الفصل التاسع الصحراء العامرة – سياحة القلب – القمص أشعياء ميخائيل

هذا الفصل هو جزء من كتاب: سياحة القلب – القمص أشعياء ميخائيل.

إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

الفصل التاسع الصحراء العامرة

«لأنى مت بالناموس للناموس لأحيا لله. مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فىّ. فما أحياه الآه فى الجسد فإنما أحياه فى الايمان ايمان ابن الله الذى أحبنى وأسلم نفسه لأجلى. لست أبطل نعمة الله. لأنه إن كان بالناموس بر فالمسيح إذن مات بلا سبب».

غل 2: 19 - 21.

أولاً – الرهبنه:

1 - الرهبان:

إن أسمى شئ هو طقس الرهبان الذين تنقوا بالتطهير الكامل عن طريق القوه الكامله والطهارة المطلقة وكل نشاطها. وهم يأخذون القدره على التأمل مع الرؤيه الروحيه والاشتراك فى كل سر مقدس مسموح لهم به [يقصد هنا الاشتراك فى سر التناول من جسد الرب ودمه] وهم يسلكون حسب القوه الكامله لأوامر الأباء الاساقفه. ويتصرفون حسب إستنارتهم الالهيه وتقاليدهم المقدسه فى الطقوس الالهيه التى يمارسونها فى الوقت المناسب. إن قادتنا الروحيين يحسبون هؤلاء الرهبان مستحقين لكل إكرام. البعض يطلق عليهم المكرسين لله والبعض الآخر يطلق عليهم الرهبان بسبب طهارة طقسهم وإنتمائهم لله من أجل حياتهم المتحده غير المنقسمه. فهم متحدون بالرباطات المقدسه لممارساتهم المختلفه التى توحدهم وتكملهم فى الحب الالهى. ولذلك فإن القانون الالهى قد وضع عليهم النعمة الكاملة وحسبوا مستحقين للتقديس والتكريس.

القديس ديونسيوس الأريوباغى.

قال أحد الأباء[66]:

دعنا نستعد – نحن الرهبان – كأننا تقدمات مقدمه كثمار للملك فى صوم وصلاة. دعنا نحرس العربون فى طهارة حتى يعطينا الثقه أن نملك على جميع كنوزه. لأن كل من يغش عربون طهارته فإن سوف يمنع من الدخول إلى كنوز الله. دعنا نكون حريصيين على أجسادنا التى هى أجساد المسيح حتى تقوم أجسادنا إلى قيامة الحياة عند سماع صوت البوق الأخير. دعنا نعد هدية عرسنا ليوم العرس. دعنا نذهب لكى نتلاقى معه بفرح دعنا نلبس اللباس المقدس حتى نكون فى مكان المختارين لأن الذى لا يلبس لباس العرس سوف يطرح فى الظلمة الخارجية. والذى يعتذر عن العرس فإنه لن يذوق الاحتفال. الذى يحب المال والاملاك فإنه سوف يطرح بعيداً عن مدينة القديسين. الذى لا يثمر فى الركم فإنه سوف يقلع ويرمى فى العذاب. والذى أخذ مالاً [موهبة] من سيده فأنه يجب أن يرجعه مع الفائدة والمكسب. والذى يريد أن يصير تاجراً فعليه أن يشترى الحقل والكنز الذى فيه. والذى يأخذ البذار الجيدة فعليه أن ينقى أرضه من الأشواك. ومن يرغب أن يصير صياداً فإنه يجب أن يلقى شبكته كل وقت. والذى يتدرب على التجارب يجب أن يحفظ نفسه من العالم. ومن يريد أن ينزل إلى المعركه فعليه أن يأخذ الدرع حتى يستطيع أن يقاتل وليطهر نفسه كل حين. والذى قد أخذ شكل الملائكة [الرهبنه] فإنه يجب أن يصير غريباً عن البشر. والذى قد أخذ على نفسه أن يحمل نير القديسين يجب أن ينزع عنه الأخذ والعطاء. الذى يحب البتوليه فليصر مثل ايليا. من حمل نير القديسين فليجلس. ويصمت. من يحب السلام فلينظر إلى سيده كرجاء الحياة.

