الباب الأول:أنواع من الضيقات وما يقابلها من الفرج – المشاعر في سفر المزامير بين الضيق و الفرج – القمص أشعياء ميخائيل

الباب الأول: أنواع من الضيقات وما يقابلها من الفرج

المقدمة.

الفصل الأول: بين الخطية، والرحمة والغفران.

الفصل الثانى: بين الفقر والعوز، والخير والرحب.

الفصل الثالث: بين الغربة، والأبدية والملكوت.

الفصل الرابع: بين الكآبة، والابتهاج.

الفصل الخامس: بين الخوف، والأمان.

الفصل السادس: بين اليأس، والرجاء.

الفصل السابع: بين الألم والتأديب، والتعزية.

الفصل الثامن: بين الدموع، والتسبيح.

الفصل التاسع: بين الصراخ، والاستجابة.

الفصل العاشر: بين الخزى، والمجد.

الفصل الحادى عشر: بين الترك، والرجوع.

الفصل الثانى عشر: بين الضعف، والقوة.

الفصل الثالث عشر: بين الانكسار، والتكريس.

الفصل الرابع عشر: بين الموت، والحياة.

الفصل الخامس عشر: بين التأرجح، والثبات.

مقدمة

هناك أنواع كثيرة من

الضيقات تصيب الإنسان

فى حياته، ومع تعدد

هذه الضيقات فإن

الإنسان بمعونة الرب قادر أن يقهر الضيق طالما يتعرف على

أسباب ويلجأ إلى علاجه (كما سنتحدث عن ذلك

العلاج فى الباب الثانى) ولذلك يلزم فى بادئى الأمر أن

يجلس الإنسان مع نفسه، ويواجه الحقيقة ويتعرف على أسباب

الضيق. وفى حديثنا

عن المشاعر فى سفر

المزامير، نحن نتحدث

عن هذه الأنواع العديدة

من الضيقات، لكى تكون

كمساعد للإنسان لكى

يتعرف على أسباب

الضيق فى حياته، حتى

يستطيع بمعونة الرب

أن يعبر من

الضيق إلى الفرج

الفصل الأول: بين الخطية والغفران

  • الكل زاغوا معاً، فسدوا. ليس من يعمل صلاحاً، ليس ولا واحد (مز 14: 3) (مز 53: 3).
  • لذلك لا يقوم الأشرار فى الدين ولا الخطاة فى جماعة الأبرار... أما طريق الأشرار فتهلك (مز 1: 5 - 6).
  • من كل طريق شر منعت رجلىّ لكى أحفظ كلامك (مز 119: 101).
  • أما الشرير ومحب الظلم فتبغضه نفسه (أى الله). يمطر (الله) على الأشرار فخاخاً، ناراً وكبريتاً، وريح السموم نصيب كأسهم (مز 11: 5 - 6).

أولاً: ضيق الخطية

  1. أحببت الشر أكثر من الخير الكذب أكثر من التكلم بالصدق (مز 52: 3).

الله قدوس، لا يستريح فى حضنه إلا القديسين والتائبين، أما الأشرار غير التائبين فهناك حاجز وسياج يفصلهم عن الله، وما داموا مفصولين عن الله، فهم فى ضيق. ولذلك يصرخ داود النبى بعد سقوطه فى الخطية قائلاً: لا تطرحنى من قدام وجهك (مز 51: 11).

إن الضيق الناتج عن الخطية، هو هروب من تأنيب الضمير. قد اختبره كل من:

  1. قايين حين قال للرب ذنبى أعظم من أن يحتمل. إنك قد طردتنى اليوم عن وجه الأرض، ومن وجهك أختفى وأكون تائهاً وهارباً فى الأرض. ويكون كل من وجدنى يقتلنى!! أى ضيق أعظم من هذا الذى يواجه كل خاطئ مع قايين الذى لم يحتمل ضيق الخطية!!
  2. ومن قبل قايين قد واجه آدم ضيق الخطية حين كسر الوصية ولم يحتمل أن يقف أمام الرب حين ناداه، بل قال للرب: سمعت صوتك فى الجنة فخشيت، لأنى عريان فاختبأت (تك 3: 10).
  3. وقت نوح والطوفان واجهت البشرية ضيقاً شديدً بسبب الخطية التى غرق فيها الشعب: وهذا ما سجله الوحى الإلهى عن ا لضيق الذى حدث وقت الطوفان بسبب الخطية:
  • ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر فى الأرض، وأن كل تصور قلبه إنما هو شرير كل يوم!! (تك 6: 5).
  • قفال الرب: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذى خلقته!! (تك 6: 7).
  • فقال الله لنوح: نهاية كل بشر قد أتت أمامى، لأن الأرض إمتلأت ظلماً منهم. فها أنا مهلكهم مع الأرض (تك 6: 13).
  1. وهذا ما حدث أيضاً مع سدوم وعمورة بسبب الخطية:
  • وقال الرب إن صراخ سدوم وعمورة قد كثر وخطيتهم قد عظمت جداً (تك 18: 20).
  • فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتاً وناراً من عند الرب من السماء. وقلب تلك المدن، وكل الدائرة، وجميع سكان المدن، ونبات الأرض (تك 19: 24 - 25).

وضيق الخطية ليس فقط فى العهد القديم، بل أيضاً فى العهد الجديد. ولئلا يظن أحداً أن ضيق الخطية غير موجود فى العهد الجديد بعد التجسد والفداء، لذلك سجل الوحى الإلهى فى العهد الجديد ما يلى:

  1. إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون (لو 13: 1 و5) فهذا يؤكده الرب يسوع المسيح أن الضيق الذى حدث للجليليين الذين خلط بيلاطس دمهم بذبائحهم، والذين سقط عليهم البرج فى سلوام، سوف يحدث، ويحدث أعظم منه لكل من يخطئ ولا يتوب!!
  2. ما قاله الرب يسوع المسيح لمريض بيت حسدا، الذى كان عليلاً لمدة ثمان وثلاثين سنة، يؤكد أن الضيق ملاحق للخطية التى لا تتوب عنها، بدليل قول السيد المسيح:
  • ها أنت قد برئت فلا تخطئ أيضاً لئلا يكون لك أشر. (ضيق أعظم من المرض) (يو 5: 14).
  1. ولذلك علم الرسول بطرس بذلك حين قال للجموع:
  • فتوبوا وارجعوا لتمحى خطاياكم، لكى تأتى أوقات الفرج من عند الرب (أع 3: 19).

وهنا نقول أن ضيق الخطية له أبعاد كثيرة:

  1. الضيق النفسى (اضطراب الفكر، واضطراب المشاعر والعواطف وهزيمة الإرادة).
  2. الضيق الخارجى من أمور كثيرة تحدث كنتيجة وثمرة للخطية مثل الأمراض الناتجة عن الخطية والحروب والمعاكسات الأخرى.
  3. الضيق الناتج عن تأنيب الضمير، أو الهروب من تأنيب الضمير.
  4. الضيق الروحى حيث فقدان السلام والهدوء والطمأنينة. وهذا الضيق الروحى هو ناتج عن انفصال الإنسان عن الله وفقدان الشركة والاتصال الروحى بالمصدر الإلهى!!
  5. الضيق الناتج من سوء العلاقات مع الآخرين. لا شك أن الخطية تفسد علاقات الود والألفة والمحبة بين الكثيرين.

وها نحن نطوف الآن معم مشاعر الضيق بسبب الخطية خلال المزامير.

  • آثام قد قويت علىّ. معاصينا أنت تكفر عنها (مز 65: 3).
  • لا تذكر خطايا صباى ولا معاصىّ (مز 25: 7).
  • من أجل اسمك يا رب اغفر إثمى لأنه عظيم (مز 25: 11).
  • أنظر إلى ذلى وتعبى واغفر جميع خطاياى (مز 25: 18).
  • ارحمنى يا الله حسب رحمتك... (مز 51: 1 - 5).
  • استر وجهك عن خطاياى وامح كل آثامى (مز 51: 9).
  • ضللت، كشاه ضالة. اطلب عبدك (مز 119: 176).
  • إن راعيت إثماً فى قلبى لا يستمع لى الرب (مز 66: 18).
  • زاغ الأشرار من الرحم. ضلوا من البطن، متكلمين كذباً (مز 58: 3).
  • لأن آثامى قد طمت فوق رأسى. كحمل ثقيل اثقل مما احتمل (مز 38: 4).
  • لأنى أخبر بإثمى، وأغتم من خطيتى (مز 38: 18).
  • جربوا وعصوا الله العلى، وشهاداته لم يحفظوا، بل ارتدوا وغدروا مثل آبائهم. انحرفوا كقوس مخطئة (مز 78: 56).
  • ثم عادوا أيضاً لكى يخطئوا إليه، لعصيان العلى فى الأرض الناشفة. وجربوا الله فى قلوبهم، بسؤالهم طعاماً لشهواتهم. فوقعوا فى الله (مز 78: 17 - 19).
  • لا يكن فيك إله غريب، ولا تسجد لإله أجنبى (مز 81: 9).
  • لا تذكر خطايا صباى ولا معاصى. كرحمتك أذكرنى أنت من أجل جودك (مز 25: 7).
  • قبل أن اذلل أنا ضللت (مز 119: 67).
  • حسب كثرة رأفتك أمح معاصىّ. اغسلنى كثيراً من اثمى. ومن خطيتى طهرنى. لأنى عارف بمعاصى، وخطيتى أمامى دائماً. إليك وحدك أخطأت. والشر قدامك صنعت... ها أنذا بالإثم صورت، وبالخطية حبلت بى أمى (مز 51: 2 - 5).
  • نأمة معصية الشرير فى داخل قلبى أن ليس خوف الله أمام عينيه... كلام فمى إثم وغش. كف عن التعقل عن عمل الخير. يتفكر بالإثم على مضجعه. يقف فى طريق غير صالح. لا يرفض الشر (مز 36: 1 و3 - 4).
  • لا تجذبنى مع الأِشرار، ومع فعلة الإثم المخاطبين أصحابهم بالسلام والشر فى قلوبهم (مز 28: 3).
  • لا تمل قلبى إلى أمر ردئ، لأتعلل بعلل الشر مع أناس فاعلى إثم ولا آكل من نفائسهم (مز 143: 4).
  • أنا قلت يا رب ارحمنى. اشفى نفسى لأنى قد أخطأت إليك (مز 41: 4).

ولا شك أن الضيق الناتج من الخطية أطاح كثيرين إلى قلق وكآبة وأمراض ومتاعب نفسية تفوق الوصف. لقد أطاح ضيق الخطية بالكثيرين إلى الانتحار بسبب فقدان الرجاء.

ولكن ها نحن ننتقل من ضيق الخطية إلى فرج الغفران والرحمة:

ثانياً: الرحمة والغفران والخلاص

  • رحمة الله هى كل يوم (مز 52: 1).
  • باركى يا نفسى الرب ولا تنسى كل حسناته. الذى يغفر جميع ذنوبك (مز 103: 2 - 3).
  • كثيرة هى مراحمك يا رب. حسب احكامك أحيينى (مز 119: 156).
  • أنظر إلى ذلى وتعبى واغفر جميع خطاياى (مز 25: 8).
  • وهو يفدى إسرائيل من كل آثامه (مز 130: 8).
  • وخلص ابن أمتك (مز 86: 16).
  • هو (الله) حنان ورحيم وصديق (مز 112: 4).
  • يا رب إله خلاصى (مز 88: 1).
  • أما هو فرءوف، يغفر الإثم ولا يهلك (مز 78: 38).
  • إلهى وصخرة خلاصى (مز 89: 26).
  • تهدنى بخلاصك (مز 106: 4).
  • خلصنا أيها الرب إلهنا واجمعنا من بين الأمم (مز 106: 47).
  • رأت كل اقاصى الأرض خلاص إلهنا (مز 98: 3).
  • ماذا أرد للرب من أجل كل حسناته لى؟ كأس الخلاص أتناول (مز 116: 12 - 13).
  • أرسل فداء لشعبه (مز 111: 9).
  • قل لنفسى خلاصك أنا (مز 35: 3).
  • طوبى للذى غفر أثمه وسترت خطيته. طوبى لرجل لا يحسب له الرب خطية (مز 32: 1 - 2).
  • واغفر خطايانا من أجل اسمك (مز 79: 9).
  • هلم لخلاصنا. يا الله أرجعنا. وأنر بوجهك فنخلص (مز 80: 2 - 3).
  • تمد يدك وتخلصنى يمينك (مز 138: 7).
  • غفرت إثم شعبك. سترت كل خطيتهم (مز 85: 2).
  • ثبت خطواتى فى كلمتك، ولا يتسلط على إثم (مز 119: 133).
  • إن كنت تراقب الآثام يا رب، يا سيد فمن يقف؟ لأن عندك المغفرة (مز 130: 4).
  • ايها الرب إلهنا، أنت استجبت لهم. إلها غفوراً كنت لهم (مز 99: 8).
  • أما أنت يا رب فلا تمنع رأفتك عنى. تنصرنى رحمتك وحقك دائماً (مز 40: 11).
  • غفوراً كنت لهم (مز 99: 8).
  • ما أكرم رحمتك يا رب. فبنو البشر فى ظل جناحيك يحتمون (مز 36: 7).
  • رحمتك يا رب قد ملأت الأرض (مز 119: 64).
  • آدم رحمتك للذين يعرفونك (مز 36: 10).
  • ارحمنى يا الله حسب رحمتك. حسب كثرة رأفتك أمح معاصى (مز 51: 1).
  • لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا (مز 103: 10).

مع ضيق الخطية، يقف الرب يسوع المسيح يعلن مراحمه، ويعلن حبه، ويعلن استعداده للصفح والغفران. وهنا يشعر كل خاطئ، أنه مدعو شخصياً لهذه المراحم وهذا الغفران!!

وبينما يقف الشيطان لكى يفتح بالوعة اليأس ويهمس فى أذن كل خاطئ ويقول له: ابعد.. ابعد.. ابعد!! ويقول الشيطان لكل خاطئ منا.

  • ابعد عن الله فأنت خاطئ ولا حق لك ولا نصيب لك فى علاقة جديدة!!
  • ابعد عن وسائط النعمة فأنت خاطئ ولا يحق لك ان تقترب من الصلاة أو من الإنجيل أو من الأسرار المقدسة!!
  • ابعد عن التواجد فى الأوساط الروحية مثل الاجتماعات الروحية والقداسات!!
  • ابعد عن أبيك الروحى واختلق الأعذار حتى لا تذهب إليه!!

وهنا يتفنن الشيطان فى كشف ضعفات الأب الروحى حتى يتعثر الخاطئ ويهرب من أبيه الروحى، وعندئذ يسهل على الشيطان ان يفتك به!!

ولكن!!

يقف الرب يسوع فاتحاً أحضانه، ويقدم لنا الرحمة والخلاص فى غفران عجيب يقدمه لكل تائب وكل راجع حيث يدعونا لهذه المراحم وهذا الغفران الذى يقدمه لنا كعلامة حب!!

وهذا الغفران وهذه المراحم هى سر قوة أولاده ا لله!!

إنه الفرج الحقيقى لكل خاطئ، ولكن الأمر يحتاج إلى توبة، ويحتاج إلى اعتراف... اعتراف لدى الله واعتراف لدى وكيل سرائر الله (الكاهن) واعتراف واعتذار لمن أخطأنا فى حقهم:

  • أعترف لك بخطيتى ولا أكتم إثمى، قلت أعترف للرب بذنبى، وأنت رفعت آثام خطيتى (مز 32: 5).
  • طوبى للذى غفر إثمه وسترت خطيته. طوبى لرجل لا يحسب له الرب خطية ولا فى روحه غش (مز 32: 1 - 2).
  • غفرت إثم شعبك. سترت كل خطيتهم (مز 32: 1 - 2).
  • غفرت إثم شعبك. سترت كل خطيتهم (مز 85: 2).
  • أما هو فرءوف، يغفر الإثم ولا يهلك وكثيراً ما رد غضبه (مز 78: 38).
  • الذى يغفر جميع ذنوبك (مز 103: 3).
  • من أجل اسمك يا رب اغفر إثمى لأنه عظيم (مز 25: 11).
  • انظر إلى ذلى وتعبى واغفر جميع خطاياى (مز 25: 18).
  • أعنا يا إله خلاصنا من أجل مجد اسمك، ونجنا واغفر خطايانا من أجل اسمك (مز 79: 9).
  • لأن عندك المغفرة... (مز 130: 4).
  • لأنك أنت يا رب صالح وغفور، وكثير الرحمة لكل الداعين إليك (مز 86: 5).
  • أيها الرب إلهنا، أنت استجبت لهم، إلهاً غفوراً كنت لهم (مز 99: 8).
  • ولأن الله لا يفرض الغفران ولكنه يدعونا لكى نناله، ولذلك فإننا نصلى ونطلب الغفران، ونعترف ونطلب الغفران، ونتوب ونطلب الغفران، وننسحق ونطلب الغفران. حقا إن صلاة طلب الغفران مقبولة لأن الغفران من صفات الله!!

والكاهن هو شفيع (ابرسفيتيروس معناها شفيع) يطلب من أجل غفران خطايا الشعب. والتائب المعترف يطلب من أجل غفران خطاياه. ومن صفات الله الرحمة والغفران من أجل اسمه – يسوع – الذى معناه يخلص. كما قال الملاك:

  • فستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم (مت 1: 21).

فهناك علاقة بين الأسم – يسوع – وبين الخلاص. لأن أسماء المسيح ليست مثل أسماء البشر، بل إن أسماء المسيح هى أفعال خلاصية للإنسان:

  • ويدعى اسمه عمانوئيل الذى تفسيره الله معنا!!
  • وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم!!

فإن الاسم عمانوئيل أو الاسم يسوع هو عمل خلاصى لكل منا!! يكون معنا ويخلصنا من خطاياهم. ولذلك حين نصرخ مع داود المرتل ونقول للرب من أجل اسمك خلصنا واغفر لنا خطايانا فإنه يستجيب ليس من أجل صراخنا ولكن من أجل اسمه القدوس الذى دعى علينا!!

الفصل الثانى بين الفقر والعوز والخير والرحب

  • هذا المسكين صرخ والرب استمعه ومن كل ضيقاته خلصه (مز 34: 6).
  • بذخائرك تملأ بطونهم. يشبعون أولاداً. ويتركون فضالتهم لأطفالهم (مز 17: 14).
  • كثيرة هى بلايا الصديق ومن جميعها ينجيه الرب (مز 34: 19).
  • أفرج ضيقات قلبى، من شدائدى أخرجنى (مز 26: 17).
  • الذى يجعل تخومك سلاماً ويشبعك من شحم الحنطة (مز 147: 14).
  • إنما خير ورحمة يتبعانى كل أيام حياتى (مز 23: 6).
  • كللت السنة بجودك وآثارك تقطر دسماً (مز 65: 11).
  • وكان أطعمه من شحم الحنطة. ومن الصخرة كنت أشبعك عسلاً (مز 81: 16).

إن كان وعد الرب فى المزمو هو:

  • فى يمينك نعم إلى الأبد (مز 16: 11).
  • تعطيها فتلتقط. تفتح يدك فتشبع خيراً (مز 104: 28).
  • يحمل (الصديق) بركة من عند الرب (مز 24: 5).
  • الذى يعطى خبزاً لكل بشر، لن إلى الأبد رحمته (مز 136: 25).
  • لا يمنع خيراً عن السالكين بالكمال (مز 84: 11).
  • لأنه أشبع نفساً مشتهية، وملأ نفساً جائعة خيراً (مز 107: 9).
  • أيضاً كنت فتى وقد شخت، ولم أرى صديقاً تخلى عنه وذرية له تلتمس خبزاً (مز 37: 25).
  • تعهدت الأرض وجعلتها تفيض. تغنيها جداً. سواقى الله ملآنة ماءً. تهيئ طعامهم لأنك هكذا تعدها (مز 65: 9).

فإن كانت هذه هى وعود الرب فلماذا يسمح الرب بضيق الفقر والعوز؟! ونحن كثيراً ما نحزن ونكتئب ونخاصم الله بسبب صليب الفقر والعوز؟

وتحضرنا صلاة أحد رجال العهد القديم الذى صلى قائلاً:

  • ليتك تباركنى وتوسع تخومى، وتكون يدك معى، وتحفظنى من الشر حتى لا تعبنى. فأتاه الله بما سأل (1أى 4: 10).

ويقف أمامنا السؤال:

هل من حقنا أن نطلب الخيرات الأرضية؟

السؤال الثانى:

هل الخيرات الأرضية علامة على رضى الله؟

وهل الحرمان من الخيرات الزمنية دليل على غضب الله؟

وهل الفقرا والعوز تأديب من الرب للإنسان الخاطئ؟

وماذا نحن أمام غنى الأشرار وتزايد خيراتهم وممتلكاتهم؟

إنها أسئلة كثيرة تجعل الإنسان فى حيرة شديدة. ولكن ها نحن ننصت لصوت الرب خلال الإنجيل لكى نتعلم شيئاً جديداً:

  1. إن جميع العطايا المادية هى بركة من يد الرب. نحن نأخذها من يد الرب، ونشكر الرب عليها ونستخدمها لمجد الله حسب قول الرسول بولس:
  • لأن منه وبه وله كل الأِشياء. له المجد إلى الأبد. آمين (رو 11: 36).
  1. من حقنا أن نطلب ولكن لابد من ترتيب الأولويات. فكل ما هو روحى وكل ما له علاقة بخلاصنا هو أولاً ثم الأمور الأخرى. ولو انقلبت الأمور وأصبح الطلب الأول هو الأمور المادية وبعد ذلك الروحية، فإنه عندئذ تصير الموازين مختلة والسلام مفقود. ولذلك يقول الرب يسوع المسيح:
  • اطلبوا اولاً ملكوت الله وبره وهذه (جميع الأمور المادية والزمنية) كلها تزاد لكم (مت 6: 33).
  1. طلب منا الرب يسوع المسيح ألا تكون الأمور الزمنية مجال للهم والانشغال والاضطراب وإلا فقدنا الرجاء بالحياة الأبدية. وفى حديثه معنا بعدم الاهتمام إنما وعدنا بأن يهتم هو بنا:
  • لذلك أقول لكم: لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون... الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس... أباكم السماوى يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها (مت 6: 25 - 32).
  1. كلما زادت ممتلكات الإنسان، كلما قل سلامه وطمأنينته، ويبدأ الخوف والاضطراب يدب فى حياته، وعلى قدر ما تكون ممتلكات الإنسان قليله على قدر ما يحيا فى سلام وطمأنينه لأن:
  • هم هذا العالم وغرور الغنى يخنقان الكلمة فيصير بلا ثمر (مت 13: 22).
  1. ولذلك يجب أن نتحرر من شهوة الغنى. لأن كثيرين يظنون أن علاقتهم وشركتهم مع الله يجب أن تقود وتثمر للغنى المادى، وإذا لم ينالوا هذا الغنى المادى فإنهم يرتدون عن الله، إن لم يكن بالفعل فعلى الأقل بالفكر. ولذلك يحذرنا الرسول بولس من شهوة الغنى فيقول:
  • وأما الذين يريدون أن يكونوا أغنياء، فيسقطون فى تجربة وفخ وشهوات كثيرة وغبية ومضرة تغرق الناس فى العطب والهلاك (1تى 6: 9).
  1. القناعة أمر هام جداً فى علاقتها بالأشياء والأمور الزمنية. بل إن القناعة هى سر سعادة الإنسان. والقناعة هى رضا الإنسان بما هو فيه. وقبول الإنسان للوضع الاجتماعى والاقتصادى الموجود فيه، بلا تذمر ولا شكوى، ولا تذمر على الله، ولا شكوى من الظروف الخارجية. ولذلك يدربنا الرسول بولس على ذلك حين يقول لنا:
  • إن كان لنا قوت وكسوة فلنكتف بهما (1تى 6: 8).
  • فإنى قد تعلمت أن أكون مكتفياً بما أنا فيه... فى كل شئ وفى جميع الأشياء قد تدربت أن أشبع (إذا كان هناك خير) وأن أجوع (إذا كان هناك فقر وعوز) وأن استفضل (أى استبقى مما عندى لأعطى الآخرين) وأن انقص (أى أزهد فيما لدىّ من ممتلكات) (فى 4: 11 - 12).
  1. النسك والزهد هو مسلك مسيحى للكل، وليس تدبيراً رهبانياً للرهبان فقط. النسك والزهد معناه أن الإنسان يتعفف عن الأشياء ويزهد فى الممتلكات. ولا يتكالب على المنظور من الأشياء. والزهد ليس فقط فى الملكية ولكن أيضاً فى المأكل (لا داعى للأصناف المتعددة وقت الصوم) وفى الملبس (التطرف فى التزين يُفقد الإنسان بساطته) ولكن هناك زهد آخر قد اختبره البعض وهو الزهد فى الكرامة والمديح وعدم السعى لتملق الآخرين.. هنا يضع الرسول بولس هدفاً للنسك والزهد:
  • ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التى تُرى، بل إلى التى لا تُرى، لأن التى تُرى وقتيه، وأما التى لا تُرى فأبدية (2كو 4: 18).
  • والذين يستعملون هذا العالم كأنهم لا يستعملونه، لأن هيئة هذا العالم تزول (1كو 7: 31).
  1. لا يجب أن يكون المال والأشياء والممتلكات سبباً لخصام وفرقة بين الزوجين أو بين الأقارب. لأن أمر الرب يسوع هو هذا:
  • كل من سألك فأعطه. ومن أخذ الذى لك فلا تطالبه... وإن أقرضتم الذين ترجون أن تستردوا منهم، فأى فضل لكم... وأحسنوا وأقرضوا وأنتم لا ترجون شيئاً (لو 6: 30 - 36).

ولقد حذرنا الرسول بولس من الشكوى فى المحاكم، ورفع القضايا والمظالم من أجل أمور أرضية زائلة فيقول لنا:

  • أيتجاسر منكم أحد له دعوى على آخر أن يحاكم عند الظالمين وليس عند القديسين؟ (1كو 1: 6).

