الأصحاح الثالث والعشرين – نبوات بلعام – سفر العدد – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 04- تفسير سفر العدد – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الأصحاح الثالث والعشرين – نبوات بلعام

يتحدث هذا الأصحاح عن:

١ – إقامة سبع ذبائح ١ - ٦.

٢ – نبوته الأولى ٧ - ١٠.

٣ – تغيير المكان ١١ - ١٥.

٤ – نبوته الثانية ١٦ - ٢٤.

٥ – تغيير المكان ثانية ١٥ - ٣٠.

الأعداد 1-6

١ – إقامة سبع ذبائح

أخذ بالاق بلعام إلى مرتفعات بعل، وهناك طلب الأخير من بالاق أن يبني له سبعة مذابح ويهيئ له سبعة ثيران وسبعة كباش، وقدم بالاق وبلعام ثورًا وكبشًا على كل مذبح (٢٢: ٤١، ٢٣: ١) قبل أن ينطلق إلى رابية ليسمع صوت الرب. لقد أخطأ بلعام إذ بنى هياكل وقدم عليها ذبائح للشياطين، ومع هذا "وَضَعَ الرَّبُّ كَلاماً فِي فَمِ بَلعَامَ" (ع٥). فقد أراد الله أن يشهد للحق أمام الأمم ولو خلال عرّاف.

الأعداد 7-10

٢ – نبوته الأولى

استغل الله هذا الموقف لكي يقدم للأمم خمس نبوات على فم بلعام بقيت في سجلات الأمم:

النبوة الأولى (٢3: ٧ - ١٠): تتحدث عن التجسد الإلهي.

النبوة الثانية (٢3: ١٦ - ٢٤): تتحدث عن آلام السيد وقيامته.

النبوة الثالثة (٢4: ١ - ١٤): تتحدث عن يوم النبطيقستي.

النبوة الرابعة (٢4: ١٥ - ١٩): تتحدث عن الكرازة بالسيد المسيح.

النبوة الخامسة (٢4: ٢١ - ٢٥): تتحدث عن اقتناء المسيح يسوع ربنا.

هكذا حملت النبوات فيما احتوته عرضًا سريعًا عن أعمال الله الخلاصية في ملء الأزمنة من تجسد الابن الوحيد، آلامه وموته وقيامته، وحلول الروح القدس على الكنيسة، والكرازة بين الأمم، وأخيرًا غاية إيماننا "اقتناء السيد المسيح".

أما نص النبوة الأولى فهو:

"مِنْ أَرَامَ أَتَى بِي بَالاقُ مَلِكُ مُوآبَ مِنْ جِبَالِ المَشْرِقِ،.

تَعَال العَنْ لِي يَعْقُوبَ وَهَلُمَّ اشْتِمْ إِسْرَائِيل،.

كَيْفَ أَلعَنُ مَنْ لمْ يَلعَنْهُ اللهُ وَكَيْفَ أَشْتِمُ مَنْ لمْ يَشْتِمْهُ الرَّبُّ؟!

إِنِّي مِنْ رَأْسِ الصُّخُورِ أَرَاهُ، وَمِنَ الآكَامِ أُبْصِرُهُ،.

هُوَذَا شَعْبٌ يَسْكُنُ وَحْدَهُ، وَبَيْنَ الشُّعُوبِ لا يُحْسَبُ،.

مَنْ أَحْصَى تُرَابَ يَعْقُوبَ وَرُبْعَ إِسْرَائِيل بِعَدَدٍ؟!

لِتَمُتْ نَفْسِي مَوْتَ الأَبْرَارِ وَلتَكُنْ آخِرَتِي كَآخِرَتِهِمْ "(ع٧ - ١٠).

قبل أن ندخل في المعاني الرمزية التفصيلية لهذه الكلمات أريد أن أوضح أن جوهر هذه النبوة هو أن بلعام لم يقدر أن يلعن هذا الشعب ولا أن يشتمه، لأنه قد ارتفع إلى رأس الصخور إلى السيد المسيح نفسه الصخرة الحقيقية فنظر الشعب وإذا به ليس كسائر الشعوب، رآه جسد المسيح يسوع السرّي، له طبيعة جديدة على صورة خالقه لا يمكن أن تُلعن ولا تُشتم، قد تبررت في دم السيد المسيح وتقدست. رأى تراب يعقوب أي أموره الأرضية قد تباركت وتقدست، إذ يتقدس المؤمنون روحًا وجسدًا، بل صار حتى موتهم – في المسيح يسوع – بركة يشتهي بلعام أن ينعم بها.

يقول: "مِنْ أَرَامَ أَتَى بِي بَالاقُ مَلِكُ مُوآبَ مِنْ جِبَالِ المَشْرِقِ" (ع٧). ولعل "آرام" وهي أكادية تعني "الأرض المرتفعة"، أطلق على هذا الإقليم في الترجمة السبعينية "المصيصة Mesopopotania"، أو "سوريا"، وقد ظهرت عدة دويلات آرامية في الوقت الذي فيه نشأت مملكة في أرض إسرائيل، منها "آرام النهرين" (تك٢٤: ١٠)، والنهران هما دجلة والفرات. ويظن البعض أنهما نهر خابور والفرات، وكان "فدان آرام" يقع في هذا الإقليم كانت تقع مدينتا نصيبين والرها اللتين اشتهرتا كمركزين للثقافة والآداب السريانية.

يتأمل العلامة أوريجينوس في هذا النص، حيث يرى بالاق قد جاء ببلعام إلى ما بين النهرين على الجبال من جهة الشرق. لقد دخل به إلى ما بين الأنهار، ليست الأنهار المقدسة التي تنبع عن نهر الحياة كقول السيد "من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حيّ" (يو٧: ٣٨)، الأنهار الدائمة التسبيح لله بالأعمال المقدسة كما يقول المرتل: "الأنهار لتصفق بالأيادي" (مز٩٨: ٨)، إنما انطلق به إلى أنهار بابل التي كتب عنها: "على أنهار بابل هناك جلسنا، بكينا أيضًا عندما تذكرنا صهيون" (مز١٣٧: ١). يدعوها العلامة أوريجينوس "أنها الفتور"، قائلاً: [إذا ما أتى بنا وسط هذه الأنهار التي لبابل، إذا ما فاضت مجاري اللذة واستحممنا في أمواج عدم العفة... هناك سبونا في هذا الموضع[201]].

جاء به من أنهار الفتور والملذات من الجبال... أي جبالٍ هذه؟ [إنها ليست الجبال المقدسة التي كتب عنها "أساساته في الجبال المقدسة" (مز٧٨: ١)، وفي موضع آخر: "أورشليم المبنية كمدينة متصلة كلها. أورشليم الجبال حولها، والرب حول شعبه" (مز١٢٢: ٣، ١٢٥: ٢). إنها جبال الفتور (القائمة بين النهرين، دعيت بجبال العتمة (ار١٣: ١٦)، وعنها قيل: "أتوا إليك، جبل الفساد". إنها الجبال التي خصصت لهذا العمل "كل علو يرتفع ضد معرفة الله" (٢كو١٠: ٥). هذه هي الجبال التي أُخذ بلعام إليها[202]].

أما كونها "من المشرق"، فإنه "لها أيضًا نورها الذي يشرق"، إذ "يغير شكله إلى شبه ملاك نور" (٢كو١١: ١٤). لها هذا النور الذي قيل عنه "نور الأشرار ينطفيء" (أي١٨: ٥)... وهو مضاد للنور القائل: "أنا هو نور العالم" (يو٨: ١٢). إنه من الشرق المضاد للشرق الذي كتب عنه في زكريا: "هوذا الرجل الغصن (الشرق) اسمه" (زك٦: ١٢) [203]].

[يقول له بالاق: "العَنْ لِي يَعْقُوبَ وَهَلُمَّ اشْتِمْ إِسْرَائِيل" (ع٧). لعله أراد أن يؤكد أنه يلعن يعقوب ويزيد اللعنات على إسرائيل، فحين قبل يعقوب البركة من أبيه إسحق هاج العدو عليه حتى اضطر إلى الهروب، أما وقد صارع بعد أن رأى الرأى فقد ازداد هياج العدو. هكذا كلما التقت النفس مع الله وصارع الإنسان مجاهدًا من أجل الملكوت تزايدت الحروب الروحية ضده.

يجيب بلعام: "كَيْفَ أَلعَنُ مَنْ لمْ يَلعَنْهُ اللهُ؟! وَكَيْفَ أَشْتِمُ مَنْ لمْ يَشْتِمْهُ الرَّبُّ؟!" (ع٨). كان فم بلعام مملوء من اللعنة، "تحت لسانه مشقة وإثم" (مز١٠: ٧). وجد في الدسائس مع الأغنياء، إذ كان ينتظر الأجرة من الملك لأجل قتل الأبرياء بطريقة غير ظاهرة. لكن الله "الصانع العجائب العظام وحده" (مز١٣٦: ٤) يستخدم حتى أعدائه في صنع السلام. وضع كلماته في فم بلعام، مع أن قلبه لم يقدر أن يتقبل كلمات الله... لم يحمل كلام الله في قلبه وإنما على لسانه فقط. لكنه على أي الأحوال نطق بكلام الله... [204]].

ربما يتساءل البعض: هل الله يلعن؟

يجيب العلامة أوريجينوس هكذا: [أعتقد إن الله يعلن أي شخص (أو كائن) آخر، إذ نقرأ أن الرب يقول للحية: "ملعونة أنتِ من جميع البهائم ومن وحوش البرية" (تك٣: ١٤)، ولآدم "ملعونة الأرض بسببك" (تك٣: ١٧)، ولقايين: "ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك" (تك٤: ١١)، وفي موضع آخر يقول: "ملعون الإنسان الذي يصنع تمثالاً منحوتًا أو مسبوكًا" (تث٢٧: ١٥). لا تعتقد أن هذه التعبيرات لا نجدها إلاَّ في العهد القديم فإننا نجد ما يشبهها في الأناجيل. إذ جاء فيها أن الرب يقول للذين عن يساره: "إذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية" (مت٢٥: ٤١)، وعندما يقول "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيين" (مت٢٣: ٢٩)، "ويل لكم أيها الأغنياء" (لو٦: ٢٤)، ماذا يفعل إلاَّ أن يلقي عليهم اللعنات. إذًا ما هو موقف الوصية المعطاة من الرسول: "باركوا ولا تلعنوا" (رو١٢: ١٤)؟... عندما يلعن الله إنما عن إستحقاقهم للعنة، إنه ينطق بالحكم لأنه لا يخطيء لا في حكمه على طبيعة الخطية، ولا على نية الخطاة. لكن الإنسان لا يقدر أن يدخل إلى العمق، لا يقدر أن يرى إرادة غيره أو يدركها. فإننا إن لفظنا باللعنة حسب نظرة الديان الذي يصدر الحكم، نفعل ذلك خارج حقنا إذ نجهل شعور الخاطيء[205]].

"إِنِّي مِنْ رَأْسِ الصُّخُورِ (في الجبال) أَرَاهُ. وَمِنَ الآكَامِ أُبْصِرُهُ (ألاحظه). هُوَذَا شَعْبٌ يَسْكُنُ وَحْدَهُ. وَبَيْنَ الشُّعُوبِ لا يُحْسَبُ" (ع٩). إن كان بالاق قد جاء بي إلى جبال الفتور إلى خداعات الشياطين، لكن الرب نقله إلى جبال الله إلى "قمة الجبال" وإلى التلال المقدسة، هناك يرى الشعب الله ويدرك أسراره. [لأن إسرائيل (الروحي) يقع على الجبال المرتفعة وعلى التلال العالية، أي يعيش حياة فاضلة وصعبة، حيث لا نستطيع بسهولة أن نكون جديرين بالتطلع إليها أو إدراكها ما لم نتسلق المرتفعات وقمم المعرفة، لهذا لم يلعنه الله. إن حياته عالية ومرتفعة، وليست دنيئة أو منحطة. لكن يبدو لي أن الله لا يقول هذا عن إسرائيل حسب الجسد بل عن ذاك الذي يسير في الأرض وسيرته في السموات (في٣: ٢٠) [206]].

هكذا على المرتفعات العالية رأى بلعام أولاد الله، أو كنيسة الله التي تتأسس على السيد المسيح "الصخرة" الحقيقية.

إن أردنا أن ننظر كنيسة الله، إسرائيل الروحي الجديد، فلنرتفع على جبال الشريعة المقدسة ونصعد على تلال النبوات العالية، خلالها نرى رأس الكنيسة نفسه، السيد المسيح، ومن خلاله نرى كنيسته المقدسة، بكونها جسده السرّي. لهذا يقول "هوذا شعب يسكن وحده، وبين الشعوب لا يحسب". إنه يسكن في المسيح يسوع، حاملاً الطبيعة الجديدة التي تميزه. لا يراه شعبًا بالمفهوم الزمني، فيحسب وسط الشعوب، إنما يراه الكنيسة الواحدة المقدسة، تحيا في السمويات، هكذا يرى بلعام التجسد واضحًا خلال ظلال الشريعة والنبوات، ويرى الكنيسة واضحة خلال التجسد، لكنها فوق كل إدراك.

"مَنْ أَحْصَى تُرَابَ يَعْقُوبَ وَرُبْعَ إِسْرَائِيل بِعَدَدٍ؟!" (ع١٠). وفي الترجمة السبعينية "من أحصى بذار يعقوب تمامًا، ومن أحصى عائلات إسرائيل؟!". يقول العلامة أوريجينوس: [هذا يذكرنا بالقول: "ثم أخرج الله إبراهيم إلى خارج وقال: انظر إلى السماء وعد النجوم إن استطعت أن تعدها. وقال له هكذا يكون نسلك. فآمن إبراهيم بالرب فحسب له برًا" (تك١٥: ٥، ٦). لا يستطيع إبراهيم ولا أي إنسان آخر ولا ملاك ولا رئاسات عليا أن تحصي عدد النجوم ولا نسل إبراهيم، إذ كتب عنه "هكذا يكون نسلك". أما الله فقيل عنه "يحصي عدد الكواكب، يدعو كلها بأسماء" (مز١٤٧: ٤). هذا الذي قال: "قد أعطيت أوامري لكل الكواكب"، فإنه يقدر أن يحصي تراب يعقوب وربع إسرائيل بعدد. هو وحده الذي يعرف بحق من هو يعقوب الحقيقي ومن هو إسرائيل الحقيقي. فإن الأمر لا قيمة له من جهة اليهود حسب الظاهر، ولا الختان الذي في الظاهر في الجسد، بل "اليهودي في الخفاء" (رو٢: ٢٨)، ختان القلب لا الجسد، إنه وحده القادر أن يعد وأن يسجل، بحسب حكمته الفائقة الوصف غير المدركة... هذا الإحصاء لا يكون مقدسًا وعجيبًا إلاَّ إذا تم بناء على أمر إلهي. أما إذا أراد أحد أن يصنع تعدادًا بغير ما أمر به الرب، حتى ولو كان داود النبي العظيم هو الذي أمر به (٢صم٢٤)، يُحسب هذا التصرف ضد الشريعة، ويصير الشخص موضع إتهام ويسقط تحت العقاب[207]].

"لِتَمُتْ نَفْسِي مَوْتَ الأَبْرَارِ، وَلتَكُنْ آخِرَتِي كَآخِرَتِهِمْ" (ع١٠). وفي الترجمة السبعينية "لتمت نفسي مع نفوس الأبرار". وكأن بلعام وقد رأى كنيسة العهد الجديد المقدسة خلال التجسد الإلهي لم يشتهي العضوية فيها فحسب بل أراد أن ينعم بحياتها خلال التمتع بالموت مع السيد المسيح. وكأنه أدرك خلال الظل كلمات الرسول بولس: "إننا كل من اعتمد ليسوع المسيح إعتمدنا لموته، فدفنا معه بالمعمودية للموت" (رو٦: ٣، ٤)، و "إن كنا قد متنا معه فسنحيا معه أيضًا" (٢تي٢: ١١). يقول العلامة أوريجينوس: [بخصوص هذا الموت يقدم بلعام نبوءة مدهشة، وبواسطة كلمة الله جعل لنفسه صلاة رائعة، فإنه يطلب أن يموت عن الخطية ليحيا الله[208]]. ويقول القديس امبروسيوس: [إشتياق بلعام إلى هذا الأمر بروح النبوة إذ رأى فيه القيامة الأبدية للبشرية، بهذا لم يخف أن يموت الأبدية يقوم ثانية. إذن ليت نفسي لا تموت في خطية ولا ترتكب شرًا بل تموت في نفس البار فتتقبل برّه فيها. فإن من يموت في المسيح يصير شريكًا في نعمته داخل الجرن[209]].

للأسف لم يتحقق لبلعام هذا الطلب إذ ختم حياته بمشورته الشيطانية التي قدمها لبالاق ليسقط أولاد الله في الزنا، فيحل عليهم غضب الله (أصحاح ٢٥). إنتهت حياته بالقتل بالسيف (عد٣١: ٨، ١٦؛ يه١١). يقول القديس ايرينيئوس: [ذبح بلعام بن بوعز بالسيف لأنه لم يعد ينطق حسب روح الله بل أقام ناموسًا آخر هو ناموس الزنا المضاد لناموس الله (رؤ٢: ١٤). لم يعد يحسب نبيًا وإنما مثل عراف، إذ لم يستمر في إعلان وصية الله بل تقبل الجزاء العادل لمشورته الشريرة[210]].

لم تتحقق هذه الطلبة في حياته الخاصة، لكنها تحققت في تلاميذه، جماعة المجوس، الذين جاؤا من المشرق وقبلوا السيد المسيح كملك، مقدمين له ذهبًا ولبانًا ومرًا، مؤكدين ملكوته الروحي وكهنوته وآلامه. لقد تنبأ بلعام في شخصه عن الأمم التي قبلت الموت مع السيد المسيح.

أخيرًا لم يكن سهلاً أن ينطق بلعام بهذه الكلمات مشتهيًا الموت، في وقتٍ كان فيه الموت عند اليهود كما عند الأمم علامة غضب الله، وعلامة نجاسة. لكن رؤيته بروح النبوة موت السيد المسيح جعل "الموت" شهوة يطلبها من يرغب في التبرر بدم السيد.

الأعداد 11-15

٣ – تغيير المكان

أصيب الملك بفزع إذ رأى بلعام ينطق بغير ما كان يتوقع. سمعه يبارك عوض أن يلعن، فلم يحتمل، بل عاتبه قائلاً: "مَاذَا فَعَلتَ بِي؟ لِتَشْتِمَ أَعْدَائِي أَخَذْتُكَ وَهُوَذَا أَنْتَ قَدْ بَارَكْتَهُمْ؟!" (ع١١). وإذ أصر بلعام أن ينطق بالكلمات التي يضعها الرب في فمه، أخذه بالاق إلى موضع آخر يرى منه إسرائيل، لكنه لا يرى إلاَّ أقصاءه وليس كل الجماعة ليعلنه من هناك. أخذه إلى صوفيم في رأس الفسجة وبني له هناك سبع مذابح وأصعد ثورًا وكبشًا على كل مذبح.

أخذه إلى موضع جديد لعل الله يغير رأيه، وقد أطاع بلعام بغير تردد أملاً في الأجرة، أما إختيار المكان فغريب، منه يرى أقصى الجماعة لكنه لا يرى كل الجمهور، والحكمة في ذلك إن بالاق ظن أن بلعام كان يرتعب من كثرة الجمهور، فكان يخشى أن يلعنه، فيسيء إليه الشعب عندما يغلب موآب. أراد من بلعام أن يكون كالنعامة التي تخفي رأسها في الرمل حينما ترى الخطر محدقًا بها عوض أن تهرب من الخطر أو تواجهه.

"حقل صوفيم" بالعبرية يعني "حقل الناظرين"، في رأس الفسجة وتعني "قسم أو منطقة". هذه الأخيرة جزء من سلسلة جبال عباريم الواقعة في الطرف الشمالي الشرقي من البحر الميت. إذ كان البحر تحت سفوحها، فمنها تشرف على البرية، وفي نفس الوقت يمكن من قمتها التطلع على جزء كبير من أرض كنعان غرب نهر الأردن. هناك نظر موسى أرض الموعد (تث٣: ٧، ٣٤: ١ - ٤)، حاليًا غالبًا هي رأس السياغة.

على رأس الفسجة، على جبال عباريم تطلع بلعام نحو البرية ليرى الشعب في أقصائه ولا يراه جميعه فيلعنه، وعلى نفس الجبال تطلع موسى النبي على أرض الموعد فافتح قلبه على السماء واشتهى العبور إليها! أقول بالعين الشريرة ينظر الإنسان إلى الأرضيات فيمتليء قلبه شرًا ويشتهي اللعنة على الآخرين، وبالعين البسيطة ينظر المؤمن إلى السمائيات فينفتح قلبه على البركة والسلام. ما أحوجنا لا إلى تغيير الأماكن أو الظروف التي نعيش فيها بل تغيير النظرة وتقديسها، فعوض تركيزها على العالم والزمنيات ترتفع إلى فوق نحو الله والسمويات.

الأعداد 16-24

٤ – نبوته الثانية

إن كانت النبوة الأولى قد ركزت على التجسد الإلهي، من خلاله تطلع إلى إسرائيل الجديد أو كنيسة العهد الجديد التي حملت طبيعة جديدة فصارت ليست شعبًا من الشعوب، بل له طبيعته، وأيضًا بركته فلا يقدر أحد أن يحصيه غير الله وحده! الآن يركز على عمل الفداء من آلام الرب وصلبه وقيامته، إذ يقول:

"قُمْ يَا بَالاقُ وَاسْمَعْ. اصْغَ إِليَّ يَا ابْنَ صِفُّورَ،.

ليْسَ اللهُ إِنْسَاناً فَيَكْذِبَ وَلا ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ،.

هَل يَقُولُ وَلا يَفْعَلُ؟! أَوْ يَتَكَلمُ وَلا يَفِي؟!

إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أُبَارِكَ. فَإِنَّهُ قَدْ بَارَكَ فَلا أَرُدُّهُ،.

لمْ يُبْصِرْ إِثْماً فِي يَعْقُوبَ وَلا رَأَى سُوءاً فِي إِسْرَائِيل،.

الرَّبُّ إِلهُهُ مَعَهُ. وَهُتَافُ مَلِكٍ فِيهِ،.

اَللهُ أَخْرَجَهُ مِنْ مِصْرَ، لهُ مِثْلُ سُرْعَةِ الرِّئْمِ،.

إِنَّهُ ليْسَ عِيَافَةٌ عَلى يَعْقُوبَ وَلا عِرَافَةٌ عَلى إِسْرَائِيل،.

فِي الوَقْتِ يُقَالُ عَنْ يَعْقُوبَ وَعَنْ إِسْرَائِيل مَا فَعَل اللهُ،.

هُوَذَا شَعْبٌ يَقُومُ كَلبْوَةٍ وَيَرْتَفِعُ كَأَسَدٍ،.

لا يَنَامُ حَتَّى يَأْكُل فَرِيسَةً وَيَشْرَبَ دَمَ قَتْلى "(ع١٨ - ٢٤).

مع أن هذا الشعب كثير التذمر، وتعرض لتأديبات قاسية جدًا ومرة أثناء رحلته في البرية، لكن خلال الصليب والقيامة لم يرى الله في شعبه إثمًا ولا تعبًا، بل يجد فيه برّ المسيح وسرّ راحته، يصير موضع سروره. لقد أخرجه من أرض العبودية وعبر به إلى الراحة واهبًا إياه الغلبة على قوات الظلمة (العيافة والعرافة). أقامه كعروس المقدسة، كإمرأة للأسد الخارج من سبط يهوذا، لبوة تنجب أشبالاً أقوياء... الخ.

يبدأ نبوته الثانية الخاصة بأعمال السيد المسيح الخلاصية بقول: "قم يا بالاق". مع أن بالاق كان واقفًا عند محرقته مع رؤساء موآب (ع١٧)، لكنه يأمره "قم يا بالاق". إن كانت كلمة "بالاق" تعني "المتلف" أو "المخرب"، فإن الدعوة هنا موجهة إلى جماعة الأمم التي عاشت زمانًا طويلاً تتعبد للأوثان فصارت بكل طاقتها في حالة سقوط وانهيار، بل صارت متلفة للنفس ومُخربة للقلب، لهذا صارت إليها الدعوة أن تقوم مع السيد المسيح القائم من الأموات فلا تصير بعد مخربة ولا متلفة، بل تحمل طبيعة الحياة المقامة فيها.

هذه هي الدعوة التي سمعها شاول الطرسوسي الذي كان يخرب كنيسة الله ويتلفها بإفراط: "قم وادخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل" (أع٩: ٦). لقد نادى الرب الإنسان وهو ملقى في الطريق محطم النفس ودعاه أن يتمتع بالقيامة معه ليدخل المدينة الجديدة وهناك يعرف كيف يسلك في الرب. لقد تمتع بالقيامة، لهذا صارت كلماته الكرازية تدور حول خبرة القيامة، إذ يقول: "قم من الأموات فيضيء لك المسيح" (أف٥: ١٤).

"اصغ إليّ يا ابن صفور"؛ إن كانت كلمة "صفور" تعني "عصفور"، فإن بالاق وهو كالعصفور الساقط بلا ثمن في عيني الناس لكنه ليس منسيًا عند الله (لو١٢: ٦).

"ليْسَ اللهُ إِنْسَاناً فَيَكْذِبَ وَلا ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ،.

هَل يَقُولُ وَلا يَفْعَلُ؟!

أَوْ يَتَكَلمُ وَلا يَفِي؟! "(ع١٩).

لقد وعد أنه يبارك شعبه، وهو ملتزم بالوعد، لا بأن ينطق بكلمات البركة إنما ملتزم "أن يفعل، وأن يفي". مباركته لشعبه تكلفه الكثير، إذ يلتزم أن يحمل أجرة اللعنة التي سقطوا فيها تحتها حاملاً عار الصليب عنهم، ويقول فيقيمهم إلى الحياة المباركة الجديدة. يدخل بهم إلى قوة قيامته، فلا يظهر فيهم إثم ولا يوجد فيهم تعب. إنهم يتمتعون ببره عوض إثمهم، وبراحته عوض تعبهم.

يكمل النبوة هكذا: "الرَّبُّ إِلهُهُ مَعَهُ. وَهُتَافُ مَلِكٍ فِيهِ" (ع٢١). لقد حلّ وسط شعبه وملك فيهم بصليبه، معلنًا كمال حريتهم فيه وبه. لهذا يقول: "اَللهُ أَخْرَجَهُ مِنْ مِصْرَ" (ع٢٢). هذه هي الحرية، أنه وهبهم فصحًا حقيقيًا بعبوره بهم من أرض العبودية إلى حرية مجد أولاد الله.

هذا العبور الإلهي في حياة المؤمنين يتم بقوة وبسرعة فائقة "لهُ مِثْلُ سُرْعَةِ الرِّئْمِ" (ع٢٢). الرئم هو حيوان يرجح أنه الأوروخس، نوع من الثور الوحشي إنقرض من العالم، يمتاز بسرعته الفائقة، وقوته العظيمة (عد٢٤: ٨)، لا يمكن إحناء عنقه للنير أو تسخيره لخدمة الإنسان في الأعمال الزراعية (أي٣٩: ٩ - ١٢). يشير الرئم إلى السيد المسيح القائم من الأموات، إذ له قرن علامة الملك (دا٨: ٢٢)، قيل "قرناه قرنا رئم، بهما ينطح الشعوب معًا إلى أقاصي الأرض" (تث٣٣: ٧). وكأن السيد القائم من الأموات يملك روحيًا على الشعوب، ولا يكون لملكه نهاية (لو١: ٣٣).

إذ يملك الرب على الأمم روحيًا يحطم كل قوى الشيطان تحت أقدامهم، إذ يقول: "إِنَّهُ ليْسَ عِيَافَةٌ عَلى يَعْقُوبَ وَلا عِرَافَةٌ عَلى إِسْرَائِيل" (ع٢٣).

إن كان الله قد حرّم إستخدام العيافة والعرافة بواسطة شعبه، أي معرفة الغيب عن طريق السحر، مستخدمين في ذلك حيوانات وطيور معينة، هذه التي إعتبرها الكتاب "دنسة"، ليس لأجل ذاتها وإنما بسبب إساءة الإنسان إستخدامها، في نفس الوقت يعطي الرب طمأنينة لأولاده أنه لا يستطيع أحد أن يستخدم السحر لضررهم ما دامو محفوظين في يده.

إذ ملك الرب على شعبه لا يستطيع الشيطان بكل فنون سحره أن يسيطر عليهم، فتوجد الكنيسة كإمرأة الأسد (لبؤة) تتمتع بقيامة عريسها وترتفع معه إلى سمواته: "هُوَذَا شَعْبٌ يَقُومُ كَلبْوَةٍ وَيَرْتَفِعُ كَأَسَدٍ" (ع٢٤)... هذه هي صورة الكنيسة الحية وأولادها الأقوياء كأشبال يحملون قوة مسيحهم الأسد الغالب.

يقول العلامة أوريجينوس: [في الواقع الأسد والشبل لا يخشيان أي حيوانٍ آخر... بل كل الحيوانات تخضع لهما. هكذا إذ يحمل المسيحي الكامل صليبه ويتبع المسيح (مت١٦: ٢٤)، يستطيع أن يقول: "قد صلب العالم لي وأنا للعالم" (غل٦: ١٤) ويدوس كل شيء تحت قدميه، قاهرًا كل شيء. بالحق يحتقر كل ما في العالم ويرذله، مقتديًا بالأسد الخارج من سبط يهوذا (رؤ٥: ٥) [211]].

يختم النبوة الثانية بقوله: "لا يَنَامُ حَتَّى يَأْكُل فَرِيسَةً وَيَشْرَبَ دَمَ قَتْلى" (ع٢٤). هذا الشعب الذي صار الذي صار عروسًا للأسد لا يستريح حتى يأكل فريسة، أي حتى يغتصب ملكوت السموات إغتصابًا (مت١١: ١٢). إنه يجاهد كل أيام غربته حتى النفس الأخير من أجل التمتع بالملكوت. أما قوله "يشرب دم قتلى" فلا تحمل مفهومًا حرفيًا، بل كما قيل في سفر التثنية "دم العنب شربته خمرًا" (تث٣٢: ١٤)، مشيرًا إلى التمتع بدم السيد المسيح الذي ذبح لخلاصنا.

إن كان السيد المسيح قد ربض على الصليب فحطم إبليس كفريسة، وأهلك جنوده الشريرة، هكذا بالإتحاد معه نحمل روح الغلبة على الشيطان وكل أرواحه المقاومة.

أخيرًا نلاحظ أنه في النبوة الأولى قد أعلن سرّ بركة هذا الشعب أنه مرتفع على الجبال الشاهقة لا تقدر سهام اللعنات الشيطانية أن تقترب إليه، إنه شعب فريد (روحيًا) ينمو ويتكاثر روحيًا. أما في هذه النبوة فيؤكد عدم إمكانية لعنته، لقد يئس تمامًا من ذلك أولاً لأن مواعد الله ثابتة لا تتغير، ولأنه حاليًا بلا لوم ولا شرّ، ولأنه قوي بأعماله الماضية (خروجه من مصر) وأعماله الحاضرة (كلبوة يقوم وكأسدٍ يرتفع). بهذا لم يعد أي رجاء لبالاق.

الأعداد 25-30

٥ – تغيير المكان ثانية

لم يعد لبالاق إلاَّ أن يطلب من بلعام أن يغير موضعه مرة أخرى لعل الله يأذن له بلعنهم، وكما يقول العلامة أوريجينوس: [ظن الملك البائس أنه لم تتهيأ الأماكن المناسبة لسحر بلعام لأجل تحقيق اللعنات، ولم يدرك أن الأمر يحتاج إلى الإرادة. لقد ظن أنه ينجح بتغيير الموضع[212]].

لقد دعاه إلى رأس (قمة) فغور، التي تعني قمة الفجور أو الملذات. أراد أن يسحب نظره من الله إلى الفجور والملذات. والعجيب أن هذا الموضع كما يوضح الكتاب "يشرف على وجه البرية" فحيث توجد الملذات الزمنية يوجد الجفاف الروحي والتغرب عن الله.


[201] In Num. , hom 15.

[202] Ibid.

[203] Ibid.

[204] Ibid.

[205] Ibid.

[206] Ibid.

[207] Ibid.

[208] Dial. with Heraclides, 171.

[209] On Belief in the Resurr. 2: 43.

[210] Fragments no. 45.

[211] In Num. , hom 16.

[212] In Num. , hom 17.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

الأصحاح الرابع والعشرون – (تابع) نبوات بلعام - سفر العدد - القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثاني والعشرون – قصة بلعام - سفر العدد - القمص تادرس يعقوب ملطي