الفصل الرابع نينوى المدينة العظيمة

الفصل الرابع نينوى المدينة العظيمة

يونان يذهب إلى نينوى، ولكن...

أصدر الله ليونان. نفس الأمر القديم ((قم اذهب إلى نينوى))... وفى هذه المرة لم يهرب من وجه الرب، بل ((قام وذهب إلى نينوى حسب أمر الرب)).

وتم الأمر فى هدوء: الله لم يعاتب، ويونان لم يعارض... ولعل هذا الأمر يحتاج منا إلى وقفة تأمل...

الله لم يغضب من موقف يونان، بحيث يحرمه من الخدمة، أو يسقطه من درجة النبوة إلى درجة المؤمن العادى، أو يبحث عن غيرة ليرسله...

والله أيضاً لم يعاتبه، يكفيه ما حدث له. كان درسا عمليا، لا يحتاج إلى مزيد من الكلام الذى يجرح النفس فى تبكيت وتعنيف وتعيير بالخطأ السابق. كلا إن هذه ليست طريقة الله، بل الله يحافظ على إحساسات أولاده. يتركهم ليشعروا بأخطائهم دون أن يعيرهم بها...

أما يونان فكان قد تلقى درساً، فأطاع... ولكن أتراها كانت طاعة عن اقتناع ورضى أم هي مجرد خضوع؟

هوذا أنت ذاهب يا يونان إلى نينوى.. فماذا عن العوائق السابقة التى كانت تمنعك فى المرة الأولى؟ ماذا عن كرامتك؟ وماذا عن كلمتك التي ستقولها ثم لا ينفذها الرب، إذ تتوب المدينة ويرجع الرب عن تهديده لها؟ هل فكرت فى كل ذلك، وهل مات الوحش الذى فى أحشائك، وحش الكرامة والأعتزاز بالكلمة؟

فى هذه المرة كان يونان سيطيع، وكفى. كان سيطيع من الخارج، أما من الداخل فما تزال كرامته لها أهمية عنده. سيضغط على نفسه من أجل الطاعة. وسينتظر ماذا سيفعل الرب. في هذه المرة تقابل مع الله في منتصف الطريق.

كانت محبة الكرامة ما تزال تتعبه، ولكنه أطاع خوفاً من التأديب، وليس عن إيمان وتواضع.

كان ينفذ أمر الله، بالخوف، مع تذمر في القلب من الداخل سيظهر في حينه. كان يسير بالعصا وليس بالنعمة. وقد قبل منه الله هذا الوضع كمجرد تدرج، ريثما يوصله إلى الطاعة الصادرة عن اقتناع، المؤمنة بحكمة الله وحسن تدبيره...

نينوى، المدينة العظيمة.

عجيب هذا اللقب ((المدينة العظيمة)) الذى أطلقه الرب على نينوى!! قاله الرب مرتين ليونان ((قم أذهب إلى نينوى المدينة العظيمة)) ((1: 2))، ((3: 2)). وهذا التعبير ((المدينة العظيمة)) كرره الوحى للمرة الثالثة بقوله ((وأما نينوى فكانت مدينة عظيمة للرب مسيرة ثلاثة أيام)) ((3: 3)). وتكررهذا اللقب للمرة الرابعة فى آخر السفر عندما قال الرب ((أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التى يوجد فيها أكثر من اثنتى عشرة ربوة من الناس لا يعرفون يمينهم من شمالهم وبهائم كثيرة)) ((4: 11)).

ما أعجب هذا، أن يلقبها الرب أربع مرات بالمدينة العظيمة، بينما كانت مدينة أممية، جاهلة لا يعرف أهلها يمينهم من شمالهم، تستحق أن ينادى عليها النبى بالهلاك، وهى خاطئة قد صعد شرها أمام الرب، وليس فيها من جهة المقياس الروحى أى مظهر من مظاهر العظمة!!

أكان هذا تنازلاً من الرب فى إستخدام الأسلوب البشرى، فسماها عظيمة، على اعتبار أنها عاصمة لدولة، وتضم أكثر من 120 ألفاً من السكان؟

أم أن الله رآها باعتبار ما سوف تصير إليه فى توبتها وفي عظمتها المقبلة، كأممية توبخ اليهود، كما قال عنها الرب ((إن رجال نينوى سيقومون في يوم الدين مع هذا الجيل ويدينونه، لأنهم تابوا بمناداة يونان. وهو ذا أعظم من يونان ههنا)) ((متى 12: 41)).

أن تسمية الرب لنينوى بالمدينة العظيمة درس نافع للذين يسلكون بالحرف، ويدققون فى إستخدام الألفاظ تدقيقاً يعقدون به كل الأمور ويخضعون به الروح لفقه الكلمات!!

أمر الله يونان النبى أن ينادى على نينوى بالهلاك، ولكنه كان في نفس الوقت يدبر لأهلها الخلاص... كان يحبهم ويعمل على إنقاذهم دون أن يطلبوا منه هذا...

أن سفر يونان يعطينا فكرة عميقة عن كراهية الله للخطية ولكنه فى نفس الوقت يشفق على الخطاة ويسعى لخلاصهم.

وإنقاذ الله لنينوى فكرة عن اهتمام الله بالأمم، إذ كان اليهود يظنون أن الله لهم وحدهم، وأنهم وحدهم الذين يتبعونه ويعبدونه، وهم شعبه وغنم رعيته، فأراهم الله فى قصة نينوى أن له خرافاً أخر ليست من تلك الحظيرة. وكما وبخ عبده يونان بإيمان البحارة الأمميين، وكذلك وبخ اليهود بإيمان أهل نينوى وتوبتهم، تلك التوبة التي كانت عظيمة حقا فى عمقها وفاعليتها.

عظمة نينوى في توبتها:

عندما وصف الله نينوى بأنها مدينة عظيمة، لم يكن ينظر إلى جهلها وخطيئتها، أنما كان ينظر فى فرح شديد إلى عمق توبتها.

* كانت نينوى سريعة فى استجابتها لكلمة الرب:

إن أهل سدوم عندما أنذرهم لوط بغضب الرب، استهزأوا به (( وكان كمازح في وسط أصهاره)) ((تك 19: 14)). أما أهل نينوى فأخذوا يونان بجدية فائقة الحد، واستجابوا للكلمة بسرعة. على الرغم من مهلة الأربعين يوما التى كان يمكن أن تستغل للتراخى والتهاون... لقد كانت كلمة الرب فيهم سريعة وحية وفعالة وأمضى من سيف ذي حدين.

وكان أهل نينوى في هذه الاستجابة السريعة أعظم بكثير من اليهود الذين عاصروا السيد المسيح ــ الذى هو أعظم من يونان بما لا يقاس ــ ورأوا معجزاته العديدة، وشاهدوا روحانيته التي لا تحد، ومع ذلك لم يؤمنوا ولم يتوبوا، فوبخهم الرب بأهل نينوى ((متى 12: 14)).

* كانت كلمة الرب لأهل نينوى كلمة مثمرة، أتت بثمر كثير عجيب:

أول ثمرة لها هي الإيمان ((فأمن أهل نينوى بالله)).

وثانى ثمرة لأهل نينوى كانت انسحاق القلب الصادق، المتذلل أمام الله. وهكذا ((لبسوا المسوح من كبيرهم إلى صغيرهم)). والمسوح ملابس خشنة من شعر الماعز...، دليل على التذلل وعلى الزهد ورفض مغريات العالم... حتى ملك نينوى نفسه: خلع رداءه الملكى، وتغطى بالمسوح، وقام عن عرشه، وجلس على الرماد...

ونظر الله إلى هذه المدينة المتضعة، وتنسم منها رائحة الرضى. ((فالذبيحة لله هى روح منسحق. القلب المتخشع والمتواضع لا يرذله الله)) ((مز50))... حقا ما أعجب هذا المنظر الفريد في نوعه... أن نرى مدينة بأسرها منسحقة فى التراب والرماد، متذللة فى المسوح، من الملك إلى الطفل الصغير... حتى البهائم، تغطت أيضًا بالمسوح..!

وكان من ثمار كلمة الله فيها أيضاً: الصوم والصلاة... نادت المدينة بصوم عام للكل... فلم يذق الناس شيئاً... وحتى البهائم والبقر والغنم، لم ترع ولم تشرب ماء. لم يرد الناس أن ينشغلوا بإطعام بهائمهم حتى يتفرغوا للعبادة وللتضرع إلى الله... وهكذا مزجوا صومهم بالصلاة و((صرخوا إلى الله بشدة))...

على أن أهم ثمرة لأهل نينوى كانت هى التوبة... التوبة قادتهم إلى الإيمان، إذ كانت الخطية هى الحائل بينهم وبين الله. ومن ثمار التوبة فيهم كان التذلل والصوم ولبس المسوح والصراخ إلى الله. كانت توبة صادقة بكل معنى الكلمة، توبة جادة بكل مشاعر القلب، فيها ((رجعوا كل واحد عن طريقه الرديئة وعن الظلم الذي في أيديهم)).

وبهذه التوبة استحقوا رحمة الله، فعفا عنهم جميعا وسامحهم، وقبلهم إليه وضمهم إلى خاصته. وفي هذا يقول الكتاب ((فلما رأى الله أعمالهم، أنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة، ندم الله على الشر الذى تكلم أن يصنعه بهم فلم يصنعه)) ((3: 10)).

لم يقل الكتاب ((لما رأى الرب صومهم وصلاتهم وتذللهم)) بل قال ((لما رأى أعمالهم أنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة)). كانت التوبة إذن هى سبب رحمة الرب لهم. وكان صومهم وصلاتهم وتذللهم مجرد ثمار للتوبة...

* أود في هذه المناسبة أن أقف قليلا عند عبارة هامة قيلت فى توبة نينوى وهى أنها ((تابت بمناداة يونان))...

فماذا كانت مناداة يونان؟

لم يسجل لنا الكتاب الخطاب العميق الذى قاد (120000 نسمة) إلى التوبة، بهذا الانسحاق العجيب. ليته كان قد زودنا بهذا الجانب الهائل الذى تتركز فيه عظمة يونان النبى...

كل ما سجله الكتاب لنا فى هذا المجال لا يزيد عن عبارة واحدة فقط، ذكر فيها أن يونان دخل المدينة ونادى وقال: ((بعد أربعين يوما تنقلب نينوى)) ((3: 4)).

هل حقا أن يونان لم يقل سوى هذه العبارة وحدها؟ وهل كانت كافية لخلاص المدينة وإحداث هذا التأثير الهائل؟

لقد قال لوط عن سدوم ((إن الرب مهلك المدينة)) ((تك 19: 14))، ومع ذلك لم يتأثر أحد ولم يتب أحد. وسمع الناس عن الطوفان الذى سيهلك الأرض كلها، ورأوا الفلك يبنى أمامهم، ومع ذلك لم يتب أحد، وهلكوا جميعاً... وكم من مرة فشلت الإنذارات بالموت. أدم نفسه سمع إنذاراً ((موتا تموت))، فلم يمنعه هذا الإنذار عن الخطأ.

فما هو السر الذي يختفى وراء توبة نينوى وخلاصها؟

هل الأمر يرجع إلى قوة المناداة التى نادى بها يونان وعمق تأثيرها فى النفوس؟ أم أن السبب يرجع إلى قوة الاستعداد الداخلى فى القلوب، بحيث أن كل كلمة إلهية لابُد أن تحدث أثراً، لأن القلب مستعد للسماع، والإرادة مستعدة للتنفيذ، والأرض جيدة للزرع؟ أنا فى داخلى أميل إلى هذا الرأى الثانى...

أميل إلى الاعتقاد أن توبة نينوى كان مرجعها الأساسى هو الاستعداد القلبى عند أهل نينوى.

ولعل هذا الاستعداد هو الذي دعا الله إلى إرسال نبيه إليهم. وكما يقول الرسول ((الذي سبق فعرفهم، سبق فعينهم)) ((رو 8: 29))... أن استعداد القلب له مكانة كبيرة فى عمل التوبة...

الشاب الغنى خاطبه الرب نفسه، بكل ما فى كلام الرب من قوة وتأثير. ومع ذلك مضى حزيناً لأن القلب من الداخل لم يكن مستعداً، كالأرض المحجرة لا تخرج نباتا مهما كانت البذار جيدة، ومهما كان الزارع خبيرا... أما قلب الشاب انطونيوس، المستعد للكلمة فلما سمع فى الكنيسة نفس العبارة التى قيلت للشاب الغنى، تركت هذه العبارة فيه أثراً عميقاً، ونفذها بحب... هكذا نينوى أيضاً.

ويؤيد هذا الرأى عندى أن يونان عندما قال أن المدينة ستنقلب، قالها وهو مؤمن فى أعماقه أنها سوف لا تنقلب، وأن كلمته سوف لا تنفذ...

نادى بهذه المناداة مضطرا، طاعة لأمر صدر إليه، وهو غير واثق مما يقول. ولو كان مؤمناً بما قاله، لكان كلامه أعمق تأثيراً...

ومع ذلك تابت نينوى بمناداة يونان، لأن القلب كان مستعدا لأية كلمة تخرج من فم الله... وهكذا كانت لهذه التوبة قوتها، صادرة من الداخل لا من الخارج...

ولهذا أمتدح الرب آهل نينوى وتوبتهم، وقال أنهم سيقومون في يوم الدين، ويدينون ذلك الجيل...

ومما يزيد هذه التوبة قوة وجمالاً، أنها كانت توبة عامة... الكل تابوا. الكل رجعوا إلى الله. الكل آمنوا به.

أكثر من 120 ألفاً دخلوا إلى حظيرة الرب دفعة واحدة. أن كان يصير فرح فى السماء بخاطئ واحد يتوب، فماذا نقول عن الفرح بأكثر من اثنتى عشرة ربوة كانوا من قبل لا يعرفون يمينهم من شمالهم؟!

وهكذا نجح الهدف الثانى من خطة الله. فخلص أهل نينوى، كما خلص أهل السفينة من قبل.

بقى يونان...



أضف تعليق

الفصل الخامس إنقاذ يونان من قسوته وكبريائه

الفصل الثالث يـونـان فـى بـطـن الـحـوت

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات