الفصل الخامس إنقاذ يونان من قسوته وكبريائه

الفصل الخامس إنقاذ يونان من قسوته وكبريائه

كان هناك فرح فى السماء بخلاص نينوى.

لقد فرح الله. وفرح الملائكة، وكانوا يهنئون بعضهم قائلين: لقد آمنت نينوى، وقد تابت، وقد أنضم إلى ملكوت الله 120000 من الناس فى يوم واحد.

ووسط أفراح السماء وتهليل الملائكة، كان هناك إنسان واحد حزين بسبب هذا الخلاص العظيم، ذلك هو يونان النبى.

لقد حزن جدا لأن الله غفر لهؤلاء الناس ورحمهم ولم يهلكهم. وقد عبر الكتاب عن حزن يونان بعبارة مذهلة أو بعبارة مخجلة. قال فيها ((فغم ذلك يونان غماً شديداً فاغتاظ)) ((4: 1)). يا للهول!! أيغتم النبى من أجل خلاص الناس، وغماً شديداً، ويغتاظ!! كل ذلك لأن هذه الآلاف كلها قد نجت من الهلاك...

إذن ما هو عمل النبى، إن لم يكن هو خلاص الناس؟! وما هو فرح النبى إن لم يكن هو الفرح بخلاصهم؟!

يذكرنى يونان في تصرفه هذا بالابن الكبير عندما حزن ورفض أن يدخل، لأن أخاه كان ميتا فعاش، وكان ضالا فوجد... وقد قبله أبوه فرحاً فأغتم هذا الأبن الكبير غماً شديداً وأغتاظ، كيونان... وحاول بغضبه أن يعكر صفو تلك البهجة.. تماماً كيونان.

فما هو السر المختفى وراء غيظ يونان النبى؟

لقد كان يونان ما يزال متمركزا حول ذاته، لا يفكر إلا فيها.

لم يكن يفكر في نينوى، ولا فى توبتها، ولا فى هذا الخلاص العظيم الذى تم، ولا فى ملكوت الله وبنائه. وإنما كان يفكر في شئ واحد فقط هو ذاته.. تماما كما فكر الأبن الكبير فى ذاته: كيف أنه خدم أباه سنين طويلة، وكيف أنه لم يأخذ جديا، ولم يفرح مع أصدقائه... ((لو15)) وعلى أسلوب أقل فى الأهتمام بالذات، كان تعب مرثا بسبب جلسة التأمل الجميلة التى تمتعت بها مريم تحت قدمى المسيح... كانت تفكر فى راحتها الخاصة وعدم حصولها على مساعدة من أختها...

أما يونان، فقد كان تفكيره فى ذاته من نوع أخطر. كان ما يزال يفكر فى كرامته وفى كلمته التى نزلت إلى الأرض...

إنه نفس التفكير السابق القديم، الذي دفعه قبلاً إلى الهروب من وجه الرب... وبسبب هذا الفكر، حرم نفسه من الاشتراك فى أفراح السماء، وفصل نفسه من الانضمام إلى جماعة الملائكة المبتهجين بخلاص نينوى. وبرهن بغيظه هذا، على أن طريقة تفكيره ذاتية غير روحية، وبرهن على أن مشيئته ضد مشيئة الآب السماوى الذى ((يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون)) ((1 تى 2: 4)).

وبهذا الغيظ برهن يونان على أنه لم يستطع أن يستفيد من تجربته السابقة. نسى الثمن الذى دفعه في بطن الحوت وفى السفينة المهددة بالغرق...

لم يؤثر فيه ذلك الدرس المؤلم الذي تلقاه من الله. وإن كان قد أطاع الله ظاهريا بعد تلك التجربة، إلا أنه ظل فى الداخل كما هو لم يتغير، ولم يتخلص من طبيعته المحبة لذاتها وكرامتها المتمركزة حول هذه الذات. لم تكن خدمة الرب فى أعماقه، ولم تكن فى أعماقه محبة الناس... كانت كل هذه الأمور تطفو على سطح تفكيره. أما العمق ففيه الذات والكرامة أكثر من أى شئ أخر!!

والعجيب أن يونان ــ وهو فى هذا السقوط الروحى ــ صلى إلى الرب... بأى وجه كان يصلى وهو مختلف مع الله فى الوسيلة والأهداف؟! بأى وجه كان يصلى وهو بهذا القلب الخالى من المحبة المغتاظ من تصرفات الله؟! لست أدرى. ولكن يكشف الأمر ويزيده عجباً، أنه كان يصلى ليشكو الله ويبرر ذاته، ويتذمر على هذه المعاملة. طالبا لنفسه الموت، فالموت عنده أفضل بكثير من ضياع كرامته...

إنه أخطأ، ولم يعترف بخطئه، بل على العكس تذمر!! وهكذا صلى وقال ((آه يا رب...)) بل آه منك أنت يا يونان الذى لا تهتم سوى بنفسك وكرامتك! ماذا تريد أن تقول؟ يتابع يونان صلاته فبقول ((آه يا رب، أليس هذا كلامى إذ كنت بعد فى أرضى؟! لذلك بادرت بالهرب إلى ترشيش، لأنى علمت أنك اله رءوف ورحيم بطئ الغضب وكثير الرحمة ونادم على الشر)) ((4: 2)).

وماذا يضيرك يا يونان فى أن يكون الله رحيما؟! ثق أنه لولا رحمته لهلكت أنت أيضاً... إن رحمته قد شملت الكل. كما شملت أهل نينوى التائبين المتذللين أمامه، كذلك قد شملتك أنت أيضاً الذى لم تتب بعد، ولم تتذلل، وحتى صلاتك فيها تبرير ذات، وفيها شكوى، وفيها تذمر...

ويصرخ يونان فى تذمره ((فالآن يا رب خذ نفسى منى، لأن موتى خيرمن حياتى))!!

هل إلى هذا الحد وصل غيظك من سقوط كلمتك يا يونان، لدرجة أنك ترى موتك خيرا من حياتك؟! قبل كل شئ، ينبغى أن تعلم أنها كلمة الله وليست كلمتك. انك مجرد مبلغ لرسالة، وصاحب الرسالة هو الله ذاته. فإن كان الله فى كل علوه وسموه وسلطانه، قد قبل هذا الوضع، فلماذا لا تقبله أنت، وأنت مجرد تراب ورماد...

ثم من قال أن كلمة الله التى قمت بتبليغها قد سقطت أو تغيرت أو نزلت إلى الأرض؟! أن الله أصدر حكم الهلاك والانقلاب على نينوى الخاطئة، وليس على نينوى التائبة.

كانت نينوى الخاطئة تستحق الموت حسب عدل الله، لآن ((أجرة الخطية هى موت)). ولكن نينوى الخاطئة ليس لها وجود الآن، حتى يعاقبها الله بالأنقلاب... أنها قد إنقلبت فعلاً عندما تحولت إلى هذا الوضع الجديد. ونينوى الجديدة لا علاقة لها إطلاقا بنينوى الخاطئة، التى ماتت فعلاً واختفت صورتها عن أعين الناس. نينوى الجديدة هى مخلوق جديد قد ولد من الروح القدس، مخلوق طاهر نقى، بطبيعة جديدة وروح جديدة، وصفات جديدة. وليس من العدل أن يحكم على هذا المخلوق الجديد بالموت. إذن فإنقاذ الله لنينوى عمل من أعمال عدل الله، وليس فقط من أعمال رحمته...

لو كانت نينوى قد استمرت في خطيئتها وشرها، وأبقاها الله على هذه الحالة ولم ينفذ فيها حكمه، لأمكن القول أن كلمة التهديد قد سقطت ولم تنفذ.

على أن يونان لم يفهم هذا المنطق، وأهتم بحرفية الحكم لا بروحه! لذلك اغتاظ، ولم يكن له حق فى غيظه.

ومن الأمور التى تدعو إلى الدهشة، أن يونان ــ بعد صلاته التى عاتب فيها الرب وتذمر مما حدث ــ كان ما يزال يراوده أمل فى أن يعود الله فيهلك المدينة، إكراماً لنبيه وإرضاء لهذا القلب المغتاظ!!. وهكذا يقول الكتاب أن يونان صنع له مظلة خارج المدينة وجلس تحتها ((حتى يرى ماذا يحدث فى المدينة))!! ((4: 5)).

رأى الله أن يونان مغتم ومغتاظ، فأراد أن يعمل معه عمل محبة. بينما كان يونان يفكر فى ذاته، كان الله يفكر فى خلاص الناس. الله لم يفكر فى كرامته، كيونان. لم يفكر كيف أن يونان عصاه وخالفه وتذمر على أحكامه، وإنما فكر كيف يريح يونان ويخلصه من غمه. عجيبة هي محبة الله هذه...

كان لله عمل كبير مع يونان لا بد أن يعمله...

يسعى لخلاصه هو أيضا، لئلا بعد ما كرز لآخرين، يكون هو نفسه مرفوضاً أمام الله ((1 كو 9: 27))... كان هذا الذى كرز للناس بالتوبة يحتاج هو أيضاً إلى توبة، يحتاج أن يتخلص من قسوته ومن كبريائه ومن اعتزازه بكرامته. وكدأب الله دائما، بدأ هو بعمل المصالحة، فلما رأى يونان مغتماً، أعد يقطينة ارتفعت فوق رأس يونان ((لتكون ظلا على رأسه، لكى يخلصه من غمه)) ((4: 6)).

ما أكثر ما تتعب يا رب من أجلنا! من أجل راحتنا، ومن أجل إصلاحنا، ومن أجل مصالحتنا. كنا نظن انك إسترحت منذ اليوم السابع، ولكنك ما تزال تعمل من أجلنا، استرحت من خلق العالم. أما من جهة رعايته فما تزال تعمل.

أنت تريد أن تريح يونان من غمه؟! ولكنه هو الذى يجلب لنفسه الغم بأسلوبه الخاطئ، نعم، الأمر كذلك، ولكنى أريد أن أريحه من الأمرين معاً، من غمه ومن أسلوبه الخاطئ انه ابنى على أى حال....

سأخرج القساوة من قلبه بأعمال الرحمة التى اعملها معه، لكي يرى ويتعلم. وكما أشفقت على نينوى، أنا أشفق عليه أيضاً، لان الشفقة هى طبيعتى. لقد أشفقت عليه عندما القى فى البحر، وأشفقت عليه وهو في جوف الحوت، وأشفقت عليه فى كل أخطائه وأحاسيسه. والآن أشفق عليه فى غمه. لقد أعددت له اليقطينة لتظلل عليه، لأنى أعرف أنه سيفرح بها جدا. وأنا أبحث عن فرحه، مهما تذمر على أحكامى، ومهما أغتاظ من عملى...

وكان كما شاء الله (( وفرح يونان من أجل اليقطينة فرحاً عظيماً)) ((4: 6)). صدقونى أننى عندما قرأت عن الفرح العظيم الذى فرحه يونان باليقطينة انذهلت جدا... أنها ولا شك عبارة مخجلة...

هل تفرح يا يونان فرحًا عظيماً من أجل اليقطينة التى ظللت عليك، ولا تفرح ولو قليلًا، بل تغتاظ من أجل رحمة الله التي ظللت على 120 ألف نسمة؟! ألم يكن الأجدر أن تفرح هذا الفرح العظيم من أجل خلاص نينوى؟!

ولكنك فرحت باليقطينة، لأنك تفكر فى راحتك الشخصية، فى ذاتك، وليس في ملكوت الله على الأرض..! والله رأى فى أن يفرحك بهذا الأسلوب الذى تفرح به. لكى يريك أنه مهتم بك، وأنه لا يعاملك حسب أعمالك، بل حسب وفر حنانه... ينزل الله إلى مستواك المادى، لكى يرفعك إلى المستوى الروحى اللائق بنبى.. انه يعاملك بهذه الشفقة وأنت خاطئ، لكى يغرس في قلبك الشفقة نحو الخطاة. وهكذا يعالج قسوتك على أهل نينوى وعدم رحمتك نحوهم.

واليقطينة التى أعدها الله ليونان، كانت تحمل هدفين:

الأول هو إظهار الشفقة نحو يونان إذ تظلل عليه، والهدف الثانى أن يتعلم من قصتها درساً روحياً نافعاً لحياته. بنمو اليقطينة يعمل الله عمل رحمة نحو يونان، وبهلاك اليقطينة في يبسها، يعمل الله عمل تعليم وإرشاد ليونان، لكي ما يستفيد مادياً ونفسياً وروحياً.

داخل نينوى كان يعمل مع الله فى نشر ملكوته بالكرازة، وخارج نينوى كان الله يعمل لأجل يونان لتخليص نفسه، ولتخليصه من غمه...

واستمر الله يعمل، فى هدوء وصمت، دون أن يحس يونان بعمله. عندما فرح يونان باليقطينة، فرح بظلها، ولكنه لم يفرح بدرسها، إذ لم يكن قد تلقاه بعد. فرح باليقطينه، ولم يفرح بالله الذى كان يعمل وراء اليقطينة من أجله.

وإذ بدأت خطة الله تأتى بثمرها، ضرب اليقطينة فيبست، أعد لها دودة فضربتها. وانتهى الدور الذي قامت به اليقطينة وبقى أن يتخذها الله مادة للتعليم!

ضاعت اليقطينة، وضاع الظل، وضربت الشمس على رأس يونان فذبل، واشتهى لنفسه الموت. كل ذلك كان بتدبير من الله، لكى يعطى يونان درسا نافعاً لخلاص نفسه.

حقا أن الله يدبر كل شيء للخير. الظل للخير، وضربة الشمس للخير أيضاً.

يمكن أن يذبل الجسد، ويكون هذا خيراً، لكى تنتعش الروح. ويمكن أن يتضايق يونان وتتعب نفسه ويشتهى الموت، وتكون ضيقته وتعبه جزءاً من الخطة الإلهية صالحاً لتخليص روحه وتنقية قلبه...

ان الله يريد لنا الخلاص، وهو مستعد أن يستخدم كافة السبل النافعة لخلاصنا، حتى لو كانت تحمل أحياناً تعباً للجسد، أو تعبا للنفس...

وفى خلال كل هذه التدابير الروحية كان يونان غارقًا فى تفكيره المادى. يفرح من أجل اليقطينة، ويحزن من أجل ضياعها، دون أن يفكر فى خلاص نفسه، ودون أن يهتم بالمصالحة مع الله..

وإذ ذبل يونان من ضربة الشمس، ((طلب لنفسه الموت وقال موتى خير من حياتى)) ((4: 8)). وكانت هذه هى المرة الثانية التى يطلب فيها الموت لنفسه: الأولى عندما تضايق من أجل كرامته وسقوط كلمته، والثانية عندما تضايق بسبب ضربة الشمس وسقوط اليقطينة. الأولى لسبب نفسى، والثانية لسبب جسدى، دون أن يكون للروح شأن بالموضوع...

كثيرون إشتهوا الموت لأسباب روحية مقدسة، أما يونان فطلب الموت لأسباب تافهة تحمل معنى التذمر وعدم الاحتمال.

بولس الرسول لم يخطئ عندما قال ((لى إشتهاء أن انطلق وأكون مع المسيح، فذاك أفضل جداً)) ((فى 1: 23)). وسمعان الشيخ لم يخطئ عندما قال ((الآن يا رب تطلق عبدك بسلام لأن عينى قد أبصرتا خلاصك)) ((لو 2: 29)).

أما يونان فقد أخطأ عندما قال لله ((الآن خذ نفسي لأن موتى خير من حياتي)).

قالها عن تذمر، فى وقت لم يكن فيه مستعداً للموت. ولو سمع الله صلاته فى ذلك الوقت واخذ نفسه منه، لضاع يونان. أليس رحمة من الله بنا، انه لا يستمع أحيانا لصلواتنا فى جهالة طلباتنا التى تضرنا. وصدق الرسول حينما قال ((تطلبون ولستم تأخذون، لأنكم تطلبون ردياً)) ((يع 4: 3)).

وإذ وصل يونان إلى طلب الموت، بدأ الله يتفاهم معه، فقال له ((هل اغتظت بالصواب؟)) هل اغتظت بسبب حكمة الله ورحمته؟ وأجاب يونان: نعم اغتظت بالصواب حتى الموت: أتضيع كلمتى وكرامتى، ثم تحرمنى من ظل يقطينتى ولا تنتظر منى بعد ذلك أن أغتاظ. نعم إغتظت ((بهذا الذي تسميه صواباً)) حتى الموت...

ومع أن هذا الأسلوب من يونان لم يكن لطيفاً من الناحية الروحية، إلا إنه على أية الحالات يدل على صراحته مع الله وكشفه لدواخله كما هي..

وبدأ الله يتفاهم معه ويقنعه. قال له الرب ((أنت أشفقت على اليقطينة التى لم تتعب فيها ولا ربيتها، التي بنت ليله كانت وبنت ليله هلكت. أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي يوجد فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس...))؟!

أما من جهة كلمتك التى تظن أنها سقطت، أو بالأحرى كلمتى، فاعلم أنها لم تسقط، وأنا لم أتغير. فالله ليس عنده تغيير ولا ظل دوران ((يع 1: 17)).

إننى لم اقصد إهلاك أهل نينوى، وإنما إهلاك الشر الذى فيهم. لقد حكمت عليهم بالهلاك عندما كانوا ممتزجين بالشر، بحيث صاروا هم والشر شيئاُ واحداُ، أما وقد إنفصلوا عن الشر، فلا معنى لإهلاكهم، لأنه ليس فيهم الآن شر يستحق الهلاك. لقد انضموا إلى صفي، وصاروا ضد الشر معى.



أضف تعليق

الفصل السادس الله في سفر يونان

الفصل الرابع نينوى المدينة العظيمة

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات