه المنطقة لقب أول شهدائها، ولسنا نعلم شيئًا عن سيرته سوى ما كتب في المراسلات بين ماكسيموس الذي من ماداورا Maximus of Madaura والقديس أغسطينوس، ومنها نستنتج أن هؤلاء الشهداء كانوا من أصل غزاة المنطقة وليسوا من المستوطنين.

وتعيِّد له الكنيسة الغربية في الرابع من شهر يوليو.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. IV, page 2.

نايسفورُس أو نيسفورُس الشهيد

كراهية شديدة

عاش في مدينة إنطاكية كاهن يدعى سابريسيوس Sapricius ورجل علماني يدعى نايسفورُس، وكانا صديقين حميمين لسنوات طويلة. لكن أدّت بعض الخلافات إلى قطع الصداقة، أعقبها كراهية شديدة بين الصديقين.

استمر هذا الحال لفترة حتى أدرك نايسفورُس مدى خطأ هذه العداوة، وقرر أن يسعى إلى التصالح مع صديقه.

بعث نايسفورُس مرتين أصدقاءه إلى الكاهن سابريسيوس لطلب الصفح منه، لكن الكاهن رفض أن يسامحه، فأرسل إليه نايسفورُس مرة ثالثة، ولكن دون جدوى لأن سابريسيوس كان قد أغلق أذنيه حتى إلى السيد المسيح الذي أوصانا أن نغفر للآخرين حتى يغفر لنا. أخيرًا ذهب نايسفورُس بنفسه إلى بيت صديقه معترفًا بخطئه طالبًا الصفح ولكن دون جدوى.

محاكمته

بدأ اضطهاد ضد المسيحيين سنة 260م أثناء حكم فاليريان Valerian وغالينوس Gallienus، وسرعان ما أُلقي القبض على سابريسيوس وأُحضِر أمام الحاكم الذي سأله عن اسمه ووظيفته.

فأجابه بأن اسمه سابريسيوس وأنه مسيحي. ولما سأله إن كان من رجال الدين أجابه بأنه يتشرف بأن يكون كاهنًا، وأضاف: "نحن المسيحيون نعترف بإله واحد وسيد واحد يسوع المسيح الذي هو الإله الوحيد الحقيقي الذي خلق السماء والأرض، أما آلهتكم الوثنية فما هي إلا شياطين".

اغتاظ الحاكم من هذه الإجابة وأمر بتعذيبه، ولكن رغم ذلك ظل سابريسيوس ثابتًا وقال لمعذبيه: "إن جسدي بين أيديكم ولكن ليس بمقدوركم المساس بروحي التي هي ملك سيدي ومخلصي يسوع المسيح".

نايسفورُس يسرع لمقابلته

عند رؤية الحاكم صمود سابريسيوس نطق بالحكم التالي: "يُحكم على سابريسيوس الكاهن المسيحي الذي يثق بأنه سيقوم مرة ثانية من الموت بقطع رأسه، وذلك لاحتقاره الأوامر الإمبراطورية".

عند سماع الحكم ظهر سابريسيوس وكأنه قد استقبل الحكم بفرح وكان في عجلة للوصول إلى مكان تنفيذ الحكم.

جاء نايسفورُس مسرعًا لمقابلته وارتمى عند قدميه طالبًا من شهيد يسوع المسيح أن يغفر له، ولكن سابريسيوس لم يرد عليه. انتظره نايسفورُس في شارع آخر ومرة ثانية طلب صفحه، ولكن قلب سابريسيوس كان قد تحجّر ولم يشأ أن ينظر إليه، حتى أن الجنود سخروا من نايسفورُس لطلبه بإلحاح الصفح والعفو من مجرمٍ على وشك الموت.

نايسفورُس يسرق الإكليل

عند موضع تنفيذ الحكم جدّد نايسفورُس طلبه إلى صديقه ولكن دون جدوى، ثم أمر منفذ الحكم سابريسيوس أن يركع على ركبتيه حتى يقطعوا رأسه، ولكن عند ذلك ضعف الكاهن وصاح البائس: "انتظروا يا أصدقائي ولا تقتلوني، وسأنفذ ما تطلبون وأذبح للأوثان". عند ذلك صرخ نايسفورُس لحزنه على ارتداد صديقه وطلب منه الثبات وعدم إنكار سيده حتى لا يضيع إكليل مجده الذي استحقه عند احتماله التعذيب، ولكن سابريسيوس لم يصغِ لكلمات صديقه وظل على ضعفه.

أخذ نايسفورُس يبكي بمرارة قائلاً:

"أنا مسيحي أؤمن بيسوع المسيح الذي أنكره سابريسيوس.

وأنا على استعداد أن أموت بدلاً عنه ".

دُهش الجميع وأرسل الجنود إلى الحاكم متسائلين ماذا يصنعون، فأجابهم الحاكم: "إن كان نايسفورُس مصممًا على عدم تقديم القرابين للآلهة يُعدم بدلاً من سابريسيوس". بالفعل تم تنفيذ الحكم فيه، وهكذا نال نايسفورُس ثلاثة أكاليل أبدية: الإيمان والتواضع وعمل الحب.

Butler, February 9.

نترا الأب

البرية والأسقفية

قيل عن الأب نترا تلميذ الأب سلوان إنه عندما كان يقيم في قلايته في جبل سيناء، كان يحفظ حاجة الجسد باعتدال. ولما صار أسقفًا على "فران" كان يضغط على نفسه متشددًا في نسكه، فقال له تلميذه: "يا أبتِ، عندما كنّا في البرية لم تكن تُروّض نفسك هكذا". أجابه الشيخ:

"هناك كانت البرية والسكون والقفر، فأردت أن أسود على الجسد لئلا أمرض، فأطلب ما لم يكن عندي.

ولكن هنا عندنا العالم وكل الفرص.

وإذا أصابني المرض هنا سأجد من يساعدني لئلا أفقد صفتي الرهبانية ".

منشورات النور: أقوال الآباء الشيوخ، لبنان 1983.

نثنائيل القديس

صراعه داخل قلايته

قيل أنه حبس نفسه في قلايته بصبرٍ عظيمٍ، حتى أنه لم يكن يخرج أحيانًا لقضاء حاجته فثار عليه الشيطان وملأه بالضجر من القلاية، فذهب وبنى له قلاية أخرى بجوار المدينة.

بعد نحو أربعة أشهر من حبسه في قلايته الجديدة جاءه الشيطان ليلاً في زي جندي روماني يحمل مقلاعًا في يده، وبدأ يرشق باب القلاية بالحجارة. فقال له القديس: "من أنت يا من ترمني بهذه الحجارة؟" فرد الشرير عليه: "أنا الذي جعلتك تهرب من قلايتك الأولى، وقد جئت لكي تهرب من هاهنا". فلما أدرك أن الشيطان سخر منه لتركه قلايته الأولى رجع إليها وتعبّد بها سبعة وثلاثين عامًا ولم يبرح منها. وقد حاول عدو الخير إخراجه منها بكافة الوسائل ولكن دون جدوى.

مات عن كل الأساقفة!

ذات مرة حضر إليه بعض الأساقفة، فاضطر أن يخرج خطوة واحدة ولم يرافقهم لمسافة أبعد. فقال له من معهم من الناس: "لقد منعك كبرياؤك من مرافقة الآباء الأساقفة". فأجابهم بتواضعٍ: "إنني قد مُتُّ مرة عن كل الأساقفة وعن كل العالم، ولديّ سرًا يعلمه الله عن سبب عدم خروجي".

كشف خداع شيطان

ذات مرة ظهر له الشيطان في شكل شابٍ صغيرٍ، وكان المساء قد حلَّ، وتظاهر المخادع بأن حماره قد سقط بحمله في النهر وبدأ يصيح: "يا أبي نثنائيل ساعدني". سمعه القديس من الداخل، وهو يكذب ويعلن أنه كان يحمل خبزًا، وأنه كان سيصنع به وليمة محبة في اليوم التالي، وأنه يريده أن يساعده لئلا تأكله الضباع. فتحير القديس بين عمل الرحمة وبين كسر ما تعهّد به مع نفسه. وأخيرًا قال لنفسه: "إن الرب الذي ساعدني على حفظ قانونه قادر أن يحفظ الغلام". ثم صلى وقال للصبي: "إنني أؤمن أن الله الذي أخدمه يستطيع أن يرسل لك العون ويحفظك من الضباع. ولكن إن كنت شيطانًا مجرِّبًا فليكشفك الله". ثم أغلق القديس بابه في هدوء فتحول الشيطان إلى دوامة من الرياح وخزي من القديس الذي استطاع أن يغلبه بالصلاة.

بستان القديسين، صفحة 22.

نخلة المعلم

المعلم إبراهيم نخلة

من أراخنة الكنيسة في أوائل القرن التاسع عشر، أبوه المعلم إبراهيم نخلة نشأ في قرية أم خنان بمحافظة الجيزة ثم أصبح من كبار الكتبة العاملين في ديوان محمد علي باشا. وكان نخلة ابنه الأكبر فألحقه أبوه بالكتَّاب في طفولته تبعًا لعادة القبط آنذاك، فتفوق في دراسته. ولما بلغ سن الشباب اتخذه أبوه مساعدًا له في أعمال الديوان ليدربه عليها، فبرع في الأعمال الحسابية والكتابية والإدارية حتى اتخذه شريف باشا الكبير كاتم أسراره. ولما كان هذا الباشا يقيم في الإسكندرية فقد انتقل المعلم نخلة إليها هو وعائلته.

حدث أن طلب محمد علي باشا كبير كتبته آنذاك المعلم وهبة أن يقدم له حسابًا شاملاً عن أمور الدولة، وعجز الكاتب عن تلبية أمر الوالي الذي غضب عليه ونحّاه جانبًا. ولثقة شريف باشا في كاتم أسراره حوَّل عليه طلب الوالي، فاضطرب المعلم نخلة وخشي أن يصيبه ما أصاب المعلم وهبة. وفي حيرته استشفع بمارمرقس الإنجيلي الكاروز ثم نذر أن يوقف كل ما يملك من أراضٍ على الكنيسة. وهذه تقع الآن ما بين شوارع شريف وسيزوستريس والكنيسة القبطية وطوسون بالإسكندرية. ثم قصد إلى قصر رأس التين لمقابلة محمد علي باشا، وقد مكث بذلك القصر يومين نجح خلالهما في إنجاز العمل المطلوب وقدّمه إلى الباشا الذي أبدى له كل الرضى. وإذ غادر القصر ذهب لساعته إلى الكنيسة المرقسية وقدم الشكر لله والتمجيد لقديسه، ثم قابل المسئولين بها واتخذ معهم الخطوات اللازمة لتنفيذ نذره، وبعد ذلك عاد إلى بيته.

ولقد أنجب المعلم نخلة ثلاثة بنين هم: إبراهيم وصالح وسمعان، ورباهم تربية مسيحية حقة. ومن أحفاده الشماس كامل صالح المؤرخ المعروف الذي كتب الكثير من الكتب والمقالات عن باباوات الإسكندرية ومطارنة الكرسي الأورشليمي وغيرهم.

قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الرابع صفحة 291.

نركيسوس الأسقف القديس

في اليوم الأول من برمهات سنة 222م، تنيّح الأب القديس نركيسوس أسقف بيت المقدس، الذي أقيم أسقفًا سنة 190م في عهد ألكسندروس قيصر الذي كان محبًا للمسيحيين. وكان هذا الأب قديسًا كاملاً في جميع تصرفاته، فرعى شعبه أحسن رعاية، ولم يلبث قليلاً على كرسيه حتى مات ألكسندروس، وقام بعده مكسيميانوس قيصر الذي أثار الاضطهاد على المسيحيين، وقتل عددًا عظيمًا من الأساقفة وغيرهم، حتى هرب بعضهم تاركين كراسيهم، أما هذا الأب فقد ذهب إلى البرية. وإذ لم يعرف شعبه عنه شيئًا اختاروا لهم عوضًا عنه إنسانًا اسمه ديوس، فأقام زمانًا ثم تنيّح، فقدموا آخر اسمه غوردينوس.

لما انقضى زمان الاضطهاد عاد الأب نركيسوس إلى أورشليم، فقابله شعبه بفرح عظيم، وطلب إليه غوردينوس أن يتسلم كرسيه، فلم يقبل وآثر الوحدة، فالحَّ عليه أن يبقى معه بالقلاية فأقام معه سنة، تنيّح على أثرها غوردينوس فتسلم القديس نركيسوس كرسيه، وكان قد ضعف وكبر جدًا، فطلب من أبنائه أن يختاروا أسقفًا آخر لهم فأبوا.

أخيرًا تنيّح بسلام وكانت مدة جلوسه على كرسي الأسقفية سبعًا وثلاثين سنة، وجملة حياته مائة وستة عشر سنة.

السنكسار، 1 برمهات.

نرسِس الأسقف ورفقاؤه الشهداء

لقاء مع الملك

في السنة الرابعة للاضطهاد الكبير الذي أشعله سابور الثاني Sapor II في فارس، قُبض على نرسِس أسقف ساجِرد Sahgerd وتلميذه يوسف، حدث ذلك أثناء وجود الملك في المدينة.

حين أُحضِرا أمامه قال الملك للأسقف: "إن شيبتك وحداثة سن تلميذك يجعلانني أشفق عليكما. لذلك فلتراعيا سلامتكما واعبدا الشمس، وسوف أغدق عليكما عطايا كثيرة".

أجابه نرسِس:

"كلامك المعسول لا يخدعنا.

إنني أبلغ الثمانين من عمري الآن وكنت أخدم لله منذ طفولتي، وأطلب إليه أن يحفظني من هذا الشر العظيم حتى لا أخونه بعبادة مخلوقات يديه ".

هدّده الملك بالموت فأجابه القديس: "ولو كان في قدرتك أن تميتنا سبع مرات، فلن نستسلم".

حديث مفرح بين الأسقف وشماسه

سيق الشهيدان خارج البلد وكان يتبعهما جمع غفير، وفي مكان الاستشهاد قال يوسف لمعلمه: "أنظر كيف يتطلع الشعب إليك؟ إنهم ينتظرون أن تصرفهم بسلام وتعود إلى بيتك".

عانقه الأسقف قائلاً: "إنني متهلل يا ابني المبارك، لأنك كسرت فخاخ هذا العالم ودخلت من الباب الضيق المؤدي إلى ملكوت السماوات"، ثم قطعوا رأسيهما ونالا إكليل الاستشهاد في سنة 343م.

استشهاد خصي في القصر الملكي

في نفس تلك الأحداث نال الكثيرون أكاليل الاستشهاد. كان من بينهم خصي في القصر الملكي رفض الذبح للأوثان، فصدر الأمر إلى فاردان Vardan، الذي كان كاهنًا وجحد الإيمان من شدة خوفه أثناء محاكمته، أن يقتله بيديه. تقدم الجاحد إلى الشهيد، ولكن حين وقعت عيناه عليه ارتجف ولم يجرؤ على الاقتراب منه.

فقال له الشهيد: "هل تقدر وأنت كاهن أن تقتلني؟ حقًا إنني مخطئ بدعوتك كاهنًا، فهيا تقدم ونفذ الأمر ولكن تذكر خيانة يهوذا وكيف كانت نهايته". عندئذ تقدم البائس فاردان وبيدين مرتعشتين طعن الشهيد فقتله، وهكذا نال إكليل الشهادة.

Butler, November 20.

نرسِس العظيم الأول الكاثوليكوس الشهيد

في بلاط الملك الأرمني

هو كاثوليكوس الكنيسة الأرمينية Katholikos of the Armenians، وأول من تسمى بهذا الاسم في سلسلة من القديسين، وكان مُصلِحًا عظيمًا، بدأ بأعمالٍ كثيرةٍ أكملها من بعده ابنه اسحق.

نشأ هذا القديس بقيصرية كبادوكيا حيث تزوج، وبعد وفاة زوجته أصبح مسئولاً عن بلاط الملك الأرمني أرشاك Arshak.

كبير أساقفة أرمينيا

في سنة 363م وُضِعت عليه اليد وأصبح كبير أساقفة أرمينيا بالرغم من عدم رغبته في ذلك.

تأثر بالقديس باسيليوس في قيصرية، وفي سنة 365م عقد أول مجمع مقدس في أستيشات Astishat حتى يعيد النظام والقوة لخدمة كنيسته.

كان نرسِس يشجع الرهبنة، وأنشأ مستشفيات، ونشر قوانين كنسية نقلها من اليونانيين. وكان ذلك سببًا في توتر علاقته بالملك.

نفيه

وزاد الأمر سوءً أن أرشاك الملك قتل زوجته أوليمبيا، فحرمه نرسِس، وامتنع عن الحضور في بلاطه. فنفاه الملك وأحضر أسقفًا آخر ليحل محله.

بعد فترة قصيرة قُتِل أرشاك في معركة مع الفرس وعاد القديس إلى كرسيه، ولكنه وجد الملك الجديد "باب Pap" أسوأ بكثير من سلفه.

قتله بالسم

كان باب Pap شريرًا جدًا لدرجة أن نرسِس حرمه من دخول الكنيسة حتى يُصلح طريقه ويتوب عن شروره، فأضمر له الملك الشر وعزم على الانتقام منه. وإذ ادعى التوبة دعا نرسِس إلى وليمة، وهناك قتله بالسم سنة 373م. لذلك يُعد نرسِس من الشهداء واسمه يُذكر في قداس الكنيسة الأرمينية ملقبًا بالعظيم نرسِس.

Butler, November 19.

نسطورويوسابيوس ونِستابُس وزينون الشهداء

كان يوسابيوس ونِستابُس وزينون ثلاثة أخوة مسيحيين، اتُّهِموا بتحطيم معبد وثني في غزة Gaza، فسُجِنوا وجُلِدوا واستشهدوا في زمن الإمبراطور يوليانوس الجاحد في سنة 362م.

وردت سيرتهم في حرف "ز" تحت: "يوسابيوس ونِستابُس وزينون ونسطور الشهداء".

Butler, September 8.

نسطور الأسقف الشهيد

اهتمامه بشعبه

أثناء حكم الإمبراطور ديسيوس Decius سعى بوليو Pollio حاكم بامفيلية Pamphylia وفريجية Phrygia لمداهنة الإمبراطور ونوال الحظوة لديه، فأمعن في تنفيذ فرمان الإمبراطور ضد المسيحيين بكل قسوة ووحشية.

في ذلك الوقت كان نسطور أسقفًا لماجيدوس Magydus الذي نال احترام المسيحيين والوثنيين على السواء وتقديرهم. وإذ كان يعلم أنه بسبب شهرته وصيته سيكون مُستَهدَفًا من قِبَل الحاكم مع ذلك لم يحاول الهروب.

كان كل همّه الاعتناء برعيته الذين عمل على إرسالهم إلى أماكن آمنة بعيدًا عن الخطر، بينما بقي في البيت يصلي من أجل شعبه ومنتظرًا استشهاده.

القبض عليه

في أحد الأيام بينما كان يصلي قيل له أن جنود الوالي جاءوا يطلبونه، فلما رأوه حيّوه باحترام. سألهم القديس: "يا أبنائي ماذا أتى بكم إلى هنا؟" أجابه الجنود: "القاضي والمسئولون يطلبونك". رشم القديس نفسه بعلامة الصليب وسار معهم حتى وصلوا إلى المحكمة، وعندما دخل وقف الجميع احترامًا له، وقاده الجنود إلى مكان يليق بمكانته.

سأله القاضي: "سيدي، ألا تعلم أمر الإمبراطور؟"

أجابه القديس: "أنا أعلم أمر الله القدير السرمدي لا أمر الإمبراطور".

قال له القاضي: "أطِع الأوامر بهدوء حتى لا تُحاكَم"، ولكن الأسقف لم يحد عن رأيه. حذره القاضي فأجابه القديس: "العذابات الوحيدة التي أخشاها هي عذابات إلهي، وكن واثقًا أن بالتعذيب أو بدونه لن أعترف بإله غيره".

إرساله للحاكم

أمام ثباته أدركت المحكمة أنه لابد من إرساله للحاكم. أخذه القاضي إلى بِرجة Perga، ومع أنه لم يكن هناك أحد من أصدقائه وأبنائه إلا أن صيته كان قد سبقه.

في البداية طلب منه الحاكم بلطف ترك إيمانه، وعندما رفض القديس بشدة أمر الحاكم فوضعوه على آلة تعذيب تسمى "الحصان الصغير" little horse. وبينما كان الجلاد يمزق جِنبيه العاريين بخطاطيف حديد كان القديس يرتل: "سأقدم الشكر لله كل الأوقات وسيكون تسبيحه دائمًا على لساني".

سأله الحاكم إن كان لا يخجل من وضع ثقته في إنسان مات مصلوبًا، فرد عليه نسطور: "هذه قضيتي وقضية كل من يدعو باسم الرب". بدأ الجمع يزمجر، فسأله الحاكم مرة أخيرة: "هل ستكون معنا أم مع المسيح؟"، فأجاب القديس بكل ثبات: "مع مسيحي كنت دائمًا، وأنا معه الآن، وسأكون معه دائمًا".

أمر الحاكم بصلبه وتم تنفيذ الحكم، وبينما كان القديس معلقًا على الصليب كان يشجع المسيحيين الواقفين حوله ويثبتهم. وكان عبوره بمثابة انتصار، لأنه حين صرخ نحوهم: "يا أبنائي لنركع ونصلي لله" ركع كل الجمع الواقف سواء كانوا مسيحيين أم وثنيين وصلّوا بينما أسلم القديس روحه، وكان استشهاده سنة 251م.

Butler, February 26.

نسطور المبتدع

بطريرك للقسطنطينية

وُلد في سوريا بمدينة مرعش وتربى في إنطاكية وهناك ترهّب بدير أيروبيوس، وقد تتلمذ على يدي ثيودوروس الميصي. اختير بعدما تم تعليمه ليكون شماسًا ثم قسًا في كاتدرائية إنطاكية، واشتهر بفصاحته وقوة عظاته.

اختاره الإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير ليكون بطريركًا للقسطنطينية، وعند ارتقائه لهذا المنصب الرفيع لم يحتمل عظمة المكانة الذي اختير لها، فسلك بالكبرياء والعظمة وأُعجب بذاته، حتى أنه في إحدى عظاته وجه خطابه للإمبراطور قائلاً:

"استأصل أيها الملك معي الهراطقة، وأنا أستأصل معك جنود الفرس الأردياء.

وبعد أن تقضي على الأرض حياتك السعيدة أضمن لك أخيرًا جنة الخلد في السماء ".

كان نسطور قبل جلوسه على كرسي القسطنطينية مملوء غيرة في الدفاع عن الإيمان المستقيم ضد الهراطقة، ولكنه للأسف تحول سريعًا وسقط في بدعته الشنيعة، وقد كان سقوطه عظيمًا، حتى قال عنه أحد المؤرخين: "إن نسطور حارب جميع الهرطقات ليمهد السبيل لهرطقته".

أقنومان وشخصان وطبيعتان

يمكن تلخيص المبادئ التي نادى بها نسطور في الآتي:

1. جعل في المسيح أقنوميّن منفصلين ومتمايزين، لذلك رفض عقيدة الاتحاد بين الناسوت واللاهوت كاتحاد حسب الطبيعة كاتا فيزين kata fuVin

كما رفض الاتحاد الأقنومي Hypostatic union، أي رفض الوحدة بحسب الأقنوم بكونه اتحادًا يفوق الوصف والإدراك ولكنه اتحاد حقيقي لا يمكن أن ينفصل.

الاتحاد الأقنومي يعني أن أقنوم الله الكلمة هو نفسه الذي وُلد من العذراء أو الذي تجسد من العذراء أو الذي أخذ جسدًا منها. ولهذا يكون في المسيح أقنوم واحد. ولا يوجد اتحاد أقنومي في الوجود كله إلا في تجسد كلمة الله.

2. اعتبار أن العلاقة بين اللاهوت والناسوت هي مجرد اتصال Conjoining ().

3. اعتبار أن الكلمة هو ابن الله، وأن يسوع هو ابن العذراء مريم. كان نسطور ينادي في بدعته أن في السيد المسيح أقنومين وشخصين وطبيعتين، فهو حين يصنع المعجزات يكون ابن الله، وحين يتألم ويجوع ويعطش ويصلب ويموت يكون ابن مريم.

4. اعتبار أن الإنسان مُختار من الكلمة وقد أنعم عليه الله الكلمة بكرامته وألقابه، ولذلك نعبده معه بعبادة واحدة.

أما تعليم القديس كيرلس يقول أنه لا يوجد شخص بشري اتحد به أقنوم الكلمة، وأن كلمة الله بحسب ألوهيته هو غير متألم ولكن ابن الله تألم بالجسد أو حسب الجسد. جاء بشخصه أي أن آلام الجسد هي آلامه هو. وهكذا نسب إلى شخصه الآلام والموت.

بالاتحاد بكلمة الله غير المحدود صار الجسد المحدود يموت نيابة عن الكل... نقل كلمة الله إليه الجدارة أو الاستحقاق. كما أن ما يخص الجسد ننسبه إلى كلمة الله مثل الميلاد والآلام؛ هكذا ننسب غير المحدودية إلى الذبيحة على الصليب.

5. يرفض تسمية السيدة العذراء والدة الإله ويسميها "أم المسيح"... يرفض لقب "ثيئوتوكوس"، قائلاً أنها أم يسوع فقط. كما ينادى بـ "خريستوطوكوس" (والدة المسيح الإنسان).

وبحكم منصبه كبطريرك القسطنطينية وبما له من نفوذ وجبروت بدأ ينشر بدعته الفاسدة في كل مكان مستعينًا ببعض الآباء الكهنة والأساقفة أيضًا.

أما عن الشعب المسيحي في القسطنطينية فإنه لما سمع أقوال نسطور رفضها رفضًا تامًا لعدم اتفاقها مع كلمة الله المقدسة، وبدأوا يثورون ضد نسطور الذي ازداد في عناده وتصلّفه.

كما حضر إليه جمع من الرهبان وبيّنوا له خطأ هذه التعاليم وانحرافها عن الإيمان المستقيم، فغضب عليهم وأمر بحبسهم في الكنيسة، كما أمر أتباعه بنزع ملابسهم وضربهم وإهانتهم، ثم أوثقوهم بعامود وراحوا يضربونهم على بطونهم.

تدخل البابا كيرلس الكبير

ولما اشتد الجدال في القسطنطينية بسبب هذا الأمر وصل الخبر إلى البابا كيرلس الكبير بطريرك الإسكندرية الذي اهتم بالدفاع وتثبيت اللقب التقليدي للعذراء وهو ثيؤتوكوس أي والدة الإله، باعتباره ليس لقبًا مجردًا يكرمها، إنما لأنه يحمل إعلانًا لعقيدة إيمانية جوهرية حول شخص السيد المسيح نفسه، بشأن اتحاد لاهوته بناسوته، مؤكدًا أن هذا هو التعبير واللقب التقليدي والكتابي الذي اختاره أثناسيوس الرسولي.

انتهز البابا كيرلس فرصة عيد الفصح عام 428م وكتب في رسالته الفصحية ما يفند هذه البدعة وأرسلها إلى جميع الكنائس في كل مكان، كما أرسل رسائل كثيرة إلى نسطور، ملأها بالحجج الدامغة والبراهين القوية التي تظهر فساد هرطقته، لعله يقتنع ويرجع عن ضلاله.

وأمام إصرار نسطور على رأيه ومعتقده عقد البابا كيرلس مجمعًا مكانيًا في الإسكندرية من أساقفة الكرازة المرقسية أدان فيه نسطور وشجب كل تعاليمه، وأرسل تقريرًا بما حدث في المجمع إلى سفرائه الموجودين في القسطنطينية وإلى كلستينوس أسقف روما، ثم إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس حين رآه يدافع عن نسطور حاسبًا إياه رجلاً فاضلاً عالمًا.

يقول القديس كيرلس الكبير في رسالته إلى أكاكيوس أسقف ميليتين Melitene:

[إنه يقسِّم الابن الواحد إلى ابنين. واحد منهما - ينظر إليه في انفصال عن الآخر - ويقول عنه إنه ابن ومسيح ورب، إنه الكلمة المولود من الله الآب. أما الآخر، وهو أيضًا في انفصال عن الآخر، يقول عنه إنه وُلد من العذراء القديسة؟ [ (رسالة10: 40)

[عندما كان نسطور يعظ في الكنيسة كان يقول: "لهذا السبب أيضًا يُسمى المسيح (الله الكلمة) لأن له اتصال لا ينقطعUninterrupted conjoining مع المسيح". وأيضا يقول: "إذن فلنحفظ اتصال الطبيعتين الغير مختلِط unconfused conjoining of natures، ولنعترف بالله في الإنسان وبسبب هذا الاتصال الإلهي نوقِّر ونكرم الإنسان المعبود مع الله الكلى القدرة".] (رسالة 40: 12)

من الواضح من الأقوال التي ذكرها القديس كيرلس عن نسطور أن نسطور قد علّم بابنين ومسيحين الواحد منهما الله والآخر إنسان، وقد نتج عن الهرطقة النسطورية أمران خطيران:

أولاً: إنزال يسوع الناصري إلى مرتبة نبي أو إنسان قديس حلّ عليه أقنوم الكلمة بعد أن اختاره بسابق علمه وقوّاه. وقد رفض القديس كيرلس هذا التعليم الذي ظهر أثره بعد ذلك في القرن السابع الميلادي.

ثانيًا: الشِرْك بالله في العبادة بأن يُعبَد إنسان مع الله بعبادة واحدة نتيجة أن الله قد أعطى هذا الإنسان كرامة مساوية لكرامة الله، وهذا قد فتح الطريق لرفض المسيحية بعد ذلك.

أخيرًا قام البابا بعقد مجمع إقليمي آخر في الإسكندرية، عرض فيه كل المحاولات لمقاومة بدعة نسطور والرسائل التي كتبها في هذا الشأن، فكتب الآباء بدورهم لنسطور يوضّحون له اعتقادهم في الإيمان بالسيد المسيح، كما قدّم البابا كيرلس اثني عشر بندًا شرح فيها العقيدة المسيحية السليمة، وحرم فيها كل من يتعدّاها، وهي التي سميت فيما بعد "الحرومات الإثني عشر". إلا أن نسطور احتقر الرسالة والحرومات وقام بكتابة بنود ضدها، وهكذا انقسمت الكنيسة إلى قسمين: الأول يضم كنائس روما وأورشليم وآسيا الصغرى وهذه الكنائس أيّدت البابا كيرلس في رأيه، والثاني يضم كنيستي إنطاكية والقسطنطينية التي هي كرسي نسطور.

مجمع أفسس

أمام هذا الانقسام طلب البابا كيرلس من الإمبراطور ثيؤدوسيوس أن يعقد مجمعًا لدراسة الأمر، فاستجاب الإمبراطور لطلب البابا وأرسل لجميع الأساقفة بما فيهم نسطور لكي يجتمعوا في أفسس، وكان اجتماعهم يوم الأحد 13 بؤونة سنة 147 ش الموافق 7 يونيو سنة 431م. وقد انتهى المجمع بحرم نسطور ووضع مقدّمة قانون الإيمان.

نفيه

وحين وصلت قرارات المجمع إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير ثبّتها، وأمر بنفي نسطور بعيدًا عن القسطنطينية.

قرّر الإمبراطور نفي نسطور إلى ديره الأول أيروبيوس الذي نشأ فيه، كما نفى عددًا كبير من الأساقفة من أتباعه، ومكث هناك في الدير أربع سنوات. غير أنه لم يهدأ بل ظلّ ينفث سمومه بين الرهبان مما أغضب الإمبراطور، فأصدر أمره بإحراق جميع مؤلفاته ونفيه إلى بلاد العرب ثم أخميم، التي كانت عاصمة للإقليم التاسع من أقاليم جنوب مصر الـ22، حيث كان المسيحيون هناك شديدي التمسك بإيمانهم ولا يُخشى عليهم من وجوده مقيمًا بينهم.

ظل مقيمًا هناك حتى مات منبوذًا مكروهًا من الجميع، ودُفن في أخميم سنة 450 م. وقد اعتاد أقباط أخميم أن يرجموا قبره بالحجارة، ويلقوا عليه القمامة والتراب حتى تكوَّن من ذلك كوم أو تل نسطور في النصف البحري الشرقي للمدينة.

المطران الأنبا بيشوي: مذكرات في اللاهوت المسكوني.

نِكتاريوس البطريرك القديس

حين اعتزل القديس غريغوريوس النزينزي رئاسة كرسي القسطنطينية في سنة 381م بعد أن جلس عليه مدة قصيرة خلفه نِكتاريوس في هذا المنصب.

كان من سكان طرسوس Tarsus بكيليكية Cilicia، وقصة اختياره لهذا المنصب طريفة. ذلك أنه أثناء انعقاد المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية عزم نِكتاريوس على زيارة أهله في طرسوس، فذهب إلى ديودور Diodorus أسقف طرسوس - والذي كان حاضرًا المجمع - ليسأله إن كان يريد إرسال أية خطابات إلى طرسوس. حينما وقعت عينا ديودور على نِكتاريوس تأثر جدًا بأخلاقه ونظراته، واقترح علي ميليتيوس Meletius بطريرك إنطاكية أن يخلف غريغوريوس على كرسي القسطنطينية. ضحك ميليتيوس للفكرة، ولكن اسم نِكتاريوس أضيف للقائمة التي قُدِّمت للإمبراطور، ولدهشة الجميع اختار الإمبراطور ثيئودوسيوس نِكتاريوس، مع أنه لم يكن قد تعمّد بعد، ويقال أنه كان أيضًا متزوجًا وله ابن، إلا أن المجمع أقر الاختيار، فتم تعميد نِكتاريوس ثم رسامته.

مقاومة الأريوسيين

جلس نِكتاريوس على كرسي القسطنطينية ستة عشر عامًا، قاوم خلالها الأريوسيين بلا توقف، حتى أنهم في سنة 388م أحرقوا منزله حين انتشرت إشاعة أن الإمبراطور قد توفى في روما. وقد تنيح القديس في 27 سبتمبر سنة 397م، وخلفه القديس يوحنا الذهبي الفم على كرسي القسطنطينية.

Butler, October 11.

نُكيطا الشهيدة

في الثامن عشر من شهر توت تحتفل الكنيسة بتذكار استشهاد القديسة نُكيطا.

نوبي المعترف وأباهور وإشعياء وبولس القديسون

يقول القديس جيروم في كتابه "مشاهير الآباء":

[تقابل أنبا هور مع القديسين إشعياء وبولس بجانب شاطئ النهر الكبير (النيل) وكان الثلاثة أطهارًا ومجاهدين في حياة النُسك. فمضوا لزيارة "معترف" كبير، وهو الشخص الذي يُعذَّب من الوثنيين ولا يُقتل. ولما كانت مسافة السفر طويلة فقد تحدثوا عن مواهبهم وكيف يتمجد الله في حياتهم.

فقال أنبا هور: "أرجو الله من أجل هذه الموهبة (النعمة المعطاة لي) أن نستكمل الرحلة بقوة الروح القدس بدون أي تعب". وبمجرد أن صلى وجدوا مركبًا معدة، وريحًا مناسبة للرحلة، فساروا ضد التيار. وفي فترة قصيرة وجدوا أنفسهم في المكان المقصود.

ولما صعدوا من النهر قال القديس إشعياء: "يا أحبائي نرجو أن يُرسل لنا الأخ ليُقابلنا ويصف لنا سيرته وأعماله". وقال القديس بولس: "لقد كشف الله لي أن الله سيأخذه للسماء بعد ثلاثة أيام، وأن الرجل الذي نذهب لنراه سيرحل من الحياة إلى الأبدية". وفعلاً بعدما ساروا مسافة قصيرة جاء الرجل نفسه وحيّاهم فقال له القديس بولس: "يا أخي اشرح لنا سيرتك وأعمالك لأنه في اليوم الذي يلي الغد ستمضي إلى الرب".

فقال لهم أنبا نوبي Nopi ليتمجد الله الذي كشف لي هذه الأمور وعرفني بمجيئكم لي وعن حياتكم وأعمالكم. وبعدما كشف عن حياة كل منهم وكيف عاشوا وجاهدوا، بدأ أخيرًا يتحدث عن نفسه هكذا:

"منذ اليوم الذي اعترفت فيه باسم الرب يسوع المسيح فادينا وإلهنا، لم تخرج من فمي كلمة شريرة، ولم آخذ أي شيء أرضي..."

د. ميخائيل مكسي إسكندر: بستان القديسين.

نهروه الشهيد

من الفيوم وكان يخاف الله جدًا، ولما سمع بأخبار الشهداء ذهب إلى الإسكندرية ليموت على اسم السيد المسيح، فقيل له في رؤيا: "لابد لك أن تمضي إلى إنطاكية".

وفيما هو يفكر كيف يذهب إلى هناك أرسل له الرب الملاك ميخائيل فحمله على أجنحته من الإسكندرية إلى إنطاكية، وأوقفه أمام دقلديانوس الملك، فاعترف قدامه بالسيد المسيح.

سأله الملك عن اسمه وبلده، ولما عرف أمره تعجب من حضوره بهذه الحالة، وعرض عليه جوائز كثيرة ليرجع عن إيمانه فأبى. ثم هدده فلم يخَف، فأمر الملك بتعذيبه بأنواع كثيرة، فعذبوه تارة بإطلاق الأسود عليه، وتارة بحريق النار، وتارة بالمعصار، وتارة بوضعه في قزان وتوقد النيران تحته. وأخيرًا قطعوا رأسه المقدس بحد السيف ونال إكليل الشهادة.

اتفق حضور القديس يوليوس الأقفهصي هناك وقت استشهاده فأخذ جسده وأرسله مع غلامين له إلى بلده بكرامة عظيمة.

السنكسار، 7 هاتور.

نوفاتوس القس الروماني

يري فيلوستورجيوس أن نوفاتوس شرقي من فريجية، كتب عنه خصمه كرنيليوس أسقف روما في رسالته إلي غابيوس أسقف إنطاكية، أنه لم يكن لائقًا للكهنوت. اتهمه بأنه كذّاب ومزوّر وحقود وغدّار، جاء في رسالته: [اشتهي هذا الرجل الأسقفية منذ زمن طويل. لكنه اخفي هذه الرغبة الجامحة وأبقاها لنفسه فقط، مستخدمًا أولئك المعترفين الذين التصقوا به منذ البداية كستار لتمرده.] اقتطف يوسابيوس المؤرخ فقرات من رسالة كرنيليوس أسقف روما لغابيوس أسقف إنطاكية أورد فيها عدة أخطاء خطيرة سقط فيها نوفاتوس. غير أن كثير من الدارسين يتطلعون إليه كعالمٍ عظيمٍ احتل مركزًا مرموقًا بين رجال الكهنوت الرومان. أتقن الفلسفة الرواقية وعلوم اللغة اللاتينية، وكان بليغًا في الكتابة والخطابة.

شهوة الأسقفية

كان يطمع في الكرسي الروماني، بينما انتخب كرنيليوس وقف له بالمرصاد، تساهل الأخير مع التائبين الذين قدموا للأوثان في اضطهاد ديسيوس. فتشدد نوفاتوس، وانشق عن أسقف روما، وكوّن جماعة احتجت بحفظ الطهارة الأصلية في الكنيسة فدعوا أنفسهم كثاري Katharoi or Cathari أي الأطهار.

انضم إليهم كثيرون من الغرب والشرق وناضلوا لعدة قرون.

عُقد في روما مجمع يضم ستين أسقفًا مع عدد أكبر من الكهنة والشمامسة، وصدر قرار بالإجماع بأن نوفاتوس ومن اشتركوا معه ومن شايعوه في رأيه عديمو الإنسانية، مبغضون للاخوة، ويلزم أن تعتبرهم الكنيسة خارجين عنها.

يري سقراط والقديس جيروم أنه استشهد. وقد كشفت أعمال الحفر في روما عام 1932 عن تمثال له يثبت استشهاده.

أعماله

من بين أعماله الآتي:

1. كتب أول كتاب ضخم باللاتينية عن اللاهوت، يدعي "في الثالوث De Trinitate" في 291 فصلاً تبحث في الله وصفاته، وفي اتحاد الطبيعتين في المسيح، وفي الروح القدس والكنيسة ووحدة الله، ولم يستخدم تعبير الثالوث في هذا العمل.

2. كتب ضد اليهود في الختان والسبت والأطعمة، حيث يطلب تفسير ما ورد في العهد القديم بمفهوم رمزي روحي.

رسالة إلى الاخوة يحرّم فيها الذهاب إلى دور اللهوDe Spectaculis.

3. رسالة في التواضع.

من كلماته

فليكرّس المسيحي المؤمن نفسه لمطالعة الأسفار المقدسة، فيجد فيها مشاهد لائقة بإيمانه. يجد الله يكوِّن العالم، خالقًا لا الحيوانات فحسب بل والإنسان العجيب الذي أجود وأفضل... وإذ تطلع متأملاً في العالم يري البهجة والخراب ومكافأة الأبرار ومجازاة الأشرار. يرى الإيمان يصارع النيران، والأمانة تهدئ حيوانات البرية وتلاطفها، وتقوم النفوس من الموت، والشيطان الذي كان قد انتصر علي العالم صريعًا تحت قدمي المسيح. مشاهد لم ينظمها القضاة والقناصل بل الكائن وحده، القائم فوق كل الأشياء.

نظرته للبتولية

تقديسه الزواج يرى أن البتولية والعفة تفوقان الناموس.

ويرى أن البتولية هي مساواة لصفات الملائكة بل وتفوقها، فإنه عند الملائكة لا وجود للصراع مع الجسد والانتصار علي الطبيعة، فالانتصار علي اللذة هو أعظم من اللذة ذاتها، إذ ليس من نصرة تفوق الغلبة علي النفس.

يوسابيوس القيصري: التاريخ الكنسي 6: 43.

Quasten: Patrology.

نوفير السائح القديس

القديس بفنوتي يلتقي به

عاش في برية الصعيد وقد ذكره القديس بفنوتي المتوحد، الذي حرّكته نعمة الله إلى رؤية عبيده السواح، فأبصر جماعة منهم ومن بينهم أبا نوفير، وكتب سيَّرهم.

الاشتياق المقدس

التهب قلب القديس بفنوتيوس المتوحد برؤية رجال الله السواح، فانطلق من قلايته إلى البرية الداخلية وسار نحو ثمانية أيام حتى فرغ الخبز والماء اللذان يحملهما، لكنه بروح الإيمان قال في نفسه: "تشجّع وتشدّد يا بفنوتيوس لكي تنظر عبيد المسيح إلهنا الصالح، وترى الملائكة الأرضيين، وتنعم بفردوس حياتهم وفضائلهم الإلهية". ثم سار عدة أيام وإذ سقط علي الأرض من الإعياء، ظهر له ملاك علي شكل إنسان ولمس شفتيه فزال عنه التعب والشعور بالجوع والعطش.

سار في رحلته يصلي ويسبح ويشكر الله وتكرر ظهور الملاك مرة أخرى حيث استمر سبعة عشر يومًا. رأى القديس مقبلاً إليه عريانًا لا يستر جسده غير شعر رأسه الطويل ولحيته البالغة إلى ركبتيه، كما كان مؤتزرًا بليف.

حين رآه الأب بفنوتي داخَله الخوف إذ ظنه روحًا، فشجعه القديس بأن رسمه بعلامة الصليب المقدس وصلى الصلاة الربانية، ثم قال له: "مرحبًا بك يا بفنوتي". فلما دعاه باسمه هدأ روعه، ثم صلى الاثنان معًا وجلسا يتحدثان بعظائم الله. فطلب إليه القديس بفنوتي أن يعَّرفه بسيرته وكيف وصل إلى تلك البقعة، فأجابه:

"قبل ستين عامًا مضت ذهبت إلى أحد أديرة صعيد مصر يُسمي جير بريدة (من الأديرة المندثرة التي كانت في منطقة صحراء الأشمونين التابعة لأيبارشية ملوي). طلبت الرهبنة التي اشتقت إليها منذ صغري، وتمنّيت لو كنت واحدًا من أولئك الذين يتركون كل شيء من أجل محبتهم للمسيح.

وكان الدير به مائة وأربعة راهبًا من الشيوخ والشباب، وكنا نحيا معًا حياة مجمعية أو حياة شركة تتسم بالمحبة الكاملة والخدمة الطاهرة. فكان لنا القلب الواحد والنفس الواحدة، وكانت مائدة الأغابي تجمعنا مرة واحدة أسبوعيًا بعد القداس الإلهي يوم الأحد.

كان آباؤنا الشيوخ يسْدون لنا الإرشادات الروحية والنصائح الاختبارية في حياة النسك وفي مواجهة الحروب المختلفة التي كان يثيرها علينا عدو الخير. بل كانوا مثالاً لنا نقتدي بهم في السلوك الرهباني بكل نسكياته وأصوامه وصلواته ومزاميره وقوانينه.

وذات يوم بينما نحن نجلس أمام شيوخنا القديسين في الكنيسة نتعلم منهم الحياة في المسيح، سمعتهم يمدحون حياة الآباء السواح الذين يسكنون البراري الداخلية، مثل إيليا النبي ويوحنا المعمدان، عندئذ اتجهت إلى أحد الشيوخ وسألته:

"يا أبي القديس، هل يوجد في البرية من هم أفضل منكم عند الله، علي الرغم من هذا التعب وهذا الحرص الشديد في حياتكم اليومية، وهذه الأمانة الروحية من أجل محبة الله التي في قلوبكم؟"

قال:

"نعم يا ولدي نوفير. هناك من هم أفضل منا بكثير.

نحن لم نسلك طريق الرهبنة بعد أمام حياتهم النسكية السامية التي فيها يقدمون ذواتهم ذبيحة حب للمسيح له المجد.

فنحن إن ضاق صدرنا وجدنا من يعزينا، وإن مرضنا وجدنا من يفتقدنا، وإن تعرّينا وجدنا من يكسونا.

أما سكان البرية فليس لهم شيء من ذلك ".

السياحة

فلما سمعت هذا اضطرم قلبي شوقًا إلى عيشة السواح. فلما كان الليل أخذت قليلاً من الخبز وغادرت الدير، وتضرّعت إلى السيد المسيح أن يرشدني إلى موضعٍ أقيم فيه، فسهَّل لي طريقي.

أثناء سيري إذا بنورٍ ساطعٍ يشق ستار الظلام من حولي، وظهر لي ملاك. شعرت بالخوف وفكرت في العودة إلى الدير ثانية. ولكن الملاك اقترب مني وقال لي: "لا تخف يا نوفير، هوذا أنا الملاك الذي عيّنه الرب لك منذ ولادتك، وسأكون معك، وأصحبك إلى المكان الذي اختاره لك الرب". ففرحت جدًا وتهللت وغدوت أنشد المزامير بفرحٍ وسرورٍ، واستأنفت المسير، وكان الملاك يسير معي. إذ جعلني ألتقي بقديسٍ أقمت عنده وهو علمني كيف تكون السياحة. وعندما تركته وأتيت إلى هنا فوجدت هذه النخلة وهذه العين، تطرح النخلة اثني عشر عرجونًا (سباطة أشبه بحزمة لفروع البلح) سنويًا يكفيني كل عرجون شهرًا، وأشرب من هذه العين، ولي اليوم ستون سنة لم أرَ وجه إنسان سواك ".

نياحته

في صباح اليوم التالي بينما هما يتحدثان نزل ملاك الرب وأعلم القديس أبا نوفير بقرب انتقاله، وفي الحال تغيّر لونه وصار شبه نار.

خاف القديس بفنوتيوس خوفًا عظيمًا، فبادره الأنبا نوفير قائلاً له:

"لا تخف أيها الحبيب بفنوتيوس،

لأن الرب يسوع المسيح قد أرسلك من أجل هذه الساعة.

أرسلك لكي تهتم بدفن جسدي بعد الموت،

فلقد أعلمني الرب أن اليوم هو يوم عرسي،

يوم انتقالي إلى كنيسة الأبكار السماوية مع الملائكة والقديسين ".

قال له الأنبا بفنوتيوس: "يا أبي القديس، كنت أود أن أسكن هنا في مكان عزلتك، حيث أشتاق إلى هذه الحياة الانفرادية، وأسلك كما سلكت".

علّق الأنبا نوفير قائلاً: "يا أخي بفنوتيوس لم يرسلك الرب يسوع من أجل حياة العزلة الكاملة، ولكن لكي تواري جسدي التراب. عليك يا أخي أن تعود ثانية وتثابر في حياتك، وتجاهد من أجل محبة المسيح، وسوف نلتقي مرة أخري في الملكوت".

إذ كرر القديس بفنوتيوس شوقه للبقاء قال له الأنبا نوفير: "كلا يا أخي الحبيب. لكل إنسان رسالة في حياته علي الأرض من أجل نشر الملكوت. لقد خصّك الله بزيارات القديسين، وكشف حياتهم التي عمل فيها بروحه القدوس. هذه السيّر المقدسة التي تسجلها لأجل مجد اسم المسيح وتسبيحه".

ثم أحنى ركبتيه وسجد للرب، وودَّع القديس بفنوتي، واستودع روحه الطاهرة في يديَّ الآب السماوي. فدفنه القديس بفنوتي في مغارته. ومن العجيب أن النخلة جفَّت وسقطت كما جفَّت العين، وكان ذلك بتدبير من الله كي يعود الأب بفنوتي ويبشر العالم بذكر السواح القديسين الذين رآهم.

من كلماته للأنبا بفنوتيوس

كنت أتوق يوميًا لهذه الحياة المنفردة مع الله. كنت أشعر أنني أريد أن أنفصل عن الكل لكي أتحد بالواحد العظيم القدوس الذي لا نهاية له... لذلك قررت أن أترك الدير، وأنطلق إلى البرية الداخلية، إلى الأعماق مع يسوع.

لقد جعل الرب الوحوش المفترسة تتآنس بي، وتكون رفيقتي ليلاً ونهارًا. فعندما أسير هنا أو هناك تسير خلفي كأنني في حراستها... هكذا عشت هذه السنين ممجدًا الله في تدبيره وفي صلاحه من أجل خلاص نفسي.

السنكسار الأمين، 16 بؤونة.

أمير نصر: القديسان السائحان أنبا نوفير وأنبا تيموثاوس، 1989.

نوميتيوس ورفقاؤه الشهداء

في أول هاتور تحتفل الكنيسة بتذكار استشهاد القديسين مكسيموس ونوميتيوس وبقطر وفيلبس، الذين استشهدوا في أيام ديسيوس الملك.

قد وردت سيرتهم في حرف "ب" تحت: "بقطر الروماني الشهيد".

نوميديكوس المعترف

كاهن من قرطبة في أفريقيا، وكان القديس كبريانوس يعتزم ترقيته إلى درجة الأسقفية، وبالفعل حدّد الكرسي الذي ينوي إقامته عليه.

في زمن اضطهاد الإمبراطور دقلديانوس، رُجِم وأُحرِق وترِك ليموت، إلا أن أخته أنقذته بينما استشهدت زوجته.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. IV, page 62.

نونّا القديسة

وُلدت في نهاية القرن الثالث الميلادي، ومع أنها كانت مسيحية إلا أنها تزوجت غريغوريوس حاكم نيزيانزا في كبادوكيا غير المسيحي.

آمن غريغوريوس بالمسيحية لِما قدمته زوجته من نموذج مشرق للمسيحية، ثم صار كاهنًا ثم أسقفًا وهو الملقب "القديس غريغوريوس النزينزي الكبير" St. Gregory Nazianzen the Elder.

كان لها ثلاثة أبناء: الأكبر القديس غريغوريوس النزينزي الذي صار واحدًا من أكبر آباء الكنيسة الجامعة، والثانية القديسة جورجونيا Gorgonia التي تزوجت وأنجبت ثلاثة أبناء، والثالث القديس سيزاريوس أو قيصاريوس Caesarius والذي كان يشتغل بالطب.

عاشت نونّا بعد وفاة اثنين من أبنائها: جورجونيا التي تنيحت بين ذراعيها وقيصاريوس، ثم توفي زوجها وبعد شهور قليلة تنيّحت بشيخوخة صالحة سنة 374م، فكانت نموذجًا للمرأة الفاضلة التي امتدحها زوجها ودعاها أبناؤها "الأم المباركة".

سبق لنا الحديث عنها أثناء الحديث عن القديسة جورجينا.

Butler, August 5.

نيبوس المبتدع

المُلك الألفي

هو صاحب بدعة المُلك الألفي المادي. كان أسقفًا لإيبارشية أرسينو في الفيوم في القرن الثالث الميلادي وعُرِف بين رعيته بصفات حميدة جعلتهم يحترمونه احترامًا زائدًا.

أخذ هذا الأسقف يعلم شعبه تعليمًا جديدًا ذهب فيه إلى تأكيد اقتراب الوقت الذي يملك فيه المسيح ألف سنة على الأرض كأحد ملوك العالم، مفسرًا ما قيل في سفر الرؤيا عن ذلك تفسيرًا حرفيًا، ووضع كتابًا اعترض فيه على من يقولون بأن أقوال سفر الرؤيا تدخل تحت باب الرموز. وقد أجهد نفسه في إقناع رعيته بذلك المبدأ فقبلوه بدون فحص.

كان هذا الاعتقاد قد عُرِف في عهد العلامة أوريجينوس فقاومه بشدة وأفناه بالمرة مفسرًا الآيات الواردة عن مُلك المسيح ألف سنة أنها تشير إلى الأفراح الروحية المناسبة لطبيعة الأرواح التي تقوم كاملة، وذلك لا يكون في هذا العالم بل في العالم الآتي. إلا أن نيبوس قصد إحياء هذا الاعتقاد مرة أخرى بعد اضمحلاله. وبعد موت نيبوس أخذ رجل اسمه كراسيون مركزه في إذاعة تلك البدعة وهو رجل خبير ذو شرف وسطوة.

موقف البابا ديونيسيوس

لما اتفق للبابا ديونيسيوس أن يفتقد رعيته سنة 255م وقف على هذه البدعة وعرض عليه تابعوها أن يحكم فيها، فاستعمل الحكمة المتناهية وجذبهم إليه باللطف والرقة، وعقد مجمعًا هناك ظل ثلاثة أيام تليت فيه احتجاجات نيبوس، وبعدها كتب البابا ديونيسيوس رسالة ووضع نبذة في "المواعيد الإلهية" دحض فيها تلك الأفكار.

تاريخ الكنيسة القبطية، صفحة 118.

نيرشوس الشهيد

جندي من أرمينيا، آمن بواسطته القديس بولياكتَس Polyeuctus سنة 251م. وقد استشهد القديس نيرشوس سنة 260م.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. IV, page 8.

نيريوس وأكيليوس ودوميتيللا الشهداء

كان نيريوس وأكيليوس خصيين يعملان في منزل دوميتيللا إحدى بنات أخ الإمبراطور دوميتيان Domitian. وقد استشهدوا في عهد الإمبراطور تراجان في القرن الأول الميلادي.

وردت سيرتهم في حرف "د" تحت: "نيريوس، أكيليوس ودوميتيللا الشهداء".

Butler, May 12.

نيسثيروس أو نسطور الأب

اسم لاثنين من آباء البرية المصريين، أحدهما يُدعى "صديق أنطونيوس" والثاني "صاحب الشركة" cenobite، وربما كان الاثنان في الواقع نفس الشخص.

الهروب من روح المجد الباطل

بينما كان الأب نيسثيروس يمشي مع أحد الاخوة في البرية رأى تنّينًا فهرب. فقال له الأخ: وأنت أيضًا تخاف يا أبتِ؟ أجابه الشيخ: "أنا لا أخاف يا ولدي، لكن خير لي أن أهرب، وإلاّ فلن يمكنني أن أهرب من روح المجد الباطل".

ما هو العمل الصالح؟

قيل عن أولهما أن أحد الاخوة سأل شيخًا: "ما هو الشيء الصالح الذي أقدر أن أعمله وأحيا به؟" أجابه الشيخ: "الله يعرف الصلاح. إلاّ أني سمعت أن أحد الآباء سأل الأب نيسثيروس الكبير، صديق الأب أنطونيوس، وقال له: ما هو العمل الصالح حتى أعمله؟ أجابه الأب: أليست كل الأعمال متساوية؟ يقول الكتاب إن إبراهيم كان مضيفًا وكان الرب معه. وإيليا أحب السكون، وكان الرب معه. وداود كان متواضعًا، وكان الرب معه. إذًا، ما تظن أن نفسك تريده وفقًا لمشيئة الله هذا اعمله واحفظه في قلبك".

هذه الإجابة تعلمها من القديس أنبا أنطونيوس.

الصمت

قال الأب يوسف للأب نيسثيروس: ماذا أعمل بلساني الذي لا أقدر أن ألجمه؟ قال له الشيخ: إذا تكلمت هل تشعر بالراحة؟ قال له: لا. فقال الشيخ: إذا لم تشعر بالراحة لماذا تتكلم؟ أليس الأفضل أن تصمت؟ وإذا كنت في مناقشة، فليكن إصغاؤك أكثر من كلامك.

لن أطلب حاجتي من أحدٍ!

رأى أحد الاخوة الأب نيسثيروس يلبس معطفين، فسأله: إذا جاءك فقير وطلب منك لباسًا، أيهما تقدم له؟ فأجابه الأب وقال: المعطف الثاني. فقال الأخ: وإذا جاءك ثالث، ماذا تقدم له؟ قال الشيخ: سأقص الباقي وأعطيه نصفه وأتمنطق بالنصف الآخر. ثم قال له الأخ: وإذا جاءك آخر يطلب ما بقي لك، ماذا تفعل؟ أجابه الشيخ: "سأعطيه ما عندي وأذهب لأقيم في مكان يرسل الله لي فيه ما يسترني به، لأني لن أطلب حاجتي من أحد".

عمل الراهب

قال الأب نيسثيروس:

"على الراهب أن يحاسب نفسه كل مساء وكل صباح: ماذا فعلت مما يريده الله؟ وماذا فعلت مما لا يريده؟ وهذا نحققه طوال حياتنا، لأنه هكذا عاش الأب أرسانيوس، إذ اهتم كل يوم أن يقف أمام الله بدون خطيئة.

هكذا صلِ إلى الله كشخص في حضرة شخص آخر، لان الله حاضر فعلاً.

لا تجعل نفسك مشرّعا ولا تدين أحدًا.

فإنه بالنسبة للراهب كونه يُقْسم أو يحنث أو يكذب أو يلعن أو يشتم أو يضحك يُحسب ذلك غريبًا عنه، لأن من يكرّم نفسه ويرفعها فوق استحقاقها يهلك ".

أما عن الأب نيسثيروس الثاني فقد كانت له مواهب وقوى معجزية. سأله ذات مرة أحد مشاهير رهبان ذلك الزمان واسمه بويمن Poemen أو باستور Pastor عن كيفية حصوله على تلك القوة الروحية. فأجاب الأب نيسثيروس بأنه حين دخل الحياة الرهبانية قال لروحه... بأن الحمار حين يُضرَب لا يجاوب. وهكذا تصرّف وعاش، حتى وصل إلى الحال التي وصفها المرتل في المزمور: "وأنا بليد ولا أعرف. صرتُ كبهيم عندك. ولكن دائمًا معك. أمسكت بيدي اليمنى" (مز73: 22، 23).

زاره القديس يوحنا كاسيان سنة 395م، وسجل معه مناظرتين وهما الرابعة عشر والخامسة عشر سبق لي ترجمتهما. وموضوعهما: المعرفة الروحية De Spiritali Scientia والمواهب الإلهية De Charismatibus Divinis.

لأنه توجد استحالة أن يتفوق الإنسان في كل الأعمال الصالحة التي سبق أن عددتها. فإذا ما اشتاق إنسان إلي اقتنائها جميعًا بدرجة متساوية يصل بالتأكيد إلي هذه النتيجة: بينما هو مجتهد في كل عمل، لا ينجح في أي واحد منها، بل يخسر بدلاً من أن يكسب، وذلك بسبب التغيير والتبديل بينها. ففي طرق كثيرة يتقدم البشر تجاه الله، وهكذا يلزم على كل إنسان أن يكمل ما ثبّت أنظاره تجاهه من غير أن يغير طريقه، حتى يصير كاملاً في طريقة الحياة التي له.

إن أردتم أن تعدّوا قلوبكم هيكلاً للمعرفة الروحية، فنقّوا أنفسكم من آثار كل الخطايا وتخلّصوا من اهتمامات هذا العالم لأن هناك استحالة على النفس التي ترتبك باهتمامات العالم - ولو إلي درجة بسيطة - أن تقتني عطية المعرفة، أو تصير مصدرًا للتفسير الروحي وتجاهد في قراءة الأمور المقدسة.

هكذا نتجنب بكل حرص ممكن الانتفاخ بالمجد الباطل، وبهذا نصير شركاء مع ذاك الذي يمدحه النبي القائل: "فضتهُ لا يعطيها بالربا" (مز5: 15). لأن كل من يوزع كلمات الله بدافع محبة مديح الناس... يكون كمن يعطي أمواله بالربا، ويستحق ليس فقط عدم مكافأة بل عقابًا شديدًا..

التواضع هو سيد كل الفضائل، والأساس الأكيد للبناء السماوي، وعطية المخلص الخاصة السامية. يقدر الإنسان أن يتمم المعجزات التي صنعها السيد المسيح "باسم الرب" من غير خطر السقوط في الكبرياء، حينما يقتفي أثر الرب الوديع، لا في سمو معجزاته بل في فضيلتي الصبر والتواضع. وأما الذي يهدف إلي أن يأمر الأرواح النجسة أو ينال مواهب الشفاء، أو إظهار بعض معجزات الباهرة أمام الشعب، فإنه حتى وإن أظهرها تحت اسم المسيح، إلا أنه بعيد عن السيد المسيح، لأنه بكبرياء قلبه لا يتبع معلمه المتواضع.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. IV, page 46.

منشورات النور: أقوال الآباء الشيوخ، لبنان 1983.

القمص تادرس يعقوب ملطي: القديس يوحنا كاسيان.

نيسيتاس الأسقف القديس

هو أسقف ريميسيانا Remesiana، وهي الآن منطقة تسمى بيلا بالينكا Bela Palenka في صربيا Serbia، الذي استطاع بسكناه في وسطهم وكرازته لهم أن يحوّل أهل المنطقة إلى الهدوء والوداعة بعد أن كانوا متوحشين برابرة.

القليل الذي نعلمه عن سيرة وحياة نيسيتاس هو أنه كان صديقًا للقديس بولينوس St. Paulinus of Nola، وأن القديس جيروم St. Jerome تكلم عنه بكل فخر، ذاكرًا عمله في تغيير طباع الشعب الذي كرز في وسطهم.

تنيّح القديس نيسيتاس سنة 414م.

Butler, June 22.

نيقام الشهيد التائب

هو ابن أحد أراخنة الأقباط، يُدعى بقيرة الصواف، وكان معاصرًا للبابا خرستوذولوس (1046 - 1077م)، وكان مستهترًا للغاية، عاصيًا لوالديه.

إذ انتهره والده في إحدى المرات، ترك البيت وانضم إلى مجموعة من الشباب الأشرار الذين أغروه، فجحد مسيحه، وقطع صلته بوالديه وبالكنيسة، مع أن خاله هو الأنبا جرجس أسقف ميسارة، في نواحي قسقام والقوصية.

توبته

رجع إلى نفسه وأدرك خطورة ما فعله، وقدّم توبة صادقة. التقى بأحد الرهبان القادمين إلى القاهرة لقضاء شئون الدير، فأشار عليه أن يترك القاهرة وينضم إلى أحد الأديرة ليمارس حياة التوبة، وبالفعل ذهب %DI دير الملاك ميخائيل.

شهادته لمسيحه

شعر بندامةٍ شديدةٍ، وكان ضميره يعذبه كيف يجحد إيمانه علانية ويتوب خفية، فصمم أن يشهد لمسيحه وسط الذين أنكره أمامهم. طلب من الآباء الرهبان أن يسندوه بصلواتهم، ثم ودعهم وانصرف.

لبس نيقام زنارًا في وسطه، ووضع صليبًا على صدره، وأخذ يطوف أسواق القاهرة وشوارعها مرتديًا هذه الملابس التي كان يلتزم بها المسيحيون في ذلك الوقت.

تعجب الناس لموقفه وتساءل كثيرون إن كان هو نفسه نيقام الذي أنكر الإيمان. أما هو فقال بكل شجاعة: "نعم أنا هو نيقام، وقد ندمت على ما فعلت، ورجعت إلى إيماني بالسيد المسيح، ولن أرضى به بديلاً". فتجمهر حوله البعض، وألقوا القبض عليه، واقتادوه إلى الوالي لمحاكمته.

في السجن!

حاوره القضاة وحاولوا إثناء عزمه، تارة بالوعود وأخرى بالوعيد، أما هو فكان ثابتًا على إيمانه.

ألقوا به في السجن حتى يتم الحكم بقتله. هناك التقى براهبٍ قديسٍ كان من نزلاء السجن، أخذ يشجعه للشهادة للسيد المسيح حتى الموت.

حاول والده إنقاذه إذ كان على صلة قوية بأحد أمراء جيوش المستنصر. تكلم مع صديقه فأخبره أنه لا طريق لإنقاذه إلا بأن يرسل إليه بعض الأشخاص في السجن فيتظاهر بالجنون، فيشهدون بذلك أمام القضاة ويحكمون بإطلاقه.

أرسل الأمير رجاله إلى السجن، فلم يقبل أن يتظاهر بالجنون، بل بكل تعقلٍ واتزانٍ شهد لمسيحه. دُهش الأمير لموقف نيقام الجريء الشجاع، ولم يكن هناك طريق سوى تنفيذ القضاء عليه.

استشهاده

قاده الجلادون إلى ساحة الاستشهاد بجزيرة الروضة التابعة حاليًا لقسم مصر القديمة بالقاهرة بجوار منيل الروضة. تبعه عدد كبير بين حزينٍ وشامتٍ حتى جاءوا به إلى رأس الجسر، في موقع "كوبرى الملك الصالح" بمصر القديمة حاليًا. هناك نزل رئيس الشرطة المكلف بقتله عن بغلته واستل سيفه، وقال له: "أعطيك هذه البغلة ولجامها المُحلى بالذهب وسرجها النفيس، وأثبت اسمك في ديوان السلطان، وأجعل لك راتبًا ضخمًا إن رجعت عن رأيك يا نيقام".

التفت إليه نيقام وبكل شجاعة قال له: "لو أعطيتني كل مملكة مصر لما أعرته اهتمامًا". اغتاظ رئيس الشرطة، وصفعه على وجهه وكان يلبس خاتمًا في إصبعه، فتورمت عينه في الحال. أما هو فكان بصبرٍ واحتمالٍ يشكر الله.

عاد رئيس الشرطة يهادنه ويقدم له إغراءات جزيلة، أما هو فبكل قوة قال له: "لا تتعب نفسك مع إنسانٍ تأكد أن كل مجد العالم لا يساوي شيئًا يسيرًا من ملكوت السموات الذي يرغب الحصول عليه". ثم صلى ورشم نفسه بعلامة الصليب وجثا على ركبتيه وهو شاخص إلى السماء نحو الشرق.

حاول أحد المؤمنين أن يغطي رأسه حتى لا يجزع من رهبة الموت لكن الجنود منعوه. فناداه قائلاً: "تشجع يا جندي المسيح، فإنني أرى ملاكًا فوق رأسك وبيده إكليل جهادك".

ضرب الجلاد رقبته، فطارت رأسه وسلم روحه في يد مخلصه وهو في الثانية والعشرين من عمره.

نور يشرق على جسده

تُرك جسمه في العراء تحت حراسة مشددة، وفي منتصف الليل ظهر نور عظيم أشرق على الجسد، فذُهل الحراس وارتعبوا.

إذ سمع الخليفة المستنصر بذلك أمر بدفنه، فجاء والد الشهيد نيقام ودفن جسده عند كنيسة الملاك المختارة، بجوار بستان المختار الذي غرسه الأخشيد بجوار مقياس الروضة. استمرت هذه الكنيسة قائمة إلى زمن البابا مكاريوس الثاني (1102 - 1128).

بعد ثلاثة أيام من استشهاده جاء البابا خريستوذولس إلى الكنيسة وأمر بأن يُدفن داخل الكنيسة. وإذ أخرجوه من القبر كشف البابا أكفانه ليتبارك منه ودفنه في مقبرة خاصة داخل الكنيسة بإكرام جزيل.

إذ هُدمت الكنيسة نًقل الجسد الطاهر إلى كنيسة الملاك ميخائيل القريبة من حصن بابيلون.

نبيل فرج ميخائيل: سيرة الشهيد نيقام التائب، مايو 1991.

نيقوستراتُس الشماس

شماس روماني ومن المعترفين، وذلك سنة 253م، وفي الغالب أنه كان في الأصل عبدًا، إذ كان مسموحًا برسامة العبيد بعد موافقة أسيادهم ثم يعقب ذلك إطلاق سراحهم. وفي مجمع ألفيرا Elvira سُمِح برسامة العبيد المعتوقين فقط بعد وفاة مواليهم.

احتمل نيقوستراتُس التعذيب مع مويسيس Moyses وماكسيموس Maximus كما كان مثلهم من الملتصقين بنوفاتس Novatus ومؤمنين بعقيدته. ولكنهم عادوا إلى إيمان الكنيسة الجامعة، وسافر نيقوستراتُس مع نوفاتس إلى قرطبة Carthage لدفع هذه العقيدة.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. IV, page 42.

نيقوستراتُس الشهيد

قائد primiscrinius في روما عاش حوالي سنة 287م.

ورد اسمه في سيرة القديس سيباستيان Sebastian إذ آمن بواسطته بينما كان يحتجز القديسين ماركوس Marcus ومارسيليانوس Marcellianus. وقد نال فيما بعد إكليل الشهادة.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. IV, page 42.

نيقولاوس الأسقف القديس

نشأته

كان من مدينة مورا أو باتارا Patara بليكيا Lycia إحدى مقاطعات آسيا الصغرى، وكانت ميرا Myra العاصمة قريبة من البحر، وهي مقر كرسي أسقفي.

اسم أبيه أبيفانيوس وأمه تونة، وقد جمعا إلى جانب الغنى الكثير مخافة الرب، ولم يكن لهما ولد. ولما شاخا تحنن الله عليهما ورزقهما هذا القديس الذي امتلأ بالنعمة الإلهية منذ طفولته. ربّياه والداه تربية حسنة، ونشأ تحت رعاية الكنيسة في نقاوة القلب. وفي سن الخامسة بدأ يتعلم العلوم الكنسية، ويومًا بعد يوم أضاءت تعاليم الكنيسة عقله وحمَّسته إلى التدين السليم.

في تلقيه العلم أظهر من النجابة ما دلَّ على أن الروح القدس كان يلهمه أكثر مما كان يتلقى من المعلم، فقُدِّم شماسًا.

رهبنته

ترهب في دير كان ابن عمه رئيسًا عليه، فعاش حياة النسك والجهاد والفضيلة حتى رُسِم قسًا وهو في التاسعة عشر من عمره. وأعطاه الله نعمة عمل الآيات ومنها إخراج الشياطين وشفاء المرضى، وكان يبارك في الخبز القليل فيشبع منه عددًا كبيرًا.

أعمال الرحمة

توفي والداه وهو شاب تاركين له أموالاً وثروة، فقرر أن يكرّس ميراثه في أعمال الرحمة.

سرعان ما حانت له الفرصة لتحقيق اشتياقه، ذلك أن أحد رجال باتارا فقد كل أمواله لدرجة أنه لم يجد ما يقتات به. وكان عليه أن يزوج بناته الثلاث، إلا أنه لم يستطع ذلك بسبب فقره، فنوى الرجل البائس أن يسلمهن لأعمال الدعارة. حين سمع القديس نيقولا بهذا الأمر أخذ مائة دينار وجعلها في كيس وتحت ستار الظلام ألقاه من شباك منزل الرجل، الذي لما انتبه من نومه ووجد الكيس فرح كثيرًا وزوَّج بهذا المال ابنته الكبرى.

ثم كرر القديس نيقولاوس (نيقولا) نفس الأمر مع الابنة الثانية. ولما جاء دور الابنة الثالثة كان الأب يسهر ليراقب ويتعرَّف على شخصية هذا المحسن الكريم. لبث ساهرًا في المرة الأخيرة وحالما شعر بسقوط الكيس وسط منزله لم يأخذه بل أسرع إلى خارج البيت ليرى من الذي ألقاه فعرف أنه القديس نيقولاوس، فخرَّ عند قدميه وشكره كثيرًا لأنه أنقذ فتياته من فقر المال وما كن يتعرضن له من الضياع.

أسقف ميرا

قبل انتخابه لرتبة الأسقفية رأى ذات ليلة في حلم كرسيًا عظيمًا وحلة بهية موضوعة عليه وإنسانًا يقول له: "البس هذه الحلة وأجلس على هذا الكرسي".

رأى في ليلة أخرى السيدة العذراء تناوله بعضًا من ملابس الكهنوت والسيد المسيح يناوله الإنجيل.

ولما تنيّح أسقف مورا اجتمع الإكليروس والشعب لاختيار الأسقف الجديد. فظهر ملاك الرب لرئيس الأساقفة في حلم وأعلمه بأن المختار لهذه الرتبة هو نيقولاوس، وعرَّفه عليه. ولما استيقظ أخبر الأساقفة بما رأى فصدقوا كلهم الرؤيا وعلموا أنها من السيد المسيح، ثم أخذوا القديس ورسموه أسقفًا على مورا.

اشتهر الأسقف بقداسته وغيرته وصنع الكثير من المعجزات. وقد تحمل الحبس من أجل الإيمان واعترف اعترافًا حسنًا في نهاية فترة اضطهاد دقلديانوس، كما حضر مجمع نيقية المسكوني الأول وحرم الأريوسية.

سجنه

ملك دقلديانوس وأثار عبادة الأوثان. ولما قبض على جماعة من المؤمنين وكان القديس نيقولاوس يُعتَبر رئيس المسيحيين في المدينة وكان يعظ ويعلم الشعب عن حقائق الإيمان بكل شجاعة، قبض عليه الوالي هو أيضًا وعذبه كثيرًا عدة سنين، وكان السيد المسيح يخرجه من العذاب سالمًا ليكون غصنًا كبيرًا في شجرة الإيمان.

ولما ضجر منه دقلديانوس ألقاه في السجن، فكان وهو في السجن يكتب إلى رعيته ويشجعهم ويثبتهم. ولم يزل في السجن إلى أن مات دقلديانوس.

وحين مَلَك الإمبراطور قسطنطين البار أطلق سراح المسجونين ومن بينهم القديس نيقولاوس الذي عاد إلى كرسيه في ميرا.

غيرته على الإيمان

ويقول القديس ميثوديوس Methodius أنه بسبب تعاليم القديس نيقولاوس كان كرسي ميرا هو الوحيد الذي لم يتأثر ببدعة أريوس.

وحين كان القديس نيقولاوس حاضرًا مجمع نيقية تَحَمَّس ضد أريوس ولطمه على وجهه، فقرر الآباء على أثر ذلك أن يعزلوه من رتبته وقرروا حبسه، إلا أن السيد المسيح والسيدة العذراء ظهرا له في السجن وأعاداه إلى حريته ورتبته.

كان القديس يأخذ مواقف حاسمة ضدهم وضد الوثنية. من ضمن معابدهم التي دمرها كان معبد أرطاميس، وهو المعبد الرئيسي في المنطقة، وخرجت الأرواح الشريرة هربًا من أمام وجه القديس.

اهتمام القديس بشعبه

من القصص التي تُروَى عن اهتمام القديس بشعبه أن الحاكم يوستاثيوس Eustathius أخذ رشوة ليحكم على ثلاثة رجال أبرياء بالقتل. وفي وقت تنفيذ الحكم حضر القديس نيقولاوس إلى المكان وبمعجزة شلَّ يد السياف وأطلق سراح الرجال. ثم التفت إلى يوستاثيوس وحرَّكه للاعتراف بجريمته وتوبته. وكان حاضرًا هذا الحدث ثلاثة من ضباط الإمبراطور كانوا في طريقهم إلى مهمة رسمية في فريجية Phrygia، وحين عادوا إلى القسطنطينية حكم عليهم الإمبراطور قسطنطين بالموت بسبب وشاية كاذبة من أحد الحاقدين.

تذكَّر الضباط ما سبق أن شاهدوه في ميرا من قوة حب وعدالة أسقفها، فصلّوا إلى الله لكي بشفاعة هذا الأسقف ينجون من الموت. في تلك الليلة ظهر القديس نيقولاوس للإمبراطور قسطنطين وهدده إن لم يطلق سراح الأبرياء الثلاثة.

في الصباح أرسل واستدعاهم للتحقيق معهم، وحين سمع أنهم تشفعوا بالقديس نيقولاوس الذي ظهر له، أطلق سراحهم في الحال وأرسلهم برسالة إليه طالبًا منه ألا يهدده بل يصلي من أجل سلام العالم.

ظلت هذه القصة لمدة طويلة من أشهر معجزات القديس نيقولاوس.

ولما أكمل سعيه انتقل إلى الرب في ميرا، ودفن في كاتدرائيتها. وكانت أيام حياته تقترب من الثمانين سنة، منها حوالي أربعين سنة أسقفًا.

سانتا كلوز

بعد نياحته كان الكثيرون يتخذونه شفيعًا لهم، وكان المسيحيون في ألمانيا وسويسرا وهولندا يتبادلون الهدايا باسمه في عيد الميلاد المجيد.

انتشر هذا التقليد في أمريكا بعد ذلك بفعل البروتستانت الهولنديين، إلا أنهم حَوّلوا صورة القديس إلى صورة ساحر أسموه سانتا كلوز Santa Claus = Sint Klaes = Saint Nicholas.

Butler, December 6.

نيقولاوس الشماس

بدعة النيقولاويين

هو أحد الشمامسة السبعة الذين اختارهم الآباء الرسل (أع5: 6) وكان دخيلاً إنطاكيًا، وإليه تُنسب بدعة النيقولاويين التي أشار عليها سفر الرؤيا مرتين. ومعلوماتنا عن النيقولاويين ضئيلة للغاية، فقد قيل أنهم أباحوا أكل ما يذبح للأوثان، وشجعوا العبادة الوثنية، كما أُتهموا بأن يقولون بأن الله ليس هو الذي خلق العالم ونسبوا عمل الخلق إلى قوى أخرى. كما نُسِب إليهم أنهم نادوا بمبدأ الاختلاط بالنساء في غير ارتباط بالزوجية، وأنهم كانوا يعيشون حياة خليعة مستهترة.

انفصاله عن زوجته

ثمة رواية شائعة عن نيقولاوس رواها لنا أبيفانيوس، وهي أن نيقولاوس كان متزوجًا بامرأة ذات جمالٍ بارعٍ كان يهيم بحبها، فلما أصبح مسيحيًا أراد أن يسلك حياة البتولية لأفضليتها، فانفصل عن زوجته بعد أن اتفق معها. لكنهما ما لبثا أن عادا وعدلا عن حياة الفرقة، واستأنفا حياتهما الزوجية. فلما رأى نيقولاوس سلوكه منتقدًا، أراد أن يبرر نفسه فأخذ ينادي بتعاليم منافية للحق والطهارة، وأسلم ذاته لحياة الشر والخلاعة واقتدى به غيره، وهكذا تكونت منهم طائفة. وقد صادق على هذه الرواية بعض آباء الكنيسة وعلمائها الأوائل من أمثال إيريناوس وترتليان وهيلاري أسقف بواتييه وايرينيموس وغريغوريوس أسقف نيصص.

الكنيسة في عصر الرسل، صفحة 267.

نيقوميدس الشهيد

القديس نيقوميدس أحد شهداء كنيسة روما، ويقال أنه استشهد في زمن الإمبراطور ماكسيميان.

طُلِب منه أن يبخر للأوثان، فأجاب قائلاً أنه لا يعبد إلا الله الكليّ القدرة وحده. فانهالوا عليه ضربًا وجلدًا بعنفٍ لمدة طويلة حتى أسلم الروح ونال إكليل الاستشهاد.

Butler, September 15.

نيكارتي العذراء القديسة

علاقتها بالقديس يوحنا الذهبي الفم

كانت سيدة مسنة من القسطنطينية، نَمَت في حياة القداسة أثناء حُكم الإمبراطور أركاديوس. كانت أصلاً تنتمي إلى عائلة كريمة من نيقوميديا، وتركت بلدها إلى القسطنطينية حيث كرست نفسها لأعمال الخير.

يقال أنها عالجت القديس يوحنا الذهبي الفم حين كان مريضًا، وأنه أراد أن يقيمها شماسة وتشرف على العذارى المكرسات في المدينة، إلا أن نيكارتي لم تَقبَل أيّهما.

كانت القديسة من المدافعين الأقوياء عن ذهبي الفم، لذلك اضطُهِدَت مع القديسة أوليمبياس Olympias وغيرهما من المخلصين الذين نُفوا جميعًا نتيجة لذلك. ومن غير المعروف أين ومتى تنيّحت، إلا أنه من المرجح أن يكون ذلك سنة 410م في موطنها الأصلي نيقوميديا.

Butler, December 27.

نيكاسيوس الأسقف ورفقاؤه الشهداء

نهب مدينة رهيمس

غزا جيش من البرابرة جزءً من بلاد الغال Gaul وعزموا على نهب مدينة رايمس Rheims. إذ أُعلِن له في رؤيا، أَخبَر نيكاسيوس الأسقف شعبه في المدينة عن ذلك الغزو طالبًا منهم الاستعداد بأعمال التوبة. وحين رأى الأعداء على الأبواب وفي الطُرُق، لم يعد يهتم بنفسه بل كان يتجول من بيت إلى آخر يشجع ويثبت أولاده الروحيين. وحين سأله الشعب إن كان يجب عليهم أن يستسلموا أو يحاربوا حتى النهاية، أجابهم، إذ كان يعلم أن المدينة سوف تسقط، قائلاً: "دعونا نثبت في مراحم الله ونصلي من أجل أعدائنا، وإني مستعد أن أضع نفسي من أجل شعبي".

استشهاده

وقف القديس على باب الكنيسة قاصدًا حماية البعض من شعبه ومُعَرِّضًا نفسه لسيوف الأشرار الذين في النهاية قطعوا رأسه. واستشهد بجانبه تلميذاه فلورنتيوس Florentius وجوكوندوس Jucundus. إذ رأت أخت القديس نيكاسيوس، واسمها يوتروبيا Eutropia استشهاد أخيها اشتهت أن تنال نفس نصيبه، ألقت نفسها على قاتل أخيها وأخذت تركله بقدميها وتضربه حتى قطع رأسها هي الأخرى، وكان استشهادهم حوالي سنة 451م.

Butler, December 14.

نيكاندر وماركيان الشهيدان

عاش نيكاندر وماركيان في القرن الرابع الميلادي في الغالب في ديوروستورُم Durostorum ببلغاريا Bulgaria وخدما لفترة في الجيش الروماني، ولكن حين صدرت مراسيم اضطهاد المسيحيين تركا الجندية، فكان ذلك سببًا في القبض عليهما ومحاكمتهما ثم استشهادهما.

قد وردت سيرتهما في حرف "م" تحت: "نيكاندر وماركيان الشهيدان".

نيكون الأب

كيف يجرّب الشيطان القديسين؟

سأل أخ الآباء قائلاً: كيف يجرّب الشيطان القديسين؟ قال له الشيخ: كان أحد الآباء واسمه نيكون يقيم في جبل سيناء، فحدث أن رجلاً زار خيمة أحد الفرانيتيين فرأى ابنته وحدها فسقط معها وقال لها: قولي أن الراهب نيكون فعل بي هكذا. فلما عاد أبوها وعلم بما جرى، حمل سيفه ومضى إلى الشيخ نيكون. فلما قرع الباب خرج الشيخ. مدّ سيفه ليقتله، فيبست يده.

مضى الفرانيتي وقال للكهنة، وهؤلاء أرسلوا إلى الأب نيكون يطلبون منه أن يأتي. وبعد أن أشبعوه ضربًا أرادوا أن يطردوه، فتوسل إليهم قائلاً: اتركوني هنا حبًا بالله لكي أتوب. ففصلوه عن الشركة ثلاث سنوات ومنعوا كل إنسان من زيارته. فقضى هذه المدة وهو يأتي كل يوم أحد تائبًا وكان يتوسل إلى الجميع قائلاً: صلّوا لأجلي. بعد ذلك، حدث أن من ارتكب الذنب وألقى بالتهمة على الراهب أن دخله شيطان، فاعترف في الكنيسة: إنني أنا الذي فعلت ذلك، وقد وشيت بعبد الله واتهمته.

فمضى كل الشعب للاعتذار للشيخ قائلين: سامحنا يا أبانا وأمكث معنا.

قال لهم: "أمّا من جهة المسامحة، فها قد سامحتكم، أمّا من جهة بقائي، فلن أبقى معكم لأنه لم يوجد واحد منكم يتمتع بالتمييز لكي يتعاطف معي". وهكذا رحل عنهم. فقال الشيخ: أترى الآن كيف يجرِّب الشيطان القديسين؟

منشورات النور: أقوال الآباء الشيوخ، لبنان 1983.

نيكيتاس القوطي الشهيد

اضطهاد الملك أثاناريك للمسيحيين

كان من الألمان القوط، وقد ولد بالقرب من ضفاف نهر الدانوب، وتحول إلى المسيحية في صباه على يد أولفيلاس Ulfilas أحد المبشرين العظام لهذه المنطقة، والذي يرجع إليه الفضل في ترجمة الكتاب المقدس إلى لغة القوط، ثم قام برسامة القديس نيكيتاس كاهنًا.

في سنة 372م، بدأ الملك أثاناريك Athanaric ملك القوط الشرقيين بحملة على الإمبراطورية الرومانية أعلن فيها الاضطهاد على المسيحيين. فأحضر وثنًا ووضعه على عربة وأمر أن يُمَر بالعربة على البلاد التي يُظَن أنه يسكنها مسيحيون، وكل من يرفض السجود للوثن كان يُقتَل في الحال. وكان أسلوب القتل هو حرق المسيحي مع أولاده في منزلهم أو في الكنيسة التي كانوا يجتمعون فيها.

استشهاده

محترقًا وكان من ضمن صفوف الشهداء الذين مجدوا الله في هذه الظروف هو القديس نيكيتاس، الذي خَتَم على إيمانه وطاعته لله بسفك دمه، وبموته بالنار عبر إلى الحياة الأبدية منتصرًا على الخطية، وكان استشهاده في سنة 375م.

لهذا القديس مكانة خاصة في كلاّ من الكنيسة البيزنطية والكنيسة السريانية.

Butler, September 15.

نيلامون الأسقف

احد الأساقفة الذين أقامهم البابا ألكسندروس البطريرك السكندري، ونفاه الأريوسيون إلى أمونياكا Ammoniaca في زمن البابا أثناسيوس.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. IV, page 43.

نيلامون الحبيس القديس

البابا ثيؤفيلس في قرية جير

بينما كان الأنبا ثيؤفيلس البابا السكندري الثالث والعشرون عائدًا إلى الإسكندرية من زيارة رعوية قامت عاصفة هوجاء اضطرت القبطان إلى تسيير المركب بمحاذاة الشاطئ الشرقي وإرسائها عند قرية صغيرة اسمها "جير" تقع شمال الفرما بحوالي خمسين غلوة. ومن عجب أن أسقف المنطقة كان قد انتقل إلى الفردوس قبل ذلك بأيام قليلة، فلما نزل البابا ليتفقد شعبها جاءه الجميع لينالوا بركته وليطلبوا إليه أن يرسم لهم الحبيس نيلامون أسقفًا. وكان هذا الزاهد قد قضى السنوات الطويلة في إحدى المغارات الطبيعية المتناثرة في الصحراء الشرقية بتلك المنطقة. على أن الناسك الذي ترك العالم ليخلو بنفسه مع الله كان قد وضع أكوامًا من الحجارة عند مدخل عزلته كي يمنع أي شخص من الوصول إليه، وبهذا أعلن صراحة رغبته في التوحد، وقضى هذه السنوات الطويلة من غير أن يخرج مرة واحدة.

اختيار نيلامون أسقفًا

رأى الكهنة والشعب في وصول البابا إليهم على غير انتظار علامة سمائية على اختيار الله لهذا الناسك، فذهب البابا معهم إلى مغارة نيلامون وناداه باسمه قائلاً: "يا أخي نيلامون اسمع لنداء باباك، إن الصوت الجماعي للشعب هو تعبير عن إرادة الله. فباسمه المجيد وبصفتي بطريركًا مسئولاً عن تأييد انتخاب الشعب لأساقفته أرجوك أن تقبل رعاية شعب منطقة جير الذي أولاك ثقته ومحبته، وها أنا هنا الآن فأقيم الشعائر المقدسة لسيامتك".

أمهلوني أربعة وعشرين ساعة!

تشجع المجتمعون بكلمات البابا واقتحموا الحواجز ودخلوا المغارة واحتاطوا بالناسك الحبيس وحملوه خارجًا قدام الأنبا ثيؤفيلس، فأخذ نيلامون يحتج طورًا ويستعطف مرة أخرى على رجاء أن يتركوه لعزلته لأنه لا يستحق هذه الكرامة العظمى. ومع كل هذا الاحتجاج وهذا الاستعطاف ظل الشعب يلح وظل البابا يسانده في إلحاحه، أخيرًا استجمع نيلامون أنفاسه وقال: "أمهلوني أربعة وعشرين ساعة فقط لأهيئ نفسي لهذا الرجاء".

صلوات تجنيز عوض السيامة

عاد البابا والشعب معه في اليوم التالي وأمر نيلامون بالخروج، فأجابه من الداخل: "بكل سرور ولكن فلنُصلِّ أولاً كلنا معًا". وسقط الجميع على ركبهم وارتفعت أصواتهم نحو السماء بحرارة، وبينما الكل يصلون رقد القديس رقدته الأخيرة دون أن يدرك أحد ماذا حدث. وطالت الصلوات وبدأ النهار يميل دون أن يخرج رجل الله، فأمر البابا الواقفين أن يزيلوا ما تبقى من الحجارة أمام الباب، ونفذوا الأمر ودخلوا إلى المغارة يتقدمهم البابا بنفسه، فوجدوا القديس راقدًا على الأرض وذراعاه ممدودتان على شكل الصليب وعيناه متجهتان نحو السماء وقد شعَّ وجهه بالنور والسلام. وبدلاً من رسامته أقام البابا عليه صلوات التجنيز.

السنكسار الأمين، 27 هاتور.

نيلوس الأسقف الشهيد

✥ كان أسقفًا مصريًا استشهد مع بيليوس الأسقف وإيليا الكاهن ورجل علماني في 19 سبتمبر سنة 310م بالقرب من بترا.

وردت سيرتهم في حرف "ب" تحت: "بيليوس الشهيد".

نيلوس السينائي القديس

منذ زمن طويل يوجد خلَط بين القديس نيلوس السينائي ونيلوس الكاتب.

✞ تلميذ القديس يوحنا الذهبي الفم

كان أحد تلاميذ القديس يوحنا الذهبي الفم، وُلد في غلاطية، إذ تحدث عن القديس أفلاطون Plato شهيد أنقرة وزملائه.

✞ عمل بعض الوقت حاكمًا لمدينة القسطنطينية، وكان متزوجًا وله ابنان. إذ شعر برغبة جارفة لحياة الوحدة استقال من وظيفته واتفق مع زوجته على الابتعاد عن العالم، فقصد برية سيناء حوالي سنة 390م ليترهب آخذًا معه ابنه ثيؤدولُس Theodulus. ومن جبل سيناء كتب رسالتين إلى الإمبراطور أركاديوس Arcadius مدافعًا عن القديس الذهبي الفم ومعترضًا على نفيه من القسطنطينية.

✞ أسر ابنه:

بعد عدة سنوات اجتاح الأعراب Saracens صحراء سيناء وذبحوا العديد من الرهبان وأسروا ابنه الشاب ثيؤدولُس أما هو فنجا بأعجوبة. وأخذ نيلوس يبحث عن ولده حتى وجده عند أسقف Eleusa جنوب بئر سبع Beersheba، كان قد اشتراه حتى يحرره من الأسر وأعطاه عملاً في الكنيسة. وقبل أن يطلقهما إلى سيناء مرة أخرى رسمهما ذلك الأسقف كاهنين.

عادا إلى سيناء واستأنفا حياتهما النسكية إلى أن تنيح بسلام سنة 430م. وقد ترك كتابات في مواضيع مختلفة، في أغلبها كتابات في النسك والفضائل وبعض تعليقات على الكتاب المقدس.

رسائله تُقدم لنا معلومات عن الوثنية التي كانت لا تزال قائمة.

بعض الكتابات تُنسب إليه خطأ وهي لآخرين مثل القديس أوغريس.

طُبِعت سلسلة من مقالات قصيرة عن الصلاة بالإنجليزية سنة 1954م في "الآباء الأولون من الفيلوكاليا" Early Fathers from the Philokalia. كما كتب عدة رسائل مازال الكثير منها موجود للآن.

✞ من أقواله:

✥ الصلاة برعم الوداعة وعدم الغضب.

✥ الصلاة دواء للفتور والأحزان.

✥ لكي تتمكن من الصلاة دون ارتباك، اذهب وبع كل ما لك وأعطه للمساكين ثم احمل صليبك وأنكر نفسك.

✥ إن كل ما تتأمل فيه وأنت صابر ستجني ثمره ساعة الصلاة.

✥ إذا أردت أن تصليّ كما يجب لا تُحزن أحدًا، وإلاّ فأنت تسعى عبثًا.

✥ لا ترغب في أن تأتى الأمور وفقًا لما تتمنى، إنما وفقًا لمشيئة الله، وهكذا تكون بدون اضطراب ولا همّ ومسرورًا في صلاتك.

✥ هنيئًا للراهب الذي يحب السكون، لا يمكن لسهام العدو أن تجرحه. أمّا من يتدخل في كل شيء فإنه سيحتمل جراحات مستمرة.

✥ هنيئًا للراهب الذي يعتبر نفسه نفاية الكل.

✥ العبد الذي يهمل عمل سيده فليُعد نفسه للضرب بالسياط (لو47: 12).

نيمفودورا الشهيدة

استشهدت في بيثينية Bithynia أثناء حكم الإمبراطور مكسيميان Maximian، مع شقيقتيها مينودورا Menodora ومترودورا Metrodora.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. IV, page 63.

نيميا الشهيدة

استشهدت في أوجسبورج Augsburg مع هيلاريا Hilaria والدة القديسة أفرا St. Afra، وعدد آخر من النساء الشهيدات.

تُعيِّد لها الكنيسة الغربية في الثاني عشر من شهر أغسطس.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. IV, page 45.

نيميسيان ورفقاؤه الشهداء

في السنة الأولى من الاضطهاد العام الثامن الذي أثاره الإمبراطور فالريان سنة 257 م، نَفَى حاكم أفريقيا القديس كبريانوس الأسقف، وفي نفس الوقت ثار حاكم نوميديا Numidia بعنف ضد المسيحيين، فعذَّب الكثير منهم وأرسل آخرين للعمل في المناجم والمحاجر. كان من ضمن هؤلاء المجموعة المباركة تسعة أساقفة وعدد من الكهنة والشمامسة ومن عامة الشعب من كل الأعمار والطبقات. وقد سيق البعض منهم لتعذيبهم وقتلهم، ولكن أغلبهم ماتوا نتيجة التعذيب ببطء بالجوع والعري والمعاناة والإجهاد في العمل والضرب والهزء مع الأمراض التي أصابتهم في أسرِهِم.

كتب القديس كبريانوس من منفاه إلى هؤلاء المعترفين ليثبتهم في الإيمان، وردَّ عليه المعترفون - وعلى رأسهم الأسقف نيميسيان - يشكرونه على رسالته التي أعانتهم وشجعتهم على تحمل الألم والمعاناة والحبس، متذكرين شجاعته حين وقف بمجدٍ يعترف بالإيمان في مجلس الحاكم ثم تقدَّمهم نحو النفي. ثم يختمون رسالتهم طالبين صلواته عنهم قائلين: "دعنا نعين بعضنا البعض بالصلوات، حتى يرسل الله ومسيحه كل جنوده الملائكة العون لنا جميعًا".

Butler, September 10.

نيميسيوس ورفقاؤه الشهداء

استشهاده وسط اللصوص وفاعلي الشر

أثناء اضطهاد الإمبراطور ديسيوس Decius، قُبِض على نيميسيوس، وكان مصريًا، في مدينة الإسكندرية بتهمة السرقة. استطاع نيميسيوس إثبات براءته لكن اتُهِم بأنه مسيحي، فأُرسِل إلى حاكم مصر حيث اعترف بإيمانه، وحُكِم عليه بالجلد ضعف ما يناله اللصوص. بعد ذلك صدر الأمر بحرقه حيًا مع مجموعة من اللصوص وفاعلي الشر، فكان يقدم الشكر لله الذي سمح له بالتشبه بموت المخلص على الصليب بين لصين، وهكذا نال إكليل الشهادة.

محاكمة أربعة مسيحيين آخرين

في نفس محاكمة نيميسيوس في الإسكندرية، حوكم أربعة مسيحيون آخرون هم أرسانيوس Arsenius وهارون Heron وإيسيذورس Isidore وديسقورسDioscorus. وكان ديسقورس حدثًا في الخامسة عشر من عمره، لاطفه القاضي في بادئ الأمر محاولاً إغرائه لترك إيمانه، ولما فشل في ذلك عذبه بأنواع كثيرة، ولما لم يلن بأيٍّ من الطريقتين أطلق سراحه لصغر سنه آملاً أن يغير رأيه مع الوقت. أما زملاؤه الآخرون فبعد تعذيب شديد أُحرقوا أحياء.

استشهد القديس نيميسيوس في التاسع عشر من شهر ديسمبر سنة 250م وباقي الشهداء في الرابع عشر من ديسمبر.

قصة اضطهاد ميوريس وثيا

في نفس المجال يذكر ألبان بتلر Alban Butler قصة ميوريس Meuris وثيا Thea. وهما امرأتان من غزة Gaza بفلسطين، تعذبتا على يد خلفاء دقلديانوس، فاستشهدت ميوريس على يد مضطهديها بينما عاشت ثيا فترة بعد أن اجتازت سلسلة من العذابات المميتة.

Butler, December 19.

نينو العذراء القديسة

الأسيرة المتهللة

يروي روفينوس أنه في بداية القرن الرابع الميلادي كان في مملكة جورجيا Georgia عذراء أسيرة. ففي الطريق من روما اجتاز رسل ميريان Mirian ملك جورجيا Georgia قرية بجوار روما بها دير للعذارى يُسمى أغاثونيكا، حيث وجدوا عذراء منفردة خارج الدير تسمى نينو (ثاؤغنسطا)، أُعجبوا بها فخطفوها.

لم تشعر الراهبة المسبية بالمذلة، ولم تكن متذمرة لما حدث لها ولا لمرارة الغربة، لكنها بروح الفرح والشكر حملت سلامًا فائقًا وهدوءً عجيبًا، فقد تدرّبت منذ صباها أن تتمتع بالحياة السماوية.

صارت تمارس عملها كجارية لدى بيت أحد الشرفاء ببهجة قلب ورضى، فكانت سيدتها وكل العاملين في القصر وكل أقربائهم وأصدقائهم يدهشون لما تحمله هذه الأسيرة العجيبة من سلامٍ فائقٍ وابتسامةٍ دائمةٍ، وكأنها تعيش في فردوس، لا ينقصها شيء قط.

وهبها الله نعمة في عيني سيدتها فأقامتها رئيسة على العاملات بالقصر، أما هي فكان قلبها متعلقًا بالحياة السماوية، تمارس نسكها وصلواتها بجهادٍ عظيمٍ. كسبت نينو محبة سادتها، الرجل وزوجته وأولاده، حتى الخدم والجواري كانوا يجدون سعادة في الحديث معها. شعروا بجاذبية خاصة من نحوها.

صارت نينو موضع حديث الجميع. وشعر الكل أنها أسعد شخص في كل دولة جورجيا. كان لها تأثيرها الفعَّال على الشعب لعفتها ورزانتها وللوقت الطويل الذي كانت تقضيه في الصلاة ليلاً ونهارًا، وكانوا حينما يحاورونها ويسألونها عن إيمانها كانت ترد بكل بساطة أنها تعبد المسيح كإله.

الإله المرعب

كانت نينو بمرارة تتطلع إلى سادتها، فقد لاحظت أن أهل جورجيا جميعًا يتقدمون كل صباح ومساء يعبدون الإله المرعب Amazi، الذي حمل سيفًا لكي يحارب ليهب دولة جورجيا النصرة. وكانوا يظنون أنه يملك قوة الشمس الواهبة الحياة. لم يكن أحد منهم يجسر أن يلمس تمثاله البرنزى وإلا تعرض للموت.

لقد انعكست هذه العبادة على حياة كل مواطني جورجيا، حتى الأطفال، ففي لعبهم كانوا يحاربون بعضهم بعضًا. يصنعون سيوفا من خشب ليقاتلوا بعضهم بعضًا متشبهين بإلههم إله الحرب. كانت المشاكل الأسرية قد تفشت في جورجيا بسبب روح العداء التي تربوا عليها منذ نعومة أظافرهم.

أما نينو فكان قلبها المتهلل يئن من أجل خلاص أهل جورجيا، وقد لاحظوا أنها لا تقدم ذبائح دموية ولا تحمل سمات الرعب والخوف التي تظهر على وجوههم، خاصة أثناء ممارستهم للعبادة.

لم تكف نينو عن الصلاة من أجل خلاص أهل جورجيا، بل ومن أجل خلاص العالم كله. كانت بابتسامتها وسلامها الداخلي وسلوكها المسيحي تشهد لمسيحها مخلص العالم. كانت تدهش كيف سحب عدو الخير قلوب البشرية ليتعبدوا لإله محارب لا يعرف إلا العنف، ويسجدوا للشمس بكونها واهبة الحياة. كيف لم يختبروا عذوبة المسيح واهب السلام خالق الشمس!

إذا ما سأل أحد هذه الأسيرة عن سرّ فرحها، كانت تحدثهم عن شخص رب المجد يسوع من العهدين القديم والجديد وعن الوعود الإلهية الفائقة. دُهش كثيرون إذ سمعوا أن إلهها إنما هو مخلص ليس لها فقط ولشعبها بل ولكل العالم، وأنه مختلف تمامًا عن إلههم المرعب.

شفاء طفل مريض

في أحد الأيام دخلت سيدة من الأشراف والدموع تزرف من عينيها، وكانت نفسها مُرّة للغاية. التقت بالسيدة صاحبة البيت، وسألتها أن تصنع معها خيرًا بأن تسمح لها أن تلتقي بالأسيرة نينو.

جاءت نينو بروح الوداعة والتواضع، وإذ رأت السيدة الضيفة وقد انهمرت دموعها، لم تحتمل المنظر فتسللت الدموع من عينيها، تشارك السيدة آلامها. في مرارة قالت لها السيدة:

"لقد سمعت عنك أيتها الأخت المباركة نينو. كنت أود منذ شهور أن التقي بك وأطلب منك الصلاة عن طفلي الوحيد، ولكنني ترددت أولاً لأن إلهك غريب عن بلدنا. لقد خشيت غضب آلهة جورجيا علىّ وعلى أسرتي، ومن جانب آخر فإني أعلم أنكِ جارية أسيرة غريبة فلم يدعني كبريائي أن أطلب منكِ شيئًا!

طفلي وحيدي أصيب بمرض منذ شهور، فذهبت إلى أشهر طبيب في جورجيا، لكنه قال لي أن مرضه مُستعصى لا يمكن شفائه، حطمني بروح اليأس.

أنتِ تعلمين أن لدينا عادة أنه إذا مرض طفل تحمله والدته وتقدمه من بيت إلى آخر تسأل عن علاج له. لقد أخذت طفلي وزرت كثير من البيوت، أطلب في مرارة من الكل أن يبحثوا لي عن علاج لطفلي، لكن باطلاً قد تعبت كل هذه الشهور.

دخلت به المعابد أتوسل من الكهنة أن يسألوا إله جورجيا كي يشفي طفلي. والآن قارب ابني من الموت. سمعت الكثير عنك، فأخبريني ماذا أفعل؟ إنه إن مات سأموت معه؛ فما الفائدة من حياتي بدونه؟ "

لم تحتمل نينو أن تسمع هذه الكلمات الخارجة من نفس مُرّة، فكانت دموعها لا تجف، ولكن بروح الرجاء تطلعت إلى الأم المسكينة وقالت لها:

"سيدتي، لا أستطيع شفاء طفلك، فليس لديَّ أية خبرة بالأدوية، ولا بفنون الشفاء.

ما أتستطيعه هو أن أصلى من أجله، فإن يسوع المسيح قادر على شفاء كل الأمراض حتى الميئوس منها.

إن كان لك إيمان، فإن إلهي الرب يسوع المسيح، هو طبيب النفوس والأجساد قادر وحده أن يشفيه. أتؤمنين به؟ "

وبقولها ذلك قامت نينو بلف الطفل في ردائها الخشن ثم ركعت لتقدمه للرب يسوع وأخذت تصلى، ثم أعطت الطفل ثانية لأمه، وقد شفي من مرضه.

آمنت السيدة بالطبيب السماوي، وتكرمت نينو في أعين سادتها الذين شعروا بقوة إلهها واهب الصحة والحياة. وعادت الأم الشاكرة لله، وأعلنت إيمانها وتبعيتها لرب المجد يسوع المسيح.

دعوة ملكة جورجيا لنينو

انتشر خبر هذه المعجزة، فلم يكن ممكنًا للسيدة والدة الطفل أن تصمت عن عمل السيد المسيح واهب الشفاء. كانت ملكة جورجيا مريضة، وكانت تعانى من آلام مستمرة ولم يستطع أحد من الأطباء أن يشفيها.

وفي إحدى زيارات بعض الأشراف للملكة، قالت لها إحدى الشريفات:

"سيدتي صاحبة الجلالة. أما سمعتي عن السيدة التي تمرّرت نفسها لمدة شهور بسبب مرض طفلها الوحيد؟ لقد صلّت جارية أسيرة مسيحية لابنها وقام إله المسيحيين بشفائه فورًا. لماذا لا تستدعين نينو فتصلي لأجلك وتشفين؟"

شعرت الملكة ببارقة أمل يملأ قلبها، وكأن شعاعًا قد أشرق في أعماقها التي حطمها ظلام اليأس. هزت الملكة رأسها وهى تقول: "لقد جربت كل أطباء جورجيا، والتجأت إلى الآلهة ولم أُشفَ! لأجرب الأسيرة الغريبة الجنس نينو".

استدعت الملكة أحد الخدم وطلبت أن يسرع ويحضر نينو إلى القصر الملكي، ويدخل بها إلى حجرتها الخاصة. تعجب الخادم لماذا تطلب الملكة جارية غريبة، وها هو كثير من الخدم والحشم يشتهون خدمة الملكة، لكن في طاعة كاملة خرج الخادم من القصر متجهًا إلى المنزل الذي فيه تخدم هذه الأسيرة.

رفض الدعوة الملوكية

كان الخادم في طريقه إلى نينو يفكر متسائلاً: "ترى كيف تستقبل هذه الأسيرة هذه الدعوة الملوكية لزيارة الملكة في جناحها الخاص؟ حقا إنه لحلم جميل لن تصدقه! هل سيطلب سادتها الحضور معها لينعموا بالدخول إلى جناح الملكة؟ لو طلبوا ذلك فهل تسمح لهم الملكة بالدخول معها؟"

هذه الأسئلة وما على شاكلتها كانت تدور في فكره طوال الطريق. وإذ بلغ المسكن طلب من سادتها أن يلتقي مع نينو إذ لديه رسالة خاصة من قبل الملكة. رحب الكل به، والتقت نينو برسول الملكة. في بشاشة قال الرسول: "أيتها العزيزة نينو، إن جلالة الملكة تريد اللقاء معك، فهي على سرير مرضها تنتظر قدومك في جناحها الخاص!"

بوجه باش تطلعت نينو وقالت له: "سيدي، أرجو إبلاغ سيدتي الملكة بأنني أعيش حياة الصلاة في اعتزالٍ وليس لي سلطان أن أترك المنزل. فإن أرادت فمرحبًا بها في حجرتي المتواضعة".

صُدم الرسول بهذه الإجابة، ولم يكن من حقه المناقشة وإنما في خجلٍ شديدٍ شعر بفشل رسالته. وعاد إلى الملكة يخبرها بما قالته نينو.

زيارة ملوكية

إذ سمعت الملكة رسالة نينو اندهشت، فإن كثير من العظماء والأشراف يشتاقون أن يتمتعوا بمثل هذه الدعوة، والآن جارية مسبية لا تريد أن تترك بيت سيدها لتحضر في القصر الملكي وتكون في صحبة الملكة. لم تغضب الملكة من أجل رفض نينو أن تحضر إليها بل علت جدًا في عينيها، وأدركت أنها لا تطلب مجدًا زمنيًا ولا كرامة بشرية. بسرعة قررت الملكة الذهاب إلى نينو، فطلبت من رجال القصر أن يهيئوا لها هذه الرحلة. انتقلت الملكة إلى نينو التي وجدت فيها شخصًا بشوشًا متهللاً بالروح. تلامست مع تواضعها العجيب، وتحدثت الاثنتان معًا كصديقتين.

أكدّت لها نينو أنها خاطئة، ولا قدرة لها على عمل شيء، لكن بالإيمان يمكن أن تنال الشفاء خلال عمل السيد المسيح طبيب النفوس والأجساد. استراحت نفس الملكة وتعلّق قلبها بشخص الرب يسوع بعد أن سمعت عنه الكثير من نينو. ووقفت الاثنتان تصليان، وأشرق الرب بنوره في قلب الملكة وتمتعت بالصحة الجسمانية.

عندما حاولت الملكة شكرها ومجازاتها على إحسانها أجابتها القديسة أنها لم تفعل شيئًا من ذاتها ولكن إلهها يسوع المسيح هو الذي شفاها، وأنه هو الله الذي خلق العالم كله. انطلقت الملكة إلى قصرها لا يشغلها أمر سوى أن يتمتع الملك ورجال البلاط وكل الشعب بحب المسيح مخلص كل البشرية.

غضب آلهة جورجيا

كان يومًا مشهودًا حين دخلت الملكة القصر وهي متهللة بالروح. استقبلها الملك بفرحٍ شديدٍ وصار كل من في القصر كمن يحتفل بعيدٍ، لا يتحدثون إلا عن شفاء الملكة. أقيمت الولائم، وجاء العظماء يهنئون الملك والملكة بسلامة صحة الملكة. أما الملكة فكان قلبها مرتفعًا إلى السماء، وفكرها مشغولاً بخلاص الناس.

إذ حلّ المساء التقى الملك ميريان Mirian مع زوجته الملكة فروت له كل ما حدث ما، وكيف تمجد الله فيها. تأثر الملك جدًا قائلاً: "يليق بنا أن نقدم لنينو ذهبًا وهدايا ثمينة". عندئذ أجابته الملكة: "إن نينو لا تطلب شيئًا من هذا الغنى. كل ما يمكننا أن نقدمه لها هو أن نعبد الرب يسوع الذي شفاني بصلواتها". سألته الملكة أن يترك عبادة إله الحرب والإله الشمس، وأن يفتح قلبه لله الحي الذي أرسل كلمته متجسدًا لخلاص كل أحد.

بدأ قلب الملك ينسحب نحو الحياة السماوية وتذوّق عذوبة الحب الإلهي الفائق، لكنه تطلع إلى زوجته في شيء من الحزم وهو يقول لها:

"لست أحرمكِ ممن شفاكِ من المرض.

أنت حرة، لك أن تتعبدي ليسوع المسيح مخلصك.

أرجوك لا تكرزي به.

لئلا تغضب آلهة جورجيا، وتحل علينا لعنتهم ويثور الشعب ضدّنا!

إننا لا نقدر أن نقف أمام غضب الآلهة ".

لم يرَ الملك أنه توجد ضرورة أن يعبد إلهًا جديدًا، لكن الملكة وقد ذاقت مع شفاء جسدها عذوبة الحياة الجديدة وشفاء نفسها كانت على الدوام تذكره بالسيد المسيح. أما هو فكان يضطرب جدًا، وكانت المخاوف تملأ أعماقه لعل آلهة جورجيا تغضب وتحل اللعنة على الشعب بسبب التعبد لإله غريب.

في حزم شديد طلب الملك ميريان أن تتوقف زوجته عن الحديث عن الرب يسوع، بل وأخذ موقفًا مقاومًا للذين قبلوا الإيمان به.

في وسط الضباب

حدث بعد مدة قصيرة خرج الملك للصيد إذ كانت هذه هي رياضته المفضلة. تاه الملك في وسط الضباب أثناء رحلة الصيد وشعر بأن حياته قد صارت في خطر. تذكر "يسوع المسيح" مخلص العالم، فأقسم أنه إن كان هذا المسيح هو الله وأرشده إلى طريق العودة فسيؤمن به. في الحال اختفى الضباب، وحلّ السلام في قلبه، وشعر كأن إشعاعات حب الرب يسوع قد ملأت أعماقه، وسحبته إلى الحب الإلهي. وعاد الملك سالمًا إلى قصره وكأنه قد نال صيدًا فريدًا، فقد اقتنى الإيمان بذاك الذي له سلطان على السماء والأرض.

التقى بزوجته الملكة وأخذ يبشرها بعمل السيد المسيح في قلبه، وأعلن لها رغبته في تكريس كل طاقات الدولة للكرازة بمخلص العالم.

نينو الكارزة

استدعت الملكة الأسيرة العجيبة نينو لتبشرها بعمل السيد المسيح في حياة الملك، وما قد عزم الملك على عمله لحساب ملكوت الله.

أراد الملك ميريان في غيرته أن يدعو الشعب للإيمان الجديد غصبًا مستخدمًا السيف، لكن نينو تدخّلت لتعلن له أن الكرازة لن تتحقق بالسيف بل بقوة الإنجيل. حاول الكرازة بوضع ضريبة عالية على غير المؤمنين، أما نينو فكانت تحثّه ألا يفعل ذلك. استطاعت نينو بحبها ووداعتها وصبرها أن تكسب نفوسًا كثيرة لحساب الملكوت. تحدّثت مع الملك في صراحة كاملة. أخبرته بأن مملكة السيد المسيح سماوية روحية، لذا لا يليق إلزام الشعب بالإيمان بالقوانين ولا بوضع ضرائب على غير المؤمنين.

كانت نينو ترشد الملك وزوجته روحيًا، ثم أعلن الملك لشعبه دينه الجديد وأعطى للقديسة حق التبشير والتعليم. انطلقت يد نينو للعمل بكل قوة للكرازة العلنية وكان القصر الملكي ورجال الدولة يسندونها إذ رأوا نعمة الله عاملة في حياتها. بدأت تكرز من مدينة إلى أخرى بجورجيا، بل وانطلقت إلى خارج جورجيا تشهد للسيد المسيح، فكسبت شرفاءً وفلاحين وتجارًا وعبيدًا، كما كسبت الملكة ونساء القصر الملكي.

أرسل الملك إلى قسطنطين ليرسل أسقفًا وكهنة إلى جورجيا للخدمة بعد أن بدأت المسيحية تنتشر فيها على يدي هذه الأسيرة العجيبة.

الراهبة نينو (ثاؤغنسطا) الأم

كانت القديسة نينو اليد اليمنى للأسقف في الكرازة خاصة بين النساء وخدمتهن. وإذ كانت المؤمنات يتعلقن بها جدًا التف حولها كثير من العذارى، حيث أقيم لهن دير لتعيش الأم نينو معهن في حياة ملائكية.

بناء كنيسة

خلال غيرة الملك المتقدة أعلن أنه سيقوم ببناء كنيسة من أخشاب شجر حديقته الفاخرة. وبالفعل بدأ العمل وقطع العمال شجرة ضخمة جدًا وهيأوا لتكون العمود الرئيسي للكنيسة. تم وضع الأساسات، وإذ حاول العمال رفع العمود على القاعدة لم يستطيعوا بأية وسيلة. وضاعف الملك عدد العمال، ومع هذا لم يستطيعوا رفع العمود. عاد الكل في المساء وهم في حالة إحباط. دخلت نينو إلى مخدعها وبدأت تصلي طوال الليل حتى لا يُصاب الملك بإحباط وهو يبنى أول كنيسة في جورجيا. في الصباح ذهب الملك ورجاله إلى موقع البناء. وكم كانت دهشتهم إذ رأوا نورًا يشع من العمود الذي تحرك وانتقل أمام الجمع واستقر على قاعدته دون أن يلمسه أي إنسان.

تم بناء الكنيسة بسهولة عجيبة، وبدأت نينو ومن حولها يشهدون للإيمان المسيحي، والتهب قلب الملك شوقًا أن ينال العماد هو وشعبه.

لم تعش نينو طويلاً في الدير إذ سمح لها الرب بمرض لتتنيّح في السابع عشر من شهر توت حيث يُحتفل بعيد الصليب المجيد.

روى روفينوس هذه القصة نقلاً عن أمير أسباني اسمه باكور Bakur كان قد قابله في فلسطين قبل بداية القرن الخامس، وتُرجِمت قصته إلى اليونانية والسريانية والأرمينية والقبطية والعربية والأثيوبية.

بعد أن كسبت الآلاف من النفوس وقدمت لهم غنى حب المسيح عادت إلى قرية في جورجيا حيث رقدت في الرب في عام 338م.

بعد نياحتها أقيمت كنيسة بجوار قبرها، صارت مزارًا لكثير من المسيحيين. وبعد موت الملك ميريان والملكة صار ابنهما ملكًا، هذا كان يشهد لمخلصه وقد اجتذب كثيرين للإيمان.

نينيان الأسقف القديس

زيارته روما

كان من أصل شريف وكان والده قائدًا في جيش مملكة Cumbrian في جزيرة بريطانيا Britain، وإذ كان والده مسيحيًا فقد عمَّد ابنه وهو صغير. أراد الصبي أن يزور روما، فعبر البحر إلى القارة وانضم إلى فوج من القادمين إلى المدينة، فوصلها نحو سنة 370م في زمن رئاسة الأسقف داماسوس Damasus.

الأسقف الكارز

بعد أن أمضى عدة سنوات في روما دارسًا الكتاب المقدس والتعاليم المقدسة، سيم أسقفًا سنة 394م بيد الأسقف سيريسيوس Siricius، وأُرسِل كأسقف إلى الجزء الغربي من بريطانيا حيث لم يكن الإنجيل معروفًا أو كان معروفًا بطريقة مشوّهة غير سليمة.

من هناك كتب للقديس مارتان St. Martin at Tours الذي أرسل له حجارة بنى بها كنائس حسب النظام الروماني، ثم عاد إلى موطنه حيث بنى كنيسته في ويترنا Witerna حاليًا Whithern in Wigtonshire، وأثناء ذلك وصلته أخبار نياحة القديس مارتان (سنة 397م).

كانت المنطقة الأساسية التي خدمها الأسقف نينيان هي الجزء الأوسط من شرق اسكتلندا، عاملاً وسط جماعة البرابرة الذين كانوا قد قاوموا الرومان أيام حكم أجريكولا Agricola. وقد اشتهرت مدرسته الرهبانية في كمبريا Cumbria وأيرلندا وظلت من أهم مراكز التعليم المسيحي المبكر إلى أن خربت المدرسة وكرسي الإيبارشية بهجمات البريطانيين Britons والساكسونيين Saxons.

تنيح القديس نينيان سنة 432م، وتعيِّد له الكنيسة الغربية في السادس عشر من شهر سبتمبر. وفي العصور الوسطى كان قبره من المزارات التي يزورها الكثيرون.

تعتبر الفترة التي عاش فيها هذا القديس من الفترات الهامة في تاريخ الكنيسة الغربية، فبينما كان في الشرق يعيش ويعاني من أجل الإيمان القديسون باسيليوس وغريغوريوس ويوحنا الذهبي الفم، عاش في الغرب قديسون يعملون على توضيح تعاليم الكنيسة مثل القديسون جيروم وإمبروسيس وأغسطينوس. وفي الغرب كان القديس مارتان يؤسس في تور Tours النظام الرهباني الذي أثبت جدارة شديدة في نشر المسيحية في بريطانيا.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. IV, page 45.

نيكيتا الأب

شيطان الخصام

قال الأب نيكيتا أن أخوين قرّرا أن يقيما معًا. ففكر الواحد منهما في نفسه أنه مهما يريد أخي أفعله. والآخر فكر نفس الشيء بقوله: "سأفعل مشيئة أخي". عاش الاثنان معًا سنوات كثيرة بمحبة كبيرة. فرأى العدو هذا فخرج ليفصل بينهما. فوقف عند الباب الخارجي فبدا للواحد كحمامةٍ، وللآخر كغرابٍ. فقال الأول: هل ترى هذه الحمامة؟ قال الثاني: إنه غراب. ثم شرع الاثنان بالخصام كل واحدٍ مؤكدًا وجهة نظره. ثم تشابكا وافترقا وصار هذا فرحًا عظيمًا للشرير.

بعد ثلاثة أيام، عاد كل منهما إلى نفسه وتأمل فيها بهدوء وصنع كل واحدٍ للآخر مطانية واعترفا أمام بعضهما بما بدا لكل منهما. ولما فهما حرب العدو مكثا حتى النهاية معًا دون أن يفترقا.

منشورات النور: أقوال الآباء الشيوخ، لبنان 1983.

نيولا سادونيتا المعترفة

✥ القبض عليها:

في عام 1975 ألقيَ القبض على نيولا سادونيتا، في جمهورية ليتوانيا التابعة للاتحاد السوفيتّي. كانت هذه البتول تهتم بخدمة المرضى وعلاجهم، كما عاونت في طبع ونشر جريدة تدعو إلى الحرية، وكانت تقوم بتوزيعها علانية، فألقت المخابرات السوفيتية القبض عليها.

وهي في قفص الاتهام قالت نيولا:

"إنني أحبكم جميعًا كما لو كنتم اخوتي.

وأريد أن أُضحي بنفسي من أجل الإيمان بالله...

إنني أعرف بأنه مقبوض عليّ بسبب الجريدة التي كنت أقوم بتوزيعها. ومن حقكم القبض عليّ، لأن الجريدة تكشف عن الجرائم التي يرتكبها الملحدون ضد المؤمنين بالله. وهذه هي العلّة أنكم تبغضون كل من يرفع القناع الغاش والحجاب الذي تختبئون وراءه ".

✥ نفي العذراء:

صدر الحكم بنفيها لمدة ستة أعوام في سيبريا. فاقتادها الجنود إلى عربة قطار خاصة بالمساجين وسط حراسة مشددة، واستمرت في السفر والتنقل لمدة أربعة أسابيع متواصلة حتى بلغت المعتقل وقد أصابها الإرهاق الشديد والضعف الجسدي.

✥ أعمال شاقة في المعتقل:

كُلفت نيولا بأعمال صعبة في مصنع زجاج، وقد أثر الغبار الصادر من تقطيع الزجاج على صدرها حتى أنهكت قوتها الجسدية. أُسند إليها صناعة القُفّازات، وكانت تلتزم بعمل 70 زوجًا يوميًا، تبدأ العمل السادسة صباحًا حتى العاشرة مساءً لكي تنجز المطلوب منها. وفي نفس الوقت كانت بمحبتها تخدم السيدات المسنّات في المعتقل دون النظر إلى معتقداتهن، إذ كان قلبها متسعًا للجميع.

✞ في منطقة بوجوشاني:

إمعانًا في تعذيبها نُقلت إلى بوجوشاني في عربات خاصة بالمساجين. بلغت الموضع بعد 27 يومًا قاست خلالها أمراضًا صعبة دون أن تجد أية رعاية صحية. أُصيبت بالتهاب رئوي حاد، وبالتهاب في الأذن، بجانب ما كانت تعانيه من لدغات الحشرات بسبب عدم النظافة. وفي هذا كله كانت تقدم ذبيحة شكر للسيد المسيح الذي أهلها أن تشاركه آلامه.

✞ في منطقة صحراوية:

شعر رجال الأمن بأن هذا العمل مريح بالنسبة لها فشرعوا في نقلها إلى منطقة صحراوية رديئة السيرة. هناك عانت من مرضٍ شديدٍ، حيث ارتفعت درجة حرارتها فأصيبت بالتهابات شديدة، فأعيدت إلى عملها في المدرسة.

وفي عام 1980 تم الإفراج عن هذه البطلة التي قبلت الآلام بشكر من أجل إيمانها بالسيد المسيح.

المحتويات



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

قاموس القديسين و الشخصيات حرف ه

قاموس القديسين و الشخصيات حرف م

قاموس القديسين و الشخصيات حرف ن
قاموس القديسين و الشخصيات حرف ن

المحتويات