قاموس القديسين و الشخصيات حرف ك

هذا الفصل هو جزء من كتاب: قاموس القديسين و الشخصيات التاريخية. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.


ك

كابراسيوس الأسقف الشهيد

أسقف آجن

عاش في القرن الثالث وكان أول أسقف لمدينة آجن Agen حين بدأ داكيان Dacian اضطهاد المسيحيين (راجع سيرة "فيث Faith الشهيدة") هرب معظمهم من المدينة، وخرج معهم أسقفهم كابراسيوس ليهتم برعايتهم. ومن مكان اختبائه كان شاهدًا على تعذيب الشهيدة فيث، وحين رأى المعجزات التي أجراها الله معها نزل من مكان اختبائه إلى مكان استشهادها، ووقف أمام داكيان ليوبّخه.

مقاومته لداكيان

سأله داكيان عن اسمه فأجاب بأنه مسيحي وأسقف ويدعى كابراسيوس. أُعجب به داكيان ووعده بعطايا وهدايا إن هو جحد الإيمان، فأجابه القديس بكل ثبات أنه لا يريد أية عطية سوى أن يحيا مع إلهه، وإن أعظم هدايا وكنوز يحصل عليها هي التي لا تفنى.

عذاباته

سلّمه داكيان للمعذبين، وكان ثباته مؤثرًا لكل الموجودين، فأمر الحاكم بإلقائه في السجن. في اليوم التالي حُكِم عليه كابراسيوس بالموت، وفي الطريق إلى ساحة الاستشهاد تقابل مع أمه التي شجعته على الثبات في الإيمان. ثم انضمت إليه ألبرتا Alberta أخت فيث وشابان شقيقان هما بريموس Primus وفيليسيان Felician، وكانوا كلهم مصمّمين على الاستشهاد معه رغم كل المحاولات من الحاكم لإثنائهم عن ذلك. أخيرًا سيقوا كلهم إلى معبد ديانا في محاولة أخيرة لإقناعهم بالذبح هناك، وإزاء رفضهم قُطِعت رؤوس الجميع ونالوا إكليل الشهادة.

قد أعقب استشهادهم مذبحة عنيفة لجماعة كبيرة من الوثنيين أعلنوا إيمانهم بالمسيح حين رأوا ثبات كابراسيوس ورفقاءه، فكان الجنود يعملون سيوفهم فيهم بينما أخذ الواقفون يرجمونهم بالحجارة حتى استشهد عدد كبير منهم.

Butler, October 20.

كابراسيوس القديس

كان الأب الروحي والمرشد للقديس هونوراتُس Honoratus of Lérins وكان رجلاً عالمًا، هذا ترك أمجاد العالم ليحيا حياة الوحدة والتعبّد في بروفنس Provence. زاره في وحدته هونوراتُس وشقيقه فينانتيوس Venantius - وكانا حينذاك شابين في مقتبل العمر - ليتعلّما منه حياة الكمال. إذ آمنا أنهما قد دُعيا مثل إبراهيم أب الآباء ليتركا أهلهما ومدينتهما اتجها إلى بلاد المشرق، ورافقهما في الرحلة كابراسيوس.

كانت رحلتهم شاقة، واِعتَلَّت صحتهم بسبب ما تحمّلوه من أتعاب، وعند مودُن Modon باليونان توفي فينانتيوس، وبعدها عاد رفيقاه إلى بلاد الغال، وفي جزيرة صحراوية تدعى ليرين Lérins عاشا حياة آباء الصحراء. تجمّع حولهما تلاميذ كثيرون حتى بنى لهم هونوراتُس ديرًا لسكناهم ووضع لهم نظامًا وترتيبًا لحياتهم انتشر بعد ذلك في بلاد كثيرة.

ومع استمرار كابراسيوس أبًا ومرشدًا لهونوراتُس إلا أنه لم يصر رئيسًا للدير، وقد تنيّح سنة 430م.

Butler, May 1.

كابريولُس الأسقف

هو أسقف قرطاجنة ويرتبط اسمه في التاريخ بمجمع أفسس الذي انعقد سنة 431م، إذ أنه حين لم يستطع السفر إلى المجمع بسبب هجمات البربر كتب رسالة إلى المجمع يشرح فيها الإيمان المستقيم. وقد قُرِأت هذه الرسالة مع أخرى من سيليستسن Celestine أسقف روما وثالثة من القديس كيرلس بابا الإسكندرية في المجمع، وحين قُرِأت رسالة كابريولُس علَّق القديس كيرلس قائلاً: "هذا هو ما نقوله كلنا وهذه هي رغبتنا كلنا"، واعتُبِرت الرسالة من ضمن أعمال المجمع.

تنيّح الأسقف كابريولُس سنة 435م، إما في يوم 21 أو 30 من شهر يوليو.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. I, page 400.

كابيتولينا الشهيدة

شهيدة من كبادوكيا، اعترفت أمام الحاكم أن مسكنها هو أورشليم السمائية وأن آباءها هم معلمو المسيحية الذين كان من بينهم الأسقف فيرميلان Firmilan.

قُبِض عليها ووُضِعت في السجن، وحين سمعت خادمتها إيروتيس Eroteis بذلك أتت إليها وأخذت تُقّبِّل قيود سيدتها.

يُقال أن كابيتولينا قد قُطِعت رأسها يوم 27 أكتوبر وفي اليوم التالي قُطِعت رأس إيروتيس، وذلك في زمن الإمبراطور فالريان Valerian.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. I, page 399.

كابيتون القديس

اللص التائب

سكن هذا القديس على حافة جبل طيبة، وكان في الأصل لصًا ثم تاب. وقد قضى في حُفرة في الصخر خمسة عشر عامًا لم يغادرها أبدًا حتى إلى شاطئ النيل، لأنه كان يقول: "كيف أجتمع مع جماعة البشر الذين دفعوني إلى الخطية؟" قاصدًا بذلك رفضه للعودة إلى المكان الذي أخطأ فيه من قبل.

بستان القديسين، صفحة 50.

كاترين وفوستينا الشهيدتان

نشأتها

وُلدت القديسة كاترين من أبوين مسيحيين غنيين بالإسكندرية في نهاية القرن الثالث الميلادي. كانت تتحلى من صغرها بالحكمة والعقل الراجح والحياء. وكانت والدتها تعلّمها منذ صغرها على محبة السيد المسيح، وتغذّيها بسير الشهيدات اللواتي كنّ معاصرات لها أو قبلها بقليل، وقد قدّمن حياتهن محرقة للَّه وتمسّكن بالإيمان حتى النفس الأخير.

ثقافتها

التحقت كاترين بالمدارس وتثقفت بعلوم زمانها، وكانت مثابرة على الاطلاع والتأمل في الكتاب المقدس. ولما بلغت الثامنة عشر كانت قد درست اللاهوت والفلسفة على أيدي أكبر العلماء المسيحيين حينذاك، فعرفت بُطلان عبادة الأوثان وروعة المسيحية ولكنها لم تكن قد تعمّدت بعد.

وفي إحدى الليالي ظهرت لها السيدة العذراء تحمل السيد المسيح وتطلب منه أن يقبل كاترين ولكنه رفض، فقامت لوقتها وتعمّدت.

موجة الاضطهاد

في عام 307م حضر القيصر مكسيميانوس الثاني إلى الإسكندرية، وكان مستبدًا متكبّرًا يكره المسيحيين، يجد مسرّته في تعذيبهم والفتك بهم، فأمر بتجديد الشعائر الوثنية بعد أن اهتزّت تمامًا بسبب انتشار المسيحية. أصدر مكسيميانوس منشورًا بوجوب الذهاب إلى المعابد الوثنية وتقديم القرابين لها، وإلا تعرّض الرافضون للعذابات والموت.

وجد الوثنيون فرصتهم لإحياء العبادة الوثنية، وإشعال روح التعصب ضد المسيحيين. انطلقوا إلى المعابد يحملون معهم الضحايا للذبح. وإذ أراد مكسيميانوس مكافأتهم أقام لهم حفلاً كبيرًا قدم فيه للآلهة عشرين عجلاً، وأصدر أمرًا مشددًا بأن يتقدم المسيحيون بذبائحهم في هذا الحفل وإلا لحق بهم الموت.

القديسة تنطلق نحو الإمبراطور

سخر المؤمنون بهذا الأمر، كما لم تخف كاترين بل كانت تشدّد المؤمنين وتقوّيهم. أدركت بأن الاضطهاد سيحل على المؤمنين فاتخذت قرارًا أن تتقدم لمكسيميانوس مندّدة بأصنامه وأوثانه.

وفي يوم الاحتفال اخترقت الصفوف فدُهش كل الحاضرين إذ لاحظوا فتاة في الثامنة عشر من عمرها تخترق بكل جرأة وشجاعة الصفوف وتتلّمس المثول لدى الإمبراطور، الذي كان جالسًا بين رجال الدولة وكهنة الأوثان بحللِهم الأرجوانية المذهّبة.

بكل جرأة وقفت الفتاة أمام الإمبراطور تقول له: "يسرّني يا سيدي الإمبراطور أن أترجّاك أن توقف منشورك لأن نتائجه خطيرة". ثم بدأت تتحدث باتزان وهدوء وبغير اضطراب، وكان الإمبراطور يصغي إليها في ذهول وغضب.

ذهل القيصر من جمالها وشجاعتها واستدعاها إلى قصره وأخذ يعدها بزواجه منها، ولكنها رفضت. بدأت تتحدث عن الإله الحي خالق السماء والأرض وتُهاجم العبادة الوثنية.

أجابها الإمبراطور أنه ليس ملمًا بعلوم الفلسفة ليرد على كلامها، وأنه سيرسل لها علماء المملكة وفلاسفتها ليسمعوا لها ويردّوا عليها ويهدموا عقيدتها وأفكارها.

حوار بين القديسة والفلاسفة

بالفعل أرسل الإمبراطور إلى عمداء الكلام والفلاسفة الوثنيين ليحضروا اجتماعًا غير عادي لمناقضة هذه الشابة المغرورة، كما دعا كبار رجال البلاط والدولة للحضور. وفي الموعد المحدد دخل مكسيميانوس يُحيط به كبار رجاله في عظمة وعجرفة، ثم اُستدعت الفتاة ودخلت في هدوء بغير اضطراب. استعدّت القديسة بالصلاة والصوم وتشدّدت بروح الله القدوس، ثم بدأت المناقشة بينها وبين الفلاسفة الوثنيين، ثم تحدّثت عن السيد المسيح وشخصه وعمله الخلاصي والحياة الأبدية والنبوات التي تحقّقت بمجيئه. كانت تتحدّث بكل قلبها، تحمل سلطانًا كما من السماء. تحدّثت بكل قوة عن محبة الله المُعلنة خلال الخلاص بالصليب.

إيمان الفلاسفة والعلماء

اقتنصت القديسة كاترين قلوب الكثيرين؛ وكانت المفاجأة أن الفلاسفة طلبوا من الإمبراطور أن تواصل الفتاة حديثها، وأنهم يشعرون بأنها تُعلن عن الحق وأن عبادة الأصنام باطلة.

انقلب الإمبراطور إلى وحشٍ كاسرٍ، وأصرّ على إيقاد أتون نارٍ يُلقى فيه العلماء والفلاسفة الذين خذلوه. فكانت القديسة تشجّعهم وهي تُعلن لهم بأن أبواب السماء مفتوحة وأن السمائيين بفرحٍ يستقبلونهم.

تقدم الحراس وألقوا بالعلماء والفلاسفة في أتون النار في ليلة 17 نوفمبر عام 307م.

حوار الإمبراطور مع القديسة

في اليوم التالي أفاق الإمبراطور من سكرته، وبدأ يفكر في استمالة قلب الفتاة إليه، أما هي فقالت له: "كُف أيها الإمبراطور عن التملق في كلامك، فلقد صممت أن أخسر حياتي الأرضية ولا أُنكر يسوع المسيح إلهي".

هدّدها الإمبراطور بتعذيبها، أما هي فاستخفّت بتهديداته معلنة أن مسيحها ينظر إلى ضعفها ويُعينها وسط آلامها.

آلامها

ثار الإمبراطور جدًا وأمر بجلد القديسة بكل عنف. جُلدت لمدة ساعتين حتى تمزق جسمها، فبكى المشاهدون.

أُرسلت إلى السجن فكانت تشكر الله وتسبحه على هذه النعمة أنها تأهلت أن تتألم لأجله.

ظلّت في السجن اثني عشر يومًا متتالية وقد ضمّد الرب جراحاتها وسندها.

ذهب الوالي شمالاً إلى مصب النيل لتفتيش الحصون على حدود مصر الشمالية.

إيمان فوستينا وبورفيروس

تعجّبت فوستينا زوجة مكسيميانوس من الفتاة القديسة أثناء حوارها مع العلماء والفلاسفة كما مع الإمبراطور نفسه، وكانت تُدهش لإيمانها وشجاعتها.

شاهدت فوستينا بالليل رؤيا كأن كاترين جالسة على عرشٍ من نورٍ، وقد دعته لتجلس بجوارها، ووضعت تاجًا على رأسها، وقالت لها: "سيدي المسيح يُهديك هذه الإكليل".

استيقظت فوستينا وطلبت من قائد السجن بورفيروس أن يأخذها إلى كاترين، ودهش الاثنان إذ نظراها قد شُفيت تمامًا، وكانت تحدثهما عن خلاصهما وعن ملكوت السموات.

تنبأت لهما القديسة بأنهما سيكابدان أقسى العذابات بعد ثلاثة أيام.

لقاء الإمبراطور بالقديسة

عاد الإمبراطور واستدعى الفتاة، وكان يتوقّع أنه سيتشفّى في هذه الفتاة التي أهانت كبرياءه عندما يجدونها في السجن جثة هامدة. لكن أشد ما كانت دهشته وغضبه عندما رآها بصحة جيدة. صار يلحّ عليها أن تقبل الزواج منه، فوبّخته بشدة لنقضه القوانين من أجل إشباع شهواته. فلم يحتمل الإمبراطور تهكّم الفتاة فخرج غاضبًا.

تعذيبها

تقدّم الحارس الخاص بالإمبراطور وأخبره بأن لديه فكرة بها يُلزم الفتاة أن تتعبد للأصنام، وهي أن تُربط الفتاة بحبال قوية يرفعوها على آلة بها عجلات تدور بحركة عكسية مزودة بأسنان حديدية، فعندما تبدأ العجلات تتحرك تحدث فرقعة مخيفة جدًا فتضطر الفتاة إلى الاستسلام وإلا تموت.

وجدت الفكرة استجابة لدى الإمبراطور، فتقدّمت الفتاة بشجاعة دون اضطراب، وسلّمت جسمها لربطها بالحبال ورفعها لينزلوها على الأسنان الحديدية الحادة. لكن ما أن رفعوها حتى امتدّت يد خفية قطعت الحبال ودحرجت القديسة على الأرض بعيدًا عن الآلة. وإذ تقدم الجلادون محاولين رفعها ثانية خارت قواهم فسارت الآلة عليهم بأسنانها الحديدية فتقطّعت أجسامهم وماتوا.

آمن كثيرون عندما شاهدوا ما حدث، أما فوستينا فتقدّمت نحو زوجها ووبّخته في حضرة الجماهير على وحشيته، وأعلنت إيمانها بالسيد المسيح.

فقد الإمبراطور صوابه عندما عرف أن زوجته وبورفيروس حارس السجن قد آمنا بالسيد المسيح، فأمر بتعذيبها وقطع رأسيهما.

تأثرت الجماهير حين رأوا الملكة وحارس السجن ومائتين من الجنود قد تقدموا للاستشهاد.

استشهادها

شعر الإمبراطور بفشله في تعذيب الفتاة فأمر بنفيها ومصادرة ممتلكاتها. تأسّفت القديسة أنها لم تحظَ بشرف الاستشهاد. لكن الإمبراطور أصابته نوبة جنونية فأمر بقطع رأسها بدلاً من نفيها، وقد تم ذلك في 25 نوفمبر سنة 307م.

جسدها الطاهر

استشهدت القديسة كاترين في الإسكندرية. وبعد استشهادها بخمسة قرون رأى راهب في سيناء جماعة من الملائكة يحملون جثمانها الطاهر، ويطيرون به ويضعونه بحنان على قمة جبل في سيناء. انطلق الراهب إلى قمة الجبل فوجد الجسد الطاهر كما نظره في الرؤيا، وكان يشع منه النور. حمله الراهب إلى كنيسة موسى النبي. نُقل الجسم المقدس بعد ذلك إلى كنيسة التجلي في الدير الذي بناه الإمبراطور جوستنيان في القرن السادس، وعُرف الدير باسم دير سانت كاترين.

مكتبة الدير ومتحفه

للدير مكتبة تحوي آلاف الكتب والمخطوطات، من بينها نسخة نادرة للكتاب المقدس ترجع إلى القرن السادس. وقد أهدت هيئة اليونسكو نسخة من الميكروفيلم لهذه المخطوطات والكتب لجامعة الإسكندرية، كلية الآداب بفضل المرحوم الدكتور سوريال عطية سوريال.

يحوي الدير أيقونات من رسم مشاهير الفنانين من القرن السادس حتى الآن، وبه نفائس كثيرة وتحف وصور من صنع الرهبان.

حلمي أرمانيوس: شهداء الأقباط في عصر الرومان، 1968م.

كاراس السائح

تقدم سيرة القديس أنبا كاراس صورة حيّة عن "السياحة" بكونها مؤازرة نعمة الله للمؤمن المجاهد ليتمتع بدرجة سامية في الاتحاد مع الله.

لقد عاش أنبا كاراس حوالي 57 سنة لم يرَ وجه إنسان حتى جاء إليه القديس أنبا بموا للتعرّف عليه، فيسجل لنا سطورًا من سيرته التي لا يعرف سرّها إلا من اختبرها، ويقوم بتكفينه ودفنه.

قال عنهم الشيخ الروحاني: "أولئك الذين أشرقْت عليهم بشعاعٍ من حبك لم يحتملوا السُكني بين الناس".

دخوله البرية

هو شقيق الملك ثيؤدوسيوس الكبير؛ فقد عرف هذا القديس جيدًا فساد العالم وسرعة زواله، فترك كل ماله وخرج لا يقصد جهة معلومة. فأرشده الله إلى البرية الغربية الداخلية وهناك قضى سنين كثيرة وحده لم يبصر خلالها إنسانًا ولا حيوانًا.

القس بموا ينطلق إلى البرية

كان في برية شيهيت قس قديس يسمى بموا وهو الذي كفَّن جسد القديسة إيلارية، ابنة الملك زينون المحب لربنا يسوع (474 - 491م). اشتهى هذا الأب أن يرى أحدًا من عبيد المسيح السُواح، فساعده الرب حتى دخل البرية الداخلية فأبصر كثيرين من القديسين. وكان كل منهم يعَّرفه عن اسمه والسبب الذي أتى به إلى هنا، أما هو فكان يسأل كلاً منهم قائلاً: "هل يوجد من هو أكثر توغُّلاً في البرية منكَ؟" فيجيبه: "نعم".

مع القديس سمعان القلاع السائح

في اليوم الرابع من سيره في البرية الداخلية وجد الأنبا بموا إحدى المغارات، وقد كان الباب مغلقًا بحجرٍ كبيرٍ، فتقدم وطرق الباب. فسمع صوتًا يقول له: "جيد أن تكون هنا اليوم يا بموا كاهن كنيسة جبل شيهيت، الذي استحق أن يكفن جسد القديسة الطوباوية إيلارية ابنة الملك العظيم زينون". ثم فتح له الباب ودخل وقبّل بعضهما البعض، وجلسا يتحدثان بعظائم الله ومجده.

سأله الأنبا بموا: "يا أبي القديس، هل يوجد في هذا الجبل قديس آخر يشبهك؟" تطلع المتوحد إلى وجهه وصار يتنهد، وقال له: "يا أبي الحبيب يوجد في البرية الداخلية قديس عظيم، والحق أقول لك أن العالم لا يستحق أبدًا وطأة واحدة من قدميه". سأله أنبا بموا: "وما هو اسمه يا أبي؟" فقال: "الأنبا كاراس".

إذ سأله الأنبا بموا عن اسمه وعدد السنوات التي عاشها في المغارة، أجابه:

"اسمي سمعان القلاع. ولي اليوم ستون سنة في هذه البرية لم أنظر وجه إنسان. وأتقوّت في كل سبت بخبزة واحدة أجدها موضوعة علي هذا الحجر الذي تراه خارج المغارة. وهذه الخبزة بنعمة المسيح تكفيني إلى السبت الذي يليه".

عندئذ قال له الأب بموا: "باركني يا أبي القديس وصلي لأجلي لكي أرحل وأسير في طريقي إلى الأنبا كاراس".

مع الأنبا بلامون القلاع

سار بعد ذلك ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ وهو متهلل بالروح، يصلي ويسبح الله حتى بلغ مغارة أخري. وإذ قرع الباب أجابه صوت يحمل روح الفرح والتهليل. ظنّه القديس كاراس.

قال له القديس بلامون:

"الويل لي يا أبي القديس.

أعرفك يا أبي إن داخل هذه البرية قديس عظيم، العالم بأسره لا يستحقه، وصلواته تبدِّل الغضب الذي يحل من السماء علي الأرض، وأن الرب يستجيب صلواته سريعًا ".

"من أكون أنا المسكين حتى أكون أنبا كاراس هذا الذي هو حقًا شريك للملائكة وشريك الطبيعة الإلهية".

قال له أن اسمه بلامون، وأنه منذ تسعة وسبعين عامًا يسكن في تلك البرية، يعيش علي النخيل الذي يطرح له الثمر، فيأخذ كفايته ويشكر المسيح.

طلب منه الأنبا بموا أن يصلي من أجله ويباركه فأجابه: "الرب يسهِّل لك خطواتك، ويرسل لك ملائكته لتحرسك في طريقك"، فخرج من عنده فرحًا ومملوء سلامًا.

وهكذا حتى وصل إلى القديس كاراس آخر الجميع، وهذا ناداه من داخل مغارته قائلاً: "أهلا بالأنبا بموا قس شيهيت"، فدخل إليه وبعد السلام سأله الأنبا كاراس عن أمور العالم وأحوال الولاة والمؤمنين.

وصفه الأنبا بموا قائلاً أنه كان منيرًا جدًا، وكانت نعمة الله علي وجهه، وكانت عيناه مضيئتين جدًا. وهو متوسط القامة، ذا لحية طويلة لم يتبقَ فيه إلا شعيرات سوداء قليلة بعد أن أصبحت بيضاء كالثلج. وهكذا كان شعر رأسه. كان يرتدي جلبابًا بسيطًا، هو نحيف الجسم ذو صوت خافت وفي يده عكاز.

رؤيته نفس الأنبا شنودة

لما بلغ اليوم السابع من شهر أبيب أخذ القديس كاراس يبكي وقد رفع عينيه إلى السماء وهو بين الفرح والحزن، ثم قال للأنبا بموا: "إن عمودًا عظيمًا قد سقط اليوم في صعيد مصر"، ولما استفسر منه الأنبا بموا أجاب القديس: "إنه القديس العظيم الأنبا شنودة رئيس المتوحدين، وقد تنيّح اليوم ورأيت روحه الطاهرة صاعدة إلى علو السماء وسط تهليل الملائكة. وقد اجتمع الرهبان حول الجسد المقدس يتباركون منه وهو يشع نورًا وبركة".

نياحته

بفرح شديد قال الأنبا كاراس للأنبا بموا:

"يا أخي الحبيب، لقد أتيت اليوم إليّ، وجاء معك الموت، فإن لي اليوم زمانًا طويلاً في انتظارك أيها الحبيب. خلال هذه المدة كلها (57 سنة) لم أنظر وجه إنسانٍ قط، وطوال هذا العمر كنت أنتظرك بكل فرحٍ وصبرٍ واشتياقٍ كبير".

تحدث الاثنان معًا عن عظائم الله، ومكث معه يومًا، وفي نهايته مرض القديس أنبا كاراس بحمي شديدة، وكان يتحرك مترنحًا وهو يتنهد ويبكي قائلاً: "جاءني اليوم الذي كنت أخاف منه عمري كله يا رب. إلى أين أهرب؟ ومن وجهك كيف أختفي؟ حقًا ما أرهب تلك الساعة! كرحمتك يا رب وليس كخطاياي".

كان الأنبا بموا يتعجب كثيرًا من هذا الكلام إذ كان يشعر بأنه خاطئ، وغير مستحق أن يكون في السماء.

في اليوم التالي - أي الثامن من أبيب - ظهر نور عظيم يملأ المغارة ودخل السيد المسيح الذي كان معتادًا أن يظهر له بنورٍ ومجدٍ عظيمين ويتكلم معه فمًا لفم، وأخذ روح الأنبا كاراس في حضنه ثم أعطاها لميخائيل رئيس الملائكة. فتبارك الأنبا بموا من جسده ثم كفّنه بعبائته وانثنى راجعًا يخبر بسيرته وهو يمجد الله.

في طريق العودة قضي ثلاثة أيام مع الأنبا بلامون، وثلاثة أيام مع أنبا سمعان القلاع وروي لهما ما شاهد بعينيه، ثم ذهب إلى كنيسته بجبل شيهيت يروي لهما رحلته العجيبة.

أمير نصر: القديسان السائحان أنبا كراس وأنبا غاليون، 1986.

كاربوس القديس

في اليوم السادس عشر من شهر بابه، تعيّد الكنيسة بتذكار القديسين كاربوس وأبولّلوس وبطرس تلميذ الأنبا إشعيا المتوحد.

السنكسار، 16 بابه.

كاربوس وبابيلوس وأغاثونيس الشهداء

محاكمة الأسقف كاربوس

إبّان حكم ماركوس أوريليوس أو ديسيوس كانت محاكمة الأسقف كاربوس Carpus من جردوس Gurdos بليديا Lydia والشماس بابيلوس Papylus من ثياتيرا Thyateira، تقدموا أمام الحاكم الروماني في برغاموس Pergamos في آسيا الصغرى. وعندما سأل كاربوس عن اسمه أجاب بأن اسمه الأول والأنبل هو "مسيحي" ولكن إن كان يريد أن يعرف اسمه العالمي فهو كاربوس.

طلب منه القاضي تقديم ذبيحة للأوثان، فأجابه بأنه مسيحي وأنه يعبد المسيح ابن الله الذي جاء في هذه الأزمنة الأخيرة لكي يخلصنا والذي أنقذنا من مكائد الشيطان، وأنه لن يقدم التقدمة للأوثان.

أمره الحاكم أن يطيع أوامر الإمبراطور بدون مناقشة، فصاح كاربوس قائلاً: "إن هذه الآلهة لم تصنع السماء والأرض وهي سوف تزول، ولا يليق بالأحياء أن يضحوا للموتى".

سأله الحاكم إن كان يظن أن الآلهة موتى؟ فأجاب الشهيد: "إنهم لم يكونوا أحياء أصلاً حتى يموتوا". وعندئذ سُلِّم القديس إلى المعذِّبين حتى يُربَط ويسلخ جلده.

محاكمة الشماس بابيلوس

استجوب الحاكم الشماس بابيلوس الذي قال أنه أحد مواطني ثياتيرا Thyateira. سأله إن كان لديه أي أبناء فأجاب بابيلوس بأن لديه الكثيرين، فأوضح أحد الواقفين بأن هذه هي طريقة المسيحيين في الكلام وأنه يعني أن لديه أبناء في الإيمان، فأصر الشماس أن لديه أبناء في الرب في كل مدينة ومقاطعة.

سأله القاضي في عدم صبر إن كان سيضحي للأوثان أم لا؟ فأجاب بابيلوس أنه قد خدم الرب منذ شبابه ولم ولن يضحي أبدًا للأوثان وأنه مسيحي وأنها الإجابة الوحيدة التي سيأخذها منه.

عُلِّق أيضًا وعُذِّب، وعندما أصبح واضحًا أن لا يوجد شيء قادر أن يهز عزيمتهما أمر القاضي بحرقهما أحياء.

أسلم بابيلوس روحه أولاً، وفي وسط آلام كاربوس رأى أحد الواقفين علامات الفرح الشديد على وجهه، وعندما سأله عن السبب أجاب أنه قد رأى مجد الرب ولذلك فهو سعيد. عندما كان لهيب النيران يرتفع صرخ القديس من خلال صوته الضعيف قائلاً: "مبارك أنت يا سيدي يسوع المسيح ابن الله لأنك تنازلت لتعطي أنا الخاطئ هذه الشركة معك".

محاكمة أغاثونيس

ثم أمر الحاكم أغاثونيس أن تتقدم أمامه وقد رفضت هي أيضًا أن تقدم الذبائح إلى الآلهة. وعندما حثَّها الواقفون أن تنقذ نفسها وأن تتذكر أطفالها، أجابت أن أطفالها لديهم الرب وأنه سوف يعتني بهم. هدّدها القاضي بالموت مثل الآخرين، ولكنها ظلّت ثابتة، فأُخِذت هي أيضًا إلى مكان الإعدام، وعندما جُرّدت من ملابسها صاح الواقفين متعجبين من جمالها. وعندما كانت النيران تشتعل صرخت أغاثونيس قائلة: "ساعدني يا سيدي يسوع المسيح لأني أتحمل هذا من أجلك". وعند ما كانت تصلي للمرة الثالثة أسلمت روحها.

كان استشهاد هؤلاء القديسين ما بين سنة 170 - 250م.

Butler, April 13.

كاربوكراتس الغنوصي

كان معلمًا غنوصيًا في القرن الثاني، وفيلسوفًا أفلاطونيًا، تعلّم بالإسكندرية. أضاف عناصر مسيحية إلى نظامه، وبقيت الأفكار الهيلينية واضحة جدًا في تعليمه. دُعي تلاميذه بالكاربوكراتسيين Carpocratians، وقد بقيت لتعاليمه فاعليتها حتى القرن الرابع. عاصر كاربوكراتس الغنوصي فالنتينوس، وإحدى تلميذاته تدعي مارسيلينا ذهبت إلى روما في عهد الأسقف انسيتيوس Anictus (154 - 165م)، وخدعت كثيرين.

تعاليمه

1. علّم بالإباحية الأخلاقية.

2. يرى القديس إيريناؤس أن كاربوكراتس وأتباعه نادوا بأن العالم وما فيه من خلق الملائكة، وهم أقل بكثير من الآب غير المولود.

3. وُلد يسوع طبيعيًا من يوسف ومريم كسائر البشر، لكنه يختلف عنهم بأن نفسه مستقيمة وطاهرة، لذا تُذكر بكمال الأمور التي شهد لها في مجال الله غير المولود. ولهذا حلّت عليه قوة نازلة من عند الآب، بها هرب من خالقي العالم. وأنه إذ عبر من بين هؤلاء الخالقين للعالم جميعهم وصار حرًا في كل شيء صعد مرة أخرى إلى الله غير المولود.

هذا الموقف الذي ليسوع فريد في نوعه، لكن النفس التي تتشبه به يمكنها أن تحتقر هؤلاء الحكام خالقي العالم وتتقبل قوة لتحقيق ما بلغ إليه يسوع.

بهذه الأفكار اندفع بعض الكاربوكراتسيين للإدعاء بأنهم صاروا مثل يسوع، وآخرون قالوا بأنهم صاروا أعظم من تلاميذه مثل بطرس وبولس وغيرهما.

رسمت صور بعضهم على شكل المسيح، ورُسم المسيح في وسطهم. كرموا هذه الصور ووضعوها مع صور فيثاغوراس وأفلاطون وأرسطو وغيرهم. كرموا هذه الصور بطريقة كسائر الأمم الوثنية.

4. استخدموا فنون السحر والتعاويذ وأعمال الشياطين والأحلام وغير ذلك من الرجاسات، وادّعوا أنهم يحملون قوة لا لتسيطر على رؤساء هذا العالم فحسب بل وعلى كل ما فيه.

Fr. Tadros Y. Malaty: School of Alexandria, Book 1, p. 146.

كارتيريوس ورفقاؤه الشهداء

استشهد القديس كارتيريوس في سبسطية Sebaste بأرمينيا الصغرى Lesser Armenia أثناء حكم ليسينيوس Licinius، وكان بصحبته أتّيكوس Atticus ويودوكسيوس Eudoxius وأغابيوس Agapius الذين اتفقوا مع كل الجيش على الثبات في الإيمان المسيحي.

عُذِّبوا وسُجِنوا ثم ضُرِبوا مرة أخرى، وقيل لكارتيريوس: "إنك وحدك قد جعلت الكل يمتنعون عن طاعة الملك"، فأجاب القديس: "إنني لم أدعوهم لعصيان الملك بل دعوتهم للاقتراب من الملك الذي لا يموت".

جاء الدور على ستيراكيوس Styracius وطوبياس Tobias ونيكوبوليتانوس Nicopolitanus الذين أُدينوا وحُكِم عليهم بالحرق أحياء مع كثيرين آخرين، يُقال أن عددهم قد وصل إلى عشرة شهداء.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. I, page 410.

كاريون الأب

رهبنته بعد الزواج

كان في الإسقيط راهب يدعى كاريون. هذا كان له ولدان، تركهما عند زوجته وترهب. وبعد زمن يسير حدثت مجاعة كبيرة في مصر، فضاق صدر الزوجة، فنهضت وجاءت إلى الإسقيط ومعها الولدان، الواحد صبي ويدعي زكريا، والثاني فتاة. فجلست على مسافة من الواحة، وذلك لأن الإسقيط كان محاطًا ببعض الواحات المترامية هنا وهناك. وقد شيّدت الكنائس قرب ينابيع المياه. وقد جرت العادة في الإسقيط أنه إذا جاءت امرأة تريد الكلام مع أحد الاخوة أو مع أحد أنسبائها، كانا يتحدثان عن بعد.

عندئذ قالت المرأة للأب كاريون: ها قد أصبحت راهبًا والمجاعة حاصلة، ترى من سيطعم ولَدَيك؟

قال لها: "أرسليهما إليَّ إلى ههنا".

فقالت المرأة للولدين: "اذهبا إلى أبيكما".

ولما همّا بالتوجه نحوه، استدارت الفتاة وعادت إلى أمها. أما الصبي فجاء إلى أبيه. عندئذ قال لها: "انظري ما حصل. الفتاة لك، والفتى لي".

وقد سبق لنا الحديث عن زكريا.

كاستريتروس الضرير

رغبته في زيارة القديس جيروم

كان كاستريتروس رجلاً أعمى في Pannonia، وضع في قلبه أن يزور القديس جيروم في بيت لحم. لكنه إذ بلغ Cissa سواء التي في تراثيا أو على بحر الإدرياتيك حثّه بعض أصدقائه أن يرجع، ربما خشوا عليه من المخاطر بسبب عجزه عن الرؤية.

كتب إليه القديس جيروم في عام 397م رسالة يشكره فيها على نيّته الصادقة للزيارة ويُعزّيه في عَمَاه، مشيرًا إلى كلمات السيد المسيح بخصوص االمولود أعمى (يو3: 9)، ومخبرًا إيّاه بقصة القديس أنبا أنطونيوس في تعزيته للقديس ديديموس الضرير.

جاء في الرسالة:

[كتب لي ابني المكرم هيراقليس الشماس أنك في شوقك أن تراني جئت حتى إلى Cissa... وأخبرني بأنك حقًا كدت تحقق هدفك لولا أن اخوتنا في اهتمامهم الحاني نحوك طلبوا منك العودة.

إني أشكرك وأحسب ذلك عطفًا منك. فإن الإنسان يقبل مجرد الإرادة للعمل من الأصدقاء...]

كاستورينا

القديس جيروم يطلب المصالحة معها

خالة القديس جيروم، لسبب أو آخر كانت بينهما جفوة. وفي عام 374م بعث إليها برسالة رقيقة يطلب منها المصالحة. تعتبر مثلاً حيًّا للإنسان الذي يحرص على خلاصه، ويهتم بالحب دون الدخول في تفاصيل وحوار وعتاب، فقد جاء في رسالته يلوم نفسه ولا يبررها، مشتاقًا أن يتمتع معها بمحبة المسيح.

[ببساطة لنُلقِ أنا وأنتِ جانبًا المشاعر الخاطئة القديمة، ونطهّر قلوبنا لتصير مسكنًا للَّه. إذ يقول داود: "لا تغرب الشمس على غيظنا ليس يومًا بل سنين كثيرة؟...

ويل لي، يا لي من بائس، أقول هذا أيضًا لكِ. فقد عبر هذا الزمن الطويل إما أننا لم نقدم فيه تقدمة على المذبح أو قدّمناها ونحن متمسكون بالغضب باطلاً.

كيف يمكننا أن نقول في صلواتنا اليومية: "اغفر لنا ما علينا كما نغفر نحن لمن عليهم"، بينما تختلف مشاعرنا مع كلماتنا لا تتوافق مع سلوكنا؟

لذلك فإنني أجدّد توسلي الذي قدمته منذ عامٍ في خطاب سابقٍ لكي يصير لنا ميراث السلام من قِبل الرب، وتصير رغباتي ومشاعرك مقبولة في عينيه. فإننا قريبًا سنقف أمام كرسي الحكم لنقبل مكافأة الصلح المُسترد أو ننال عقوبة لكسرنا الاتفاق معًا.] (رسالة 13).

كاستوس وإميليوس الشهيدان

في كتابه عن "المُرتَدّين" يذكر القديس كبريانوس بكل أسف اسم مسيحيين من أفريقيا، هما كاستوس وإميليوس اللذين ضَعُفا في زمن الاضطهاد الكبير الذي أثاره الإمبراطور ديسيوس Decius تحت شدة التعذيب. وفي عظة للقديس أغسطينوس في تذكار استشهادهما يقول عنهما أنهما سقطا مثل بطرس الرسول بسبب اتكالهما على قوتهما الذاتية.

ولكنها عادا وتابا بعد ذلك واعترفا بإيمانهما وبكل شجاعة تقدما إلى الموت حرقًا فنالا إكليل الشهادة سنة 250م. وإن كان غير معروف أي شيء عن حياتهما وظروف تعذيبهما، إلا أن اسميهما يَرِدا في الكثير من السنكسارات القديمة،

Butler, May 22.

كاستولوس الشهيد

خلال حكم الإمبراطور دقلديانوس كان حاجب الملك مسيحيًا اسمه كاستولوس، هذا كان يقوم بترتيب الخدمة الدينية المسيحية في القصر الإمبراطوري نفسه إذ كان هذا المكان بعيدًا عن الشك والشبهات ولا يبحث فيه الجنود عن المسيحيين. بل وأكثر من ذلك كان يأوي المسيحيين في بيته الملاصق للقصر وكان يقودهم إلى مكان الخدمة الدينية.

إذ أراد تقديم خدمة أكثر للكنيسة كان هو وصديقه تيبورتيوس Tiburtius يجولان في روما يحوّلان رجالاً ونساءً كثيرين إلى المسيحية ويحضرانهم إلى الأسقف القديس غايوس St. Caius لتعميدهم.

وشى به رجل مسيحي مرتدّ اسمه توركواتُس Torquatus وأُحضِر أمام الوالي فابيان Fabian الذي عذّبه بوحشية ثم ألقاه في أتون النار، وكان استشهاده في سنة 286م.

Butler, March 26.

كاسيان الشهيد1

كان مدرسًا مسيحيًا يعلم الأطفال في إيمولا Imola بإيطاليا القراءة والكتابة.

في إحدى ثورات الاضطهاد ضد الكنيسة قُبِض عليه لاستجوابه أمام حاكم المنطقة فطَلَب إليه أن يبخر للآلهة. أمام إصرار القديس على الرفض أمر الحاكم - إذ عَلِم بطبيعة مهنته - أن يُعَرَّى القديس من ملابسه ويطعنه طلبته بأقلامهم الحديدية في كل أجزاء جسمه حتى الموت.