قال أحد الأباء[67]:

هل جئت لكى تحارب ضد الأعداء الروحيين؟ ألم تأتِ إلى هنا لكى تحارب ضد شهواتك؟ ولأى سبب جئت لكى تأخذ مكانك وسط جنود المسيح [الرهبان]؟ هل جئت لكى تأخذ كرامة وتدفع ما يدفعه الآخرون وتجلس على نفس المائدة وتأكل وتشرب وتمتلئ من نفس الأطعمة؟ إذا كان هذا ما تفكر فيه فالويل لك فى يوم الدينونة حينما يأتى المسيح لكى يحاسب كل أحد حسب ما فعله «فإن ابن الانسان سوف يأتى فى مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازى كل واحد حسب عمله» مت 16: 27.

إنه سوف يطلب عندئذ من رهبانه الذين كرسوا أنفسهم له أمام شهود كثيرين النذور التى وعدوا أن يتمموها حين مثلوا أمام الهيكل المقدس والملائكة المقدسين. فأى جواب يجب أن يقدموه؟ أليس هذا هو ما إقتربنا بسببه إلى الهيكل المقدس وإلى الاجتماع المقدس؟ أليست هذه هى الرغبه لممارسة الحياة الرهبانية والطريق الملائكى؟ وأى إجابه ستقدمها لذلك السؤال؟ نعم أن أباءنا المرشدين يقولون لنا [نحن الرهبان]: إنكم قد حضرتم لكى تصيروا خداماً للمسيح الملك فهل أعددتم أنفسكم للتجارب. إعلموا ان الاعداء منذ الآن يحركون كل رذيله ضدكم فيجب أن تكونوا جياعاً وعطاشاً ومحتملى البر ومحتقرين ومرذولين ومصفوعاً على وجوهكم ومسخراً منكم ومحتملين لكل الالام التى حسب مشيئة الله. ألم تعد الله أن تتألم من أجله وتحتمل كل الأشياء. نعم أيها الراهب ما هو مدى إحتمالك للتجارب؟ ألم تقبل أمام الله والملائكة أن تخضع لضبط النفس والسهر والصلاة والطاعة حتى الموت لرؤسائنا ولكل الجماعة؟

قال أحد الأباء[68]:

يجب أن نسلك فى الطريق الوسطى لأن كتابات القديسين تشهد أن الطريق الوسطى لا سقوط فيها. والوقت المناسب للسلوك فى الطريق الوسطى هو بعد أن ننال الحكمة فى خدمة الآخرين فى المجمع وحياة الشركة.

ولقد علمنا يوحنا الدرجى أنه يوجد ثلاث درجات عاليه من الحياة الرهبانية، الأولى هى حياة الوحدة والثانية هى الحياة مع أخ أو أخين آخرين مع ممارسة الصمت والثالثة هى حياة الشركة. والطريق الوسطى هى الحياة مع أخ أو أخين مع ممارسة الصمت وهى الأكثر عمليا لأنه من الخطر أن يحيا الانسان فى الوحده إذا ما حورب بالضجر أو هزم بالنوم أو اليأس أو الكسل لأنه لا يوجد أخ يقيمه. وقد اعتمد يوحنا الدرجى على كلمات الرب يسوع المسيح أنه يكون فى الوسط حيثما يجتمع باسمه إثنان أو ثلاثه.

2 - الهروب من العالم:

إن الفرق بين المسيحيه وبين أهل العالم هو ليس فى اللغة أو العادات أو الاقامة فى أماكن معينه، ولكن هو فى الاحساس بالغربه. لأن المسيحين يعيشون فى أراضى أبائهم ولكن كغرباء مؤقتين. فهم يشتركون فى كل شئ. كمواطنين بينما يحتملون الصعاب التى للغرباء. وكل مكان غريب هو أرض أبائهم وأرض أبائهم هى كل مكان غريب. فهم مثل الآخرين يتزوجون وينجبون ولكنهم لا يفتخرون بأولادهم. وهم يتركون فراشهم ليكون مأوى للغريب وكأنهم لا يمتلكون هذا الفراش. لهم نصيب فى الثروه الجسديه ولكنهم لا يحيون حسب الجسد. هم يطيعون القانون الوضعى ولكن فى حياتهم الخاصة يتجاوزون ذلك القانون. هم يحبون كل البشر حتى الذين يضايقونهم. وهم لا يحبون الشهره ويبذلون حياتهم حتى الموت ولكنهم يحصلون على الحياة. هم فقراء ولكنهم يغنون كثيرين. هم معوزون ولكنهم أغنياء فى كل شئ. هم محتقرون ولكن فى إحتقارهم ممجدون. إن سمعتهم مشوهه ولكنهم مبررون. يشتمون ولكنهم يباركون. يهانون ولكنهم يكرمون من يهينونهم. وبينما هم يصنعون حسناً فإنهم يعاقبون كفاعلى شر. وحينما يعاقبون هكذا فإنهم يفرحون كأنهم رجعوا إلى الحياة. إن جماعة اليهود قامت وحارتهم كغرباء [يقصد مسيحيى القرن الأول] واضطهدوا من اليونانين ولكن الذين كرهوهم قد خسروا بسبب عداوتهم.

الرسالة إلى ديوجنيتوس.

حينما يكون ضرورياً لأذنك أن تنسحب من العالم وتطهر نفسك فاعلم أولاً ما هو المقصود بالعالم؟ إن كلمة العالم كلمة شامله فهى تحوى أولاً الشهوات. وحين تتحدث عن الشهوات بصفه عامه فإننا نطلق عليها العالم ولكن حين نريد أن نتحدث عن الشهوات وفقاً لأسمائها المختلفه فإننا نقول الشهوات.

فإذا عرفت ماذا تعنى كلمة العالم فإنه بالافراز تعرف كل ما يدخل ضمنه. فإنك تعرف ما هى القيود التى تربطك بالعالم وما هى تلك التى تحررت منها. وسأقول لك بأختصار إن العالم هو الحياة الجسديه والارتباط الجسدى. ولذلك فإن الانسان يتحرر من العالم حينما يتحرر من كل هذه الشهوات.

مار اسحق السريانى.

إن العالم بالنسبه للمسيحين هو نوع خاص هو حياتهم المميزه وتفكيرهم وكلامهم أفعالهم التى تختلف تماماً عن أهل هذا العالم. فهناك فرق شاسع بين المسيحين وبين أهل العالم. إن أهل هذا العالم نجدهم دائماً مشغولين بالاهتمامات الأرضية والرغبات وكل الاهتمامات الماديه. أما بالنسبه للمسيحين فإنهم يعيشون فى عالم آخر ويأكلون من مائدة أخرى ويلبسون ملابس مختلفه ويتحدثون أحاديث مختلفه ولهم عقل مختلف وبسبب هذا فهم يتفوقون على سائر البشر. وبسبب هذه القوه فهم معتبرون مستحقين للفرح فى أنفسهم خلال الروح القدس. ولذلك فإن أجسادهم فى القيامة سوف تصير مستحقه أن تأخذ البركه الابدية التى للروح القدس. وسوف يحصلون على ذلك المجد الذى إختبرته نفوسهم فى هذه الحياة.

القديس مكاريوس.

قال أحد الأباء[69]:

1 - دعنا نهرب أيها الأخوه من هذا العالم ومن الأشياء التى فيه [1يو 2: 15] لأنه أى شئ تمتلكه فى هذا العالم؟ وماذا يمتلك أهل العالم؟ دعنا نجرى ونهرب حتى نمسك الأشياء الأبديه التى لا تتبدد قط لأن كل الأشياء سوف تفنى وتزول مثل الاحلام ولن يدون أى شئ من الأشياء المرئيه. الشمس والنجوم والسماء والأرض وكل الأشياء سوف تفنى. كل الأشياء التى يمتلكها الانسان سوف تتبدد. ولكن ما هى الفائدة التى نأخذها من الأشياء المرئيه حين نترك هذا العالم ونرجع إلى موضع الراحه التى فى العالم الآخر ونترك كل هذه الأشياء خلفنا؟ وإذا كانت الأشياء سوف تتبدد فإنه ماذا يفيدنا حينما نرحل ونترك الجسد الميت؟ حينما تترك النفس الجسد الذى كانت تحيا فيه فأنها تبصر جيداً الأشياء غير المرئيه ولا يكون لها أى اهتمام بالأشياء المرئيه التى هنا ووفقاً لاستحقاق النفس حسب أعمالها فى هذه ا لحياة فإنها تأخذ من الله إحدى الحياتين إما الملكوت والسماء والمجد الأبدى وإما العكس الجحيم والعقاب الأبدى.

2 - ولكن ما هو العالم؟ وما هى الأشياء التى فى العالم؟ إنصت!! إنها ليست الذهب والفضة والحيوانات. لأن كل هذه الأشياء تخدم إحتياجاتنا الجسديه التى نحن أنفسنا نمتلكها. أنها ليست اللحم والخبز والشراب لأننا نتناول هذه الأشياء ونأكلها باعتدال. إنها ليست المنازل والحقول والأراضى المملوكه والكروم لأن الأديره الكبيره والصغيره تحتوى على كل هذه الأشياء. ولكن ما هو العالم؟ إنها الخطيه يا إخوتى والتعلق بالأشياء والشهوات. ولندع القديس يوحنا اللاهوتى حبيب المسيح [يو 13: 23] يتحدث عن الأشياء التى فى العالم فيقول «لا تحبوا العالم ولا الأشياء التى فى العالم. إن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الآب» 1يو 2: 15 فنحن الذين تركنا كل العالم خلفنا وهربنا منه وصرنا عرايا لا يجب أن نهتم ثانيه بهذه الأشياء وإلا فما الذى يفيدنا عندئذ من هروبنا من العالم؟ من أى مكان قد جئنا ولأى مكان قد وصلنا إذا كنا سنجد نفس الأشياء التى تركناها؟ إن الأشياء موجوده فى كل مكان ونحن نستعملها. ولكن إن كان لدينا شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشه فكيف نستطيع أن نهرب من أى نوع من الخطيه دون أن نلدغ منها؟ فإن الذى يسقط فى الغضب يجب ألا يبقى فيه. والذى يتذمر فى دفاعه عن نفسه يجب ألا يبقى أى شئ فى قلبه بما يفكر به. والذى يطلب أن يتبرر فى نفسه يجب أن يموت عن العالم فى تدبيره الداخلى. والذى وصل إلى هذه الدرجة يجب أن يطلب بنشاط وغيره ألا يشفق على جسده. ولكن الذى قد وصل إلى ذلك فهو فى كل حين يصنع هكذا.

ثانياً – الاستشهاد:

قال أحد الأباء[70]:

ما أعظم وأروع إستشهاد يسوع الذى تم على الصليب. إنه يفوق الآم كل الذين سبقوه والذين سيلحقونه أيضاً. وبعد صلب يسوع جاء إستشهاد اسطفانوس الذى رجمه اليهود. إن بطرس وبولس كانا أيضاً شهيدين كاملين. وسار يعقوب ويوحنا خلف خطوات سيدهما المسيح. أيضاً كثير من الرسل بعد ذلك فى أماكن خدمتهم المقدسة إعترفوا بالايمان وقدموا استشهاداً حقيقياً. وجاء إضطهاد شديد على كنيسة الله كلها أيام حكم ديوقلديانوس وتعرضت الكنائس لضيق وإضطهاد وقدم كثير من الشهداء والمعترفين إعترافاتهم وبسط الرب رحمته عليهم بعد إضطهادهم. وفى أيامنا هذه أيضاص حدثت هذه الأشياء معنا أيضاً ولكن من أجل خطايانا ولكن يجب أن يكمل كل المكتوب الذى قاله الرب فادينا. وكما قال الرسول بولس أنه لنا سحابه من الشهود محيطه بنا [عب 11: 1] وهى مصدر كرامة لنا لأنهم إعترفوا بالايمان ثم أستشهدوا.

نحن نعرف أنه حين حثنا الرب يسوع المسيح على ترك الأوثان والالهه أن عدو الخير لم يستطع أن يقنعنا أن نقبل عبادة الأوثان ولكنه يحاول أن يثير الشياطين ضدنا ويقود الحرب ضد المؤمنين حتى يصلوا إلى الاستشهاد فهو يستمر فى قوله لنا سأعطيك كل هذه الأشياء لو خررت وسجدت لى. ليتنا ننتبه ولا نعبد الأوثان أو نطيع الشياطين. لأن أوثان الأمم هى شياطين. كم هو مريع أن نترك الحمل الخفيف الحلو الذى للمسيح ونخضع لحمل الشياطين ونحمل عبء الخطية.

إن أولئك الذين يقتلوننا هم يقتلون الجسد فقط كما هو واضح من كلام الرب «لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد» وهم حين يقتلون الجسد فإنهم لا يستطيعون ان يقتلوا النفس لانهم كيف يقتلون النفس لأن النفس تحيا بالاستشهاد؟ إن الذين يستشهدون من أجل المسيح يولدون من جديد لأن الشهيد يتحمل الشهادة عنا أمام الله والله نفسه سيكون شاهداً له فى السماء لأن قد شهد له على الأرض.

العلامة أوريجانوس.

دعنا نتحدث عن أنواع المعمودية المختلفة حتى ننال التطهير. إن موسى إعتمد فى الماء حيث السحابة والبحر كانا هما المعمودية إن البحر كان يحوى الماء والسحاب كان يحوى الروح. ثم أكل من المن الذى هو رمز لخبز الحياة. ويوحنا المعمدان أيضاً إعتمد فى معمودية التوبة. ويسوع أيضاً اعتمد ولكن فى الروح فقط وهذه هى المعمودية الكاملة لأنه بلا خطيه. ويوجد أيضاً معمودية رابعة هى معمودية الدم والاستشهاد وتلك قد مارسها أيضاً الرب يسوع المسيح نفسه. وهذه المعمودية تفوق كل أنواع المعموديات لأنها لا يمكن لأن تتدنس بعد ذلك.

القديس اغريغوريوس النازيانزى.

ثالثاً – القيادة الروحية:

1 - التوجيه [المرشد]:

إن الذين يريدون أن يخرجوا من أرض مصر ويهربوا من فرعون يحتاجون إلى مرشدين مثل موسى ليقفوا كشفعاء لهم أمام الله. وهؤلاء المرشدين يرفعون أيديهم عنا أمام الله حتى يقودونا لنعبر بحر الخطيه وننتصر على عماليق الذى يرمز للشهوات. وسبب خداع بعض الذين كرسوا حياتهم لله هو بسبب ظنهم أنهم غير محتاجين إلى مرشد. وهكذا فإن الذين خرجوا من أرض مصر يحتاجون إلى موسى كمرشد لهم. والذين هربوا من سدوم يحتاجون إلى ملاك. ان الذين خرجوا من أرض مصر يمثلون الذين نالوا الشفاء من شهوات النفس. أما الذين خرجوا من سدوم بيد الملاك فهم رمز لأولئك الذين تخلصوا من نجاسات الجسد ولذلك هم يحتاجون إلى ملاك كمساعد يتحدث معهم أو على الأقل مرشد فى مرتبة هذا الملاك. لأنه وفقاً لجراحاتنا نحن نحتاج إلى مرشد خير وطبيب.

يوحنا الدرجى.

حين يتحرك فينا الاتضاع والاحتياج الحقيقى للخلاص فإنه يجب أن نحنى رقابنا ونضع ثقتنا فى هذا المرشد كثقتنا فى الرب نفسه. وإذا كان هناك أى رذيله أو كبرياء فينا فإنه يجب أولاً أن نسأل أنفسنا ونختبر ذواتنا حتى لا نلوم القائد والمرشد ولا يكون السبب فى مرض الانسان هو الطبيب. ولكن حين ندخل فى مجال الطاعة يجب ألا ندين قط مرشدنا الصالح فى أى شئ على الاطلاق حتى لو رأينا فيه بعض الفشل البسيط لأنه هو أيضاً إنسان. لأننا لو سقلنا فى الادانه فإننا لن نستفيد منه قط فى خضوعنا.

يوحنا الدرجى.

إنه من الخطر على الجندى غير المختبر أن يدخل بمفرده أى معركة ولو كانت بسيطه. هكذا الراهب لا يستطيع أن يدخل حياة الوحده دون أن تكون له خبرة وتدريب فى الجهاد على الشهوات الحيوانيه. وأى شئ ينهزم له جسده سيقوده إلى الخطر والضرر. وكما يقول الانجيل إثنان خير من واحد. والأفضل للابن أن يكون مع أبيه ويجاهد بمعونة الروح القدس وهو مرتبط به. والذى ينحرف عن إرشاد أبيه يصير مثل الاعمى الذى يسير بلا إرشاد والقطيع الذى يمشى بلا راعى.. فالانسان التائه عن مرشده مثل الطفل البعيد عن أبيه والمريض عن الطبيب والسفينه عن ربانها. فهؤلاء هم فى خطر. والذى يحاول أن يجاهد مع الأرواح الشريره بدون معونة من أبيه الروحى فإنه سوف يقتل من تلك الأرواح.

يوحنا الدرجى.

2 - الارشاد الروحى:

قال أحد الأباء[71]:

1 - يا اخوتى اطلبوا الله كل حين حتى يكشف لكم ذلك الرجل القادر أن يقودكم حسناً. ذاك الذى يجب أن تطيعوه كما لوكان هو الله نفسه. الذى يجب أن تحملوا تعاليمه بلا تردد حتى لو بدا لكم أنه قاس ومتعب. إن الله سوف يحرك قلبك بالنعمه لكى يملأك بالثقة الكبيرة فى أبيك الروحى لتفعل ما يخبرك به حتى تخلص. إنه من الأفضل لك أن تدعى تلميذاً من أن تسلك فى رذائلك وتجمع ثمار خطاياك الناتجه عن إرادتك الخاصه. ولو تغيرت الظروف [سفر مثلاً] وأرسلك الروح القدس إلى أب آخر فلا تتردد قط لأننا سمعنا عن بولس الذى زرع وأبولوس الذى روى ولكن الله هو الذى كان ينمى [1كو 3: 6] لذلك إفعل يا أخى كما قلنا واذهب للأب الذى عينه لك الله وتحدث معه وتعامل معه كما لو كنت تتعامل مع المسيح نفسه. ولذلك أكرم اباك الروحى وتعلم منه كل ما هو نافع. إذا أخذك إلى الجبل فاصعد معه بشوق لأنك سوف تنعم برؤية المسيح على جبل التجلى حيث يلمع نوره الالهى أكثر من الشمس.

2 - يجب أن تكشف أفكار قلبك إلى أبيك الروحى لو أمكن كل ساعة وإذا لم تتمكن فلا تبقيها حتى المساء ولكن إختبر نفسك وإفحصها كل يوم وإعترف بكل ما سقطت فيه. وضع ايمانك فى أبيك الروحى بلا تردد حتى لو كان كل العالم يحتقره ويوبخه. حتى لو رأيته أنت وهو يرتكب الخطيه فلا تشك فيه وتنزع ايمانك فيه لانك تطيع ذاك الذى قال «لا تدينوا فلا تدانوا» لو 6: 37.

رابعاً – الصلب مع المسيح:

1 - التجارب:

إن الله يسمح للرجال الاتقياء أن يجربوا بأنواع متعددة من التجارب بأن يضربوا فى أجسادهم مثل أيوب الذى فقد كل ممتلكاته ولكن الشيطان لم يقترب من نفسه ولم يصبها بأى أذى. وفى الواقع إنه من المستحيل حين نسير فى طريق البر ألا نلتقى مع التجارب. ويجب على الانسان أن يقبل كل ما يأتى عليه من الالام بفرح وبدون تذمر بل يشكر الله لارساله هذه البركة وجعله يتحمل الالام من أجل إسمه. لأن الله يجعله يشترك بالامه مع الأنبياء والرسل وبقية القديسين الذين تحملوا التجارب من أجل هذا الطريق. وسواء كانت هذه التجارب من البشر أو من الشياطين أو من الجسد فيجب أن تجعلها سبباً لشكر الله. لأن الله لا يمكن أن يعلن فضائله للانسان الذى يريد أن يسكن معه إلا عن طريق التجارب التى من أجل الحق. ولا يستطيع أى انسان أن يأخذ التجارب والفرح فيها بدون نعمة المسيح.

مار اسحق السريانى.

عن طريق محبة الله التى أعلنها القديسون خلال التألم من أجل إسمه نالت قلوبهم دالة النظر إلى الله وكشفت عن قلوبهم لكى يطلبوا الله بأمل ورجاء. عظيمه هى الصلاة بداله. إن الله يدع قديسيه يجربون بكل أنواع التجارب ويجعلهم يختبرون مساعدته ومعونته التى يسكبها عليهم. فهم خلال التجارب والمحن يحصلون على الحكمه. وخلال الاختبار ينالون معرفة كل الأشياء لكى يحفظوا من خبث الشياطين. ولو أن الله إختبرهم فى ما هو صالح فقط لكان ينقصهم التدريب فى الأمور الأخرى ولصاروا عمياناً فى المعارك.

مار اسحق السريانى.

لو ان الانسان لم يختبر الالام فإنه لن يتذوق الصلاح. وكم هو مسّر إختيار المعرفه الناتجه عن الأختبار والممارسه. أى قوة تعطى للأنسان الذى نالها فى نفسه خلال الأختبار الطويل السرى. هذه الأشياء قد تعلمناها من الذين اختبروا المعونة ورأوا أهمية القوة الالهية لانهم قد عرفوا ذلك فقط حين حملوا قوة هذه المعونة والله قادهم أن يدركوا أهمية طبيعتهم وصعوبة التجارب. والتواء الاعداء حتى يدركوا ما هى التجارب وما هى طبيعتهم وكيف تحميهم القوة الالهيه وما هو تقدمهم فى الطريق وكيف رفعتهم قوة الله وكيف أنهم ضعفاء فى جهادهم ضد الشهوات حين تتخلى قوة الله عنهم. وهم يدركون الاتضاع خلال كل هذا ويقتربون إلى الله ويبدأون فى إنتظار معونة الله وثباتهم فى الصلاة. وحين يدركون كل هذا فهم يقولون مع الرسول بولس «لئلا أرتفع بفرط الاعلانات أعطيت شوكه فى الجسد ملاك الشيطان ليلطمنى لئلا أرتفع» 2كو 12: 7 فهم يختبرون المعونة الالهيه فى التجارب وعندئذ ينال الانسان الايمان الثابت وعندئذ لا يخاف شيئاً ويكون له القلب الشجاع القوى فى التجارب. مار اسحق السريانى.

إن التجارب التى تأتى للانسان الذى يسير فى طريق تختلف عن تلك التى تأتى لتهذب القلب والمنتفخ. والتجارب تعلم النفس وتقودها إلى الاحتمال الروحى. والعناية الالهيه تسمح بالتجارب لتقويه ومساعدة أولئك الذين يتألمون. وفى وسط التجارب توجد التعزيه والهزيمه، ويوجد النور والظلمه، والمعاناة والمعونه، وباختصار الضيق والسعة وهذه علامة. أن الانسان عن طريق معونة الله يستطيع أن ينال التقدم.

مار اسحق السريانى.

يوجد مصدران للمعونة وقت حمل الصليب أولهم هو صلب الجسد والثانى هو الصعود فى التأمل. الأول هو ثمرة التحرر من الشهوات والثانى هو نتيجة عمل الروح. إن العقل لن يخضع لله إذا لم يخضع الجسد للعقل. إن تاج العقل هو صلب الجسد. والعقل لن يخضع لله ما لم يتحرر من الشهوات. والذى يخضع لله فإن كل الأشياء سوف تخضع له. مار اسحق السريانى.

قال أحد الأباء[72]:

كما أن الختم لا يمكن أن يطبع فى الشمع ما لم يكن ساخناً وناعماً، هكذا الانسان لا يمكن أن يستلم ختم الله فى القداسه ما لم يختبر بالآلام والتجارب. ولهذا قال الرب لبولس الرسول «تكفيك نعمتى لأن قوتى فى الضعف تكمل» 2كو 12: 9 والضعف مقصود به هنا هجمات الاعداء التى تأتى على القديسين فى الصليب. وكل القديسين يواجهون هذه الهجمات من أجل تواضعهم. وحينما يجربون بالاحتقار فإنهم يستحقون النعمه الالهية فى ا لقداسة. وحين كانت أجساد القديسين خاضعه للتجارب والمحن والامراض فإنهم ساروا فى الطريق الروحى وإرتفعوا فوق الشهوات التى تهاجم الطبيعة البشريه كنتيجة للخطيه. ولذلك يجب أن نكمل إستشهادنا الداخلى امام الله بثقة وصبر لأنه مكتوب «إنتظاراً إنتظرت الرب فمال الىّ وسمع صراخى» مز 40: 1.

2 - السهر:

لا يوجد شئ مهم فى حياة الراهب [والمسيحى الكامل] مثل السهر الليلى. وإذا تحرر الراهب من التشتت الناتج عن الأعمال الجسديه ومن الاهتمام بالأشياء فإن العقل سوف يصعد كما لو كان على أجنحة ويرتفع لكى يستنير فى الله. وإذا حفظ الراهب السهر العقلى بحكم عادل فإنه سوف يرجع إلى حالته الأولى فى غير فساد. إنه من المستحيل على أولئك المجاهدين الذين يغصبون حياتهم أن يتركهم الله بلا مكافأة من أجل يقظتهم وسهر قلبهم وتوجيه أفكارهم نحو الله. إن النفس التى تعمل فى السهر سيكون لها أعين مثل الشاروبيم لكى يرفعوا أعينهم دائماً للاعمال وأن يتأملوا فى الرؤى السمائيه.

مار اسحق السريانى.


[66] - الأب أفراهات.

[67] - الأب سمعان اللاهوتى.

[68] - الأب نيل سورسكى Nil Sorsky.

[69] - الأب سمعان اللاهوتى.

[70] - الأب أفراهات.

[71] - الأب سمعان اللاهوتى.

[72] - الأب ديداخوس.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات