الأصحاح الخامس عشر – سفر اللاويين – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 03- تفسير سفر اللاويين – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الأصحاح الخامس عشر

شريعة ذي السيل.

تُعالج هذه الشريعة الإنسان الذي يكون له سيل، ذكرًا كان أم أنثى. وقد جاءت الكلمة العبرية "زَغب" تعني "فيض"، فإن ذا السيل هو الرجل الذي يقذف الحيوان المنوي سواء خلال الطبيعة أو لإصابته بمرض تناسلي، وأيضًا المرأة التي تنزف دمًا سواء خلال الدورة الشهرية (الطمث) أو بسبب مرض، وقد ميزت الشريعة بين الحالات الطبيعية والحالات المرضية.

1. مقدمة في ذي السيل.

2. الحالات المرضية عند الرجل [1 - 15].

3. الحالة الطبيعية للرجل [16 - 18].

4. الحالة الطبيعية للمرأة [19 - 24].

5. الحالة المرضية للمرأة [25 - 33].

1. مقدمة في ذي السيل:

إن كانت الشريعة قد إهتمت بتقديم تطهير جسدي يخص السيل الذي يفيض من الرجل أو نزف الدم الذي للمرأة في مرضها الشهري أو كحالة مرضية، فإنه يليق بنا توضيح النقاط التالية:

أولاً: إن كانت الشريعة قد دعت السيل (الحيوانات المنوية) نجاسة [1]، وأيضًا دم المرأة في أيام طمثها أو عند نزفها... فما عنته الشريعة هو إهتمام الإنسان بنظافة جسده لأجل سلامة صحته وصحة من هم حوله، فكما رأينا في الله أنه اهتم بكل ما يمس أولاده في العهد القديم حتى من جهة أنواع الأطعمة وسلامة الثياب والمسكن، فبالأكثر صحة جسده.

ثانيًا: ميزت الشريعة بطريقة واضحة وقاطعة بين ما يحدث للرجل والمرأة خلال الطبيعة وبين ما يتم كحالة مرضية، فالحلة الأولى لا تتطلب تقديم ذبائح ولا تكفير عن خطية وإنما يكتفي بغسل جسده وثيابه أو أي متاع اضطجع عليه الإنسان، أما الحالة الثانية فهي حالة مرضية تحتاج إلى تدقيق صحي لذا تطلبت الشريعة تقديم ذبائح للتكـفير.

عن الإنسان.

ثالثًا: السيل الذي يُصيب الرجل أو المرأة يحمل رمزًا للنفس التي بلا ضابط، الساقطة تحت الشهوات الدنسة... لذا يحتاج الأمر إلى تلاق مع القدوس الذي لمسته المرأة نازفة الدم، هذا الذي لم يستنكف منها إذ لا يقدر الدنس أو النجاسة أن يلحق به إنما توقف الدم وبرئت المرأة خلال الإيمان به.

الأعداد 1-15

2. الحالة المرضية عند الرجل:

أ. تبدأ هذه الشريعة بالرجل المصاب بمرض تناسلي، فيحدث قذف مستمر للحيوانات المنوية أو احتقان... فقد حذرت الشريعة حتى لا يمس أحد فراشه، ولا يجلس أحد على متاعة الذي يجلس عليه، ولا يمس الشخص نفسه أثناء مرضه، ولا حتى بصاقه، ولا يركب موضعه على دابة... وإلاَّ حُسب الإنسان نجسًا حتى المساء ويلزمه أن يغسل ثيابه ويغتسل.

هذا الإجراء وقائي ضد العدوى من الأمراض التناسلية، إذ كما نعلم أن بعض هذه الأمراض شديدة العدوى، يمكن أن تنتقل خلال لمس المريض أو ثيابه أو الأدوات التي يستخدمها. أما بقاء الشخص نجسًا طوال اليوم حتى المساء، أي حتى يبدأ يومًا جديدًا، إنما يعني أن من يتلامس مع الخطية ويتدنس بالشر لن يتقدس طوال حياته مادام مرتبطًا بالدنس حتى يبدأ مع الرب يومًا جديدًا فيه يترك الماضي وينطلق نحو حياة أفضل. أما غسل ثيابه واغتسال جسده، فيعني حاجته إلى الطهارة الخارجية (الثياب) والطهارة الداخلية (الجسد المختفي في الثوب).

