الأصحاح الأول – تفسير رسالة تسالونيكي الثانية – القمص تادرس يعقوب ملطي

مقدمة في رسالة تسالونيكي

في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي يرفع الرسول بولس بالروح القدس نفس المؤمن فوق الآلام، أيّا كان مصدرها أو نوعها، لينطلق به إلى السماويات منتظرًا مجيء السيد المسيح لينعم بالمجد الأبدي، ويفتح قلبه بالحب نحو كل البشرية وهو في أتون الضيق. وفي هذه الرسالة يقدم لنا صورة مرّة لحرب الشيطان المتزايدة والتي تبلغ قمتها بظهور إنسان الخطية أو ضد المسيح قبل مجيء الرب مباشرة كلما اقترب المجد الأبدي وكلما تهيأت الكنيسة كعروسٍ مقدسة ليوم عرسها هاج عليها الشيطان نفسه ليرد أبناءها عن مسيحهم. إنها ليست حربًا مادية بشرية، لكنها حرب بين الشيطان نفسه واللَّه.

حينما يتطلع المؤمن إلى انتظار مجيء المسيح الدجّال أو إنسان الخطية يستتفه كل ضيقة حالية تحل به، سواء كانت مرضً، ا أو متاعب من عائلته أو من زملائه، من الداخل أو الخارج.

في هذه الرسالة يكتب لنا الرسول بالروح القدس ليلهب قلبنا نحو مجيء الرب الأخير دون تجاهل لعملنا اليومي أو سلوكنا على الأرض بلا ترتيب.

يناير 1982.

القمص تادرس يعقوب ملطي.

مقدمة.

جذبت هذه الرسالة، بالرغم من صغر حجمها، الكثير من آباء الكنيسة الأولى، مثل القديسين يوستين الشهيد وإيريناوس وإكليمنضس الإسكندري والعلامة ترتليان. وذلك بسبب نبوة الرسول بولس الواضحة عن حدوث الارتداد العظيم بظهور إنسان الخطية أو ابن الهلاك، الذي يمثل تجسيمًا للشيطان يقاوم مملكة السيد المسيح الروحية في أواخر الدهور.

هذا وقد شغلت هذه الرسالة الكثير من دارسي الكتاب المقدس وناقديه. فقد رفض البعض قانونيتها ورفض آخرون نسبتها للرسول بولس، واعتبرها فريق ثالث أنها رسالة قانونية واضعها الرسول بولس لكنها سابقة عن الرسالة الأولى، وكأنها رسالته الأولى والأخرى الثانية. وقد انبرى فريق كبير من الدارسين للرد على هؤلاء النقاد مؤكدين صدق الفكر الكنسي التقليدي الأصيل من جهة قانونيتها ونسبتها للرسول بولس وتأكيد أنها تالية للرسالة السابقة.

قانونيتها.

عاشت الكنيسة الأولى تتطلع إلى هذه الرسالة كجزءٍ لا يتجزأ من كلمة اللَّه المُوحى بها بواسطة الروح القدس، لها قدسيتها التي لا تمس. وقد اقتبس منها كثير من آباء الكنيسة في القرن الثاني الميلادي في كتاباتهم مثل القديسين أغناطيوس وبرناباس ويوستين الشهيد وبوليكربس. كما اقتبست منها الديداكيةالتي ترجع بعض نصوصها إلى القرن الأول الميلادي، بل وذُكرت الرسالة بالاسم في كتابات القديسين إيريناوس وإكليمنضس الإسكندري والعلامة ترتليان من رجال القرن الثاني.

لم يوجد قط أي مجال للشك في هذه الرسالة بعد انطلاق الكنيسة المسيحية فذُكرت في قانون مرقيون، وأشير إليها بين رسائل معلمنا بولس الرسول في القائمة المورتارية List Mortarian، كما وُجدت في النسخ اللاتينية القديمة والسريانية.

كاتب الرسالة.

لم تظهر شكوك في القرون الأولى بخصوص كاتب الرسالة.

والرسالة في ذاتها تحمل قرائن قوية تشهد أن الرسول بولس هو كاتبها. فمن جهة أشارت إلى الكاتب في أكثر من موضع (1: 1؛ 3: 17). ومن جهة أخرى حملت طابع الرسول من جهة هيكلها الكلي، إذ يبدأ الرسول أغلب رسائله بذكر اسمه ثم من وُجِّهت إليه الرسالة، فالبركة الرسولية، وتقديم الشكر للَّه على كل نمو أو نجاح يلمسه في من يكتب إليهم لكي يسندهم ويشجعهم، بعد ذلك يتحدث في صُلب الموضوع معالجًا الجوانب الإيمانية العقيدية والسلوكية، وأخيرًا يختم رسالته بوصايا عملية ثم كلمة ختامية. هذا الهيكل العام واضح تمامًا وبصورة قوية في هذا الرسالة. ولا يقف الأمر عند الهيكل العام، وإنما يتعدّى إلى إبراز شخصية الرسول العظيم في رقته مع اتّقاد غيرته نحو خلاص البشرية واهتمامه بالصلاة عن الآخرين وطلب صلوات الغير عنه. أسلوب الرسالة إنما يعلن بوضوح أنها من وضع ذهن الرسول بولس المتّقد.

بجانب هذه القرائن الداخلية وجدت شهادات خارجية، إذ سبق فرأينا آباء الكنيسة منذ البداية استخدموها كسفر قانوني، بكونها كلمة الله الحيّة. وقد أوضح أوريجينوس ويوسابيوس أنها كانت منتشرة في أيامهما في المسكونة كلها.

الاعتراضات الرئيسية.

لاحظ الدارسون المدافعون عن أصالة الرسالة وعن نسبتها الرسول بولس أن اعتراضات النقّاد لها واهية وغير كافية لانتزاع الفكر الكنسي التقليدي.

ويمكننا تلخيص الاعتراضات الرئيسية في النقاط التالية:

أولاً: يعتبر الاعتراض الرئيسي والجوهري الذي يعتمد عليه النقاد هو اختلاف الفكر الاسخاتولوجي (الأخروي) الوارد في هذه الرسالة عنه في الرسالة السابقة. ففي الرسالة الأولى (4: 13؛ 5: 11) يظهر يوم الرب أنه وشيك الحدوث، يتحقق فجأة كاللص في الليل، وكالمخاض بالنسبة للحبلى، بطريقة غير متوقعة. كان الرسول يهيئ ذهن المؤمنين للسهر الروحي والجهاد لملاقاة الرب القادم على السحاب ليلتقي بالكنيسة كلها. الأعضاء التي رقدت في الرب والأحياء في ذلك الحين، ليعيشوا معه إلى الأبد. أما الرسالة الثانية (ص 2) فتؤكد أن مجيء الرب على السحاب تسبقه علامة واضحة ألا وهي ظهور ابن الخطية المقاوم للسيد في كنيسته.

إن كان هذا هو الاعتراض الأساسي الذي أثار الشك في بعض الدارسين النقاد من جهة أصالة الرسالة ونسبتها للرسول بولس، فإننا إذ نتطلع إلى الرسالتين بنظرة عميقة لا نجد اختلافًا في الفكر، إنما نجد اختلافًا في الظروف المحيطة بكل رسالة، مما دفع الرسول أن يقدم في كل رسالة جانبًا من الفكر الإسخاتولوجي دون الآخر. فما ورد في الرسالتين ليس بفكرين متعارضين، وإنما جانبان متكاملان ومتلازمان لفكر إيماني واحد.

لتوضيح ذلك نقول أن الرسول كتب إلى أهل تسالونيكي في رسالته الأولى بقصد تشجيعهم على حياة السهر والجهاد بغير تذمر بل بشكرٍ دائمٍ وسط الضيق، لهذا كتب عن عنصر المفاجأة وترقب مجيء الرب للدينونة ليلهب شوق المجاهدين الروحيين للعمل بفرح ورجاء يقين. وفي نفس الوقت يحذر المتراخين أو المرتبكين لئلا يسقطوا فيُحرموا من اللقاء الأبدي مع عريس نفوسهم القادم إليهم. أما في رسالته الثانية فكتب لذات الشعب وإنما بهدف جديد وإضافي إلى الهدف السابق، وهو السلوك بحكمة وتدبير حسن في هذا العالم. فقد أسيء فهم الرسالة الأولى، أو وردت إليهم رسالة أخرى منسوبة خطأ للرسول خلالها ظن المؤمنون أن مجيء الرب الأخير على الأبواب، فباع البعض ممتلكاتهم وأهمل الكثيرون أعمالهم اليومية مترقبين مجيء الرب من يوم إلى آخر، الأمر الذي سبب تشويشًا في الكنيسة. لهذا أسرع الرسول يحذّرهم من هذه التصرفات غير الإيمانية، مؤكدًا لهم أن مجيء الرب تسبقه علامة واضحة وعلانية وهي ظهور ابن الخطية.

فالعنصران الواردان في الرسالتين ليسا فكرين متناقضين، وإنما يمثلان فكرًا واحدًا متكاملاً. هذا ليس من عندنا، وإنما يظهر بوضوح في حديث السيد المسيح نفسه الخاص بمجيئه الأخير، فحدثنا حديثًا طويلاً عن العلامات التي تسبق مجيئه من بينها ظهور الدجّال، وفي نفس الوقت يتكلم بكل تأكيد عن عنصر المفاجأة في مجيئه من بينها ترقبنا للأزمنة والأوقات (مر 13، مت 24، لو 17: 20 - 37، وأع 1).

ثانيًا: حاول بعض الدارسين نسب ما ورد في الرسالة الثانية عن مجيء الرب وظهور ابن الخطية إلى عصر متأخر عن الرسول بولس، كدليلٍ على أن الرسالة ليست من وضعه، وأن الكاتب اقتبس الفكر عن سفر الرؤيا للقديس يوحنا اللاهوتي، ورأى بعضهم أن فكرة ابن الخطية كانت لدى البعض تعني ظهور نيرون الطاغية مرة أخرى الذي قيل عنه بعد موته أنه لم يمت لكنه مختفي في الشرق يستعد للظهور بعنفٍ لمقاومة الكنيسة وإيمانها بالسيد المسيح. وظن البعض أنه فاسبسيان، ورأى آخرون أنه يمثل عصر تراجان.

هذا الاعتراض لا يمكن الأخذ به، فإن هذا الفكر يوجد ما يماثله حتى عند دانيال النبي (دا 11: 36 - 45)، وعرف بوضوح في الكتابات اليهودية السابقة لظهور المسيحية، كما أعلنه بوضوح السيد المسيح نفسه كما ورد في إنجيل معلمنا مرقس الرسول (ص 13). هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن الرسول بولس كشعلة نار متقدة بالروح القدس في كرازته بالإنجيل وجد مقاومة مستمرة وظهر حتى في أيامه مرتدون عن الإيمان. فبقلبه الناري وبصيرته الروحية أوحى له الروح القدس عن قيام حركة ارتداد عنيفة للغاية أمرّ ما تعانيه الكنيسة في عصره تسبق مجيء للسيد المسيح مباشرة، فيها يتجسم الشيطان، إن صح هذا التعبير، في شخص ابن الهلاك المقاوم لشخص المسيح حتى يكمل معيار الشر.

ثالثًا: يرى بعض النقاد وجود اختلافات بين الرسالتين بينما الكاتب واحد والمرسل إليهم لم يتغيروا والرسالتان كتبتا في وقت وجيز، وقد بالغ بعض هؤلاء النقاد في الاختلافات مثل Davidson الذي ردّ عليه Salmon قائلاً بأن هذا النقد طفولي Childish criticism، إنه نقد كما لطفل يريد أن يسمع القصة تُروى له للمرة الثانية بنفس الطريقة وذات الكلمات تمامًا.

في الاعتراضين السابقين رأينا الاختلاف بين الرسالتين في الحديث عن مجيء الرب الأخير. بجانب هذين الاعتراضين يقول بعض النقاد أن الرسالة الأولى اتسمت بالمشاعر الفيّاضة والملتهبة من جهة الرسول نحو أهل تسالونيكي، بينما تكاد تتسم الثانية بشيء من الرسمية مع نوع من الحزم. ففي الرسالة الأولى يقول: "نشكر اللَّه كل حين" (1 تس 1: 2)، بينما في الثانية يقول: "ينبغي لنا أن نشكر اللَّه كل حين" (2 تس 1: 3؛ 2: 13). في الرسالة الثانية يقول: "نوصيكم مثل... هؤلاء نوصيهم ونعظهم" (2 تس 3: 6 - 12)، اللهجة التي لا نجدها في الرسالة الأولى. ولعل السبب في تغير اللهجة هو تغير الهدف، ففي الأولى يكتب الرسول كأب يشجع أولاده وقت الضيق موضحًا أبوته الحانية على المتألمين وكاشفًا مشاركته إياهم في آلامهم. أما في الثانية فيكتب لذات الشعب، ولكنه يوصي ويعظ بسبب سوء تصرفهم وامتناع الكثيرين عن العمل اليومي. لا يمكننا أن نطالب الرسول أن يكتب بنغمة واحدة في كل رسائله، إنما يقدم النغمة التي تناسب موضوع الكتابة والظروف المحيطة بالمرسل إليهم.

أما الاختلاف التالي الذي ركّز عليه النقاد فهو أن الرسالة الأولى موجهة بالأكثر إلى المؤمنين الذين من أصل أممي، والثانية فموجهة بالأكثر إلى من لهم دراية كبيرة بالعهد القديم. وقد اقترح A. Haruack نظرية الكنيسة المنقسمة، قائلاً بأن الرسول كتب رسالته الأولى إلى كنيسة الأمم في تسالونيكي والثانية إلى الكنيسة التي من أصل يهودي في ذات البلد. لكنه لا يمكننا قبول هذه النظرية، خاصة وأن الرسول بولس في رسالته يؤمن بجامعية الكنيسة وعدم تقسيمها بهذه الصورة. هذا ونلاحظ أن الرسول في رسالته الأولى يطالب بقراءتها على جميع الإخوة دون تمييز بين من هم من أصل أممي أو يهودي. أما استخدام العهد القديم فهذا لا يعني تخصص الرسالة الثانية لمن هم من أصل يهودي، ففي الأناجيل المكتوبة لمن هم من أصل أممي كإنجيل معلمنا مرقس الرسول استخدمت اقتباسات من العهد القديم.

رابعًا: إن كان البعض قد بالغ في وجود اختلافات بين الرسالتين كقرينة للاعتراض على الرسالة الثانية، فإنه من الجانب الآخر رأى البعض أن التشابه الشديد بينهما خاصة في الافتتاحية التي تكاد تكون مطابقة للرسالة الأولى ما يشكك في قانونية الرسالة الثانية، قائلين: ما الحاجة أن يكتب الرسول نفسه رسالة ثانية لذات الشعب وفي وقت وجيز؟ وبأسلوب متقارب في أمورٍ كثيرة؟

هذا الاعتراض ضعيف للغاية، ليس ما يوحي بالتشكك، خاصة وأن الرسالتين حملا ما هو متقارب، وما هو مختلف. يحدث التقارب حينما يكتب الرسول في أمر يود تأكيده، ويحدث الاختلاف حينما يكتب في أمرٍ جديدٍ طرأ على الكنيسة بعد وصول الرسالة الأولى.

خلال ملاحظاتنا على هذه الاعتراضات تتأكد لنا بالأكثر أصالة هذه الرسالة وصحة نسبتها للرسول بولس، وأنه لا حاجة للمحاولات التي قدمها بعض الدارسين كحلول للاعتراضات السابقة كأن يفترض البعض أن الكاتب غير معروف، أو أنها من وضع القديسين تيموثاوس وسيلا، وأن الرسول بولس اكتفي بتوقيعه فقط (3: 17)، أو أنها رسالة خاصة بالكنيسة التي من أصل يهودي، فإن هذه الحلول تثير مشاكل كثيرة. لهذا التزم غالبية الدارسين بالفكر الكنسي الأصيل.

ترتيب الرسالتين.

افترض بعض الدارسين أن الرسالة التي بين أيدينا سابقة للرسالة الأولى على خلاف ما جاء في التقليد الكنسي الأصيل، مقدمين الدلائل التالية، التي رفضها غالبية الدارسين لضعفها وعدم كفايتها:

أولاً: ادعى البعض أن ترتيب الرسالتين في الكتاب جاء ليس حسب تاريخ إرسالهما وإنما حسب حجمهما. هذه الحجة لا يمكن الاعتماد عليها، خاصة وأن هذا الترتيب وُجد في قانون مارقٌيون الذي لا يهتم بحجم الأسفار المقدسة.

ثانيًا: يرى البعض أن الرسالة الأولى لا تحوي شيئًا غير مفهوم تشرحه الرسالة الثانية. لكننا لا نقدر أن نقبل هذا الرأي، فإن حديث الرسول عن مجيء السيد المسيح في الرسالة الأولى قد أُسيء فهمه، فأسرع يكتب إليهم عن العلامات السابقة لمجيئه (2: 1 - 11)، لتكمل ما جاء في الرسالة الأولى، وتصحح ما حدث من سوء فهم.

ثالثًا: يرى البعض الدارسين أن الرسالة الأولى قد تحدثت عن غلبة أهل تسالونيكي (1 تس 1: 6 - 8). وكأن الأزمة قد عبَرت وانتهت بينما الرسالة الثانية تتحدث عن الضيقة التي لا تزال قائمة بل ومتوقعة في المستقبل. لكن هذه القرينة لا يمكن قبولها، فإن حديث الرسول عن النصرة والغلبة لا يعني عبور الضيقة، إنما كتب ذلك للتشجيع ولمساندتهم في تكميل طريق جهادهم وقبولهم الألم بأكثر شكر. نوالنا النصرة لا يعني نهاية الحرب الروحية أو توقف الضيقة، فإن النصرة تتبعها نصرة بلا توقف.

رابعًا: يرى البعض أن الرسول يظهر كمن هو على علم بالأمور الداخلية للكنيسة في تسالونيكي، إذ يقول: "وأما المحبة الأخوية فلا حاجة لكم أن أكتب إليكم عنها، لأنكم أنفسكم متعلمون من الله... فإنكم تفعلون ذلك" (1 تس 4: 9 - 10) بينما يكتب في الرسالة الثانية كمن هو في حاجة أن يدرك ما هم عليه كقوله: "ونثق بالرب من جهتكم أنكم تفعلون ما نوصيكم به وستفعلون أيضًا" والرب يهدي قلوبكم إلى محبة اللَّه وإلى صبر المسيح "(2 تس 3: 4 - 5). كيف يمكن أن يكتب في الرسالة أنه مدرك لأفعال محبتهم، بينما يعود فيكتب أنه يأمل في الرب أن يكونوا ممارسين لها؟

للرد على ذلك تقول بأن الرسول كتب في رسالته الأولى ليسند ويشجع وسط الضيق لهذا أبرز الجانب الطيب مؤكدًا اتجاههم الروحي الذي يعرفه عنهم في ثقة ليدفعهم للنمو، وفي الثانية إذ ينصح، كتب كمن يسألهم ويتأكد من سلوكهم في الطريق السليم بعدما أساءوا فهم مجيء الرب.

خامسًا: يعترض البعض قائلين كيف بعدما قال في الرسالة الأولى: "وأما الأزمنة والأوقات فلا حاجة لكم أيها الاخوة أن أكتب إليكم عنها..." (1 تس 5: 1)، يعود فيكتب عن ظهور إنسان الخطية في الرسالة التالية لها (2 تس 2)، لكن ما هو منطقي أنه في أول رسالة له كتب لهم عن إنسان الخطية، ولما تساءلوا معه عن موعد ظهوره لتحديد موعد مجيء الرب كتب إليهم أنه لا حاجة أن يعرفوا الأزمنة والأوقات.

يرد عليهم بأن الرسول بولس أثناء كرازته لهم أخبرهم شفاهًا عن مجيء الرب وبعد تركه تسالونيكي أثيرت التساؤلات حول موعد مجيء السيد وظهور ملكوته الأبدي. هذه التساؤلات طبيعية، ثارت من قبل في أذهان التلاميذ (مت24: 3)، ولا تزال تثور في أذهان المسيحيين حتى يومنا هذا، في الشرق كما في الغرب، وذلك بحكم ترقب الإنسان للأحداث المقبلة واشتياقه الداخلي للمعرفة. وكما فعل السيد المسيح مع تلاميذه، هكذا أيضًا الرسول بولس مع كنيسة تسالونيكي، فحذرهم أولاً من الانشغال في تحديد الأزمنة والانشغال بالأوقات، وإنما عوض التساؤلات يلزم السهر والاستعداد لمجيء الرب. وإذ فهموا حديثه بطريقة خاطئة بعث يؤكد لهم ظهور إنسان الخطية ليس تحديدًا للأزمنة، وإنما لينزع عنهم اللبس في الفهم.

سادسًا: لاحظ البعض أن الرسول افتتح بعض المواضيع في رسالته الأولى بالكلمة "وأما..." (1 تس 4: 9؛ 5: 1) الأمر الذي يشتم منه أنه يكمل حديثه عن أمر سبق فكتب عنه، فلا تكون هي الرسالة الأولى وإنما تسبقها رسالة أخرى. ويجيب بعض الدارسين بأن هذا لا يعني الالتزام بإرسال رسالة سابقة للأولى، وإنما يمكن أن يشير إلى أن هذه المواضيع قد تعرض لها قبلاً معهم ولو شفاهًا أثناء كرازته لهم، أو ربما يشير إلى رأيه في الرب بعدما حدّثهم عنها خادم آخر.

سابعًا: أن ملاحظته الختامية: "السلام بيدي أنا بولس الذي هو علامة في كل رسالة، هكذا أنا أكتب" (2تس3: 17)، يجدر أن تكون قد سُجلت في أول رسالة له، فلا تكون هذه الرسالة هي الثانية بل الأولى.

يرد على ذلك بالقول أن هذه الملاحظة سجلها الرسول بعد أن حدث لبْس بين رسائل الرسول الحقيقية والمزيفة، فيكون بهذا قد بعث الرسول رسالته الأولى كما ظهرت أيضًا رسالة أخرى منسوبة إليه خطأ.

ثامنًا: جاء في الرسالة الأولى أنه بعث إليهم تيموثاوس (1 تس 3: 2)، وظن البعض أن هذا يشير إلى أن الرسالة سُجلت بعد إرسال تيموثاوس الذي حمل الرسالة الثانية معه. فتكون بهذا الرسالة الثانية في حقيقتها هل الأولى، حملها تيموثاوس إليهم.

يرد على هذا بأن الرسول لم يبعث القديس تيموثاوس كحامل لرسالة له، وإنما بعثه كشريك معه في الخدمة يسندهم في الضيقة هذا من جانب، ومن جانب آخر لو أن تيموثاوس قد حمل الرسالة التي بين أيدينا لأشار إلى ذلك في الرسالة نفسها كحامل للرسالة.

لم يقف الدارسون على الرد على اعتراضات القائلين بأن هذه الرسالة هي الأولى، وإنما أوردوا الجوانب الإيجابية لتأكيد الفكر الكنسي الأصيل من جهة ترتيب الرسالتين، منها:

1. المشاكل الواردة في الرسالة الأولى جاءت في الرسالة الثانية بأكثر عمق، أو مكملة لها.

2. يظهر الرسول في الرسالة الثانية أنه قد سبق فأرسل لهم رسالة سابقة (2: 2؛ 3: 17)، غالبًا ما يقصد بها الرسالة الأولى، وفي نفس الوقت لم يشر في الرسالة الأولى إلى رسالة سابقة لها.

3. لو صح القول بأن الرسالة التي بين أيدينا هي الرسالة الأولى، فكيف يبدأ بها حيث ينصح وينذر ليعود فيرسل الرسالة الأخرى التي تحمل مشاعر حارة شخصية، فإن المنهج الذي اعتاده الرسول بولس أن يعطي حبًا ويفيض بالمشاعر لكي يتقبل السامع أو القارئ النصيحة، عندئذ ينصح وينذر.

أسباب الرسالة وغايتها.

1. سبق فرأينا أن الغاية الرئيسية لهذه الرسالة تصحيح المفاهيم الخاطئة التي سقط فيها بعض المؤمنين عند سماعهم الرسالة الأولى من جهة مجيء الرب، حيث ظنوا أن المجيء قد صار على الأبواب فأسرعوا إلى إهمال شئونهم اليومية وسلكوا في حياتهم بلا ترتيب. لهذا أرسل إليهم ينبئهم بأن المجيء لن يتحقق إلا بعد ظهور ابن الهلاك ويتسبب في ارتداد عظيم (2: 1 - 11).

2. يبدو أن رسالة ما قد وصلت إليهم منسوبة خطأ إليه أكدت لهم مفاهيمهم الخاطئة الخاصة بمجيء الرب، لذلك كتب هذه الرسالة موقعًا عليها بنفسه (3: 17).

3. إذ كانت الكنيسة لا تزال تحت الضيق كتب إليهم بأسلوب أبوي يشجعهم على احتمال الألم ويوضح لهم السلوك اللائق بهم كأولاد للَّه.

تاريخ كتابتها:

يبدو أنها كُتبت بعد الرسالة الأولى بشهور قليلة، حوالي منتصف عام 53م حيث كان القديسان تيموثاوس وسيلا لا يزالان معه (1: 1)، كتبها من كورنثوس.

أقسام الرسالة:

يمكننا تقسيم هذه الرسالة إلى ثلاثة أقسام رئيسية، فيتحدث في الأصحاح الأول بأسلوب إفخارستي (تشكرات للَّه)، وفي القسم الثاني يتحدث بأسلوب رؤيوي (ص2)، وفي الثالث بأسلوب عملي.

1. افتخاره بهم ص1.

2. إنسان الخطية ص2.

3. وصايا عملية ص3.

الأصحاح الأول

افتخاره بهم.

لم يكن ممكنًا للرسول بولس صاحب القلب المتسع وهو يكتب هذه الرسالة لكي يصحح المفاهيم الخاطئة بخصوص مجيء الرب الأخير، ويوصي ويوبخ من أهملوا أعمالهم اليومية، إلا أن يبدأ كعادته بالشكر لله من أجل ما يراه فيهم ناميًا في الروح، كاشفًا لهم الجوانب الطيبة في حياتهم الروحية، معلنًا لهم افتخاره بهم حتى يسندهم ويشجعهم! إنه في أبوة روحية صادقة يعرف كيف يشجع قبل أن ينتهر، ويعين الضعفاء حتى في لحظات توبيخهم.

1. افتتاحية الرسالة 1 - 2.

2. شكره للَّه وافتخاره بهم 3 - 4.

3. دينونة اللَّه العادلة 5 - 10.

4. صلاته لأجلهم 11 - 12.

1. افتتاحية الرسالة

"بولس وسلوانس وتيموثاوس إلى كنيسة التسالونيكيين في اللَّه أبينا والرب يسوع المسيح.

نعمة لكم وسلام، من اللَّه أبينا والرب يسوع المسيح "[1 - 2].

لم تختلف هذا الافتتاحية عن تلك التي وردت في الرسالة السابقة، لأن ظروف الكنيسة من جهة الضيقة المحيطة بها كانت لا تزال كما هي. إنه يراها الكنيسة الثابتة في المسيح يسوع، غنية ومقدسة وممجدة وسط آلامها، لها موضع في حضن أبيها السماوي خلال اتحادها برأسها "الرب يسوع المسيح". إلا أنه يكرر هنا وصف الآب أنه أبونا، وكأن الرسول وهو يتحدث في صلب الرسالة عن "الارتداد العظيم" بسبب ظهور "إنسان الخطية" في أواخر الدهور، يؤكد للكنيسة مركزها بالنسبة للآب، ودور الآب كأبينا السماوي الذي يرعانا ويحفظنا مهما اشتدت هجمات عدو الخير. إن أبوة الله تعلن بالأكثر حينما نتعرض لهجمات مرّة من الشيطان مقاوم الحق.

2. شكره للَّه وافتخاره بهم

"ينبغي لنا أن نشكر اللَّه كل حين من جهتكم أيها الإخوة كما يحق،.

لأن إيمانكم ينمو كثيرًا،.

ومحبة كل واحد منكم جميعًا بعضكم لبعض تزداد،.

حتى أننا نحن أنفسنا نفتخر بكم في كنائس الله،.

من أجل صبركم وإيمانكم في جميع اضطهاداتكم والضيقات التي تحتملونها. "[3 - 4].

يفتتح معلمنا بولس الرسول رسالته بالكشف عن شعوره بالالتزام بتسديد الدين لله، بتقديم ذبيحة شكر لله من أجل عمله لا في حياته الخاصة، إنما في حياة "الإخوة"، أولاده الروحيين. هكذا يفرح الأب الروحي بنمو أولاده الروحيين في الرب، فتبتلع حياته بالشكر لله بكونه مصدر كل عطية صالحة وواهب الحياة الفاضلة.

لعل سرّ فشل كثير من الخدام الغيورين تطلعهم بنظرة متشائمة نحو نقائص حياتهم الروحية وحياة المخدومين قبل أن يشكروا الله من أجل عطاياه في حياتهم الخاصة وفي حياة الآخرين. أما الرسول بولس فكان يشكر "كل حين". وكأن النقائص والضعفات لم تنزع عن قلبه حياة الشكر لحظة واحدة، إذ صارت حياته "أفخارستية" أي حياة شكر بلا انقطاع. بكلمات أخرى يمكننا أن نقول أن الشكر في حياة الرسول لم يكن مجرد كلمات يرددها بشفتيه بين حين وآخر، أو تسابيح يترنم بها من وقت لآخر، وإنما كان الشكر يمثل طبيعة تمس إنسانه الداخلي الذي يسبح الله بلغة الروح التي لا تتوقف، فتخرج التسبحة معلنة مع كل نسمة من نسمات حياته. صارت حياته قيثارة جديدة يعزف عليها روح الله القدوس ليقدم سيمفونية الشكر للآب في ابنه المحبوب يتنسمها رائحة رضا مقبولة لديه.

خلال هذا المنظار الروحي المبهج أدرك الرسول في أهل تسالونيكي نجاحهم في أساسيات الحياة المسيحية: الإيمان والمحبة والرجاء، فلمس منهم الإيمان العملي النامي بلا انقطاع، والمحبة نحو الجميع المتزايدة، والرجاء واهب الصبر وسط الضيقات. هذا النجاح سبق فأعلنه أكثر من مرة في رسالته الأولى لهم، كأن يقول: "متذكرين بلا انقطاع عمل إيمانكم وتعب محبتكم وصبر رجائكم" (1 تس 1: 3).

أولاً: من جهة الإيمان يقول "لأن إيمانكم ينمو كثيرًا" [3]. لم يكن هذا بالأمر الغريب أن يعلن الرسول لهم عن نمو إيمانهم كثيرًا وهم وسط الآلام. فإن الإيمان، كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم يظهر متزايدًا خلال عواصف التجارب الشديدة وأمواجها. فإذ تهب الرياح الشديدة تتمرّر نفس المؤمن فيه ولا يجد له ملجأ إلا أن يختفي في مسيحه، ليدخل معه وفيه إلى بستان جثسيماني وينحني بالتمام أمام الآب، يصرخ ويئن. يدخل المؤمن في رؤيا جديدة تتكشف في أعماله ما كان يمكنه أن ينعم بها خارج الألم ولو قضى سنوات طويلة في عبادات مستمرة. إن الضيق - من أجل المسيح - هو انفتاح لنفس المؤمن للتمتع بأعماق جديدة في صليب الرب ودفنه وقيامته، فيزداد إيمانه كثيرًا جدًا. الألم من أجل الرب يلزم القلب أن يصرخ من الأعماق مع الرسل، قائلاً: "زد إيماننا" (لو 17: 5)، فيجد أبواب السماء مفتوحة على مصراعيها لتمنح بلا مكيال!

تكشف التجربة أيضًا عن بهاء إيماننا، فنصير وسط الظلمة ككواكب متلألئة. فإن كان يليق بالمسيحي أن يحيا بالإيمان في أوقات الفرج، فإن نيران الضيق تكشف بالأكثر صدق إيماننا، وأتونه يعطيه بريقًا صادقًا.

ثانيًا: من جهة المحبة يقول: "ومحبة كل واحد منكم جميعًا بعضكم لبعض تزداد" [3]. إن كان الإيمان هو أساس الحياة المسيحية ومدخلها، فإن الحب هو مجدها، بكونه ثمر الروح (غل 5: 22) الذي لا يسقط أبدًا (1 كو 13: 8). إن كانت الضيقة أعطت لأهل تسالونيكي نموًا في الإيمان، فإنها بالأكثر ألهبت قلوبهم بالحب. ففي أتون الضيق يلتقي المؤمن بالمصلوب، لا ليراه فحسب، وإنما ينعم بفكره، فيحمل في داخله اشتياقًا روحيًا ملتهبًا أن يقدم حياته من أجل كل إنسان كما فعل سيده، ينسى ما هو لنفسه مهتمًا بما هو للآخرين. هنا يدرك وصية الرسول: "لا تنظروا كل واحد إلى ما هو لنفسه، بل كل واحدٍ إلى ما هو للآخرين أيضًا. فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضًا" (في 2: 4).

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم في قول الرسول "جميعًا" أثناء حديثه عن المحبة المتزايدة أنه يكشف عن طبيعة الحب التي لنا. فالحب لشخص أو اثنين أو أكثر ليس بحبٍ، إنما الحب هو اتساع القلب للجميع. حب الخاصة حب بشري، أما محبة الجميع حتى الأعداء فهو إلهي! وكأن المؤمن في لقائه مع المصلوب خلال الألم لا ينغلق قلبه نحو مضايقيه ولا يطلب النقمة لنفسه، وإنما على العكس يتسع قلبه بالحب نحوهم، مدركًا أن عدوه الحقيقي ليس الإنسان المقاوم له، وإنما عدو الخير الذي يثير البشر ضد بعضهم البعض.

ثالثًا: من جهة صبر الرجاء، يقول الرسول: "حتى أننا نحن أنفسنا نفتخر بكم في كنائس الله من أجل صبركم وإيمانكم في جميع اضطهاداتكم والضيقات التي تحتملونها" [4]. في الرسالة السابقة أعلن لهم الرسول أنه بسبب صبرهم في الضيقة صاروا قدوة للساكنين في مكدونية وأخائية، بل وأذيعت كلمة الله في كل مكان خلال حياتهم الحيّة حتى لم يكن له أن يتكلم عنهم، أما وقد طالت فترة الاضطهادات واشتدت عليهم الضيقات شعر بالمجد المتزايد الذي ينسب إليه بسببهم، فصار يفتخر بهم. حقًا إن مجد الكاهن أو الخادم يكمن في إيمان أولاده الروحيين في الرب، معلنًا عمليًا خلال الصبر برجاء وسط الضيق.

هنا يربط الرسول الصبر بالإيمان، فإن كثيرين لهم قوة احتمال بالطبيعة، لكن هذه السمة سرعان ما تخور حينما يسقط الإنسان تحت الظلم. أما الإيمان فيفتح العينين بالرجاء في دينونة الله العادلة ليتقبل من المصلوب صبره، ويشاركه سمته، فيفرح بالضيق كمجدٍ له، ملتهبة أعماقه بالشوق نحو اليوم الأخير.

موضوع فخر الرسول هو "الصبر" الذي اتسم به تلاميذه الروحيين، بكونه مشاركة عملية وصادقة في آلام المسيح وصلبه. هذا هو الكنز الذي اعتزت به الكنيسة في عصر الاستشهاد المبكر، وحينما انتهى الاضطهاد خرجت الجماهير إلى البرية لتتقبل خلال الحياة النسكية الألم بصبر فلا تُحرم من شركة الصليب في أعماق جديدة.

أقول بصدق هذا هو كنز المؤمن أن يقبل صبر المسيح فيه بالروح القدس كشركة آلام مع السيد، أيّا كان نوع الألم وأيّا كان مصدره! ليحرص أن يقتني الصبر الحقيقي في مرضه أو أتعاب أسرته أو عمله أو مضايقة الغير له! يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يليق بنا أن نسلك في نفس الطريق حتى نشاركه في المجد والكرامة... ما أمجد الآلام؟ بها نتشبه بموته.].

3. دينونة الله العادلة

"ملكوت الله الأبدي" هو سرّ احتمال المؤمنين للآلام بصبر، إذ يقول الرسول: "بينة على قضاء الله العادل أنكم تؤهلون لملكوت اللَّه الذي لأجله تتألمون أيضًا" [5]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا القول الرسولي بأن الإنسان الطبيعي في وسط الضيق والظلم يثور في قلبه شوق نحو النقمة من الظالمين، لكن المسيحي تلتهب مشاعره بانتظار الدينونة العادلة لنواله ملكوت اللَّه الأبدي، وتمتعه بالأمجاد السماوية.

المؤمن الحقيقي حينما يسقط تحت الظلم لا يطلب النقمة الإلهية من الظالمين، وإنما يتهلل فرحًا بحمله الصليب، وتسمو مشاعر الفرح فوق المرارة لتعلو بالإنسان إلى الأمجاد. أما من جهة الظالمين، فهو يكره الظلم لا الظالم، ويشعر بضعف الطبيعة البشرية التي يستخدمها الشيطان - عدو البشرية كلها - أداة لظلم الإنسان لأخيه، مشتاقًا أن يرى الظالمين وقد تحرروا من عبودية الظلم والقسوة، لينعموا بملكوت الحب الأبدي. بهذه النظرة الإيمانية يتقبل المؤمن الألم لا في استسلام وخضوع، وإنما بروح القوة والحب، متطلعًا إلى المجد الأعظم الذي يشتهيه لكل بني البشر.

لكن الرسول يكمل حديثه ليقرر حقيقة واقعة لا يشتهيها المؤمن، ألا وهي: "إذ هو عادل عند اللَّه أن الذين يضايقونكم يجازيهم ضيقًا" [6].

لم يقل "لأنه عادل" وإنما "إذ هو عادل" وكأن الرسول يقرر حقيقة لا تحتاج إلى نقاش، وهي أن الله يجازي المضايقين ضيقًا إن أصرّوا على موقفهم بلا توبة. لقد كان الرسول نفسه يومًا يقاوم الكنيسة ويضايقها، لكنه إذ فعل ذلك في جهالة، وإذ قبل الحق عندما أشرق عليه، تلقّفته رحمة اللَّه الغافرة لا ليتخلّى عن مضايقته للمؤمنين، وإنما ليتقبل بفرح مضايقة الأشرار من أجل الإيمان. وكما قال الرب عنه لحنانيا: "لأن هذا لي إناء مختار ليحمل اسمي أمام أمم وملوك وبني إسرائيل، لأني سأريه كم ينبغي أن يتألم من أجل اسمي" (أع 9: 15).

أراد الرسول أن ينعشهم وسط ضيقتهم، ففتح أعينهم على استعلان ربنا يسوع المسيح من السماء قائلاً: "وإياكم الذين تتضايقون، راحة معنا عند استعلان الرب يسوع من السماء مع ملائكة قوته" [7]. ففي العالم علق السيد على الصليب بينما كان الأشرار هم أصحاب السلطان. وللأسف كان أصحاب السلطان الديني كرؤساء الكهنة والكهنة والكتبة والفريسيين الخ. أكثر عنفًا. هوذا يأتي اليوم الأخير ليعلن السيد المسيح كملك أبدي، أما الأشرار الذين لم يقدموا توبة فيهلكون. وكأنه يقول لهم: إنكم تشتركون مع السيد هنا في آلامه وضيقته لتشتركوا معه أيضًا في يوم مجده العظيم.

لم يكن منظر المجد الأبدي والراحة السماوية يفارق عيني الرسول، ففي قوله "راحة معنا" إنما يقول: مجيئه الأخير هو سرّ راحتنا نحن الرسل، وهو سرّ راحتكم، ستكونون معنا لننعم جميعًا بالملكوت عينه. في هذا اليوم يأتي الرب مع ملائكة قوته، فتشتركون ونحن معكم مع الطغمات السماوية في الحياة العلوية الممجدة كإعلان لقوة الرب.

يلقب الرسول الملائكة القادمين مع السيد في يوم مجده الأبدي بـ "ملائكة قوته". وكأن الرسول يود أن يقول لهم: لقد دعيتم هنا للحياة الملائكية. لكن وسط الضيقات تظهرون كمن في ضعف، وستأتون أنتم أنفسكم مع الملائكة كأناس روحيين وأولاد لله وورثة ملائكة قوةّ! إن الضعف الذي يعيشونه الآن وسط أتون الضيق إنما هي البذار التي تُلقى في الأرض في ضعفٍ، لتأتي بثمرٍ كثير في قوة. إن السيد المسيح بضعف الصليب أظهر ما هو أعظم من القوة، مقدمًا للبشرية الطبيعة الجديدة على صورة الخالق، رافعًا إيّاها من انحطاطها وفسادها إلى العلو السماوي، فإننا بالاتحاد معه ننطق خلال ضعف الصليب إلى قوة القيامة وأمجادها.

العجيب أن الرسول بولس الذي يسجل هذا الرسالة ليصحح خطأهم من جهة ظنهم أن يوم الرب قد اقترب جدًا، فأهملوا أعمالهم اليومية، إذ به يحدثهم عن شوقه لهذا اليوم، واضعًا إيّاه نصب أعينهم كدافع لجهادهم وسط الضيقات، دون إهمال أعمالهم اليومية. فالرسول لا يقبل التطرف اليميني أو اليساري، فلا ينشغل الإنسان بالزمنيات فيفتر قلبه عن الشوق للأبدية، ولا يُمتص قلب الإنسان في الأبديات على حساب تقديسه للعمل الزمني.

يكمل الرسول حديثه، قائلاً: "في نار لهيب معطيًا، نقمة للذين لا يعرفون الله، والذين لا يطيعون إنجيل ربنا يسوع المسيح" [8].

يرى الرسول بولس ربنا يسوع قادمًا في ملكوته الأبدي في نار لهيب يحرق أعداءه، وكما يقول المرتل: "يأتي إلهنا ولا يصمت، نار قدامه تأكل، وحوله عاصف جدًا" (مز 50: 3)، "قدامه تذهب نار وتحرق أعداءه حوله" (مز 97: 3). إنها نار العدل الإلهي التي لا تطيق الشر بل تبيده، فتحل النقمة على الذين لا يعرفون الله والذين لا يطيعون إنجيله المقدس.

لماذا يكتب الرسول عن النقمة الإلهية؟ هل في هذا ما يعطي الذين في ضيقة والساقطين تحت الظلم راحة؟ لست أظن أن الرسول بولس صاحب القلب المتسع بالحب لكل البشر، الذي يشتهي خلاص كل نفس في العالم، يقصد هذا. وإنما أراد الرسول أن يعلن حقيقة واقعة تحدث سواء اشتهاها الظالم أو رفضها، وهي أن الذين يصنعون الظلم ويصرون عليه يجتنون ثمرته الطبيعة كنقمة إلهية. الذين يختارون الفساد يحل بهم الفساد ليبيدهم، والذين يضايقون الغير ظلمًا يُكال لهم بذات الضيق والظلم، كقول الرسول نفسه: "الذين يضايقونكم يجازيهم ضيقًا" [6]. فما يحدث للأشرار كنقمة إلهية ليس موضوع شهوة المؤمنين، ولا المؤمنون هم السبب في مجازاتهم، وإنما جهلهم أو عصيانهم هو السبب. فبالنسبة للأمم الذين لا يعرفون الله يسقطون تحت الجزاء بسبب ظلمة جهلهم، أما الذين صارت لهم معرفة بالإنجيل فقبلوه في فكرهم دون حياتهم، فإنهم يسقطون تحت النقمة بسبب عصيانهم، وكأن الله يدين الأشرار، سواء كانوا من الأمم أو المؤمنين العصاة. ولعل الرسول قصد بقوله: "لا يطيعون إنجيل ربنا" جماعة اليهود الذين رفضوا الإنجيل بالرغم من وجود النبوات بين أيديهم، فصاروا في زمرة العصاة غير الطائعين للإنجيل المكتوب في نبوات العهد القديم.

حديث الرسول عن النقمة الأبدية لا يعطي المؤمنين راحة داخلية بسبب سقوطهم تحت ظلم الأشرار، وإنما يهبهم حذرًا داخليًا لئلا يسقطوا هم تحت النقمة. فإن كانوا يسقطون حاليًا تحت الظلم، فهذا الضعف يثمر قوة، لكن إن انحرفوا هم إلى الظلم يحسبون كمن هم بلا معرفة لله وعصاة لإنجيل ربنا يسوع، فيسقطون تحت العقوبة الأبدية. يذكرنا هذا بما كان يفعله أحد الآباء النساك إذ كان يبكي كلما رأى إنسانًا يصنع ظلمًا لأخيه، فلما سأله تلميذه عن سبب بكائه قال له أنه إذ يرى الآخرين يصنعون ظلمًا يذكر ضعف طبيعته، فيخشى لئلا يسقط هو في ذات الفعل، فيظلم غيره ويخسر خلاصه الأبدي. حقًا إن عقوبة الأشرار تثير فينا بالأكثر عطفنا عليهم لانتشالهم من الهلاك الأبدي، وحذرنا لئلا نسقط نحن فنهلك أبديًا.

يصف الرسول الهلاك الذي يسقط تحته الأشرار، قائلاً: "الذين سيعاقبون بهلاك أبدي من وجه الرب ومن مجد قوته" [9]. فمن جهة هو هلاك أبدي لا رجعة فيه ولا توقف له، يتحقق بظهور الرب نفسه وإعلان مجده الأبدي. كأن إعلان وجه الرب وظهور مجد قوته فيه هلاك طبيعي للأشرار، كالنور الذي يدين الظلمة ويفضحها مبددًا إيّاها. مجيئه الذي هو سرّ فرحنا ومجدنا وملكوتنا هو بعينه سرّ هلاك الأشرار أبديًا.

في العالم الحاضر يطلب الأشرار مجد أنفسهم فيظهرون ليختفي وجه الرب عنهم، ويمارسون القوة والعنف إن لم يكن واضحًا في السلوك، ففي القلب وبالإرادة في الداخل، أما في العالم الآتي فيظهر وجه الرب الذي قاوموه فلا يقدروا على اللقاء معه أو معاينته، إذ يقول الكتاب يظهر مجد قوة الرب معلنة في ملائكته وقديسيه وينفضح بطلان الأشرار وضعفهم الكامل. لذلك يُحسب إعلان مجيئه عقابًا للهالكين ومجدًا للقديسين. بهذا المفهوم يكمل الرسول حديثه، قائلاً: "متى جاء ليتمجد في قديسيه ويتعجب عنه في جميع المؤمنين، لأن شهادتنا عندكم صدقت في ذلك اليوم" [10].

من الذي يتمجد اللَّه أم قديسوه؟ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هل يتمجد اللَّه؟ يجيب الرسول: نعم يتمجد في جميع القديسين. كيف؟ عندما يرى المتكبرون أن الذين سبقوا فجلدوهم واحتقروهم واستهزئوا بهم الآن هم قريبون منه جدًا. إنه مجد للَّه كما هو مجد لهم. إنه مجده ومجدهم معًا! مجد له إذ هو لم يتركهم، ومجد لهم أنهم تأهلوا لكرامة عظيمة كهذه.].

هذه هي إرادة اللَّه أن يتمجد هو في عروسه المتألمة، فتحمل سماته هنا وهناك، إذ يظهر صبره فيها خلال جهادها الروحي ومجده وجماله أيضًا فيها خلال تمتعها بالميراث الأبدي. ففي الصلاة الوداعية كانت كلماته مع الآب هكذا: "أنا ممجد فيهم" (يو 17: 10)، "وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد" (يو 17: 22). وجاء في إشعياء النبي: "تكونين إكليل جمال بيد الرب وتاجًا ملكيًا بكف إلهك" (إش 62: 3) وفي حزقيال النبي: "خرج لك اسم في الأمم لجمالك، لأنه كان كاملاً ببهائي الذي جعلته عليك يقول السيد الرب" (16: 14). فإن كان اللَّه يسكب مجده عليها ويعلن بهاءه في داخلها، ويجعلها في يده إكليل جمال وتاجًا ملكيًا، وهي بعد تسلك على الأرض في هذه الحياة وسط الضيقة والألم، فكم بالأكثر حينما تخرج من عالم الألم لتحيا معه في أمجاده تشاركه ميراثه الأبدي، وتكون في حضرته تلتقي به وجهًا لوجه. حقًا سيكون ذلك اليوم المجيد شهادة مجد لله العامل في كنيسته وللعمل الرسولي بكونه الوساطة التي خلالها تمتعنا بالكرازة بالإنجيل، فدخلنا إلى الميراث الأبدي.

4. صلاته لأجلهم

"الأمر الذي لأجله نصلي أيضًا كل حين من جهتكم.

أن يؤهلكم إلهنا للدعوة،.

يكمل كل مسرة الصلاح وعمل الإيمان بقوة.

لكي يتمجد اسم ربنا يسوع المسيح فيكم، وأنتم فيه،.

بنعمة إلهنا والرب يسوع المسيح "[11 - 12].

في هذا الحديث الختامي للقسم الأول من الرسالة الخاص بمساندتهم والافتخار بهم لاحتمالهم الآلام والضيقة بشكر، أبرز الرسول الجوانب التالية:

1. عمله الدائم من أجلهم حتى في غيابه عنهم حسب الجسد، خلال الصلاة، "كل حين من جهتكم". فالراعي الحقيقي لا يكف عن الصلاة من أجل رعيته، وكما يقول صموئيل النبي: "وأما أنا فحاشا لي أن أخطئ إلى الرب، فأكف عن الصلاة من أجلكم، بل أعلمكم الطريق الصالح المستقيم" (1 صم 12: 23)، حاسبًا النبي توقفه عن الصلاة من أجل شعبه ولو إلى حين خطية يرتكبها ضد الله، وإهمالاً جسيمًا يوقف تعليمه للشعب لمعرفة الطريق الصالح المستقيم فالصلاة والتعليم أمران متلازمان في حياة الخادم بدونهما يخطئ في حق الله نفسه، خلال إهماله في تدبير الشعب وتعليمه. يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن أهمية الصلاة في حياة الكاهن، قائلاً: [إذ أؤتمن الكاهن على العالم كله وصار أبًا لجميع الناس، يتقدم إلى اللَّه متوسلاً في الصلوات الخاصة والعامة من أجل رفع الحروب في كل مكان، وإخماد الاضطرابات، ملتمسًا السلام والهدوء لكل نفس، والشفاء للمرضى.].

2. موضوع صلاته الدائمة عن الشعب هو أن يحسبهم الله مستحقين للدعوة الإلهية. فإن كان الله قد دعاهم للمجد الأبدي بكونهم أولاد اللَّه المختارين، فإنهم محتاجون أن يبقوا، خلال صلاة خادمهم الروحي، ثابتين في هذه الدعوة، فتكمل مسرّة الله الصالحة من نحوهم، ويعلن الإيمان فيهم قويًا خلال العمل. وكأن الله له كل الفضل إذ هو الذي دعاهم للمجد الأبدي، وما على الرسول إلا الصلاة عنهم، سائلاً مقدم الدعوة أن يعمل فيهم بنعمته، ليتأهلوا للدعوة المجانية، ولكن دون تجاهل الجانب الإيجابي العملي لإيمان الشعب نفسه.

في كلمات قليلة وبسيطة وبطريقة غير مباشرة أبرز الرسول دور الله نفسه ودور الخادم كما دور الشعب في التمتع بالمجد الأبدي. الله هو صاحب الدعوة المجانية، له كل الفضل. والرسول ما هو إلا مقدم صلوات بلا انقطاع يستعطف الله ويستدر رحمته. إنه الآب المترفق الذي يعرف مصدر العطايا الصالحة لشعب الله فيطلبها من مصدرها. أما دور الشعب فهو إعلان الإيمان خلال العمل بقوة الروح.

بينما يكتب الرسول معلنًا محبته العملية لهم بالتفرغ للصلاة الدائمة من أجلهم دون أن يهمل بقية الكنائس، مبرزًا فضل نعمة الله الغنية إذا به يحثهم على العمل بقوة، لإعلان إيمانهم الحيّ، وتحقيق دعوة الله لهم. وكأن إرادة اللَّه بدعوتهم للمجد لا تتحقق ولا بصلوات الرسول المستمرة بدون إيمانهم الحيّ العامل بقوة الروح. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [النعمة دائمًا مستعدة! إنها تطلب الذين يقبلونها بكل ترحيب. هكذا إذ يرى سيدنا نفسًا ساهرة وملتهبة حبًا، يسكب عليها غناه بفيض وغزارة تفوق كل طلبته.] كما يقول: [يطلب اللَّه منا حجة صغيرة لكي يقوم هو بكل العمل.].

3. إن كان غاية صلوات الرسول هي تحقيق إرادة الله فيهم بنوالهم المجد الأبدي، فإن هذا المجد في الواقع هو مجد مشترك، مجد للعريس كما للعروس، إذ يقول: "لكي يتمجد اسم ربنا يسوع المسيح فيكم، وأنتم فيه، بنعمة إلهنا والرب يسوع المسيح" [12]. المجد الذي ينعمون به خاصة في يوم مجيء الرب الأخير هو مجد اسمه القدوس. حينما يقدم السيد مجده لكنيسته إنما يرتد هذا المجد لاسمه القدوس، وكل مجد لاسمه القدوس إنما يعلن فيهم لحسابهم.

غاية حياتنا أن يتمجد اسمه القدوس، لذا نصلي يوميًا قائلين: "ليتقدس اسمك"، وكما يقول الرسول: "لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء، ومن على الأرض، ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد اللَّه الآب" (في 2: 10 - 11). هذا التقديس يتم لحسابنا، إذ نتمجد نحن فيه "لأن المقدس والمقدسين جميعهم من واحد، فلهذا السبب لا يستحي أن يدعوهم إخوة" (عب 2: 11)، ومعه تملك في المجد كقول الرسول: "إن كنا نصبر فسنملك أيضًا معه" (2 تي 2: 12)، "فإن كنا أولادًا فإننا ورثة أيضًا، ورثة الله ووارثون مع المسيح، إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه" (رو 8: 17).

يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن المجد المشترك بين السيد وكنيسته قائلاً: [إذ يتمجد السيد يتمجد أيضًا عبيده. الذين يمجدون سيدهم يتمجدون هم أنفسهم بالأكثر بذات المجد الذي له، وأيضًا بمجد خاص بهم... إن النعمة التي يهبها لنا إنما أن يتمجد فينا ونحن نتمجد فيه.].



أضف تعليق

الأصحاح الثاني - تفسير رسالة تسالونيكي الثانية - القمص تادرس يعقوب ملطي