قاموس القديسين و الشخصيات حرف غ

هذا الفصل هو جزء من كتاب: قاموس القديسين و الشخصيات التاريخية. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.


غ

غالي المعلم

جمع الضرائب

كان كاتب محمد بك الألفي أحد أمراء المماليك، ثم أسند إليه محمد علي منصبًا كبيرًا بعد غضبه على المعلم جرجس الجوهري، وكان المعلم غالي يسهل لمحمد علي أمر تحصيل الضرائب، ولكن هذا الأمر انقلب وبالاً عليه في النهاية. فكان جشع محمد علي في تحصيل الضرائب لا يقف عند حد، فقد طلب الباشا محمد علي من المعلم غالي ألف كيسًا، فقسم جمعها على المباشرين والكتبة وجمعها في أقرب وقت.

محمد علي يغدر به

كان جمعها بسرعة موجبًا لغير ما كان يتوقعه المعلم غالي، وسببًا في جلب الغدر عليه وعلى غيره، فإن الباشا بعد قليل أمر بمحاصرة بيته، وبيت المعلم جرجس الطويل، وأخيه حنا، وفرنسيس أخي المعلم غالي، والمعلم فلتاؤس، واثنين آخرين وأخرجوهم من منازلهم بصورة منكرة وسمّروا دورهم، وأخذوا دفاترهم وحبسوهم، وبعد أيام أفرج عنهم على شرط أن يدفعوا سبعة آلاف كيس فقاموا بدفعها.

ولم تمضِ سبعة شهور حتى قبض عليهم ثانية وحبسهم في القلعة وختموا على دورهم، ثم عفا عنهم وأعاد المعلم غالي إلى منصبه، على شرط أن يدفعوا أربعة وعشرين ألف كيسًا. وتكرر حدوث ذلك من محمد علي، فكان يغضب عليه تارة ويعزله من منصبه ويرميه في السجن ويضربه مئات الكرابيج، ثم يعيده إلى منصبه بعد دفع مبلغٍ طائلٍ.

وعندما أراد محمد علي تغيير هيئة الدواوين واستبدالها بغيرها، لتكون أقدر منها وتفوقها في النظام، حتى تعود بالفائدة على الخزينة، لم يتردد في الإفراج عن المعلم غالي والاستفادة من خبرته وكفاءته، مادام هذا يعود بالفائدة على الخزينة. وبعدما كلّف المعلم غالي بذلك، قسم المعلم غالي البلاد إلى مديريات وأقسام، والأطيان إلى أحواض، وابتكر أشياء كثيرة وحسابات تحقق مقدارًا وافرًا من المال، ولذلك يُنسَب للمعلم غالي تأسيس مصلحة المساحة، كما كان له دوره في تشجيع صناعة الأسلحة محليًا. ومن أعماله الجليلة أيضًا اقتراحه على محمد علي حفر قناة بين بحر الروم وبحر العرب ولكنه لم ينفذ. ونتيجة لنجاحه الكبير قابله محمد علي بالرضا وأثنى عليه ومن ثمَّ اتخذه كاتمًا لسره وخصّه مباشرة الأعمال الحسابية التي ابتكرها، فكانت يده فوق يد الجميع حتى حكام الأقاليم.

أطلق إبراهيم باشا رصاص مسدسه عليه

استمر المعلم غالي في هذا المنصب حتى مايو سنة 1882م، حين أطلق إبراهيم باشا رصاص مسدسه عليه في مدينة زفتى، أمام ابنه طوبيا فخرّ صريعًا. وهكذا ألقى المعلم غالي جزاء أمانته ووطنيته وخدمته، بعد أن أدى أجلّ الخدمات لمحمد علي ولإبراهيم باشا قاتله. وقد بقيت جثته ملقاة مدة يومين لا يجرؤ أحد على القيام بدفنها حتى استأذن رزق أغا حاكم الشرقية في دفنها، فأقيمت الصلاة على المعلم غالي بكنيسة أبي سيفين بزفتى ثم دفن بجوارها.

ومن غير المعروف السبب الحقيقي لقتله، ولعل السبب هو مقاومة المعلم غالي لجشع إبراهيم باشا، لرغبته في تحصيل ضرائب على النخيل، بينما رفض المعلم غالي ذلك رفقًا بالمصريين لعدم إرهاقهم بتعدد الضرائب. ولكن إبراهيم باشا أصر على فرض الضرائب، فطلب المعلم غالي أن يعرض الأمر على محمد علي، فما كان من إبراهيم باشا إلا أن أجابه بإطلاق رصاص مسدسه عليه فخرّ صريعًا.

ويذكر التاريخ أن محمد علي استدعى باسيليوس نجل المعلم غالي وقال له: "هل أنت حزين لموت أبيك؟" فأجابه باسيليوس: "لم يمت أبي مادام مولاي الأمير حيًا". فأُعجِب به محمد علي وأسند إليه وظيفة رئيس المحاسبة في الحكومة المصرية وأنعم عليه برتبة "بك"، وهو أول من مُنِح هذه الرتبة من الأقباط.

وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها، صفحة 327.

غاليون السائح

رهبنته

حكى الأنبا اسحق رئيس دير القلمون والأب الروحي لرهبان المنطقة كلها، أن شابًا جاء إليه طالبًا الرهبنة والعبادة والتأمل، وهو من إحدى قرى الصعيد، فعرَّفه الأنبا اسحق بصعوبة الطريق ومخاطره، وأنه يحتاج لصبرٍ وقوة احتمال، وأنه سوف يواجه تجارب متنوعة. أصرّ الشاب على الطريق الذي اختاره، فقام الأنبا اسحق ودعا الرهبان ليقبلوه، ثم ألبسه إسكيم الرهبنة وأسماه غاليون.

كان الراهب غاليون يجتهد في الصلوات ليل نهار دون انقطاع، وكان يتحلى بالفضائل المقدسة، ويُتعِب نفسه بالنسك والزهد، حتى أنه كان يتناول طعامه مرة واحدة في الأسبوع.

موهبة الصوت الجهوري

كان ذا صوت جهوري فعُيِّن قارئًا للدير. وكان يقرأ على الآباء من البستان عند اجتماعهم حول مائدة الطعام، وكذلك القراءات الكنسية أثناء صلوات القداس والتسابيح والطقوس المختلفة، فأصبح معلّمًا لكثير من الأخوة.

حياة السكون والوحدة

بمرور الوقت ومع نموه الروحي أظهر الرب الكثير من الآيات والعجائب على يديه، فكان يشفي المرضى ويُبرئ الأسقام. مع نشاطه المجمعي ومحبته للخدمة كان يميل إلى حياة السكون والوحدة والقراءة والتأمل والصلاة في قلايته، ولم يختلط بالاخوة إلا أثناء الصلوات العامة فقط. وهكذا استمر في حياته داخل الدير حتى صار شيخًا ضعيف البنية ولكن قوي بالروح.

الشيطان يجرّبه

حسده الشيطان على فضائله وتعبه وحبه للمسيح الذي ملك قلبه، فأتى له ليلاً وهو خارج قلايته متأمّلاً مسبحًا، وظهر له في شكل راهبٍ سائحٍ، وقال له: "إننا جماعة من السواح عددنا اثنا عشر راهبًا، وقد مات واحد منا اليوم لذلك ندعوك أن تكمّل عددنا أيها الحبيب، فأنت ناسك وعابد تقي محب للاخوة وزاهد للعالم، ّ لذلك أنت مستحق أن تكون سائحًا معنا". ثم توارى عنه عدو الخير،

قَبِل القديس هذا الفكر ظانًا أن اللّه أرسل له هذا الملاك ليدعوه إلى السياحة المقدسة، فأخذ عكازه وخرج إلى البرية دون أن يراه أحد، وسار قليلاً حتى وجد أحد عشر رجلاً من جند إبليس في شكل رهبان، فمضى إليهم وسار وراءهم إلى البرية الداخلية إلى أن انتصف نهار اليوم التالي. وهناك على جبل ليس به طعام أو ماء تركوه وجلسوا يهزأون به.

سمعهم يقولون: "لقد اصطدنا في هذه الليلة صيدًا سمينًا. لقد سقط رجل اللّه غليون صاحب الآيات والمعجزات، الشيخ الناسك والزاهد العابد". فانتبه من غفلته وأدرك حيلة الشيطان فرشم ذاته بعلامة الصليب المقدسة وهو يصرخ مصليًا بالمزامير. صرخ قائلاً: "أخرجني من شدائدي، أنظر إلى ذُلي وتعبي واغفر لي جميع خطاياي. أنظر إلى أعدائي، لأنهم قد كثروا وأبغضوني ظلمًا. احفظ نفسي ونجّني" (مز17: 25 - 20)، فصاروا دخانًا أسود.

مجّد الأب غاليون الرب القدوس قائلاً: "أعظمك يا رب لأنك انتشلتني ولم تشمّت بي أعدائي. أيها الرب إلهي صرخت إليك فشفيتني. يا رب أصعدت من الجحيم نفسي، وخلصتني من الهابطين في الجب" (مز29: 1 - 2).

افتقاد الرب له

وجد القديس نفسه وحيدًا وتائهًا في الجبل، إذ لا يوجد طريق ولا إنسان أو أي دليل يهديه إلى ديره ثانية، فوقف وصلى إلى اللّه وحينئذ سمع أصوات صلاة وتسبيح تشبه أصوات الملائكة، ثم رأى ثلاثة آباء من الرهبان السواح، وبعد أن سلموا على بعضهم عرف أنهم رهبان من دير القديس أنبا شنودة رئيس المتوحدين وأن الرب أرسلهم لينقذوه، فشكر الرب ثم أقام القديس غاليون معهم سنة كاملة.

عودته إلى الدير

وفي إحدى الليالي قال له أحد الآباء المرافقين له: "عُد إلى ديرك مرة ثانية"، فسألهم غاليون: "لماذا؟ هل أخطأت في شيء؟" فأجابوه قائلين: "لا، ولكن أباك اسحق سأل الرب يسوع أن يراك قبل نياحتك. فَقُم وأسرع وامضِ إليه". وإذ كان لا يعرف الطريق سألوه أن يتبعهم حتى رأى ديره فودّعوه ومضوا.

سار غاليون نحو الدير وطرق الباب ففتح له أبوه الأنبا اسحق واستقبله بفرحٍ ثم قصَّ غاليون على أبيه كل ما حدث له. وإذ كان غاليون يعرف موعد انتقاله أخذ راهبًا صغير السن ليعلمه ترتيب وطقس الكنيسة وألحانها، ثم ضَمَّ هذا الراهب الذي كان يدعى موسى إلى صدره وقال له: "اقبل مني الروح الذي في داخلي من الآن وحتى اليوم السابع حيث أتنيّح".

ولما دنا وقت النياحة اجتمع آباء الدير مع الأنبا اسحق وودعهم بسلام وأسلم روحه بين يدي السيد المسيح.

من الآباء السواح، صفحة 13.

غبريال الأول البابا السابع والخمسون

ترهّب هذا القديس منذ حداثته وقام بعبادات كثيرة، وكان محبًا للانفراد والوحدة وكان يكثر من البكاء في الصلاة طالبًا من اللّه أن ينجيه من مكائد الشيطان.

