الانطلاق من معرفة الخطية? – إنطلاق الروح – البابا شنودة الثالث

الانطلاق من معرفة الخطية[1]🞺

ان تحدثنا عن انطلاق الروح. فلعله يقف أمامنا هذا السؤال.

من اى شئ تنطلق الروح؟

ونجيب بأن الروح وهى على الأرض، تجاهد لكى تنطلق من اشياء كثيرة، سوف يحدثك عنها هذا الكتاب..

غير أن هناك شيئاً آخر مهما حاولت الروح أن تنطلق منه على الأرض. فلا أظن أنها تستطيع!... ربما الانطلاق منه هو احدى المتع التى ننالها فى الأبدية.. فما هو هذا الشئ؟ أنه:

الانطلاق من معرفة الخطية.

عندما خلق الله الإنسان الأول، خلقه بسيطاً نقياً لا يعرف خطية على الاطلاق، ولا تفاصيل الخطايا، ولا اسماءها... كان كذلك، قبل أن يأكل من شجرة معرفة الخير والشر... كان فى براءة الأطفال، وربما أكثر...

ولذلك حينما اغريت حواء من الحية، ما كانت تعرف...

كذبت عليها الحية وقالت ((لن تموتا))... وقالت ((تصيران كالله...)) (تك 3: 5). وحواء ما كانت تعرف أن هناك شيئاً اسمه الكذب... وما كانت تشك فى صدق الحية، لأنها ما كانت تعرف الشك...

كان آدم وحواء لا يعرفان سوى الخير فقط. أما الشر، فما كان يعرفانه... ولكنهما لما أكلا من الشجر دخلتهما معرفته.

دخلت إلى الإنسان معرفة جديدة، هى معرفة الخطية.

بل معارف اخرى عديدة، عكرت صفو النقاوة الطبيعية الأولى، ينطبق عليها قول الحكيم ((الذى يزيد علماً، يزيد حزناً)) (جا 1: 18).

ولعل أول شئ عرفه آدم، أنه عرف انه رجل وإن حواء امرأة. وبدأت معرفة الجنس تدخل إلى ذهنه، ثم إلى مشاعره. وعرف أن هذا شئ يخجل منه، فبدأ يغطى نفسه. ثم عرف الخوف، فبدأ يختبئ وراء الأشجار...

وبمرور الوقت بدأ الإنسان يعرف خطايا عديدة جداً.

وأصبحت هذه المعرفة راسخة فى ذهنه، تثير عليه حروباً روحية فى بعض الأوقات. وإن لم يقع فى هذه الخطايا، قد يقع فى ادانة غيره عليها... اصبح الانسان يعيش فى ثنائية الخير والشر، الحلال والحرام...

فمتى يتخلص من هذه الثنائية؟ ومتى يرجع عقله الى نقاوته؟ ومتى تزول من ذهنه معرفة الشر.. سواء أكانت وصلت اليه عن طريق العقل، أو عن طريق الخبرة والممارسة؟ متى يتخلص من ((تذكار الشر الملبس الموت))؟..

انطلاق الروح - البابا شنوده الثالث 1
.

لا أظن ذلك يحدث على الأرض اطلاقاً، إنما يحدث فى الآبدية، حسبما قال القديس بولس الرسول، حينما كان ((يسكب سكيباً، و وقت انحلاله قد حضر))... قال لتلميذه تيموثاوس:

((وأخيراً قد وضع لى اكليل البر...)) (2 تى 4: 8).

اخيراً سيتكلل الإنسان بالبر... البر الذى لا يعمل خطية، والبر الذى لا يعرف خطية.. يتكلل بالقداسة التى بدونها لا يعاين أحد الرب... ولكن متى؟ يجيب الرسول مكملاً حديثه عن اكليل البر ((الذى يهبه لى فى ذلك اليوم الرب الديان العادل. وليس لى فقط، بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً))..

اكليل البر هذا، هو الشهوة التى تنطلق اليها الروح...

أما على الأرض، فإننا فى كل يوم نخطئ، وفى كل يوم نحتاج إلى التوبة. ولا يوجد انسان بلا خطية، ولو كانت حياته يوماً واحداً على الأرض...

متى تنطلق حقاً من معرفة الخطية؟ ولا نعرف إلا الله وحده، وما يحيط به من نور، ليست فيه ظلمة البتة... سيكون ذلك حينما نلفظ ثمرة معرفة الخير والشر التى أكلها أبوانا فى ذلك الزمان.

وحينئذ نعود الى رتبتنا الأولى...

بل اننا فى الأبدية، سنكون فى حالة أفضل من حالة آدم فى الفردوس. فآدم وحواء كانا فى حالة بر، مع امكانية السقوط. أما فى الابدية فسوف نتكلل بالبر، البر الذى لا توجد فيه أية إمكانية للسقوط.

فان كنا سنصير فى حالة أفضل من حالة الإنسان الأولى قبل السقوط، فعلى الأقل سنشابهه فى البراءة والنقاوة والبساطة وعدم معرفة الخطية.

سننسى الخطية بكل صورها وكل تفاصيلها وكل ذكرياتها.

ولا تبقى فى أذهاننا إلا ايجابية الحياة الروحية، فى محبة الله، والتأمل فى صفاته الجميلة، والتأمل فى السماويات، وما لم تره عين، أو تسمع به أذن، أو يخطر على قلب بشر.

بهذا تكون الروح قد وصلت الى قمة انطلاقها.

أما هنا على الأرض، فأقصى ما تصل اليه الروح، هو الانطلاق من سيطرة الخطية والمادة والجسد، لكى تحيا طليقة ((تعتق من عبودية الفساد، الى حرية مجد أولاد الله)) (رو 8: 21).

هل شعرت ان روحك وصلت إلى هذه الحرية؟

هذه الحرية هى انطلاق الروح... انطلاقها من كل قيد يعوق وصولها الى الله... وكيف ذلك؟ هنا واتركك أمام هذه التأملات التى كتبت غالبيتها فى بداية الخمسينات، قبل دخولى الى الرهبنة...

شنوده الثالث.



الانطلاق لمعرفة الله.(?) - إنطلاق الروح - البابا شنودة الثالث

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات