اَلأَصْحَاحُ الأَوَّلُ – سفر ميخا – القمص تادرس يعقوب ملطي

مقدمة في سفر ميخا

ليس مثل...!

في وسط ظروف الأمة الحالكة الظلام والفساد الذي دبّ على كل المستويات من قادة سياسيين ودينيين ومدنيين وعامة الشعب، يكشف النبي عن حب الله الفائق للإنسان، مشتاقًا إلى تقديسه.

إن كان اسم النبي يكشف عن رسالته، إذ يعني "ليس مثل يهوه"، فإن السفر في مجمله يتحدث عن:

  • ليس مثل الخطية في بشاعتها وتدميرها، لكن نعمة الله أعظم!
  • ليس مثل الأمة المُستعبدة للخطية! لكن مدينة الله السماوية تنتظرنا!
  • ليس مثل القائد الشرير محطم نفسه كما الجماعة، لكن الله قائدنا!
  • ليس مثل كنيسة العهد الجديد المرتفعة في السماويات!
  • ليس مثل الله، الغافر الخطية، الكثير الرحمة، المحب للبشرية!

أشكر المهندس إبراهيم خلف سيداروس لمراجعته للغة العربية للكتاب.

ميخا.

كلمة "ميخا" هي اختصار لكلمة "ميخاياهو" Micaiah كما وردت في (إر 26: 28)، وتعني "من مثل يهوه؟".

ميخا النبي كارز ريفي، عاش في مورشة جت Gath Moresheth، التي تبعد حوالي 20 ميلاً جنوب أورشليم، على حدود فلسطين. وفقًا للقديس جيروم كانت مورشة جت لا تزال في أيامه ضيعة صغيرة بالقرب من إيليوثروبوليس. هذه الأخيرة هي بيت جبرين، كانت تقع في أحد الأودية الذي يمتد من السهل الساحلي صعودًا إلى مرتفعات اليهودية حول أورشليم.

كان ميخا النبي معاصرًا لإشعياء في أورشليم (راجع مي 1: 4 - 5 وإش 2: 2 - 5)، ولعاموس وهوشع في المملكة الشمالية.

تنبأ في منطقة أورشليم لهذا جاءت أغلب نبواته منصبة على صهيون وأورشليم. استمرت نبوته حوالي 50 عامًا.

شخصية ميخا.

أثير التساؤل إن كان ميخا ينتمي إلى طبقة شيوخ مورشة، حيث وجدت جماعة "شيوخ الأرض" الذين كانوا يرددون كلماته في أيام إرميا (26: 17 - 18). بهذا يكون أحد القضاة الذين يجلسون عند باب المدينة ينظرون قضايا الشعب (تث 17: 5؛ 21: 19؛ را 4: 1). من هنا شعر بالالتزام أن يُدافع عن حقوق شعب مدينته الصغيرة ضد أغنياء أورشليم الظالمين. ويرى آخرون أن ميخا كان أحد أفراد عامة الشعب بالمدينة، يرجع هذا الشعب إلى الأيام الأولى لعصر داود الملك، هؤلاء يكنُّون بالولاء للأسرة الملكية؛ وهم يتشكَّكون فيمن تسللوا إلى العرش واستلموا السلطة لأجل نفعهم الخاص (2 مل 11: 18 - 20؛ 14: 21). يلاحظ أن ميخا النبي لم يعارض الأسرة الملكية، بل أراد عودتها إلى الحياة النقية وتحقيق هدفها، لكن هذا لن يتم في أورشليم، إنما يتحقق بواسطة مولود بيت لحم (مي 4: 14 - 5: 4) [1].

الخلفية التاريخية[2].

ملوك أشور المعاصرين لتلك الفترة هم تِغلث فلاسر Tighathpileser الثالث (745 - 727 ق. م)، شلمناسر Shalmanezer (722 - 705)، وسنحاريب Sennocherib (705 - 608). قاد سنحاريب جيشه إلى الأجزاء الجنوبية والغربية ليهوذا، مخضعًا المدن والقرى حتى بلغ أورشليم التي خضعت لحصارٍ طويل، لكنه لم يستطع الاستيلاء عليها. أما النبوة عن الأسر وخراب أورشليم هنا فتُشير إلى عصر لاحق في أيام نبوخذنصر.

أخضعت أشور كل منطقة الشرق الأوسط عدا مصر وأورشليم. على أي الأحوال لم تشغل جيوشها كل هذه الأراضي، إنما أخضعت الأمم وطالبتهم بدفع جزية. فإذا ما اعتلى عرش أشور خلف للملك كانت الممالك الخاضعة للجزية تود الثورة على أشور. لذا كان الحاكم الجديد يلتزم أن يقود جيوشه ليدخل في معارك جديدة لإخضاع الأمم الثائرة عليه. وكانت أشد المعارك هي التي تقوم عند حدود مصر التي كانت تُشجع الدول للثورة على أشور لتحمي نفسها.

خلقت هذه الظروف جوًا من الاضطرابات الشديدة وعدم الاستقرار، خاصة في المدن الصغيرة والقرى، إذ كثيرًا ما تعرضت لعبور جيش أشور عليها واستعباد سكانها. أما الأغنياء والكهنة ورجال القصر الملكي فكانوا في آمان داخل أسوار العاصمة، هؤلاء أساءوا التصرف، إذ مارسوا الظلم والقسوة على سكان المدن والقرى، فكان هؤلاء يعانون تارة من الجيوش العابرة التي تنهب وتسلب وتستعبد، وتارة من الأغنياء والقادة.

بلغت يهوذا قمة قوتها في أثناء حكم عزيا (عزاريا) حوالي عام 783 - 742 ق. م. وإذ أصيب بالبرص خلفه ابنه يوثام كوصي على العرش ثم كملكٍ. كان عصره يتسم بالازدهار من جهة التعمير والإنشاء والنصرات العسكرية. تولى ابنه آحاز العرش في وقت تلألأ فيه نجم أشور في أفق العالم. هزم تلغث فلاسر سوريا عام 732، وبعد عشر سنوات استولى على السامرة. هذا الأمر أفقد يهوذا شعورها بالأمان، خاصة وأن آحاز كان ضعيفًا وأجيرًا لأشور. جاء ابنه حزقيا مصلحًا، قطع علاقته بأشور، ووضع في قلبه أن يطهر يهوذا من العبادة الوثنية ورجاساتها، وأن يقوم بتطهير الهيكل وإصلاحه. جاء في ارميا (26: 18) الخ. أن هذا الإصلاح كان من أثر كرازة ميخا.

الظروف الروحية.

عاش في وقت صعب للغاية، فقد فتح الله عن عينيه ليرى معاصي يعقوب وخطايا إسرائيل (مي 3: 8). أدرك بروح النبوة ما سيحل بإسرائيل كما بيهوذا. فالظلم كان حالاً في داخل الأسوار، والأعداء قادمون من الخارج.

شعر ميخا النبي بالشرور التي لحقت بالدولتين - إسرائيل ويهوذا - وكيف أساء الأغنياء معاملاتهم مع الفقراء، فدوَّت صرخات الفقراء في السماء. هذا وقد لحق الفساد بكل الطبقات: رجال القصر الملكي، والكهنة، والشعب. أخطأت القيادات مع الشعب في حق الله، وإن كان الشعب قد مارس العبادة، لكن في شكلية بلا توبة صادقة، فصارت كلا شيء (مي 6: 7 - 8).

في أيامه أُخذ إسرائيل إلى السبي، وتُركت فرصة ليهوذا لمدة حوالي قرن ونصف، لكن خطايا الأمة دمَّرتها. "البرّ يرفع شأن الأمة، وعار الشعوب الخطية" (أم 14: 34).

أهميته.

احتل هذا السفر مكانة خاصة لدى آباء الكنيسة لأن الأناجيل الأربعة جميعها اقتبست منه. ويُعتبر تفسير القديس چيروم من أهم التفاسير لهذا السفر.

  • اتفق آباء الكنيسة في الشرق والغرب على أن هذا السفر غني برموزه، فيتطلعون مثلاً إلى جبل صهيون كرمزٍ للكنيسة أو لأورشليم الجديدة (رؤ ٢٠ - ٢١) التي حققت رجاء إسرائيل.
  • يرى آباء الكنيسة في السفر رمزًا للعماد الذي يهب المؤمن التمتع بالعضوية في العهد الجديد، محتلاً مكان الختان.
  • تضمن السفر نبوات خاصة بخراب السامرة وأورشليم، لكنه يعود فيتنبأ عن مجد أورشليم المقبل (تأديب ثم مجد مسياني).
  • اهتمام الله بالبقية القليلة الأمينة، بل وبكل أحد حتى وإن فسدت الأمة ككل! كثيرًا ما يكرر النبي تعبير "البقية" (2: 12؛ 4: 7؛ 5: 3، 7 - 8؛ 7: 18). ففي كل الأجيال، وفي أحلك الظروف يحفظ الله البقية القليلة الأمينة بكونها له، يعتز بها.
  • النبي الوحيد الذي حدد بدقة موضع ميلاد المسيَّا المنتظر، الذي يحكم أبديًا (مي 5: 2)؛ وقد أدرك اليهود أن هذه النبوة خاصة بالمسيَّا قبل ميلاده (مت 2: 1 - 6).
  • يكشف هذا السفر عن بغض الله للخطية وحبه الشديد للخطاة، كقدوس لا يقبل الشر، وكأبٍ يحب البشرية كأولادٍ له. فهو لا يهادن الخطية مطلقًا، كما لا يجتمع النور مع الظلمة. مع عدله اللانهائي كلي الحب بذل الكلمة الإلهي المتجسد ذاته لأجل خلاص الإنسان وتجديده المستمر وتمجيده على مستوى سماوي.
  • في صراحة كاملة يكشف عن الخطايا التي سقط فيها إسرائيل وأيضًا يهوذا، وعدَّدها لهم، وأعلن عن نتائجها المدمرة. وفي حب شديد يفتح أبواب التوبة ليتمتع التائبون بالمراحم الإلهية خلال التواضع مع الله (6: 8).
  • إن كان الأنبياء الكذبة، من أجل نفعهم الخاص، لا يبالون بما تمارسه الطبقات العليا من قهرٍ واستغلال للطبقات الدنيا الفقيرة، فليس من يقف أمام هذا التيار الخطير، لا يُمكن لله أن يصمت!
  • يكشف هذا السفر عن حنو الله، فنرى ميخا النبي ينوح ويولول كمن فقد ابنًا أو ابنة وحيدة عزيزة عليه، وإذ يرى بروح النبوةٍ شعبه يُسبى يشاركهم مرارتهم، فيسير معهم حافيًا وعريانًا. هذه مشاعر رجال الله في العهدين القديم والجديد، فلا نعجب أن نقرا في رسائل القديس بولس: "أذكروا المقيدين كأنكم مقيدون معهم والمذلين كأنكم أنتم أيضًا في الجسد" (عب 13: 3).

غايته.

1. التوبة هي الطريق للخلاص مما يحل من كوارث بسبب الخطية. بدون توبة حتمًا سيحل الدمار بهم.

2. شجع المؤمنين للتطلع إلى الله العامل وسط البشرية، وأنه حتمًا يخلص من الظلم الذي يسود المجتمع.

3. وبَّخ الأغنياء الظالمين، وشجع الفقراء على التطلع إلى الله القادر أن يخلص من الظلم. يدعوه البعض "نبي الفقراء"، لا يشغل ذهنه بالسياسة، وربما لم يكن له دراية بها، إنما ما يشغله هو رفع الظلم عن الفقراء، مدافعًا عنهم. كان ميخا النبي رجل الإيمان العملي: "قد أخبرك أيها الإنسان ما هو صالح، وماذا يطلبه منك الرب إلا أن نصنع الحق، وتحب الرحمة، وتسلك متواضعًا مع إلهك" (6: 8). فإنه لا يستطيع أحد أن يطلب الحق الإلهي، ولا أن يحب الرحمة باخوته ما لم يتضع أمام الله فينال نعمة إلهية فائقة. فمع أن ميخا النبي كما يدعوه كثير من الدارسين إنه رجل العدالة الاجتماعية والبرّ العملي، لكنه يؤكد أن هذا لن يتحقق بدون العمل الإلهي. إنه رجل الإيمان العملي!

4. سحب قلوب سامعيه من الظلم السائد والدمار المنتظر إلى حلول مملكة المسيَّا المجيدة.

5. أشار ميخا النبي إلى السبي البابلي وذكر بابل بالاسم (مي 4: 10)، وذلك قبل حدوثه بقرن ونصف. كما دعى الشعب الراجع من السبي إلى إعادة بناء أسوار أورشليم (مي 7: 11).

أسلوبه[3] وسماته.

1. يتسم سفر ميخا بالتحرك السريع من أسلوب إلى آخر فيستخدم أسلوب السؤال والإجابة (1: 5؛ 2: 7)، والرثاء (1: 8 - 16)، ويُشير إلى العبادة الطقسية الواردة في أسفار موسى الخمسة موضحًا غاية الله منها (6: 6 - 8)، واعتراف شخصي بالإيمان "لكنني أنا..." (4: 1 - 4)، ومحاكمات إلهية (1: 2)، وكشف عن الخطايا كحيثيات للحكم الإلهي بالخراب، ودفاع عن الفقراء، وترقب لمجيء المسيَّا المخلص.

2. كان لقرية مورشة أثرها على أسلوب ميخا النبي، فلم يقدم تصورات البرية كما في عاموس، ولا الجانب الريفي القوي لهوشع النبي، ولا الإشارة إلى القصر الملكي الذي في العاصمة كما في إشعياء. أشار ميخا النبي إلى الحقول التي يملكها القرويُّون (2: 2)، وإلى الحزم التي في البيدر (4: 12). كما تأثر بأغنياء أورشليم الذين يأتون إلى مورشة ليمارسوا الضغوط على فقرائها (6: 11)، ويغتصبون ما يشتهونه (2: 1 - 2؛ 6: 9 - 11)، فيضعون أياديهم على الحقول بسبب عجز الفلاحين عن سداد الديون (2: 2، 4). كانوا يجردون المدينين من ثيابهم (الرداء) مع أن الشريعة تلزم الدائنين أن يردوا الرداء عند الغروب (2: 8).

3. لم يستخدم ميخا النبي أية حجج لتأكيد نبواته، إذ لم يلجأ إلى رؤى إلهية للتأكيد، ولا إلى شهادة رئيس الكهنة عن دعوته الإلهية كما فعل عاموس النبي (عا 7: 10 - 17).

4. مع بساطته ككارز ريفي يحمل أعماقًا روحية فريدة، ففي مقارنته بين تقديم ذبائح وتقدمات كثيرة للعبادة من قِبل الأغنياء، إلا أنه إذ يتطلع إلى ظلمهم للفقراء يُحسب الأغنياء مصابين بمرضٍ عديم الشفاء (مي 3؛ 6: 6 - 13).

5. سفر ميخا حافل بالمفارقات. تارة يتحدث عن أورشليم التي تسقط تحت السبي فتتحطم، وأخرى يرفعنا إلى أورشليم الجديدة التي تجذب الأمم إلى الرب، وتخرج منها كلمة الله إلى جميع البشر. وبالنسبة للأمم تارة يتحدث عنهم وقد سقطوا تحت الغضب الإلهي، وأخرى وهم قادمون إلى الإيمان ليتمتعوا بالبركات الإلهية.

قائمة بخطايا الأمة[4].

يحدد ميخا النبي خطيتين رئيسيتين وهما مزج عبادة الله الحيّ بالعبادة الوثنية مع ما تحمله من رجاسات، وممارسة الظلم وقهر الفقراء واستغلالهم.

1. عبادة الأوثان (1: 7؛ 6: 16).

2. تدبير الشر (2: 1).

3. الخداع، الشهوة، العنف (2: 2).

4. الطمع (2: 2).

5. الظلم (2: 2).

6. العنف (2: 2؛ 3: 10؛ 6: 12؛ 7: 2).

7. طرد الأرامل من بيوتهن (2: 9).

8. تشجيع الأنبياء الكذبة (2: 6، 11).

9. فساد الحكام: بغض الخير وحب الشر (3: 1 - 3).

10. فساد الأنبياء: الاستخفاف بالعدالة، وتحريف الحق (3: 5 - 7).

11. فساد الكهنة (3: 11).

12. الرشوة (3: 9، 11؛ 7: 3).

13. عدم الأمانة (6: 10 - 11).

اقتباسات من ميخا.

1. اقتبس منه شيوخ يهوذا (إر 26: 18 عن ميخا 3: 12).

2. المجوس القادمون إلى أورشليم (مت 2: 5 - 6؛ مي 5: 2).

3. رب المجد يسوع عند إرساله الاثني عشر (مت 10: 35 - 36؛ مي 7: 6).

مملكة الله.

  • عاصمة مملكة المسيًّا المخلص أورشليم (4: 1 - 2).
  • مملكة جامعة مسكونيَّة (4: 2).
  • شريعتها السلام المسياني (4: 3).
  • إمكانياتها: رخاء (4: 4).
  • سمتها: البرّ (4: 5؛ 4: 2).

ميخا النبي وإشعياء النبي[5].

بدأ نبوته بعد أن بدأ إشعياء بـ 17 أو 18 عامًا.

  • بينما كان ما يشغل إشعياء النبي هو العاصمة أورشليم (إش 1؛ 2: 1 - 5؛ 4: 2 - 6؛ 8: 5 - 10)، كان ميخا النبي متعاطفًا بجاذبية خاصة نحو بيت لحم، فكان "نبي الشعب".
  • كان إشعياء النبي رجلاً أرستقراطيًا مرتبطًا بقوة بالعاصمة وهيكلها، ملمًا بالعمل السياسي الخاص بأمَّته، شاعرًا قديرًا، أما ميخا النبي فكان قرويًا، أقل رقة من إشعياء، يميل أسلوبه إلى الخشونة، وذلك بحكم كونه فلاحًا. ينتقل من موضع إلى آخر، ومن شخص إلى آخر دون مقدمات. حقًا يكتب أحيانًا بلهجة عنيفة وفي جسارة، لكنه يحمل قلبًا مملوء مرارة وحزنًا، فيكتب أحيانًا بلغة الحب والحنو.
  • كان ميخا النبي فقيرًا عانى مع إخوته الفقراء من ظلم الأغنياء. وكانت تكمن وراء كلماته تجربة شخصية مرة.
  • الخطية في ذهن إشعياء النبي هي تدنيس هيكل الرب (إش 4: 4)، أما بالنسبة لميخا النبي فهي سلب الفقير المدين رداءه، وطرد نساء شعب الله من بيوتهن المبهجة (مي 2: 8 - 9). كان إشعياء كارزًا بالإيمان الذي يتطلب حفظ ما يليق بقداسة يهوه السرية. أما ميخا فكان نبيًا للعدالة الإلهية لحفظ حقوق المساكين.

ميخا النبي وعاموس النبي[6].

ليس فقط أن ميخا النبي عاش في منطقة مجاورة لبيت عاموس "تقوع"، إنما شابهه في أشياء كثيرة.. لقد تأثر بروح عاموس حتى دُعي "مبعوث عاموس إلى الحياة redivivus Amos. كل من النبيين الريفيين هاجم الفساد الاجتماعي الاقتصادي (الظلم الاجتماعي) في أيامه. حيث كان الأغنياء يسيئون استغلال الفلاحين الفقراء. لم تقف رسالتهما عند مقاومة الظلم، وإنما هاجما أيضًا الوضع الديني المؤلم في أيامهما. لقد دبت الرشوة بين الكهنة والأنبياء الكذبة والقضاة. هذا وقد توقفت العبادة عند الشكل الخارجي وتقديم ذبائح حيوانية وتقدمات بدون حياة مقدسة، واهتمام بالوصية الإلهية.

وحدة السفر.

تطلع أغلب الدارسين إلى السفر بكونه من وضع ميخا النبي (بوحي الروح القدس)، غير أن الدارس Ewald ومن أخذ برأيه حسبوا الأصحاحين 6 - 7 من وضع نبي آخر غير معروف جاء في أيام حكم منسَّى، حاسبين أن طابع الأصحاحين مختلف عن طابع الأصحاحات الخمسة الأولى.

ظنَّ ويلهوسن Wellhausen وستاد Stade أن ما ورد في (مي 7: 7 - 20) كُتب بعد السبي، وذلك للتشابه بين هذا النص وما وردد في (إش 40 - 66).

أنكر البعض أن الأصحاحين 4 - 5 من وضع ميخا النبي، إذ يستصعبون قبول القلم الذي سجل في الأصحاحات الثلاثة الأولى تحذيرات وتوبيخات عنيفة هو بعينه يُسجل رؤية جبل بيت الرب المجيد في آخر الأيام (ص 4) والوعود الإلهية الفائقة (ص 5). بهذا القول نقيم من ميخا مصلحًا اجتماعيًا أكثر منه رجل الله الذي يفتح أبواب الرجاء للنفوس الساقطة بعد أن يكشف بوضوح عن خطورة فسادهم.

دافع رافن John Howard Raven (وآخرون) عن وحدة هذا السفر، ذاكرًا الاعتبارات التالية[7]:

1. يربط تعبير "اسمع" (1: 2؛ 3: 1؛ 6: 1) السفر معًا بكونه من وضع كاتبٍ واحدٍ. ويرى البعض أن السفر ينقسم إلى ثلاثة أقسام يبدأ كل قسم بهذه الكلمة. اعتمد النقاد في حججهم بصورة رئيسية على مقتطفات مقتبسة من السفر وليس على السفر ككل، معتمدين على ما قدمه النبي بصورة مختصرة عن نبواته التي دامت قرابة 50 عامًا.

2. يرى رافن أن التشابه بين (مي 6 - 7) و (إش 40 - 66) يؤكد أن الأصحاحين من وضع ميخا معاصر إشعياء، حيث أن الأصحاحات 40 - 66 سجلها إشعياء.

3. لعل الاختلاف في الأسلوب يرجع إلى طول مدة خدمة ميخا النبي التي قاربت من الخمسين عامًا، حتمًا حدث عبر هذا الزمن تغيرات تاريخية وفكرية وروحية، فجاءت كتابته تحوي اختلافات في الأسلوب.

4. ما ورد في أصحاحات 4 - 7 يكشف عن تشابه لكتابات في أيام ميخا أو قريبة منها:

قارن مي 3: 1 - 3 مع إش 2: 2 - 4.

4: 3 مع يوئيل 3: 10.

4: 7 مع إش 24: 24.

4: 9 مع إش 13: 8؛ 21: 3.

4: 13 مع إش 41: 15 - 16؛ 23: 18.

5: 5 مع إش 9: 6.

5: 13 مع إش 2: 8.

6: 2 مع هوشع 4: 1؛ 12: 2.

6: 4 مع عاموس 2: 10.

6: 7 مع إش 1: 11.

6: 8 مع إش 1: 17؛ هوشع 6: 6.

6: 11 مع هوشع 12: 7.

6: 14 مع هوشع 4: 10.

7: 1 مع إش 24: 13؛ هوشع 9: 10.

7: 2 مع إش 57: 1.

7: 3 مع إش 1: 23؛ هوشع 4: 18.

7: 10 مع يوئيل 2: 17.

7: 11 مع عاموس 9: 11.

أقسام السفر.

القسم الأول: نبوات تأديبية (مي ١ - ٣)، حيث يركز على صدور حكم الله الوشيك حدوثه مع لومٍ شديدٍ موجه ضد قادة اليهود.

  • إذ سقطت إسرائيل (عاصمتها السامرة) إذ حلّ بها الخراب في السنة السادسة لحزقيا كما حلّ بها الخراب بواسطة أشور بكونها أخطر عدو لإسرائيل في ذلك الحين. كما سقطت يهوذا (عاصمتها أورشليم) في الشر لم يرد الرب تأديبهما إلا بعد أن يُشهد الشعوب عليهما. مع التأديب يكشف الله عن سبب الداء ليشفي. إنه ليس بالإله الآمر الناهي، لكنه يحب أن يحاجج الإنسان ويتفاهم معه!
  • حين يؤدب يكون كمن يخرج من مكانه (1: 3).
  • للتأديب سمح بنصرة شلمناصر على السامرة (1: 5 - 7؛ 2 مل 17: 4، 6)، وسنحاريب على يهوذا (1: 9 - 16؛ 2 مل 18: 3)، وأوقف روح النبوة (3: 6) وسمح بدمار أورشليم.

القسم الثاني: نبوات مسيانية مجيدة (مي ٤ - ٥) حيث تعمل النعمة الإلهية، ويكشف عن الجانب الإيجابي الخاص بإصلاح صهيون.

إن كان إسرائيل ويهوذا قد فسدا، فالحاجة إلى المسّيا المخلص لإصلاحهما. وقد كشف عن الأمراض التي حلت بهما.

1. المسيَّا هو الجبل المقدس (4: 1)، عليه تقوم المدينة المقدسة (5: 14)، أي الكنيسة، بكونه أساس إيماننا.

2. يفتح الباب للأمم (4: 1، 2).

3. يهب السلام الداخلي (4: 3 - 5؛ 5: 10 - 11).

4. يهتم بالظالعة (العرجاء) والمطرودة والضعيف.

5. يملك على صهيون (القلب) أبديًا (4: 8).

6. يدعو الكنيسة أن تخرج كما مع المسيح إلى البرية لكي تغلب إبليس، وتنطلق إلى بابل، لا كمسببة بل كغالبية ومنتصرة (4: 10).

7. يصير المؤمن بمولود بيت لحم أفراتة (5: 1 - 2) "كالأسد بين وحش الوعر" (مي 5: 8)، يحمل روح النصرة، لكن ليس بأسلحة بشرية: "إني أقطع خيلك من وسطك وأبيد مركباتك" (5: 10).

القسم الثالث: دعوى قضائية إلهية (مي ٦ - ٧)، تتحول القضية إلى ضد إسرائيل بسبب كسرهم للعهد الإلهي، في دعواه يُسر بأن يحاججهم.

  1. يؤكد لهم أنه لا يُسر بحرفيات العبادة ولا التقدمات في ذاتها، إنما يطلب القلب: "هل يُسر الرب بألوف الكباش، بربوات أنهار زيت؟! ماذا يطلب منك الرب إلاّ أن تصنع الحق، وتحب الرحمة وتسلك متواضعًا مع إلهك؟!" (6: 7، 8).
  2. يوضح أيضًا أن شرنا هو علة التأديب (6: 9 - 11).
  3. مقابل محبته لنا يطالبنا الله بالعبادة الخفية (7: 5، 6)، والرجاء في القيام من السقوط (7: 7 - 10) والتسبيح له (7: 18 - 20).

بدأ السفر بتأديب الأمة المنقسمة إلى مملكتين سادهما الفساد، وانتهى بشعبٍ واحدٍ مجيدٍ، هو كنيسة المسيح مخلص العالم كله!

ينتهي السفر بصلاة لأجل إصلاحهم وإعلان مراحم الله.

"من هو مثلك غافر الإثم وصافح عن الذنب لبقية ميراثه؟!

لا يحفظ إلى الأبد غضبه، فإنه يُسر بالرأفة.

يعود يرحمنا، يدوس آثامنا،.

وتُطرح في أعماق البحر جميع خطاياهم ".

(مي 7: 18 - 19).

من وحي ميخا النبي.

نعمة عجيبة! وقائد عجيب! ومدينة عجيبة!

  • ترتعب نفسي في داخلي،.

حين يكتشف ميخا نبيك عن بشاعة الخطية ومرارتها.

أشعر بالعار والخزي،.

تنزع الخطية عني ثوب البٌر، فأصير عاريًا!

وتفقدني عذوبة الحياة، فتتمرر نفسي!

وتحرمني من الحرية الداخلية، فأسلك كأسيرٍ!

تسلبني قوتي، فأخور تمامًا!

تسلبني كل شيءٍ، فأفقد طعم الحياة.

  • لكن نعمتك غنية، وقديرة، وبهية.

تحطم ظلمة خطاياي، فأصير بها مشرقًا.

تهبني روح القوة والنصرة، فامتلئ فرحًا!

تقدم ليّ الحرية، فأنطلق لأستقر في أحضانك.

تسترني ببرٌَك، فأتراءىٌ، أمام الآب السماوي.

تكسوني بالمجد السماوي، فأُسبح مع السمائيين.

  • تحطم الخطية روح القيادة فيٌ!

تحطم عقلي وقلبي وإرادتي وكل طاقاتي!

لكنك نزلت إلى بيت لحم، لتصير أنت قائدي!

عجيب يا أيها القائد السماوي.

وأنت القائد تهبني روح القيادة الفعٌالة!

أعيش بك قويًا، لا أعرف روح الفشل!

بك أسلك كقائدٍ حيٍ فأعبر المعارك منتصرًا.

  • هوذا ميخا نبيك ينتحب السامرة وأورشليم.

في مرارة يسير عاريًا وحافيًا، يصرخ بلا انقطاع.

أراه في حبه يشارك شعبه الذي في طريقه للسبي!

يئن مع أنات الكل!

لكنك كشفت له عن مدينة جديدة على رأس الجبال!

دخلت به إلى أورشليم العليا!

حملته إلى العالم الجديد!

  • حقًا يا لها من نعمة إلهية عجيبة،.

وقيادة مسيانية غالبة وقوية،.

ومدينة جديدة سماوية!

القسم الأول.

نبوات تأديبية.

مي 1 - 3.

اَلأَصْحَاحُ الأَوَّلُ

محاكمة علنية.

ليس مثل الخطية في بشاعتها!

يبدأ هذا السفر بتصويرٍ مرٍّ عن الخطية، كيف لا يطيقها الله، لأنها لا تليق بشعبه إذ يريده أيقونة حية له، بكونه الله القدوس. كما يكشف عن فاعلية الخطية في حياة شعبه، إذا بطبيعتها مدمرة تمامًا. لكن قدر ما يكشف عن هذه الصورة القاتمة يبرز دور الله الغافر الخطايا، المبدد للظلمة والمشرق بنوره الإلهي على شعبه ليقيم منهم كنيسة سماوية مجيدة متهللة.

يفتتح ميخا النبي سفره بعرضٍ للدينونة القادمة لتأديب الشعب، مثله مثل بعض الأنبياء كعوبديا. وقد جعل من الأرض كلها مسرحًا للمحاكمة، وطلب من الشعب أن يستمع إلى الاتهامات الموجهة ضدهم.

يبدأ السفر بدخول الله مع شعبه سواء إسرائيل أو يهوذا في القضاء أمام شعوب الأرض كلها. وقد استدعى الأمم للحضور في دار القضاء. فمن جانب ليكشف عن موقفه كخالقٍ لكل البشرية ومخلصٍ للجميع، فهو الذي يُريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون (1 تي 2: 4). بهذا يفتح الباب أمام الأمم ليدركوا أنه إله الجميع، ينتظر قبولهم الإيمان، لينعموا بغنى نعمته الفائقة. ومن الجانب الآخر يكشف الله عن بشاعة الخطية التي تصدر عن الذين دُعي اسم الله عليهم، فإنها عثرة للأمم، وبسببها يُجدف على اسمه.

لا نعجب إن قدم رسالته الإلهية للشعب أولاً (مي 1 - 2)، وبعد ذلك للرؤساء والقضاة (مي 3 - 5)، وأخيرًا للبقية المقدسة أو الشعب الذي يقبل الإيمان الحيّ العملي (مي 6 - 7). يبدأ بالشعب لأنه إن أقام رؤساء وقضاة فمن أجل الشعب، لا الشعب لأجل القيادات. ولعله يود أن يؤكد للشعب أنه وإن أخطأت القيادات السياسية والمدنيَّة والدينيَّة، فهذا لن يبرر انحراف الشعب وسقوطه. حتمًا تُدان القيادات بطريقة مضاعفة، لأنهم معثرون للشعب، لكن يليق بالشعب ألا يبرر خطأه.

بدأ بالشعب الساقط وانتهى بالشعب المقدس بالمسيح المخلص، ليؤكد أنه جاء لأجل الخطاة لكي يقدسهم شعبًا مختارًا له.

1. خروج الرب للمحاكمة [1 - 4].

2. الاتهامات [5 - 7].

3. رثاء مرّ على أورشليم [8 - 9].

4. مرارة الخطية [10 - 11].

الأعداد 1-4

1. خروج الرب للمحاكمة

قَوْلُ الرَّبِّ الَّذِي صَارَ إِلَى مِيخَا الْمُورَشْتِيِّ.

فِي أَيَّامِ يُوثَامَ وَآحَازَ وَحَزَقِيَّا مُلُوكِ يَهُوذَا.

الَّذِي رَآهُ عَلَى السَّامِرَةِ وَأُورُشَلِيمَ. [1].

"قول الرب" أو "كلمة يهوه": يؤكد النبي أن ما ينطق به وما يكتبه ليس من عنده، إنما هو رسالة يهوه تحمل سلطانًا إلهيًًا. لقد وجه يهوه هذه الرسالة إلى نبيه ميخا ليعلنها للشعب كما للقادة.

جاء اسم النبي كغيره من الأنبياء مثل هوشع ويوئيل وعوبيديا يكشف عن رسالته. فكلمة "ميخا" كما رأينا معناها "ليس مثل يهوه" وإن كان القديس أمبروسيوس يرى أن معناها "واحد مع الله". وكأن النبي يتحدَّى الأنبياء الكذبة والأشرار المعاندين والمقاومين أنه ليس مثل يهوه، إنه لا يُقاوم!

يرى القديس جيروم كلمة "مورشة" في العبرية تعني "ممتلكاتي"، لهذا يرى في ميخا من يملك المسيح أو الوارث معه. فإن كان سفر ميخا قد بدأ بالمحاكمة العلنية من قبل الله نفسه، ففي دعواه وإن أدٌب لا ينتقم، بل يود أن يؤهلنا للميراث الأبدي والمجد السماوي.

  • "ميخا: معناها" واحد مع الله "أو كما نجد في موضعٍ آخر" واحد هو ابن المورشتي "، أي" ابن الوارث ". من هو الوارث إلاَّ ابن الله، القائل:" كل شيء قد دُفع إلىّ من أبي "(مت ١١: ٢٧). ذاك الذي هو الوارث يود لنا أن نكون شركاء في الميراث.

حسنًا تسأل: من هو ميخا؟ إنه ليس من الشعب، لكنه مختار ليقبل نعمة الله، يتكلم خلاله الروح القدس. بدأ نبوته في أيام يوثام وآحاز وحزقيا، ملوك يهوذا. لكن هذا الترتيب لتقدم الرؤيا له معناه، إذ يبدأ بعصر ملوكٍ أشرار وينتهي بملكٍ صالحٍ[8].

القديس أمبروسيوس.

أما قوله "الذي رآه"، فلا يعني رؤية جسدية، إنما رؤيا روحية بالعقل، فقد فتح روح الرب عينيّ ميخا لإدراك الرسالة التي يلتزم أن يشهد بها ويعلنها للشعب.

لقد تنبأ ميخا في عصر آحاز الذي يعتبر أحد أشر ملوك يهوذا، كما تنبأ في عصر حزقيا رجل الإصلاح التقي. في عصر آحاز لم يخشَ أن يتحدث عن تأديبات الله ليهوذا، ولكنه فتح باب التعزيات للنفوس المقدسة الراجعة إلى الرب. وفي عهد التقي حزقيا تحدث عن ضرورة الإصلاح الروحي الداخلي. فمع تغير ظروف الأزمنة تبقى كلمة الله ثابتة لا تداهن الأشرار، كما لا تغلق باب الرجاء أمامهم، ولا تُسر بالإصلاحات الخارجية دون الدخول إلى الأعماق.

اِسْمَعُوا أَيُّهَا الشُّعُوبُ جَمِيعُكُمْ.

أَصْغِي أَيَّتُهَا الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا.

وَلْيَكُنِ السَّيِّدُ الرَّبُّ شَاهِداً عَلَيْكُمُ،.

السَّيِّدُ مِنْ هَيْكَلِ قُدْسِهِ. [2].

إذ صم كثير من شعب الله آذانهم عن الاستماع لصوت الرب قدم الدعوة للأرض كي تفتح آذانها وتسمع له. وكما قال السيد المسيح: "إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السماوات" (مت 8: 11).

الله المحب لخليقته السماوية والأرضية كثيرًا ما يستدعيهم للإصغاء إلى كلمته (إش 1: 2؛ تث 32: 1)، يطالبهم أن ينصتوا إليه بآذان صاغية، حتى حينما يحاكم شعبه، فإنه يود أن يكشف أسرار معاملاته مع خليقته للجميع. ليس لدى الله محاباة، إن أخطأ شعبه يطالب الأمم لحضور محاكمتهم لعلها تكون درسًا عمليًا لقبولهم الإيمان.

إنه سيد الخليقة كلها وربها، يتكلم من هيكل قدسه، أي من السماء المكرسة له بكونه القدوس. من هناك يتكلم مشتاقًا أن تتقدس كل الخليقة، وتصير أيقونة حيَّة للقدوس. متى أدَّب أو ترفَّق فغاية القدوس قداسة خليقته.

  • "لأن هذه هي إرادة الله قداستكم" (1 تس 4: 3)... لاحظ كيف أنه لا يتطلع إلى أي موضع بحماسٍ كهذا. فإنه يكتب عنه في موضع آخر: "اتبعوا السلام مع الجميع والقداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب" (عب ١٢: ١٤). لماذا نتعجب إن كان يكتب لتلاميذه عن هذا الأمر في كل موضع، ففي رسالته إلى تيموثاوس يقول: "احفظ نفسك طاهرًا" (1 تي ٥: 22)، وفي رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس يقول: "في صبر كثير، في أصوام، في طهارة" (٢ كو ٦ ٥ - ٦) [9].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

إذ فسد الشعب العاقل وتصرف في غير تعقلٍ ضد خالقه، أراد الخالق أن يوبخهم خلال الطبيعة غير العاقلة فكثيرًا ما استدعىٌ الأرض الجامدة والسماء بكواكبها - على لسان الأنبياء - لتشهد محاكمته لشعبه، فلا عجب إن تحركت الأرض وتزلزلت حين امتدت يد المخلوق لصلب الكلمة الإلهي المتجسد، وامتنعت الشمس عن إرسال أشعتها لتبكت الصالبين الجاحدين وتشهد عليهم بالظلمة[10].

الخليقة التي أوجدها الله لخدمة الإنسان صارت شاهدة ضده ومبَّكتة له على عصيانه وفساده.

فَإِنَّهُ هُوَذَا الرَّبُّ يَخْرُجُ مِنْ مَكَانِهِ،.

وَيَنْزِلُ، وَيَمْشِي عَلَى شَوَامِخِ الأَرْضِ. [3].

اعتاد الله أن يخرج إلى شعبه فيخرج بهم إليه، ينزل إليهم بحبه لكي يرفعهم إلى أحضانه. الآن إذ أصروا على الفساد في عنادٍ خرج لكي يحاكمهم ويؤدبهم.

يصٌور النبي الله نازلاً من السماء، ماشيًا على الجبال، لكي يحطم السامرة لإصرارها على عبادة الأوثان وممارستها للرجاسات، وقد تسلل فسادها إلى يهوذا، فقد صارت دينونة يهوذا أيضًا على الأبواب.

نزول الرب ومشيه على شوامخ الأرض يُشير إلى أمرين: الأول أن كلمة الله، الخالق والمخلص يخرج كما من مكانه، إذ يقول عن تجسده وتأنُّسه: "لأني خرجت من قِبل الله وأتيت" (يو 8: 42)، والثاني أن الرب يجلس على عرش رحمته، وإذ يؤدِّب بحزمٍ يبدو كمن يخرج من مكانه ليحطم كبرياء الإنسان وتشامخه. وكما جاء في إشعياء النبي: "لأنه هوذا الرب يخرج من مكانه ليعاقب" (إش 26: 26). إنه أب سماوي يشتاق ألا يُعاقب، ان أدّب إنما يكون كمن خرج من مكانه، أي من الرحمة المملوءة ترفقاً وحناناً. إثمنا وعصياننا يجعلانه كمن يخرج من مكانه ليعاقب... حتى في خروجه يطلب أن يضمنا إليه ليرجع بنا إلى عرش رحمته.

يرى البعض أنه يُشير هنا إلى خروج الرب كما إلى السحاب ليدين الأشرار المتشامخين، ويمجَُد مؤمنيه المتواضعين.

  • لنتأمل الآن عبارة يسوع: "لأني خرجت من قِبَلْ الله وأتيت" (يو ٨: ٤٢). يبدو أنه نافع ليّ أن أضع بجانب هذه الكلمات، الكلمات التالية من ميخا: "اسمع يا شعبي كلماتي، ولتصغِ الأرض وملؤها، وليكن الرب شاهدًا في وسطكم، الرب من بيت المقدس. فإنه هوذا الرب يخرج من مكانه ويطأ شوامخ الأرض، فتهتز الجبال تحته، وتذوب الوديان كالشمع أمام النار، وكالماء المنصب في منحدرٍ" (مي ١: ٢ - ٤). الآن تأملوا ما إذا كانت العبارة: "إني خرجت من قِبَل الله" تعادل هذه العبارة، حيث أن الابن في الآب، بكونه في شكل الآب قبل إخلائه لنفسه (في ٢: ٦ - ٧)، كان الله في مكانه، فإنه يبدو كما في تناقض أنه يخرج من قِبَل الآب وفي نفس الوقت لا يزال في الله[11].
  • يُقال إن الله ينزل عندما يتنازل ليعطي اهتمامًا بالضعف البشري. هذا يلزم تمييزه خاصة بالنسبة لربنا ومخلصنا، هذا الذي إذ "لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه وأخذ شكل العبد" (في ٢: ٦ - ٧)، بهذا نزل. فإنه "ليس أحد صعد إلى السماء إلاَّ الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء" (يو ٣: ١٣) فإن الرب نزل، ليس فقط لكي يهتم بنا بل وأيضًا ليحمل ما هو لنا، إذ "أخذ شكل العبد"، ومع كونه هو نفسه غير منظور بالطبيعة، إذ هو مساوٍ للآب، إلاَّ أنه أخذ شكلاً منظورًا، إذ "وُجد في الهيئة كإنسانٍ" (في ٢: ٧) [12].

العلامة أوريجينوس.

فَتَذُوبُ الْجِبَالُ تَحْتَهُ،.

وَتَنْشَقُّ الْوِدْيَانُ كَالشَّمْعِ قُدَّامَ النَّارِ.

كَالْمَاءِ الْمُنْصَبِّ فِي مُنْحَدَرٍ. [4].

إذ يخرج الرب ليحاكم شعبه لا تستطيع أن تقف أمامه الجبال والمرتفعات المستخدمة لعبادة الأوثان، والتي تمثل حصونًا منيعة لحمايتهم من أي غزو خارجي، فإنه يدوس الرب عليها فتذوب وتصير ترابًا. ولا تقدر الوديان أن تسندهم، إذ تذوب أمامه كالشمع قدام النار، لا يستطيع العظماء الذين يحسبون أنفسهم جبالاً شامخة ولا أصحاب الطبقات الدنيا الذين كالوديان، الدفاع أمام الله عن شعبه الشرير.

جاء في سيرة القديس باخوميوس القبطية (البحيري): [في مناسبة أخرى إذ كان (تلميذه تادرس) جالسًا مع نفسه في موضع يقرأ سفر الأنبياء الإثني عشر، جاء إلى النبي ميخا. ظهر له ملاك الرب وسأله عن هذه الآية من ميخا: "كالماء المنصب من منحدر". قال له: "ماذا تظن في معنى هذه؟ وإذ كان متحيرًا في أمرها، محاولاً أن يفهم، أجابه الملاك:" تادرس، لماذا لم تدرك معناها؟ أليس من الواضح أنه ماء النهر المنحدر من الفردوس؟ "وإذ قال الملاك هذا لم يعد يراه[13]].

  • مثل الشمع لا يحتمل الاقتراب من النار، والماء المنحدر هكذا يكون كل الأشرار عندما يأتي الرب، إذ ينحلون ويختفون[14].

القديس چيروم.

الأعداد 5-7

2. الاتهامات

كُلُّ هَذَا مِنْ أَجْلِ إِثْمِ يَعْقُوبَ،.

وَمِنْ أَجْلِ خَطِيَّةِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ.

مَا هُوَ ذَنْبُ يَعْقُوبَ؟ أَلَيْسَ هُوَ السَّامِرَةَ!

وَمَا هِيَ مُرْتَفَعَاتُ يَهُوذَا؟ أَلَيْسَتْ هِيَ أُورُشَلِيمَ! [5].

بدأ بالسامرة عاصمة إسرائيل بكونها مركز عبادة البعل ومنها تسربت العبادة الوثنية إلى يهوذا. ثم تحدث عن مرتفعات يهوذا حيث تسللت إليها العبادة الوثنية، وقد عوقبت السامرة أولاً على يد أشور، وبعد ذلك أورشليم عاصمة يهوذا على يد بابل.

يُشير بالمرتفعات هنا إلى عبادة الأوثان التي كانت تُقام هناك وقد حرَّمها الناموس (تث 13).

للأسف بؤرة الخطية في المملكتين هما العاصمتان: السامرة وأورشليم.

فَأَجْعَلُ السَّامِرَةَ خَرِبَةً فِي الْبَرِّيَّةِ مَغَارِسَ لِلْكُرُومِ.

وَأُلْقِي حِجَارَتَهَا إِلَى الْوَادِي.

وَأَكْشِفُ أُسُسَهَا. [6].

يقدم هنا قضاءً مرعبًا كثمرة طبيعية لإثم السامرة. لقد تحوَّلت السامرة إلى خرابٍ بسبب الحروب المستمرة (إش 21: 1 - 3). يسمح الله للسامرة أن تتحطم وتُلقى حجارتها في الوادي، فتنكشف أساساتها تمامًا. ولا تزال السامرة إلى يومنا هذا أكوام من الحجارة، ليس فقط على التل، وإنما حتى في الحقول من أسفل، وقد قام علماء الآثار بالكشف عن أساسات قصور عمري وآخاب.

السامرة التي كانت تعتز بغناها وكثرة سكانها، تصير أكوام من نفايات الكروم والحقول ومن الحجارة. اجتمعت معًا لكي يُلقى بها خارجًا. ولعله بدأ بمغارس الكروم وبعد ذلك أكوام الحجارة، لأن السامرة كانت في الأصل حقول كروم قبل تعميرها كعاصمة، وكأنها تعود إلى ما كانت عليه، بل وإلى ما هو أسوأ، حيث تنهار المباني، وتتحول إلى أكوام حجارة، تفقد طبيعتها كعاصمة ملوكية لتصير خرابًا.

وَجَمِيعُ تَمَاثِيلِهَا الْمَنْحُوتَةِ تُحَطَّمُ،.

وَكُلُّ أَعْقَارِهَا تُحْرَقُ بِالنَّارِ،.

وَجَمِيعُ أَصْنَامِهَا أَجْعَلُهَا خَرَاباً،.

لأَنَّهَا مِنْ عُقْرِ الزَّانِيَةِ جَمَعَتْهَا،.

وَإِلَى عُقْرِ الزَّانِيَةِ تَعُودُ! [7].

تطلع النبي إلى ما بلغته السامرة من حضارة إنما هو خلال عبادة الأوثان، كما من أجرة الزانيات، فيليق بتماثيلها المنحوتة أن تتحطم، لأنها صُنعت خلال أجرة الزواني.

كثير من الزانيات كن يقدمن من أجرة الزنا إلى الهياكل الوثنية للإنفاق عليها ولأجل زينتها، فإذ تنهار هذه الهياكل برجاساتها تكون كمن ردت ما استلمته إلى الزانيات.

الأعداد 8-9

3. رثاء مرّ على أورشليم

يتهدد الخطر أورشليم، فالجيش الأشوري يكتسح السهل الساحلي باتجاه مصر، مقتحمًا الموضع الذي كان يقطنه ميخا، حتى يعبر من مدينة إلى أخرى، ويصل إلى أسوار أورشليم. لقد وصف إشعياء النبي ذات الموقف وهو ساكن داخل المدينة (إش 10: 28 - 34)، بينما وصفه ميخا وهو خارج المدينة على بعد حوالي 20 ميلاً.

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنُوحُ وَأُوَلْوِلُ.

أَمْشِي حَافِياً وَعُرْيَاناً.

أَصْنَعُ نَحِيباً كَبَنَاتِ آوَي. [8].

إذ ينتحب النبي إسرائيل لا يكف عن البكاء والصراخ حتى يصير صوته كصوت بنات آوي، وكصوت صغار النعام الأنثى.

كان الأسرى ينقادون حفاة وعرايا، هكذا تمررت نفس النبي، فصار كأسير للحزن، فقد ثيابه وحذاءه، ليسير في الطريق حافيًا وعريانًا.

سبق فمشى إشعياء النبي حافيًا وعريانًا لمدة ثلاث سنين كأمر الرب آية وأعجوبة على مصر وكوش نبوة عن سبيهما على يد أشور (إش 20: 2 - 4).

  • مشىُ إشعياء عريانًا بدون خجل كرمزٍ للسبي القادم. إرميا أُرسل من أورشليم إلى الفرات، وترك منطقته تفسد في محلة الكلدانيين بين الآشوريين المعاديين لشعبه (إر 13: 6 - 7)... إنه يحث البشر على التوبة[15].

القديس جيروم.

  • سبي إخوتنا يجب أن يُحسب كأنه سبينا نحن. أحزان الذين في خطر هي أحزاننا. يلزمكم أن تتأكدوا بأنه يوجد جسم واحد لوحدتنا. ليست محبتنا وحدها بل وأيضًا تديننا يدفعنا ويشجعنا أن ننقذ أعضاء أسرتنا[16].

القديس كبريانوس.

من يتطلع إلى ميخا النبي الباكي النائح وهو سائر عاريًا من ثوبه الخارجي، حافي القدمين يستخف به كفلاحٍ عارٍ وحافٍ. لكن السماء تتطلع إليه فترى في دموعه وصرخاته وعريه وحفيه صورة الحب الرائع الذي يرى شعبه بعد 150 سنة تقريبًا مسبيًا، فيُحسب نفسه مسبيًا معهم، ويشاركهم مرارة نفوسهم. وكما يقول القديس بولس: "اذكروا المقيدين، كأنكم مقيدون معهم، والمذلين كأنكم أنتم أيضًا في الجسد" (عب 13: 3). وقوله: "من يضعف، وأنا لا أضعف؟ من يعثر، وأنا لا ألتهب؟" (2 كو 11: 29).

لأَنَّ جِرَاحَاتِهَا عَدِيمَةُ الشِّفَاءِ،.

وَنَوْحاً كَرِعَالِ النَّعَامِ.

لأَنَّهَا قَدْ أَتَتْ إِلَى يَهُوذَا،.

وَصَلَتْ إِلَى بَابِ شَعْبِي إِلَى أُورُشَلِيمَ. [9].

فساد السامرة وعبادتها للأوثان انتشر في إسرائيل، وتسلل إلى يهوذا، حتى بلغ أبواب أورشليم، فشاركتها شرَّها.

صارت الجراحات عديمة الشفاء، على المستوى الروحي والاجتماعي والسياسي؛ هذا ما أصاب أورشليم.

كان "باب المدينة" في الشرق يُشير إلى رجال الدولة العاملين مع الملك وإلى مشيريه، كانوا يجتمعون عند باب المدينة. وقد استمر هذا حتى في أيام الأتراك، فكان السلطان التركي بحاشيته يدعى "الباب العالي" Sublime Porte.

الأعداد 10-11

4. مرارة الخطية

يُشير ميخا النبي إلى عشرة مدن، الخمس مدن الأولى شمال أورشليم، والأخيرة جنوب غرب أورشليم أو جنوبها. وكأن الدمار سيحل لا بأورشليم وحدها، وإنما بالمدن المحيطة بها أيضًا. هذه المدن جميعها وثنية. فسيحل الدمار بالكل، ماداموا مصرِّين على شرهم.

يرى بعض الدارسين أن بعضها تحمل أسماء رمزية، تكشف عن دور الخطية وبشاعتها في حياة الجماعة كما في حياة الإنسان المصمم على شره.

1. مُعثرة: يطلب النبي من سكان أورشليم حين يحل بهم السبي بعد قرن ونصف الاَّ يخبروا مدن فلسطين الوثنية مثل جت وعكاء بما حلٌ بهم [10]، وألاَّ يبكوا أمام سكانها، فقد صاروا عثرة لهم. هذا وكلمة "عكاء" مشتقة من الكلمة العبرية التي تعني بكاءً.

2. عودة إلى التراب: عوض السماء المُعدة للمؤمن يتمرغ الإنسان المصمم على شره في التراب، فيسمع الصوت الإلهي: "أنت تراب، وإلى تراب تعود"، هكذا يصير عفارًا [10].

  • ليس من شيءٍ يٌَثقل النفس ويضغط عليها وينزل بها إلى أسفل مثل الشعور بالخطية، وليس من شيءٍ يهبها أجنحة ويصعد بها إلى الأعالي مثل بلوغ البٌَر والفضيلة[17].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

3. سلب ثوب البٌر: إن كانت كلمة "شافير" تعني جمالاً، فالخطية تسلب الإنسان ثوب البُر فتصير شافير عريانًة وخجلة [11] عوض جمال النفس الداخلية.

4. شدٌَة مفاجئة: كلمة "صانان" تعني "مدينة القطيع". فإذ يُفاجأ الشعب كقطيع غنم بالكارثة التي تحل به كثمرة لخطاياه، فمن هول المفاجأة لا يخرج من المدينة، بل يسير الكل حول بعضه البعض، فيتخبط الجميع. ولعله يحدث هذا بسبب حلول الكارثة على مستوى الجماعة كلها.

5. كارثة عامة: كلمة "هأيصل" معناها "مكان قريب". فالكل يقف في مكانه، ليس من يخرج إلى جاره القريب يطلب نجدته، إذ تحل الكارثة على الجميع.

6. مرارة النفس: كلمة "ماروث" معناها "مرّ". فقد يظن الشرير أنه ينعم بالخيرات والملذات بممارسته الشر والخطية، لكن سرعان ما يفقد خيراته وتتحول حياته إلى مرارة لا تُطاق.

7. هدم الحصون وفقدان الأمان: فقد كانت لاخيش من أكثر مدن يهوذا حصانة، تظن أن العدو لن يقدر أن يقتحمها. لكن ميخا النبي يرى بعين النبوة سنحاريب يحاصرها، ويرى اقتحامها (إش 36: 1 - 2). يحاول رجالها الهروب بمركباتهم وخيلهم، ولكن إلى أين؟ لقد سيقوا إلى السبي.

  • كما أن الذين يخرجون من السجون الأرضية يُحضرون مربوطين بقيودهم إلى موضع المحاكمة، هكذا كل النفوس المقيدة بسلاسل خطاياهم المتنوعة يُقادون إلى كرسي الحكم الرهيب[18].
  • عندما ترون الغني مرتبكًا بشئونه غير المحصية، لا تحسبوه غنيًا بل في هذا هو بائس. فإنه بهذه القيود تحت سلطان سجٌان قاسٍ: هو محبة الغني الشريرة. بهذا لا يُسمح له بالانطلاق من السجن، بل يرتبط بآلاف القيود والحراس والأبواب والمزلاج (أقفال)، وحينما يُلقى في السجن الداخلي تقتفي أثره ليشعر بلذة في هذه القيود، حتى لا يجد أي رجاء في الخلاص من الشرور التي تضغط عليه[19].

القديس يوحنا ذهبي الفم.

8. ليس من خلاص بالحكمة البشرية المجردة: حتى مدينة النبي نفسه مورشة جت تعطي هدايا لتملق الفلسطينيين لمساعدتها، ولكن بلا نفع.

9. أكاذيب وخداع: كلمة "أكزيب" معناها "أكذوبة" أو "خداع"، فقد انخدع الشعب بواسطة الأنبياء الكَذبة، فظنوا أنهم في سلام وأمان، لكن سنكشف خداعهم بعد فوات الأوان. تصير ميراثًا للعدو، تقترن أكزيب بمريشة لكن تكتشف عجزها عن المساعدة، إذ مريشة نفسها تصير ميراثًا للعدو.

10. ضياع المجد: حيث يهرب العظماء والنبلاء إلى عدلام، المشهورة بكهوفها. يحاولون الاختفاء في الكهوف، فيصير مجد يهوذا محبوسًا فيها.

11. مناحة لا تنقطع: كان من العادات القديمة قص الشعر، خاصة بالنسبة للبنات والسيدات، وذلك عند موت شخص عزيز لديهم، وعندما يحملون إلى السبي. فالقرعة هنا تُشير إلى عدم التعزية كمن فقد أعز من لديه أو سيق كمسبيٍ.

لاَ تُخْبِرُوا فِي جَتَّ لاَ تَبْكُوا فِي عَكَّاءَ.

تَمَرَّغِي فِي التُّرَابِ فِي بَيْتِ عَفْرَةَ. [10].

التمرغ في التراب يشير إلى شدة الحزن.

عفرة اسم عبري معناه "تراب". تقع بيت عفرة في منحدر جبال يهوذا لا يُعرف موقعها بالتحديد، يرى ج. سيمونز أنها وادي العفر بين الدويمة وتل الدوار. ويرى البعض أنها هي الطيبة بين الخليل وجبرين.

اُعْبُرِي يَا سَاكِنَةَ شَافِيرَ عُرْيَانَةً وَخَجِلَةً.

السَّاكِنَةُ فِي صَانَانَ لاَ تَخْرُجُ.

نَوْحُ بَيْتِ هَأَيْصِلَ يَأْخُذُ عِنْدَكُمْ مَقَامَهُ. [11].

شافير: Shaphir, Saphir اسم عبري معناه "جميل"، وهي مدينة في يهوذا، يرى البعض أنها الآن تل السوافير التي تقع على بعد ثلاثة أميال ونصف جنوب شرقي أشدود، ويُرجح آخرون أنها "خربة الكوم" Kherbet el - Kom غربي حبرون، وهي تقع في وادي "السفار" الذي يتردد فيه صدى الاسم القديم.

يشبه هذه المدن بامرأة تفقد كل إمكانية للتستر، فتسير بين الرجال عارية وخجلة. إنها تُقاد كمسبية في عارٍ شديدٍ، ولا يستطيع رجل ما أن يتحرك ليخلصها من العدو العنيف.

  • ليتنا نتخلص من قذارة الخطية، فيظهر الجمال الأول الذي للفضيلة. يقول داود النبي في المزمور: "يا رب بجمالك أعطيت جمالي قوة" (مز 29: 8). لنتطّهر حتى تظهر صورة الله فينا، وهذا هو ما يريده الله منّا، أن نكون بلا دنس ولا نقص ولا عيب[20].

القديس دوروثيؤس.

صانان Zaanan يرى البعض أنه النبي يلعب باللفظ ليعطي معنى رمزيًا.

الساكنة في صانان لا تخرج من بيتها بل تكمن في رعبٍ تنتظر مصيرها المرْ، حيث يهجم عليها الغازي ويسبيها.

مدينة بيت هأيصل Beth - ezel: اسم عبري معناه "المكان القريب" أو "بيت الانفصال". قيل أنها "أصل"، أو دير ألأصل Deir el - Asal، جنوب غربي حبرون وتبعد حوالي ميلين شرقي تل بيت مريم. غالبًا ما كانت محصَّنة، ستقاوم الغازي، لكن شعبها يبكون على ما حلّ بإخوتهم في المدن الأخرى، فيعيون من كثرة النوح.

لأَنَّ السَّاكِنَةَ فِي مَارُوثَ اغْتَمَّتْ لأَجْلِ خَيْرَاتِهَا،.

لأَنَّ شَرّاً قَدْ نَزَلَ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ إِلَى بَابِ أُورُشَلِيمَ. [12].

ماروث Maroth: تقع في يهوذا الغربي، وربما كانت نفس "معارة". يرى البعض ان هذا الاسم هو لعب بلفظ "معارة" (يش 159: 59) لتعطي معنى المرارة، وأنها تُدعى حاليًا بيت عمر Beit - Ummar.

  • أمور النعمة يصاحبها فرح وسلام ومحبة وحق... أما أشكال الخطية فيصاحبها اضطراب وليس محبة ولا فرح نحو الله[21].

القديس مقاريوس الكبير.

  • ماذا إن كان الإنسان غنيًا، وإن كان من الأشراف، فإنه عندما تسبيه خطية ما يصير أكثر فسادًا من كل فساد. فإن كان الإنسان ملكًا قد أسره البرابرة يصير أكثر الناس بؤسًا، هكذا بالنسبة للخطية، إذ هي بربرية، والنفس التي تصير أسيرة لا تعرف كيف تتخلص من الأسر، فتقوم الخطية بدور الطاغية لتحطم كل من يلتصق بها[22].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

شُدِّي الْمَرْكَبَةَ بِالْجَوَادِ يَا سَاكِنَةَ لاَخِيشَ.

هِيَ أَوَّلُ خَطِيَّةٍ لاِبْنَةِ صِهْيَوْنَ،.

لأَنَّهُ فِيكِ وُجِدَتْ ذُنُوبُ إِسْرَائِيلَ. [13].

لاخيش Lachish: مدينة محصنة تقع في سهول يهوذا (يش 15: 33، 39). كانت تُعرف بتل الحصىٌ التي تبعد حوالي 16 ميلاً شمال شرقي من غزة وأحد عشر ميلاً شمالاً شرقي من غزة و11 جنوب غربي من بيت جبرين.

طُلب من ساكنة لاخيش Lachish أن تهرب من الغزو القادم عليها، لأنها أول من دفعت صهيون على ارتكاب الخطية.

لِذَلِكَ تُعْطِينَ إِطْلاَقاً لِمُورَشَةِ جَتَّ.

تَصِيرُ بُيُوتُ أَكْزِيبَ كَاذِبَةً لِمُلُوكِ إِسْرَائِيلَ. [14].

"بيت أكزيب" Achzib وتعني "بيت الخداع"، فإنها خدعت ملوك إسرائيل. دُعيت أيضًا كزيب (تك 38: 5)، وكزيبا (1 أي 4: 22). لعل المدينة أخذت هذا الاسم من نبعٍ فيها كان يجرى شتاء ويجف صيفًا. يظن البعض أنها "عين كذيبة" في وادي إيلة شمال عدلام. وآخرون أنها "تل البيضاء" Tell el - Beida جنوب غربي عدلام.

عوض أن تكون هذه المدينة عاملة ضد الغازين سيكون لا حول لها ولا قوة، وربما تتحول إلى خائنة مخادعة لحساب الغازي.

آتِي إِلَيْكِ أَيْضاً بِالْوَارِثِ يَا سَاكِنَةَ مَرِيشَةَ.

يَأْتِي إِلَى عَدُلاَّمَ مَجْدُ إِسْرَائِيلَ. [15].

عدلام Adullam: اسم عبري معناه ملجأ، وكانت تُذكر بين بلدتي يرموت وسوكوه؛ وهي كنعانية الأصل. سكنها الكنعانيون منذ أيام يعقوب (تك 38: 1 - 2). ضربها يشوع، ثم حصنها يربعام (2 أى 11: 7). استوطنها اليهود بعد العودة من السبي (نح 11: 30). وموقعها تل شيخ مذكور. كانت عدلام تحيط بها تضاريس وعرة وتشتهر بكهوفها التي كان يختفي فيها الرجال من وجه الحرب. فيها كانت المغارة التي اختبأ فيها داود وجعلها مركز قيادته (1 صم 33: 1؛ 2 صم 23: 13؛ 1 أي 11: 15)، ويُقال أنها مغارة وادي قريطون وتسمى أيضًا مغائر عيد الماء، على بعد نحو ثلاثة عشر ميلاً جنوب غربي بيت لحم، بين لاخيش وأورشليم.

تفقد مريشة عزها، ويقف المجد عند عدلام. يحذرهم ميخا النبي من هجوم الأعداء، فيضطر نبلاء يهوذا وعظمائها إلى الهروب إلى هذه الكهوف للاختباء، وكأن مجد إسرائيل قد دُفن في هذه الكهوف.

كُونِي قَرْعَاءَ، وَجُزِّي مِنْ أَجْلِ بَنِي تَنَعُّمِكِ.

وَسِّعِي قَرْعَتَكِ كَالنَّسْرِ، لأَنَّهُمْ قَدِ انْتَفُوا عَنْكِ. [16].

يصور النبي الأسى المروع الذي يحل بالآباء والأمهات وهم يرون أبناءهم وبناتهم يؤخذون إلى السبي. وقد حدث هذا مرارًا سواء بالنسبة لإسرائيل أو يهوذا، وبلغ أبشع صورة في الغزو النهائي لإسرائيل بواسطة أشور عام 722م، وقد عاصره ميخا النبي، والغزو النهائي ليهوذا عام 586 ق. م.

إسرائيل كأم تبكي مدنها كبنات قد متن وفقدن الحياة، فتُعلن حزنها عليهن وعلى أبنائها الذين وُلدوا في عزٍ وها هم ينقادون إلى السبي.

هنا يتحدث ميخا عما سيحل كمن يرى حدوثه أثناء نبوته عنهم.

  • هذا حدث كما نعرف حيث سبق فأُخبرنا عن يهوذا بالنبي: "وسعي قرعتك كالنسر" (مي ١: ١٦) فإن القرعاء تحل بالإنسان في رأسه فقط، أما بالنسبة للنسر فتحل بكل جسمه. فإنه إذ يشيخ جدًا يسقط قوادم (ريش) جناحيه من كل جسمه. إنه (يهوذا) يفقد ريشه حين يفقد شعبه. يسقط قوادم جناحيه التي بها اعتاد أن يطير نحو الفريسة، إذ يهلك كل الرجال الأقوياء الذين بهم ينقَّض (يهوذا) على الآخرين[23].

البابا غريغوريوس (الكبير).

من وحي ميخا 1.

مٌَرر الخطية في فمي!

  • أعترف لك يا إلهي:

إني أشرب الخطية كالماء،.

وأظن في اللهو حياة وسعادة!

لتكشف ليّ عن مرارة الخطية.

روحك الناري يفضح أعماقي،.

فألتصق بك يا غافر الخطية!

  • تود أن تحاكمني لا لتنتقم مني،.

بل لتؤدبني برحمتك، وتؤهلني لميراثك الأبدي!

أبوتك حتى في حزمها مملوءة حنوًا!

رعايتك فائقة، تحملني على منكبيك!

  • لتخرج إلىٌ فتحطم كل جبل متشامخ في أعماقي،.

وينحل كل يأس في قلبي،.

وتتبدد خطيتي كمياه في منحدر!

لتحطم شروري،.

وتنزع كل فسادٍ في داخلي!

  • كما تخرج إلىٌ بالحب هب ليّ ان أخرج إلى إخوتي!

لأنوح على نفس تائهة،.

وأولول على كل إنسان ضائع،.

كيف لا يلتهب قلبي من أجل كل متعثر؟

كيف لا أضعف مع كل ضعيف؟

كيف لا أحسب نفسي أسيرًا مع كل مسبيٍ للخطية؟

  • أعود فتئن نفسي على خطاياي وخطايا إخوتي!

أعترف لك أننا أعثرنا كثيرين،.

لتعمل نعمتك فينا فنمجدك بعملك الإلهي فينا!

  • خطيتنا حولتنا إلى التراب،.

نعمتك ترفعنا إلى السماء!

  • خطيتنا أفقدتنا ثوب بٌَرك،.

روحك الناري يرد لنا بٌَرك فينا!

  • خطيتنا سلبتنا سلامنا الداخلي،.

حضورك فينا يهبنا سلامك الفائق!

  • خطيتنا مررت نفوسنا،.

شركتنا معك هي العذوبة بعينها!

  • خطيتنا حطمت أسوارنا الروحية،.

حلولك هو سور نفوسنا الناري!

  • خطيتنا خدعتنا بالأكاذيب والوعود الباطلة.

نزولك إلينا رفعنا إلى أمجادك الأبدية!

  • خطيتنا قادتنا إلى السبي،.

نعمتك تهبنا حرية مجد أولاد الله!


[1] Cf. The Collegeville Bible Commentary, , 1989, p. 510 - 511.

[2] Cf. Wycliffe Bible Commentary, , 1966, p. 851 - 852.The Jerome Biblical Commentary, , 1970, p. 283.

[3] The Collegeville Bible Commentary, , 1989, p. 509 - 510.

[4] Cf. Henerietta Mears: What the Bible is All About, chapter 23.

[5] The Collegeville Bible Commentary, , 1989, p. 511.

[6] The Jerome Biblical Commentary, , 1970, p. 283.

[7] J. H. Raven: Old Testament Introduction, 1910, p. 229 ff.

[8] Letter, 45.

[9] In Thess. , hom 5.

[10] Cf. Theodoret of Cyrus Commentary on Isaiah 1: 2.

[11] In John, homily 20: 152 - 156.

[12] In Genesis, homily 4: 5.

[13] Life of Pachomius (Coptic - Bohairic) 1: 155.

[14] Commentary on Micah 1: 1: 4.

[15] Letter to Marcella, 40: 1.

[16] Letter 62: 1.

[17] Homilies on Matthew, homily 38: 2.

[18] Homilies on Matthew, homily 14: 6.

[19] Homilies on Matthew, homily 14: 6.

[20] تأملات في مديح للقديس غريغوريوس النزينزي.

[21] عظة 7: 3.

[22] In 1 Corinth. , hom. 9: 8.

[23] Homilies on Ezekiel, homily 18 (2: 6).

No items found

اَلأَصْحَاحُ الثَّانِي - سفر ميخا - القمص تادرس يعقوب ملطي

تفاسير سفر ميخا الأصحاح 15
تفاسير سفر ميخا الأصحاح 15