سيامته بطريركًا

ولما تنيّح البابا ميخائيل السادس والخمسون بقيت الكنيسة أربع عشرة سنة بدون بطريرك بسبب الكوارث القاسية التي حلّت بها، فأغلقت كثير من الكنائس، وحلّ النزاع بين المسيحيين بسبب سوء الرعاية.

سخّر الرب لهم الأنبا باخوم أسقف طحا، وكانت له مكانة سامية لدى الوالي خماروية، فتوسط لديه فسمح بإقامة بطريرك للكنيسة القبطية وأعطاه تصريحًا بذلك. وقع الاختيار على هذا الأب ليكون بطريركًا مكانه فرُسم سنة رغمًا عنه في شهر بشنس عام 625ش الوالي 910م في عهد خلافة المقتدر بن المعتضد.

رعايته واهتمامه بخلاص نفسه

أخذ يهتم بشؤون الكنيسة ولم تمنعه مهام البطريركية عن عباداته ونسكه إذ كان يقضي أغلب الأيام في البرية، وإذا جدّ ما يستدعي قيامه إلى مصر أو الإسكندرية كان يذهب ثم يعود ثانية إلى البرية. وكان يجاهد ضد الجسد والشيطان بالإكثار من الصوم والصلاة والسهر والتواضع. وكان يستيقظ في الليل ويأخذ مجرفة من حديد ويلبس ثوبًا رثًا ويمرّ على دورات المياه التي بالقلالي فيغسلها وينظفها. وأقام على هذه الحال حتى نظر اللّه إلى تواضعه وانسحاق قلبه فرفع عنه الآلام ومنحه نعمة الانتصار على الخطية والذات.

الالتزامات المادية

سار على خطة سلفه في فرض ضريبة على كل أسقفٍ يُرسم جديدًا لكي يدفع الرسم المطلوب لكنائس الإسكندرية التي تعهد بها البابا ميخائيل في وقت ضيقه.

كما أنه لم يلغِ الضريبة الشخصية التي كانت مفروضة على أعضاء الكنيسة القبطية لتسديد طلبات ابن طولون، بل ظل يتقاضاها حتى يتمكن من ترميم الكنائس المتهدّمة.

وأقام هذا الأب عابدًا ومجاهدًا وواعظًا إحدى عشر سنة ثم تنيّح بسلام سنة 911م.

القس منسى يوحنا: تاريخ الكنيسة القبطية.

غبريال الثاني البابا السبعون

نشأته

هو الشهير بغبريال بن تُريك.

ولد في القرن الثاني عشر سنة 800ش (1084م)، وكان من كبار مدينة مصر (الفسطاط) وأراخنتها.

كان والده قسًا ترمّل، وكان قديرًا وعالمًا متقشفًا يمارس الحياة النسكية. كان يشتهي الخدمة فطلب سيامته أسقفًا، وإذ طُلب منه مال لسيامته رفض السيمونية.

وكان لهذا الأب ابنان: أحدهما أبو العلا الذين صار البابا غبريال، وأخوه أبو النصر بن تريك كان مملوء غيرة، فبدأ في بناء كنيسة أبانوب، وتنيّح قبل أن يكملها، فقام شقيقه البابا بتكملة بنائها. وكان أبو العلا عالمًا فاضلاً ذا سيرة حميدة، وعمل كاتبًا في الديوان السلطاني لدى الوزير أحمد بن الأفضل. لما أراد تكريس حياته للخدمة في كنيسة أبي سيفين، سمح له الوزير أن يحتفظ بمركزه في الديوان مع قبوله الشماسية في الكنيسة المذكورة، لاستقامة حياته وعِظم أمانته وقدرته علي تصريف الأمور. وقد نسخ كتبًا كثيرة قبطية وعربية فوعي محتوياتها وفهم معانيها.

سيامته بطريركًا

اختاره مقدمو الشعب ورؤساؤهم لكرسي البطريركية بعد انتقال البابا مقار الثاني.

تنبأ راهب سرياني بدير أبي مقار يُدعي أنبا يوسف بسيامته. فقد جاء شيوخ الدير يبكون علي أنبا مقار قائلين له بأنه لا يوجد من يحتل مكانه، أما هو فقال: "يا أبهاتي إيش هو هذا ابن تريك". ولم يكن قد عرفه ولا التقى به.

في البداية كان الوزير متمسكًا به، وأخيرًا سمح لهم بسيامته. ألبسوه ثياب الرهبنة وتمت رسامته يوم 9 أمشير سنة 847ش (3 فبراير 1131م).

اهتمامه بالعقيدة

حدث أنه لما كان يقدس أول قداس في دير القديس مقاريوس كعادة البطاركة قديمًا، أن أضاف على الاعتراف الذي يتلى في آخر القداس بعد قوله: "أخذه من سيدتنا كلنا والدة الإله القديسة مريم" هذه العبارة: "وصيّره واحدًا مع لاهوته". فأنكر عليه الرهبان خشية أن يُفهم من ذلك أنه حصل امتزاج وطلبوا منه تركها، فامتنع قائلاً: "أنها أضيفت بقرار من مجمع الأساقفة". وبعد مباحثات طويلة تقرر إضافة هذه الجملة: "بدون امتزاج ولا اختلاط ولا تغيير"، وذلك خوفًا من الوقوع في هرطقة أوطيخا، فوافقهم على ذلك.

أعماله الرعوية

كان هذا البطريرك عالمًا تقيًا حارب فساد شعبه، فمنع السراري وحارب السيمونية. وقد اشتهر بترتيبه صلوات جمعة الآلام في كتاب سمّاه البصخة، وهو الترتيب الذي اعتمدت عليه الكنيسة إلى الآن. كما وضع قوانين وأحكامًا في المواريث وفي علاقة الشعب بالكنيسة وتنظيم أمورها، أصلح فيها عادات وتقاليد أهل الصعيد، وأيضًا قوانين فيما يختص بأمور الإكليروس. منع أيضًا دفن الموتي في الكنائس؛ وعندما عصاه قوم ودفنوا بسوس القمص بكنيسة حارة الروم بالقاهرة أغلق الكنيسة إلى حين. كما منع إخراج رفات القديسين والشهداء التي تحوّلت إلى نوع من التجارة.

ذبيحة الملاك ميخائيل

إذ سأله البعض بخصوص تقديم ذبيحة لرئيس الملائكة ميخائيل في حزم رفض قائلاً: "لا يجوز تقديم ذبيحة إلا علي اسم اللّه، ومن يعمل غير ذلك لا تُقبل صدقته".

منع التمييز بين الكهنة

كان بعض الكهنة الذين سامهم بطاركة يفتخرون علي من سامهم أساقفة، فأنكر البابا ذلك، وقد أطاعه الكل في هذا الأمر عدا كهنة الإسكندرية وكهنة برية أبي مقار.

ورُسم في أيامه 53 أسقفًا وكهنة كثيرين. وقد وجد مكانة لدى حكام عصره وحبًا شديدًا لدى شعبه، وحدث أن طلب منه حاكم ذاك الوقت مالاً، فجمع له الأراخنة ألف مثقال ذهب ودفعوها عنه.

علاقته بكنيسة أثيوبيا

كان يدير الكنيسة في أثيوبيا مطران يعاونه سبعة أساقفة أقباط. طلب المطران من ملك أثيوبيا زيادة عدد الأساقفة فخشي البابا أن تكون هذه الخطة لسيامة بطريرك يستقلّ بأثيوبيا، لذا رفض الطلب.

إذ رفض البابا الطلب قاموا بسيامة أساقفة أثيوبيين دون الرجوع إلى البابا أو المطران القبطي بأثيوبيا.

قضى على الكرسي المرقسي أربعة عشر عامًا، ثم تنيّح بسلام في العاشر من برمودة سنة 1145م.

القديس البابا غبريال الشهير بابن تريك، كامل صالح نخلة.

غبريال الثالث البابا السابع والسبعون

في القرن الثالث عشر انقسم الأراخنة والأساقفة على اختيار مرشح للبطريركية بعد نياحة أنبا أثناسيوس الثالث، ورغم الاحتكام إلى القرعة الهيكلية التي أفرزت غبريال، إلا أن أتباع الفريق الآخر رغم قبولهم مبدأ القرعة الهيكلية تشايعوا متشددين لمرشحهم يوأنس (يوحنا) الملقب "السكري". ولأن أنصار يوأنس كانوا أقوى نفوذًا فقد رسموا مرشحهم بطريركًا باسمه وأعطوه لقب "السابع"، واستمر البابا يوحنا يحكم الكنيسة نحو ست سنوات وتسعة شهور، كانت كلها منافسة ومعاكسة وخصام وفي خلالها تقوّى حزب غبريال واتفق الأساقفة على عزل البطريرك يوحنا وسجنوه بأحد الأديرة وولّوا غبريال بطريركًا مكانه باسم غبريال الثالث.

ولم تستمر حبرية أنبا غبريال سوى سنتين كرَّس الميرون المقدس في دير أنبا مقار، وانتقل قبل أنبا يوأنس فضمته الكنيسة ضمن باباواتها برقم السابع والسبعين ودُفِن في مصر القديمة كالعادة.

واتحدت كلمة الجميع على إعادة البابا يوأنس إلى منصب البطريركية فأخرجوه من معتقله، وأرجعوه إلى مقره فقوبل فيه بإكرام زائد. وكان أنبا يوأنس أثناء حبرية أنبا غبريال الثالث في الدير شاغلاً نفسه بالصوم والصلاة وترجمة الكتب.

لم يقم بطريركًا على كرسي الإسكندرية في وقت واحد بطريركان إلا هذه المرة، بينما جلس على كرسي روما أسقفان في وقتٍ واحدٍ 28 مرة، وثلاثة أساقفة ست مرات، وأربعة أساقفة أربع مرات (تاريخ الانشقاق 405: 3 - 406).

كشف الأسرار في تاريخ البطاركة الأحبار (ج 2)، صفحة 46.

تاريخ الكنيسة القبطية، صفحة 486.

غبريال الرابع البابا السادس والثمانون

بعد نياحة البابا يوأنس الشامي، اتفق الجميع برأي واحد على اختيار رئيس دير العذراء المسمى المحرق واسمه غبريال المحرقي، عالمًا فاضلاً ناسكًا مهيب الطلعة، وتمّت رسامته يوم عيد الغطاس سنة 1370م، في كنيسة القديسين سرجيوس وواخس بالإسكندرية.

انشغال المماليك عن الأقباط بالحروب الداخلية

انشغل المماليك في حبرية هذا البابا بالحروب بين بعضهم البعض، فوقف السلطان ومشايعوه ضد يلبغا ومشايعيه، وسقط الكثيرون قتلى، وانتصر السلطان ثم دارت عليه الدوائر وكانت الحرب الأهلية فرصة هدوء نسبي عاشها القبط دون اضطهاد، اللّهم إلا حريق بعض منازلهم مع الحرائق التي اجتاحت القاهرة آنذاك.

سفينة صليبية بالإسكندرية

ومما أثار المماليك ضد القبط وصول سفينة صليبية إلى الإسكندرية، عاثت فيها نهبًا وتخريبًا وحملت أسرى كثيرين، وعندما رحلت لم يجد المماليك أمامهم سوى "لُبَّاس الصليب" قبط مصر، فحلّ فيهم ما حل بالمسلمين على أيدي الصليبين وإن كان ذلك في صورة مادية بحتة، ألا وهى مضاعفة الجزية عليهم شملت أيضًا الرهبان والأديرة.

تكريس الميرون

في تلك الأثناء صلى البابا مع أساقفته لتكريس الميرون المقدس في دير أنبا مقار. وكانت هذه أخر مرّة يتم فيها التكريس في هذا الدير. إذ أصبحت العادة فيما بعد أن يتم التكريس في المقر البابوي. ولكن في أوائل القرن العشرين عاد التكريس إلى الأديرة مرة أخرى.

عاصر السلطان شعبان والسلطان علي بن شعبان المنصور، وجلس على الكرسي 8 سنوات، ثم تنيّح بسلام سنة 1378م.

كشف الأسرار في تاريخ البطاركة الأحبار (ج 2)، القس روفائيل فريد واصف.

السنكسار، 3 بشنس.

غبريال الخامس البابا الثامن والثمانون

تنبأ البابا متاؤس قبل نياحته بمن سيعتلى الكرسي البابوي من بعده، ولكن في زمرة الأحزان التي سادت عند انتقاله وافتقادهم له نسي الجميع ما قاله، وتذكر الجميع غبريال المترهّب بدير أنبا صموئيل القلموني - المعترف - وتمّت رسامته باسمه ولُقِّب الخامس وذلك في سنة 1409م في ولاية السلطان فرج بن برقوق.

بدأ حياته موظفًا ثم مال إلى الرهبنة، وفاق أترابه في فضائلها، خصوصًا الزهد والتقشف في المأكل والملبس. وظل على حاله بعد أن صار بطريركًا. وقد اعتاد هذا البطريرك أن يزور أبناءه سيرًا على الأقدام في رضى وفرح.

سيامة بطريرك إنطاكية

من الأحداث الجديرة بالذكر في فترة حبريته، أن جاءه من إنطاكية كاهن اسمه باسيليوس بهنام بتوصية أن يرسمه البابا السكندري بطريركا لإنطاكية، وبالفعل تمّت الرسامة باسم مار أغناطيوس بهنام الأول وزوّده البابا الفقير بكل ما يحتاج إليه في سفره حتى دابته.

وساطته لدى أثيوبيا

في مدة رئاسته فرغت خزينة البطريركية، فكان البابا يعتمد في قوته الضروري على أولاده. وكانت الكنيسة الأثيوبية قد قطعت معونتها للكنيسة المصرية في عهده.

في عام 1418م دعاه مجلس الحكومة المصرية وهدّده بالموت إن لم يمنع الأثيوبيين الذين تحت سلطته من مضايقة التجار المسلمين النازلين في أثيوبيا، فكتب للملك بالرغم من معاناته من الاضطهاد الشديد في مصر.

رعايته لشعبه

لم تكن زيارات البطريرك لشعبه إلا للرعاية والتثبيت على الإيمان المستقيم، وقد زوّد شعبه بكتابات كثيرة في الطقوس الكنسية، بكل دقة لكي يسلّموها للخلف دون تحريف ويفسّرونها لهم.

بعد أن قضى في رئاسة الكهنوت حوالي ثماني عشرة سنة، انتقل إلى الأمجاد السمائية سنة 1427م ودفن بإكرام في كنيسة العذراء ببابليون الدرج في مصر القديمة.

نياحته

ليس عجيبًا أن يؤرخ لتلك الفترة من غير القبط كثيرون، منهم الشيخ السخاوى الذي وصف لنا صورة ومشهد انتقال البابا غبريال ونقل صورة ناطقة لاختيار ورسامة البابا يوأنس الذي سمّاه "يونس"، وسمّاه أيضًا بلقب اليعقوبي والنصراني.

كشف الأسرار في تاريخ البطاركة الأحبار (ج 2)، القس روفائيل فريد واصف..

غبريال السادس البطريرك الحادي والتسعون

لم تنقضِ خمسة شهور على نياحة البابا متاؤس الثاني حتى اجتمع رأي الأساقفة والأراخنة على اختيار غبريال الأنطوني العرباوي، الذي نشأ وتربّى في قرية العرابة المدفونة أو أبيدوس بالقرب من البلينا لكي يترأس السدة المرقسية، وفعلاً تمت رسامته في 9 فبراير سنة 1458م، وأقام في نفس المقر البابوي آنذاك ألا وهو كنيسة العذراء مريم بحارة زويلة.

لم تشهد فترة رئاسته اضطرابات أو مضايقات من جانب السلاطين المماليك أو الرعاع، ونمت الكنيسة في عهده في بناء الكنائس وتجديد القديم منها وكذلك الأديرة وتشجيع الرهبان والرهبنة. وقد استمرت رئاسته ثمانية أعوام وعشرة أشهر رقد بعدها في الرب وذلك سنة 1469 م، ودفن بجانب اخوته السابقين في دير الخندق بعد جنازة شعبية ورسمية كبيرة.

كشف الأسرار في تاريخ البطاركة الأحبار (ج 3)، صفحة 5.

غبريال السابع البابا الخامس والتسعون

مضي وقت تردّت فيه الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر أثناء حكم الدولة العثمانية، ظهرت عناية رب الكنيسة في اختيار "مطيّب القلوب" الراهب "روفائيل" من دير السريان وهو نفس اسمه بالميلاد، وكان من قرية أبو عايشة من أعمال القوصية والدير المحرق. وكان أبوه كاهنًا لكنيسة الشهيد مرقوريوس بمصر القديمة وقد شجّعه على حياة الرهبنة، واتفقت عليه الآراء بسرعة ونال كرامة البابوية سنة 1525م باسم حامل البشارة "غبريال" وهو أول بطريرك يُختار من دير السريان، وذلك في عهد السلطان سليمان.

مُنَجِّم يهودي يثير السلطان العثماني

قد واجه في أول سني خدمته حسد الشيطان عن طريق منجم يهودي يلتجئ إليه السلطان العثماني سليمان الذي خلف والده سليم الأول، إذ أشار إليه هذا المنجم أن حُكمه سيكون في خطر طالما بقى النصارى في مصر وبلاد الشرق، إذ ربما يشجّعون الروم ضده. وقد أخذ برأيه فعلاً، ولكن قبل أن يصدر أمره بالقضاء على القبط تجلت العناية الإلهية على لسان وزير هذا السلطان واسمه بيروز باشا إذ قال له: "إن فعلت هذا خربت مملكتك" فلم يستمر على رأيه. التجأت الكنيسة للصلاة والطلبة لأنه ليس لنا معين في شدائدنا وضيقاتنا سوى الآب السماوي.

تعمير الأديرة

من مآثر هذا البابا الجليل تعمير دير أنبا أنطونيوس بالأنفس والمباني وقد كتب عنه في سجلات في دير أنبا أنطونيوس العظيم: "كان هذا الأب طويل القامة معتدل الخلقة، والروح القدس حال عليه وكان له اجتهاد كبير في الصلاة والصوم والنسك، مع الاجتهاد الكبير في عمارة الأديرة وتشييدها، وفتح في زمانه دير القديس الطاهر أنبا أنطونيوس بالعربة، وعمَّره عمارة حسنة روحانيًا وماديًا وكذلك دير أنبا بولا".

لما قام عرب بني عطية ونهبوا دير القديس بولا وضربوا وقتلوا أحد رهبانه وشتتوا بقية الرهبان، اهتم بالبابا بتعميره. أعاد تعمير ديري أنبا بولا وأنبا أنطونيوس من رهبان دير العذراء السريان، وما زال بعض أواني الديرين تحمل اسم العذراء السريان، كما شرع في تعمير دير المحرق بجبل قسقام ودير الميمون.

إعادة الصلة بين كنيسة مصر وكنيسة أثيوبيا

من محبة اللّه للكنيسة أن أعاد الصلة بين كنيسة مصر وكنيسة أثيوبيا، التي كانت قد انقطعت بسبب المماليك واضطهادهم للقبط، مما دعا الأثيوبيبن لرسامة مطران برتغالي كاثوليكي، أطلق عليه بابا روما "بطريرك الإسكندرية"، ولكن عندما اعتلى الإمبراطور جلاوديوس (أقلاديوس) عرش أثيوبيا أوقف المطران البرتغالي، وطلب من البابا السكندري رسامة مطرانٍ لبلاده، فرسم لهم أنبا يوساب الثالث وتلقّاه الأثيوبيبن بكل ترحاب، وسمح للكاهنين الروميين اللذين كانا يخدمان في أثيوبيا بالبقاء في خدمتهما بناء على طلب البابا الروماني.

عاد المطران اللاتيني إذ رأى استحالة ضم الكنيسة الأثيوبية إلى الكنيسة الرومانية، وأخبر أسقف روما بذلك. استاء أغناطيوس أحد رؤساء الرهبنة في روما من هذا الفشل المعيب وطلب من أسقفه أن يرسله إلى أثيوبيا، لكن الأسقف خشي على حياته وأرسل شخصيًا آخر يُدعى نونو باريتو وكاهنين آخرين. ذهب الثلاثة إلى جوا فأقام باريتو فيها بينما أكمل الكاهنان طريقهما حتى التقيا بالملك إقلاديوس الذي قابلهما بكل لطفٍ وأفهمهما أنه يرفض قطعيًا الخضوع لسلطة أسقف روما، وأنه لا يخضع إلا لكرسي مارمرقس الإنجيلي.

بلطفه سمح لهما بالإقامة في بلاده وهو واثق من ثبات شعبه على أرثوذكسيتهم.

إذ مات أقلاديوس خلفه أخوه مينا فأظهر سخطًا على الكاهنين، فأثارا أحد كبار الجيش لعقد محالفة مع المسلمين ضد الملك مينا. وإذ بلغ مينا الخبر قام بتأديب العصاة.

شعر أسقف روما بفشل إرساليته الثانية لأثيوبيا فبعث رسلاً إلى البابا غبريال يطلب منه الانضمام إلى الكنيسة اللاتينية، فقابلهم البابا بكل لطف وأخبرهم أنه لا ينحرف عن التمسك بالعقيدة قيد شعرة. طلب الرسل من البابا أن يسأل ملك أثيوبيا ألا يمس الكاهنين الرومانيين بسوء، وبالفعل سمح لهما الملك بالإقامة، لكنهما لم يُحسنا السير حتى كاد الأثيوبيون أن يقتلوهما. قدما تقرير لروما جاء فيه "إن إثيوبيا لا ترتد عن إيمانها إلا بقوة السيف"، فاستدعاهما الأسقف.

ضيق في الكنيسة

لم تهنأ الكنيسة في أيام حبريته بالاستقرار، إذ أصدر الحاكم التركي أمره بأن يدفع غير المسلمين ألفى دينار - بسبب سفر الجيش المتوجه به سنان باشا الوزير العثماني - واستعمال العنف في جمعها دون مراعاة لمقام أو لسن أو كرامة. فاعتكف البابا حزينًا في دير أنبا أنطونيوس، وظل في صلواته واعتكافه حتى فارق الحياة يوم الثلاثاء 29 بابة 1285ش / 1570م، ونُقِل بعدها جسده الطاهر إلى كنيسة القديس مرقوريوس بمصر القديمة في مقبرة جديدة تحت جسد القديس مرقوريوس بعد تجنيزه للمرة الثانية.

كشف الأسرار في تاريخ البطاركة الأحبار (ج 3)، القس روفائيل فريد واصف.

غبريال الثامن البابا السابع والتسعون

تم الاتفاق عليه واختياره بسرعة بعد فترة لا تزيد على تسعة أشهر على انتقال البابا يوأنس الرابع عشر، وهو الراهب "شنودة" من دير الأنبا بيشوي، وتمّت مراسيم سيامته للكرامة البابوية في كنيسة القديس مرقوريوس بمصر القديمة يوم عيد الملاك غبريال، باسم البابا غبريال السابع في 16 بؤونة سنة 1306ش و1590م في أيام السلطان العثماني مراد الثالث. وقد كان أكبر الأساقفة سنًا هو الأنبا زخارياس أسقف القدس الذي ترأس حفل السيامة.

لما كانت الكنيسة في يد حاميها وراعيها الذي لا يغفل ولا ينام، فقد دافع عنها إلهها وفاديها ضد قوى الغدر والبطش والإرهاب. ففي الوقت الذي فيه تزايد الضغط على القبط لدفع الجزية والتشدد في جمع أضعافها، انتشر الطاعون مرة أخرى في العباد والبلاد - دون الأقباط - بل وتزلزلت الأرض من تحت أقدام الولاة وانهارت المنازل وتشقق جبل المقطم، وحلت بمصر الكوارث من كل ناحية، والكنيسة في يد ربانها تمخر وسط بحر العالم الهائج في اطمئنان وسلام.

لأول مرة أيضًا نسمع عن "عادة التدخين" وانتشارها في مصر في تلك الفترة. وقد حاول البابا الروماني مرة ثانية إخضاع الكنيسة القبطية لسلطانه، ولكن البابا الساهر أنهى مباحثات مبعوثي البابا بالتمنيات الطيبة للحبر الروماني قائلاً: "وعندما نحس أن رب الكنيسة قد تخلّى عنها، سنلجأ إلى البابا الروماني لكي لا يتخلى عنها". بل وامتدت أنظار البابا السكندري لحماية الكنيسة في أثيوبيا فحذر - في رسالة أبوية - الملك والإكليروس في أثيوبيا من الانحراف عن الإيمان المستقيم الذي دفع ثمنه الرسل والشهداء وآباء الكنيسة الكبار، وفشلت جهود روما في تحويل أثيوبيا أيضًا مما دعا البابا الروماني إلى عدم السير في خطة أسلافه.

قد قام الوالي بعزل البابا مدة من الزمن، ثم أُعيد إلى كرسيه في أيام السلطان مراد الثالث العثماني. وفي سنة 1602م أصدر البابا غبريال قرارًا بتعديل الأصوام في الكنيسة القبطية كما يأتي:

1. أن يكون صوم الرسل من يوم عيد العذراء 21 بؤونه وفطره في 5 أبيب.

2. أن يكون صوم السيدة العذراء الذي يحل في شهر مسرى اختياريًا، فمن صامه وفاءً لنذر قطعه على نفسه فله ثوابه ومن لم يصمه فلا جناح عليه.

3. أن يبدأ صوم الميلاد من أول شهر كيهك ويكون فطره عيد الميلاد.

4. أن لا تصام ثلاثة أيام نينوى.

وقد وافقت عليه الأمة القبطية وقتئذ.

وأخيرًا تنيّح في سنة 1603م، ودفن بمقبرة دير السريان، وذلك في أيام السلطان العثماني أحمد الثاني.

كشف الأسرار في تاريخ البطاركة الأحبار (ج 3)، القس روفائيل فريد واصف.

وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها، صفحة 272.

غبريال بن نجاح الشهيد

مقدم الأراخنة القبط

كان من عظماء القبط في القرنين العاشر والحادي عشر للميلاد، وكان كبير الكُتاب المباشرين في عصره كما كان مقدّم الأراخنة القبط في عهد الحاكم بأمر اللّه الخليفة الفاطمي، وكان هذا الشيخ الكبير يعاصر البابا فيلوثاؤس البطريرك 63.

استشهاده

كان يوحنا هذا مسيحيًا تقيًا وبارًا محسنًا ومحبًا للكنيسة، وغيورًا على الإيمان الأرثوذكسي. ولما انتهي الحاكم بأمر اللّه الخليفة الفاطمي (996 - 1020م)، الذي اتسمت تصرفاته بالشذوذ والتطرف من إفناء خاصته ومقدّمي جيشه عاد إلى الأراخنة ورؤساء الكُتاب فأخذ منهم عشرة وعرض عليهم الإسلام، وكان يوحنا أبو نجاح الكبير رئيس المقدّمين على رأسهم.

طلب إليه الحاكم أن يعتنق الإسلام ليجعله وزيرًا، فطلب من الخليفة أن يمهله يومًا يفكر فيه، ولم يكن طلبه مهلة اليوم للتفكير بل للاتصال باخوته وحثهم على الثبات في الإيمان والموت على اسم المسيح. وحينما اجتمع بهم قال لهم: "الآن يا اخوتي لا تطلبوا هذا المجد الفاني فتضيّعوا مجد السيد المسيح الدائم الباقي، فقد أشبع نفوسنا من خيرات الأرض، وهوذا برحمته قد دعانا إلى ملكوت السموات، فقوّوا قلوبكم".

قد كان من أثر كلامه الذهبي المملوء حكمة أن تقوّت قلوب سامعيه أجمعين، وثبتوا على أن يموتوا على اسم السيد المسيح، ثم صنع لهم في ذلك اليوم وليمة عظيمة، وأقاموا عنده إلى عشية ثم مضوا إلى منازلهم.

لما كان بالغداة مضى يوحنا إلى الحاكم بأمر اللّه فقال له الخليفة: "يا نجاح أترى هل طابت نفسك؟" أجابه يوحنا قائلاً: "نعم". قال الخليفة: "على أي قضية؟" قال يوحنا بشجاعة وثبات: "بقائي على ديني".

اجتهد الحاكم بكل أنواع الترغيب والترهيب أن يحوله عن الإيمان المسيحي إلى الإسلام، فذهبت كلها أدراج الريح. فكان يوحنا كالصخرة لا يتزعزع، وثبت متمسكًا بالإيمان المسيحي، ولم يقوَ الحاكم مع ما أوتي من قوة على أن يخلعه من دين آبائه.

لما فشل الحاكم أمام يوحنا أمر بنزع ثيابه عنه وأن يشد في الهنبازين ويُضرب. ضربوه خمسمائة سوط على ذلك الجسم الناعم حتى انتثر لحمه وسال دمه مثل الماء. وكانت السياط المستعملة في الضرب مصنوعة من عروق البقر، لا يقوى الجبابرة على احتمال سوط منها على أجسامهم، فكم يكون الحال في هذا العود الرطب. ثم أمر أن يضرب إلى تمام الألف سوط. فلما ضرب ثلاثمائة أخرى قال مثل سيده: "أنا عطشان". فأوقفوا عنه الضرب وأعلموا الحاكم بذلك فقال: "اسقوه بعد أن تقوّلوا له أن يرجع عن دينه ويعتنق الإسلام". فلما جاءوا إليه بالماء وقالوا له ما أمر به الخليفة، أجابهم يوحنا بكل إباء وشمم قائلاً: "أعيدوا له ماءه، فإني غير محتاج إليه، لأن سيدي يسوع المسيح قد سقاني وأطفأ ظمأي". وذكر شهود عيان أنهم أبصروا ماءً يتساقط من لحيته، ولما قال هذا أسلم الروح. أعلموا الخليفة الجبار بوفاته فأمر أن يُضرب وهو جثة هامدة حتى تمام الألف سوط. وهكذا تمت شهادته ونال الإكليل المُعد له من الملك العظيم يسوع المسيح.

استشهاد الرؤساء المقدّمين العشرة

لم يذكر تاريخ البطاركة اليوم الذي استشهد فيه، إلا أن المقريزى في خططه يقول: إن الرئيس فهد بن إبراهيم وهو أحد العشرة وزميل يوحنا بن نجاح قُتل في 8 جمادى الآخر سنة 393هـ الموافق 19 برمودة سنة 719م، 14 إبريل سنة 1003م.

قد جاء خبر استشهاد السعيد الذكر يوحنا بن نجاح في تاريخ البطاركة، قبل ذكر استشهاد الرئيس فهد بن إبراهيم، كما أن يوحنا في وليمة أصدقائه وأهله الذين كان من بينهم التسعة المختارون الآخرون لم يُذكر خبر استشهاد الرئيس فهد فيما تكلم به أثناء الوليمة، وعلى ذلك يكون استشهاد هذا القديس في نفس اليوم الذي استشهد فيه الرئيس فهد.

تحتفل الكنيسة أيضًا بباقي رؤساء المقدّمين العشرة، الذين لما طالبهم الحاكم بترك دينهم ولم يفعلوا ذلك ولم يطيعوه، فأمر بتعذيبهم، فضُربوا بالسياط، ولما تزايد عليهم الضرب أسلم الروح منهم أربعة، ومات أحدهم في ليلته بعينها، وأما الباقون فقد ماتوا تحت العذاب، ولبسوا إكليل الشهادة ونالوا الحياة الدائمة له المجد دائما آمين.

السنكسار، 19 برمودة.

باقات عطرة من سير الأبرار والقديسين، صفحة 147.

غلوكوس الأسقف الشهيد

كان الأنبا غلوكوس (كلانيوس) أسقفًا لمدينة أوسيم - الأشمونين حاليًا - مركز إمبابه بالوجه البحري بمصر في عهد الإمبراطور الروماني دقلديانوس. وكان يشجع الأقباط على رفض التبخير للأوثان، وعلى الثبات ولو انتهى الأمر باستشهادهم، فلما سمع به الوالي إريانوس أمر بالقبض عليه وتعذيبه.

لما علم القديس بذلك رأس خدمة القداس، ثم خرج من الكنيسة، وسلَّم نفسه للجند فسلَّموه لأريانوس. عذَّبه الوالي عذابًا أليمًا، ثم أخذه إلى مدينة إدكو وهناك استمر في تعذيبهّ ثم أمر جنوده بأن يقطعوا يده، ثم أخذه معه في المركب إلى طوخ. فلما شعر القديس بدنو أجله أوصى أحد نوتية المركب، بأنه إذا مات عند دخوله البر يطرح جسده على رابية من الروابي، وفعلاً مات عند وصوله ففعل النوتي ما أوصاه به، وهناك جاء قوم مؤمنون وأخذوا جسده وكفَّنوه ووضعوه في مكان خاص إلى أن انتهى عهد الاضطهاد.

موسوعة تاريخ الأقباط: الجزء 11 الكتاب الخامس، صفحة 58 وصفحة 62.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

قاموس القديسين و الشخصيات حرف ف

قاموس القديسين و الشخصيات حرف ع

قاموس القديسين و الشخصيات حرف غ
قاموس القديسين و الشخصيات حرف غ