مادمنا في العالم، إذ نحيا في الجسد، نتعرض للتلامس مع الخيطة، لذا يليق بنا أن نتمتع بغسل ثيابنا وأجسادنا بدموع التوبة فنحيا في نقاوة الخارج مع الأعماق الداخلية.

ب. هذا بالنسبة لمن يلمس المريض أما بالنسبة لما يستخدمه المريض، فسريره يُحسب نجسًا لا يجوز أحد أن ينام عليه، ومتاعه الذي يجلس عليه دنسًا لا يجوز أن يجلس عليه إنسان طاهر، وبصاقه دنسًا، وما يوضع على حيواناته التي يمتطيها تحسب دنسه، والإناء الخزفي الذي يستخدمه يستحق الكسر، أما الخشبي فيُغسل بماء‍‍! هكذا تفعل بنا الخطية إذ تدنس حياتنا الداخلية وتصرفاتنا فيصير نومنا وجلوسنا وسيرنا وأدوات طعامنا دنسة!

الإنسان الطاهر حتى في نومه يقول: "أنا نائمة وقلبي مستيقظ" (نش 5: 2)، فإن.

نام بجسده لكنه متيقظًا بقلبه وفكره، لا يستطيع الشرير أن يمسه بالدنس، أما الخاطئ فإنه وإن تيقظ جسديًا لكنه يكون دنسًا بفراشه الداخلي خلال اتحاده مع الشر وإرتباطه بالدنس.

ما نقوله عن سرير الشرير أو نومه، نقوله عن متاعه أو جلوسه وكل ممتلكاته وتصرفاته. فإن كان السرير يُشير إلى خمول الشرير روحيًا وإتحاده الخفي مع الشرير كما يتحد الرجل بإمرأته خلال سرير الزوجية، فإن المتاع الذي يجلس عليه يُشير إلى حب السلطة والتمتع بالكراسي الأولى، فإن نال الشرير مركزًا حتى ولو كان دينيًا فالمركز لا يشفع فيه بل يدينه. جلوسه على كراسي المسئولية والتعليم يعرضه لدينونة أعظم. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا أستطيع أن أحمل الكهنوت مسئولية شرور الكهنة، وإلاَّ كان هذا جنونًا منيّ، فالعاقلون لا يلومون السيف الذي في يدّ المجرم ولا الخمر بالنسبة للسكير ولا القوة بالنسبة للمغتصب ولا الشجاعة بالنسبة للمتهور، بل يلقون باللوم على إساءة إستخدام العطايا الممنوحة لهم من قبل الله[206]].

أما عن بصاقه الذي يُحسب دنسًا فيُشير إلى تعليم الهراطقة الدنس، إذ ينبغي علينا أن نهرب منه كما من بصاق دنس، ونغتسل من أفكارهم المحطمة للإيمان. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يجب أن نحرم العاقد الهرطوقية التي نجدها عندهم، أما الأشخاص فيجب أن نرحمهم تمامًا ونصلي من أجل خلاصهم[207]].

أما ما يوضع على حيواناته التي يمتطيها مثل السرج والحداجة فتُشير إلى ما يتعلق بجسده من طاقات وأحاسيس، إذ تُحسب دنسة بسبب شره الداخلي.

الإناء الخزفي أو الخشبي الذي يأكل فيه يحسب نجسًا، فإن كان خزفيًا يكسر وإن كان خشبيًا يُغسل بماء فيطهر. كسر الإناء الخزفي يُشير إلى ضرورة إماتة الشهوات الجسدية، أما غسل الخشبي فيُشير إلى تقديس الجسد بطاقاته وعوطفه وأحاسيسه. فإن كان يجب أن نموت عن خزفنا أي فكرنا الترابي إنما لا ليهلك الجسد وإنما لكي يتقدس لحساب مملكة الرب، وكما يقول الرسول بولس: "لا تملكن الخطية في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته، ولا تقدموا أعضاءكم آلات إثم للخطية" (رو 6: 12 - 13). إذن ليُكسر ما هو خزفي (ترابي) فينا، وليُغسل ما هو خشبي ليصير معينًا للنفس في جهادها الروحي.

في اختصار يمكننا أن نقول أن الرجل المصاب بهذا المرض يُشير إلى الخاطئ.

الذي يفقد حياته ويدنس جسده بكل أحاسيسه وعواطفه وطاقاته ويكون سبب تعب لمن هم حوله، يرون في مرقده وفي مجلسه كما في أكله وشربه دنسًا فيهربون منه. إنه مع الفارق كيونان وهو هارب من الخدمة من وجه الرب، أساء إلى كل من حوله، بسببه اضطرب البحر وهاجت الأمواج وثارت الرياح وفقد النوتية مئونتهم وسلامهم... وصار كل ما حوله في فقدان بسبب تحوله عن وجه الرب! وعلى العكس إذ كان يوسف مع الله كان بركة حتى لبيت سيده وفي وسط السجن وفي بيت فرعون وأنقذ والدهم وإخوته وتمجد في هذا العالم كما يتمجد في الحياة الأبدية.

ج. إن شفى الإنسان من هذا المرض يبقى تحت الفحص سبعة أيام حتى يتأكد الكاهن من شفائه، ثم "يغسل ثيابه ويرحض جسده بماء حيّ فيطهر، وفي اليوم الثامن يأخذ لنفسه يمامتين أو فرخي حمام ويأتي إلى الرب إلى باب خيمة الإجتماع ويعطيهما للكاهن فيعملهما الكاهن الواحد ذبيحة خطية والآخر محرقة ويكفر عنه الكاهن أمام الرب من سيله" [14]. هذا الطقس التطهيري كثيرًا ما تحدثنا عنه في الأصحاحات السابقة، لهذا أكتفى هنا بإبراز الخطوط الرئيسية لهذا الطقس، وهي:

أولاً: الحاجة إلى إغتسال الثياب كما الجسد بالماء الحيّ أي ماء جارٍ من نهر أو من ينبوع أو بئر مستخدمة غير راكدة... إشارة إلى حاجتنا للتقديس الداخلي (الجسد) والخارجي، وغسلنا في مياه المعمودية لنوال تجديد طبيعتنا بالروح القدس.

ثانيًا: مادمنا في الأيام السبعة الأولى لا نقدر أن نقدم الذبيحة، إنما ننتظر اليوم الثامن، بمعنى أننا مادمنا نعيش خاضعين للزمن (سبعة أيام) لا نقدر أن ننعم بذبيحة ربنا يسوع، لكي إذ يرفعنا الروح القدس إلى اليوم الثامن أي إلى الحياة المقامة في الرب ننعم بالذبيحة السماوية ونتمتع بالدخول إلى حضرة الرب وسكني بيته السماوي.

ثالثًا: إن كان الإنسان يتمتع بالتطهير كعطية شخصية توهب له من قبل ربنا، لكنه ينالها خلال عضويته الكنسية، إذ قيل "يأتي إلى الرب إلى باب خيمة الإجتماع"، فما يناله من تطهير أو تقديس إنما يفرح الجماعة كلها بكونه عضوًا فيها، آلامه آلامها وأفراحه أفراحها!

رابعًا: يقدم الكاهن عنه ذبيحة خطية وذبيحة محرقة معًا... فلا يكفي لطهارته من دنس السيل أن يتمتع بذبيحة الخطية حيث ينال الغفران عن خطاياه إنما يجب أيضًا أن ينعم بذبيحة المحرقة حيث يقدم حياته ذبيحة طاعة ومحرقة حب للآب في المسيح يسوع. بمعنى آخر إن كانت ذبيحة الخطية تعني الجانب السلبي وهو انتزاع الشر، فذبيحة المحرقة تمثل الجانب الإيجابي وهو ممارسة البر. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تنقسم الفضيلة إلى أمرين: ترك الشر وعمل الخير. الإنسحاب من الشر ليس كافيًا لبلوغ الفضيلة، وإنما هو بداية الطريق الذي يقود إليها. لا تزال تبقى هناك حاجة لنشاط عظيم[208]].

الأعداد 16-18

3. الحالة الطبيعية للرجل:

بعد أن عالج تطهير الحالة المرضية عند الرجل تحدث عن حالتين طبيعيتين عند الرجل أيضًا:

أولاً: الإحتلام أو "عارض الليل" (تث 33: 10)، والأمر لا يحتاج إلى تقديم ذبائح تكفير إنما فقط إغتساله وغسل ثيابه والمتاع الذي كان مضطجعًا عليه [16 - 17]. والكنيسة تعتبر الإحتلام فطرًا فلا يجوز للشخص المحتلم التمتع بسرّ التناول في ذلك اليوم.

ثانيًا: المعاشرة الزوجية، والأمر لا يحتاج إلى استحمامهما، ويحسبان نجسان طوال النهار كالمحتلم فلا يدخلان بيت الرب ولا يمسان المقدسات.

الأعداد 19-24

4. الحالة الطبيعية للمرأة:

يقصد بالسيل هنا المرض الشهري "فترة الطمث"... وقد حسبها نجسة لمدة سبعة أيام لكي تتمتع بفترة راحة جسدية، وقد منع العلاقات الزوجية في تلك الفترة، ربما لسببين: أولاً لأجل راحة الزوجة في فترة تعبها، وثانيًا لكي يقدس العلاقات الزوجية فلا تكون عن شهوة غير مضبوطة خاصة وأن المرأة لا تحمل في هذه الفترة، فتكون العلاقة خارج هدف الإنجاب.

الأعداد 25-33

5. الحالة المرضية للمرأة:

يقصد بها النزف المستمر... وقد حسبها نجسة مادامت تنزف، حتى تدرك خطورة الموقف وتهتم بالعلاج.

إذا شفيت تبقى تحت الفحص سبعة أيام وتقدم ما يقدمه الرجل عند التطهير من سيله، وفي اليوم الثامن (راجع الحالة الأولى).

الباب الرابع.

يوم الكفارة العظيم.

ص 16.

يوم الكفارة العظيم.

إن كانت بعض الشعوب قد تعرفت خلال التقليد على الذبائح الدموية، إذ تسلموها عن نوح وبنيه الثلاثة، وقد شوهوا مفاهيمها وغايتها، لكن الشعب اليهودي قد أنفرد بطقس "يوم الكفارة العظيم" الذي عبثًا نجد ما يشبهه لدى أي شعب آخر.

كان لهذا اليوم أهميته الخاصة عند اليهود، وله طقسه الفريد، يقدم لنا مفاهيم رائعة عن ذبيحة السيد المسيح وعملها الكفاري كما كشف لنا القديس بولس الرسول في الأصحاح التاسع من رسالته إلى العبرانيين.

قبلما أتعرض لتفسير الأصحاح السادس عشر من سفر اللاويين الخاص بهذا اليوم الفريد وددت أن أسجل بعض الملاحظات عن هذا اليوم من جهة أهميته وغايته والاستعداد له وطقوسه.

أهميته:

كان لأهمية هذا اليوم وشهرته عند اليهود أن علماء التلمود دعوه "اليوم"، لعله كما جاء في (عب 7: 27)، وأيضًا كما قيل "الصوم" في سفر الأعمال (27: 9)، إذ لا يحتاج إلى تعريف. لعلهم كانوا يتطلعون إليه كما نتطلع نحن إلى يوم "الجمعة العظيمة" بكونه يوم الكفارة العظيم، الذي فيه نرى رئيس كهنتنا الأعظم يشفع بدمه الثمين عن العالم كله، ليدخل بمؤمنيه منهم إلى سماء السموات، فيكون لهم موضع في حضن أبيه السماوي، أو لعله يمثل يوم عماد السيد المسيح الذي فيه أدخلنا إلى التمتع بالسماء المفتوحة خلال اتحادنا مع الآب في إبنه المدفون في مياه المعمودية القائم من الأموات وتمتعنا بالبنوة بروحه القدوس.

وتظهر أهميته أيضًا من دعوته "سبت السبوت" أو "سبت الراحة"، وكأن فيه تتحقق الراحة التامة بكونه "عيد الأعياد". يظهر ذلك بارتباطه بعيد المظال الذي يُحسب خاتمة السنة اليهودية الدينية حيث يقيمون فيه فرحهم بالحصاد وشكرهم لله في الخامس عشر من الشهر السبتي أو السابع آخر شهورهم، يسبقه "يوم الكفارة العظيم" في اليوم العاشر حيث يعلن كمال المصالحة بين الله وشعبه، وتقديس كل الجماعة لكي تتهيأ للفرح الكامل وتقدر أن تقدم ذبيحة شكر لله في عيد المظال. وإن عرفنا أن عيد المظال قد صار فيما بعد رمزًا لضم الأمم للعضوية في الكنيسة المقدسة، يكون يوم الكفارة (الصليب) هو الطريق الذي فيه تم هذا العمل العظيم. هذا ويليق بنا أن نذكر أن السنة اليوبيلية، سنة التحرر الكامل "كانت تعلن لنا دائمًا في يوم الكفارة" [209].

إن الاحتفال بهذا اليوم في العاشر من الشهر السبتي إنما يُشير إلى الكمال (رقم 10) الذي به يتحقق تقديس الشهر السبتي أو الشهر المقدس.

ولأهمية هذا اليوم كان شيوخ السنهدريم السبعون يدربون الكهنة الجدد على طقوسه وتحفيظهم جميع الأمور المتعلقة به.

هذا وسنرى خلال طقوسه الفريدة التي يمارسها رئيس الكهنة بنفسه خلال تطهيرات مستمرة غير منقطعة مع صوم الشعب اليوم كله كيف يكشف عن دور هذا اليوم في حياة الشعب القديم وما حمله إلينا من رموز روحية نبوية تمس علاقتنا بالله وخلالصنا الأبدي.

غايته:

"كفارة" في العبرية "كبوديت"، تعني "تغطية" أو "ستر"، إذ في هذا اليوم تغفر الخطايا ويستر على الإنسان بالدم الثمين، فيكفر رئيس الكهنة عن نفسه وعن الكهنة وعن كل الجماعة بل وعن الخيمة وكل محتويتها تكفيرًا عامًا وجماعيًا عن كل ما سقطت فيه الجماعة ككل أو كأعضاء طوال العام. تختم شريعة هذا اليوم بالقول: "ويكفر الكاهن الذي يمسحه... ويكفر عن مقدس القدس، وعن خيمة الإجتماع والمذبح يكفر، وعن الكهنة وكل شعب الجماعة يكفر، وتكون هذه لكم فريضة دهرية للتكفير عن بني إسرائيل من جميع خطاياهم مرة في السنة" [32 - 34].

الاستعداد ليوم الكفارة:

كان رئيس الكهنة وحده يقوم بخدمة ذلك اليوم في طقس طويل بعد استعداد طويل، يساعده أكثر من خمسمائة كاهن[210]. كان رئيس الكهنة يقضي السبعة أيام السابقة ليوم الكفارة في حجرة داخل الهيكل خارج بيته. وفي مدة هيكل سليمان كان شيوخ السنهدريم يلازمونه ويقرأون عليه أوامر الرب الخاصة بهذا اليوم مرارًا وتكرارًا. وكان يستظهرها حتى يحفظها جيدًا ويتدرب على أدائها... وفي الليلة السابقة لليوم كان رئيس الكهنة يظل مستيقظًا حتى الصباح حتى لا يتعرض لحلم أو عارض ليل يدنس جسده، وكان الكهنة والشيوخ حوله حتى لا يغفل أو ينعس.

ولما كان رئيس الكهنة يقوم بالخدمة وحده دون أن يراه أحد في قدس الأقداس، لذلك كان الكهنة والشيوخ يستحلفونه هكذا: "نستحلفك بمن أسكن اسمه في بيته أنك لا تغير شيئًا من كل ما نقوله لك".

طقوس يوم الكفارة.

يقوم رئيس الكهنة بأربع خدمات:

أ. خدمة الصباح اليومية أو الدائمة على مدار السنة، وهي خاصة بالكهنة، لكنه في هذا اليوم يقوم بها رئيس الكهنة بنفسه.

عند منتصف الليل تُلقى قرعة ليقوم الكهنة برفع الرماد عن المذبح حتى لا تقدم ذبائح يوم الكفارة على رماد قديم، ولتمييز هذا اليوم عن الأيام العادية[211]. ثم يأخذون رئيس الكهنة إلى المغسل لغسل جسده ثم يغسل يديه ورجليه. يذكر التقليد اليهودي أن رئيس الكهنة يغتسل 5 مرات في هذا اليوم وعشر مرات يغسل يديه ورجليه، وأنه لا يغتسل في الحمام العادي وإنما في إناء ذهبي مخصص لهذا الغرض. هذا وإن كان شيخًا يحتاج إلى مياه دافئة، يسكبون في الإناء ماءً ساخنًا للتدفئة أو يضعون في المياه حديدًا ساخنًا لذات الغرض.

يلبس رئيس الكهنة الملابس الفاخرة التي للمجد والبهاء (خر 28)، ويدخل القدس ويصلح السرج ويرفع البخور، ثم يقدم المحرقة الدائمة خروفًا حوليًا مع تقدمة عشر من الدقيق الملتوت بربع الهين من الزيت المرضوض وسكيبه ربع الهين من الخمر (خر 29: 38 - 42)، وكانت هذه تضاعف إن كان اليوم سبتًا (عد 28: 9 - 10).

ب. خدمة الكفارة العظيم... وهي الخدمة التي وردت تفاصيلها في الأصحاح الذي بين أيدينا، نتعرض لها أثناء التفسير.

ج. خدمة تقديم الذبائح الإضافية المقررة لهذا اليوم (عد 29: 7 - 11) حيث يُقدم رئيس الكهنة محرقات إضافية وهي ثور وكبش وسبع خراف حولية وتقدمتها ثلاثة أعشار دقيق ملتوت بالزيت عن الثور وعشران عن الكبش وعشر عن كل خروف، وسكائبها من الخمر نصف الهين عن الثور وثلث الهين عن الكبش وربع الهين عن الخروف الواحد. كما يقدم ذبيحة خطية أخرى من تيس من المعز.

د. خدمة المساء اليومية أو الدائمة تماثل خدمة الصباح، يقوم بها رئيس الكهنة بملابسه الفاخرة.

السيد المسيح والكفارة:

إذ حمل كلمة الله جسدنا جاء إلينا في عالمنا ليعيش في وسطنا وكأنه قضى عامًا يختمه بيوم الكفارة العظيم، فيكفر عن خطايانا ويحملنا إلى حضن أبيه، مستشفعًا فينا كرئيس الكهنة السماوي لا خلال دم ثيران وتيوس بل بدمه.

يقول العلامة أوريجانوس: [تأمل أن الكاهن الحقيقي هو الرب يسوع المسيح (عب 4: 14) الحامل الجسد كمن يقضي عامًا كاملاً مع شعبه، إذ يقول بنفسه: "روح السيد الرب عليّ لأن الرب مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأعصب منكسري القلب، لأنادي المسبيين بالعتق وللمأسورين بالإنطلاق، لأنادي بسنة مقبولة للرب" (إش 61: 1 - 2). في هذه السنة دخل في يوم الكفارة مرة واحدة إلى قدس الأقداس (خر 30: 10) عندما أكمل رسالته وصعد إلى السموات (عب 4: 14) عن يمين الآب، لحساب الجنس البشري، يشفع في كل المؤمنين به. يتحدث الرسول يوحنا عن هذه الكفارة التي لحساب البشر فيقول: "يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا، وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا" (1 يو 2: 1 - 2). ويعلن القديس بولس الرسول أيضًا عن هذه الكفارة بقوله عن المسيح: "الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره" (رو 3: 25).

إذ يمتد يوم الكفارة حتى الغروب، أي حتى نهاية العالم، نقف أمام الباب ننتظر كاهننا الذي تأخر داخل قدس الأقداس، أي أمام الآب (1 يو 2: 1 - 2) يشفع في خطايا الذين ينتظرونه (عب 9: 28). لكنه لا يشفع في خطايا الجميع، إذ لا يشفع فمن هم من طرف التيس المرسل في البرية (لا 16: 9 - 10) بل الذين هم من طرف الرب وحدهم، الذين ينتظرونه أما الباب، لا يفارقون الهيكل عابدين بأصوام وطلبات ليلاً ونهارًا (لو 2: 37).

أتظن أنك وأنت تأتي إلى الكنيسة في يوم العيد بكل أناقة (وترف) دون الإصغاء إلى الصوت الإلهي ولا مراعاة لوصاياه أنك من طرف الرب؟! إنيّ أود أن تسمعوا هذا وتجتهدوا لا في الإنصات لصوت الله في الكنيسة فحسب وإنما في ممارسة كلام الله في منازلكم، واللهج في ناموس الرب ليلاً ونهارًا (مز 1: 2)... هذا هو بالحق الإنتظار أمام باب الكاهن الذي يتأخر داخل قدس الأقداس، به نُحسب من نصيب الرب[212]].


[206] الحب الرعوي، ص193.

[207] Anatole Moulard: Sainte Jean chrysostome, so vio, son oeurre, 1949, p. 138.

[208] In Thess, hom. 5.

[209] Edersheim, p. 304, 305.

[210] Ibid, p. 307.

[211] Ibid 309.

[212] In Lev. hom 9: 5.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

الأصحاح السادس عشر - سفر اللاويين - القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الرابع عشر - سفر اللاويين - القمص تادرس يعقوب ملطي