الباب الرابع : مخافة الله فى الكنيسَة الأولىَ

الباب الرابع: مخافة الله فى الكنيسَة الأولىَ

ونعنى الكنيسة فى العصر الرسولى، وفى القرون الأربعة الأولى للمسيحية، حيث كانت الكنيسة تحرص على مخافة الله، وعلى التمسك بحياة القداسة، قداسة المؤمنين وقداسة الكنيسة وكانت حازمة جداً فى حفظ الوصايا الألهية.

لذلك تميزت الكنيسة بالعقوبات الشديدة التى كانت توقعها على الخطاة فى ذلك الزمان حتى يعيشوا فى خوف الله.

ونحن لا ننسى العقوبة الشديدة التى أوقعها القديس بولس الرسول على خاطئ كورنثوس، إذ قال "قد حكمت.. أن يُسلم مثل هذا للشيطان لإهلاك الجسد، لكى تخلص الروح فى يوم الرب" (1 كو 5: 5). ونذكر أيضاً حكمه الشديد على عليم الساحر، إذ ضربه بالعمى (1 كو 13: 11)... ونذكر أيضاً قوله لتلميذه تيموثاوس الأسقف:

"الذين يخطئون، وبخهم أمام الجميع، لكى يكون عند الباقين خوف" (1 تى 5: 20).

لأن هذا الخوف يحمى الآخرين من تكرار نفس الخطأ، أو ما يشبهه. وهناك قصة فى بدء الكنيسة الأولى لا ننساها: وهى معاقبة القديس بطرس لحنانيا وسفيرا اللذين كذبا عليه، أو كذبا على روح الله الذى فيه، فعاقبهما أشد عقوبة حتى دون أن يعطيهما فرصة للتوبة. وقال سفر الأعمال فى ذلك:

"فصار خوف عظيم على جميع الكنيسة" (أع 5: 11).

وكان ذلك الخوف نافعاً لردع الناس عن الخطأ...

ومن العقوبات التى كانت مشهورة فى الكنيسة الأولى، هى عقوبة عزل المخطئ من جماعة المؤمنين Excommunication والتى ذكَر بها القديس بولس أهل كورنثوس بقوله:

"اعزلوا الخبيث من بينكم" (1 كو 5: 13).

وكانت هناك عقوبات أخرى خاصة برجال الإكليروس.. قد تصل إلى العزل من الرتبة الكهنوتية Deposal.

ومن مخافة الله كان البعض يعترف بخطاياه علانية، لا ننسى اعترافات القديس أوغسطينوس التى كتبها فى كتاب يمكن أن تقرأه جميع الأجيال... إذ كانت مخافة الله فى قلبه. فأراد أن يعاقب نفسه بذكر خطاياه أمام الكل.

إن الله القدوس لا يمكن أن يرضى بالخطية ولا الشر، وهكذا كان وكلاؤه على الأرض أيضاً (1 كو 4: 1) (تى 1: 7). لذلك كانت الكنيسة مملوءة بالقديسين، ولا يدخلها إلى القديسون.

وكانت الكنيسة مقسمة إلى خوارس، إلى مناطق وصفوف خورس الباكين، وخورس الراكعين، وخورس الموعوظين.. إلى أن يصلوا إلى خورس القديسين الذين يسمح لهم بالتناول.

ولم يكن كل أحد يصرح له بدخول الكنيسة. إذ كما يقول المزمور "ببيتك تليق القداسة يا رب" (مز92). لذلك كان الخطاة يقفون خارج الكنيسة، يتضرعون إلى الداخلين والخارجين أن يصلوا لأجلهم. وكثيراً ما كانت الكنيسة تحكم بسنوات من الحرمان على مقترفى الخطية.

ونظراً لأن الكنيسة كانت شدية فى أحكامها، كان الناس يسلكون فى قداسة وحرص.

وكانت توجد وظيفة هى وظيفة الإيبدياكون أى مساعد الشماس. وهذا كان يحرس أبواب الكنيسة من دخول حيوان مثل كلب أو قط كذلك كان يحرسها من دخول الخطاة، فلا يدخلها أشخاص محكوم عليهم بسبب خطاياهم.

والكنيسة فى عقوباتها لم تكن تعرف المحاباة. فكان يحكم على الشخص بالحرمان من الكنيسة، إذا أخطأ خطية تستوجب ذلك مهما كان مركزه أو شهرته..

قصة خاطئة مشهورة.

كانت توجد إمرأة من مشاهير الراقصات. ولشهرتها الكبيرة ما كان يصادفها إلا الأثرياء وكبار الموظفين. هذه المرأة ذهبت فى إحدى المرات إلى الكنيسة بزينتها فأوقفها الإيبوذياكون ومنعها من الدخول قائلا لها "لا يحق لك أن تدخلى الكنيسة لأنك إمرأة خاطئة" وقال ذلك لأنه خادم بالكنيسة ومكلف بهذا الأمر. ولا يسمح لأى شخص خاطئ بالدخول إلى الكنيسة كما يقول الكتاب "أعزلوا الخبيث من وسطكم" ظلت المرأة تتناقش معه بصوت مرتفع إلى أن وصل صوتها إلى الأسقف. فخرج الأسقف مستفسراً، فقالت له: "يا سيدى أريد أن أدخل الكنيسة"، فقال لها الأسقف: "لا تستحقين الدخول إلى الكنيسة لأنك إمرأة خاطئة"، قالت له: "يا سيدى ما عدت أخطئ مرة أخرى". فقال لها الأسقف: "إن كنت صادقة فى توبتك فاذهبى احضرى كل أملاكك إلى هنا".

فذهبت وأحضرت جميع غناها إلى فناء الكنيسة – التحف والملابس والزينات وكل حاجة تملكها أحضرتها إلى فناء الكنيسة. فأمر الأسقف أن يحرق كل هذا، لأنه حسب قوانين الكنيسة لا يدخل من مالية الكنيسة أجرة زانية. فلما نظرت المرأة كل هذا قالت لنفسها: إن كانوا قد فعلوا بك هكذا على الأرض، فماذا يفعل بك فى السماء؟! وتخشعت وسمح لها بالدخول إلى الكنيسة – مجرد سماح فقط. وهكذا دخلت مخافة الله إلى قلبها وتابت. وفيما بعد صارت إحدى القديسات.

القديس يوحنا ذهبى الفم والإمبراطورة.

قصة أخرى حدثت فى عهد القديس العظيم يوحنا ذهبى الفم بطريرك القسطنطينية، أتت إلى القديس إمرأة وقالت له "إن الأمبراطورة قد ظلمتها" فطلب القديس إلى الإمبراطورة أن تنصف المرأة، ولكنها لم تنصفها. وفى يوم جاءت الإمبراطورة إلى الكنيسة فى موكبها مع العبيد والحاشية وارادت الدخول، فخرج القديس يوحنا إلى الباب وأوقف الإمبراطورة ومنعها قائلاً: "لا تدخلى الكنيسة لأنك إمرأة ظالمة".

إن الأمبراطورة سببت فيما بعد للقديس يوحنا مشاكل كثيرة. ولكن الكنيسة لا يدخلها إلا القديسون، وليتحمل بعد ذلك ما يحدث، ولذلك كان القديس يوحنا يقول "إن هيروديا مازالت ترجو الملك مرة أخرى لكى يعطيها رأس يوحنا على طبق". متذكراً ما حدث لسميه القديس يوحنا المعمدان. ولقد احتمل ذهبى الفم كثيراً لكى تثبت مخافة الله داخل الكنيسة. ولا فرق فى ذلك بين الملكة وأى فرد من الشعب...

قداسَة بيت الله.

قداس الموعوظين فى الكنيسة هو الجزء الأول من القداس الحالى، الذى تقرأ فيه الرسائل والسنكسار والإنجيل وتلقى العظة. وكانت الكنيسة فى العصور الأولى، قبل أن يرفع الأبرسفارين، ويبدأ قداس القديسين، كان يقف الشماس ويقول "لا يقف هرطوقى ها هنا، لا يقف موعوظ، لا يقف غير مؤمن". فيخرج هؤلاء ولا يبقى فى الكنيسة إلا المؤمنون القديسون الذين يتناولون من الأسرار الإلهية. ثم يغلق الباب فلا يدخل بعد ذلك أحد، لا يخرج أحد. لأنه غير جائز أن يدخل إى الكنيسة إنسان متأخر بعد رفع الأبروسفارين، كذلك أيضاً لا يجوز أن يخرج من الكنيسة أحد فى اللحظات المقدسة.

لقد كانت الكنيسة شديدة فى أحكامها، ولأجل ذلك كانت مملوءة من المؤمنين القديسين.. نحن الآن نتهاون ونسمح بدخول الأشرار والظالمين، وتحدث أخطاْء داخل الكنيسة، إذ قد يتشاجر بعض الأشخاص أو يتشاتمون وهذا طبعاً لا يليق بقداسة بيت الله.

يعقوب أب الآباء عندما أسس بيت إيل، عندما ظهر له الله فى ذلك المكان قال "ماأرهب هذا المكان، ما هذا إلى بيت الله، وهذا باب السماء" (تك 28: 17).

وفى بعض الكنائس توجد هذه الآية مكتوبة على الجدران. لأن الكنيسة لا يدخلها إلا القديسون أما الخطاة فغضب الله معلن عليهم.

إجراءات كنيسّة أخرى.

  • فى الكنيسة الأولى التى تميزت بمخافة الله، لم يكن الحلّ سهلا من فم الكاهن. فلم يكن الأب الكاهن يقرأ التحليل لإنسان، إلا بعد أن يتأكد من توبته، ومن إصلاح نتائج خطيئته بقدر الإمكان، كأن يرجع الحق لمن قد ظُلم منه، كما فعل زكا العشار (لو 19: 8). وكان الخاطئ التائب يتحمل عقوبة كنسية شديدة لأن العقوبة تشعره بثقل الخطأ الذى ارتكبه.
  • لم تكن الكنيسة تقبل تبرعاً إلا من مال حلال.
  • حسب قول المرنم فى المزمور "زيت الخاطئ لا يدهن رأسى" وأيضاً حسب تعليم الكتاب "لا تدخل أجرة زانية إلى بيت الرب إلهك عن نذر ما" (تث 23: 18).

وفى قوانين الآباء الرسل توجد قائمة بالعطايا المرفوضة التى لا تقبلها الكنيسة، إذا كان مصدرها غير سليم...

وكما كانت مخافة الله قائمة بالنسبة إلى الخطايا الشخصية...

كذلك كان مخافة الله قائمة فى التعامل مع الهراطقة.

وهكذا يقول القديس بولس الرسول "إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم به، فليكن أناثيما" (أى محروماً) (غل 1: 8) ويقول القديس يوحنا الحبيب "إن كان أحد يأتيكم ولا يجئ بهذا التعليم، فلا تقبلوه فى البيت، ولا تقولوا له سلام. لأن من يسلم عليه، يشترك فى أعماله الشريرة" (2 يو 10: 11).

وهكذا بمخافة الله كانت الكنيسة مدققة جداً فى أمور التعليم.

وما كانت تقبل أى تعليم غريب. وفى تدقيقها كان كل تعليم غريب، وكل خطأ، يُقابل بكل حزم وصرامة وتعقد بسببه المجامع المكانية أو المسكونية، لتقاومه وتقوم بتحديد الإيمان السليم، وعزل أصحاب ذلك التعليم الخاطئ وقطعهم من جسم الكنيسة مهما كان رتبتهم...

ليتنا نأخذ درساً فى مخافة الله من الكنيسة الأولى...

تلك المخافة التى دعتهم إلى التدقيق فى كل شئ، وإلى الجدية فى الرعاية والخدمة، وإلى الأمانة فى القليل وفى الكثير، حتى حفظوا لنا الإيمان نقياً، وسلّموه لنا كما تسلموه (2 تى 2: 2).

وأخيراً، بعد كل المقدمات التى كتبناها لك أيها القارئ العزيز، عن مخافة الله، نود أن ننتقل إلى نقطة عملية وهى:

كيف يمكننا الوصول إلى مخافة الله؟



أضف تعليق

الباب الخامس: كيفية الحصُول علىَ مخافة الله

الباب الثالث: فوائد مَخافة الله

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات