الأصحاح الخامس – تقديس المحلة – سفر العدد – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 04- تفسير سفر العدد – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الأصحاح الخامس – تقديس المحلة

الآن إذ أُقيمت خيمة الاجتماع وسط المحلة وحدد موقع كل سبط وعمل اللاويين، يعلن الله وجوب تطهير المحلة كلها على المستوى العام، والمستوى الشخصي أي كل عضو فيها، والمستوى العائلي.

١ – تنقية المحلة ككل ١ - ٤.

٢ – تنقية كل مؤمن ٥ - ١٠.

٣ – تنقية كل عائلة (شريعة الغيرة) ١١ - ٢٩.

الأعداد 1-4

١ – تنقية المحلة ككل

أمر الله موسى هكذا: "أَوْصِ بَنِي إِسْرَائِيل أَنْ يَنْفُوا مِنَ المَحَلةِ كُل أَبْرَصَ وَكُل ذِي سَيْلٍ وَكُل مُتَنَجِّسٍ لِمَيِّتٍ. الذَّكَرَ وَالأُنْثَى تَنْفُونَ. إِلى خَارِجِ المَحَلةِ تَنْفُونَهُمْ لِكَيْلا يُنَجِّسُوا مَحَلاتِهِمْ حَيْثُ أَنَا سَاكِنٌ فِي وَسَطِهِمْ (ع٢، ٣).

بإقامة الخيمة في وسطهم يحلّ الله وسط شعبه، لكنه كقدوس لا يحل حيث الدنس والخطيئة. وجود الله يعني إعتزال كل فسادٍ ونجاسة "لأنه أية خلطة للبر والإثم، وأية شركة للنور مع الظلمة؟!" (٢كو٦: ١٤).

إن كانت الكنيسة مترفقة جدًا مع الخطاة لكنها غير مهادنة للخطيئة. إنها لا تحتمل وجود شر في حياة أولادها، إذ يقول الرسول: "ألستم تعلمون أن خميرة صغيرة تخمّر العجين كله؟! إذاً نقوا فيكم الخميرة العتيقة لكي تكونوا عجينًا جديدًا كما أنتم فطير... كتبت إليكم في الرسالة أن لا تخالطوا الزناة. وليس مطلقًا زناة هذا العالم أو الطماعين أو الخاطفين أو عبادة الأوثان، وإلاَّ فيلزمكم أن تخرجوا من العالم... لأنه ماذا لي أن يدين الذين من خارج؟! ألستم أنتم تدينون الذين من داخل؟! أما الذين من خارج فالله يدينهم، فاعزلوا الخبيث من بينكم" (١كو٥).

إننا لا ندين الذين هم خارج لكن بكل قوة يلزم تنقية الكنيسة من داخل لكي لا يحمل أحد أعضائها خميرة فساد. يقول القديس أنبا شنودة رئيس المتوحدين: [توجد أعمال نظنها صالحة وهي رديئة عند الله، ذلك أننا نتغاضى عن بعضنا بعضًا فنخطيء في المواضع المقدسة، لأن الرب لم يغرس في الفردوس أشجارًا صالحة وأشجارًا غير صالحة، بل غرسه من الأشجار الصالحة فقط، ولم يغرس فيه أشجارًا غير مثمرة أو رديئة الثمر... من هذا إعلموا أيها الإخوة الأحباء أنه لا يجب أن نملأ مساكن ليس المقدسة من الناس الأشرار والصالحين كما في العالم المملوء من الخطاة والظالمين والقديسين والأنجاس، ولكن الذين يخطئون لا يتركهم فيها بل يخرجهم. أنا أعرف أن الأرض كلها هي للرب، فإن كان بيته كباقي الأرض، فما هي ميزته إذن على غيره؟! فإن كنت وأنا الكاهن أعمل الشر كما يعمله الأشرار على الأرض فلا يحق لي أن أدعى كاهنًا، لأنه مرارًا كثيرة نخطيء ولا نعرف كيف ندين أنفسنا بنا نقول[23]].

لقد طلب الرب تنقية المحلة من كل أبرص وكل ذي سيل وكل متجنس لميت، فالبرص والسيل ولمس جثمان الميت تعتبر هذه الأمور نجاسة في نظر الشريعة الموسوية بكونه أمورًا تشير إلى ثمر الخطيئة في حياة الإنسان. لكن إذ جاء السيد المسيح القدوس وحلّ في وسطنا طهر المرضى بالبرص ولمس نازفة الدم فشفاها ولمس النعش ليقيم الميت. جاء ذاك القدوس الذي يسكب قداسته فينا، فيبدد برص الخطيئة ويوقف نزف الدم الملك للنفس ويقيمنا من الموت الأبدي.

الأعداد 5-10

٢ – تنقية كل مؤمن

طهارة كل المحلة على طهارة كل عضوٍ فيها بتقديم توبة صادقة وعملية، إذ أوصى كل من يخطيء:

  1. يقر بخطيئته التي ارتكبها (ع٧).
  2. يرد ما أذنب به أو اغتصبه، فلا تكون التوبة مجرد إعتراف بالخطأ لكن رد ما سلبه من حق الآخرين مضافًا إليه الخمس.
  3. تقديم ذبيحة للكفارة، إن كنا نرد لإخوتنا ما سلبناه منهم مضافًا إليه الخمس لمصالحتهم، كيف نرد لله حقه إلاَّ من خلال ذبيحة الصليب الكفارية؟!

الأعداد 11-29

٣ – تنقية كل عائلة (شريعة الغيرة)

يمتد التقديس إلى كل عضوٍ كما إلى كل عائلة بكونها كنيسة البيت المقدسة. لقد إهتم بتقديس البيت وتطهيره خاصة من الخيانة الزوجية، إذ يتطلع الله إلى الزنا كأبشع خطيئة خلالها ينحل البيت ويفقد الرجل والمرأة وحدتهما مع الرب.

إن إعترفت المرأة الزانية تطلق ولا تأخذ مهرها، أما إن لم تعترف فتشرب من الماء المقدس الذي يضعه الكاهن في إناءٍ خزفي ويزرى عليه غبار من مسكنها فيصير ماءً مرًا، تشربه وهي عارية الرأس، فإن كانت مخطئة تتورم بطنها ويسقط فخذها أي يصيبها نوع من الشلل وتصير عارًا أمام الجميع. أما إن كانت طاهرة فتلد وتنال مجدًا. هذه هي شريعة الغيرة على الزوجة.

لقد أراد الرب قداسة البيت بكونه صورة مصغرة للجماعة كلها لا تقوم على التغطية بل على القداسة الحقيقية، إمّا أن يعترف الإنسان بزناه فينحل البيت ويقدم المخطيء توبة لله، وإما أن يتستر فيفضحه الله ويصير في آلامٍ جسدية ونفسية ويتحطم إجتماعيًا بجانب هلاكه الأبدي. والعجيب أن الله تسلم هذا الأمر بنفسه ليعطي طمأنينة للطرف المضرور أو البريء. إنما على الرجل أن يتقدم لله في كنيسته مقدمًا مع إمرأته قربانها من "الإِيفَةِ مِنْ طَحِينِ شَعِيرٍ لا يَصُبُّ عَليْهِ زَيْتاً وَلا يَجْعَلُ عَليْهِ لُبَاناً لأَنَّهُ تَقْدِمَةُ غَيْرَةٍ تَقْدِمَةُ تِذْكَارٍ تُذَكِّرُ ذَنْباً" (ع١٥). لا يصب عليه زيت لأنه تقدمة مرّ إذ تمررت نفس رجلها، وبسب عدم إعترافها – إن كانت خاطئة – فإنها تنفضح وليس من زيت يطيب جرحها ولا من لبان (صلاة) يشفع فيها! هذا نصيب الإنسان الذي يكتم خطاياه، فإنه لا ينجح.

حقًا ما أحوجنا في مشاكلنا العائلية أن نتقدم بمرارة قلبنا لله في كنيسته ويعترف كلٍ منا بخطئه ونقدم نفوسنا المرة قربانًا له... وإذ نلقي بأتعابنا على الله لا نعوك نتشكك في بعضنا البعض.

في هذه الشريعة الغبار يشير إلى الموت، يحول المياه إلى مرارة، بينما الماء يشير إلى الكلمة – وكأن كلمة الله يصير سرّ حياة لحياة وموت لموت. إنه يفضح النفس إن كانت متعجرفة ودنسة تدخل تحت الموت واللعنة والمرّ، وإن كانت طاهرة كعروسٍ للمسيح مقدسة فيه فتحمل مجدًا وتلد ثمار الروح ويكون لها فضائل كثيرة. لهذا يقول المرتل: "إختبرني يا رب واعرف قلبي، إمتحني واعرف أفكاري، وانظر إن كان فيّ طريق باطل واهدني طريقًا أبديًا" (مز١٣٩: ٢٣، ٢٤).


[23] عظة واردة في الساعة الحادية عشر من يوم الإثنين من البصخة المقدسة.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

الأصحاح السادس – نذير الرب - سفر العدد - القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الرابع - سفر العدد - القمص تادرس يعقوب ملطي