أمام مائتين من طلبته - الذين لم يحبّوه بسبب طبيعة عمله - وقف عاريًا، فرماه بعضهم بالأقلام والسكاكين في جسمه ورأسه، آخرون كانوا يطعنوه بالسكاكين، والباقون كانوا يغرسون أقلامهم في لحمه جاعلين تسليتهم أن يقطعوا أشكال حروف من جلده. تخضَّب الشهيد بالدم في كل أنحاء جسمه وغطّت الجروح جسده من أعلى رأسه إلى أسفل قدميه بسبب هذا التعذيب والممارسة الوحشية، أما هو فكان في فرحٍ يطلب من طلبته ألا يخافوا بل يضربوه بأكثر قوة، ليس قاصدًا من ذلك تشجيعهم على الخطية، إنما إظهارًا لاشتياقه للموت من أجل المسيح.

أخيرًا بعد هذه العذابات استشهد القديس ودفن في إيمولا، وإن كان تاريخ استشهاده غير معروف على وجه التحديد.

Butler, August 13.

كاسيان الشهيد2

كاتب الوالي يرفض تسجيل حكم الموت ظلمًا

في محاكمة القديس مارسيللوس القائد St. Marcellus أمام الوالي أوريليوس أجريكولان Aurelius Agricolan كان يُدوِّن وقائع المحاكمة كاتب اسمه كاسيان. وحين سمع الحاكم يصدر حكم الموت على مارسيللوس رفض أن يُدوِّن الحكم وألقى لوح الكتابة والأقلام إلى الأرض.

ذُهِل الوالي والوقوف من تصرف كاسيان، بينما أخذ مارسيللوس يبتسم على الموقف، وحين سأل أجريكولان كاسيان عن سبب تصرفه، أجابه بأن هذا الحكم غير عادل، وفي الحال أصدر أجريكولان أمرًا بإلقاء كاسيان في السجن.

استشهاده

كان مارسيللوس يبتسم فرحًا إذ علم بالروح القدس أن كاسيان سيصير رفيقه في الاستشهاد. وفعلاً في نفس اليوم نال مارسيللوس الإكليل، وبعد فترة قصيرة أُحضِر كاسيان إلى نفس مكان محاكمة مارسيللوس، وفي نهاية محاكمته كان نصيبه هو أيضًا إكليل الاستشهاد، وذلك حوالي سنة 298م.

Butler, December 3.

يوحنا كاسيان القديس

نشأته

يعتبر القديس يوحنا كاسيان أحد مشاهير الكُتَّاب الروحيين في القرن الخامس في جنوب بلاد الغال (فرنسا) خاصة في الفكر الرهباني. نجح في تطوير الحياة الرهبانية هناك.

كان سفيرًا للتراث الآبائي النسكي القبطي في الغرب. وهو أحد أعمدة التقليد الكنسي النسكي فيما يختص بالطقس الرهباني الحيّ، يربط بين نواحيه الخارجية والداخلية، وبين الطقس والروحانية بطريقة حيّة. كان ملمًا به بكل دقة، عاشه إلى سنوات في مصر وخارجها، لذا نقله بكتاباته وحواراته كما بكل حياته.

يرى جيناديوس أنه Gennadius of Marséilles وُلد في سكيثيا Scythia أي Dobruja))، تدعى حاليًا رومانيا Romania.

يرفض الدارسون المحدثون نسبته إلى سكّيثيا، ويرى البعض أن تعبير Scyth ربما لا يعني أنه سكّيثي، بل تشير إلى صحراء الإسقيط Scete أوScetis في مصر، حيث قضى كاسيان عدة سنوات في هذه المنطقة، وأنه بسبب التصاقه بها وبآبائها نال شهرته، فحسبت كأنها موطنه.

وٌلد ما بين 350 و360م وتنيح ما بين 440 و450م، إذ عاش حوالي تسعين عامًا. ينتمي كاسيان إلى عائلة مسيحية صالحة، وكان مسيحيًا بالحق، دُعي يوحنا في العماد.

تمتع في صباه بالتعليم الكلاسيكي الصالح، وتحدث اليونانية بطلاقة، متدربًا عليها أثناء وجوده في الشرق. في المناظرة 12: 14 يعلن عن حزنه الشديد أن ما تعلمه في صباه من أدب وما تلقّنه من معلمه، وخلال جهده الخاص شحن ذهنه بالشعر، حتى أنه كان يفكر فيه أثناء الصلاة، ويتذكر الأمور التافهة وقصص المعارك التي سمعها في طفولته المبكرة. كانت الخيالات ترقص أمامه أثناء تلاوة المزامير، وتثيره فتفقده أشار في كتابه "عن التجسد ضد نسطور" إلى معرفته ليس فقط لأعمال آباء الكنيسة الأولين، بل والي أعمال الكتاب المشهورين مثل شيشرون Cicero وبيرسيوس Persius.

حياته الرهبانية

حوالي سنة 380م ما أن اجتاز مرحلة المراهقة حتى انطلق إلى فلسطين مع صديقه من نفس بلده جرمانيوس، وقد ارتبطا معًا برباط روحي عميق. هناك استقرا في دير ببيت لحم. بعد عامين انطلق إلى مصر حيث قام بزيارة الرهبان هناك. زار بعض الأديرة التي تمارس نظام الشركة في طيبة، ثم انطلق إلى برية الإسقيط حيث بقي سبع سنوات يلتقي فيها بمشاهير الآباء الرهبان، وقد جاءت أغلب مناظراته ثمرة لهذه الزيارات.

عاد كاسيان بعد سنوات إلى بيت لحم، لكنه لم يبقَ فيها إلا لمدة قصيرة ثم عاد إلى الإسقيط في عام 386 أو 387م. كان صديقًا حميمًا للقديس أوغريس وأتباع أوريجينوس. وبسبب ارتباك الرهبان بمشكلة "الأوريجانية" ودخولهم في صراع مع البابا ثاؤفيلس السكندري اضطر إلى مغادرة مصر نهائيًا عام 399م.

ذهب كاسيان إلى القسطنطينية حيث تأثر بالقديس يوحنا الذهبي الفم الذي سامه شماسًا، وسام صديقه جرمانيوس كاهنًا، لكن كاسيان تراجع عن الالتزام بأية مسئولية كنسية. في نهاية حياته أشار إلى القديس يوحنا الذهبي الفم بكل وقار، قائلاً: "ما أكتبه علمني إياه يوحنا، واعتبر ما اكتبه يُنسب إليه أكثر من أن يُنسب إليَّ. فإن المجرى يصدر عن الينبوع، وما يُنسب للتلميذ يلزم أن يُنسب بالكامل لكرامة المعلم."

في عام 404م ذهب إلى Patria مع صديقه يحملان رسالة موجهة من كهنة القسطنطينية أصدقاء القديس يوحنا ذهبي الفم المضطهد، إذ وثقوا فيهما، لكي يقدما رسالتهم إلى أسقف روما إنوسنت الأول Innocent I، ويطلبون التدخل من أجل أسقفهم المنفي. وفي روما دخل في صداقة مع الشماس لاون الذي صار فيما بعد بابا روما (أول من نادى بالبابوية الرومانية). وقد قدم له كتابًا "عن التجسد الإلهي". في هذه الفترة فقد صديقه العزيز لديه جدًا جرمانيوس، ربما بانتقاله من العالم.

في عام 415 أو 416م أقام كاسيان في مرسيليا ككاهنٍ، وأسس ديرًا للرجال باسم القديس فيكتور أو بقطر، حيث صار الأب الروحي ورئيسًا للدير، وآخر للنساء باسم القديس سالفاتور. سرعان ما انتشرت الحركة الرهبانية هناك وضمت الأديرة الآلاف من الرهبان والراهبات.

حقًا لقد سبقه أونراتس أو هونوراتس Honoratus في التهيئة لتأسيس دير في جزيرة الليران Lérins وذلك في سنة 410م، وقد تولى كاسيان تكملة تأسيسه، وظل يحمل اسمه حتى اليوم. وقد نال شهرة عظيمة، لكن كاسيان قدم لأول مرة نظامًا محكمًا للحياة الرهبانية يحمل الفكر الرهباني الشرقي، خاصة مصر، خلال كتابيه المشهورين. يقول فرند أن كاسيان أمد الولايات الغربية بالنظام الرهباني الذي يمكنهم أن يقبلوه، والذي أعد الطريق للنظام البندكتي. سرعان ما صار هذا الدير مدرسة للإلهيات والفلسفة المسيحية، وقلعة منيعة ضد أمواج البربرية، وملجأ للعلوم والآداب عندما غزا القوط إيطاليا. وبالاختصار صار هذا الدير مربيًا للأساقفة والقديسين.

قدم كاسيان إرشادات لكاستور أسقف Apt بخصوص الأديرة الحديثة، وطلب إعادة تنظيم الرهبنة قي الغرب، متأثرًا بخبراته الرهبانية في الشرق، مطالبًا بمزج حياة الشركة ببعض أساسيات لحياة الوحدة.

فتح كاسيان ذراعي الحب إلى أبناء كل الشعوب الذين يرغبون في حب المسيح، فانضم إليه جمع من التلاميذ من كافة الشعوب. فلم يعد الغرب يحسد الشرق. غير أن تشكك البعض في أرثوذكسية كاسيان بسبب هجوم أتباع أغسطينوس عليه، إذ اتهموه بالميول البيلاجية، حدّ من دوره.

بندكت منشئ أعظم رهبانيات الغرب ويفوق كاسيان في شهرته مدين لكاسيان، فمعظم قوانين الرهبنة في النظام البندكتي مأخوذة عن القديس كاسيان مباشرة.

من كتاباته

الأديرة هي امتداد للحياة الكنسية الأولى في أورشليم مجتمعة حول الرسل. المؤمنون الذين يحتفظون في داخلهم بغيرة الرسل يتركون المدن لكي يمارسوا الحياة الرسولية المثالية بعيدًا عن دنس العالم.

أنه أمر فظيع وقبيح بنا أن العلمانيين يتعبون ويعملون ويعولون أولادًا ونساء ويدفعون خراجًا وضريبة ويحسنون إلى فقراء ومحتاجين حسب طاقتهم ويحملون إلى بيت الله باكورات وقرابين، أما نحن فلا نقتني من أتعابنا حتى ولا حاجتنا اللازمة لنا، بل نحبس أيدينا داخل ثيابنا، ونستجدي أتعاب غيرنا، ولا نصغي إلى الرسول القائل: "إن هاتين اليدين قد خدمتا حاجاتي وحاجات الذين هم معي"، وقوله: "إن الرب أعطى الطوبى للمعطي أكثر من الآخذ". وقوله أيضًا: "نحن نوصيكم يا اخوتنا باسم ربنا أن تتجنبوا كل أخ عديم النظام، لا يسلك حسب التقليد الذي سلمناه لكم، بل لنعطيكم أنفسنا مثالاً. لأني وقت أن كنت عندكم، قد أوصيتكم بهذا. أن من لا يشاء أن يعمل فلا يأكل، فقد سمعنا الآن أن فيكم قومًا يسيرون بعدم نظام ولا يمارسون عملاً. فنحن نوصي هؤلاء ونسألهم باسم يسوع المسيح أن يعملوا عملهم بسكون، ويأكلوا خبزهم".

القمص تادرس يعقوب ملطي: القديس يوحنا كاسيان.

كاسيودورس

نشأته

وُلد في Scylacium (Squillace) فيBruttium حوالي عام 479م من عائلة شريفة غنيّة مُحبة للوطن. صار سيناتور (عضو مجلس الشيوخ) ورئيس وزارة للأمراء الـ Ostrogothic في إيطاليا.

نال ثقافة عالية جدًا من جهة النحو والبلاغة والموسيقى والحساب والجبر والفلك والميكانيكا وعلم التشريح واللغة اليونانية والكتاب المقدس.

علمه ونبوغه شدّ أنظارOdoacar وهو حاكم بربري بإيطاليا فصار مستشاره الخاص. بعد هزيمة أوداكار علي يديّ ثيؤدورك Theodoricفي رافينا Ravenna عام 493م عاد إلى وطنه Bruttium، وفي نفس الوقت دفع الولاة على الولاء للحاكم الجديد فأقامه علي حكومة Lucania وBruttium.

بعد موت ثيؤدورك عام 525م صار كاسيودورس معروفًا جدًا كمشير موثوق فيه لدي ابنتهMalasuntha أرملة Eutaric الذي كان وصيًا علي ابنها (الأمير الصغير) Athalaric بتأثيره بقي القوط خاضعين للحاكم الجديد.

تكشف كتاباته عن دوره الحيوي في مصير بلاده، وعن وطنيته المخلصة لبلده.

تأسيس دير

بانتصارBelisarius وهزيمةOstogoths انسحب كاسيودورس وقد بلغ من العمر السبعين إلى ولايته وأنشأ ديرًا في Viviers عند سفح جبل Moscius وأقامه علي نظام الشركة.

إذ لم يوفّق في تأسيس مدرسة لاهوتية علي مثال مدرسة الإسكندرية اللاهوتية جعل من ديره مؤسسة تعليمية وشجّع على الدراسات العلمية والمسيحية وعلى نسخ المخطوطات والتجليد وتحضير الأدوية. وحسب الدراسة العلمية جزءً من العبادة.

وهب الدير مكتبته اللاتينية الضخمة.

انشغل بعمل مصابيح وساعات شمسية وساعات مائية للدير.

كتاباته

1. 12 كتاب عن "المتنوعات" Varieties. بدون هذه المجموعة يصعب التعرف على إيطاليا في القرن السادس.

2. التاريخ الكنسي الثلاثي Historie Ecclesiasticae Tripartate، وهو عبارة عن ملخص لما ورد في تاريخ سقراط وسوزومين وثيؤدورت، التي قام بترجمتها العلامة أبيفانيوس Epiphanius Scholasticus إلى اللاتينية لهذا الغرض.

أراد كاسيودورس أن يكون هذا العمل تكملة واستمرارًا لترجمة روفينوس المنقّحة والمزيدة لكتاب يوسابيوس "التاريخ الكنسي". ورغم أخطاء "التاريخ الكنسي الثلاثي" إلا أنه استخدم كثيرًا في العصور الوسطي.

3. التاريخ: أغلبه مقتبس من يوسابيوس وجيروم وبروسبرProsper.

4. عن الفصح Computus Paschalis.

5. تفسير المزاميرExpositio in Psalmos اعتمد فيه علي القديس أغسطينوس.

6. تفسير نشيد الأناشيد Expositio in Cantica Canticorum، ويشك في أصالتها.

7. القوانين الإلهية الأدبية De Institione Divinarum Literum، وهي عمل هام يوضح الروح المنير الذي يحي الحياة الرهبانية في دير.

8. طبيعة الرسائل الرسولية Complexiones in Epistolas Aposolorum وأعمال الرسل والرؤيا.

9. De Artibus ac Disciplinis Liberalium.

10. De Oratione et de Octo Portibus Orationis مشكوك في أصالة نسبتها له.

11. الهجايةDe Orthographia.

12. عن النفسDe Anima.

كالب الملك القديس

عاصر القديسين التسعة القادمين من صعيد مصر إلى أثيوبيا في بدء القرن السادس (514 - 542م). وهو الذي قضى علي ذي نواس أو فينحاس اليهودي ملك اليمن لكي يُنقذ المسيحيين من اضطهاده، وقد انتقم لشهداء نجران.

إذ شعر بمساعدة الله له بعجائب كثيرة أرسل تاج ملكه إلى القدس ليُعلن على القبر المقدس اعترافًا بعمل الله معه. ثم زهد العالم وترك كل شيء وترهب.

تعتبره الكنيسة الأثيوبية مؤسس الرهبنة في أثيوبيا.

دير البراموس: الرهبنة الحبشية، 1999م، ص105.

كاللينيكوس الشهيد

أحد شهداء سيليسيا Cilicia، حيث أُجبِر على الجري مسافة ستة أميال لابسًا حذاء به مسامير من الداخل حتى وصل إلى جانجرا Gangra في بافلاجونيا Paphlagonia حيث أُحرِق، وحيث اشتهرت بعد ذلك الكنيسة التي بنيت على اسمه.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. I, page 390.

كالوسيرُس وبارثينيوس الشهيدان

كان الشقيقان كالوسيرُس وبارثينيوس خصيين يعملان في منزل تريفونيا Tryphonia زوجة الإمبراطور ديسيوس Decius كانا يجاهران بمسيحيتهما، وحين اشتعلت نيران الاضطهاد فضلا الاستشهاد عن الذبح للأوثان.

كانا من أرمينيا وأتيا إلى المشرق مع الوالي الروماني أيميليان Aemilian. وحين مات راعيهما تركهما لرعاية ابنته أناتوليا Anatolia، بالإضافة إلى رعاية أملاكه التي كان المفروض توزيع جزء منها على الفقراء. حين وقفا أمام ديسيوس كانت التهمه الموجهة ضدهما مضاعفة: أولاً لأنهما مسيحيان، وثانيًا لتبدديهما ميراث أناتوليا.

دافعًا بقوة عن نفسيهما واعترفا بشجاعة بمسيحيتهما، فحُكِم عليهما بالحرق أحياء، ولما لم تؤثر فيهما النيران ضُرِبا على رأسيهما بالعصي حتى استشهدا، وكان ذلك سنة 304م.

Butler, May 19.

كاليبوديوس الشهيد1

كان كاهنًا رومانيًا واستشهد في زمن حكم الإمبراطور الكسندر ساويرس Alexander Severus حين قام الرعاع المتعصبون بثورة ضد المسيحيين، فقُطِعت رأس كاليبوديوس وأُلقيت جثته في نهر تايبر Tiber، ثم عثر عليها أحد الصيّادين وأخذها للبابا كاليستوس Callistus.

من بين الذين استشهدوا في نفس الاضطهاد كان الوالي بالماتيوس Palmatius وعائلته واثنان وأربعون من بيته، والسيناتور سيمبليشوس Simplicius مع ثمانية وستون من تابعيه، وزوجان هما فيلكس Felix وبلاندينا Blandina، وكان استشهاد هؤلاء القديسين سنة 222م.

Butler, May 10.

كاليستوس أسقف روما

العبد الهارب

كان كاليستوس أو كاليكستوس Calixtus في الأصل عبدًا، وكان سيّده رجلاً مسيحيًا اسمه كاربوفورُس Carpophorus. سلّمه سيده بعض المال، ولكن لسبب ما - لا يرتبط بأمانته تجاه سيده - فقد هذا المال. اضطر لذلك أن يهرب من روما.

كاليكستوس المعترف

هناك قُبِض عليه بسبب مسيحيته وسيق للعمل في مناجم سردينيا Sardinia. بعد ذلك أصدرت ماركيا Marcia التي كانت في رفقة الإمبراطور كومودُس Commodus أمرًا بإطلاق سراح المسيحيين.

حين صار القديس زيفيرينُس Zephyrinus أسقفًا لروما حوالي سنة 199م، جعل كاليستوس - الذي حصل على حق المواطنة - مسئولاً عن أول مقابر للمسيحيين في منطقة Appian Way، فاعتنى بها وأضاف إلى مساحاتها، لذا دُعيت سرداب سان كالستو San Callisto.

كاليكستوس الأسقف

بعد ذلك رسمه الأسقف زيفيرينُس شماسًا وصار صديقًا ومستشارًا له، وبعد نياحة الأسقف اختاره معظم الإكليروس والشعب في روما ليخلفه حوالي عام 217م.

تهاونه

شهدت فترة رئاسته اعتراضات عقائدية ونظامية على بعض قراراته التي اتسمت بالتهاون، مثل الآتي:

تهاونه مع الأساقفة الذين ارتكبوا جرائم علنية خطيرة.

السماح بسيامة الذين كان لهم زواج ثانٍ أو ثالث.

السماح بزواج المرأة الحرة من العبد أو الجارية من الحر، مخالفًا بذلك قانون روما المدني.

أما من الجانب اللاهوتي فقد حاول التوفيق بين السابيلية التي ترى في الثالوث ثلاثة أشكال لا ثلاثة أقانيم وبين لاهوت هيبوليتس، وقد مال إلى حد ما نحو السابيلية أثناء دفاعه عن الوحدانبة، وإن كان قد دان سابيليوس بعد سيامته أسقفًا. ويرى البعض أنه كان مدافعًا شجاعًا عن الإيمان المستقيم، وأنه لو عُرِف الأكثر عنه ربما لأصبح واحدًا من أعظم الأساقفة بروما.

نياحته

مع أنه لم يَعش في زمن اضطهادات الكنيسة، إلا أن البعض يظن أنه قد استشهد، ربما في أحد الثورات الشعبية، وكانت وفاته سنة 222م.

Butler, October 14.

كاليوبيوس الشهيد2

شهيد من بمفيلية Pamphylia، أُحضِر أمام نوميريوس ماكسيموسNumerius Maximus حيث جُلِد وصُلِب في يوم الجمعة العظيمة 7 إبريل سنة 304.

دفعت أمه ثيؤديا Theodeia للجنود المكلَّفين بصلبه خمس قطع ذهبية حتى يصلبوه منكس الرأس، وغير معروف إن كان قد ثُبِّت فعلاً على الصليب أم استشهد قبل تنفيذ الحكم.

يقال أن أمه قد توفّيت عند جسد ابنها الشهيد.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. I, page 390.

كانتيوس وكانتيانوس وكانتيانيللا الشهداء

أشراف بروما

كان الشقيقان كانتيوس وكانتيانوس وأختهم كانتيانيللا من أسرة رومانية شريفة. توفى والدهم، فقام بتربيتهم في منزلهم في روما معلّم ومرشد مسيحي يدعى بروتس Protus، هذا أرشدهم إلى الإيمان المسيحي.

حين بدأ دقلديانوس اضطهاده ضد المسيحيين، أطلقوا سراح عبيدهم وباعوا كل أملاكهم ووزّعوها على الفقراء ورحلوا إلى أكويليا Aquileia، فوجدوا هناك أيضًا أوامر الاضطهاد تُطبق بكل عنف ضد المسيحيين.

الأشراف الصغار في أكويليا

إذ علم المسئولون بوصول الأشراف الصغار طلبوا إليهم الحضور لتقديم القرابين للآلهة، وفي نفس الوقت أرسلوا رسول إلى دقلديانوس يسألونه عن التعليمات بشأن التعامل مع هؤلاء الأشراف. إذ أراد الإمبراطور التخلص منهم لأسباب سياسية أكثر منها دينية وجدها فرصة مناسبة فأرسل ردّه بأن تُقطع رؤوس الثلاثة إن لم يمتثلوا لأوامره بتقديم القرابين للآلهة.

استشهادهم مع معلمهم

تم القبض عليهم على بعد أربعة أميال من مدينة Aquae Gradatae، وهناك أُحضِروا أمام المحققين الذين طلبوا منهم طاعة أوامر الإمبراطور، فأجابوهم أنهم لن يتخلّوا أبدًا عن إيمانهم بالله الحقيقي وحده، وكانت النتيجة أن قُطِعت رؤوس الأشقّاء الثلاثة مع معلّمهم بروتس سنة 304.

Butler, May 31.

كانديا القديسة

كانت ابنة لقائد يدعى تراجان، وقد جاهدت لكي تصل إلى الكمال المسيحي وخدمت الكنائس وقدّمت الأموال للكهنة، وكرّست ابنتها أيضًا للمسيح ووزّعت الصدقات على المساكين.

كانت تتعب جسدها فتقوم مبكّرة وتطحن القمح بيديها وتعجن الدقيق وتوقد الفرن لقهر شهوة الجسد.

منعت نفسها من تناول اللحوم، وكانت تتناول الخضر بالزيت في أيام الأعياد فقط، بينما عاشت بقية عمرها على الخبز المنقوع في الخل، وكانت تقضي الليالي في العبادة والتسبيح منتظرة مجيء المسيح.

بستان القديسين، صفحة 43.

كانون الشهيد

استشهد في زمن الإمبراطور ديسيوس في بامفيلية Pamphylia في السادس من شهر مارس.

كان بستانيًا ويقال أنه أتى من الناصرة Nazareth، وكان رجلاً بسيطًا فقيرًا محبًا للغرباء.

حين أخبروه أن الوالي يطلبه تساءل: ماذا يريد الوالي من رجلاً مثله، خاصة وأنه مسيحي. أمره الوالي بالذبح للأوثان، زمجر ودعا الوالي أن يترك عبادة الأوثان ويؤمن بالسيد المسيح.

ثقبوا ركبتيه ووضعوا فيهما مسامير، وبهذه الحالة ألزموه على الجري أمام عربة حتى مات.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. I, page 621.

كاؤو الشهيد

دعوة للاستشهاد

كان من بمويه إحدى بلاد الفيوم. وفي الوقت الذي صدر فيه أمر دقلديانوس بعبادة الأصنام كان هذا القديس مقيمًا في مسكن بناه لنفسه ليتعبّد فيه خارج بلده، فظهر له ملاك الرب في الرؤيا وقال له: "لماذا أنت جالس هنا والجهاد ميسور؟ قم الآن وامضِ إلى اللاهون حيث تجد هناك رسول والي الإسكندرية. اعترف أمامه باسم السيد المسيح فتنال إكليل الشهادة".

تحطيم التمثال الذهبي

استيقظ القديس من نومه فرِحًا ومضى إلى اللاهون، فوجد الرسول على شاطئ البحر. فلما نظره الرسول فرح به وأعجبه حسن منظر شيبته فأكرمه كثيرًا وأجلسه على كرسي، ثم أخرج من جيبه صنمًا من ذهب مرصعًا بالحجارة الكريمة وقال له: "هذا هدية الملك إلى والي أنصنا".

أخذه القديس في يده وصار يقلبه معجبًا بحسن صنعه، ثم طرحه على الأرض فكسره. فغضب رسول الملك منه، وأمر فربطوا القديس كاؤو وأخذه معه إلى والي أنصنا وهناك أعلمه بقضيته. فعذّبه الوالي كثيرًا ثم أرسله إلى والي البهنسا فعذّبه هو أيضًا. ولما لم يخضع لعبادة الأوثان قطعت رأسه فنال إكليل الشهادة.

حضر بعض المؤمنين وأخذوا الجسد إلى المكان الذي كان القديس يتعبد فيه فدفنوه فيه وبنوا له كنيسة هناك فيما بعد. وقد أظهر الله فيها آيات كثيرة.

السنكسار، 28 طوبه.

كايريمون وإيسكيريون الشهيدان

يتحدث القديس ديونيسيوس السكندري في رسالته إلى فابيان الأنطاكي Fabian of Antioch عن المسيحيين المصريين الذين تعذبوا وعانوا أثناء اضطهاد ديسيوس، فيشير إلى كثيرين اضطروا إلى الهروب في الصحراء وهلكوا من الجوع والعطش والحيوانات المفترسة، وكثيرون آخرون قُبِض عليهم وبيعوا كعبيد.

يذكر بالتحديد اسم كايريمون الذي كان رجلاً عجوزًا جدًا وأسقفًا على نيلوبوليس Nilopolis وهرب مع شخص آخر إلى جبال العربية، ولم يُرَ أو يُسمَع عنه بعد ذلك، وخرج الاخوة للبحث عنهما ولكن لم يجدوا ولا حتى جثتيهما.

يشير ديونيسيوس أيضًا إلى إيسكيريون الذي كان مندوبًا لأحد الأمراء في إحدى مدن مصر. أمره سيده أن يذبح للأوثان ولكنه رفض ولم يُثنِهِ عن رأيه التهديد أو التعذيب، أخيرًا أمر سيده أن يشوهوه ويقتلوه، فنال إكليل الشهادة في سنة 250م.

Butler, December 22.

كايوس أوغايوس أسقف روما

هو أسقف روما الذي جلس على الكرسي سنة 283م، ويقال أنه هو نفسه غايوس الشماس الذي سُجِن مع اسطفانوس أسقف روما سنة 257م. ويقال أن في بداية عهده اشتعلت نار الاضطهاد على الكنيسة، ولكن فيما بعد هدأت حدة الاضطهاد ونعمت الكنيسة بالسلام.

وقد قام الأسقف غايوس بتقسيم روما إلى مناطق وجَعَل شماسًا مسئولاً عن كل منطقة، كما أنه أرسل بعثات تبشيرية إلى سردينيا Sardinia. وقد تنيح بسلام في 22 إبريل سنة 296م.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. I, page 386.

كبريانوس أسقف قرطاجنة الشهيد

يعتبر اللاهوتي الغربي الثاني بعد العلامة ترتليان. يقول عنه القديس جيروم في كتابه مشاهير الآباء: "كان معتادًا ألا يدع يومًا يعبر دون القراءة في كتابات ترتليان. وقد اعتاد أن يقول لتلميذه اعطني العلم، قاصدًا بذلك معلمة ترتليان".

سجّل لنا شماسه بونتيوس Pontius سيرته، هذا الذي شاركه ورافقه إلي يوم استشهاده، كتبها بعد استشهاده مباشرة.

نشأته

في قرطاجنة عاصمة شمال أفريقيا وُلد ثاسكيوس كايكليانوس (ساسيليوس) كبريانوس Cyprianus (Caecilius) Caecilianus Thascius علي الأرجح ما بين سنة 200 و210م. من أسرة شريفة وثنية. كانت قرطاجنة في حدود دولة تونس في شمال أفريقيا علي خليج تونس، وكان والده من أشرف قضاة المدينة.

تثقف ثقافة عالية حسب مقتضيات عصره ووضعه الاجتماعي. نال قسطًا وافر من العلوم، لاسيما المنطق والفلسفة والفصاحة، وكان قد تزوّّج وأنجب أولادًا.

إذ بلغ سن الشباب صار خطيبًا فصيحًا ومعلمًا للخطابة والفصاحة، وذاع صيته. ويبدو أنه عاش منغمسًا في الرذيلة شأن معظم شباب عصره. اهتدى إلى المسيحية وآمن على يد كاهن شيخ يُدعى كايكليانوس (ساسيليوس) بقرطاجنة، وكان ذلك حوالي سنة 246م وانضم إلى صفوف الموعوظين. إذ لمست النعمة الإلهية قلبه هاله الفساد الذي حل بالبشرية علي مستوي الأفراد والجماعات والحكومات، فاعتنق الإيمان المسيحي.

نال سرّ العماد علي يدي الكاهن ولمحبته فيه دُعي "ساسيليوس كبريانوس" بإضافة اسم الكاهن إلي اسمه. وقد حدث تغيّر جذري في حياته إذ يقول:

"بعد أن تعمَّدت اغتسلت من ماضي خطاياي بفعل ماء معمودية المجدد، وتدفّق نور من السماء في قلبي التائب الذي يبدد الشكوك ويفتح النوافذ وتنجلي الظلمة.

وما كنت أراه من قبل صعبًا صرت أراه سهلاً.

وما كنت أظنه مستحيلاً صار أمرًا واقعًا.

وظهرت لي الحياة الماضية أرضية مولودة من الجسد، والآن ولدت من الماء والروح. هذا عمل الله ".

بعد قبول المعمودية أخذ كبريانوس أربع خطوات هامة في حياته:

أولاً: باع أغلب أملاكه ووزعها علي الفقراء والمساكين، مستبقيا القليل منها لسد احتياجاته.

ثانيًا: وهو في سن السادسة والأربعين تقريبًا نذر حياة البتولية برضا زوجته وسلمها مع أولادها للكاهن الشيخ سيسيليانوس وقدم لهم بعضًا من أمواله. أحب البتولية كعلامة لاشتياقه إلى الإلهيات ورغبته في قرب زوال العالم وتمتعه بالحياة الأخرى مع السمائيين. وفيه أيضًا احتجاج عملي علي الفساد الخلقي النجس الذي كان متفشيًا في عصره.

ثالثًا: جحده الدراسات العالمية وتركيزه علي دراسة الكتاب المقدس يوميا، واهتمامه بكتابات العلامة ترتليان. قال القديس عن نفسه أنه بعد عماده ازدري بالفصاحة البشرية واحتقر تنمّق الكلام والعناية بزخرفة الألفاظ، ومع هذا فكتاباته تشهد عن فصاحته.

رابعًا: كرس مواهبه لخدمة ملكوت الله، فاستكمل منهجه في علم الاختزال، واستطاع به أن يسجل بكل دقة آراء سبعة وثمانين أسقفًا حضروا المجمع الذي دعا إليه عام 326م بخصوص إعادة معمودية الهراطقة.

أسقفيته

صار كبريانوس مثلاً عجيبًا دُهش له المسيحيون كما الوثنيون. إذ تنيّح الأسقف انتخبه الإكليريكيّون والشعب خليفة له. لم يعبأ الشعب بمعارضة بعض الكهنة مثل نوفاتيوس Navatus لسيامة كبريانوس أسقفًا بحجة حداثة إيمانه.

هرب القديس واختفي في بيته، فهرعت الجماهير تبحث عنه، وحرست الجماهير مخارج المدينة وحاصروه، فخضع لآرائهم وسلم نفسه إليهم وسيم حوالي عام 249م.

اضطهاد ديسيوس

لم تمضِ سنة واحدة علي أسقفيته حتى هبت عاصفة شديدة من الاضطهاد أثارها الإمبراطور ديسيوس الذي أصدر مرسومًا إمبراطوريًا سنة 250م بالقضاء علي المسيحية. وهو أول اضطهاد شامل عمَّ أنحاء الإمبراطورية الرومانية كلها. فنال كثيرون إكليل الشهادة، وضعف بعض المرتدّين، والبعض هربوا، وآخرون حُسبوا معترفين. أنكر البعض الإيمان وبخّروا للأوثان، ولجأ البعض إلي الحصول علي شهادات مزوّرة تفيد بأنهم قد بخّروا للأوثان ليهربوا من التعذيب والقتل.

كتب القديس كبريانوس أن الله سمح بهذا الاضطهاد الشديد لأجل تراخي المؤمنين في العبادة، لأنهم لما استراحوا في زمن فيلبس قيصر وابنه اللذين تركا المسيحيين في سلام طفق الشعب ينهمك في المكاسب الزمنية، وتراخى رجال الدين والرهبان في دعوتهم المقدسة، وأحبت النساء الثياب الفاخرة ورغد العيش، لذلك رفع الله عليهم عصا أعدائهم لكي ينهبوهم فيتوبون.

كان القديس في صراع بين التقدم إلي ميدان الجهاد للتمتع بإكليل الشهادة، وهذا ما كانت تميل إليه نفسه، وبين الاختفاء قليلاً لأجل منفعة الشعب، وهذا ما تستلزمه ظروف الاضطهاد المرّة حتى يسند شعبه. أخيرًا رأي كبريانوس أن يتواري عن الأبصار ليس خوفا من الموت وإنما "لكي لا تثير جرأته المتناهية غضب الحكام" إذ كان يخشى من انهيار ضعفاء الإيمان.

ويبدو أنه فعل ذلك بإعلان إلهي. كان يرعى شعبه من مخبأه، فكراعٍ صالح يبعث برسالة للشعب لكي يسندهم، كان يحثّهم علي محبة مضطهديهم. كتب رسائل كثيرة أرسلها من مخبأه تشديدًا للمعترفين في السجون والمناجم وإظهارًا لمجد الاستشهاد، وتوصية للخدام والإكليروس بالعناية بالمعترفين والشهداء ماديًا ونفسيًا وروحيًا. كما كان يرسل ليلاً أشخاصًا يهتمون بأجساد الشهداء ويقومون بدفنها، ويهتم باحتياجات عائلاتهم الروحية والنفسية والمادية.

حاول بعض المنشقّين مهاجمة القديس بسبب هروبه، لكن كما يقول تلميذه كان يسير بخطى سريعة نحو الإكليل المُعد له، وأن معلّمه قد حُفظ وقتئذ "بأمر من الرب".

استمر الاضطهاد لمدة خمسة عشر شهرًا، فترة حكم ديسيوس وبعد موته استراحت الكنيسة وعاد القديس إلي كرسيه.

مشكلة الجاحدين

إذ ارتد البعض عن الإيمان بسبب الضيق الشديد عادوا إلى الكنيسة فظهر اتجاهان الأول هو التساهل معهم واتخذ غيرهم موقفًا متشددًا.

أوصى الشماس فيلكسيسموس Felicissimus قبول الساقطين فورًا. وقبل بعض الكهنة الجاحدين للإيمان أثناء الاضطهاد بدون استشارة الأسقف كبريانوس ودون استخدام قوانين التوبة، وسمحوا لهم بالتناول من الأسرار المقدسة دون أي تأديب.

استغل معارضو سيامة القديس الفرصة وأثاروا هذه المشكلة بكونها تهاونًا في حق قدسية الكنيسة، ونادوا بالانفصال عن رئاسة القديس كبريانوس.

بعد فصح سنة 251م إذ عاد السلام إلي الكنيسة ورجع الأسقف إلي كرسيه بدأ يكرّم الشهداء، وجمع حوله المعترفين الذين تألّموا من أجل الإيمان، وجاءت رسائله تحمل مزيجًا من الفرح الشديد بالشهداء والمعترفين وأيضًا الذين هربوا حتى لا يجحدوا الإيمان مع الحزن المرّ علي الجاحدين. طالب الجاحدين أن يقدموا توبة بتواضع، معترفين بخطاياهم إذ داسوا إكليل الشهادة بأقدامهم، وقد ترك باب التوبة مفتوحًا أمام الجميع لكن بغير تهاون. لقد حرص علي تأكيد أمومة الكنيسة التي تلد المؤمنين وتربيهم وتؤدبهم وتقدم لهم الحضن الأبوي.

مجمع قرطاجنة

في عام 251م عقد أساقفة إفريقيا مجمعًا بخصوص هذا الشأن عرف بمجمع قرطاجنة لدراسة موقف الجاحدين الراجعين. عالج هذا المجمع المشكلة من كل جوانبها.

فقد ارتد البعض عن الإيمان علانية، وقدم آخرون رشوة للقضاء الوثنيين وأخذوا منهم شهادة بأنهم قدموا ذبيحة للآلهة. وقد أكد القديس لهم أن مثل هذه الشهادة هو نوع من النفاق فندم كثيرون علي ما فعلوه.

كانت صرامة قوانين التوبة تصد البعض عن الرجوع إلي الكنيسة، فلجأ البعض إلي المعترفين الذين سُجنوا من أجل الإيمان وطلبوا شفاعة الكنيسة لكي تصفح عنهم وتقبلهم في الشركة وتخفف عليهم القوانين، وقد نشأ عن هذا نوع من التراخي.

شدد المجمع علي رجال الدين الذين جحدوا الإيمان إذ قبلوهم بين الشعب مع عدم العودة إلي عملهم الكهنوتي. أما أصحاب الشهادات الوثنية فقبلهم المجمع بعد وضع قوانين يلتزمون بها.

قطع المجمع فيليكسيموس وجماعته، وأوجبوا دخول الساقطين في التوبة، ولم تقبل عودة أحد منهم في الكنيسة إلا إذا كان مشرفًا علي الموت.

أُسر بعض المسيحيين

دخل البرابرة إقليم نوميديا وأسروا الكثيرين من المسيحيين. بدأ القديس يحرك قلوب المؤمنين علي افتداء اخوتهم الأسري بصدقتهم. وبالفعل جمع مالاً وفيرًا وأنقذ المؤمنين من الأسر.

مشكلة الوباء

القديس كبريانوس ومرض الطاعون

تفشّى مرض الطاعون في أثيوبيا ومصر حوالي عام 250م ثم انتقل إلى قرطاجنة عام 252م، وظلّ يهدّد أنحاء الإمبراطورية قرابة عشرين عامًا أخري. وكما يقول تلميذه الخاص بونتيوس أنه كان طوبيا زمانه، يهتم بالمرضي والراقدين دون تمييز بين مؤمن وغير مؤمن. فقد أكد علي شعبه ضرورة خدمة الكل بلا تمييز، وتقديم الصدقات للجميع، وحثهم علي البذل والسخاء من أجل العبور إلي السماء خلال الكنيسة بيت الإيمان.

مع خطورة هذا المرض في ذلك الحين أدرك المسيحيون رسالتهم كشهودٍ علي أنهم أولاد الله أن يهتموا بالمنكوبين بلا خوف من انتقال العدوى وتعرضهم للموت. جاء في حياة كبريانوس بقلم شمّاسه [يليق بنا أن نعطي جوابًا عن ميلادنا الجديد، ولا يليق بالمولودين من الله أن يتخاذلوا، بل بالأحرى يبرهنون علي ولادتهم من الآب الصالح بإظهار صلاحه (9).]

معمودية الهراطقة

لم تعترف كنيسة أفريقيا بمعمودية الهراطقة، شاركتها في ذلك كنيسة نوميدية في ثلاثة مجامع عقدت في قرطاجنة في السنتين 255 و256م. كتب الأب اسطفانوس أسقف روما خطابًا شديد اللهجة مهددًًا إياه بالقطع بسبب ذلك، فلم يعبأ القديس كبريانوس بالخطاب. وقد استشهد الاثنان في عام 258م.

اضطهاد فاليريان

في أثناء حكم فالريان، وفي أغسطس سنة 257م أثير الاضطهاد مرة ثانية، وأُستدعي كبريانوس، ووقف أمام الوالي الروماني على أفريقيا تنفيذًا لقرار الإمبراطور. لما سأله عما إذا كان يصر على عدم إتباع ديانة روما، أجاب أنه مسيحي وأسقف ولا يعبد إلا الله الواحد خالق السماء والأرض.

لم يجسر أسباسيانوس حاكم قرطاجنة يومئذ أن يقتل القديس كبريانوس نظرًا لجزيل اعتباره من الناس. فأصدر أمره بنفيه والخروج من المدينة.

قضي القديس مدة سنة في المنفي علي بعد نحو 50 ميلاً من قرطاجنة، حيث كتب الكثير عن الاستشهاد. ولما عزل أسباسيانوس عن منصبه وخلفه غاليريوس ماكسميانوس رجع القديس إلي قرطاجنة وهو مشتاق إلي إكليل الشهادة في بلده وسط شعبه وقد حقق الله له أمنيته.

سكن في بستان مع بعض رجال الإكليروس وأصدقائه، وكانت الجماهير تتوافد عليه. أشار عليه قوم من أصدقائه وكان كثير منهم من الوثنيين ذوي المكانة يحثّونه على تفادي الأخطار، وعرضوا عليه أماكن يختفي فيها حتى لا يقبض عليه الحاكم، فلم يقبل.

أرسل الحاكم الجنود والقوا القبض عليه، وكان الجنود يريدون نقله إلي أوتيكا عند الوالي، إلا أن الأسقف أراد أن يعلن عن إيمانه وسط شعبه فتجمهر الشعب حوله. وفي الصباح مضي به الجنود إلي الوالي. وكما يقول فونتيوس أنه كان يجري في سيره نحو المسيح كما يجري المصارعون المجاهدون. وأنه كان يتوق إلي التمتع بمعمودية الدم، كما كان يردد الكلمات التالية: "هناك، فوق فقط يوجد السلام الحقيقي، والراحة الأكيدة الدائمة الثابتة، والأمان الأبدي… هناك بيتنا فمن لا يسرع إليه؟"

أركبوه مركبة وجلسوا المسئولين عن يمينه وعن يساره ليصير حتى في يوم استشهاده في صورة رسمية. أسرعت الجماهير بإعدادٍ لا حصر لها وقد اختلطت مشاعرهم بين الفرح بالأسقف المحب للشهادة والحزن. وكان الكل يودعونه أما هو فوقف في هدوء ورزانة متحليًا بروح الرجاء والإيمان. سمع الأسقف الحكم عليه بالإعدام بالسيف في دار الولاية وهو يردد: "الشكر للَّه، وأشكر الله وأباركه".

تبعته الجموع إلي مكان الاستشهاد خارج المدينة. وهناك خلع ثوب الكهنوت وسلمه لشماسه وألقي كلمة صغيرة يعزّي بها شعبه ثم جثا علي ركبته مصليّا، وإذ رأي السياف مرتعدًا قدّم له خمس قطع ذهبية تشجيعًا له. وتقدم بعض أبنائه من رعيته وفرشوا تحته ثيابهم لتلتقط دماءه، ثم عصب عينيه بيديه ليُسلم نفسه في يديّ مخلصه، وكان ذلك في 14 سبتمبر سنة 258م، فنال إكليل الشهادة..

حمل المؤمنون جسده ليلاً بالشموع مع الصلوات في موكب النصرة إلي مقرّه الأخير.

اهتزّت قلوب شعبه وهو يقدم بكل حب حياته من أجل مخلصه. وقد عبر تلميذه بنتيوس عن مشاعره الشخصية فقال:

"يتمزق ذهني في اتجاهات متباينة.

أفرح إذ أرى آلامه، وأحزن من أجل بقائي هنا.

مشاعر مختلطة تمثل ثقلاً علي قلب مرتبك هكذا.

هل أحزن لأنني لا أرافقه؟

ومع هذا فإن نصرته التي نحتفل بها مبهجة، فهل احتفل بها؟

إني حزين لأني لا أرافقه، ومع هذا يلزمني أن اعترف لكم في بساطة عن أمر أنتم تعرفونه. إنني متهلّل جدًا بمجده، ولكنني حزين أكثر إذ تًركت ورائه هنا ".

شخصيته

قدم لنا تلميذه الذي عاش معه في منفاه حتى لحظة استشهاده صورة حيّة عن شخصيته فقال:

"كانت القداسة والنعمة تشعان من وجهه بقوة، فكان يربك أذهان من يتطلعون إليه.

ملامحه جادة ومفرحة، ليست عنيفة بعبوسة ولا عذابه برخاوة...

يدهش الشخص هل كان يستحق أن يُهاب أم يحب؟ فإنه كان مستحقًا أن يهاب ويحب ".

كتاباته

كان كبريانوس رجل رعاية أكثر منه رجل لاهوت، فلم يكتب لأجل البحث في اللاهوت وإنما ليعالج مشاكل رعوية وكنسية عملية وتسد احتياجاتهم حسب الظروف التي عاشت فيها الكنيسة في قرطاجنة. من بين كتاباته:

1. مقال لصديقه دوناتوس Ad Donatum بمناسبة عيد عماده وذلك في فصح 246م. يسجل فيه ليس فقط سرّ قبوله الإيمان المسيحي وإنما يحث الآخرين ليتبعوا نفس مسلكه، مبرزًا نعمة الله الفائقة التي ظهرت وسط الليل الحالك من فساد البشرية.

2. مقال في لباس العذارى De habitu virginum فيه يوجهن إلي خدمة الفقراء عوض الاهتمام بالزينة. يوصي العذارى ببساطة الملبس وعدم التبرج ولبس الحلي، مع عدم اشتراكهن في حفلات العرائس الصاخبة وعدم الدخول في الحمامات المختلطة، واستخدام أموالهن في مساعدة الفقراء.

3. مقال في الساقطين أو المرتدين De lapsis كتبه عقب عودته من مخبأه عام 251. فيه يحذّر المعترفين من التشفع في الساقطين في العبادة الوثنية دون ضغوط شديدة، فإن التساهل معهم يحرمهم من ممارسة التوبة.

4. في الموت De martalitale حيث يميز بين موقف المؤمنين وغير المؤمنين من الموت.

5. في الصلاة الربانية De dominica oratione بكونها أفضل الصلوات، حيث يلذ للأب أن يسمع كلمات ابنه، وبها يصير المسيح نفسه شفيعًا لنا أمام العرش ويليق بمن يتلوها أن يكون هادئا متواضعًا أمام الله. وهي تستوجب الوحدة إذ يصلي المؤمن بصيغة الجمع عن الجميع.

6. الأصنام ليس آلهة.

7. في الوحدة الكنسية De ccelesiae unitate بسبب انشقاق نوفاتيان وفليسيسيموس Felicissimus، يوضح فيها أن الانقسام من عمل إبليس، وان الانشقاق أخطر من الاضطهاد. لا توجد ألا كنيسة جامعة واحدة، ومن لا يعتبر الكنيسة أمه لا يقدر أن يدعو الله أبا له. المعلمون الكذبة والهراطقة أشر من جاحدي الإيمان.

8. مجموعة رسائل متنوعة. من بينها رسالة عنوانها "الرد على ديمتريانوس" يؤكد فيها أن المسيحيين ليسوا مسئولين عما حلّ بالعالم من ويلات الحروب والأوبئة، فالعالم شاخ وانحطّ فقلّ خصبه ونتاجه، والذنب في ذلك ليس ذنب المسيحيين بل هو ذنب الوثنيين الذين أخطأوا وارتكبوا الموبقات واضطهدوا المسيحيين، فأثاروا بذلك غضب الله واستحقوا القصاص.

9. كتب مقالة عنوانها "حثّ على الاستشهاد" موجّهة إلى فورتوناتوس Fortunatus من ثلاثة عشر فصلاً يقول فيها:

"نحن الذين بسلطان من الرب مَنَحنا المؤمنين العماد الأول، علينا أن نعد كلاً منهم للعماد الثاني، بحثّهم وتعليمهم أن هذا العماد أعظم في النعمة وأسمى في القوة وأرفع في الشرف.

بمعمودية الماء ننال مغفرة الخطايا، وبمعمودية الدم نظفر بإكليل الفضائل.

في سفر الخروج لما خاف الشعب واشتهى الرجوع، قال لهم موسى لا تخافوا. قفوا وانظروا خلاص الرب. الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون. والرب في إنجيله يحذّرنا من أن نعود ثانية للشيطان وللعالم الذي رفضناه.

إننا على أبواب حرب أقسى وأشد، وعلى جنود المسيح أن يعدّوا ذواتهم لها بإيمان حيّ وشجاعة قوية، واضعين في اعتبارهم أنهم يشربون يوميًا كأس دم المسيح، حتى بذلك يمكنهم أن يسفكوا دماءهم لأجله ".

10. عن الأعمال والصدقات.

11. فائدة الصبر.

12. الغيرة والحسد.

13. إلى كويرينوس.

من كتاباته

إن عيني الخنزير اللّتين تنظران دائمًا إلي أسفل لا تستطيعان رؤية عجائب السماء. وهكذا أيضًا النفس التي يدفعها الجسد إلي أسفل لا تستطيع أن ترفع بصرها لتري الجمال العلوي.

إنها تتجه إلي الأشياء الوضيعة الحيوانية. إن النفس التي تريد أن تكرّس نظرها إلي المباهج السماوية تضع ما هو أرضي وراء ظهرها ولا تشترك فيما يورطها بالحياة الدنيوية.

إنها تحيل كل قوي الحب فيها من الأمور المادية إلي التأملات العقلية في الجمال اللامادي.

إن بتولية الجسد تفيد مثل هذه النفس. تهدف البتولية إلي أن تخلق في النفس نسيانًا كاملاً للشهوات الطبيعية، وتمنع عملية النزول باستمرار لتلبية الرغبات الجسمية. ومتى تحرّرت النفس مرة من مثل هذه الأمور لا تخاطر بالمباهج السماوية غير الدنسة لتكون جاهلة غير ملتفتة إليها، وتمتنع عن العادات التي تورط الإنسان فيما يبدو إلي حد ما أن ناموس الطبيعة يسلم به...

إن نقاء القلب الذي يسود الحياة هو وحده الذي يأسر النفس.

تمسك سمعان الرجل البار بمواعيد الله بإيمان كامل. حينما وُعد من السماء انه لا يرى الموت قبل أن يعاين المسيح، فإنه ما أن جاء المسيح إلى الهيكل مع أمه وعرفه بالروح حتى أدرك أنه يموت في تلك اللحظة. وفي وسط غمرة سعادته باقتراب الموت، وتأكده من استدعائه، حمل الطفل على ذراعيه وبارك الرب قائلاً "الآن أطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام لأن عيني قد أبصرتا خلاصك" (لو 29: 2)... شاهدًا بان خدام الله عندما يسحبون من وسط زوابع هذا العالم يدركهم السلام والهدوء والطمأنينة.

إننا بالموت نبلغ ميناء وطننا (السماوي)، الراحة الأبدية، وبه ننال الخلود.

هذا هو سلامنا وهدوءنا النابع عن الإيمان، وراحتنا الثابتة الأبدية.

كبريانوس وفيلكس ورفقاؤهما الشهداء

اسقفان من أفريقيا استشهدا في سنة 84م في الاضطهاد الذي أثاره الملك الأريوسي هونِريك. وردت سيرتهما في حرف "ف" تحت: "فيلكس وكبريانوس ورفقاؤهم الشهداء".

كتيفان

اعتقالها

في القرن السابع عشر الميلادي كانت كتيفان ملكة جورجيا قد بلغت الخامسة والثلاثين من عمرها. هجم "الشاه عبّاس العظيم" - وهو ملك من بلاد فارس - على جورجيا، وقد اتسم بالشراسة والطغيان والتعطش إلى سفك الدماء.

سقطت الملكة أسيرة بين يديه فاعتقلها وعرض عليها أن تنكر مسيحها، مقدمًا إغراءات كثيرة فرفضت.

سجنها في جناح خاص بقلعة مُحكمة لمدة عشرة أعوام كاملة بعيدة عن بلادها، وكان معها في القلعة كاهن تقي يُدعى هرقل وفتاة من الأشراف تُدعى تامار.

فرحها بالاستشهاد

سمع أحد الشبان أن الشاه عباس قادم إلى الملكة يعرض عليها ترك الإيمان أو التعذيب حتى الموت. دفع الشاب مبلغًا من المال لدى أحد الحراس لكي يلتقي بالكاهن هرقل ويخبره بما سمعه. حزن الكاهن لكنه امتلأ رجاءً في الرب الذي يعين وقت التجربة. نقل الكاهن الخبر للملكة التي فرحت جدًا كمن ينال إكليلاً، ومتهللة لأنها تشارك مسيحها آلامه.

لقاء مع الجماهير

أمام القلعة تجمهر شعب كثير ليرى الملكة وقد أُعد لها أتون نار عظيم. انفتح باب القلعة وخرج موكب الملكة يتقدمه عدد كبير من الحرس المدجّج بالأسلحة، ومعها الكاهن التقي وخلفهما جند كثيرون للحراسة.

تطلّعت الجماهير إلى الملكة وقد ارتدت فستانًا أبيض وهي مقيدة بسلاسل الحبس. تقدمت بخطوات ثابتة بلا اضطراب. ساد الساحة صمت رهيب.

أمرها الوالي جنجر خان أن تنكر مسيحها كأمر موكله الشاه عبّاس وإلا تنال عذابات حتى الموت. أما هي فأعلنت إيمانها بالسيد المسيح، مجاهرة مستخفة بكل أنواع العذابات.

صدر الأمر بنزع ثوبها، وفي صوت خافت طوّبها الكاهن هرقل قائلاً لها: أنها تشارك مسيحه عُريه.

كانت الملكة كتيفان تصلي بحرارة طالبة عونًا من السماء، وشاركها في ذلك الكاهن والمؤمنون الحاضرون.

سحب الجنود مسامير محماة بالنار ووضعت بجوار بعضها، ثم ألقى الجنود الملكة على المسامير، ولم يصدر منها إلا تأوّهات خافتة.

تكرر هذا العمل الوحشي عدة مرات، ثم وضعوا تاجًا محمى بالنار على جبهتها ففاضت روحها بين يدي مخلصها.

ابا كراجون الشهيد

كان من أهل البنوان وكان أولاً لصًا فاتفق معه شابان في اللصوصية، ومضوا إلى قلاية راهب فوجدوه ساهرًا في الصلاة. انتظروا إلى أن ينتهي من الصلاة ويرقد، ولكنه ظل واقفًا يصلى حتى انحلّت قلوبهم وجزعوا. وفى الصباح خرج إليهم الشيخ فخرّوا ساجدين أمامه وألقوا سيوفهم فوعظهم وعلّمهم ثم ترهَّبوا عنده.

أما القديس أبا كراجون فقد أجهد نفسه في عبادات كثيرة وتنبأ له الشيخ أنه سينال إكليل الشهادة على اسم المسيح، وقد تم قوله إذ أنه بعد ست سنوات أثار الشيطان الاضطهاد على الكنيسة فودع القديس أبيه وأخذ بركته ومضى إلى نقيوس واعترف باسم السيد المسيح أمام الوالي المعين من قِبَل مكسيميانوس قيصر، فعذبه كثيرًا ثم أخذه معه إلى الإسكندرية وهناك عذّبوه إذ علّقوه في صاري مركب خمس دفعات والحبال تتقطع. فوضعوه في زِق من جلد وطرحوه في البحر فأخرجه ملاك الرب من الماء وأمره أن يمضى إلى سمنود، فمرّ في طريقه على بلدة البنوان فعرفه أهلها وكان كل من به مرض يحضر إليه فيُشفى بصلاته.

ولما وصل إلى سمنود أجرى الله على يديه جملة عجائب منها أنه أقام بصلاته ابنة الوزير يسطس من الموت، فآمن الوزير وزوجته وكل جنوده ونالوا إكليل الشهادة وكان عددهم تسعمائة خمسة وثلاثين رجلاً. أما القديس فقد أرسلوه إلى الإسكندرية وبعد أن ساموه العذاب بمختلف الأنواع قطعوا رأسه ونال إكليل الشهادة، فظهر ملاك الرب لقسٍ من منوف في رؤيا وعرفه عن مكان جسد القديس فأتى وأخذه، وبعد انقضاء زمن الاضطهاد بنوا له كنيسة على اسمه في البنوان ووضعوا جسده بها.

كردونوس البطريرك الرابع

✞ اجتمع الأساقفة والكهنة والشعب وتشاوروا حول من يجلس خلفًا للبابا ميليوس (البطريرك الثالث)، فاتفق رأيهم بتأييد روح الله القدوس على انتخاب رجل فاضل اسمه كردونوس قيل أنه ممن عمدهم الرسول مرقس الرسول، فرُسِم بطريركًا في 7 توت سنة 98م في عهد تراجان قيصر.

✞ كان هذا الأب عفيفًا متصفًا بكل الصفات الصالحة فرعى كنيسته باجتهاد وأمانة فكان أشهر رجال الدين في عصره وأتقاهم وأكثرهم علمًا.

✞ قُبِض عليه واستشهد في الاضطهاد الذي أثاره تراجان قيصر في 21 بؤونة سنة 108م، وكانت خدمته للكنيسة مدة 10 سنين و9 شهور و10 أيام، وقد خلا الكرسي بعده ثلاث سنوات أو تزيد نظرًا لشدة الاضطهاد وعدم تمكن الشعب المسيحي من انتخاب خليفة له.

\بطاركة عظماء لكنيستنا القبطية الأرثوذكسية (ج 1)، صفحة 38.

كُرنيليوس البطريرك

✞ هو رابع بطريرك على كرسي إنطاكية Antioch وأول من تَسَمَّى باسم كُرنيليوس من سلسلة بطاركة إنطاكية. جلس على الكرسي بعد استشهاد البطريرك هِرون Heron سنة 129م، وتنيح سنة 143م حيث خَلَفَه البطريرك إيروس Eros.

A Dictionary of Christian Biography, vol. I, p. 689.

كُرنيليوس البطريرك الشهيد

✥ اختياره أسقفًا:

نتيجة الاضطهاد الذي عانت منه الكنيسة فترة حكم ديسيوس، ظل كرسي روما شاغرًا مدة اثني عشر شهرًا بعد استشهاد فابيان، إلى أن اُختير كُرنيليوس أسقفًا لروما لهذا المنصب.

✞ يقول عنه صديقه القديس كبريانوس الأسقف: "لقد قبل بشجاعة هذا الكرسي، قويًا في ذهنه ثابتًا في الإيمان، في الوقت الذي كان المعاند ديسيوس - في كراهيته للأساقفة - يهددهم ويتوعّدهم، حتى أنه كان يهتم بإقامة أسقف جديد في روما أكثر من اهتمامه بأمر أي أمير مقاوم له في الإمبراطورية".

✞ مشكلة رجوع الجاحدين:

لم تبدأ المتاعب مع هذا البطريرك من الإمبراطور على قدر ما بدأت من داخل الكنيسة نتيجة للخلاف في الرأي حول قبول توبة من جحد الإيمان نتيجة للاضطهاد.

* كان أحد الكهنة من شمال أفريقيا ويدعى نوفاتيان Novatian يتزعَّم حركة التشدد في قبول هؤلاء التائبين، وكان ينادي بأن الكنيسة ليس لها سلطان على مسامحة بعض الخطايا مثل القتل والزنا والزواج الثاني مهما كان الشخص تائبًا، وأن هذه الخطايا غير قابلة للغفران. كان نوفاتيان في هذا معارضًا لأسقف روما ولرأي أساقفة شمال أفريقيا ومن بينهم القديس كبريانوس والكنيسة الشرقية. وعُقِد مجمع للكنائس الغربية في روما حكم بهرطقة نوفاتيان وبقطعه من شركة الكنيسة.

✞ نفيه:

في عام 253م زادت حدة الاضطهاد على الكنيسة، ونفي الأسقف كرنيليوس عن كرسيه. وقد أرسل له القديس كبريانوس - الذي كان من المعجبين به - رسالة تحية وتهنئة لقبوله الألم من أجل السيد المسيح، وبسبب ثبات الكنيسة في روما حتى أن لم يوجد مسيحي واحد روماني أنكر الإيمان بسبب الاضطهاد. وبينما يعتقد البعض أن القديس كرنيليوس استشهد بقطع رقبته سنة 253م، يقول آخرون أنه تنيّح بسبب سوء المعاملة في منفاه، وقد نقل جسده إلى روما حيث دفن هناك.

Butler, September 16.

كرنيليوس القائد القديس

✥ قبوله الإيمان:

كان رئيسًا على مائة جندي بقيصرية فلسطين وكان يعبد الكواكب، فلما سمع عن التلاميذ ورأى الآيات التي كانت تُعمل على أيديهم مما تعجز عن عملها قوى البشر والآلهة الوثنية ذُهل عقله وتحيّر ودخله الشك في آلهته.

ترك عبادة الكواكب، وبدأ يرفع قلبه إلى الله بالصوم والصلاة والرحمة، وكان يقول في صلاته: "أيها الرب الإله إني قد تحيّرت في معرفتك فأرشدني وأهديني إليك". فتحنن الله عليه وقَبِل صلاته وصدقته وأرسل له ملاكًا يبشر له بقبولهما وصعودهما إليه، ويأمره أن يرسل إلى مدينة يافا فيدعو بطرس الرسول الذي كان نازلاً عند سمعان الدبّاغ فيعلمه ماذا ينبغي أن يفعل. فأرسل واستحضره ولما دخل بطرس استقبله كرنيليوس وسجد واقعًا على قدميه، فأقامه بطرس قائلاً: "قم أنا أيضًا إنسان". ولما دخل بيته وجد جماعة كبيرة من الأمم فقال لهم: "أنتم تعلمون أن شريعة التوراة تمنعني من مخالطة غير المختونين، إلا أن الله قد أراني أن لا أقول على إنسان ما أنه دنس أو نجس. فلذلك جئت إذ استدعيتموني فماذا تريدون؟"

قال كرنيليوس: "منذ أربعة أيام إلى هذه الساعة كنت صائمًا وفى التاسعة كنت أصلى في بيتي، وإذا رجل قد وقف أمامي بلباس لامع وقال: يا كرنيليوس سُمِعت صلاتك وذُكِرت صدقاتك أمام الله. فأرسل إلى يافا واستدع سمعان الملقب بطرس إنه نازل في بيت سمعان رجل دباغ عند البحر، فهو متى جاء يكلمك. فأرسلت إليك حالاً وأنت فعلت حسنًا إذ جئت. والآن نحن جميعًا حاضرون أمام الله لنسمع جميع ما أمرك به الله".

فتح بطرس فاه وقال: "بالحق أنا أجد أن الله لا يقبل الوجوه بل في كل أمة الذي يتقيه ويصنع البرّ مقبول عنده". ثم بشره بيسوع المسيح رب الكل، وأعلمه سرّ تجسده وصلبه وقيامته وصعوده وعمل الآيات باسمه. فآمن كرنيليوس وأهل بيته وكل غلمانه وأكثر الذين معه وتعمّدوا باسم الآب والابن والروح القدس فحلّت عليهم نعمة الروح القدس في الحال (أع10).

✞ أسقف مدينة قيصرية:

بعد ذلك ترك كرنيليوس الجندية وتبع الرسل، ثم رسمه القديس بطرس أسقفّا علي مدينة قيصرية من أعمال فلسطين، فمضي إليها وبشّر فيها بالمسيح، مبينًا لهم ضلالة الأصنام، فاستنارت عقولهم بمعرفة الله وآمنوا به. ثم ثبّتهم بما صنعه أمامهم من الآيات والمعجزات وعمّدهم جميعًا، وكان بينهم ديمتريوس الوالي، ثم تنيّح بسلام ونال إكليل المبشرين.

السنكسار، 23 هاتور.

كرونيوس القديس

✞ جاء في كتاب "مشاهير الآباء" للقديس جيروم:

[كان هذا القديس متقدمًا في العمر. وكان أحد الآباء الأوائل الذين عاصروا القديس أنطونيوس، وقد بلغ عمره مائة وعشرة أعوام.

وقد عزّانا جدًا. كما تعلمنا روح التواضع، الذي عاش به حتى في شيخوخته.]

✞ الولادة الروحية

قال أخ للأب كرونيوس: قل لي كلمة، أجابه الأب: عندما التقى أليشع بالشونمية، وجد أن ليس لها علاقة بأحد، فحبلت وولدت ابنًا بحضور أليشع (2مل16: 4) فقال له الأخ: وما معنى هذا الكلام يا أبتِ؟ أجابه الشيخ: إذا سهرت النفس وجمعت ذاتها من التشتت وهجرت إرادتها، يستقر عليها روح الله، فتلد ولو كانت عاقرًا.

✞ بلوغ الإنسان إلى التواضع:

سأل أخ الأب كرونيوس قائلاً: كيف يبلغ الإنسان إلى التواضع؟

قال له الشيخ: بمخافة الرب.

قال الأخ: وكيف يصل إلى مخافة الرب؟

أجابه الشيخ: أظن أنه يتحقق له ذلك عندما يجمع ذاته ويسلم نفسه للتعب الجسدي متذكرًا من كل قلبه ساعة خروجه من هذا العالم ودينونة الله.

✞ التعب الجسدي:

قال الأب كرونيوس: لو لم يوجّه موسى خرافه إلى سفح جبل سيناء، لما رأى النار في العليقة (خر3).

فسأله الأخ: وما معنى العليقة يا أبتِ؟

أجاب: العليقة هي الفعل الجسدي، لأنه مكتوب "يشبه ملكوت الله كنزًا مخفيًا في حقل..." (مت 44: 13).

فقال الأخ: إذن بدون التعب الجسدي لا ينمو أحد في الشرف والفضيلة؟

قال له الشيخ: فقد كتب "ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمّله يسوع الذي من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب" (عب 12: 2). ويقول النبي داود: "لن أعطي لعينيّ نومًا، ولا لأجفاني نعاسًا، ولا لصدغي راحة حتى أجد مقرًا للرب..." (مز 131: 4).

✞ رئيس يهرب من المجد الزمني:

قال الأب كرونيوس: حدثنا الأب يوسف البيلوسيوسي أنه لما أقام في سيناء كان فيها أخ صالح ناسك وجميل الهيئة. هذا كان يأتي إلى الكنيسة لابسًا ثوبًا باليًا كثير الرقع. فلما رآه يرتاد الكنيسة باستمرار، قال له: ألا ترى يا أخي كيف أن الإخوة كالملائكة في الكنيسة. فكيف تأتى إلى هنا هكذا؟

أجابه الأخ: سامحني يا أبتِِ إذ ليس عندي سوى ما تراني فيه. فأخذه الأب إلى قلايته وأعطاه ما كان بحاجة إليه، فلبسه وصار ملاكًا كسائر الإخوة.

وحدث أن احتاج الآباء إلى عشرة أخوة يرسلونهم إلى الملك لأمر ما، فاختاروا هذا واحدًا منهم. فلما سمع بهذا، ركع أمام الآباء وقال: من أجل الرب سامحوني، لأني كنت خادمًا عند واحد من هؤلاء الكبار. فإذا عرفني، سيلزمني بالبقاء لخدمته. فاقتنع الآباء ولم يرسلوه. ثم علمت من إنسان كان يعرف هذا الأخ جيدًا أنه، عندما كان في العالم كان رئيسًا. فلكي لا يتعرّف عليه أحد ويزعجه الناس زعم هذا الزعم. لقد كان عند الآباء مثل هذه القوة كي يتحاشوا المجد والراحة الآتيين من العالم.

منشورات النور: أقوال الآباء الشيوخ، 1983.

كرونيون وجوليان أو يوليان وبيساس الشهداء

استشهدوا في الإسكندرية حوالي سنة 250م أثناء اضطهاد الإمبراطور ديسيوس.

قد وردت سيرتهم في حرف "ج" تحت: "جوليان (يوليان)، كرونيون وبيساس الشهداء".

كرياكوس القديس

سيامته أغنسطسًا

نشأ هذا المجاهد في مدينة كورنثوس ببلاد اليونان ابنًا لأبوين مسيحيين أرثوذكسيين. أدباه بعلوم الكنيسة ثم قدّماه إلى الأب بطرس أسقف كورنثوس - وهو ابن عمه - فرسمه أغنسطسًا، فداوم علي القراءة والبحث في معاني أقوال الكتب الإلهية، حتى فاق فيها كثيرين، وسلمه الأسقف مسئولية القراءة على الشعب في الكنيسة بل وكان يطلب منه أن يقرأ له في القلاية، وكان فرحًا بذلك.

رهبنته

لما بلغ من العمر ثماني عشرة سنة، عرض عليه أبواه الزواج فأبى وطلب منهما السماح له بزيارة أحد الأديرة للتبرك من القديسين الذين به، وكثر تردده عليه من حين إلى آخر، فاشتاق إلي لباس الرهبنة.

ذهب إلى أورشليم المقدسة واجتمع بالقديس كيرلس أسقفها وعرض عليه رغبته في الرهبنة. فاستصوب رأيه وتنبأ عنه بقوله: "سيكون هذا أبًا كبيرًا ويقوم بمجهودات كثيرة وتستضيء بنور تعاليمه نفوس شبان كثيرين". ثم باركه وأرسله إلي الأب الكبير أوتيموس أبى رهبان فلسطين، فقبله فرحًا وألبسه ثياب الرهبنة، ثم سلّمه إلى بعض شيوخ الدير ليرشدوه إلي طرق العبادة ويكشفوا له حيل الشيطان.

قداسته

سار هذا الأب بالسيرة الفاضلة والتقشف الزائد وغير ذلك من النسك والتواضع والورع. فأعطاه الله نعمة شفاء المرضى حيث كان يشفى كل من يقصد الدير ممن به علة أو سقم. فشاع فضله وقداسته.

في مجمع القسطنطينية

صحب هذا القديس الأب كيرلس أسقف أورشليم إلي مجمع القسطنطينية الذي اجتمع على مقدونيوس عدو الروح القدس. فناضله وقاومه بالحجة والبرهان. ثم بعد ذلك تنيّح في شيخوخة صالحة.

أظهر الله من جسده بعد نياحته آيات كثيرة، ولا يزال جسده هذا باقيًا بمدينة أورشليم بأحد أديرتها لم ينله أي تغير، حتى ليعتقد كل من يراه أنه قريب العهد بالموت. وقد مضى عليه إلي يوم تدوين سيرته أكثر من سبعمائة سنة حيث كان في زمان الإمبراطور ثيؤدوسيوس الكبير في أواخر القرن الرابع المسيحي.

السنكسار، 3 هاتور.

كريسانتوس وداريا الشهيدان

كان كريسانتوس ابنًا لأحد الأشراف ويدعى بوليميوس Polemius، أتى من الإسكندرية مع أبيه إلى روما في زمن حكم الإمبراطور نوماريون Numerian. تزوّج من داريا وحوّلها إلى الإيمان المسيحي.

قد وردت سيرتهما في حرف "د" تحت: "كريسانتوس وداريا الشهيدان".

كريسبين وكريسبينيان الشهيدان

كارزان بالإنجيل

كانا شقيقان من أصل شريف وعاشا في منتصف القرن الثالث الميلادي.

جاءا من روما ليكرزا بالإنجيل في بلاد الغال Gaul مع القديس كوينتينُس Quintinus ومجموعة أخرى. استقرّا في مدينة سواسون Soissons وكانا يعظان أثناء النهار ويعملان بأياديهما أحذية أثناء الليل، متمثلين بالقديس بولس الرسول. تأثر الوثنيون من تعليمهما ومن قدوتهما فتحوّل الكثير منهم إلى المسيحية.

استشهادهما

استمر القديسان في حياتهما هكذا مدة طويلة إلى أن أتى الإمبراطور ماكسيميان Maximian إلى بلاد الغال وسمع عنهما، فأمر بالقبض عليهما وعذبهما بعذابات مختلفة، ثم حاول قتلهما بالغرق والحرق. وأخيرًا أمر بقطع رأسيهما فنالا إكليل الشهادة، وقد بُنيت بعد ذلك كنيسة فوق قبريهما.

Butler, October 25.

كريسبينا الشهيدة

كثيرًا ما يتحدث القديس أغسطينوس عن القديسة كريسبينا باعتبارها معروفة في أفريقيا في زمانه، ونعلم منه أنها كانت ذات منصب كبير في ثاجارا Thagara في نوميديا Numidia، وكانت متزوجة ولها عدة أبناء.

أثناء اضطهاد دقلديانوس أُحضِرت أمام الوالي أنيولينوس Anulinus في ثيفيستي Theveste بتهمة تجاهل الأوامر الإمبراطورية. حين وقفت أمام أنيولينوس في المحكمة أخذ يجادلها ويهدّدها إن لم تذبح للآلهة حسب أوامر الإمبراطور، أما القديسة فكانت حاسمة في ردودها عليه، حتى أمر في نهاية حوارهما بحلق شعرها تمامًا إمعانًا في إذلالها وإهانتها أمام الجموع. ولكن حين رآها ثابتة سألها: "هل تريدين أن تعيشي أم تموتي مثل رفقائك ماكسيما ودوناتيلا وسيكوندا؟" فأجابته القديسة: "إذا أردت أن أموت وأسلم روحي للّهلاك والنار التي لا تُطفأ فينبغي لي أن أطيع أوامرك". ولما رأى أن التهديد أيضًا لا يؤثر فيها أمر بقتلها بالسيف، أما القديسة فصرخت قائلة: "المجد للّه الذي نظر إليَّ وأنقذني من يديك". وهكذا نالت إكليل الشهادة في الخامس من ديسمبر سنة 304م.

Butler, December 5.

كريستوفُرالشهيد

راجع: "خريستوفوروس الشهيد" تحت حرف "خ".

كريستوفرالشهيد

كان واحد من ثلاثة حراس الإمبراطور دقلديانوس، وقد آمن بالسيد المسيح سنة 269م حين رأى ثبات الشهيد مار جرجس St. George، فاحتمل التعذيب والسجن وأخيراً استشهد في 19 إبريل.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. I, page 497.

كريستين الشهيدة

ابنة حاكم توسكانا

كان أوربانوس حاكمًا لمدينة توسكانا بإيطاليا، اغتنى جدًا ببيع بعض الأسرى كعبيد وإطلاق الآخرين مقابل فدية مالية ضخمة. عُرف بعنفه وشره.

رُزق بابنة وحيدة دُعيت كريستين، ففرح بها جدًا وبنى لها قصرًا فخمًا. كانت كريستين هي كل حياة والدها، ينشغل بها بكل فكره وقلبه. قدّم لها كل إمكانيات الرفاهية من حدائق تحوّط بالقصر وغيرها. كما زودها بمربيات وثنيات خشية أن تختلط بأحد المسيحيين، وتتعرف على ديانتهم. ووضع تماثيل لآلهته في كل جوانب القصر، كما أحضر معلّمين من كهنة الأوثان لتعليم ابنته. فقد كان الوثنيون يدركون جاذبية الإيمان المسيحي، وقوة تأثير المسيحيين خلال حياتهم المقدسة وسلوكهم الروحي الحيّ.

اشتياقها للتمتع بالحق الإلهي

كانت كريستين تتمشى في حديقة قصرها، ولم يكن يشغلها القصر بكل فخامته وإمكانياته ولا الحديقة باتساعها وما تحمله زهور جميلة وفواكه، إنما ما كان يلهب قلبها البسيط هو شوقها نحو معرفة الحق الإلهي. كانت تتطلع إلى السماء والشمس والقمر والكواكب وتتأمل في النباتات، وهي تشعر بوجود خالق حكيم وقوي.

لم تقتنع بأن الأصنام التي لا تسمع ولا ترى ولا تحس بأنها الخالق لهذا العالم الجميل، بل هي من صنعة أيدي البشر.

رؤيا إلهية

كان كل ما يشغل قلبها هو الإله المجهول بالنسبة لها. وكانت صرخات قلبها الخفيّة تنطلق نحو السماء. استجاب الله لاشتياقاتها الصادقة فظهر لها ملاك في حلم. قال لها الملاك: "إنني مرسل من ملك الملوك ورب الأرباب".

استيقظت كريستين من نومها وقد زاد شوقها نحو معرفة الله الحيّ ".

جاذبية الشهداء

خرجت كريستين يومًا ما مع والدها إلى مكان عمله، وكان ذلك اليوم يوم محاكمة بعض المسيحيين. وكان الوالي يفخر بتعذيبه للمسيحيين ويشعر بسعادة فائقة.

كانت كريستين تُدهش لمشاعر أبيها المرّة نحو أناس يُحاكمون لأجل ديانتهم دون أن يتهموا بأيّة جريمة أو سلوك شرير. إنما كان الاتهام الأوحد هو اسم "يسوع" الذي قبلوه مخلصًا لهم.

كان سلوك المسيحيين حتى في لحظات الاستشهاد جذّابًا للنفس.

عادت كريستين إلى القصر لا لتفتخر بما يفعله والدها بل تتساءل عن سرّ احتمال المسيحيين للعذابات والإهانات بفرحٍ شديدٍ. تحدثت مع بعض النساء العاملات في القصر واللواتي يبدو عليهم روح التقوى والورع، فأخبرن كريستين عن محبة الله الفائقة، وعمل السيد المسيح الخلاصي، وعذوبة الحياة الجديدة في المسيح يسوع.

استراح قلب كريستين وامتلأت بقوة عجيبة في داخلها، وانطلقت تحطم التماثيل الحجريّة.

شهادتها أمام والدها

سمع والدها بما فعلته كريستين، فالتقى بها يستوضح الأمر، أخبرته بالرؤيا التي شاهدتها، وقبولها الإيمان بالسيد المسيح. ذُهل أوبانوس لذلك فصفعها على وجهها بكل قوته وتوعدها بالقتل وتقطيع جسمها إربًا إربًا إن لم ترجع عن فكرها هذا.

أدرك أوربانوس أن التهديد يزيد كريستين قوة وتمسكًا بالإيمان المسيحي فصار يلاطفها ويعدها بوعود جزيلة كثيرة. أما هي فلم يكن ما يشغلها سوى التصاقها بالله وتمتعها بالحياة الجديدة.

ضربها بالسياط

لم يشفق أوربانوس على ابنته الوحيدة، فإنه لم يكن يحتمل اسم يسوع المصلوب. أمر بضربها بالسياط حتى تهرأ جسمها وسال دمها، ثم أمر بإلقائها في السجن لكي تكون عبرة لكل إنسانٍ في مقاطعته.

قتل والدها

هجمت بعض العصابات على المدينة ودخل الوالي في حرب معهم انتهت بقتله، فبكتْه كريستين إذ مات بلا توبة ولا إيمان بالله مخلص العالم.

عادت كريستين إلى قصرها، ومارست عبادتها علانية بعد أن نالت سرّ العماد. ثم قامت ببيع كل ممتلكاتها التي ورثتها عن والدها ووزعته على الفقراء. صارت كارزة للإيمان المسيحي بحبها العملي واهتمامها بالمحتاجين.

عذاباتها

انتشر خبر عماد كريستين وشهادتها للإيمان المسيحي واهتمامها بالفقراء، فاستدعاها ديوان الوالي الجديد. وعدها ديوان أن يرد لها كل ممتلكاتها التي قامت ببيعها وأن يجذل لها الهدايا، لكن محبتها للملك السماوي فاقت كل إغراء.

أمام إصرارها أمر الوالي بوضعها على سرير حديدي ويوقد تحتها بالنار، لكن الله حفظها.

اتهمها الوالي بأنها ساحرة، وأمرها أن تسجد للأوثان. تظاهرت بالموافقة ففرح فرحًا عظيمًا. انطلقت نحو أحد الأوثان، وضربته بقدمها بكل قوة فسقط وتهشم تمامًا. لم يصدق ديوان عينيه، وقد ملأ الغيظ قلبه. وعاد إلى بيته مرّ النفس لا يعرف ماذا يفعل بهذه العذراء. ومن شدة الغيظ أُصيب بمرض قلبي فمات في ذات الليلة.

بدأ الوالي الجديد عمله بمحاكمة كريستين، وظن أنه قادر على إقناعها لكي تترك إيمانها، لكنه لم يفلح. أمر الحاكم بإلقائها في حجرة بها ثعابين سامة. وإذ فُتحت الحجرة في اليوم التالي كان يتوقع أن يجدها جثة هامدة، لكنه وجدها واقفة تصلي والثعابين عند قدميها كأنها تسعد بالوجود بجوارها.

ذُعر الوالي وامتلأ رعدة، واتهمها بالسحر.

أراد أن يمنعها عن الصلاة فأمر بقطع لسانها، لكنه لم يستطع أن يحرم قلبها من الصلاة الصامتة.

استشهادها

عُلّقت كريستين على شجرة كأمر الوالي وصُوّبت نحوها السهام حتى نالت إكليل الاستشهاد.

اهتم عمّها بجسدها الطاهر إذ كان قد آمن بالسيد المسيح، وقام بتكفينها. تُعيد لها الكنيسة الغربية في 24 يوليو.

مطرانية جرجا: بستان القديسات، ج 4.

كريستينا العذراء الشهيدة

قبولها الإيمان

فتاة شابة تُنسَب لعائلة رومانية مرموقة في أنيساي Anicii، صارت مسيحية وقامت بتكسير كل الصور والتماثيل الذهبية والفضية الوثنية في بيت أبيها، وباعتها وتصدقت بثمنها على الفقراء تخفيفًا لآلامهم.

اضطهادها من والدها

لما علم والدها بما فعلته ضربها بشدة ثم ألقى بها في بحيرة بولسينا Bolsena بإيطاليا بعد أن ربط حجر في رقبتها، لكن الرب أنقذها بطريقة معجزية من الغرق.

أُحضِرَت أمام الحاكم الذي عذبها بعذابات كثيرة، فأمر بقطع لسانها ثم أطلق عليها حيّات ولكنها لم تضرها، كما حاول حرقها حيّة إلا أن النار لمدة خمسة أيام لم تؤذيها. لما فشل الحاكم أخيرًا أمر بقتلها رميًا بالسهام، فنالت إكليل الشهادة، وكان ذلك على ما يُظَن في عهد الإمبراطور دقلديانوس.

كريستينا من مدينة صور

امتزجت قصة هذه القديسة بقديسة أخرى من الشرق اسمها كريستينا من مدينة صور يُحتَفَل بعيدها في نفس اليوم أيضًا.

تقول قصتها أنها سُجِنت لرفضها التضحية للآلهة الوثنية حتى عندما طلبت منها أمها ذلك بإلحاح، ورفضت أن تترك بنوَّتها لله في سبيل بنوَّتها لأمها. ذاقت عذابات كثيرة، ونهشت الكلاب لحمها ولكنها قامت مرة أخرى، ثم أشعلوا النار تحتها فلم تصبها بسوء بينما أَحرَقت مئات من الأشخاص الواقفين. وعندما ألقوها في البحر نزل ربنا يسوع المسيح بنفسه في الماء وعمّدها قائلاً: "باسم الآب أبي وباسمي أنا ابنه وباسم الروح القدس" ثم أحضرها رئيس الملائكة ميخائيل سالمة إلى الشاطئ، وفي نفس الليلة مات الحاكم فوضعها خليفته في حوض زيت وزفت مغلي فلم يضرّها، ثم حلقوا شعرها وأخذوها عارية في المدينة إلى معبد أبولّلو الذي ما أن ظهرت أمامه حتى وقع بِطُولِه وانكسر. وحدث أن مات الحاكم الثاني وجاء خليفته الذي أمر بإطلاق حيّات سامة عليها، ولكنها بدلاً من أن تؤذيها هجمت على صاحبها الذي أطلقها وقتلته، فأقامته القديسة كريستينا من الموت.

ثم أمر الحاكم بقطع ثدييها ولسانها، ولكنها لم تَقُل شيئًا بل أخذت لسانها من الأرض وألقته في وجه الحاكم فأصيب بالعمى في إحدى عينيه.

أخيرًا أمر برميها بالسهام فنالت إكليل الشهادة.

التماثل بين القصتين واضح مما يرجّح أنها شخصية واحدة، وقد أثبتت الحفريات في بولسينا وجود مقبرة ومزار للشهيدة، مما يجعل قصة الشهيدة كريستينا في صور مشكوك في أمرها.

Butler, July 24.

كريمنتيوس ورفقاؤه الشهداء

من شهداء سراجوسا Saragossa، استشهدوا حوالي سنة 304م أثناء اضطهاد الإمبراطور دقلديانوس Diocletian في الوقت الذي كان فيه داكيان Dacian حاكمًا على أسبانيا Spain، ويقال أن عدد هؤلاء الشهداء بلغ الثمانية عشر.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. I, page 712.

كسنثيا الأب

الحذر من السقوط

قال الأب كسنثيا: "اللص الذي كان على الصليب تبرّر بكلمة واحدة، وهذا الذي كان في مصاف الرسل خسر في ليلة واحدة كل ما كان له وانحدر من السماء إلى الجحيم. لأجل هذا لا يفتخر أحد ممن يحيون حياة مترفة، لأن الذين يعتمدون على أنفسهم يسقطون".

يتحدى الشيطان

صعد ذات يوم الأب كسنثيا من الإسقيط إلى ترينوثي. وعندما وجد المكان قدّموا له من أجل تعب النسك قليلاً من الخمر. فلما سمع به البعض أتوا إليه بإنسانٍ فيه شيطان. فبدأ الشيطان يشتم الشيخ ويقول: إلى هذا السكران أتيتم بي؟ أما الشيخ فلم يشأ أن يخرجه بسبب الشتائم، لكنه قال: أؤمن بالمسيح إني لن أنتهي من هذه الكأس حتى تكون قد خرجت. فلما بدأ يشرب صرخ الشيطان وزمجر قائلاً: أنت تحرقني، أنت تحرقني، قبل أن ينهي الشيخ كأسه خرج الشيطان بنعمة المسيح.

الإدانة

قال: "الكلب أفضل مني، لأن عنده محبة، ولا يأتي إلى دينونة أحد".

منشورات النور: أقوال الآباء الشيوخ، لبنان 1983.

كسويس الأب

الخمر غريب عن الرهبان

سأل أخ الأب كسويس قائلاً: "إذا حدث أنني كنت في مكان ما وأكلت ثلاث خبزات فهل هذا العدد كبير؟" أجابه الشيخ: "هل أتيت إلى البيدر يا أخي؟" فقال له ثانية: "إذا شربت ثلاثة كؤوس من الخمر فهل هذا العدد كبير؟" أجابه الشيخ: إذا لم يكن هناك شيطان، ليس العدد بكبيرٍ، ولكن إذا كان هناك شيطان، عندئذ فإن العدد كبير جدًا. فالخمر غريب عن الرهبان الذين يعيشون وفقًا لمشيئة الله.

قوة صلاته

قال أحد الآباء عن الأب كسويس الذي من طيبة إنه دخل مرة إلى جبل سيناء، ولما خرج قابله أخ قائلاً بتنهدٍ: "نحن في ضيق يا أبتِ، لأن السماء لا تمطر علينا". أجابه الشيخ: "ولماذا لا تصلّون وتتضرعون إلى الله؟" قال الأخ: "نحن نصلّي ونتلو الأدعية الطويلة، لكن المطر لا ينزل". قال له الشيخ: "أرى أنكم لا تصلّون بحرارة. هل تريد أن تعلم أن الأمر هو هكذا؟" فرفع يديه نحو السماء للصلاة وللحال أمطرت. فلما رأى الأخ هذا خاف وسقط على وجهه وسجد له، عندئذ هرب الشيخ. فذهب الأخ وأعلم الجميع بما جرى. والذين سمعوا هذا مجدّوا الله.

منشورات النور: أقوال الآباء الشيوخ، لبنان 1983

كلاديانوس البطريرك التاسع

اختار الأساقفة خلفًا للبابا مرقيانوس رجلاً فاضلاً من مواليد الإسكندرية يدعى كلاديانوس، وكان بارًا حكيمًا مشهورًا بالتقوى والعفاف، فانتخبوه ورسموه رئيس أساقفة في 8 طوبة الموافق 4 يناير سنة 155م في عهد الإمبراطور أنطونيوس بيوس.

كان هذا الأب محبوبًا من الجميع وحقق آمالهم، واستمر يخدم رئاسة الكنيسة بجدٍ ونشاطٍ وبلا كلل أو ملل، وارتفع شأن المسيحيين في عهده.

استمر يعلم ويعظ ويهذّب شعبه ويرسخ الإيمان المستقيم في النفوس، وكانت أيامه هادئة لم يحصل فيها للكنيسة ما يكدر صفوها، ولبث مواظبًا على عمله مدة أربع عشرة سنة وستة أشهر وتنيّح بسلام في 9 أبيب سنة 169م.

بطاركة عظماء لكنيستنا القبطية الأرثوذكسية (ج 1)، صفحة 43.

كلافدية أوكلوديا أو كلودين القديسة

في رسالته الثانية إلى تيموثاوس يقول القديس بولس: "يسلم عليك أفبولس وبوديس ولينس وكلافدية والاخوة جميعًا" (2تي 4: 21).

يقول التقليد أنها كانت والدة لينس الذي يذكره القديس بولس، وأنها كانت امرأة ذات جاه.

يُقال أنها ابنة أحد الملوك البريطانيين يدعي كاراكتاكوس الذين هزمهم الرومان، وساقوه مع عائلته كأسرى إلى روما سنة 51م. ثم أطلق سراحهم الإمبراطور كلوديوس قيصر إمبراطور روما. أطلق كاراكتاكوس اسم الإمبراطور علي ابنته المولودة حديثًا فدعاها كلوديا، عرفانًا بالجميل. عادوا إلى بلادهم ماعدا كلافدية إذ بقيت في روما.

تزوجت كلوديا بوديوس، وعندما حضر الرسول بولس إلى روما قبلا الإيمان ونالا سرّ العماد وتمتعا بالحياة الإنجيلية. ويقال أيضًا أن ابنها لينس قد صار بعد ذلك أسقفًا على كرسي روما.

يُعيد لهم في 7 أغسطس.

Butler, August 7.

كلستينوس أسقف روما الثاني والأربعون القديس

نشأته

في بدء حياته زار ميلان في أيام أسقفية القديس أمبروسيوس.

كتب ترحيبًا حارًا للقديس أغسطينوس وهو شماس لدى الأسقف إنوسينت Innocent، وأجاب عليه القديس (رسالة 192).

كان هذا الأب راهبًا فاضلاً عالمًا تلميذًا للقديس بونيفاسيوسBoniface أسقف روما، وعند نياحته أوصى أن يكون الأب كلستينوس بعده ثم أوصاه قائلاً: "تحَفَّظ يا ولدى فلابد أن يكون في روما ذئاب خاطفة".

فلما تنيّح بونيفاسيوس في 4 سبتمبر سنة 422م رسموا كلستينوس مكانه في 10 سبتمبر سنة 422م في أيام الإمبراطور هونوريوس. وقد مات هذا الإمبراطور في رافين بفرنسا في سنة 423م.

هروبه

لما أراد أحد الأباطرة أن يجعل نسطور بطريركًا على روما ويطرد كلستينوس القديس، قام الشعب وطرد نسطور. ولكن الإمبراطور حقد عليه فخرج هذا القديس إلى أحد الأديرة القريبة من المدن الخمس وأقام فيه مدة وأجرى الله على يديه عجائب كثيرة.

ظهر له الملاك رافائيل في حلم قائلاً: "قم اذهب إلى إنطاكية إلى بطريركها القديس وأقم عنده، لأن الإمبراطور قرر في نفسه أن يقتلك عند عودته من الحرب". فلما استيقظ خرج من الدير وكان معه اثنان من الاخوة وأتى إلى إنطاكية فوجد بطريركها القديس مريضًا، وروى له كل ما حدث وأقام في أحد الأديرة عنده. ثم ظهر للإمبراطور في حلم القديسان أغناطيوس وبونيفاسيوس ومعهما شخص أخر مهيب وهو يقول له: "لماذا تركت مدينة القديسين بلا أسقف؟ هوذا الرب ينزع نفسك منك وتموت بيد عدوك".

قال له: "يا سيدي ماذا أفعل؟"

أجابوه قائلين: "أتؤمن بابن الله؟"

قال: "نعم أؤمن".

قالوا: "أرسل إلى ولدنا الأسقف وأرجعه إلى كرسيه مكرمًا".

فلما استيقظ كتب إلى بطريرك إنطاكية يسأله أن يُعَرِّف رسله بمكان كلستينوس ويعيده إلى كرسيه، فوجدوه وأعادوه إلى كرسيه بكرامة عظيمة وتلقّاه الشعب بفرح وسرور واستقرت الكنيسة بوجوده.

لما جدف نسطور واجتمع عليه المجمع لم يقدر كلستينوس أن يحضر بنفسه لمرضه فأرسل قسيسين برسالة يحرّمه فيها، وكان الإمبراطور راضيًا بقبول نسطور إلا أنه خضع لقرار المجمع ونفى نسطور في مصر.

نياحته

لما أراد الرب أن يريح القديس كلستينوس من أتعاب هذا العالم ظهر له بونيفاسيوس سلفه وأثناسيوس الرسول وقالا له: "قم وأوصِ شعبك فإنك ستحضر عندنا لأن المسيح يدعوك إليه".

فلما استيقظ أوصى شعبه وقال لهم لابد أن يدخل هذه المدينة ذئاب خاطفة. ولما قال هذا أردف قائلاً: "إني أقوم وأمضى لأن القديسين يطلبونني". ولما قال هذا تنيّح بسلام، وكان ذلك في 27 يوليه سنة 433م.

أسقف روما ومشكلة أنطوني أسقف Fussala

بعد سيامته أسقفًا تسلم رسالة من القديس أغسطينوس (رسالة209) بخصوص أنطونيوس (أنطوني) أسقف Fussala التي تبعد حوالي 40 ميلاً من هيبو، هذا الذي سلك سلوكًا مشينًا وألزمه مجمع أساقفة بترك الإيبارشية، فالتجأ إلى بونيفاسيوس ليرده إلى كرسيه.

سأله القديس أغسطينوس ألا يضغط على الشعب مستخدمًا السلطان المدني لأن الأسقف أنطوني مخطئ.

بعد ذلك بقليل لم يعد أساقفة أفريقيا اللاتينية يسمحون بالالتجاء إلى روما. وعندما كتب كلستينوس إليهم بخصوص الكاهن أبياريوسApiarius، أرسل مجمع عام لأفريقيا اللاتينية يطلبون إليه أن يراعي قوانين مجمع نيقية (قانون 5)، وألا يقبل الشركة مع الذين حُكم عليهم بالحرمان.

طالبت كنيسة أفريقيا بحقها أن تأخذ قراراتها في شئونها الداخلية. أشاروا إلى أن مجمع نيقية أمر بأن القرار في كل القضايا يتم في الموضع الذي تثور فيه القضية، وأنه لا يظن أحد بأن الله سيوحي لشخصٍ منفردٍ بالعدلٍ وينكر أن ذلك يتحقق بواسطة رأي عدد كبير من الأساقفة في مجمع، لذا يجب على هؤلاء الأشخاص أن يرجعوا من روما إلى أفريقيا ليؤخذ القرار في شأنهم.

غيرته على الإيمان

كان كلستينوس غيورًا على الإيمان ضد البيلاجية، وألزم كولستيوس Coelestius أن يترك روما. في عام 429م أرسل جرمانوس أسقف أسقفAuxerre وLupus لجحد البيلاجية في بريطانيا.

روما والكنائس الشرقية Illyricum

انشغل كلستينوس بشئون هذه الكنائس مثل سابقيه من أساقفة روما. من الجانب السياسي صارت هذه الايبارشية تتبع الإمبراطورية الرومانية الشرقية، لكن بقيت روما تشرف على كنائسها بتقديم سلطة كهنوتية لإيبارشية تسالونيك عليها. وكما قال داماسوس أسقف روما أن أساقفة تسالونيك يمثلونه.

في عام 421م حدث اصطدام بين بونفيوس أسقف روما وثيؤدوسيوس الثاني، الذي أعلن بأن السلطة قد انتقلت إلى أسقف القسطنطينية للإشراف على أساقفة الليقوريم التي سلمتها روما لتسالونيك، لكن يبدو أن ثيؤدوسيوس خضع في هذه النقطة.

في إحدى المشاكل استطاع أن يلزم أساقفة الليقوريم للخضوع لأسقف تسالونيك، وإن كان Tillemont يستصعب حدوث ذلك لأنه يخالف القانون 6 من قوانين نيقية، حيث أعطى أساقفة الـ Illyrian أن يخضعوا لمطارنتهم ومجامعهم المحلية.

رسالة إلى أساقفة فينا وناربون

في 25 يوليو عام 428م بعث برسالة إلى أساقفة فينا وناربون Narbonneبقصد تصحيح بعض المفاسد. فقد علم أن بعض الأساقفة كانوا يرتدون الرداء الخاص بالفلاسفة سرًا ومنطقة الفلاسفة، معتمدين على ما ورد في لوقا 35: 12. تساءل ولماذا أيضًا لا يوقدون سراجًا ويمسكون عصا كما جاء في نفس الاصحاح. لذا فإن ما جاء في الاصحاح يجب فهمه روحيًا لا حرفيًا. فإن هذا الثوب ربما يليق بالرهبان لا بالأساقفة. وجاء في رسالته: "يليق بنا أن نتميز عن الشعب لا بالثياب بل بالتعليم، وليس بالثوب بل بالسلوك".

علّق أيضًا على الذين يرفضون إعطاء الحل للتائبين حتى في ساعة موتهم، قائلاً بأن هذا "قتل للنفس" وهو أمر همجي.

كما رفض تكريس أحد أسقفًا وهو من الشعب، بل يلزمه أن يمر عبر درجات الخدمة. كما نادى بضرورة احترام رأي الشعب في اختيار الأسقف.

خدمته في أيرلندة

بعد إرسالية جرمان وليبوس إلى بريطانيا لمقاومة البيلاجية بعامين سام بالاديوس وأرسله إلى Scots الذين آمنوا، أي إلى الإيرلنديين بكونه أول أسقف لهم. لكن بالاديوس لم ينجح في الخدمة هناك، فلم يُقِم سوى مدة قصيرة.

كلستينوس والنسطورية

في عام 429م استلم كلستينوس صور من المقالات الجدلية التي لنسطور، وكتب في هذا الأمر إلى الأساقفة الإيطاليين وإلى القديس كيرلس السكندري يطلب معلومات في هذا الشأن.

قدم نسطور نسخًا من مقالاته كتبها أنطوخيوس، وهو رجل له مركزه، أرفقها بخطاب فيه يتحدث عن بيلاجيين معينين يعيشون في القسطنطينية، ثم عبر إلى الحديث عن الجدال حول التجسد، ووصف مقاوميه بأنهم أبوللانريين الخ. كتب أكثر من مرة في هذا الشأن.

طلب كلستينوس ترجمة المقالات إلى اللاتينية، وفي نفس الوقت تسلم خطابًا من القديس كيرلس مرفقًا به ترجمات لهذه المستندات تمت بالإسكندرية. هذه ساعدت كلستينوس أن يتعرف على المشكلة.

دعا إلى مجمع أساقفة في بدء شهر أغسطس سنة 430. قدم فيه تسبحة للقديس أمبروسيوس خاصة بعيد ميلاد السيد المسيح، وقال أنها تتفق تمامًا مع قول أخينا كيرلس حيث يدعو مريم "ثيؤتوكوس". "إنه الله الذي ولدته العذراء بالحبل به، وذلك بقوته الكلي القدرة". واقتبس عبارة من القديس هيلاري وعبارتين قصيرتين من داماسوس.

جاء ثمرة هذا المجمع معبرًا عنه في رسالتين لكلستينوس إلى كيرلس ونسطور. جاء في رسالته إلى القديس كيرلس (رسالة 11) فيها يمتدح القديس كيرلس ويطالب بعزل نسطور عن جسدنا، إن لم يقدم في خلال عشرة أيام إدانة لتعليمه الشرير كتابيًا، مؤكدا ميلاد المسيح إلهنا، الذي يتمسك به الرومان والإسكندريون وكل الكنيسة.

كتب هذه الرسالة في 11 أغسطس عام 430م. كما كتب ليوحنا أسقف إنطاكية وجوفينال أسقف أورشليم وفلافيان أسفف فيلبي ورفيوس أسقف تسالونيك (رسالة 12).

جاءت الرسائل تؤكد أنه ليس بالقاضي العالي ولا المتحدث عن الكنيسة الجامعة. كتب إلى أسقف الإسكندرية ليعملا معًا وليوقفا معًا كل علاقة مع أسقف القسطنطينية ما لم يكف عن هرطقته.

كتب إلى نسطور يعلن له أنه قد تم تحذيره للمرة الثالثة، ويطالبه بالاعتراف بالإيمان الحق ليعيد العلاقة مع الإسكندرية وروما.

كما كتب أيضًا إلى كهنة القسطنطينية وشعبها (رسالة 14) أن يتمسكوا بالإيمان المستقيم برجولة مقتدين بالقديسين ذهبي الفم وأثناسيوس.

وقد تمت رسائل متبادلة بين القديس كيرلس وبينه في هذا الشان ليسلكا معًا بروحٍ واحدةٍ، ولأخذ قرار مناسب في مجمع أفسس إذا لم يرجع نسطور عن رأيه.

كلستينوس وأغسطينوس

أحد أعماله الأخيرة دفاعه عن عمل ذكرى للقديس أغسطينوس كمعلم ضد أشباه البيلاجيين في بلاد الغال.

كتب إلى فينيريوس Venerius أسقف مارسيليا وخمسة أساقفة ببلاد الغال يحثهم ألا يصمتوا.

كلستينوس وأتباع نوفاتيان

يصف سقراط (7: 11) بأن كلستينوس عامل أتباع نوفيتيان Novatianists بروما بقسوة، فاستولى على كنائسهم والزم أسقفهم Rusticola أن يمارس خدمته في بيوت خاصة.

تنيح كلستينوس في 26 يوليو 432م.

Henry Wace & William Piercy: A Dictionary of Early Christian Biography, 1999.

كلوج القس الشهيد

نشأته

سبق لنا الحديث عن الأسقف أبا كلوج الذي رافق القديس بيخيبس الأشموني.

الآن نتحدث عن القس أبا كلوج من بلدة ألفنت القريبة من مدينة المنيا بمصر الوسطى وكان كاهنًا بتولاً. عُرف بالطهارة وقداسة السيرة مع محبته لشعبه، فأحبه شعبه جدًا.

وليمة الإستشهاد

لما وصل أريانوس والي أنصنا إلى ألفنت لتنفيذ أوامر دقلديانوس الخاصة باضطهاد المسيحيين استدعاه، فلما مثل أمامه سأله عن اسمه فأجاب: "اسمي مسيحي، وبلدي أورشليم السمائية".

لحق به أهل البلدة وبكوا قائلين: "كيف تتركنا يتامى؟"

أجاب قائلاً: "إن نفسي مسرورة بما تقبله من آلام على اسم سيدي يسوع المسيح. فإذا ما سفكت دمي على اسمه القدوس، أجد القربى والدالة أن أطلب منه عنكم". ثم التفت إلى الشعب وقال: "من يحب الله ويقدر على الجهاد فليأتِ معي"، فتبعه جمع كبير وكان يسير في وسطهم كمن هو ذاهب إلى وليمة.

لما هدده الوالي أجابه: "إني لا أرهب عذابك أيها الوالي".

أمر الوالي أن يُقيد ويُطرح في أتون نار متقد، فصار الأتون كالندى فظنوه ساحرًا. أمر الوالي أن يرقد على ظهره ويدحرجوا عليه عمودًا كبيرًا جدًا ثم أمر بأن يضرب بمطارق وشوَك وأعصاب البقر حتى سال دمه، وفي كل ذلك كان الرب يقويه ويقيمه معافى.

اصطحبه الولي معه مقيدًا إلى أهناسيا، طافوا به المدينة حتى يخيفوا الشعب لكن حدث عكس ذلك، فبسبب معجزاته التي أجراها وهو في مسيرته آمن كثيرون وأعلنوا إيمانهم، واستشهد في أهناسيا على يد إريانوس نحو ألفيّ نسمة.

وفوق كل ذلك فقد أقام أبا كلوج ابن إريانوس الوالي بعد أن مات وكان صبيًا، ومع ذلك تقسّى قلبه فلم يطلقه.

أخيرًا أكمل جهاده بقطع رقبته بالسيف في بلدته ألفنت في 20 طوبة.

الاستشهاد في المسيحية، صفحة 149.

كلوديا أو كلودين الشهيدة

راجع كلافدية (كلوديا أو كلودين) الشهيدة.

كلوديوس أو أقلاديوس وأخواه الشهداء

استشهد الاخوة الثلاثة كلوديوس (أقلاديوس) وأستيريوس ونيون على يد والي سيليسيا في زمن الإمبراطور دقلديانوس.

قد وردت سيرتهم في هذه السلسلة تحت "أستيريوس الشهيد".

Butler, August 23.

كلوديوس ورفقاؤه الشهداء

نحاتون مهرة

إذ كان الإمبراطور دقلديانوس ميالاً للبناء والتعمير، لفت انتباهه أعمال أربعة من النحاتين المهرة من بانونيا Pannonia هم كلوديوس ورفقاؤه نيكوستراتُس Nicostratus وسيمبرونيان Simpronian وكاستوريُس Castorius وكانوا جميعًا من المسيحيين، وخامس لهم هو سيمبليشيوس Simplicius الذي صار هو الآخر مسيحيًا لأنه بدا له أن موهبة زملائه كانت بسبب ديانتهم.

رفضهم نحت تمثال لإسكولابيوس

أمرهم الإمبراطور بعمل عدد من المنحوتات من بينها تمثال لإسكولابيوس Aesculapius، فوافقوا على تنفيذ جميعها ماعدا التمثال المذكور لكونهم مسيحيين، فطلب الإمبراطور من عمال آخرين وثنيين أن ينفذوا تمثال إسكولابيوس. ولكن موقف المسيحيين هذا أثار عليهم الرأي العام، فأمر دقلديانوس بالقبض على كلوديوس ورفقائه وحبسهم، لرفضهم الذبح للآلهة. في البداية كان دقلديانوس وقائده لامباديوس Lampadius يعاملونهم باعتدال، ولكن موت لامباديوس المفاجئ أثار أقاربه ملقين باللائمة على المسيحيين الخمسة.

أمر الإمبراطور بقتلهم، فوضعوا كل واحد منهم في صندوق رصاص وألقوهم في النهر، وبعد ثلاثة أسابيع انتشل أجسادهم رجل اسمه نيقوديموس Nicodemus، وكان استشهادهم حوالي سنة 306م.

Butler, November 8.

كلوديوس وهيلاريا ورفقاؤهما الشهداء

في مدينة روما كان تعذيب الشهداء: كلوديوس الذي كان عضوًا في مجلس الشيوخ، وزوجته هيلاريا وولديهما ياسون Jason وموروس Maurus وسبعون جنديًا معهم.

أمر الإمبراطور نوماريان Numerian بربط كلوديوس إلى حجر ضخم وإلقائه في النهر فغرق ونال إكليل الشهادة، وبحرق ولديه والجنود فنالوا جميعًا إكليل الاستشهاد. وكانت هيلاريا بعد استشهادهم بفترة قصيرة تقف عند قبرهم وتصلي، فقبض عليها الوثنيون وساقوها إلى السجن حيث استشهدت هناك.

يقال أن السبب في إيمان كلوديوس هو رؤيته لثبات الشهيدين كريسانثوس Chrysanthus وداريا Daria أثناء تعذيبهما من أجل إيمانهما المسيحي.

Butler, December 3.

كليوباترا الأرملة القديسة وفاروس الشهيد

كان فاروس جنديًا في مصر، عاش واستشهد في القرن الرابع في زمن الإمبراطور ماكسيميانوس Maximinus، وكليوباترا امرأة مسيحية اهتمت برفات الشهيد.

قد وردت سيرتهما في حرف "ف" تحت "فاروس الشهيد وكليوباترا الأرملة القديسة".

كليتوس أسقف روما الشهيد

الترتيب الصحيح لتتابع أساقفة روما الأوائل غير معروف بدقة، ومازال هناك جدل فيما إذا كان القديس كليتوس هو ثالث أم رابع أسقف على كرسي روما.

يُشار إلى القديس كليتوس أحيانًا بالمرادف اليوناني لاسمه وهو أنِنكليتُس Anencletus، وقد تنيح حوالي سنة 91م، ومن المحتمل أن يكون قد استشهد في عهد الإمبراطور دومتيان Domitian، وغير معروف عن حياته تفاصيل أخرى.

Butler, April 26.

كليوباس الرسول

في اليوم الأول من شهر هاتور تحتفل الكنيسة بتذكار القديسَين كليوباس الرسول ورفيقه، وهما من الاثنين وسبعين رسولاً.

كانا منطلقين إلى قرية عمواس. وفيما هما يتكلمان ويتحاوران اقترب إليهما السيد المسيح نفسه، ولما لم يعرفاه قال لهما: "أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء، أما كان ينبغي أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده؟" ولما اتكأ معهما أخذ خبزًا وبارك وكسر وناولهما فانفتحت أعينهما وعرفاه ثم اختفى عنهما.

السنكسار، 1 هاتور.

كنديكا وأرتيموس وابنتهما الشهداء

سبق لنا الحديث عنهم في سيرة "الشهيد بطرس الشماس".

بينما كان الشماس بطرس متهللاً بالروح لاحظ على السجان أرتيموس علامات الحزن بسبب إصابة ابنته بروحٍ نجس. بعد حوار أكد الشماس للسجان أنه سيذهب إلى بيته ويخرج من ابنته الروح الشرير. حسب السجان ذلك نوعًا من الخيال والجنون.

تحقق ذلك فآمن أرتيموس وزوجته كنديكا وابنتهما.

فتح السجان السجن وأخرج كل المسيحيين، وبقي بطرس الشماس ومعه مارشيلليوس الكاهن في السجن.

كان الوالي سيرينسو مريضًا، وإذ شُفي استدعى السجّان وأمر بضربه حتى كاد أن يموت، ثم سجنه هو وزوجته وابنتهما.

أمرهم الوالي بالسجود للأوثان فرفضوا. فحكم عليهم بعذابات كثيرة، أما هم فكانوا ثابتين في الإيمان، متهلّلين بملكوت الله.

أخيرًا حكم عليهم بالموت، فربطهم الجند بالسلاسل وقادوهم إلى حيث لا يدرون. أما هم فلم يشغلهم سوى عريسهم الذي ملأ قلوبهم بالفرح. أخيرًا وجدوا أنفسهم أمام الوالي وجمهور ضخم من الوثنيين، وقد أُعدت لهم حفرة عظيمة لكي يُدفنوا فيها أحياء. قدم لهم الوالي آخر فرصة لكي يعفو عنهم إن سجدوا للأوثان. أما هم فبفرحٍ عظيمٍ وثبوا في الحفرة، وتشابكت أيديهم بعضهم ببعض وصاروا يسبحون الرب. وقام الجنود بردمهم بالتراب لكي يُدفنوا وهم أحياء.

كوادراتس القديس

لا نعلم على وجه الدقة موطن كوادراتس، وإن كان البعض يرجح أنه من رجال آسيا الصغرى، لذا يدعوه البعض: "Quadratus the Asiatic". لعلّه أقدم المدافعين، أما تاريخ كتابة الدفاع فهو في الفترة من سنة 123 إلى سنة 129م.

ذكره يوسابيوس القيصري في تاريخه الكنسي فقال:

[بعد أن حكم تراجان تسع عشرة سنة ونصف، خلفه على الإمبراطورية أليوس هدريان. وقد وجّه إليه كوادراتس حديثًا متضمنًا الدفاع عن ديانتنا، لأن بعض الأشرار حاولوا إزعاج المسيحيين. ولا يزال هذا المؤلف بين أيدي الكثيرين من الأخوة وفي أيدينا أيضًا، وهو برهان قوي على ذكاء الرجل وعلمه وعلى أرثوذكسيته الرسولية. وهو يظهر قِدَم عهده وذلك في الكلمات التالية وأعمال مخلصنا كانت دائمًا ماثلة أمامنا لأنها حق، فالذين نالوا الشفاء والذين أقيموا من بين الأموات شوهدوا - ليس حينما نالوا الشفاء وأقيموا فحسب - بل أنهم ظلوا دائمًا موجودين في أثناء حياة المخلص وبعد موته مدة طويلة من الزمن. وبعضهم ظل عائشًا حتى عصرنا ".

القمص تادرس ملطي: الآباء الرسوليون.

كوبرس وبتاربِموتس القديسان

شهادة القديس جيروم عن القديس كوبرس

تحدث القديس جيروم عن القديس "كوبرس" قائلاً بأنه رأى هذا الذي كان يقيم في البرية، وكان رئيسًا لدير يضم 50 راهبًا، وكان يقوم بعمل معجزات عظيمة، فكان يشفي الأمراض المتنوعة، ويطرد الشياطين من المكان، ويُخرج الأرواح الشريرة وغيرها من الأمور العجيبة التي رأيناها بعيوننا. كما قال:

[ولما رآنا حيّانا وصلى لنا، وغسل أقدامنا، وبدأ يسألنا عن العالم والأمور السياسية الحادثة فيه، ولكننا ناشدناه أن يذكر لنا سيرة حياته، وكيف أعطاه الله هذه المواهب؟ وتحدث بتواضعٍ وقال:

(بتاربموتس اللص يصير قديسًا)

كان أمامي أب يُدعى "بتاربموتس" الذي كان رئيسًا للرهبان. وسكن في هذا المكان وكان أول من ارتدى الثوب الرهباني الذي أرتديه وأول من ابتدع شكله. وكان سابقًا لصًا وسارقًا لقبور الوثنيين. وقد اشتهر بارتكاب الشر من كل نوع، سواء من قطع الطريق أو السرقة "أو غيرهما من أعمال الشر.

أما سبب خلاص نفسه، فقد ذهب – ذات مرة – ليسرق بيتًا، وكانت تُقيم به قديسة عفيفة. ودون أن يدري وجد نفسه على سطح منزلها. ونظرًا لأنه لم يتمكن من الدخول للبيت لسرقته لأن سقفه كان مستويًا، وليس هناك مواسير لتسريب مياه المطر (مزاريب) يمكن تسلقها والدخول عن طريقها أو الخروج من هذا البيت فلم يستطع النزول والهرب منه، فقد اضطر إلى البقاء إلى الصباح، وأخذ يفكر فيما ينبغي عمله حتى طلوع النهار.

غلبه النُعاس، فرأى ملاكًا في شكل إنسان جاءه وقال له: "لا تكرّس كل حياتك وتعبك للسرقة، ولو أردت أن تغيّر حياتك الشريرة إلى أعمال صالحة، ستخدم خدمة الملائكة أمام الملك المسيح وسيعطيك القوة والسلطان لغلبة الخطية". وبمجرد أن سمع هذا الكلام فرح به، فأرشده الملاك للذهاب إلى جماعة من الرهبان وأمره بأن يتولى قيادتهم!

ولما استيقظ من نومه وجد الراهبة واقفة أمامه وقالت له: "يا رجل لماذا جئت إلى هنا؟ وما هو غرضك؟ ومتى جئت؟ ومن أنت؟"

فقال لها: "لست أدري، ولكن أرجوكِ أن تقوديني إلى الكنيسة". فلما ذهب إلى الكنيسة جثا أمام أقدام الشيوخ (الكهنة) وتوسل إليهم لكي يصير مسيحيًا، لكي يجد الفرصة للتوبة.

فلما علم الشيوخ من هو تعجبوا وأرشدوه لكي لا يكون مجرمًا فيما بعد. وأما هو فقد طلب منهم أن يُعلّموه المزامير. وبقي مع الآباء الكهنة الشيوخ ثلاثة أيام، ثم مضى على الفور إلى البرية.

في البرية

ولما عاش بها خمسة أسابيع بلا خُبز، جاءه رجل يحمل خبزًا وماء، وطلب منه أن يأكل ويشرب، وعاش ثلاث سنوات في صلوات ودموع. وكان يتغذى على جذور النباتات البرّية.

وبعد 3 سنوات عاد إلى الكنيسة، ونطق أمام الآباء بقانون الإيمان بالرغم من أنه لم يعرف القراءة فقد استطاع أن يكرر أمام الآباء ما حفظه عن ظهر قلب من الكتاب المقدس!

وتعجب الآباء أن رجلاً مثل هذا قد اقتنى هذه الدرجة من المعرفة والنُسك، فأعطوه المزيد من المعرفة الروحية ثم عمّدوه، والتمسوا منه أن يمكث معهم ولم يبقَ معهم سوى سبعة أيام فقط ثم رحل إلى موضعٍ آخر في البرّية.

قائد رهباني

عاد من البرية بعد تدريب على حياة النسك وإنكار الذات. ثم دعا كثيرين ليتبعوا أثار خُطاه. وجاءه شاب يطلب أن يكون تلميذًا له، فلما قبله، ألبسه بالطريقة التي كان يرتدي بها ثيابه، وكان عبارة عن قميص قصير الأكمام وجلباب فوقه، وقلنسوة (طاقية) على رأسه، وشد وسطه بحزام، ثم أراه طريقة الرهبنة والبكاء على الخطايا، والجهاد في العبادة.

وكانت من عادة القديس "بتاربموتس" أنه عندما كان يموت مسيحي، كان يظل بجواره طول الليل ساهرًا ومصليًا، ويكفنه بإكرام ويدفنه. ولما رآه تلميذه وهو يُلبس الموتى المسيحيين بهذه الطريقة قال له: "هل يا سيدي ستدفني بهذه الطريقة عندما أموت؟" فقال له: "سألبسك هكذا. ثم ألف حول جسدك الكفن حتى تقول لي" كفى "!

وبعد مدة قليلة مات التلميذ، وتمت كلمات سيده، فقد ألبسه بإكرام وبمخافة الرب وقال بصوتٍ عالٍ أمام كل الواقفين: "هل ألبستك حسنًا يا ولدي؟ أو لا يزال ينقصك شيء؟!" فأرسل الميت صوتًا سمعه الجميع، قائلاً: "لقد ألبستني يا أبي حسب ما وعدتَ به ونفذته!" فتعجب الحاضرون ومجدوا الله. ثم مضى القديس للبرية هاربًا من المجد الباطل.

وكان على القديس أن يعود إلى رهبانه وتلاميذه ولخدمة المرضى منهم.

إقامة ميت

ذهب القديس بتاربموتس لزيارة أخ مريض، ورأى أنه كان يعاني بشدة خلال سكرات الموت، وكان متعبًا في فكره، وكان عقله يلومه وضميره يوخزه بسبب شروره التي لم يكن قد تاب عنها بعد! فقال له القديس: "كيف تقدر أن تمضي إلى الرب وأنت تحمل معك دليل اتهامك بالإهمال في أعمالك؟" فتوسل إليه الأخ أن يصلي إلى الله من أجله ليعطيه عمرًا قليلاً آخر ليُصلح حياته وأعماله. فقال له لقد انتهت حياتك وأنت تسأل وقتًا للتوبة؟ ماذا كنت تفعل طول حياتك؟ ألم تستطع أن تُصلح من عيوبك؟ ومع ذلك أضفت غيرها إلى إهمالك ". ولكن هذا الأخ ناشده أن يصلي ليقوم من فراش مرضه. صلى القديس ثم قال له:" إن الله منحك عمرًا آخر قدره ثلاثة أعوام "، ثم أمسك بيده وأقامه فورًا من فراش مرضه، ثم قاده معه إلى البرية حيث عاش معه ثلاث سنوات.]

الصلاة على الرمال

حضر إلى الأنبا كوبرس مرة مزارع وهو يحمل دلوًا به رمل، فلما سُئل القديس عن سبب ذلك قال: "إن القرية القريبة للدير قد تعرضت لخطر الديدان التي كانت تأكل المحصول، فصلينا لهم على بعض الرمال وقلنا لهم أن يخلطوها بالتقاوي عند الزراعة، ولهذا يأتي الفلاحون إلى الدير لكي نصلي لهم على الرمال كما جرت العادة".

قبول لص الإيمان

قال القديس كوبرس أنه كان لأخ حديقة خصص ثمارها للرهبان، فدخل إليها لص وثني وسرق بعض ثمارها وأوقد عليها لمدة ثلاثة ساعات ليطهيها، فظلّت كما هي، وكذلك تبقّى الماء دون أن يغلي. فتأثر بذلك وأحضر الثمار إلى القديس ورجاه أن يصفح عنه وأن يجعله مسيحيًا. فقام القديس كوبرس بتعليمه مبادئ الإيمان المسيحي.

مشاهير الآباء للقديس جيروم تعريب دياكون د. ميخائيل مكس إسكندر.

كوتيلاس واكسوا وطاطس الشهداء

كوتيلاس أو كوبتلاس هو ابن سابور ملك الفرس واكسوا كانت أخته، وطاطس صديقه.

وقد وردت سيرتهم في حرف "أ" تحت: "الشهيدة اكسوا".

كودراتُس ورفقاؤه الشهداء

ولادته في البرية

كان أبواه يونانيين مسيحيين من كورنثوس Corinth وتوفّيا وهو بعد صغير، ويقال أنه وُلد في البرية حيث عاشت والدته هناك هربًا من اضطهاد الإمبراطور ديسيوس Decius وتوفت هناك، ويقال أنه كبر في الصحراء وكانت العناية الإلهية تعوله وتبعث له الغذاء من السماء، وحتى ملابسه التي كانت تغطيه بها والدته كانت تُأقلِِم نفسها لتتناسب مع نموه.

دراسة الطب

على أي حال فقد أظهر نفسه وخرج من عزلته ودرس الطب وأحاط نفسه بمجموعة من الأصدقاء. وتحت حكم ديسيوس Decius وفالريان Valerian وياسونJason كان والي اليونان ينفذ أوامر الاضطهاد العنيف ضد المسيحيين، وكان كودراتُس أحد هؤلاء الذين استُدعوا أمامه.

استشهاده ومعه أصدقاؤه

حاول الوالي إقناعه بتقديم القرابين للآلهة للنجاة من العقاب، إلا أن القديس وخمسة من أصدقائه أعلنوا أن الخلاص الأبدي أغلى عندهم من حياتهم، وبدلاً من الدفاع عن نفسه أخذ يشرح للوالي معاملات الله مع الإنسان منذ بداية الخليقة إلى موته على الصليب وقيامته، لكن الوالي احتقر هذا الكلام وأمر بجلده بالسياط.

كان أحد الخمسة صبيًا اسمه كبريانوس Cyprian، حاول معه الوالي مستغلاً صغر سنه محاولاً التأثير عليه، إلا أن كودراتُس أخذ يعظ أصدقاءه ليثبتوا إلى النهاية، فتعرضوا لعذابات كثيرة ثم طرحوهم للحيوانات المفترسة ولكنها رفضت أن تلمسهم، وأخيرًا أخذوهم خارج المدينة حيث قطعوا رؤوسهم حوالي سنة 258م. وأما أسماء الأربعة شهداء الآخرين فهي: ديونيسيوس Dionysius وأنيكتَس Anectus وبولس Paul وكريسنس Crescens.

Butler, March 10.

كورنيوس الكاهن القديس

كان يسكن في قرية على حافة الصحراء، ومن فرط حبه للاختلاء بالرب قام وسار في الصحراء 15 ألف خطوة - عدّها بقدمه - وحفر هناك، فأخرج الله له ماء حلو، فبنى قلاية يصلي فيها ولم يعد إلى قريته.

لما ذاعت شهرته، توجه إليه مائتان أخًا واختاروه كاهنًا لهم. فخدمهم بأمانة ستين عامًا كاملة، لم يخرج فيها مرة عن الصحراء، ولم يأكل خبزًا من يد أحد بل من تعبه وعمله.

بستان القديسين، صفحة 48.

كورونا الشهيدة

الشهيد بقطر

سبق لنا الحديث عنها أثناء حديثنا عن الشهيد بقطر الذي سحب قلوب الكثيرين بتسابيحه بروح النصرة والغلبة وعدم انشغاله بمحاولات الوالي لاستمالته باللطف والتكريم وما مارسه من عنف شديد ووحشية بربرية.

أمر الوالي بفقأ عينيه، أما هو فكان يهتم بالبصيرة الداخلية. فتح الرب عن عينيه فصار يصلي ويسبح، كما فتح عن عيني كورونا.

إيمان كورونا الشابة الصغيرة

كورونا هي شابة صغيرة عمرها 16 سنة، كانت زوجة لأحد الجنود ولم يمضِ على زواجها سوى أربعة عشر شهرًا. آمنت أثناء تعذيب الشهيد بقطر، ورأت ملاكين كل منهما يحمل إكليلاً، أحدهما للشهيد بقطر، فاندفعت هي وأعلنت إيمانها لتفوز بالثاني.

كان الصمت يُخيّم على ساحة الاستشهاد، فالكل حتى غير المؤمنين انسحبت قلوبهم إلى الشهيد بقطر يتفرسون في ملامح وجهه التي حملت روح النصرة، لتعبر عن إيمانه بالله واهب الغلبة. كما صمت الكل ليسمعوا صلاته الجذابة.

وسط هذا الصمت الرهيب إذ بصيحة كورونا تهز أركان الساحة. بشجاعة أعلنت أن الرب فتح عن عينيها لترى السماء المفتوحة والإكليلين النازلين. كانت كمن في سباق تخشى أن يضيع الإكليل الثاني من بين يديها.

استدعاها الوالي وحاول أن يثنيها عن إيمانها ولكنها كانت ثابتة.

جاء في حوارها مع الوالي:

أتظن أيها الوالي إني أفقد هذا الإكليل؟

إن جنونك أيتها الصغيرة المسكينة يفقدك مجوهراتك الثمينة وملابسك الفاخرة، بل وحياتك أيضًا! سترين ذلك بعينيك.

إنني أُفضل أن أفقد هذه الأشياء الفانية من ملابس ومجوهرات، أو حتى هذا الجسد، فإن مسيحي سيفيض عليّ بغنى رحمته!

للمرة الثانية، أقول لكِ، انهضي يا امرأة وصلي للآلهة.

لا تُحاول إرهابي، فإنني لن أخسر الإكليل السماوي من أجل طاعة أوامرك.

اغتاظ الوالي وأمر بتقريب شجرتين كانتا قريبتين من المحكمة، ثم قام الجلادون بربط أعضائها في كل من الشجرتين، وعند إعطاء الإشارة تُركت الشجرتان لتأخذا وضعهما الطبيعي، فاحتفظت كل منهما بنصف الشهيدة.

بستان القديسات: كنيسة العذراء بجرجا ج2.

كولوتس الأنصناوي الشهيد

أخ زوجة إريانا الوالي

وهو الشهير باسم أبو قلته.

كان هذا القديس ابنًا لوالدين خائفين الرب، وكان والده واليًا على أنصنا، واشتهى أن يُرزق ولدًا فأخذ يطلب من الرب يسوع المسيح حتى رزقه هذا القديس، فأدبه بالآداب المسيحية وعلمه الكتابة فحفظ كثيرًا من كتب وتعاليم الكنيسة وكان طاهرًا من صغره.

أراد أبوه أن يزوجه فلم يقبل، أما أخته فإنها تزوجت إريانا الذي تسلم الولاية بعد والدها، وذلك أنه لما شاخ طلب من الملك أن يعفيه من الولاية فسلمها لإريانا صهره، ولما توفى والدا هذا القديس بنى فندقًا للغرباء ثم درس الطب حتى أتقنه وكان يداوي المرضى بلا أجر.

سجنه

لما كفر دقلديانوس وافقه إريانا حفظًا لمركزه وصار يعذب الشهداء، فتقدم القديس كولوتس شقيق زوجة إريانا وصار يوبّخه على تركه عبادة الإله الحقيقي، كما لعن آلهة الملك المرذولة، فلم يرد إريانا أن يمسه بأذى إكرامًا لأخته وأرسله إلى والي البهنسا حيث أودعه في السجن ثلاث سنوات، وتوسطت أخته في إخراجه.

استشهاده

ولما تولى والي آخر وعرف خبره، استحضره وهدّده فلم يلتفت إلى تهديده فغضب وأمر بتعذيبه، وكان ملاك الرب يأتي إليه ويعزّيه. وقد أجرى الله على يديه آيات كثيرة. ولما حار الوالي في تعذيبه أمر بقطع رأسه فنال إكليل الشهادة، فكفنوه ووضعوه في مكان إلى انقضاء زمن الاضطهاد حيث بنوا له كنيسة، وكانت تظهر من جسده آيات عظيمة.

لهذا القديس كنيسة أثرية في ريف مركز أسيوط ويقام له سنويًا احتفال عظيم في يوم استشهاده، وينال زائروه بركة هذا القديس، وبشفاعته يتمتع المرضى بالشفاء من الأمراض المختلفة. ومما يذكر أنه يوجد في هذه الكنيسة حجر أثري له تأثير عظيم في إبعاد العقارب عنه إلى يومنا هذا.

السنكسار، 25 بشنس.

كولومبا العذراء الشهيدة

كانت من أهل أسبانيا وحين بلغت السادسة عشرة أتت إلى بلاد الغال مع عدد من الأسبان الذين استشهدوا جميعًا، أما هي فقد استقرت في سينس Sens.

يقال أن والديها كانا من الأشراف ولكنهما وثنيان، فهربت من المنزل سرًا حتى تتجنب عبادة الآلهة الباطلة الوثنية، وذهبت إلى فيينا Vienne حيث اعتمدت.

حين وصل أوريليان Aurelian إلى سينس أمر بقتل كولومبا مع كل رفقائها، فقُطِعت رأسها ودفنها أحد الرجال كان قد استعاد بصره بصلواتها.

Butler, December 31.

كوليثوس

ادعاؤه الأسقفية

من رجال القرن الرابع، كان كاهنًا بالإسكندرية، أنشأ جماعة حيث ادعى أنه يمارس العمل الأسقفي. ولا يُعرف على أي أساس ادعى هذا.

انعقد مجمع سنة 324م قرروا فيه أنه مجرد كاهن، وأن الذين قام بسيامتهم مثل إسخيراس Ischyras وغيره يحسبون من الشعب (أثناسيوس: ضد الأريوسيين75: 12 - 77، 80).

في رسالة للبابا الكسندروس الواردة في ثيؤدوريت (1: 4) واضح أن كوليثوس انشق عن الكنيسة قبل عزل آريوس عنها. كما يُفهم منه أنه قام بالسيامات من أجل الحصول على أموال.

يرى Valensius أن كوليثوس انشق عن الكنيسة بسبب تساهل البابا الكسندروس وعدم ردعه للأريوسية.

يُحسب منشقًا عن الكنيسة وليس مبتدعًا، إذ لم يقم المجمع بحرمانه، وإنما بتأكيد أنه كاهن لا غير. وإن كان القديس أبيفانيوس حسبه من الهراطقة، ويقول أن فريقه تشتت بسرعة.

Henry Wace & William Piercy: A Dictionary of Early Christian Biography, 1999.

كوليريس

تحت اسم الكوليرديانيين Collyridians هاجم القديس أبيفانيوس النسوة اللواتي جئن من تراقيا بالعربية وذلك لمبالغتهم في تكريم العذراء القديسة، فكن يقدمن تقدمات كعك ويمارسن العبادة لها. أدان القديس أبيفانيوس عملهن لسببين:

أولاً: ليس من حق النساء تقديم تقدمات وذبائح في الكنيسة.

ثانيا: أن القديسة مريم تُكرم، لكن الله وحده هو الذي يُعبد.

Epiphanius: Ad Haer. 79.

كونكورديوس الشهيد

إبذياكون عاش في زمن الإمبراطور ماركوس أوريليوس Marcus Aurelius وبسبب الإيمان نُفي إلى الصحراء، ثم حوكِم أمام حاكم يومبريا Umbria، فلم يلتفت لا إلى الوعود ولا إلى التهديدات.

في أول محاكمة ضُرِب بشدة، وفي الثانية مدّوه على لوح خشب، وفي قمة تعذيبه كان يصرخ بفرح: "المجد لكَ يا ربي يسوع المسيح". بعد ثلاثة أيام أرسل إليه الحاكم جنديين ليقطعا رأسه إن لم يذبح للوثن الذي حمله كاهن كان يرافق الجنديان من أجل ذلك الغرض. نظر القديس إلى الوثن وبصق عليه، ففي الحال ضربه أحد الجنديين فقطع رأسه ونال إكليل الشهادة سنة 178م.

Butler, January 1.

كوموديانوس

وضع قطعتي شعر باللاتينية، قطعة ضد الأمم والأخرى ضد اليهود والأمم:

Instructiones adversus Gentium Deos pro Christiana Disciplina.

Carmen Apologeticum adversus Judaeos et Gentes.

واضح مما ورد في القطعتين أن الكاتب كان معاصرًا لفترة اضطهاد. أسلوب القطعة الأولى يشير إلى عصر الشهيد كبريانوس، وقد نُشرت مع كتاباته أكثر من مرة. يوجد تلميح للانشقاق الخاص بنوفاتيان Novitian. وجاءت بعض العبارات تكشف أن الكاتب كان يتوقع اضطهادات جديدة.

جاء النص يكشف عن تاريخ القطعة الشعرية حيث ينتقد بعنف بقاء الأمم في عدم الإيمان مع ظهور المسيحية منذ 200 عامًا. هذا يعنى أن تاريخ كوموديانوس لن يكون بعد سنة 250م.

يستنبط البعض منهما أن الكاتب صار أسقفًا.

نشرت القصيدتان في مجموعة "آباء ما قبل نيقية"، وهما يبدوان بلا قيمة من الجانب الأدبي، لكن لهما أهمية كبرى في تاريخ اللغة اللاتينية حيث يظهر أن التغيير قد بدأ فعلاً في تكوين اللغات الرومانسية.

كونن القديس

في عصر الرسل

كان هذا القديس من ضيعة أنيطانيوس من بلاد سورية من أب اسمه نسطر وأم اسمها ثاؤذورا، وكانا يعبدان الكواكب. وكان ذلك وقت تبشير التلاميذ باسم السيد المسيح له المجد.

اشتياقه نحو معرفة الله

لما كبر كونن ظهرت منه فضائل كثيرة كالعفة والطهارة والورع والرحمة. وأراد والداه أن يزوّجاه فأبى ولكنهما أرغماه على ذلك وزوجاه فلم يكن يهوى أن يعرف امرأته. فمكث الاثنان على ذلك الحال أبكارًا وكان كثيرًا ما يقول في صلاته: "أيها الإله أرشدني إلى معرفتك الحقيقية".

ظهر له ملاك الرب ميخائيل وأمره أن يذهب إلى أحد الحواريين فمضى إليه وتعلم منه فرائض الدين المسيحي وتعمد وتناول السرائر الإلهية، ثم داوم على سماع تعاليم الرسل فازداد طهارة وعفة ونسكًا وورعًا وصلاة.

منحه الله عمل المعجزات والسلطان على الشياطين حتى اجتذب أبويه وزوجته أيضًا ووالديها إلى الإيمان بالسيد المسيح.

انتهاره للشيطان

مرة دخل أحد الوثنيين إلى إحدى المغائر ليذبح للشيطان، وعلم به هذا القديس صرخ في الشيطان وانتهره أن يقر أمام الناس من هو، فاعترف أنه الشيطان وليس إلهًا فصرخ الحاضرون قائلين: "واحد هو إله القديس كونن" ثم آمنوا واعتمدوا.

سمع بخبره نائب الوالي كلوديوس قيصر فاستحضره، فأقر أمامه بالمسيح فربطه وضربه ضربًا شديدًا، وسمع بذلك أهل بلده فلمحبتهم له هرعوا إليه يريدون قتل الوالي فهرب منهم، أما هم فحلُّوا القديس من رباطه وغسلوه من دمائه وحملوه إلى بلدهم، فعاش مدة سنتين وانصرف إلى الرب فجعل المؤمنين داره كنيسة ووضعوا جسده فيها وظهرت منه آيات وعجائب كثيرة. صلاته تكون معنا آمين.

السنكسار، 9 برمهات.

كونيتا الشهيدة

في الإسكندرية

في عصر البابا ديونسيوس اشتعل لهيب الاضطهاد في مصر، فكان الوثنيون يسيرون في الشوارع ليمنعوا المسيحيين من الذهاب إلى الأسواق والحمّامات العامة. كما كانوا يقتحمون بيوتهم ويسلبونها ثم يحرقون ما تبقى. وكثيرًا ما كانوا يجرونهم للمحاكم، ولا يهدأ لهم بال حتى بعد موتهم بل يشهّرون بأجسادهم.

أُلقي القبض على القديسة كونيتا، وحاول الوثنيون إلزامها بأن تعبد الأصنام. حاولوا إغراءها بكل وسيلة فلم ترضخ لهم.

قُدّمت القديسة للمحاكمة أمام والي الإسكندرية. أما هي فبثباتٍ عجيبٍ قالت للوالي: "اعلم أيها الوالي أن هذه العذابات هي الطريق المؤدي إلى ملكوت السموات، وإنني أود أن أصل حالاً إلى سيدي المسيح".

سحلها في شوارع الإسكندرية

أمر الوالي بربطها وأن توثق من قدميها في إحدى الخيول الجامحة حتى تُسْحل في شوارع الإسكندرية. ما حدث لها كان مشابهًا لما حدث مع القديس مار مرقس في نفس المدينة.

انطلق الفرس الجامح يجري في الشوارع بينما كان الدم ينزف من جسم القديسة، وثيابها تتهرأ وعظامها تتهشم. وكان الغوغاء من الوثنيين يتطلعون إليها في سخرية كمن يتشفّون فيها. كانت تقدم صلواتها وسط الآلام وجسمها يتهرأ في الشوارع.

أخيرًا حلّوا رباطاتها وسحبوها على حجارة حادة حتى تمزق بقية جسمها بطريقة وحشية.

أمر الوالي بجلدها ثم بإلقائها في السجن لكي تلفظ أنفاسها الأخيرة.

ظهر لها ملاك الرب وأشرق عليها بنورٍ بهيٍ وقوّاها وشفاها من جراحاتها وأعلن لها عن تمتعها بالإكليل السماوي.

محبتها لراجميها

في اليوم التالي إذ وجدها الوالي سليمة اغتاظ جدًا وأمر برجمها. رُجمت وهي واقفة تصلي من أجل راجميها حتى يشرق الرب بنوره عليهم ويتمتعوا بالخلاص من الهلاك الأبدي. وهكذا نالت القديسة إكليل الشهادة.

كويتيريا العذراء الشهيدة

في جنوب فرنسا وشمال أسبانيا شُيّدت كنائس كثيرة على اسم الشهيدة كويتيريا التي مازالت تتمتع بشهرة كبيرة في آير Aire بجاسكوني Gascony التي كانت تحتفظ برفاتها.

كانت ابنة الأمير جاليسيان Galician وهربت من بيت أبيها لأنه أراد إرغامها على ترك المسيحية وتزويجها بالقوة، فأرسل أبوها ورائها رُسُلاً ليتبعوها ويقتلوها، فعثروا عليها في آير حيث قطعوا رأسها وكان ذلك في القرن الخامس الميلادي.

تظهر صورها دائمًا فيها كلب إذ أنها تعتبر شفيعة من تعضه الكلاب المسعورة.

Butler, May 22.

كويرينس الأسقف الشهيد

هو أسقف سيسكيا Siscia التي تقع على نهر الدانوب Danub (وهي الآن سيساك Sisak في كرواتيا Croatia)، استشهد في عصر دقلديانوس، وقد مدحه وطوَّبه القديس جيروم وبرودنتوس Prudentius وفورتناتوس Fortunatus.

حين صدرت الأوامر بالقبض عليه ترك المدينة، ولكن الجند تتبعوه وقبضوا عليه وأحضروه أمام الحاكم ماكسيموس Maximus، الذي استجوبه بشأن عزمه على الهرب فأجاب القديس أنه إنما كان يطيع سيده يسوع المسيح الإله الحقيقي الذي قال: "حين يسعون إليكم في مدينة فاهربوا إلى أخرى". سأله الحاكم: "ألا تعلم أن أوامر الإمبراطور سوف تعثر عليك أينما ذهبت؟ ولابد أنك قد تأكدت بنفسك الآن أن من تدّعي أنه الإله الحقيقي لم يساعدك حين قبضنا عليك".

أجابه القديس: "الله دائمًا معنا ويستطيع أن يساعدنا، كان معي حين قُبِض عليَّ وهو معي الآن أيضًا، هو الذي يقويني ويتكلم من خلال شفتيَّ".

ماكسيموس: "إنك تتكلم كثيرًا وهذا يعطل تنفيذك للأوامر. اقرأ المنشور ونفذ كل ما يأمر به".

كويرينس: "آلهتك التي تخدمها هي لا شيء، ولكن إلهي الذي أخدمه يملأ السماء والأرض والبحر وكل مكان، ولكنه أعلى من الكل لأنه يحوي الكل فيه، هو خلق كل الأشياء وبه وحده فقط هي كائنة".

ماكسيموس: "لا بد أنك قد عُدت طفلاً مرة أخرى حتى تصدق هذه الخرافات! أنظر فإن البخور أمامك الآن فقدم منه للآلهة وسوف أكافئك، وأما إذا رفضت فسوف تُعذَّب بشدة وتموت ميتة شنيعة".

أجابه القديس: "أن الآلام التي تهدّد بها سوف تكون مجدًا لي".

أمر ماكسيموس بضربه وفي أثناء ذلك كان يلح عليه للتبخير للأوثان، ووعده إن فعل ذلك سيجعله كاهنًا للإله جوبيتر Jupiter. صرخ نحوه القديس بكل شجاعة: "إني أمارس كهنوتي هنا الآن بتقديم ذاتي للّه. أنا سعيد بالضربات فهي لا تؤذيني، بل وإني مستعد بكل سرور أن أتحمل المزيد حتى أشجّع هؤلاء الذين أخدمهم لكي يسيروا ورائي في هذا الطريق القصير للحياة الأبدية".

إذ لم يكن لماكسيموس سلطة الحكم بالإعدام، أرسل كويرينس إلى أمانتيوس Amantius حاكم بانونيا بريما Pannonia Prima.

استقل القديس مركبًا أقلته عبر نهر الدانوب حتى وصل مدينة ساباريا Sabaria (الآن زومباثلي Szombathely في المجر Hungary)، وهناك وقف أمام أمانتيوس الذي بعد أن قرأ تقرير محاكمته السابقة سأله عن صحة ما فيه. أجابه القديس بالإيجاب وأضاف: "لقد اعترفت في سيسكيا بالإله الحقيقي الذي لم أعبد آخر سواه، وهو الذي أحمله في قلبي ولا يوجد إنسان على الأرض يستطيع أن يفصلني عنه". أجابه أمانتيوس أنه يشفق عليه بسبب شيخوخته ولا يريد هو الآخر أن يعذبه، ورجاه أن ينفذ الأوامر حتى ينهي أيامه في سلام. إذ لم تستطع الوعود أو التهديدات أن تحرك القديس عن رأيه، أصدر الحاكم أوامره بقتل كويرينس.

ربطوا في عنق القديس حجرًا وألقوه في نهر راب Raab، وقبل أن يغرق في النهر سمعوه يردد كلمات الصلاة والتسبيح قبل أن يختفي عن الأنظار، وكان استشهاده سنة 308م.

استطاع المسيحيون التقاط جسده بعد أن حمله التيار مسافة قصيرة حيث دفنوه، وفي أوائل القرن الخامس أُحضِر رفاته إلى روما.

Butler, June 4.

كوينتا الشهيدة

امرأة مسيحية مؤمنة، ولما صدر الأمر الملكي في عهد الملك ديسيوس عام 250م باضطهاد المسيحيين حُملت بالقوة إلى هيكل الأصنام ليجبروها على عبادته، لكنها رفضت بشدة.

ربطوا رجليها وجروها في كل المدينة على الشوارع المرصوفة بالحجارة، ووضعوا جسمها فوق حجارة الطاحون، ثم جلدوها وأرجعوها ثانية إلى هيكل الصنم حيث رجموها هناك حتى نالت إكليل الشهادة.

شهيدات المسيحية، صفحة 28.

كوينتوس

كان من سكان فريجية Phrygia، وعند بداية اضطهاد المسيحيين في سميرنا Smyrna - وهو الاضطهاد الذي قُبِض فيه على القديس بوليكاربوس Polycarp فيما بعد - سلَّم كوينتوس نفسه للحاكم من تلقاء نفسه. ولكن فيما بعد حين رأى الوحوش المفترسة، فقد شجاعته وارتد. لذلك تعلَّم المسيحيون أن يرفضوا ويلعنوا اندفاع الإنسان للخطر نتيجة لثقته الزائدة بذاته.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. IV, page 530.

كوينتينوس الشهيد

كارز ببلاد الغال

كان رومانيًا وترك موطنه متجهًا إلى بلاد الغال Gaul ليبشر فيها بالمسيحية. اجتاز في البلاد كارزًا إلى أن وصل إلى أميان Amiens في بيكاردى Picardy، حيث مكث هناك مجاهدًا بصلواته وأعماله حتى يجعل هذا البلد جزءً من كَرْم الرب، فكانت مكافأته عن ذلك أن نال إكليل الاستشهاد.

استشهاده

سمع الوالي ركتيوفاروس Rictiovarus بنمو المسيحية في أميان، فأمر بحبس القديس كوينتينوس. وفي اليوم التالي أُحضِر القديس أمام الوالي الذي حاول أن يجتذبه تارة بالوعود وتارة بالتهديد، فلما وجده صامدًا أمام كليهما أمر بجلده وحبسه في حبس داخلي مانعًا عنه أية مساعدة أو عون من المؤمنين. ثم أخذ يعذبه بعد ذلك بأشكال كثيرة: ربط أطرافه وشدّها حتى تمزقت مفاصله، ثم ضربه بأسلاك حديدية حتى تمزق لحمه، ثم سكب زيتًا مغليًا على ظهره، ثم حرق جنبيه بالنار. وبمعونة إلهية أخرجه ملاك من السجن.

قُبِض عليه مرة أخرى وهو يكرز في وسط المدينة. وحين ترك الوالي ركتيوفاروس أميان أمر بنقل القديس إلى المكان المسمّى الآن سان كوينتين Saint - Quentin، حيث بدأ هناك سلسلة من الاضطهادات على المسيحيين.

أخيرًا إذ خجل الوالي من هزيمته أمام شجاعة القديس، أمر بتعذيبه مرة أخرى ثم قطع رأسه بحد السيف، فخرجت حمامة من عنقه متجهة إلى السماء. وإمعانًا في تحقيره ألقوا بجثته في النهر، ولكن المؤمنين أخذوها ودفنوها بإكرام قرب المدينة.

Butler, October 31.

كيردو

نشأته

معلم غنوصي من رجال النصف الأول من القرن الثاني، عُرف كسابق لمرقيون. يرى القديس أبيفانيوس وفيلاسترPhilaster أنه مواطن سوري، ويرى القديس إيريناؤس أنه جاء إلى روما في أيام أسقفية هيجينوس Hyginus.

بدعة أم انشقاق عن الكنيسة

يرى القديس ايريناؤس أنه لم يكن في ذهنه أن يقيم فرقة منفصلة عن الكنيسة، إنما جاء إلى الكنيسة وقبل الإيمان علنًا، ثم بدأ في نشر تعليمه سرًا، بعد ذلك كشف عنه فسحب نفسه عن الكنيسة وأقام فرقة تحمل اسمه.

يرفض بعض الدارسين رأى القديس أبيفانيوس بأنه أقام فرقة باسم الكيردونيين Cerdonians، لأن الكتّاب السابقين تحدثوا عنه كشخصٍ، ربما وُجد مجموعة تبعته، لكن سرعان ما انضمت إلى مدرسة مرقيون الذي انضم إلى كيردو فور وصوله إلى روما.

تعاليمه

لم يترك كيردو أية كتابات له، ولا توجد أية شهادة عن تعليمه سوى ما نعرفه عنه من خلال اتباع مرقيون. ومن الصعب جدًا تحديد نقط الاتفاق أو الخلاف بين تعليم كل من كيردو ومرقيون.

لم يحاول هيبوليتس (Refutation 10: 19) التمييز بين تعاليم كيردو ومرقيون.

يقول إيريناؤس بأن كيردو نادى بأن الله الذي تحدث عنه الناموس والأنبياء ليس أب ربنا يسوع المسيح، فإن الأول كان معروفًا والثاني غير معروف، الأول عادل والثاني رحوم.

وأشار ترتليان إلى كيردو أربع مرات في عمله ضد مرقيون، بكونه سابق لمرقيون. وبحسب العمل المنسوب لترتليان علَّم كريدو بوجود علّتين وإلهين، واحد صالح والآخر شرير وهو خالق العالم. وأن كيردو نبذ الناموس والأنبياء ومجّد الخالق، وعلم بأن المسيح ابن العلي الصالح لم يأتِ في مادة الجسد بل في مظهر جسدي، ولم يمت حقًا بل تمت قيامة النفس وحدها. وأنه رفض بعض أسفار العهد الجديد مثل أعمال الرسل والرؤيا. واضح أن الكاتب نسب كل تعاليم مرقيون لكريدو.

Henry Wace & William Piercy: A Dictionary of Early Christian Biography, 1999.

كيرس الأب

عندما سُئل الأب كيرس الإسكندري عن فكر الزنى، قال: إن لم يكن عندك فكر، لا يكُن عندك رجاء. وإن لم يكن عندك أفكار، فعندك عمل. وهذا يعني أن من لا يحارب الخطيئة في الفكر ويعارضها ويقاومها، فإنه يمارسها جسديًا، لأن من يعمل لا تزعجه الأفكار.

سأل الشيخ الأخ قائلاً: تُرى هل أنت معتاد على مقابلة النساء؟ أجابه الأخ: كلا، لأن أفكاري هي مصور حديث وقديم، وتزعجني ذكريات المرأة وصورتها. فقال الأب: لا تكن من الأموات خائفًا، إنما تحاش الأحياء، وأطل صلاتك.

كيرلس أسقف إنطاكية الشهيد

خَلَف تيمايوس Timaeus على كرسي إنطاكية سنة 283م، واستمر على الكرسي حتى سنة 304م حين خَلَفه تيرانوس Tyrannus.

حسب التقليد الغربي استشهد القديس كيرلس في زمن حكم الإمبراطور دقلديانوس، وتُعيِّد له الكنيسة الغربية في الثاني والعشرين من شهر يوليو.

A Dictionary of Christian Biography, Vol. I, page 760.

كيرلس أسقف أورشليم القديس

قس الموعوظين

وُلد بأورشليم أو بإحدى قراها عام 315م.

سيم شمّاسا سنة 335م ثم قسّا سنه 345م. وبالرغم من حداثة القس كيرلس عهد إليه الأسقف مهمة تعليم الموعوظين لتأهيلهم لنوال سرّ المعمودية، كما جعله يعظ في أيام الآحاد والأعياد.

سيامته أسقفًا

اُختير هذا الأب في سنة 348م خلفًا للأنبا مكسيموس أسقف أورشليم نظرًا لعلمه وتقواه بواسطة أكاكيوس أسقف قيصرية. وللأسف إذ كان أكاكيوس أريوسيًا حامت الشكوك حول كيرلس. لكن سرعان ما دخل في صراع مع أكاكيوس والأريوسيين مدافعًا عن التعاليم النقية الخاصة بلاهوت السيد المسيح.

منازعات بينه وبين أكاكيوس أسقف قيصرية

لم يلبث على كرسيه طويلاً حتى حصلت منازعات بينه وبين أكاكيوس أسقف قيصرية فيمن منهما له حق التقدم على الآخر، وكانت حجّة كيرلس في ذلك أنه خليفة القديس يعقوب أحد الاثنى عشر رسولاً.

حدث أن انتهز أكاكيوس فرصة بيع الأنبا كيرلس لأواني الكنيسة وإنفاقها على المعوزين على أثر مجاعة شديدة حلت بفلسطين، فبذل المساعي هنا وهناك حتى حصل على أمر بنفيه من البلاد، فنفي ولم يستمع أحد إلى دعواه.

وفى سنة 359م استأنف دعواه أمام مجمع سلوكية فدعا المجمع أكاكيوس ليسمع منه حجته فلم يحضر، فحُكم عليه بالعزل، وطلب إعادة كيرلس إلى كرسيه فعاد.

لم يمكث طويلاً لان أكاكيوس أغرى الملك قسطنطس بعقد مجمع في القسطنطينية، وشايعه الأساقفة الأريوسيون فعُقد هذا المجمع في سنة 360م وأصدر أمره بعزل هذا القديس مرة ثانية.

ولما مات قسطنطس وخلفه يوليانوس أمر بعودة الأساقفة المنفيين إلى كراسيهم، فعاد هذا القديس إلى كرسيه سنة 362م وأخذ يرعى شعبه بأمانة واستقامة.

لأنه كان يقاوم الأريوسيين سعوا إلى الملك فالنس الأريوسي حتى أبطل أمر يوليانوس سلفه القاضي بعودة الأساقفة المنفيين إلى كراسيهم، وهكذا عزل هذا القديس للمرة الثالثة فبقى منفيًا إلى أن مات فالنس في سنة 379م. ولما تملّك ثيؤدوسيوس الكبير وجمع مجمع المائة والخمسين على مقدونيوس، حضر فيه هذا الأب وقاوم مقدونيوس وسابيليوس وغيرهما من المبتدعين، تنيح بسلام سنة 386م.

كتاباته

تعتبر أهم كتاباته "مقالاته للموعوظين"، وهي 24 مقالاً، الأولى مقدمة و23 أخرى. من هذه المقالات 18 أُلقيت في فترة الصوم على المستعدين للعماد، ربما عام 350م، في كنيسة القبر المقدس. أُلقيت شفاهًا وسجّلها أحد السامعين. هذه المقالات لها أهميتها العظمى كشاهد لطقس المعمودية ومفهومها اللاهوتي في القرن الرابع.

أما المقالات الخمس فقد أُلقيت على المعمّدين حديثًا خلال الأسبوع الأول من عيد القيامة، تشرح ليتورجية الأسرار الثلاثة التي تمتّعوا بها في ليلة العيد وهي: العماد والميرون والتناول.

نسب البعض هذه المقالات الخمس للأسقف يوحنا خليفة القديس كيرلس الأورشليمي غير أن Quasten يرى أنها من عمل القديس كيرلس الأورشليمي، ومراجعة خليفته.

من كتاباته

آمن أن ابن الله الوحيد قد نزل إلى الأرض من أجل خطايانا، أخذ الناسوت خاضعًا لمشاعرنا، مولودًا من العذراء القديسة بالروح القدس.

لم يكن هذا مظهرًا أو تخيلاً بل حقيقة، فإنه لم يجتز في العذراء كما من قناة، بل بحق أخذ منها جسدًا وتقوّت بلبنها. أكل كما نأكل، وشرب كما نشرب نحن! فلو كان التجسد خيالاً لكان خلاصنا أيضًا خيالاً.

استخدم الشيطان الجسد سلاحًا ضدنا (رو23: 7). هكذا نحن قد خلصنا بذات الأسلحة التي حاربنا بها الشيطان، إذ أخذ الرب شبهنا ليُخلص الطبيعة البشرية. صار مثلنا حتى يهب فاقدي النعمة نعمة عظيمة، ويصير الإنسان الخاطئ شريكًا لله! لأنه حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدًا. تألم الرب عنا، لكن لو عرفه الشيطان لما تجاسر للاقتراب منه، "فإنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد".

لقد صار جسده مصيدة للموت، حتى إذ أمل الوحش أن يبتلعه، أخرج أيضًا من أحشائه الذين سبق فابتلعهم. فإن الموت إذ تقوّى ابتلعنا، لكن الله يمسح كل دمعة من كل وجه.

لا تعجب أن العالم كله يخلص، فإنه ليس إنسانًا مجرد بل هو ابن الله الوحيد، الذي مات عن العالم.

حقًا إنه بخطية واحد، أي آدم، ملك الموت على العالم، فإنه إن كان بمعصية واحدٍ ملك على العالم، فكم بالأحرى تملك الحياة ببر واحدٍ؟!

إن كانوا قد طُردوا من الفردوس بسبب الشجرة التي أكلوا منها أليس من الأسهل أن يدخل المؤمنون الفردوس بسبب شجرة يسوع؟!

إن كان الإنسان الأول، الذي وجد من الأرض، جلب العالم للموت أليس بالأولى يجلب خالقه الحياة الأبدية إذ هو نفسه الحياة؟!

إن كان فينحاس في غيرته رد غضب الله بقتله فاعليّ الشر (عد 6: 25 - 12)، كم بالأحرى يسوع الذي لم يقتل آخر بل "أسلم نفسه فدية" ينزع غضب الله عن الإنسان؟!

كيرلس الأول البابا الرابع والعشرون

وهو الملقب "كيرلس الكبير" وأيضًا "كيرلس عامود الدين".

ارتبط اسم القديس كيرلس أبديًّا بالصراع الثاني العظيم في اللاهوتيات الخاصة بالسيد المسيح، قاد إلى عقد المجمع المسكوني الثاني في أفسس عام 431، وإدانة نسطور بطريرك القسطنطينية. ويعتبر أحد الأباء البارزين ولاهوتي الكنيسة، ونُدين له أكثر من أي لاهوتي آخر، فقد أدرك التجسد بفكر آبائي.

نشأته

لا نعلم عن حياته الكثير وخصوصًا في سنواته المبكرة الأولى.

عاش جدّاه الغنيّان التقيّان في ممفيس في مدينة أركاديا (حاليًا ميت رهينة جنوب الجيزة). ولما تنيّحا اهتمّت مربية أثيوبية وثنية، ولكنها كانت بقلبها محبة للمسيحية، بالطفلين: ثاؤفيلس وأخته الأصغر منه والدة القديس كيرلس. رافقتهما إلى هيكل أرتيموس وأبوللون، وعند وصولهم سقطت الأوثان فارتعبت المربّية. هربت إلى الإسكندرية حيث التقت بالقديس أثناسيوس الذي روى لها ما حدث معها في الهيكل فقبلت الإيمان واعتمدت مع الطفلين.

سيم ثاؤفيلس بابا الإسكندرية، وعاشت أخته في بيت للعذارى حتى تزوجت برجلٍ تقيٍ من محلة البرج (ديدوسقيا) شمال المحلة الكبرى.

وُلد كيرلس ما بين سنتي 375 و380م، ونال قسطًا وافرًا من العلوم الكلاسيكية واللاهوتية حيث كانت الإسكندرية مركزًا عظيمًا للتعليم. هذا بجانب ما تمتع به من تعاليم على يديّ خاله، فشبّ على معرفة العلوم الدينية والشغف بقراءة الكتب المقدسة وأقوال الآباء وسيرهم، كما كان يمتلك موهبة حفظ الألحان الكنسية وترديدها.

ألحقه خاله بالمدرسة اللاهوتية بالإسكندرية لدراسة العلوم الفلسفية التي تعينه على الدفاع عن المسيحية ضد الهراطقة والمبتدعين، فتمكن من دراسة جميع العلوم الدينية والفلسفية، وتهذب بكل العناية الفائقة منذ الصغر وحتى تخرجه.

في برية الإسقيط

لم يكتفِ خاله بذلك بل أرسله إلى البرية في جبل النطرون إلى دير أبي مقار، حتى يتتلمذ على الأنبا سيرابيون تلميذ الأنبا مقاريوس الذي أوصاه بأن يقوم بتهذيبه بكل العلوم الكنسية والنسكية. ومكث بالفعل مع أستاذه مدة خمس سنوات في جبل نتريا، تمكن خلالها من التهام كتب الكنيسة وأجاد بإتقان كل علوم الكنيسة، وأعطاه الرب نعمة وفهمًا عجيبًا حتى كان إذا قرأ كتابًا مرة واحدة حفظه عن ظهر قلب.

يقول: [في وقتٍ مبكرٍ تعلمت الكتب المقدسة، وتدرّبت على أيدي آباء قديسين أرثوذكس.] هنا يقصد بالآباء "لرهبان".

سيامته شماسًا ثم قسًا

بعد كل هذه الدراسات عاد إلى الإسكندرية حيث خاله الذي امتدح نبوغه العظيم المبكّر، وعلى الفور قام بسيامته شمّاسًا. وقد كان القديس كيرلس إذا ما وقف ليرتل الإنجيل تمنى المؤمنون ألا ينتهي من القراءة لرخامة صوته.

سامه بعد ذلك قسًا، وكلّفه بالقيام بالوعظ رغم صغر سنه، فحاز إعجاب السامعين ونال رضى جميع الكهنة والعلماء في جيله، حيث برع في فهم الأسفار المقدسة وشرحها بطريقة عجيبة.

كان يرافق البابا في الاجتماعات الهامة حتى في مجمع السنديان بالقرب من خلقيدونية حيث دين القديس يوحنا ذهبي الفم عام 403م.

سيامته بطريركًا

ما كاد العرش المرقسي يخلو بنياحة البابا ثيؤفيلس في 18 بابة سنة 129ش الموافق 15 أكتوبر سنة 412م، حتى قال الشعب القبطي كلمته وأجمع الإكليروس على انتخاب القس كيرلس ليخلفه على العرش. أجمع الكل على تتويجه بطريركًا بعد يومين فقط من نياحة خاله، فجلس على الكرسي في 21 بابة سنة 129ش الموافق 18 أكتوبر سنة 412م في عهد الإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير.

حسب الطقس القبطي زار البابا دير القديس مقاريوس الكبير حيث خدم أول قداس إلهي بعد سيامته.

قضية القديس يوحنا ذهبي الفم

في بداية عهده كبطريرك كان البابا كيرلس متأثرًا بالقضية التي ثارت بين خاله البابا ثيؤفيلس وبين القديس يوحنا ذهبي الفم، فعكف على دراسة هذه القضية وهو يعرف أن خاله كان قد ندم على إصداره حكم النفي على ذهبي الفم، وظهر ندمه هذا في آخر حديث له قبيل انتقاله من هذا العالم. وأخيرًا بإرشاد الروح القدس قام بإلغاء الحرْم الذي كان قد أصدره البطريرك ثيؤفيلس ضد القديس يوحنا الذهبي الفم، كما قام بتكريم القديس يوحنا ذهبي الفم والاعتراف بفضله أمام الجميع، وأشاد بمؤلفاته الكثيرة ذات القيمة العظيمة، كما أنه أثناء قيام البابا كيرلس بتدوين قداس القديس مرقس الرسول دوَّن اسم القديس ذهبي الفم في قائمة أسماء القديسين الذين يُذكَرون فيه، وهكذا وضع البابا كيرلس حدًا نهائيًا لهذه القضية.

الدفاع عن الإيمان المستقيم

ارتبط اسم البابا كيرلس الإسكندري بالدفاع عن الإيمان المستقيم، وقد واجه المشكلات الهامة التالية:

1. كتابات يوليانوس الجاحد: الذي وضع ثلاثة كتب ضد المسيحية "ضد الجليليين" طعن فيها في ألوهية السيد المسيح وشكّك في أقواله وتعاليمه ومعجزاته. فقام البابا كيرلس بالرد على هذه الأقوال وفنّدها كلها، وذلك في ثلاثين كتابًا حرّرها سنة 433م، ولا تزال عشرة كتب موجودة من الثلاثين. ولم يكتفِ بذلك بل كتب للإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير يطلب منه جمع كل نسخ كتب يوليانوس وحرقها فكان له ما أراد.

2. أتباع نوفاتيوس الهرطوقي قس كنيسة روما الذي كان يرفض توبة من جحد الإيمان أثناء الاضطهادات، فأوضح البابا كيرلس فساد هذا المعتقد، وأمام إصرارهم على رأيهم اضطر البابا أخيرًا أن يطردهم من الإسكندرية.

3. ثورة اليهود على المسيحيين حين رأوا انتشار المسيحية السريع فقاموا بأعمال قتل وعنف ضدهم. فقد أشاع اليهود أن إحدى الكنائس قد استعلت بها النيران، وإذ اجتمع مسيحيون حولها لإطفائها قاموا بقتلهم. قابلها المسيحيون من جهتهم بمحاولات عنف مضاد حاول البابا منعها، ولما لم يستطع استأذن الإمبراطور وطرد اليهود من المدينة دون سفك أي دماء، وبهذا انتهت الجالية اليهودية بالإسكندرية.

بسبب جهاده غير المنقطع ضد ما تبقّى من وثنية أُتهم بالمسئولية عن قتل الفيلسوفة هيباتيا التي كانت تتبع الأفلاطونية الحديثة، وكانت صديقة والي المدينة أورستيوس، فيقول سقراط أنها ماتت بطريقة بشعة على أيدي بعض المسيحيين في مارس سنة 415م.

4. أهم مشكلة واجهها البابا كيرلس كانت بدعة نسطور بطريرك القسطنطينية الذي نادى بأن في السيد المسيح أقنومين وشخصين وطبيعتين، فهو حين يصنع المعجزات يكون ابن الله وحين يتألم ويجوع ويعطش ويصلب ويموت يكون ابن مريم. اهتم البابا بالدفاع وتثبيت اللقب التقليدي للعذراء وهو ثيؤتوكوس أي والدة الإله، ليس باعتباره لقبًا لمجرد تكريمها إنما لأنه يحمل إعلانًا لعقيدة إيمانية جوهرية حول شخص السيد المسيح نفسه بشأن اتحاد لاهوته بناسوته، مؤكدًا أن هذا هو التعبير واللقب التقليدي والكتابي الذي اختاره أثناسيوس الرسولي.

نسطور يعلن عقيدته

بدأت المعركة بوضوح عندما كرز كاهنه أنسطاسيوس القادم من إنطاكية أمام القديس كيرلس في ديسمبر 428م، قائلاً: "لا يدعو أحد مريم ثيؤتوكوس، لأن مريم كانت امرأة، ويستحيل أن يُولد الله من امرأة".

أعلن نسطور موافقته على هذا التعليم علانية، وقدم بنفسه مجموعة عظات ميّز فيها بين الإنسان يسوع المولود من مريم وابن الله الساكن فيه. فهو يرى أنه يوجد شخصان متمايزان في المسيح: ابن مريم وابن الله، اتحدا ليس أقنوميًّا بل على مستوى أخلاقي. لهذا لا يُدعى المسيح "الله" بل "ثيؤفورن"، أي "حامل الله"، وذلك كما يمكن أن يُسمى القديسون من أجل النعمة الإلهية الموهوبة لهم. وبالتالي فإن مريم ليست والدة الإله بل والدة الإنسان يسوع الذي سكنه اللاهوت.

انتقد نسطور وأتباعه المجوس لسجودهم للطفل يسوع، كما كرزوا بأن اللاهوت انفصل عن الناسوت في لحظة الصليب.

الرسالة الفصحية لسنة 429م

انتهز البابا كيرلس فرصة عيد الفصح عام 429م. وكتب في رسالته الفصحية ما يفنّد هذه البدعة دون الإشارة إلى اسمه. وأرسلها إلى جميع الكنائس في كل مكان، كما أرسل رسائل كثيرة إلى نسطور ملأها بالحجج الدامغة والبراهين القوية التي تظهر فساد هرطقته لعله يقتنع ويرجع عن ضلاله.

وأمام إصرار نسطور على رأيه ومعتقده عقد البابا كيرلس مجمعًا مكانيًا في الإسكندرية من أساقفة الكرازة المرقسية أدان فيه نسطور وشجب كل تعاليمه وأرسل تقريرًا بما حدث في المجمع إلى سفرائه الموجودين في القسطنطينية وإلى كلستينوس أسقف روما، ثم إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس حين رآه يدافع عن نسطور حاسبًا إياه رجلاً فاضلاً عالمًا.

وأخيرًا قام البابا بعقد مجمع إقليمي آخر في الإسكندرية عرض فيه كل المحاولات لمقاومة بدعة نسطور والرسائل التي كتبها في هذا الشأن، فكتب الآباء بدورهم لنسطور يوضّحون له اعتقادهم في الإيمان بالسيد المسيح كما قدم البابا كيرلس اثني عشر بندًا شرح فيها العقيدة المسيحية السليمة وحرم فيها كل من يتعداها، وهي التي سُميت فيما بعد "الحرومات الإثني عشر".

إلا أن نسطور احتقر الرسالة والحرومات وقام بكتابة بنود ضدها، وهكذا انقسمت الكنيسة إلى قسمين: الأول يضم كنائس روما وأورشليم وآسيا الصغرى وهذه الكنائس أيّدت البابا كيرلس في رأيه، والثاني يضم كنيستي إنطاكية والقسطنطينية التي هي كرسي نسطور. وأمام هذا الانقسام طلب البابا كيرلس من الإمبراطور ثيؤدوسيوس أن يجمع مجمعًا لدراسة الأمر، فاستجاب الإمبراطور لطلب البابا وأرسل لجميع الأساقفة بما فيهم نسطور لكي يجتمعوا في أفسس، وكان اجتماعهم يوم الأحد 13 بؤونة سنة 147ش الموافق 7 يونيو سنة 431م. وقد انتهى المجمع بحرم نسطور ووضع مقدمة قانون الإيمان.

بعد انتهاء المجمع عاد البابا كيرلس إلى مدينته الإسكندرية، فخرج الشعب كله لاستقبال باباه الحبيب، وعاش بعدها البابا حوالي أربعة عشر عامًا ثم تنيح بسلام في 3 أبيب سنة 160ش الموافق 10 يوليو سنة 444م.

تعيّد له الكنائس التي تتبع الطقس البيزنطي في 27 يونيو، والكنيسة الرومانية اللاتينية (الكاثوليكية) في 28 يناير، والكنائس الغربية في 15 أكتوبر وهو يوافق يوم ارتقائه للسُدّة المرقسية الرسولية.

كتاباته

تعتبر كتابات القديس كيرلس من أعظم ما ورد في الأدب المسيحي المبكر، فهي تكشف عن عمق في الفكر، وغنى في الآراء، وتحمل براهين ثمينة وواضحة تؤكد ما للكاتب من قدرة على البصيرة والجدل تجعل كتاباته من المصادر الأولى لتاريخ العقيدة والتعليم الكنسي.

كرّس كتاباته للتفسير والجدل ضد الأريوسيين حتى سنة 428م، بعد هذا تحوّلت بالكامل إلى تفنيد الهرطقة النسطورية.

يمكن الرجوع إلى كتاباته وشخصيته في كتابنا: "الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، كنيسة علم ولاهوت، 1986م، فصل 13.

من كتاباته

التمايز بين طبيعتي السيد المسيح بالفكر فقط:

نص القديس كيرلس صراحةً على أن رؤية الطبيعتين في السيد المسيح ممكنة فى الفكر فقط وليس فى الواقع، لأن المسيح غير منقسم إلى طبيعتين من بعد الاتحاد.

لذلك، بفهمنا وبتأمل عيون النفس فقط فى الكيفية التى تأنس بها الابن الوحيد، نقول أنه توجد طبيعتان اتحدتا، لكن نقول أن المسيح الابن والرب هو واحد، هو كلمة الله الآب المتأنس والمتجسد ". (فقرة 7 من الرسالة 45 إلى الأسقف سكسينسوس Succensus)

عندما تفحص طريقة التجسد بدقة يرى العقل البشري بلاشك الاثنتين (أى الطبيعتين) مجتمعتين معًا بطريقة تفوق الوصف وبلا اختلاط فى اتحاد. إلا إن العقل لا يقسمهما على الإطلاق بعد أن اتحدتا بل يؤمن ويعترف بقوة أن الواحد من الاثنتين هو إله وابن ومسيح ورب. (فقرة 15 من رسالته 40 إلى أكاكيوس أسقف ميليتين)

ولذلك نقول أن الطبيعتين اتحدتا، ومنهما نتج ابن ورب واحد يسوع المسيح، كما نقبل فى أفكارنا، لكن بعد الاتحاد، إذ قد زال الآن التفريق إلى اثنتين، نؤمن أنه توجد طبيعة واحدة للابن كواحد، واحد تأنس وتجسد. (فقرة 14 من رسالة 40)

دعهم إذًا لا يقسمون لنا الابن الواحد، جاعلين الكلمة والابن الواحد على حدة، ويفصلون عنه الإنسان الذي من امرأة - كما يقولون - بل فليعرفوا بالأحرى أن الله الكلمة لم يكن متصلاً بإنسان، بل أعلن أنه تأنس "معينًا نسل إبراهيم" بحسب الكتاب المقدس، وصار "يشبه اخوته" (عب 2: 17) "فى كل شئ فيما عدا الخطية" (قارن عب 4: 15؛ 2 كو5: 21) وهذا الشبه التام كان من اللائق أن يأخذه – وفوق كل التشابهات الأخرى – "يأخذ شبهنا فى" ميلاده من امرأة، والذي (أي الميلاد) يُعد فينا (نحن البشر) لائقًا بالطبيعة البشرية ومثلنا، لكن فى الوحيد الجنس، يُفهم (الميلاد) أنه أعمق وأعظم من هذا، لأن الله صار جسدًا، وبالتالي العذراء القديسة تُدعى والدة الإله (ثيؤتوكوس Theotokos).

إذا كانوا يقولون أن الله والإنسان باجتماعهما معًا كونا المسيح الواحد الذي فيه أقنوم (hypostasis) كل منهما محفوظ بغير اختلاط ولا امتزاج ولكن يُميز بالعقل، فمن الممكن أن نرى أنهم لا يفكرون ولا يقولون أى شئ صحيح في هذا. (فقرتان 4، 5 رسالة رقم 50 إلى فاليريان أسقف أيقونية).

كيرلس الثاني البابا السابع والستين

اختياره بابا الإسكندرية

اتفق الأساقفة والإكليروس والأراخنة على اختيار الراهب الشيخ الناسك الجليل بيسوس من دير الأنبا يوأنس كاما، ولما أرادوا اقتياده قصرًا للبطريركية صرخ أنه ابن عبد فقير غير مستحق لهذه الكرامة. وإنما المستحق لها هو الراهب جورجيوس من دير أنبا مقاريوس، وأوضح لهم أنه مزكى من البابا الراحل خريستوذولس.

اقتادوا الراهب جورجيوس الذي كان من أهل قلاقة بحيرة إلى الإسكندرية حيث تمت رسامته باسم كيرلس الثاني سنة 1078م. وعُرِف باسم السنجاري نسبة إلى الصومعة التي كان قد توحّد فيها وهي صومعة سنجارا.

تمت سيامته في عهد خلافة المستنصر بقرار مجمع انعقد في البطريركية من الأساقفة وأراخنة الشعب. قوبل اختياره بارتياح في جميع الدوائر الحكومية.

تبوأ هذا البابا الجليل السُدة المرقسية والبلاد في حالة هدوء وأمان بفضل حكم بدر الدين الجمالي الوزير الأرمني، الذي نعمت مصر في عهده بالرخاء والازدهار. بل وزار البابا الخليفة المستنصر في قصره وبارك أمه وأخته كطلبهما، كما بارك القصر أيضًا بناء على رغبتهم، وزار منزل بدر الجمالي ولقي ترحيبًا كبيرًا مشابهًا لِما لقيه في قصر الخلافة.

علمه وتقواه

لما كان هذا البابا قليل العلم عند انتخابه، فعل مثل البابا ديمتريوس الكرام، وفاق أترابه في العلم والمعرفة وترك لنا تراثًا كبيرًا يشهد له بعمق علمه ومعرفته. كما أنه كرَّس الميرون المقدس، ومن نعمة الله عليه أن فاض الميرون وسال من الوعاء أثناء الصلوات.

رهبنة ملك النوبة

بعد سيامة البابا بقليل تنازل سلمون ملك النوبة عن عرشه لابن أخته جرجس، وآثر حياة الوحدة في دير نفريوس الواقع في البرية على الحدود بين مصر والنوبة.

حاصره أهل أسوان طمعًا في ضم الدير إلى مصر، وأخذوا الملك أسيرًا، وجاءوا به إلى أمير الجيوش بدر الجمّالي. قابله البابا وأراخنة الأقباط باحتفالٍ عظيمٍ، وأكرمه أمير الجيوش إكرامًا زائدًا، وخصص له قصرًا لإقامته، وبقي في مصر إلى يوم نياحته حيث دفن بدير الخندق، المعروف حاليًا بدير الأنبا رويس.

إقامة الملك سلمون في مصر خلقت جوًا من الودّ والحب بين أقباط والنوبيين. وإذ لاحظ أمير الجيوش علامات الإخاء بين الأقباط والنوبيين والأثيوبيين عقد معاهدة مع النوبة وأثيوبيا لتسهيل طرق التجارة وامتدادها إلى مصر، وقد قام أراخنة الأقباط بدور حيوي في ذلك.

قدّم أمير الجيوش مالاً يستعين به على إصلاح الأديرة والكنائس المتخربة.

مشكلة كيرلس والأنبا ساويرس مطران أثيوبيا

انطلق شخص يُدعى كيرلس إلى أثيوبيا وادّعى أنه مطرانها، وتسلط على كنائسها. وإذ سمع البابا أراد أن يرسل إليهم مطرانًا شرعيًا يُدعى ساويرس.

قاوم أمير الجيوش بدر الجمالي ذلك، ورفض أن يُسرّح له بالسفر إلا إذا وعده ببناء خمسة مساجد في أثيوبيا، وأن يرسل له المطران هدية كل سنة، فوافق البابا على ذلك مجبرًا.

سافر الأنبا ساويرس إلى أثيوبيا، فهرب كيرلس إلى بلدة دهلك في ديار مصر، وإذ سمع أمير الجيوش بالأمر استدعاه وأخذ كل ثروته وقتله، أما الأنبا ساويرس فعانى كثيرًا في أثيوبيا، إذ أراد مقاومة بعض العادات الفاسدة مثل السراري لدى الأمراء الذين كانوا يأخذون جملة من الجاريات بجوار الزوجة الشرعية، وكانوا يدعون إنهم باقون على شريعة موسى النبي بخصوص تعدد الزوجات، وأن ذلك محرمًا على الكهنة والشمامسة وحدهم، ومع هذا كانوا يعترفون بأن ما يفعلونه مخالف لروح السيد المسيح.

حدث أن أرسل الأنبا ساويرس خلال أخيه هدية إلى أمير الجيوش فلم تلقَ قبولاً. استدعى أمير الجيوش البابا ومعه عشرة أساقفة وصار يوبخهم بشدة على تقصير البابا في تنفيذ ما وعد به، وطلب منه أن يرسل أسقفين إلى أثيوبيا ليلزم المطران بالوفاء بما وعد به، وطلب أن يسدد ضريبة خمسين عامًا سلفًا، وأن يحذر ممن يتربّصون للتجار المسلمين في الدروب.

أمر أن يبقى البابا والأساقفة محجوزين، وأن يدفع كل منهم أربعة دنانير نفقة إعالته اليومية حتى يرجع الأسقفين من أثيوبيا، لكنه أخيرًا عدل عن هذا الرأي، واكتفي أن يضعهم تحت مراقبة الجنود، فذهبوا إلى كنيسة المعلقة، واتفقوا على إرسال الأنبا مرقس أسقف أوسيم والأنبا تادرس أسقف سنجار إلى أثيوبيا.

مطران النوبة

أرسل باسيل ملك النوبة ابن الملك السابق مندوبًا إلى أمير الجيوش ومعه هدايا فاخرة طالبًا منه أن يكلف البابا بتكريس مطران على النوبة.

خشي أمير الجيوش أن يدرك الرسول بسخطه على البابا فسمح للبابا أن يمثُل أمامه ومعه أخ الأنبا ساويرس مطران أثيوبيا. دافع الأخ عن الأنبا ساويرس بأنه بنى سبعة جوامع عوضًا عن أربعة وأن الأثيوبيين هاجوا عليه واتهموه بالتحيز للمسلمين وهدموا الجوامع وأرادوا قتله واضطر أن يهرب، وأراد الملك أن يخلصه من أيديهم فأمر بسجنه حينئذ.

طلب ابن ملك النوبة من أمير الجيوش أن يطلق سراح البابا والأساقفة، فقبل أمير الجيوش ذلك.

أما الأسقفان اللذان ذهبا إلى أثيوبيا فأخبرا ملك أثيوبيا بخطورة الموقف، وأنه إن لم يُسرع ببناء الجوامع فسيهدم أمير الجيوش كل الكنائس في مصر. غضب الملك جدًا وأرسل إلى بدر يقول له: "إن تجاسرت ومددت يدك بسوءٍٍ إلى كنيسة واحدة فاعلم إني أقلب مكّة رأسًا على عقبٍ. ولا أرضى ببناء حجرٍ واحدٍ إلا إذا أخذت وزنه ذهبًا".

بدر الدين الجمالي الأرمنّي

يرى كثير من المؤرخين أن بدر الجمالي كان أرمنّي الأصل، وأن والدته أرمنيّة، وكان في أعماقه ربما مسيحيًا، لكنه كان يخشى أن يفقد مركزه، لذا كان كثيرًا ما يتحيّز للمسلمين.

في أيامه تزايد عدد المهاجرين الأرمن إلى مصر، فاختاروا لأنفسهم بطريركًا يُدعى غريغوري. ولما كانت علاقة الكنيستين القبطية والأرمنية ببعضهما قوية، قام البابا كيرلس بسيامة غريغوري بطريرك الأرمن، وحرّر منشورًا لكافة الكنائس يخبرها أن كنائس مصر وأثيوبيا وإنطاكية وأرمينيا متحدة في الإيمان الأرثوذكسي.

شكوى من الأساقفة ضد البابا

شكاه بعض الأساقفة إلى بدر الجمالي عندما شرط على كل من رسمه على إيبارشية أن يدفع نصف الحصيلة في الإيبارشية لدير أنبا مقاريوس أو لكنيسة القديس مرقس بالإسكندرية.

كان المشتكون عليه كما جاء في مخطوط دير البراموس اثنين وعشرين أسقفا، فرأى بدر الجمالي أنه ليس من حقه إدانته أو استجوابه وطلب من أساقفة مصر جميعهم في الوجهين البحري والقبلي عقد مجمع للنظر في الشكوى. وفعلاً عُقد المجمع ووضعوا الكتاب المقدس في الوسط يمثل حضور الديان العادل.

بدأ المشتكون يقدمون دعواهم وكان البطريرك يجيب على كل المطلوب بكل هدوء ووقار، فظهرت أن هذه الشكاوي مغرضة ومن فرط محبة البابا أنه سامح الذين أساءوا إليه واتهموه.

أعماله الرعوية

وثّق البابا علاقته بأثيوبيا وإنطاكية وبلاد النوبة. ورسم لأثيوبيا أسقفًا هو أنبا ساويرس، كما رسم أساقفة كثيرين بإيبارشيات ليس لها رعاة.

ودأب على تعليم الشعب القِيَم المسيحية وقراءة الكتاب المقدس وتفسيره، كما ساند مطران أثيوبيا في القضاء على عادة التسرّي بين العظماء.

من مآثر هذا البابا أنه انشغل بنشر القوانين الكنسية، وفي عهده تم تدوين أربعة وثلاثين قانونًا للإكليروس والأساقفة كما طلب من شماس بالإسكندرية واسمه موهوب ابن منصور بعمل حصر لسكان برية شيهيت. ومن القوانين التي أصدرها ونشرها الآتى:

منع السيمونية لمنح رتب الكهنوت.

أن يؤدب الراعي الرعية بالصليب لا بالحرم، وأن لا يربط ولا يحل من غير حق، فإن ربط أو حرم من غير حق يكون هو المربوط والمحروم من الله.

أي أسقف يرفض قبول خاطئ تائب فليُقطع.

على كل أسقف أن يتفقد الكنائس والأديرة الواقعة في سلطانه، وأن يراعي حال كهنته ويفحص أمورهم ويوجههم للخدمة وخيرها، ويعمل على خلاص نفسه والذين يسمعونه ويعملون معه.

أوضح واجب الكنيسة تجاه الفقراء والرهبان على ألا يغادر الرهبان الدير إلا كطلب البابا أو رؤسائهم، وأن يحتكم الإكليروس والشعب للكنيسة والأساقفة.

وضع قانونًا بوجوب التمسك بالصوم وأهميته، وضرورة اهتمام الكهنة بسر الزيجة وشرعيته، وضرورة احترام الجميع للكنائس والمذابح والهياكل وعدم دخول الشعب إلى الهياكل.

قام أحد أساقفته وهو أنبا مرقس بتنظيم القراءات الكنسية في أسبوع الآلام، ووضع كتاب تكريس المعمودية.

وقد أرسل البابا كيرلس الثاني أساقفة لتدشين كنيسة القيامة، التي أُعيد بناؤها بعد حرقها أيام الحاكم بأمر الله.

تنيح في 12 بؤونة سنة 808ش الموافق يوليو 1092م.

القس منسى يوحنا: تاريخ الكنيسة القبطية.

كيرلس الثالث البابا الخامس والسبعون

خلاف حول سيامته

انتقل البابا يوأنس السادس إلى دار البقاء حزنًا على تحوّل أهل الخمس مدن الغربية عن المسيحية، رغم أنه رسم لهم أسقفًا، وقد تنبأ هذا البابا البسيط قبل نياحته بأن أوجاعًا ستحل بالبلاد والعباد، حتى يقيم الرب لهم رجلاً يأتي من حيث لا يدرون، وفعلاً تمّ ما تنبأ به بعد أن ظل الكرسي البابوي شاغرًا بعده لمدة عشرين عامًا.

سعى أبو الفتوح المعروف باسم ابن الميقات العامل في ديوان الجيوش أيام الملك على ترشيح قس اسمه داود، ويُعرَف باسم ابن لقلق من أهل الفيوم، كان متبحّرًا في العلوم الدينية، رغم أن البابا الراحل انتقل وهو غير راضٍ لا عن أبي الفتوح ولا عن داود الذي كان يقيم عنده. ذلك لأنه في أثناء حبرية البابا يوأنس خلى كرسي أثيوبيا وجاء رسول منها يطلب رسامة مطرانًا، فحمل أبو الفتوح إلى الملك العادل مالاً كثيرًا لكي يأمر البطريرك برسامة داود مطرانًا للحبشة، ورد البطريرك أن داود لا يصلح. ولما تنيح البطريرك سعى أبو الفتوح ثانيًا لتقديم داود بطريركًا، واجتمع بجماعة من الكتاب والأراخنة وبعض الأساقفة ولكنه لم يقدر على جمع الكل على رأي واحد رغم أنه استكتب بعض الأساقفة طلبًا إلى السلطان من أجل هذا الهدف، ولم يرضَ السلطان إذ كان يميل إلى ترشيح حبيس إبيار الراهب الذي شفاه من مرض اعتراه، ولكن أبو الفتوح طلب عدم إقلاق الراهب في وحدته.

سعى من أهل القاهرة إلى مقر السلطان رجل اسمه أسعد بن صدقة رافضًا فكرة سيامة داود لئلا "يفسد ديننا ويجعل قبط ديار مصر كلهم رومان ويخرج مصر من أيدي المسلمين"، فأرسل الملك الكامل إلى والي مصر يحذره من إقامة داود بطريركًا بغير أمره وإلا شنقه. ولما مات الكامل خرج العادل إلى الإسكندرية فاستأذنه أبو الفتوح في رسامة داود فوافق.

في الوقت الذي كان فيه ابن صدقة يدبر الأمر بعدم سيامة داود كان أبو الفتوح مهتمًا بتنفيذ السيامة بعجلة، فأسرع بأخذ داود بن لقلق من القاهرة إلى مصر القديمة في فجر يوم الأحد. وكان قد سبق فحجز الأساقفة في بيته ليقوموا بالسيامة رغمًا عنهم، اعتمادًا على الأمر الذي أخذه من الملك.

عاد فتشكك الملك في أمر أبي الفتوح وأرسل جنودًا يستدعون الأساقفة المحجوزين ليقف منهم على حقيقة الأمر.

بينما كان أبو الفتوح ومعه داود في طريقهم للسيامة التف حولهم جمع كثير، فهجم الجند عليهم وضربوهم ضربًا مبرحًا. وفرّقوا شملهم وكادوا يفتكون بداود، لكنه هرب واختفى.

أسرع الجند إلى كنيسة المعلقة وأمروا الأساقفة بالخروج فورًا من الكنيسة والذهاب إلى القاهرة كأمر الملك ليتحقق جلية الأمر، وإذ سمعوا هذه الدعوة وجدت تجاوبًا في أعماقهم نظرًا لمضايقة داود وأبى الفتوح لهم وإلحاحهم بسرعة السيامة.

أعلن أغلب الأساقفة رفضهم لسيامته بينما خاف قلة من أبي الفتوح، وأظهروا رضاهم على السيامة، غير أن أربعة منهم اجتمعوا معًا وحرّموه وتعاهدوا ألا يحضروا سيامته ولو أُرغموا على ذلك.

ظل الكرسي البابوي شاغرًا عشرين عامًا تنيح خلالها كثير من الأساقفة الذين عارضوا رسامة داود، ولما رأى الخليفة احتياجه للمال للحروب وما آثرته من إنهاك لأحوال مصر الاقتصادية، ابتدأ رجال الدولة يستميلون الأقباط إلى داود نظير أن تأخذ الدولة المال اللازم على البطريركية من داود وأبي الفتوح في مقابل رسامته بطريركًا. ورغم معارضة الأساقفة وهياج الشعب القبطي عمد داود إلى تبوّء الكرسي البابوي قوة واقتدارًا، واحتفل هو وأعوانه وساروا إلى كنيسة سرجيوس وأدّوا الطقوس الدينية وذلك سنة 1235م رغم صراخ الشعب وصياحهم.

السيمونية

اتخذ داود لنفسه اسم كيرلس الثالث واشتهر بلقب ابن لقلق، وبدأ خدمته برسامة بعض الكهنة والشمامسة دون رسوم لكي يرضى الرأي العام. لكنه فيما بعد أساء التدبير وأظهر شراهة في محبة المال وتحصيله بطرق غير لائقة. فقد باع أكثر من أربعين إيبارشية، أي عيَّن عليها أساقفة بالمال، وأمام احتجاج الشعب على السيمونية عقد مجمعًا من الإكليروس وأعيان الشعب في الكنيسة المعلّقة وأوضح لهم أن هذه الأموال لإيفاء الأموال الأميرية على الكنيسة تجاه الدولة، وأكد لهم امتناعه تمامًا عن السيمونية حال سداد هذه الأموال الأميرية.

لسبب غير معروف قبض عليه الملك وألزمه أن يدفع الفًا وخمسمائة دينارًا، فاستغل البابا كيرلس هذا ليُصدر أمرًا إداريًا بضم جميع الأديرة تحت إشرافه مباشرة، وفرض مبالغ سنوية. كما نزع بعض البلاد من إيبارشياتها لتتبعه، وربط عليها عوائد تُدفع له مما كدّر رؤساء الأديرة والأساقفة فتضايقوا من تصرفاته للغاية.

إساءته إلى بطريرك إنطاكية

لم يكتفِ ابن لقلق باغتيال حقوق الأساقفة ماديًا وأدبيًا برسامة الكهنة والشمامسة بل طمحت أنظاره إلى بطريرك إنطاكية وحجّته في ذلك وجود كثير من الأقباط في سوريا، وهؤلاء لا يفهمون لغة السريان بأورشليم وقت الصلاة. فعين لأول مرة في تاريخ المسيحية وفي تاريخ الكنيسة القبطية أسقفا لأورشليم مؤكدًا أنها مدينة الملك العظيم، وهي مِلك لجميع الكنائس.

وكان أول مطران قبطي لأورشليم هو باسيليوس ويسمى مطران غزة كما يسمى مطران فلسطين وحدود العراق ومقره أورشليم.

رد مارأغناطيوس بطريرك إنطاكية على هذا التعدي بأن عيَّن هو من قِبَله مطرانًا لكنيسة أثيوبيا التابعة لسلطان الكنيسة القبطية، وكان مارأغناطيوس ذكيًا إذ اختار مطرانًا أثيوبي الجنسية حتى لا يعترض عليه أحد، وبدأ الشقاق بين الكنيسة القبطية وكنيسة إنطاكية.

زادت أعمال كيرلس الثالث الملتوية عن الحد، فاجتمع أربعة عشر أسقفًا سنة 1239م بكنيسة حارة زويلة واعترضوا على تلك الأفعال، وبعد مداولات كثيرة اضطروا البطريرك إلى عقد مجمع مقدس لإصلاح أحوال الكنيسة.

أصدروا مجموعة من القوانين لذلك الهدف في حضور أحد الوزراء الفاطميين في القلعة. رفض البطريرك التوقيع على هذه القوانين أولاً ثم وقّع عليها ضغطًا، ولكنه عاد إلى سالف سياسته السيمونية.

تزعم الشعب الثائر في هذه المرة راهب اسمه بطرس ابن التعبان وأرادوا محاكمة البطريرك، ولكن الأساقفة رغم اقتناعهم بعدالة المطلب سيَّجوا حول البطريرك حفاظًا على هيبة الكنيسة والإكليروس، واجتمع الأساقفة في كنيسة العذراء بحارة زويلة حيث تشاوروا معًا وكلفوا الأنبا بولس البوشي بنقل رأيهم إلى البطريرك، وهو الاعتزال إلى أحد الأديرة ريثما تهدأ العاصفة. فأخذ البابا برأيهم واعتزل في دير الشمع وظل معتزلاً حتى تنيح في 10 مارس سنة 1243م.

رغم ضعفات هذا البطريرك إلا أنه كتب كتبًا كثيرة عن سر الاعتراف (أهمها كتاب اسمه "المعلم والتلميذ")، وترتيب الأصوام والأسرار الكنسية والمواريث.

القس منسى يوحنا: تاريخ الكنيسة القبطية.

كيرلس الرابع البابا المائة وعشر

نشأته

وٌلد عام 1816م (1532ش) بقرية نجع أبو زرقالي من بلدة صوامعة سفلاق المعروفة بالصوامعة الشرقية، بإقليم أخميم، محافظة جرجا، يلقّبه البعض "الصوامعي".

وُلد من أبوين تقيّين، كان أبوه توماس بن يشوت مزارعًا غنيًا، وكان متعلمًا ودارسًا للكتاب المقدس اتسم بالروحانية واهتمامه بخلاص نفسه وخلاص أولاده. وكانت أمه تقية.

قيل أنه بعد سيامة ابنه بطريركًا صعد البابا كيرلس من سلم آخر غير السلم العام في مقرة البطريركي، وإذا بأبيه جالس ولم يقف لتهنئته فعاتبه. أجابه والده قائلاً: "علام أهنّيك وقد كنت مطالبًا أولاً بنفسك، وأنت اليوم مطالب بأمّة بأسرها؟ ألم تقرأ ما جاء في دانيال" جعلتك رقيبًا علي شعبك وأطلبهم منك "

هذا ما حدث أيضًا مع البابا مقارة الأول (البابا 59) الذي بكت عليه والدته وندبته حين زارها، واشتهت لو أنه دخل عليها محمولاً علي نعش عن أن يكون بطريركًا.

تعلم في كُتّاب القرية الملحق بالكنيسة وتعلم فيه مع كافة أولاد القبط المزامير والتسبحة والقراءات الكنسية واللغة القبطية واللغة العربية ومبادئ الحساب.

حبه للوحدة في صباه

شبّ داود (صاحب السيرة) قوي البنية مفتول العضلات، يفضّل ممارسته للخلوة والوحدة، طالما انفرد يقضي أغلب أوقاته في التأملات بعيدًا عن القلق والارتباك في المشاكل.

لم يمنعه تعليمه من معاونة أبيه في أعماله الزراعية الخشنة بين الرياض والهواء الطلق. اختلط بالعربان وتعلّق بركوب الخيل والجمال وكان يسابقهم فأحبوه، وكثيرًا ما كان يرافقهم في أسفارهم في الجبال والقفار. هذا كله لم يدفعه إلي محبة العالم بل إلي الزهد فيه، فصار يهوى الوحدة أكثر فأكثر فاشتاق بالأكثر إلي الرهبنة.

الزي البدوي

حاول بعض مقاوميه مهاجمته بالقول بأنه بدوي الأصل، وقد اعتمدوا علي صورته المشهورة وهو راكب الجمل الهجين بزي بدوي، لكن تصدّى كثيرون من معاصريه للرد عليهم. ويروي توفيق إسكندر في كتابه "نوابغ الأقباط ومشاهيرهم في القرن التاسع عشر، الجزء الثاني" ثلاثة حوادث تقترن بهذا الزي البدوي:

1. خرج البابا كيرلس الربع في إحدى السنوات قاصدًا دير الأنبا أنطونيوس مع بعض الرهبان وغيرهم واصطحب بعض العرب كعادته، حدث أن طمع شيخ هؤلاء العرب في البابا ومن معه، وإذ أدرك البابا ذلك أراد أن يردعه قبل أن يسيء التصرف. ففي ليلة حالكة الظلام وقفت القافلة للراحة. بعد فترة خرج الشيخ من خبائه وتوغل في البادية لقضاء حاجة فاقتفى البابا أثره وهو مرتدي ثيابًا بدوية، وإذ كان قوي القلب والذراعين فاجأ الشيخ بالقبض علي سلاحه الذي في يده وأمره أن يخلع ثوبه الخارجي، فارتعب الشيخ وبدأ يخلع ثوبه، لكن البابا فاجأه بالكشف عن شخصه وأعلن له أنه إنما فعل ذلك من قبيل الدعابة، أدرك الشيخ قوة شخصية البابا وتكوّنت بينهما صداقة حميمة، إذ أعجب بشخصه وحسن سياسته. وقد روي الشيخ نفسه ما حدث لمن حوله مظهرًا إعجابه بشخصية البابا.

2. احتاج وهو رئيس لدير الأنبا أنطونيوس لشراء مواشي من جهة المنيا، فاصطحب بعض الأعراب المعينين لحراسة العربا وارتدى زيّهم وقصد تلك الجهة وبعد شراء المواشي عرج علي ياكوبوس أسقف المنيا ليأوي عنده الأعراب. وقيل أن هذا الأسقف كان جبار شديدًا لكن جاءه الأعراب فقابلهم بالترحاب ظنًا أنهم جميعًا أعراب وذبح لهم وأكرمهم، وبعد انصرافهم قال القس داود إلي الأسقف "أنا داود بقيت لأشكرك". فهاج الأسقف جدًا واستنجد بخدمه لكن القس داود لحق بأصحابه وسار جمعيهم معًا.

3. بعد إقامته بطريركًا نزل في دار ابن عمه ببلده بوش ويدعي المعلم أنطونيوس عبد الملك، فجلس يوما بفناء الدار وكان يرتدي ملابس الأعراب وإذا بجماعة جاءوا إلي المعلم أنطونيوس وادعوا أنهم قسوس كنائس معينة وإذا رأوا الجالس بالفضاء ضيفا إعرابيًا صاروا يتحدثون معه وادعوا أنهم أصدقاء البابا البطريرك وأنه يجلهم ويحترمهم فسألهم أن ينتظروا قليلاً وظنوا أنه قام ليحضر لهم ما تجود به نفسه لخيرهم، ثم عاد إليهم بملابسه البطريركية وهو يقول لهم: "هأنذا صديقكم البطريرك".

رهبنته

في عام 1553ش إذ بلغ حوالي الثانية والعشرين ذهب إلي دير القديس أنبا أنطونيوس ولبس ثياب الرهبنة علي يد رئيسه القمص أثناسيوس القلوصني. فوثق به وكان متى اضطر إلي مغادرة الدير يترك تدبير أمور الرهبان في يده إذ شاهد فيه الأهلية والاقتدار والغيرة الحقيقية علي مصلحة الدير والرهبان، وإن كان هذا قد أثار نوعًا من التذمر.

اهتم في الدير بالاعتكاف علي الدراسة وكان يحث الرهبان علي ذلك بروح التواضع.

سمع عنه البابا بطرس الجاولى فاستدعاه وباركه كما باركه الأنبا صرابامون الشهير بأبي طرحة وتنبأ له بمستقبل باهر في خدمة الشعب. وربما منذ ذلك الحين اتجهت الأنظار إليه عند خلو الكرسي المرقسي.

رئيس دير القديس أنبا أنطونيوس

في عام 1556ش حيث بلغ الرابعة والعشرين تنيّح رئيس الدير وأجمع الرهبان علي اختياره رئيسًا، فحقق لهم البابا بطرس الجاولي طلبتهم ورسمه طرس قسًا باسم داود.

في أثناء خدمته في الدير تحوّل الدير إلى مجتمعٍ متكاملٍ عاملٍ عامرٍ حتى لم يجد الرهبان سببًا لمغادرته. ووجه أولاً عنايته إلى التعليم، ففتح كتابًا في بوش ومكتبة في عزبة الدير جمع فيها كل ما امتدت إليه يداه من كتب ومخطوطات، وشجع الرهبان على القراءة وطلب العلم.

بذل كل الجهد لكي لا يترك الرهبان الدير إلا عند الضرورة مع العودة السريعة. لقد آمن بهذا الفكر لذا عندما صار بطريركًا أصدر قرار بمنع الرهبان من الخروج من الأديرة إلا بأذن منه التزامًا بما تعهدوا به أمام الله والناس. ومن أقواله في هذا ما معناه: "من يختار ثوب الرهبنة مات عن الدنيا ودفن نفسه بمحض إرادته، بدليل أنهم يصلّون عليه صلاة الموتى؛ فهل يخرج ميت من قبره؟ الرئيس الذي يأذن للراهب في الخروج من ديره يكون قد أخرج ميتًا من قبره وعليه وزره".

اهتم بالتعليم بإنشاء مكتبة بعزبة الدير لخدمة جميع المتردّدين عليها من الإكليروس والرهبان والشعب. كما أسس في بوش مدرسة لتعليم شبان الأقباط اللغتين العربية والقبطية، وكان يشرف عليها بنفسه، ويقدم مكافآت للمجتهدين فيها، وكان يضرم مداليات ذهبية وفضية يوزعها عليهم.

لم يخجل من الحضور مع الشبان في المدرسة ليتعلم معهم.

من نوادره إنه اعتاد التفتيش ومباشرة شئون الزراعة وذلك في وقت هياج العربان وبطش سعيد باشا بهم عام 1272هـ، وفي الطريق صادفه إعرابي وكان القس داود رئيس الدير راكبًا دابته ومرتديًا لباسًا بسيطًا جدًا. قال له الأعرابي: "أنزل يا نصراني". أجابه الرئيس: "ليس لك مطمع في لباسي لأنه لا يساوي فلسًا"، واستعطفه أن يتركه لكن الإعرابي ازداد خشونة وغطرسة وقال له: "أتبقى راكبًا وأنا ماشٍ؟" أجابه: "دعني وشأني". فما كان من الأعرابي إلا أن لطمه علي وجهه وهو يقول "أنزل يا نصراني يا ملعون". ملك القس داود نفسه ولم ينزل عن الدابة وإذ حاول الإعرابي إنزاله بالقوة لم يستطع، بل في محاولته زلقت رجله في بركة ملآنة طينًا، وكان الممر ضيقًا فتركه القس داود وهو ملهي في غسل ثيابه. جاء الأعرابي إلي العزبة يطلب مقابلة الرئيس ليشتكي له الراهب الذي غرسه في الطين بلا سبب. فسأله: "أحقا ما تقول؟" أجابه "نعم"، قال له أنظر إليَّ! أنا هو من تشتكيه، وأنت الذي لطمتني، ومع هذا فإني أسامحك وأعطيك نصف أردب قمحًا وشعيرًا، فخجل الأعرابي منه جدًا.

سفره إلي أثيوبيا

حدث خلاف ديني بين مطران أثيوبيا القبطي وبين الكهنة الأثيوبيين إذ حاولت بعض الإرساليات زعزعة عقيدتهم الأرثوذكسية، وقد تقربت مقابل السماح لهم بالعمل في كل البلاد وسحب الكهنة من ارتباطهم بالكنيسة القبطية.

حاول البابا بطرس الجاولي أن يذهب بنفسه لكنه لم يستطيع فأرسل القس داود الذي كاد أن يحل المشكلة لولا تدخل بعض رجال الدول الأوربية خاصة قنصل إنجلترا لصالح الإرساليات.

إذ طال بقاؤه طلب من البابا العودة فلم يسمح له النجاشي بمغادرة أثيوبيا، وأخيرًا أذن له بذلك بعد أن قضى سنة وبضعة أشهر. عاد إلي القاهرة بعد نياحه البابا بطرس بشهرين ونصف في عام 1852م.

هكذا كان القمص داود مكلفًا من قِبَل البابا الجاولي لإصلاح الخلاف الذي اصطنعه الإنجليز بين مصر والحبشة. وكأن الله يُعده لكي يتبوأ رئاسة الكنيسة باشراكه في أمور الدولة وعلاقاتها الخارجية منذ أن كان راهبًا.

ترشيحه للباباوية

في برمهات عام 1568ش حضر الأساقفة إلي العاصمة للتداول مع الأراخنة علي اختيار البابا وكان اسم القس داود أول المرشحين بناء علي وصية البابا بطرس الجاولي. لكن البعض اعترض لعدم علمهم إن كان لا يزال في أثيوبيا حياّ أم قد رقد، ورشّح البعض الأنبا أثناسيوس أسقف أبوتيج، ورشّح الغالبية أنبا يوساب أسقف جرجا وإخميم (بخلاف الأنبا يوساب الأبحّ) 0

عند وصول القس داود إلي القاهرة في 17 يوليو 1852م بعد غياب ثمانية عشر شهرًا، تلقّاه الشعب بفرحٍ شديدٍ واحتفلوا بقدومه احتفالاً جليلاً، ونزل بدار البطريركية، واتّفقت كلمة الأكثرية علي سيامته، واضطر بعض الأساقفة علي قبول ذلك. ورفعوا عريضة إلي عباس باشا حلمي الأول لإصدار أمره بالاعتماد، التجأ الوالي إلي العِرافة كعادته، فقال له العرّافون أنه إذا صار القس داود بطريركًا ستكون أيامه كلها خصومات وضيق، وتنتهي بموت الوالي وتمزيق شمل أتباعه. اضطرب الوالي جدًا واعترض علي سيامته تمامًا.

الأسقف يوساب

لجأ أتباع الأسقف يوساب إلي حيلة بأن يجتمعوا ليلاً ويقوموا بسيامته سرًا، فيقف الكل أمام أمر واقع. سمع المحبون للقس داود، فجاءوا ليلاً وأخرجوه من بالكنيسة وأغلقوا أبوابها وأقاموا حُراسًا أثيوبيين، ثم اشتكوا للحكومة تصرف حزب الأسقف يوساب وطلبوا سيامة القس داود إرضاء للشعب. أحالت الحكومة الأمر إلي الأنبا كبريل ورتبيت الأرمن لحل المشكلة.

جاء قس أثيوبي إلي مصر ليشتكي داود لدي البابا، إذ وجد البابا تنيّح وعلم بترشيح القس داود بطريركًا أثار إشاعات كثيرة منها أنه قد شوّه صورة الحكومة المصرية لدي النجاشي الأمر الذي أثار عباس باشا ضده.

إذ دام الخلاف عشرة أشهر اقترح الأنبا كبريل ورتبيت الأرمن ومناصرو القس داود سيامة مطرانًا عامًا لكل مصر تحت الاختبار - كما فعل البابا مرقس الثامن - واحتالوا على الخديوي بذلك لكي يبدّدوا خوفه، وقد تم ذلك في 10 برمودة سنة 1569 (1853م).

مطران عام

إذ سيم مطرانًا عامًا باشر إدارة البطريركية، فبدأ ببناء كلية بجوار الدار البطريركية، وهي أول مدرسة أهلية للأقباط في القطر المصري، ضمّت تلاميذ من كل المذاهب والأديان بلا تميّز، الأمر الذي خلق ارتياحًا عامًا وسط الشعب، بل في الجو الحكومي وشعر الكل بصلاحيته لمركز البطريركية.

سيامته بابا وبطريرك الكرازة المرقسية

سرعان ما انضم المعارضون إلى محبي المطران العام لما رأوا فيه من همّة قوية للعمل والإصلاح، وفي ليلة الأحد 11 بؤونة 1579ش (1854م) تم إقامته بطريركًا وكان الكل متهللين. وحضر جميع الأساقفة فيما عدا أسقفيّ إخميم وأبي تيج. وقد تبوأ السُدة البطريركية بعد أن مكث مطرانًا عامًا لمدة سنة وشهرين.

الاهتمام بالتعليم

ما أن وجد البابا كيرلس الرابع نفسه المسئول الأول عن الشعب حتى جعل التعليم اهتمامه الأول في وقت كان حكام مصر من الإنجليز والأتراك يتبنون القول: "أن الشعب الجاهل أسلس قيادة من الشعب المتعلم". كان يشغله الجانب التعليمي، فاهتم بإحضار أساتذة ماهرين، وإعداد برنامج تعليمي على النسق الأوربي، وكان اهتمام البابا موجهًا أساسًا إلى بناء الشخصية، مشدّدًا على حسن تربية الأولاد، مؤمنًا بأنه لا يمكن للكنيسة أن تنمو إلا برجال المستقبل المتعلمين.

أنشأ البابا المدارس والمكاتب لصنوف المعرفة واللغتين القبطية والعربية وأصول الديانة وقواعدها. وجعل المدارس مفتوحة أمام الجميع، وأنشأ مدرسة الأقباط الكبرى بالأزبكية بجوار الكنيسة المرقسية الكبرى.

كان التعليم مجانًا، يقدم لهم الكتب والأدوات المدرسية مجانًا، وبذلك سبق الحكومة في هذا المضمار بأكثر من قرن من الزمان. وكان يباشر إدارة المدرسة بنفسه، فأوجد حجرة خاصة له في المدرسة حيث كان يفتقد المدرسة يوميًا، وكان يحضر بنفسه مع الطلبة منصتًا للأساتذة.

ومما زاد البابا اهتمامًا بالتعليم القبطي أن الخديوي سعيد فتح المجال للإرساليات الأجنبية في مصر، فجاءت الإرسالية الأمريكية من الشام في الوقت الذي نشطت فيه الكنيسة البروتستانتية.

جاء في كتاب مصباح الساري ونزهة القاري لإبراهيم الطبيب ببيروت عام 1282هـ، في حديثه عن مصر ومدارسها:

[وفي حارة الأقباط مدرسة عظيمة يعلمون فيها اللسان القبطي القديم والتركي والإيطالي والفرنساوي والإنجليزي والعربي.

وهم يقبلون فيها من جميع الطوائف وينفقون على التلاميذ من مال المدرسة. وهذه بناها البطرك كيرلس القبطي، وأنفق عليها نحو ستمائة ألف قرش، وكل هذا بخلاف ما تعهده في بلادنا من الإكليروس وأوجه الشعب.]

أنشأ أيضًا مدرسة وكنيسة في حارة السقايين.

واهتم أيضًا بإنشاء مدرسة لاهوتية للشبان حتى يمكن سيامة كهنة متعلمين... وإن كانت لم تدم هذه المدرسة.

لأول مرة أيضًا نسمع في عهد هذا البابا العملاق عن اهتمامه بطبقة مرتّلي الكنيسة من ناحية الألحان ومردات الكنيسة، بل وجعل لهم زيًا خاصًا. ولكي تكتمل الصورة الثقافية التي تبنّاها.

دار للكتب

أراد أن يقيم مكتبة أو دارًا للكتب خاصة، وأن سلفه البابا بطرس الجاولي كان يعشق الدراسة، فيقضي أوقاتًا طويلة بين الكتب، وقد جمع كثير من المخطوطات. وقد تحدث القمص عبد المسيح المسعودي عن اهتمام البابا كيرلس بالمكتبة. وأن البابا كان يود أن يخصص موظفين للمكتبة لخدمة الجمهور. وقد طالب القمص عبد المسيح السعودي وهو يُعد قائمة بالكتب أن يرد الذين استعاروا كتبًا إلى المكتبة. وقد طالب بعدم إعارة المخطوطات بالمرة إلا بإذن من البابا نفسه مع دفع تأمين كبير. كما طالب بعمل معرض للمخطوطات النادرة القديمة...

شراء مطبعة

رأى أن يشتري مطبعة لنشر الفكر، وهي المطبعة الثانية في مصر بعد المطبعة الأميرية التي اشتراها محمد علي أيام ولايته. وأرسل مجموعة من الشباب للتدريب على الطباعة في المطبعة الأميرية بموافقة الخديوي، وطلب من وكيل البطريركية استقبال تلك المطبعة عام 1860م استقبالاً حافلاً، بالكهنة والشمامسة بالملابس الكهنوتية والألحان الكنسية إذ كان البابا في ذلك الوقت في الدير. وقد علّق البابا على هذه المطبعة وعلى استقبالها بقوله: "لست أُكرِّم آلة من الحديد ولكني أُكرِّم المعرفة التي ستنتشر بواسطتها". ومن أول الكتب التي طبعتها هذه المطبعة "القطمارس الدوار" و "خطب ومواعظ أولاد العسال" ثم بعد ذلك "جريدة الوطن".

ديوان لإدارة البطريركية

من ناحية تنظيم أمور الكنيسة فلأول مرة نسمع عن أمر إنشاء سجلات لحصر أوقاف الكنيسة والعمل على تنظيمها وضبطها والاهتمام بالكهنة وأُسرهم وإيرادات الكنائس وضبطها. فقد أنشأ ديوانًا لإدارة البطريركية، ووضع له قواعد دقيقة حتى لا يتصرف نظار الأوقاف بغير نظام. وقد قسّم الإدارة إلى قسمين، أحدهما يختص بالإشراف على الأوقاف ومحاسبة النظار وتقديم حسابات الإيرادات والمصروفات. والقسم الآخر يختص بالأعمال الدينية والشرعية يقوم بمباشرته أحد القسوس مع مطران مصر. وكان هو المشرف على كليهما.

وطنيته وزيارته لأثيوبيا

من الناحية الوطنية كان البابا كيرلس الرابع صديقًا لعلماء الأزهر وشيوخه والشيخ الأكبر، وكان يعقد معهم حلقات ومناظرات علمية وفقهية ولاهوتية في جو من الألفة والمحبة والسماحة.

ولا يفوتنا أن نذكر أنه في عصر حِبْريّة هذا البابا العظيم صرّح الخديوي سعيد للقبط بدخول الجيش وتطبيق الخدمة العسكرية عليهم أسوة بالمسلمين، وذلك اعتبارًا من أول يناير سنة 1856م بعد إلغاء الجزية المفروضة على الذميين في ديسمبر سنة 1855م.

كوطني أيضًا سافر إلى أثيوبيا في آخر مسرى سنة 1572ش (1856م) لحل مشكلة الحدود بين مصر والحبشة موفدًا من قبل سعيد باشا. صحبه اثنان من الأتراك من قبل الحكومة، فانتهز الفرصة وتعلم في رحلته الطويلة اللغة التركية.

كان البابا يخشى سطوة النجاشي ثؤدورس. لكن استقبله النجاشي بحفاوة، وكان لوجوده مع النجاشي في أثيوبيا أثره الكبير في إحلال الصداقة محل العداء.

غير أن بعض السياسيين الإنجليز كانوا يكيدون له انتقامًا إذ أدركوا سعيه في إخفاق نفوذهم في أثيوبيا أثناء زيارته الأولى، كما كانوا يخشون رغبته في اتحاد الكنائس الأرثوذكسية، واتهموه أنه يود أن تكون تحت حماية روسيا. كما قيل أنه أراد الاتحاد مع الكنيسة الأسقفية الإنجليزية. بالرغم من محاولة إنجلترا الإيقاع بين الخديوي والبابا وأيضًا بين النجاشي والبابا، ولكن باءت المحاولتين بالفشل بفضل الرعاية الإلهية وحكمة البابا.

بذل الإنجليز كل الجهد لتشكيك سعيد باشا في نيّة البابا وسألوه ألا يحل الخلاف مع أثيوبيا إلا بتوجيه الجيوش المصرية نحو الحدود بينه وبين أثيوبيا. توجه سعيد باشا إلى الخرطوم، وفي نفس الوقت حاول أصحاب الدسائس تأكيد أن نيّة البابا غير سليمة وأنه إنما جاء لكي يشغل النجاشي عن الحرب فيهب عليه سعيد باشا ويستولى على أثيوبيا. إذ تحركت الجيوش نحو الحدود اغتاظ النجاشي وفكر في قتل البابا لولا تدخل الملكة ورجال القصر وطالبوه بالتريّث والتحقق من الأمر.

أرسل البابا إلى الباشا يبلغه بأن رسالته كادت تنجح لولا تحرك جيوشه وطالبه برجوع الجيش. عندئذ أدرك النجاشي صدق نيّة البابا واعتذر له.

وقّع النجاشي على معاهدة وسلّمها للبابا الذي استأذنه بالعودة، فقدم له وللباشا هدايا كثيرة، وعاد البابا إلى القاهرة في يوم السبت 7 أمشير 1574ش بعد غيابه سنة ونصف تقريبًا، وجاء معه كاهن النجاشي الخاص ووزير أثيوبي حاملاً نص الاتفاق للتوقيع عليه رسميًا من عزيز مصر.

بسبب الاحتفالات التي يصعب وصفها ورفع الصليب في المواكب في الشوارع امتعض الوالي، ووجد الواشون فرحتهم للتنكيل بالبابا، وأثار الإنجليز الخديوي ضد رفع الصليب أمام حفل استقبال البابا عند عودته من أثيوبيا. ورفض الوالي مقابلة البابا بالرغم من تردده مرارًا.

اهتم أيضًا بتجديد الكنيسة المرقسية الكبرى، فبعد ثلاثة أشهر من عودته أمر بنقض المبنى القديم ووضع الحجر الأول في الأساس بحضور رجال الدولة، وكان يسرع في البناء حتى تنيّح وقام خلفه البابا ديمتريوس بإكمالها.

تعليم البنات واهتمامه بالأسرة والأطفال

أدرك البابا أهمية دور المرأة خاصة في تربية الجيل الجديد. اهتم بتعليم البنت كأُم للمستقبل ولكي يكون هناك توافق فكري وثقافي بين الفتاة والشاب، فأنشأ أول مدرسة للبنات في حارة السقّايين، وذلك نصف قرن قبل أن يدعو قاسم أمين إلى تعليم المرأة، وانضمّت إلى المدرسة بنات من الأقباط واليهود والمسلمين فهو أب للجميع.

كان البابا كيرلس الرابع هو أول من سنَّ قانونًا يحدد سن زواج البنت، إذ قرر عدم تزويجها أقل من 14 سنة، في ذاك العصر الذي كانت فيه الفتاة تتزوج في الحادية عشر من عمرها، وكان بذلك أيضًا سابقًا في مجال القوانين المدنية والتشريع المدني بمائة عام. وأنشأ مجلسًا لحل المشكلات الأسرية، وهو نواة المجلس الإكليريكي الآن.

كما أنه كنسيًا اشترط اعتراف العروسان اعترافًا صريحًا وشخصيًا أمام الكاهن بالرضا والموافقة على الزواج قبل إتمامه، كما أنه اشترط أن تكون هناك فرصة قبل الزواج يدرس فيها الطرفان بعضهما البعض، فإن اتفقا يُعقَد الزواج وعقد الأملاك.

أمام المدّ الأجنبي النازح لمصر اعتاد البابا أن يلتقي أسبوعيًا مع شعبه والكهنة موقنًا أن الإصلاح يبدأ برجل الدين وينتهي إلى الطفل، وفي نفس الوقت يبدأ بالطفل وينتهي برجل الدين.

اتحاد الكنائس

كانت شهوة قلبه هو اتحاد الكنائس الأرثوذكسية، فبذل كل الجهد للاتحاد مع الكنيسة اليونانية التي كانت بدورها تضم الكنيسة الروسية. وكان حريصًا مع الاتحاد أن تحافظ الكنيسة على عقائدها وتقاليدها.

كانت علاقته بالكنائس غير الأرثوذكسية طيبة للغاية، نشأ بينه وبين رؤسائهم مودة وتبادل ثقة. فاُتهم بأنه يطلب حماية الدول الأجنبية مما أثار الحكام ضده.

كانت علاقته بالكنيسة الأسقفية الإنجليزية طيبة للغاية. وكانت الأخيرة تود مساعدة الكنيسة القبطية في إعادة الكنائس والمعاهد والمدارس التي هدمها الدراويش.

أعمال أخرى

في عصره نجح مطران القدس الأنبا باسيليوس في الحصول على حكم تثبيت ملكية القبط لدير السلطان في القدس بأمر السلطان عبد الحميد.

من ناحية عمارة الكنائس والأديرة تم في عصره تجديد الكنيسة المرقسية الكبرى واستمرت مقرًا له، ووضع حجر أساس لبناء جديد بعد هدم مبناها القديم الملحق ودعا رؤساء الكنائس وكبار رجال الدولة للحفل.

نياحته

اتفق أن خرج البابا كيرلس مع بطريرك الروم والأرمن الأرثوذكس إلى دير أنبا أنطونيوس ترويحًا للنفس، فوصلوا إلى بوش بالقرب من بني سويف، في عزبة الرهبان، ليقضوا أيامًا حتى تأتي القافلة فينطلقوا إلى الدير. لأول مرة نسمع عن إيجاد وحدة بين الكنائس، فعقد أول اجتماع مع بطريرك الروم وبطريرك الأرمن الأرثوذكس في دير القديس العظيم الأنبا أنطونيوس.

استغل جنرال مري قنصل إنجلترا الفرصة وسار إلى مقر سعيد باشا يخبره بأن البابا ذهب إلى الدير ليقيم تحالفًا مع الطوائف الأرثوذكسية، ويجعل من نفسه بطريركًا عليهم، وبهذا يصير البابا تحت رعاية روسيا. وأن الأمر خطير للغاية بالنسبة لسلامة مصر.

اغتاظ سعيد باشا وأرسل يعقوب بك مدير بني سويف يطلب منه سرعة عودة البابا. بعث البابا رسالة إلى سعيد باشا يوضّح له أنه ذاهب إلى الدير وأنه عند العودة سيمثل بين يديه مما أثار حفيظة الخديوي ضد البابا.

لاحظ أيضًا أن البابا أعاد استخدام التقويم القبطي في المراسلات، وكان الخديوي سعيد قد أبطل استخدامه في المكاتبات الرسمية واستبدله بالتقويم الميلادي الغربي تقربًا للأجانب منذ أول يناير سنة 1856م.

طالت أيام عزلته، وكاد الاتحاد بين الكنيستين القبطية والروسية يتم لولا أن محافظ مصر استدعاه إلى الديوان لأمر عاجل. أرسل مرة ومرتين وفي المرة الثالثة اضطر للنزول، لكن لحقت به حُمى فجاءوا إليه بطبيب، لكن سعيد باشا أرسل إليه طبيبه الخاص. أجمع الكُتاب بأنه دسّ له سُمًّا في الدواء، ففقد رشده وسقط شعر رأسه ولحيته على وسادته وانحل جسمه ومات.

قال الإيغومانوس فيلوثاؤس أنه لم يقبل السُم في القهوة إذ سمعهم يتحدثون بالتركية وكان يعرفها. نجا البطريرك ومات القمص وكيل البطريركية، وانصرف البابا إلى قلايته حزينًا، فأثر فيه الحزن.

دبّروا أمر قتله عن طريق خيانة طبيب فرنسي ووكيل بطريرك الأرمن صديق البابا، وتم لهم ذلك إذ دسّوا له السم في الدواء وفعلاً نجحوا في التخلص منه، وكان وراء ذلك كله إنجلترا التي خشيت هذا الرجل البسيط والمصلح الكبير.

استودع هذا البابا العظيم روحه الطاهرة يوم الأربعاء 30 يناير سنة 1861م بعد أن قضى على الكرسي المرقسي سبعة سنوات وثمانية أشهر، وقد كان لانتقال البابا رنة أسى وحزن كبيرة في أنحاء الوادي والسودان وأثيوبيا، وكان تجنيزه باحتفال مهيب حضره كبار رجال الدولة ورؤساء الكنائس المختلفة، ومن عجب أن وكيل البطريركية الأرمينية الذي ساهم في التعجيل بحياته رثاه مرثية قوية باللغة التركية وسط الجمع الحاشد. وقد دُفن جثمانه الطاهر في مقبرة جديدة كان قد أعدّها لنفسه بين الكنيسة المرقسية الكبرى وكنيسة القديس إسطفانوس.

توفيق إسكاروس: نوابغ الأقباط ومشاهيرهم في القرن التاسع عشر، الجزء الثاني، عن نسخة أهداها المؤلف لراغب أفندي اسكندر في 21 طوبة عام 1633ش.

كيرلس الخامس البابا المائة والثاني عشر

بين أيدينا سيرة بابا للإسكندرية عاش في جو سياسي متوتر للغاية. عرف كيف يقود الموكب بروحٍ وطنيٍ دون أن يتجاهل جوانب الحياة الروحية والكنسية.

في دير البراموس

وُلد يوحنا بقرية تزمنت التابعة لبني سويف سنة 1824م، وترهب سنة 1844م بدير البراموس باسم الراهب يوحنا البراموسي، وعُرِف باسم يوحنا الناسخ. كانت ظروف دير البراموس المادية صعبة للغاية، ولم يكن بالدير سوي أربعة رهبان. لكن حياة يوحنا الروحية ونسكه واهتمامه بالقراءة والنساخة جذب كثيرين للحياة الرهبانية.

بعد عامين من رهبنته طلب الرهبان سيامته كاهنًا، فسامه البابا ديمتريوس قسًا، وإذ شعر بجدّيته وروحانيته طلب منه البقاء معه في البطريركية لمعاونته.

كتب الرهبان للبابا يرجونه إعادته للدير فلبى طلبهم.

في عام 1855م استدعاه البابا وسامه قمصًا وأقامه مساعدًا له في الكنيسة الكاتدرائية بالأزبكية، لكن الرهبان ترجو البابا أن يعيده إليهم لشدة حاجتهم إليه فسمع لهم.

سيامته بابا الإسكندرية

بعد نياحة البابا ديمتريوس بقي الكرسي شاغرًا أربع سنوات وتسعة أشهر مع أن الأنظار كانت متجهة نحو الأب يوحنا البراموسي.

كان المجلس الملّي يقوم بتدبير الأمور المالية، وقد طلب من الحكومة أن يُسام البابا؛ وقد سيم القمص يوحنا بطريركًا في أول نوفمبر سنة 1874م باسم البابا كيرلس الخامس. حضر الاحتفال بسيامته أنجال الخديوي إسماعيل، وهم توفيق باشا وحسين باشا كامل وحسن باشا ومعهم الوزراء.

الظروف السياسية

كانت مصر في ذلك الحين تعيش في صراع سياسي رهيب. فقد نُفي الخديوي إسماعيل، وتولى ابنه توفيق الحكم، إذ تدخّلت إنجلترا وفرنسا في شئون مصر بدعوى حق الإشراف علي ميزانية مصر. وعيّنت كل منهما مندوبًا مسئولاً عن "صندوق الدين".

كان إسماعيل باشا قد أنشأ مجلس شوري للنواب وذلك قبل اضطراره إلى التنازل عن الحكم. حمل هذا المجلس روحًا وطنيًا وشعر الكل بمسئوليتهم كمصريين وطنيين.

كان البابا كيرلس الخامس مساعدًا لهؤلاء الوطنيين في مواجهة الخديوي وضد الإنجليز.

أعماله الرعوية

أشهر أعماله أنه أنشأ مدرسة الإكليريكية. ثم اشترى أرض مهمشة بنى عليها كلية إكليريكية سنة 1912م. كما أكمل بناء الكاتدرائية المرقسية بالأزبكية. وبنى مطرانيات في كل من كنيسة المعلقة والعدوية ببولاق والمعادي وطره والمعصرة بحلوان وطموه. وفي أيامه شيّد 13 كنيسة بالقاهرة والجيزة والخرطوم، كما أنشأ مدارس للرهبان.

وفي عصر إسماعيل باشا تم تكوين المجلس الملّي في 2 فبراير سنة 1874.

ثورة 1919م

في عهده شبَّت نار الحرب العالمية الأولى سنة 1914م. وفي آخرها أُعلِنت الحماية الإنجليزية على مصر، وعُقِدت الهدنة في سنة 1918م، وطالب المصريون باستقلال بلادهم، وكانت الثورة المصرية في سنة 1919م باتحاد المسلمين والأقباط وبعد جهاد دام سنوات تنازلت إنجلترا عن حمايتها في 28 فبراير سنة 1922م. وأعلن السلطان فؤاد استقلال مصر في 15 مارس سنة 1922م، وأعلن نفسه ملكًا ووضع دستور البلاد، وأنشأ الحكم البرلماني بزعامة سعد زغلول باشا، وكان البابا كيرلس مؤيدًا لهذه الحركة.

في عهده ارتفع شأن الأقباط، فتنعموا بالحرية الدينية والمساواة في الوظائف الحكومية وفي التجارة وفي امتلاك الأطيان. فظهرت طبقة من كبار الأقباط من سياسيين وأثرياء. كما انتشر التعليم الديني، فصار صدى الوعظ يُسمع في أغلب كنائس القطر.

تعليم الدين المسيحي

في 25 يونية 1903م الموافق 8 بؤونة سنة 1619ش اجتمع المجمع المقدس، وأخذ قرارات خاصة بتعليم الدين المسيحي:

حتمية تدريس الدين المسيحي وتاريخ الأقباط في كل مصر، وذهاب المدرسين مع الطلبة للصلاة في أيام الأعياد الكبرى وأيام الآحاد (مادة 1).

مراجعة مناهج التعليم لكي تكون أرثوذكسية (مادة 2).

مناشدة رجال الدين والأراخنة علي المساهمة في هذا المشروع (مادة 4).

إقامة مندوبين من الكنيسة لمتابعة هذا الأمر وتنفيده (مادة 5).

ينتدب البابا من يراه لائقًا لتنفيذ القرارات (مادة 6).

رائد حركة النهضة التعليمية

اهتم بتأسيس مدارس قبطية ضمت 9979 قبطيًا، منهم 8390 من الذكور، 1589 من الإناث، وأيضًا 2183 مسلمًا، 100 يهوديًا.

في عهده تأسست 51 مدرسة في كل القطر من أسوان (سنة 1900م) إلى القاهرة (سنة 1857م).

قال أحد الإنجليز: [في زيارتي لمدارس القبط رأيت التلاميذ وسمعتهم يقرأون الكتاب المقدس بالعربية، كما سمعتهم يقرأون الإنجليزية، وامتحنتهم فيها وأعطيتهم إملاء، ثم طلبت إليهم أن يكتبوا لي بالإنجليزية والفرنسية والعربية، واحتفظت بما كتبه خمسة منهم كنماذج. والخمسة تتراوح أعمارهم ما بين 12 و16 سنة. لقد خجلت واندهشت وانشرحت مما رأيت وسمعت.]

وشهد إنجليزي آخر: [إن الكنيسة القبطية تنفق ما يزيد بكثير عن خمسة آلاف جنيهًا سنويًا علي تعليم أبنائها في القاهرة، ويدفع البطريرك بعضًا من هذا من جيبه الخاص.]

خلافات مع المجلس الملي العام

حدثت خلافات في الرأي بين البابا كيرلس والمجلس الملّي، وناصر بطرس باشا غالي فكرة إجراء انتخابات أعضاء المجلس الملّي، لا أن يُعيّنوا من قِبَل البطريرك.

وبالرغم من معارضة البابا تمت إجراء الانتخابات بالقوة ولم يعترف البابا بهذه النتيجة، ولكن الخديوي والحكومة أيّدوها وعارضوا البطريرك. وتم تغيير لائحة المجلس بأن يُرفَع البابا من رئاسة المجلس وأن يقوم وكيل المجلس بعمل رئيس المجلس.

ولما فشلت مساعي البابا في تنفيذ رأيه قَبِل وساطة بطرس باشا الذي نجح في إعادة حق البطريرك في إدارة ديوان البطريركية وأوقاف الأديرة، ولكن لما رفض أعضاء المجلس هذا الحل عاد الموقف للتأزم وتم تعيين أسقف صنبو رئيسًا للمجلس الملّي.

وفي هذا الوقت طلب لفيف من الكهنة والشعب إبعاد البطريرك إلى دير البراموس، وإبعاد مطران الإسكندرية إلى دير الأنبا بولا، وتم ذلك في سنة 1892م وظلا خمسة أشهر. ويذكر التاريخ أن أسقف صنبو بعد ذلك حين دخل ومعه الإيغومانوس إلى الكنيسة لصلاة القداس الإلهي شاءت الإرادة الإلهية أن يُخطئ الأسقف ويقرأ إنجيل خيانة يهوذا الإسخريوطي كما وقعت الصينية من يده، فتشاءم الناس واعتقدوا أن الله غير راضٍ عن المجلس وأعماله، وتعطّلت الشعائر الدينية والتهب الشعور المطالِب بعودة البابا.

رضخت الحكومة لمطالب الشعب وعاد البطريرك إلى مقر كرسيه معززًا مكرمًا، وبعد عودته بعشرة أيام جاء بطرس باشا لزيارته وبصحبته جميع المحرومين فاعترفوا بالخطأ، وطلبوا الصفح فسامحهم البابا، كما صفح عن أسقف صنبو. وتم الاتفاق على إرجاع الإدارة إلى غبطة البطريرك على أن ينتدب أربعة من أعضاء المجلس لمساعدته في إدارة شئون الشعب.

في سنة 1911م عُقِد المؤتمر القبطي في أسيوط ليطلب من الحكومة مساواة الأقباط بالمسلمين في كافة الحقوق المدنية والدينية. وفي عهده تمت رسامة مطران للخرطوم، وبنيت بها كنيسة كبرى وسبع كنائس أخرى، كما اهتم بأديرة الراهبات من الناحية الرهبانية والعمرانية.

موقفه من الإرساليات

إذ انتشرت الإرساليات الأمريكية خاصة في القاهرة والإسكندرية وأسيوط. وقد بدأ وصول المبشرين الأمريكيين في عام 1854م وقاموا بإنشاء مدارس وإقامة كنائس بروتستانتية تقتنص الأقباط من كنيستهم اهتم البابا بالتعليم الكنسي بجوار التعليم العام. وسافر إلى أسيوط ونشر الوعي بين الكهنة لجذب أولادهم إلى المدارس القبطية الأرثوذكسية، والدفاع عن الإيمان المستقيم.

رحلتان إلى السودان

في مارس 1904م سافر قداسته إلى السودان، واستقبله رجال الدولة ومشايخ المسلمين مع الأقباط بمظاهر الإكرام، حيث وضع حجر الأساس للكنيسة القبطية في الخرطوم في حضور الحاكم العام للسودان ورئيس الجيش المصري ومطران البحيرة والمنوفية (أنبا يؤانس) ومطران إسنا الأقصر (أنبا مرقس) وأسقف دير العذراء بالمحرق ومنفلوط (أنبا باخوميوس).

وفي يناير سنة 1909م قام بزيارة صعيد مصر، ثم السودان حيث قام بتدشين الكنيسة في الخرطوم، ووضع الحجر الأساسي لمدرسة قبطية كبري بالخرطوم.

وقد عاصر البابا كيرلس الخامس كل من إسماعيل باشا وتوفيق باشا وعباس باشا الثاني والسلطان حسين والملك فؤاد، وذلك لأنه قضى مدة طويلة تعتبر أطول مدة قضاها بطريرك في الكرازة المرقسية وهي حوالي 53 عامًا، وتنيح سنة 1927م.

وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها، صفحة 384.

كيرلس السادس البابا المائة والسادس عشر

ما كتب عن هذا البابا القديس بعد نياحته، بلغات متعددة، أكثر مما كتب عنه في أثناء حياته. فقد عرفه كثيرون خاصة في مصر والسودان وأثيوبيا ولبنان وسوريا كرجل الله، رجل صلاة له موهبة صنع العجائب والمعجزات.

انتقل البابا يوساب الثاني في 13 نوفمبر 1956م وظل الكرسي البابوي شاغرًا إلى 10 مايو 1959م يوم سيامة هذا البابا، وفي فترة الانتقال هذه استمرت الصلوات والمشاورات والأصوام لكي يعطي الرب راعيًا صالحًا لكنيسته، وأجريت الانتخابات وتمّ فرز الأصوات لاختيار الثلاثة الحائزين على أعلى الأصوات، ثم أجريت القرعة الهيكلية يوم الأحد 19 إبريل 1959م وفاز فيها القمص مينا المتوحد. وفي يوم الأحد 10 مايو تمت مراسيم السيامة ودُعي باسم كيرلس السادس مع أن الجميع كانوا يتوقعون تسميته مينا، ولكن البابا كان قد رأى في حلم البابا كيرلس الخامس فطلب أن يحمل اسمه.

نشأته

وُلد الطفل عازر في 2 أغسطس سنة 1902م من أسرة تقية مشبعة بروح القداسة وكان الثاني بين اخوته، وعاشت الأسرة معظم حياتها في دمنهور نازحين من طوخ النصارى، وكان بيتهم محط استراحة الرهبان ومنهم شيخ اسمه القمص تادرس البراموسي الذي قال لأمه عنه يومًا: "إنه من نصيبنا". وفي الإسكندرية أتمَّ عازر دراسته الثانوية، وعمل في شركة ملاحة، وفجأة قدم استقالته من العمل معلنًا رغبته في الرهبنة، حاولت الأسرة والأنبا يوأنس مطران البحيرة والمنوفية آنذاك تثنيته عن عزمه، لكنه كان قد عرف الطريق إلى الله.

رهبنته

ساعده الأنبا يوأنس في طريق الرهبنة بموافقة أخيه ووالده والتحق بالكلية الإكليريكية بمهمشة، وفي 27 يوليو سنة 1927م دخل دير البراموس بتوصية من المطران، ومنذ ذلك الحين لبس جلبابًا أسود وطاقية سوداء. وقد منحه الله نعمة في عينيَّ القمص عبد المسيح المسعودي الذي كان ابنًا له وكان هو أب حنون مدقق معه، ورُسم راهبًا في بداية الصوم الكبير يوم الاثنين 25 فبراير سنة 1928م وتسمى باسم الراهب مينا.

اتّصف بالتواضع الجم وخدمة الشيوخ، بالإضافة إلى حبه للقراءة في سير الآباء وتعاليمهم، فاهتم بمكتبة الدير. وكانت أحب القراءات إليه كتابات مار اسحق السرياني مما جعله ينسخها في خمسة مجلدات، ثم أصدر مجلة شهرية كتوصية أبيه الروحي أسماها "ميناء الخلاص" كتبها بخط يده بعدد رهبان الدير.

سيامته قسًا

رُسِم قسًا الأحد 18 يوليو 1931م على يد أنبا ديمتريوس مطران المنوفية ودرس بعدها في الكلية اللاهوتية بحلوان مع صديقه القمص كيرلس أنبا بولا، ومنذ تلك اللحظة استمر في تأدية صلاة عشية وباكر والقداس كل يوم.

حياة الوحدة

بعد خمس سنوات فقط من رهبنته غادر الدير إلى مغارة للتوحد، وكان يعاود الرجوع إلى ديره مساء كل سبت ويغادره مساء كل أحد. وزاره أنبا يوأنس البابا في وحدته مع سائح أمريكي يرغب الكتابة عن الرهبنة، ومعه مدير مصلحة الآثار شخصيًا الدكتور حسن فؤاد، وبعد مدة سكن في طاحونة في مصر القديمة بموافقة مدير مصلحة الآثار، الذي كان قد زاره من قبل في قلايته. ولم يكن للطاحونة باب ولا سقف، وزامله فيها ذئب كان يأتيه كل مساء ويشرب معه القهوة وفي الصباح يغادر الطاحونة، ثم بمعاونة المحبّين بنى للطاحونة سقفًا ودور ثانٍ ليكون هيكلاً، ودبّر له الله شماسًا ليصلي معه القداس كل يوم.

رئيس دير الأنبا صموئيل المعترف

بمشورة الأنبا يوساب القائمقام البطريركي بعد نياحة أنبا يوأنس البابا المائة والثالث عشر، أصبح القس مينا المتوحد رئيسًا لدير الأنبا صموئيل القلموني، الذي بدأ بتعميره ثانية وتعمير كنيسة العذراء فيه، وكرّسها أنبا أثناسيوس ورقّاه قمصًا فيها، وعادت الحياة إلى الدير على يد ذلك الناسك البسيط.

بناء كنيسة مار مينا بمصر القديمة

وفي مصر القديمة بُناء على رغبته تم شراء أرض أقام عليها كنيسة باسم مار مينا، بعد أن فشل في تعمير دير مار مينا بمريوط، وأقام هو على سطح الكنيسة وأقام فيها بعض غرف للخدمة، وتعليم الشباب الحِرف، وسُكنًا للغرباء، وعاود إصدار مجلة "ميناء الخلاص"، وتخرج من المغتربين الذين سكنوا تحت رعايته الجيل الأول من الرهبان الشباب. وأعطاه الله مواهب كثيرة منها الإفراز وشفاء الأمراض وإخراج الأرواح النجسة مع أنه ظل غارقًا في صمته وصلواته وأصوامه ودموعه إلى أن وقع عليه الاختيار لكرسي الإسكندرية.

في زيارتي إلى المستشفي الجامعي بالإسكندرية لزيارة أحد الخدام، عرفني الخادم على زميله بالمستشفي قائلاً: "هذا... أستاذ بالجامعة وهو صديق للبابا كيرلس الراحل". تعجبت لأنه صغير السن بالنسبة لعمر البابا المتنيح. فسألته عن موضوع صداقته، أجابني:

"كنت أنا وأصدقائي نجتمع معًا ونذهب إلى القس مينا الراهب المتوحد. كنّا نحبه جدًا وهو يحبنا. أتعرف ماذا كان والدي يقولان لي (وهما غير مسيحيين):" هذا الرجل ليس من هذا العالم ".

هكذا كانت شهادة غير المسيحيين له، أنه يحمل سمات تليق بمن هم في السماء!

سيامته بابا الإسكندرية

اصطحبه الآباء الأساقفة - حسب طقس الكنيسة - من ديره إلى مقر البطريركية، وفعلاً قصدوا دير البراموس ومنه إلى البطريركية صباح الأحد 10 مايو 1959م.

منذ رسامته أصبح بابه في المقر البابوي بالأزبكية مفتوحًا أمام الجميع ليلاً ونهارًا متخذًا من الشباب تلاميذ له، وكانت خدمته متعددة الجوانب.

من الناحية الروحية كان دائم الصلاة أمام المذبح بمحبة وروحانية ألهبت قلوب الشعب فجذب الجميع إلى محبة الله والكنيسة والآخرين.

ومن ناحية التعمير عزم على تعمير دير قديسه المحبوب مار مينا الذي خُرب في القرن العاشر وعادت الصلوات والألحان والحياة الرهبانية إلى تلك البقعة بمريوط، وكذلك عمَّر أديرة برية شيهيت وأديرة الوجه القبلي، كما وضع حجر أساس كاتدرائية جديدة ومبنى للكلية الإكليريكية بمنطقة الأنبا رويس بالإضافة إلى كنائس عديدة وأديرة للراهبات.

أما من الناحية الثقافية فبالإضافة إلى تشجيع المعاهد الكنسية ورسامة أسقفين أحدهما للتعليم والآخر للبحث العلمي، فقد أقام مبنى خاص للمطبعة التي أهدتها إليه كنيسة النمسا.

ومن الجانب الوطني فقد آثر البابا أن يبدأ خدمته في مصر بما نهج عليه الباباوات على مر العصور، فقام بزيارة رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر يوم الجمعة 12 أكتوبر من نفس العام.

مرّت مرحلة كان فيها جمال عبد الناصر يصوّب سهامه ضد الأقباط بكل قوته. وساءت العلاقات بينه وبين البابا. لم يكن لدي البابا ملجأ إلا الصراخ إلى الله وطلب شفاعة مار مرقس كاروز الديار المصرية.

بعمل معجزي فائق تحوّلت العداوة إلى صداقة، فصار البابا والرئيس صديقين حميمين يزور أحدهما الآخر، وقد ساهمت الدولة في سدّ العجز في إيرادات البطريركية، واشترك الرئيس في حفل وضع حجر الأساس للكنيسة المرقسية الكبرى بالأنبا رويس.

الاهتمام بالعالم الخارجي

في عصره أقيمت كنائس لرعاية الأقباط في أوربا ورسم مطرانًا للكرسي الأورشليمي للحفاظ على أملاك الكنيسة القبطية هناك.

وفي أفريقيا نظم الكنيسة في أثيوبيا رعويًا وإداريًا ورسم لها بطريركًا (جاثليق) هو الأنبا باسيليوس الذي تمت رسامته في مصر في يونيو سنة 1959م وحضرها الإمبراطور هيلاسلاسي وأهدى البابا وشاح سليمان الأكبر، كما زار البابا أثيوبيا في أكتوبر 1960م ولاقى فيها ترحيبًا فاق الوصف.

هذا ولأول مرة في العصر الحديث نسمع عن المجامع المسكونية، فقد ترأّس البابا كيرلس السادس مؤتمر الكنائس اللاخلقيدونية المنعقد في أديس أبابا في يناير سنة 1965م، متفقًا مع بطريرك إنطاكية وبطريرك الأرمن وجاثليق الكنيسة السريانية بالهند على عدة قرارات تؤدي إلى تعميق المفاهيم الأرثوذكسية اللاهوتية.

الكرازة

أما عن العمل الكرازي فقد أوفد البابا عام 1960م من افتقد الكنيسة في دول شرق أفريقيا، وحضور مؤتمر مجلس كنائس أفريقية ومؤتمر الشباب الأفريقي، وفي نفس الوقت شجع قسم الدراسات الأفريقية في معهد الدراسات القبطية لإعداد جيل من الخدام اللاهوتيين والمدنيين للعمل في ربوع أفريقيا، وجاءت وفود أفريقية للدراسة في المعاهد اللاهوتية القبطية بمصر.

نظرة الدولة للمهاجرين في أيام جمال عبد الناصر

كاد أن يغلق الرئيس عبد الناصر الباب على المصريين من جهة ذهابهم إلى أمريكا الشمالية وأستراليا، وكان الجهاز الحكومي المصري يتطلع إلى أي مهاجر ـ وكان معظمهم من المسيحيين ـ أنهم خونة. وكاد غالبية المهاجرين يقطعون الأمل حتى في زيارتهم إلى بلدهم المحبوب لديهم وهي مصر.

كان المهاجرون يخشون الذهاب إلى أية سفارة أو قنصلية مصرية أو أن يلتقوا بأحد المسئولين، ويبذلون كل الجهد نحو إخفاء عناوينهم لئلا يُساء إليهم أو إلى أقربائهم في مصر.

كانت الكنيسة في ذلك العصر بين حجري الرحى، فهي كنيسة وطنية تخضع بكل القلب للسلطة الزمنية، وتحمل كل حب وولاء لمصر، وفي نفس الوقت هي الأم التي لن تتجاهل أو تتخلى عن أولادها أينما وجدوا.

أما عن مدى اهتمام قداسة البابا بالمهاجرين فقد سبق لي نشر الجزء الأول من كتاب "الكنيسة في أرض المهجر"، وبمشيئة الله سأقوم بنشر الجزء الثاني.

تجلي العذراء مريم

من الأحداث الهامة في حِبْرية البابا كيرلس السادس، تجلي السيدة العذراء فوق قباب كنيستها بحي الزيتون بالقاهرة منذ ليلة 2 إبريل سنة 1976م، ولمدة سنتين وأربعة شهور متتالية. وصاحب التجلي ظهورات سمائية مثل الحمام وروائح بخور ذكية، بالإضافة إلى معجزات شفاء كثيرة لمسيحيين ومسلمين على السواء.

استرجاع رفات كاروز الديار المصرية القديس مار مرقس الرسول

أيضًا من الأحداث الهامة في عصره استرجاع رفات كاروز الديار المصرية القديس مار مرقس الرسول يوم 23 يونيو سنة 1986م، بعد غياب حوالي أحد عشر قرنًا، واستمرت الاحتفالات ثلاثة أيام شاركت فيها الدولة والكنائس الأخرى.

صداقته للقديسين

لم نسمع قط عن إنسان له صداقة مع القديسين مثل البابا كيرلس السادس الذي كثيرًا ما كان يراهم ويحاورهم، خاصة صديقه الحميم مار مينا العجايبي.

يوجد أناس أحياء أعرفهم شخصيًا يتعاملون مع القديسين بطريقة ملموسة في حياتهم، ولكننا هنا نذكر فقط المنتقلين.

نياحته

في 9 مارس سنة 1971م تحققت انطلاقته نحو مشتهى نفسه بعد جهاد مع مرض استمر خمس سنوات، ولم تدم باباويته سوى 11 سنة وعشرة شهور، وظل جالسًا على الكرسي البابوي ثلاثة أيام ألقى عليه أبناءه نظرة الوداع ثم صُلي عليه بالكاتدرائية الكبرى بالأزبكية. ثم بعد ذلك نُقِل جثمانه الطاهر ليدفن تحت مذبح الكاتدرائية الضخمة التي كان قد شيدها في دير مار مينا بمريوط وذلك تحقيقًا لوصيته.

ما بعد نياحته

مع كل يوم جديد نسمع قصصًا عجيبة على مستوى العالم بخصوص عمله في حياة الكثيرين بعد انتقاله. لا أنسى أن أحد الأحباء جاء من أستراليا إلى الإسكندرية وسألته عن المدة التي يقضيها فقال أقل من أسبوع. وإذ دهشت قال: "جئت من أستراليا لأزور مدفن المتنيح البابا كيرلس السادس وأعود فورًا فصلاته أنقذتني!" أما عن ظهوراته لمحبيه في كل العالم فصارت أشبه بقصص خيالية من كثرتها وفاعليتها. كثيرون تابوا ورجعوا إلى الرب خلال ظهوراته.

صورة أم قوة!

في مارس 1997 في لقاء محبة بمنزل الأخ ا. ش. بمنطقة جنوب أورانج كاونتي، روى لي رب البيت القصة التالية:

تحدث معي أحد العملاء وهو أمريكي يهودي، قال أنه كان يعتزم أن يبدأ مشروعًا معينًا، وكان كلما بدأ خطوة يجد العقبات حتى فقد الأمل في تكملة السير في هذا الطريق. كان من بين العاملين لديه سيدة مصرية، رأته في ضيقة شديدة، وإذ عرفت ما يعاني منه قالت له: "خذ هذه الصورة وضعها في جيبك، وأصرخ إلى الله، فإنه يسندك حتمًا".

لم يكن الرجل متدينًا قط، لكنه في وسط مرارة نفسه قبل الصورة دون أن يسألها عن شخصية الإنسان الذي له الصورة. ذهب إلى بيته، وهناك دخل حجرته، وفي مرارة صرخ إلى الله، وكان يتحدث مع الله، في حوارٍ مفتوحٍ... لاحظ أن قوة قد ملأت أعماقه الداخلية. بدأ خطوات المشروع فلاحظ أن كل الأبواب تنفتح أمامه بطريقة غير عادية، وكما قال أنه يشعر بقوة فائقة تسنده أينما ذهب.

روى هذا الرجل هذه القصة للأخ ا. ش. بروح مملوء قوة، فسأله الأخ عن الصورة، وللحال أخرجها من جيبه ليُريه إيّاها باعتزاز، فإذا بها صورة البابا كيرلس السادس.

سألته وماذا بعد هذه الخبرة؟ فأجاب إن خبرته هذه حديثه جدًا. انسحقت نفسي وصرت أتأمل في أعماقي:

لقد تنيَّح أبي الحبيب منذ حوالي 30 عامًا، وها هو يعمل بروح الصلاة بأكثر قوة في دول كثيرة! لم يكن أبي القديس يُجيد الإنجليزية، لكنه يتحدث مع أمريكي يهودي بلغة الروح التي تفوق كل لغة بشرية.

فوق علبة السجاير

في بِرِسْبِنْ باستراليا روى لي القمص موسى سليمان التالي:

في هذه الأيام لقداسة البابا كيرلس دور عجيب في حياة المدخنين. رويت القصة التالية لأحد الأحباء، وكان يعاني من عادة التدخين لسنوات طويلة:

كان أحد المدخنين يود أن يتحرر من هذه العادة، وإذ فشلت كل محاولاته أمسك بأحد كتب معجزات قداسة البابا كيرلس ووضعها على علبة السجاير التي بجواره وهو يقول: "ألا تستطيع أن تصلي لأجلي لكي أكف عن التدخين؟" مرت ساعتان ولم يشعر بأي اشتياق للتدخين فتعجب جدًا، وظن أنها حالة نفسية. امسك بعلبة السجاير وحاول التدخين، فإذا به يشعر برائحة شيء يحترق (شياط)، حتى كاد أن يتقيأ.

قال في نفسه: "إنها حالة نفسية". امسك بسيجارة أخرى، وإذا به يشتم نفس الرائحة، واضطر أن يلقي بالسيجارة دون أن يدخن. تكرر الأمر عدة مرات وإذ جاءه ضيف وجده مندهشًا، فسأله عن السبب، فأخبره بما حدث. طلب منه سيجارة من علبة السجاير. فتكرر الأمر معه، ومنذ تلك اللحظة لم يعد بعد إلى التدخين.

إذ رويت هذه القصة لأحد الأحباء، فعل نفس الأمر، وحدث معه نفس الشيء، كما حدث مع أكثر من شخص من الشعب بصلوات البابا كيرلس!

كيرلس الشماس الشهيد

كان شماسًا من مدينة هليوبوليس Heliopolis في لبنان. وفي عهد الإمبراطور المسيحي قسطنطيوس Constantius، قام بتحطيم العديد من الأوثان، فاكتسب كراهية جموع الوثنيين وحقدهم. وحين مَلَك يوليانوس الجاحد انتهزوا الفرصة للانتقام منه فقاموا عليه وقتلوه، فاستشهد سنة 365م.

Butler, March 29.

كيرلس وأناسطاسيا الشهيدان

كانت أناسطاسيا عذراء من أصل روماني شريف، تبلغ العشرين من عمرها، وتعيش وسط مجموعة من العذارى المكرسات في روما. في الاضطهاد الذي أثاره فالريان Valerian أصدر أوامره للوالي بروبس Probus فاقتحم جنوده منزل العذارى، وقبضوا على أناسطاسيا وحملوها إلى الوالي، الذي أمر بجلدها عارية. وحين اعترضت بأن هذا العمل يهينه هو أكثر مما يشينها هي، بدأ معها سلسلة من العذابات.

ربطوها بسلاسل حديدية وضربوها وعذبوها بالنار والسياط، ولما لم يؤثّر أي من هذه العذابات في اعترافها بالسيد المسيح، قطعوا ثدييها ونزعوا أظافرها وكسروا أسنانها ثم قطعوا كفيها وقدميها. أخيرًا قطعوا رأسها بعد أن تَجمَّلت بجواهر العذابات التي تحملتها، وهكذا اجتازت إلى عريسها السماوي.

وقد نُقِل جسدها بعد ذلك إلى القسطنطينية.

أثناء تعذيبها طلبت أن تشرب فأحضر لها كيرلس ماءً، فكان أجره عن ذلك أن نال إكليل الشهادة.

Butler, October 28.

كيرلس القيصري الشهيد

كان صبيًا صغيرًا حين تحوّل إلى المسيحية بدون علم والده، وحين اكتشف والده أن الصبي يرفض تقديم مظاهر التكريم للأوثان طرده من البيت. حدث هذا في مدينة قيصرية بكبادوكيا، ولما علم حاكم المدينة أمر بإحضار كيرلس أمامه.

حاول الحاكم معه بالترغيب والتهديد ولكن لم يستطع زحزحة إيمان الصبي، فأمر بأخذه إلى مكان الإعدام كما لو كان سينفذ فيه الحكم، حتى متى رأى أتون النار المزمع إلقاؤه فيه يخاف ويتردد، ثم يحضرونه أمام الوالي مرة أخرى.

حين عاد كيرلس أمام الوالي اشتكى إليه أن الحكم لم يتم تنفيذه، فاستشاط الوالي غضبًا وأمر بضربه بالسيف فنال إكليل الشهادة حوالي سنة 251م.

Butler, May 29.

كيرلس مطران إثيوبيا

رهبنته

وُلد ببلدة الكشح مركز البلينا من أبوين بارين سمياه سيداروس، ألحقاه في طفولته بكُتّاب البلدة التابع للكنيسة وكان بطبيعته ميّالاً إلى الوحدة والتأمل والصلاة والصوم. ولما بلغ التاسعة عشر من عمره استأذن والديه وقصد إلى دير كوكب البرية حيث ترهبن باسمه الأصلي.

في الدير لم يكتفِ بالسهر والتقشف والتعبد بل انضم إلى المدرسة التي كان قد أنشأها البابا كيرلس الخامس هناك، وقضى في الدير سبع سنوات تعلم فيها الفضائل المسيحية من محبة وتواضع.

خدمته في أورشليم والصعيد

ولما كان رهبان دير الأنبا أنطونيوس مسئولين عن الخدمة في الأراضي المقدسة رسمه رئيس الدير قمصًا وأرسله إلى أورشليم. تفانى في الخدمة حتى اعتلَّت صحته، فأشفق عليه المطران الأورشليمي وأعاده إلى ديره ليستعيد صحته.

ما أن تعافى حتى قرر رئيس الدير إرساله إلى مدينة بهجورة بالصعيد حيث كان بها حقول مملوكة للدير، فكان يرعى الشعب بالمدينة وأيضًا يهتم بتحصيل المال وإرساله إلى اخوته الرهبان. وكانت للمدينة كنيسة باسم السيدة العذراء على سطحها غرفة متواضعة عاش فيها مكرسًا نفسه للعمل الموضوع عليه، وقد منحه الله مواهب شفاء المرضى والسلطان على الوحوش، كما منحه الشفافية الروحية.

كيرلس مطران إثيوبيا

في سنة 1929م أرسل الإثيوبيون وفدًا طالبين من البابا يوأنس التاسع عشر أن يرسم لهم مطرانًا، فقرر البابا أن خير من يصلح لهذه الكرامة هو القمص سيداروس الأنطوني، فأرسل وفدًا إلى بهجورة ليصحبه إلى القاهرة، فأخذ هذا العابد القانع يبكي ويستعطف أعضاء الوفد بأن يتركوه، ولكنهم لم يستطيعوا إلا تنفيذ رغبة البابا. وكان البابا يعرف اتجاهات القمص سيداروس فما أن وصل حتى رفع الصليب فوق رأسه لساعته وصلى الصلوات التمهيدية للرسامة، وبهذا وضع القمص تحت الضرورة وأطلق عليه اسم كيرلس.

لما سافر الأنبا كيرلس مع الوفد الإثيوبي بدأ أعماله الرعوية بمسح الملك تفري إمبراطورًا على كل إثيوبيا باسم الإمبراطور هيلاسلاسي، ثم قضى السنوات ما بين سنة 1930 - 1935م في افتقاد شعبه والتنقل بين مختلف المقاطعات، فكانت هذه السنوات فترة سلام بنَّاء.

محاولات ضمه إلى بابا روما

استولى الإيطاليون على إثيوبيا في مايو سنة 1936م، واضطر هيلاسلاسي وعائلته وغالبية الأمراء إلى الهروب من بلادهم ورجا الإمبراطور من المطران أن يظل في أديس أبابا ليعطي الشعب المنكسر شيئًا من الطمأنينة، فبقى في مكانه. حكم الإيطاليون على الطريقة الرومانية القديمة، فعذبوا وشردوا وقتلوا بلا شفقة، وأراد القائد الإيطالي جرازياني أن يجعل الأنبا كيرلس ينضم إلى بابا روما فبدأ بالوعود العالمية البراقة، ولما لم تؤثر فيه هدده بالقتل. فأجابه المطران: "لك مطلق السلطة على هذا الجسد الفاني أما روحي فملك السيد المسيح إلهي ولن يمكنك الوصول إليها أبدًا".

من روما إلى مصر

أقام القائد استعراضًا عسكريًا ضخمًا بهدف إدخال الرهبة في القلوب، ولكن الإثيوبيين ردوا على هذا الاستعراض بإلقاء القنابل اليدوية على كبار الحاضرين، أصابت إحدى شظاياها الأنبا كيرلس واضطرته للبقاء في المستشفى عدة أسابيع. ولما خرج من المستشفى احتج القائد وأعوانه بوجوب علاجه في روما، وبالفعل حكموا عليه بالسفر وهناك عاودوا محاولاتهم في دفعه إلى الخروج عن الكنيسة القبطية والانضمام إلى كنيستهم.

ولما فشلت كل جهودهم منعوه من العودة إلى أديس أبابا واضطروه إلى العودة إلى مصر، فعاش من سنة 1936 - 1942م في شقة في مهمشة إلى جوار مبنى الإكليريكية القديمة.

انهزم الإيطاليين سنة 1942م في الحرب العالمية الثانية واضطروا إلى مغادرة إثيوبيا، فعاد هيلاسلاسي هو وأمرائه وعائلاتهم، وحالما استقر في عاصمته أرسل وفدًا على طائرة خاصة طالبًا عودة الأنبا كيرلس، فعاد معزّزًا مكرمًا. إلا أن صحته كانت قد ساءت إلى حد اضطر معه أن يعود إلى القاهرة بعد سنتين، وتحمل المرض بالصبر والصمت.

نياحته

وفي الأسبوع الأخير من حياته نقله أحباؤه إلى المستشفى القبطي ليكون تحت العلاج المباشر، وهناك أسلم روحه الوديعة في يدي الآب السماوي.

كيرلس مقار الأسقف

دعوة للانضمام إلى روما

كان من بني مصر الذين اقتنصهم الكاثوليك بعيدًا عن كنيستهم الأصلية، ورسموه أسقفًا باسم كيرلس مقابل الأنبا كيرلس الخامس البابا المائة والثاني عشر.

حالما تسلم هذا الأسقف مهامه الرعوية نشر رسالة وجهها إلى الأرثوذكس الأوفياء لكنيستهم في مصر وفي إثيوبيا يناشدهم فيها الانطواء تحت زعامة البابا الروماني بادعاء أن مرقس ما هو إلا تلميذ لبطرس. وعلى الفور أصدر البابا الوقور بيانًا مسهبًا أوضح فيه العقيدة الأرثوذكسية في جلائها، ثم أثبت أن مار مرقس هو أحد السبعين تلميذًا الذين اختارهم الرب للكرازة كما دعى الاثني عشر تمامًا، وقد طُبِع هذا البيان ووُزِع في جميع أنحاء مصر وقرأه الكهنة في الكنائس على مسامع الشعب.

لما وجد كيرلس مقار أن البيان البابوي بلغ هدفه وبالتالي فشل هو فيما استهدفه، قصد إلى إثيوبيا وهناك أصابه فشل ثانٍ لأن الإمبراطور منليك الثاني كان شديد التمسك بالأرثوذكسية.

وبعد شهور من تلك الزيارة جاء وزير إثيوبي إلى مصر وذهب لينال بركة الأنبا كيرلس الخامس فسأله عما حدث، ووصف له الوزير ما جرى وانتهى بقوله: "إذا توطدت أقدام البعثات الدينية في أي بلد شرقي أضاع استقلاله شيئًا فشيئًا، وإذا به على غير علم منه قد وقع في قبضة من زعموا تمدينه وتعليمه".

بطريرك للكاثوليك فعودة للكنيسة

ثم رفعت روما هذا الأسقف إلى مرتبة بطريرك، وبعدها فوجئت بما لم يكن في الحسبان، لأن الأنبا كيرلس مقار كان دائم البحث والإطلاع فلم يلبث أن عاد إلى الأرثوذكسية.

ظن في بادئ الأمر أن البابا المرقسي الأصيل لن يقبله ضمن أبنائه بسبب كتاباته السالفة ضد الكنيسة القبطية، فسافر إلى الإسكندرية وقابل البطريرك فوثيوس للروم الأرثوذكس وصارحه برغبته في الانضمام إلى كنيسته. وفرح البطريرك الرومي هو ومجمعه بقبول الطلب ولكن رجال الدولة اليونانية رفضوا الموافقة رفضًا باتًا، وبينما كان كيرلس مقار في الإسكندرية وضع كتابًا في جزءين عن العلامة السكندري أوريجينوس بالفرنسية. فلما رُفِض طلبه سافر إلى بيروت حيث انشغل بالكتابة، فوضع كتابين على جانب كبير من الأهمية إذ يقدمان الدليل الواضح الصريح على مدى اقتناعه بالأرثوذكسية، وهذان الكتابان بالفرنسية أيضًا، أولهما: "الوضع الإلهي لتأسيس الكنيسة" وهو في جزءين، وثانيهما: "أخيرًا الحقيقة". ثم أتبعهما بكتاب ثالث عنوانه: "أخيرًا نتكلم"، ردّ به على بعض ما نشره الكاثوليك في مصر.

قد تبعت ثمانون عائلة كاثوليكية بطريركها وانضمت إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وأشهرها عائلة "العتر"، وعلى إثر ذلك أصبح فرنسيس العتر أرشيدياكون الكنيسة البطرسية التي شيدتها عائلة بطرس غالي. ثم حدث أن تقابل بعض من أراخنة الأقباط مع فرنسيس العتر ودار بينهم الحديث حول كيرلس مقار، وفي اليوم التالي ذهبوا لمقابلة الأنبا كيرلس الخامس، الذي ما أن علم بهدف زيارتهم حتى قال لفوره: "اعلم يا فرنسيس أن هذه كانت أمنيتي من أول الأمر ولكنكم تسرعتم في طرق باب الكنيسة اليونانية، وإذا كنت لم أحرك ساكنًا يومذاك فما ذلك إلا محافظة على المحبة التي تربطني بالسيد فوثيوس".

كوَّن البابا المرقسي لجنة برياسة الأنبا مكاريوس مطران أسيوط ليذهب أعضاؤها إلى بيروت ويستصحبوا كيرلس مقار إلى القاهرة. ولكن المستغرب هو وصول برقية تحمل خبر انتقاله المفاجئ إلى مساكن النور في الوقت الذي كان يستعد أعضاء اللجنة للسفر، وكان ذلك في منتصف سنة 1920م، وقد أشيع أنه مات مسمومًا.

كيرياكوس وجوليتّا الشهيدان

كان كيرياكوس طفلاً ذو ثلاث سنوات وكانت جوليتّا أمه أرمله غنية من أصل شريف تعيش في ليكأونيه حيث كانت تتبوأ منصبًا كبيرًا، واستشهدا أثناء اضطهاد الإمبراطور دقلديانوس.

قد وردت سيرتهما في حرف "ج" تحت "كيرياكوس وجوليتّا الشهيدان".

كيرينثوس الهرطوقي

كان المقاوم للقديس يوحنا الحبيب. في مشاعره يقبل اليهودية أكثر من الغنوصية. لكن يبقى السؤال المثار: هل كان أساسًا أبيونيًا Ebionite؟

يرى بعض الدارسين المحدثين أنه يحمل تعليمًا خليطًا بين الاثنين، جمعه عن مصادر يهودية وشرقية ومسيحية.

نشأته

يبدو أنه كان من أصل مصري، تهذب في المدرسة اليهودية الفيلونية بالإسكندرية.

كان يهوديًا متنصرًا تمسّك بالختان والسبت، تحكّم بحكمة المصريين. قدم إلى أورشليم في زمان الرسل وأقام فيها بعض الوقت ثم انتقل إلى قيصرية فلسطين فإنطاكية وعلّم فيها، وحط رحاله أخيرًا في أفسس التي كانت حقل خدمة يوحنا الرسول.

تعاليمه

يُنظر إلى كيرنثوس بكونه السابق للغنوصية اليهودية المسيحية والمتهيئ لها. يرى البعض أنه لم يقدم هرطقة معينة إنما هو حلقة وصل بين اليهودية والغنوصية.

1. علّم كيرينثوس أن العالم لم يخلقه الله بل قوة خارجة عن الإله الأعلى، وأن إلهًا آخر الذي هو إله اليهود أعطى الشرائع والناموس.

كيهودي رفض أن إله اليهود هو خالق العالم المادي الذي يحسبه المعلمون الغنوصيون أنه أقل من الله الصالح وأنه شرير. إنه في نظره الملاك الذي سلم الناموس.

أعتقد أن العالم المادي ليس من صنع الله الذي هو العلّة الأولى، بل من صنع كائنات ملائكية صادرة عنه وأقل منه في الدرجة.

2. وُلد الرب يسوع من يوسف ومريم، ولم يكن سوى إنسانًا بارزًا حل عليه المسيح في صورة حمامة عند عماده آتيًا من الإله الأعلى، حتى ما يعلن عن الآب غير المعروف، وأكد ذلك بالمعجزات التي صنعها. وأخيرًا فارق المسيح أي "القوة التي من الأعالي" الإنسان يسوع قبيل الآلام والصلب، وبعد ذلك تألم يسوع وقام ثانية. والسيد المسيح في نظر كيرينثوس لم يكن سوى نبي عظيم حلّت عليه قوة الله.

3. إذ تدرب على فلسفة فيلون اليهودي السكندري فإن غنوصيته لم تلزمه بالضرورة على البدء بالثنائية بين الشر والخير، وبين المادة والروح. إنما عرف هذا التعارض بمعنى الاختلاف بين الله بكونه العامل علة الحياة، والأقل غير الكامل الذي يعتمد عليه وهو غير عامل؛ هذا المفهوم لا يقدم نوعًا من التعارض الخطير.

لقد اقتبس الكثير من فيلون Philo، وجاءت تعاليمه بعيدة إلى حدٍ ما عن الغنوصيين المتأخرين.

نظرته الأخروية

بحسب ثيؤدورت وغايسCaius وأغسطينوس اعتقد كيرينثوس في الملك الألفي. إذ كان يحلم بمجيء الرب ليقيم مملكة أرضية حيث يتمتع المختارون بالملذات والولائم والزيجات والذبائح. ستكون عاصمتها أورشليم، تمتد إلى 1000 سنة بعد أن يتجدد كل شيء. أخذ هذا الفكر عن مصادر يهودية، إذ كانت نظرته للعالم الآخر يهودية.

العماد

اعتقد أنه إذا مات شخص غير معمّد يمكن لآخر أن ينال العماد لحسابه وباسمه، حتى لا ينال الشخص العقوبة في اليوم الأخير.

يقول يوسابيوس المؤرخ نقلاً عن ديونيسيوس البابا السكندري، أن كيرينثوس كان منغمسًا في الملذات الجسدية وشهوانيًا جدًا بطبيعته، وتوهّم أن الملكوت سوف ينحصر في تلك الأمور التي أحبها، أي في شهوة البطن والشهوة الجنسية.

وينسب له إيريناوس أوصافًا أشد قبحًا من ذلك، ويكفي لإظهار ذلك ما رواه إيريناوس عن يوحنا الرسول، من أنه (يوحنا) دخل مرة حمامًا ليستحم، وإذ علم أن كيرينثوس فيه قفز فزعًا وخرج مسرعًا، لأنه لم يطق البقاء معه تحت سقف واحد، ونصح مرافقيه أن يقتادوا به قائلاً: "لنهرب لئلا يسقط الحمام، لأن كيرينثوس عدوّ الحق موجود داخله".

لم يدم أتباع كيرنثوس (الكيرونثوسيونCerinthians ويدعون Merinthians) إلى فترة طويلة.

الكنيسة في عصر الرسل، صفحة 268.

كيريّة الأم

نشأتها

وُلدت أوجيني من أسرة ثريّة تقيّة في مدينة طلخا، محافظة الدقهلية. اهتمت الأسرة بتربيتها، فالتحقت بإحدى المدارس الخاصة حيث اتقنت الفرنسية.

في الإسكندرية

شعرت الشابة أوجيني بنداء داخلي نحو تكريس حياتها للرب وهي على شاطئ البحر بالإسكندرية. لم تقاوم الروح فانطلقت نحو منزلها لا يشغل قلبها سوى خلاص نفسها والتصاقها بالرب.

رهبنتها

التصقت بمطران الدقهلية الأسبق "نيافة الأنبا تيموثاوس" وتتلمذت على يديه فالتهب قلبها بالحب الإلهي. كانت تهتم بالصلاة ودراسة الكتاب المقدس ومطالعة سير القديسين.

بإرشاد أب اعترافها صارت راهبة باسم الأم كيرية عام 1941 بمدينة شربين، واستمرت بمنزل والدها. أرسلها أب اعترافها إلى دير أبي سيفين للراهبات بمصر القديمة، وقد حاول والدها أن يثني عزمها فلم يستطع.

اتّسمت بحبها لممارسة الأعمال الصعبة والتي تنفر منها بعض الأمهات مثل تنظيف دورات المياه... الخ. كانت تعمل بنشاطٍ وفرحٍ شديد، بجانب جهادها في الصلاة والسهر والتأمل مع خدمة الراهبات المسنّات.

تتلمذت على يدي القمص مينا المتوحد (قداسة البابا كيرلس السادس) الذي البسها فيما بعد الإسكيم المقدس. وكانت تقوم بعمل ما يقرب من 550 مطانية يوميًا كقانون لبّاس الإسكيم.

رئاسة دير مارجرجس بمصر القديمة

أسند إليها البابا كيرلس السادس رئاسة دير مارجرجس بمصر القديمة عام 1961م. اهتمت بالعمل الروحي وإنشاء مكتبة للدير تضم الكثير من المخطوطات. كما اتسمت بحبها للعطاء حتى للحيوانات الضالة كالكلاب والقطط. اهتمت بتوزيع مساعدات شهرية للأسر المستترة. وهبها الله معرفة أمور كثيرة قبل حدوثها، كما ظهر لها الشهيد مارجرجس وأخبرها عن موعد رحيلها من العالم.

كيليدونيوس وإيميتيريوس الشهيدان

يقول برودنتيوس Prudentius الذي كتب قصيدة طويلة في مدحهما أن معذبيهما قد حرقوا عمدًا كتاب سيرتهما فحرمونا بذلك من معرفة سيرتهما المجيدة.

يقول التقليد أنهما كانا ابنا القديس مارسيللوس St. Marcellus، وكانا كلاهما جنديان مثل أبيهما، وأنهما استشهدا بالسيف سنة 304م أثناء حكم دقلديانوس، وذلك في كالاهورَّا في أسبانيا Calahorra in Spain.

Butler, March 3.

كييل الراهب القديس

هو راهب قديس يسمى كييل، كان معاصرًا للبابا خريستوذولوس في العصر الفاطمي، وكان مترهبًا بدير أبو يحنس القصير.

كان يكشف ما في قلوب الناس قبل أن يفصحوا عنه. مرة قصده جماعة وكان ضمنهم رجل نصراني من أهل فوه، وكان الراهب كييل قلما يفتح لمن يقرع بابه، فلما فتح لهم قال للرجل الذي من فوه: "يا فلان (وسَمّاه باسمه) أما خِفت من السيد المسيح ربنا لما زنيت ليلة الأحد في الطاحونة بفوه؟" فلما سمع الرجل هذا الكلام سقط على الأرض، وتعلق برجل كييل وبكى وسأله أن يستغفر له، فضمنه وقال له: "إن أنت تبت فأنا أضمن لك الغفران".

فتاب لوقته، فقال له القديس: "إن الرب قد غفر لك". ثم أخذ يحدّث الباقين كل واحد باسمه.

حدث أن الراهب كييل هذا وقف يصلي ليلة أحد حتى الصباح، فكلمه إبليس من خلف الصورة التي أمامه وقال له: "قد تعبت يا كييل يكفيك" فزجره القديس كعادته معه وصلَّب عليه فصار زوبعة سوداء ومضى عنه.

عرف كييل وقت نياحته وخروجه من العالم، وطلب إلى الرهبان أن يأتوه يوم الجمعة وقت الساعة التاسعة ليودعهم فإنه راحل عنهم في ذلك اليوم، فذهب إليه الرهبان وكان هو بغاية الصحة وكان يخدمهم، ثم قام واستحم ولبس ثيابًا نظيفة واضطجع قدامهم وقال لهم: "اقرأوا عليَّ المزامير"، ثم ودعهم وتنيّح.

وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها، صفحة 130.

المحتويات



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

قاموس القديسين و الشخصيات حرف ل

قاموس القديسين و الشخصيات حرف ق

قاموس القديسين و الشخصيات حرف ك
قاموس القديسين و الشخصيات حرف ك

المحتويات