بمعنى أنه لو كان هناك اى خلافات مادية فليكن السبيل إلى حلها هو مشورة الكنيسة فى شخص الرعاة والخدام!!

  1. وإن الغنى وزيادة الخير الأرضى، هو دعوة للعطاء بصورة أكبر من المفروض. كثيرون أعطوا العشور وهو الحد الأدنى ولكن هناك من أعطى نصف أمواله للمساكين مثل زكا (لو 19: 1 - 10) وهناك من أعطى كل أمواله للمساكين مثل القديس أنطونيوس. ولا ننسى قول الحكيم:
  • حيث كثرت الخيرات كثر الذين يأكلونها (جا 5: 11).
  1. أحياناص نغير ونحسد الأشرار الأغنياء وننسى أن غناهم هذا هو دعوة لتوبتهم وسيكون سبباً لشقائهم ومحاسبتهم. ولكن لا يجب أن نحسدهم أو نغير منهم أو نتذمر على الرب بسببهم، ولنتذكر ان نهاية الأغنياء الأشرار الذين يتوبوا هى قاسية وصعبة جداً:
  • لا تغر من الأشرار، ولا تحسد عمال الإثم، فإنهم مثل الحشيش سريعاً يقطعون، ومثل العشب الأخضر يذبلون (مز 37: 1 - 2).
  • ولا تغر لفعل الشر، لأن عاملى الشر يقطعون، بعد قليل لا يكون الشرير. تطلع فى مكانه فلا يكون (مز 37: 8 - 10).
  • إذا زها الأشرار كالعشب، وأزهر كل فاعلى الإثم فلكى يُبادوا إلى الدهر (مز 92: 7).
  1. ماذا نفعل حيال الكوارث التى تُفقدنا الكثير من ممتلكاتنا؟! وماذا نفعل حيال مشاكل العمل وفقدان الوظيفة والحرمان من الترقية وخلافه؟
  2. إن كل شئ يحدث له مُعنى، يجب أن تعرف على ذلك المعنى ونتلقن الدرس!! وليس معنى الفقر غضباً أو تأديباً، ولكن هو درس يجب أن نتعلمه وفى النهاية نقول مع أيوب الصديق:

  • الرب أعطى والرب أخذ. فليكن اسم الرب مباركاً (أى 1: 12).

ومع الرسول بولس نقول أيضاً:

  • "لأننا لم ندخل العالم بشئ، وواضح أننا لا نقدر أن نخرج منه بشئ" (1تى 6: 7).

إن الكوارث والمصائب والصعاب والفقدان والعوز والحرمان هى دعوة للالتصاق بالرب يسوع فى مزوج البقر، وفى بستان جثيمانى، وتحت الصليب حيث قد جردوه من كل شئ!!

  1. أما الخير والرحب فقد أختبره كل من يحيا مع الله، بل وحتى الأشرار قد اختبروه ولكنهم لم يبصروا يد الله التى تعطيهم حتى يتوبوا ويشكروا ولكن ها وعد الرب وبركاته لأولاده.
  • أرسل عليهم زاداً للشبع (مز 78: 25).
  • الذى يجعل تخومك سلاماً ويشبعك من شحم الحنطة (مز 147: 14).
  • من شحم ودسم تشبع نفسى (مز 63: 5).
  • تفتح يدك فتشبع خيراً (مز 104: 28، 145: 16).
  • وخبز السماء أشبعهم (مز 105: 40).
  • الذى يشبع بالخير عمرك (مز 103: 5).
  • طعامها أبارك بركة. مساكينها أشبع خبزاً (مز 132: 15).
  • أعين الكل إياك تترجى، وأنت تعطيهم طعامهم فى حينه. تفتح يدك فتشبع كل حى رضى (مز 145: 15 - 16).
  1. أحياناً يحدث أن الغنى والمال يصير سبباً فى ضلال الإنسان بدلاً من أن يكون سبباً لانتشار ملكوت لله على الأرض وتوزيع الخيرات على المحتاجين.
  2. ولذلك يقول المزمور:

  • هو ذا الإنسان الذى لم يجعل الله حصنه، بل اتكل على كثرة غناه واعتز بفساده (مز 52: 7).

وعوضاً عن الشكر على المال يعتز الإنسان بما لديه من ممتلكات وينحرف ويفسد!!

الفصل الثالث: بين الغربة والأبدية والملكوت

أولاً: ضيق الغربة

  • غريب انا فى الأرض فلا تُخف عنى وصاياك (مز 119: 19).
  • ترنيمات صارت لى فرائضك فى بيت غربتى (مز 119: 54).
  • عرفنى يا رب نهايتى ومقدار أيامى كم هى. فأعلم كيف أنا زائل. هو ذا جعلت أيامى أشباراً وعمرى كلا شئ قدامك. إنما نفخة كل إنسان قد جعل. إنما كخيال يتمشى ا لإنسان (مز 39: 4 - 5).
  • لا تسكت عن دموعى لأنى أنا غريب عندك. نزيل مثل جميع آبائى (مز 39: 12).
  • كم هى أيام عبدك زائل. إلى أى باطل خلقت جميع بنى آدم؟ أى إنسان يحيا ولا يرى الموت؟ أى ينجى نفسه من يد الهاوية؟ (مز 89: 47 - 48).

لقد حدد الله هدف الإنسان ومسيرته، بالغربة فى هذا العالم، والمسير نحو الأبدية، وحين يغيب هذا الهدف وهذه الرؤية فإنما يحدث اختلالاً للإنسان:

  • وأيضاً جعل الأبدية فى قلبهم، التى بلاها لا يدرك الإنسان العمل الذى يعمله الله من البداية إلى النهاية (جا 3: 11).
  • لأن الإنسان ذاهب إلى بيته الأبدى... (جا 12: 5).
  • وأنظر إن كان فىّ طريق باطل، واهدنى طريقاً أبدياً (مز 139: 24).
  • أفنينا سنيناً كقصة. أيام سنينا هى سبعون سنة، وإن كانت مع القوة فثمانون سنة، وأفخرها تعب وبلية، لأنها تقرض سريعاً فنطير (أى نذهب للأبدية) (مز 90: 9 - 10).

وما دام الهدف هو الأبدية، فإن هذا العالم غربة. ومشاعر الغربة مسّطرة فى سفر المزامير بشكل يلفت النظر جداً!! ومع أن داود كان ملكاً ورئيساً وحاكماً وتمتع بكل الغنى والرفاهية، إلا أن شعور الغربة لم يفارقه قط. وهكذا نحن حين نصلى المزامير فإن مشاعر الغربة تمل كياننا وعندئذ تفتح نافذة مشاعرنا على الأبدية.

وها نحن نطوف مع المزامير لنؤكد مشاعر الغربة فينا:

  • ويل لى فإن غربتى قد طالت على وسكنت فى خيام قيدار (مز 120: 5).

(قيدار كان من نسل اسماعيل وكان يسكن الخيام ويتنقل فى الصحراء).

  • صرت أجنبياً عند اخوتى (بالجسد) وغريباً عند بنى أمى (مز 69: 8).
  • غريب أنا فى الأرض. لا تخف عنى وصاياك (مز 119: 19).
  • الرب يحفظ الغرباء (مز 146: 9).
  • كيف نرنم ترنيمة الرب فى أرض غريبة (مز 137: 4).
  • الإنسان مثل العشب أيامه، كزهر الحقل كذلك يزهر، لأن ريحاً تعبر عليه فلا يكون. ولا يعرفه موضعه بعد (مز 103: 15 - 16).

إن الغربة إحساس داخلى فى أعماق الإنسان. حينما يشعر أنه يختلف عن باقى الآخرين الذين يعيشون حوله. وهذا الاختلاف يأتى أولاً من الهدف وثانياً من السلوك. إن أهل العالم يأكلون ويشربون ويتنعمون لأنهم غداً يموتون، أما أولاد الله فهم يستعدون للأبدية كل لحظة، بل يعيشون الأبدية هنا. ولذلك فإن سلوكهم يختلف عن سلوك أهل العالم باستمرار!!

والغريب لا يملك ولا يستقر ولا يهدأ ويستريح إلا حين تنتهى غربته. وما أقوى فرح الغريب برجوعه إلى وطنه. وهكذا عاش كل أبطال الإيمان بمشاعر الغربة هذه:

  • فى الإيمان مات هؤلاء اجمعون، وهم لم ينالوا المواعيد، بل من بعيد نظروها وصدقوها وحيوها، وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض (عب 11: 13).

ولأنهم أقروا بأنهم غرباء وختموا حياتهم بخاتم الغربة ولذلك:

  • فإن الذين يقولون مثل هذا يظهرون أنهم يطلبون وطناً... يبتغون وطناً أفضل أى سماوياً (عب 11: 16).

وأصبح هذا الوطن السماوى هو تأكيد الغربة ودليل على صحة مسلكهم حتى لو اتهمهم الآخرين بالجنون والخبل!! والغربة هى غربة الروح عن الجسد، وغربة الإنسان عن العالم الزائل، وغربة الفكر والمشاعر عن كل ما هو مرئى وزائل!! ولكن ما هى ترنيمة الغربة الغى يتحدث عنها داود النبى. إن ترنيمة الغربة هى الصلاة الربانية "ليأت ملكوتك" نحن نصليها كل يوم، بل كل حين، بل كل نفس نتنفسه نقول "ليأت ملكوتك".

إن مشاعر الغربة هى التى تقودنا إلى فرج الملكوت والأبدية.

وها نحن نحيا هنا بالإيمان والغربة، ولكن حين تنتهى الغربة فإننا نبدأ العيان والرؤيا والاستيطان!!

وهكذا فإن الإنسان المسيحى الحقيقى يحيا بمشاعر الغربة وها هو وعد الرب:

  • الرب يحفظ الغرباء (مز 146: 9).

إنه يحفظنا من واسع الأمل، وتسويف العمر باطلاً، ويجعلنا نفتدى الوقت لأن الأيام شريرة، وأن يكون لنا صلوات المزامير التى تثير فينا مشاعر الغربة لتقودنا نحو الصلاة من أجل فرح الملكوت والأبدية!!

ثانياً: فرج الأبدية

  • وأسكن فى بيت الرب إلى مدى الأيام (مز 23: 6).
  • واحدة سألت من الرب وإياها التمس أن أسكن فى بيت الرب كل أيام حياتى (مز 26: 4).
  • من طول الأيام أشبعه وأريه خلاصى (مز 91: 16).
  • حياة سألك فأعطيته. طول الأيام إلى الدهر والبد (مز 21: 4).

إن فرج الملكوت والأبدية، هو الفرج الحقيقى. فكل مشاكل الإنسان يتم حلها عندما ينطلق الإنسان من غربة هذا العالم لكى يحيا الأبدية السعيدة. وهكذا فإن مشاعر الغربة هى التى تقودنا إلى مشاعر الأبدية والوطن الحقيقى!!

وكثيراً ما يُعّير داود النبى عن مشاعر الأبدية بالسكنى فى بيت الرب إلى الأبد. ونستطيع أن نقول أن الكنيسة هى إعداد وتدريب على الأبدية!! حيث المسيح الحمل المذبوح، وحيث القديسين وأهل بيت الله، وحيث الملائكة والتسبيح، وحيث صلوات المؤمنين.

أليس هذا تدريب على الأبدية!! ونستطيع أن نقول أن الكنيسة وخاصة خلال الإفخارستيا هى نافذة تفتح لكى نطل منها على الأبدية!! وما طول الأيام إلا الأبدية!!

لأن المرنم داود يربط بين طول الأيام والخلاص فيقول:

  • من طول الأيام أشبعه وأريه خلاصى (مز 91: 16).

ولا يمكن أن يرتبط طول الأيام مع الخلاص إلا فى الأبدية والملكوت!!

إنها ليست مشاعر، ولكنها رؤية باطنية أحس بها القديس بولس الرسول حين قال:

  • ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التى تُرى، بل إلى التى لا تُرى. لأن التى تُرى وقتية، وأما التى لا تُرى فأبدية (2كو 4: 18).
  • ونحن جميعاً (الرعاة والرعية التائبين) ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف، كما فى مرآه، نتغير إلى تلك الصورة عينها (صورتنا فى الملكوت) من مجد إلى مجدن كما من الرب الروح (2كو 3: 18).
  • ما لم تر عين ولم تسمع أذن، ولم يخطر على بال انسان ما أعده الله للذين يحبونهن فأعلنه الله لنا نحن (الغرباء عن العالم) بروحه. لأن الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله (1كو 2: 9 - 10).

هنا يكون اختبار الإعلان والرؤيا كمكافأة للغربة وضيقها، فيزداد الإنسان الروحى تمسكاً بغربته لكى يضمن استمرار الرؤية والإعلان. فيحيا الإنسان غريباً عن الأرض والناس ولكن شاهداً وفرحاً بمناظر الأبدية واستعلاناتها كل يوم!! أما السلوك، فهو سلوك خاشع، وسلوك زاهد، وسلوك مطابق للوصية.

  • غريب أنا فى الأرض فلا تُخف عنى وصاياك (مز 119: 19).

فالوصية التى ننفذها ونطبقها هى تأكيدة الغربة وفى نفس الوقت هى مفتاح لرؤية ومشاهدة الأبدية ومعاينتها ونحن مازلنا فى الجسد:

  • وصية جديدة أكتب إليكم، ما هو حق فيه وفيكم. إن الظلمة قد مضت، والنور الحقيقى الآن يضئ (1يو 2: 8).
  • نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة، لأننا نحب الأخوة (1يو 3: 14).

فالأبدية والملكوت ليست فلسفة أو معرفة، ولكن هى ترك العالم داخلياً وقلبياً والانتماء إلى المسيح، والإيمان به، وقبول أسرار الكنيسة للدخول فى الرعوية الإلهية ثم السلوك حسب الوصية لتأكيد الغربة وفتح الباب للمشاهدة والرؤية والمعاينة!!

الفصل الرابع: بين الكآبة والأبتهاج

أولاً: الكآبة

  • أعيت فىّ روحى. تحير فى داخلى قلبى (مز143: 4).
  • ويجعلون فى طعامى علقماً، وفى عطشى يسقوننى خلاً (مز 69: 21).
  • ساخت من الغم عينىّ، شاخت من كل مضايقى (مز 6: 7).
  • نفسى نحوك كأرض يابسة (مز 14: 6).
  • لأن حياتى قد فنيت بالحزن، وسنينى بالتنهد. ضعفت بشقاوتى قوتى وبليت عظامى (مز 31: 10).
  • أما أنا فمسكين وكئيب. خلاصك يا الله فليرفعنى (مز 69: 29).
  • ارحمنى يا رب لأنى فى ضيق. خسفت من الغم عينىّ. نفسى وبطنى. لأن حياتى قد فنيت بالحزن وسنينى بالتنهد ضعفت بشقاوتى قوتى وبليت عظامى (مز 31: 9 و10).
  • قلبى خافق. قوتى فارقتنى ونور عينى أيضاً ليس معى (مز 38: 10).

الكآبة حالة نفسية تصيب الإنسان من الداخل، وتجعله فى حالة تعب نفسى، وإعياء. والكآبة هى حالة إنسان سائم من الظروف المحيطة به، نتيجة الإحباط الذى يصيبه لأنه لم يحصل على ما كان يريده ويرغبه، مثل حالة آخاب الملك حيث أخفق فى الاستيلاء على كرم نابوت اليزرعيلى.

وهذا ما قالته إيزابيل الشريرة لزوجها آخاب الملك حين فشل فى الاستيلاء على كرم نابوت اليزرعيلى:

  • فدخلت إليه إيزابيل امرأته وقالت له: لماذا روحك مكتئبة ولا تأكل خبزاً (1مل 21: 5).

والكآبة هى حالة حزن داخلى تصيب مشاعر الإنسان، فتتأثر أفكاره بل وحتى سلوكه، فيميل إلى العزلة والهروب من الناس. كما يميل أيضاً إلى عدم العمل والنشاط، مما يصيب ذلك الإنسان بالكسل والتراخى والهروب من المسئوليات المقاة على عاتقه، سواء كانت مسئوليات دراسية أو مسئوليات وظيفية أو مسئوليات عائلية أو مسئوليات رعوية. والكآبة قد تصيب الإنسان أيضاً حين يسقط فى الخطية وتضعف ارادته ويصاب بالصراع بين الروح والجسد وبين المبادئ والأخلاقيات والضعف البشرى.

وقد يٌصاب الإنسان بالاكتئاب حين يواجه مشكلات تفوق إمكانياته العصبية. فتهتز أعصابه وأفكاره فيكتئب ويحزن.

وقد يُصاب الإنسان بالاكتئاب حين يواجه مؤامرات الناس الأشرار بما لا يستطيع أن يدافع عن نفسه أو يبرر ذاته مما يتهم به ظلماً. والإنسان عادة يصاب بالاكتئاب حين لا يقوى على مواجهة القبول. قبول الإنسان لذاته وظروفه وفشله وضعفاته وإمكانياته. إن بعض من الناس يصابون بالاكتئاب لأنهم لم يقبلوا شكل أجسادهم (الطول والقصر – السمنة النحافة – الجمال والقباحة) أو العيوب الخلقية التى ولدوا بها ولا دخل لهم بها (مثل الكفيف أو الأخرس الأصم أو المقعد على كرسى أو من يسير بعكازين) وهكذا فإن القبول يفتح الباب أمام التخلص من الكآبة والتعرف على الإمكانيات الأخرى التى يمكن فى مثل هذه الحالات أن تسمو وتتفوق تماماً.

بقى أن نسال ما هو معنى الكآبة التى واجهها الرب يسوع المسيح فى بستان جثيمانى، حينما قال القديس متى عن السيد المسيح أنه:

  • إبتدأ يحزن ويكتئب (مت 26: 37).

نستطيع أن نقول هنا أن الاكتئاب الذى واجهه الرب يسوع المسيح هو نوع من الحزن الناتج عن خطايا البشرية بأكملها التى تحملها الرب يسوع المسيح.

  • الذى حمل هو نفسه خطايانا فى جسده على الخشبة... (1بط 2: 24).

لقد حمل كل أنواع الخطايا!!

لقد حمل الخطايا التى أخطأ بها جميع الناس!!

لقد حمل خطايا جميع الناس فى كل الأزمنة!!

كم يكون هول كل خطايا كل الناس فى كل الأزمنة!!

إنها كآبة الحزن أو كآبة الخطية التى تحملها المسيح عنا!!

ونقول أيضاً أن الكآبة عدوى نصاب بها حين نصادق الأشخاص المصابين بها. ولذلك يلزم فى صداقتنا أو قرابتنا لهؤلاء المكتئبين أن نقودهم إلى مصادر البهجة ونحذر لئلا نصاب بالعدوى منهم!!

ثانيا: الفرح والابتهاج

  • ويبتهج قلبى وبأغنيتى أحمده (مز 28: 7).
  • أبتهج وأفرح برحمتك، لأنك نرت إلى مذلتى وعرفت فى الشدائد نفسى (مز 31: 7).
  • يفرح جميع المتكلين عليك. إلى الأبد يهتفون وتظللهم ويبتهج بك محبو اسمك (مز 5: 11).
  • لكى أحدث بتسابيحك فى أبواب ابنة صهيون مبتهجاً بخلاصك (مز 9: 14).
  • يبتهج قلبى بخلاصك. أغنى للرب لأنه أحسن إلىّ (مز 13: 5 - 6).
  • جعلت الرب أمامى فى كل حين. لأنه عن يمينى... لذلك فرح قلبى وابتهجت روحى (مز 16: 8 - 9).
  • رد لى بهجة خلاصى (مز 51: 12).
  • تبتهج شفتاى إذ أرنم لك ونفسى التى فديتها (مز 71: 23).

إذا كان الاكتئاب يصيب الإنسان فترة، فإن البهجة يمنحها الله لتباعيه وأولاده كبركة وثمرة للشركة معه. ومهما اكتئبت نفوسنا فلا بد أن نفرح ونبتهج، ولكن لكى يفرح الإنسان ويبتهج فلابد أن يكون له شركة مع الله كما يقول الرسول بولس:

  • فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح، الذى به أيضاً قد صار لنا الدخول بالإيمان، إلى هذه النعمة التى نحن فيها مقيمون (رو 5: 1 - 2).

وهذا هو ابتهاج الشركة مع الله، وهناك أيضاً ابتهاج كلمة الله التى تزيح الكآبة من قلب الإنسان وتجعله يبتهج بالكلمة حسب اختبار المرنم داود حين قال:

  • لكن فى ناموس الرب مسرته (مز 1: 2).

وقد اختبر أرميا النبى بهجة كلمة الله أيضاً حين قال:

  • وُجدّ كلامك فأكلته، فكان كلامك لى للفرح ولبهجة قلبى (أر 15: 16).

وهنا تكون كلمة الله بمثابة علاج أكيد لكآبة القلب. حيث نقرأ ونشبع، فتدخل كلمة لكى تبدد كل كآبة وتمنح البهجة الحقيقية.

وهناك بهجة الخلاص حين نطرح خطايانا على دم المسيح خلال التوبة والاعتراف. ويصلى علينا الكاهن صلاة التحليلن فنأخذ الغفران ثم نعود وقلوبنا قد امتلأت بالبهجة حيث طرحنا خطايانا على دم المسيح فنالت نفوسنا الغفران!!

وهناك بهجة الخدمة والتعب والسهر لخلاص الآخرين حسب قول المزمور:

  • لا أدخل إلى خيمة بيتى. لا أصعد على سرير فراشى لا أعطى وسناً (نعاساً) لعينى ولا نوماً لأجفانى ولا راحة لصدغى إلى أن أجد موعاً للرب ومسكناً لإله يعقوب (مز 132: 3 - 5).

وهكذا فإن بهجة الكاهن والخادم هى حينما يُوجد مسكناً للرب فى قلوب الرعية. وحين يريح الكاهن الرعية فإنه يبتهج معهم ويبتهجوا هم أيضاً معه.

وهناك بهجة أخرى تحدث عنها الرسول بولس واختبرها وقد فجرت فيه طاقات فرح غير عادية، تلك هى بهجة حمل الصليب مع الرب. إن الألم مع الرب هو الطريق للبهجة معه. وربما يرى الناس فى حمل الصليب حزناً ووجعاً وضيقاً وشكوى ولكن ها هو الرسول بولس يقول:

  • كحزانى ونحن فرحون (2كو 6: 10).
  • فإن كنا قد متنا مع المسيح، نؤمن أننا سنحيا أيضاً معه (2كو 6: 8).

ما الحياة مع المسيح إلا البهجة والفرح الذى يفوق كل فرح..

وهذا هو وعد الرب لتابعيه، مهما أصابهم من ضيق وكآبة بسبب العالم والشيطان والخطية والحروب:

  • ولكنى سأراكم أيضاً فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم (يو 16: 22).

غن البهجة تملأ قلوبنا طالما نحن نحيا فى أفراح الأبدية والاستعداد لها. وهكذا فإن بهجة الملكوت نتذوقها هنا بالإيمان وشركة الأسرار المقدسة.

وهذه اختبارات المرنم داود فى تذوق البهجة:

  • وبشفتى الابتهاج يسبحك فمى... لأنك كنت عوناً لى وبظل جناحيك ابتهج (مز 63: 5، 7).
  • صوت ترنم وخلاص فى خيام الصديقين (مز 118: 15).
  • هذا هو اليوم الذى صنعه الرب، نبتهج ونفرح به (مز 118: 24).
  • ليفرح اسرائيل بخالقه، ليبتهج بنو اسرائيل بملكهم ليسبحوا اسمه برقص. بدف وعود ليرنموا له، لأن الرب راض عن شعبه (مز 149: 2 - 4).
  • ليبتهج الأتقياء بمجد ليرنموا على مضاجعهم (مز 149: 5).
  • لأنك فرحتنى يا رب بصنائك. بأعمال يديك أبتهج (مز 92: 4).
  • افرحوا بالرب وابتهجوا يا أيها الصديقون، واهتفوا يا جميع المستقيمى القلوب (مز 32: 10).
  • أما نفسى فتفرح بالرب وتبتهج بخلاصه (مز 35: 9).
  • يفرح الصديق بالرب ويحتمى به، ويبتهج كل المستقيمى القلوب (مز 64: 10).

ولا شك أن الترانيم تخلق بهجة فى النفس، ولذلك نحن ننصح الذين يواجهون كآبة أن يرتلوا، أو يجتمعوا مع الذين يرتلون حسب قول الرسول يعقوب:

- أمسرور أحد فليرتل (يع 5: 13).

وحسب قول المزمور:

- تبتهج شفتاى إذ أرنم لك (مز 71: 23).

ومن الكآبة إلى البهجة خلال القراءة والشبع من كلمة الله فى الكتاب المقدس حسب قول المزمور:

- أبتهج أنا بكلامك كمن وجد غنائم كثيرة (مز 119: 162).

الفصل الخامس: بين الخوف والأمان

أولاً: الخوف

  1. لا أخاف من ربوات الشعوب المصطفين علىّ من حولى (مز 3: 7).
  2. على الله توكلت فلا أخاف (مز 56: 3، 11).
  3. لذلك لا نخشى (لا نخاف) ولو تزحزحت الأرض، ولو انقلبت الجبال إلى قلب البحار (مز 46: 2).
  4. الخوف مستدير بى بمؤامراتهم معاً علىّ، فتفكروا فى أخذ نفسى. أما أنا فعليك توكلت يا رب، قلت إلهى أنت فى يدك أجالى (مز 31: 13 - 15).
  5. إذا سرت فى وادى ظل الموت فلا أخاف شراً لأنك أنت معى (مز 23: 4).
  6. فى يوم خوفى أنا عليك أتكل... على الله توكلت فلا أخاف. ماذا يصنعه بى الإنسان (مز 56: 3، 4، 11).
  7. لا تخشى من خوف الليل ولا من سهم يطير فى النهار، ولا من وبأ يسلك فى الدجى (فى الظلام) ولا من هلاك يفسد فى الظهيرة (مز 91: 5 - 6).

الخوف هو إثارة تصيب الإنسان فى مشاعره فتجعله مضطرباً، بل وتجعل كل تصرفاته غير مستقرة نتيجة ذلك الخوف. وقبل أن نتحدث عن كيفية علاج ذلك الخوف، وكيف نحصل على الأمان فى شخص الرب يسوع، يجب أن نعرف شيئاً عن أسباب الخوف:

  1. الخوف من الموت.. والبعض يعتبر الموت شراً، وحينما يأتى ذكر الموت يقولون "بعد الشر" أى ابعد الشر. وهل الموت شراً يخيفنا؟ سواء كان موت الأحباء والأقارب أو موتنا نحن؟!
  2. الخوف من الناس.. أذيتهم وشرهم ونميمتهم التى يصنعونها فينا، وكذلك مؤامرتهم الدنيئة مثل مؤامرة أخوة يوسف.
  3. الخوف من المرض.. ولذلك فإن البعض يرتاع من بعض الأمراض ويطلقون على بعضهم "المرض الوحش" بينما يطلق عليه البعض "مرض الملكوت".
  4. الخوف من المستقبل.. ومن كل ما هو مجهول بالنسبة لنا، يسبب لنا أحياناً الخوف.
  5. الخوف من الطبيعة والكوارث.. مثل الفيضانات والزلازل، والبراكين، والصواعق، وكل أخطار الطبيعة. ويدخل معها الخوف من الحوادث والنكبات!! ويدخل معها الخوف من الحيوانات وأذيتهم!!

وهنا نقول ما أحلى التسليم والاستعداد للأبدية حين نقول مع المرنم داود:

  • إلهى أنت فى يدك آجالى (مز 31: 15).

ولكى نتحرر من الخوف يجب أن تكون لنا شركة مع الله، والله فقط هو الذى يستطيع أن يبدد الخوف حين يبدد أسبابه ومصادره!!

ثانياً: الأمان

  • بسلام أضطجع بل أيضاً أنام. لأنك أنت يا رب منفرداً فى طمأنينة تسكننى (مز 4: 8).
  • احفظنى مثل حدقة العين، بظل جناحيك استرنى (مز 17: 8).
  • جعلت الرب أمامى فى كل حين لأنه عن يمينى فلا أتزعزع (مز 16: 8).
  • رب الجنود معنا. ملجأنا إله يعقوب (مز 46: 7، 11).
  • طلبت الرب فاستجاب لى، ومن كل مخافى أنقذنى (مز 34: 4).
  • ارحمنى يا الله ارحمنى، لأنه بك احتمت نفسى، وبل جناحيك احتمى إلى أن تعبر المصائب (مز 57: 1).
  • الرب نورى وخلاصى ممن أخاف؟ الرب حصن حياتى ممن أرتعب... إن نزل علىّ جيش فلن يخاف قلبى. إن قامت علىّ حرب ففى ذلك أنا مطمئن (مز 27: 1، 3).

إن الأمان ليس معناه انعدام الضيق والمصائب والكوارث، ولكن معناه هو دخول الرب معنا وحفظنا من كل المخاوف. وما دامت آجالنا فى يد الرب، فما يحسن فى عينيه إياه نقبل. وما دمنا مستعدين أن ننقل من عالم المخاوف هنا إلى عالم الأمان هناك، فلا شئ يخيفنا ما دمنا فى يد الرب.

وها هو الطريق إلى الأمان:
  1. وجود الرب معنا.. هو عمانوئيل الله معنا!! وإن كان الله معنا فلا نخاف ولا نتزعزع قط.
  2. اتكالنا على الله.. إن تسليم الإنسان حياته ليد الله ليصنع فيها مشيئته، هو أماننا، لأننا ممسوكين فى يد الأبوة الحانية.
  3. قبول مشيئة الله.. ما يحدث لنا فى جميع الظروف المعاكسة هو بسماح من الله لخيرنا وخلاصنا وإعدادنا للأبدية والملكوت.
  4. الملاك الحارس.. هو قوة إلهية تحفظنا من شرور عديدة. يحيط بنا لحمايتنا وحفظنا وحراستنا المستمرة!! وهذا هو أماننا ووعد الله لنا:
  • ... أما المتوكل علىّ فيملك الأرض ويرث جبل قدسى (أش 57: 13).

إن كل ما يحدث حولنا لا يخيفنا قط ما دام الله معنا. ألم يصلى اليشع لينزع الرب خوف جيحزى تلميذه. فكشف الله لذلك التلميذ الخائف قوة الرب المحيطة حول الجبل وقال المعلم اليشع: إن الذين معنا أكثر من الذين علينا:

  • ولم يخف داود من بطش جليات لأن رب الجنود كان معه!!
  • ولم يخف مردخاى من مؤامرة هامان لأن الله كان حمايته!!
  • ولم يخف الثلاثة فتية من أتون النار، ولا دانيال من جب الأسود لأنهم كانوا فى حماية الله حتى لو أكلتهم النار والأسود.
  • ولم يخف حزقيا الملك من سنحاريب الذى خدده لأنه كان يثق فى صلاة أشعياء النبى وفى قوة الله القادر على حمايته وعندئذ ضرب ملاك الرب 185 ألف شخص ومات سنحاريب مقتولاً!!!
  • ولم يخف بولس وسيلا من السجن بل كانا يسبحان الله بفرح ولم يفصلهما عن السماء والمجد سلاسل وأبواب وحوائط السجن!!
  • ولم يخف يوحنا الحبيب من السبى والأسر فى جزيرة بطمس لأن الرب فتح له أبواب الأبدية ورأى كل المجد!!
  • ولم يخف اسطفانوس من الحجارة والرجم وآلام الجسد، لأنه رأى السموات مفتوحة بل ورأى السيد المسيح فى مجده فلم يشعر بآلام الرجم!
  • ولم يخف الشهداء والمعترفين من الموت لأنهم رأوا الأكليل وشاهدو السماء مفتوحة!!

وإذ لنا سحابة من الشهود الذين لم يخافوا قط رغم المحن والمصائب والشدائد، فلماذا نخاف من؟!

وها هو وعد الرب لنا:

  • ملاك الرب حال حول خائفيه وينجيهم (مز 34: 4).
  • الذى يجعل تخومك سلاماً (مز 147: 14).
  • الرب لى فلا أخاف (مز 118: 6).

إن الرب وحده هو الذى يبدل مشاعر الخوف ويغيرها، ويضع فينا مشاعر الأمان والطمأنينة، فلا نبعد عنه، ولا نتركه ولا نصنع ما يغضبه لئلا يوجد حاجزاً بيننا وبينه!! لأنه موجود لحمايتنا وحفظنا باستمرار!

وهذه هى بركة الرب لنا باستمرار:

  • الرب يبارك شعبه بالسلام (مز 29: 11).

الفصل السادس: بين اليأس والرجاء

أولاً: اليأس

  • إلى متى أجعل هموماً فى نفسى وحزناً فى قلبى كل يوم. إلى متى يرتفع عدوى علىّ (مز 13: 2).
  • أمل يا رب أذنك، استجب لى لأنى مسكين وبائس أنا (مز 86: 1).
  • أعيت فىّ روحى. تحير فى داخلى قلبى (مز 143: 4).
  • هيأوا شبكة لخطواتى. انحنت نفسى، حفروا قدامى حفرة. سقطوا فى وسطها (مز 57: 6).
  • قطرت نفسى من الحزن... (مز 119: 28).

اليأس هو فقدان كل أمل، وفقدان الأمل وغياب الرجاء من النفس معناه سقوط الإنسان فى بالوعة يصعب أن يقوم منها.

ولكن ما يهمنا هنا هو معرفة الذى يسبب ذلك اليأس؟

1 - الهموم:

هموم الإنسان هى التى تقود إلى اليأس، إذا لم يكن الإنسان قوياً متمكناً من التمسك بيد الرب. ولكن كيف استطاع المرنم أن يقول:

  • عند كثرة همومى فى داخلى تعزياتك تلذذ نفسى (مز 94: 19).

وكيف تتلذذ تلك النفس بتعزيات الرب وسط الهموم؟! إن الرب يسوع المسيح هو وحده القادر أن يتسلم همومنا ويمسك أيدينا وينقذنا من كل يأس!! ولكن كيف يحدث هذا بدون صلاة وانسكاب؟ تلك هى صلاة تسليم همومنا ليد الله ولمشيئة ضابط الكل!!

2 - حروب الشيطان:

إن حروب الشيطان شرسة لكى يدخلنا فى مملكته. وإن لم ندخل فى مملكته فعلى الأقل يسقطنا فى ذاك اليأس، وما ذاك اليأس إلا نتيجة الخوف من الشيطان وحروبه ومحاولاته المتكررة لسقوطنا أو على الأقل إضعاف الشهية الروحية التى فينا.

3 - الحزن المفرط:

أياً كان سبب الحزن، فإن الإفراط فى الحزن يقود إلى نوع من اليأس يفقدنا الرجاء الحى.

إن حزن قلوبنا على أحبائنا الذين رحلوا يقودنا إلى فقدان الرجاء فى الملكوت، وحزن أنفسنا على فقدان أشياء من هذا العالم يقودنا إلى فقدان الرجاء فى المجد الأبدى، وحزن أنفسنا على المشاكل المحيطة بنا يقودنا إلى فقدان الرجاء فى أن الله قادر أن يحول كل الأمور لخيرنا نحن الذين نحبه من كل قلوبنا.

وهكذا نستطيع أن نقول أن الإفراط فى الحزن يقودنا إلى اليأس.

4 - العدوى:

إن اليأس عدوى، والرجاء عدوى، وعلى أساس من نصاحبهم تنتقل إلينا العدوى. إن صادقنا اليائسين انتقل إلينا اليأس، وإن صادقنا أصحاب الرجاء انتقل إلينا الرجاء!! ولذلك يجب أن نحرص على اختيار من نستفيد منهم لا من نخسر معهم!!

5 - الابتعاد عن مصادر الرجاء:

إن بُعد الإنسان عن مصدر الرجاء يقوده إلى اليأس!!

وابتعاد الإنسان عن مصادر النعمة يقوده إلى الغم. إن.

مصادر النعمة تبعث فى الإنسان رجاء حياً. ومن بين.

مصادر النعمة الإرشاد. وحين يبتعد الإنسان عن الأب.

الروحى والمرشد، عندئذ تبتلعه بالوعة اليأس!!

6 - الصلاة غير المستجابة:

كثيراً ما نصاب باليأس نتيجة عدم استجابة بعض الصلوات المرفوعة منا، وخاصة إذا كانت طلبات حسب مشيئة الله، مثل الطلبات الخاصة بمسائل روحية أو تخص خلاص أنفس آخرين.

ولكن علينا أن نضع أمامنا قول الرب يسوع المسيح لبطرس الرسول:

  • لست تعلم أنت الآن ما أنا أصنع ولكنك ستفهم فيما بعد (يو 13: 7).

نعم علينا ألا نيأس بل ننتظر إلى "فيما بعد" وفيما بعد قد تكون هنا وقد تكون فى الأبدية.. إن الأمر يحتاج إلى صبر وانتظار لندفع كل يأس عنا!!

ثانياً: الرجاء

  • رجاء البائسين لا يخيب إلى الدهر (مز 9: 15).
  • قم يا رب. يا الله ارفع يدك. لا تنسى المساكين (مز 10: 11).
  • لأنك أنت تخلص الشعب البائس... لأنك أنت تضئ سراجى. الرب إلهى ينير ظلمتى (مز 18: 27 - 28).
  • العصفور أيضاً وجد بيتاً، والسنونة عشاً لنفسها حيث تضع أفراخها (مز 84: 3).
  • ... ورجاؤه على الرب إلهه. الصانع السموات والأرض، البحر وكل ما فيها. الحافظ الأمانة إلى الأبد، المجرى حكماً للمظلومين المعطى خبزاً للجيال، الرب يقوم المنحنين (من الهموم). الرب يحب الصديقين. الرب يحفظ الغرباء. يعضد اليتيم والأرملة (مز 146: 5 - 6).
  • جميع عظامى تقول يا رب من مثلك. المنقذ المسكين ممن هو أقوى منه والفقير والبائس من سالبيه (مز 35: 10).
  • يشفى المنكسرى القلوب ويجبر كسرهم (مز 147: 3).
  • بخوافيه يظللك وتحت أجنحته نحتمى. ترس ومجن حقه (مز 91: 4).
  • انتظر الرب. ليتشدد وليتشجع قلبك وانتظر الرب (مز 27: 14).

إن ينتقل الإنسان من اليأس إلى الرجاء هى معجزة، تحتاج إلى عمل إلهى كما تحتاج إلى جهاد بشرى. تحتاج إلى صلوات من المحبين المحيطين بذلك الإنسان اليائس، تحتاج إلى معونة من النعمة، كما تحتاج إلى رغبة وعزيمة ومشيئة!!

ويبقى السؤال: كيف ينتقل الإنسان من اليأس إلى الرجاء:
1 - الإيمان

الإيمان بقدرة الله ضابط الكل القادر على كل شئ!! الإيمان بمعونة الله التى تعمل فى الإنسان لتغييرالمناخ الذى يحيا فيه.

الإيمان بأن الرب يسوع الذى انتشل بطرس من الغرق فى المياه هو الذى يمد يده لكى يمسك بأيدينا وينقلنا من اليأس إلى الرجاء!!

ولكن الأمر ينتظر صراخ مثل صراخ بطرس الذى صرخ حين ابتدأ فى الغرق، فمد الرب يده وأمسك به ونقله من الغرق. وبين الغرق والنجاة يقف الرجاء فى قدرة الله!!

2 - الفكر الإيجابى:

إن المنطقة التى يعمل فيها اليأس هى الفكر. ولذلك يجب أن نقاوم فكر اليأس بفكر الرجاء. ولكن ما هو فكر الرجاء!! هو الفكر الإيجابى. حيث نتذكر مواعيد الله ونتذكر القديسين والشهداء الذين لم يستسلموا لليأس بل تقووا بالرجاء.

إن الفكر الإيجابى هو أن الإنسان يسأل نفسه ماذا يمكن أن أعمل لكى أخرج من اليأس إلى الرجاء. ومع الفكر الإيجابى يجب على الإنسان أن يبتعد عن مسببات اليأس. وأن يعالج سبب اليأس فى فكره. إن كانت الهموم فليقل لنفسه: إن الحياة لا تستحق أن نحمل همومها بل نطرحها على الله. وإن كان سبب الهموم عدوى فليبتعد عن مصدر العدوى. وإن كان السبب هو حزن مفرط فلنرفع عيوننا إلى مجد السماء ونؤكد لفكرنا أننا غرباء ونزلاء!!

3 - المناخ الروحى:

مهم جداً للإنسان الساقط فى اليأس، أن يخرج من وحدته ومن يأسه لكى يحيا فى مناخ جديد وأصدقاء جدد، وصحبة جديدة. صحبة مع الكتاب المقدس الذى يبعث الرجاء فى النفس. وصحبة مع وسائط النعمة التى تشدد الإنسان فى يأسه. صحبة مع الآباء الروحيين والمرشدين.

كل هذا يجعل الإنسان يخرج من اليأس ويدخل فى الرجاء خلال مناخ جديد يحيا فيه. وربما تغيير المكان حيث نلقتى مع ذكريات روحية، يساعد الإنسان اليائس كثيراً.

ولكن لابد للإنسان اليائس أن يناقش أفكاره ويأسه. أن اليأس الذى يقود إلى فكر الانتحار، يبدده فكر الحياة والإيمان والرجاء الذى يُدخل فى الإنسان أملاً جديداً وطريقاً يقود إلى الرجاء الحى!!

الفصل السابع: بين الألم والتأديب والتعزية

أولاً: الألم والتأديب

  • لأن للحظة غضبه، حياة فى رضاه (مز 30: 5).
  • يا رب لا تبكتنى بغضبك، ولا تؤدبنى بسخطك (مز 7: 1).
  • تأديباً أدبنى الرب وإلى الموت لم يسلمنى (مز 118: 18).
  • طوبى للرجل الذى تؤدبه يا رب، وتعلمه من شريعتك. لتريحه من أيام الشر، حتى تحفر للشرير حفرة. لأن الرب لا يرفض شعبه، ولا يترك ميراثه (مز 94: 12 - 14).
  • يا رب لا توبخنى بسخطك، ولا تؤدبنى بغيظك، لأن سهامك قد إنتشبت فىّ، ونزلت علىّ يدك. ليست فى جسدى صحة من جهة غضبك... لأنى موشك أن أظلع (أعرج) ووجعى مقابلى دائماً (مز 38: 1 - 3 و17).
  • قد علمت يا رب أن أحكامك عدل، وبالحق أذللتنى (أى أدبتنى) (مز119: 75).

لا يمكن أن تخلو حياة أى إنسان من الألم، ولكن شتان بين ألم أولاد الله، وألم أهل العالم. إن ألم أولاد الله حتى لو كان تأديباً فهو لازم وضرورى للإعداد للملكوت والأبدية!!

إن الألم دروس فى مدرسة الصليب وله منافع كثيرة نذكر منها:

1 - الألم علامة الأبوة:

يقول الرسول بولس فيما يخص التأديب:

  • إن كنتم تحتملون التأديب يعاملكم الله كالبنين. فأى ابن لا يؤدبه أبوه؟ ولكن إن كنتم بلا تأديب... فأنتم نغول (أبناء زنا) لا بنون (عب 12: 7 - 8).

إن الأم والتأديب هما تأكيد لأبوة الله لنا. ولذلك يجب أن نقبل التأديب والألم بنفس درجة قبول أبوة الله لناز ورفض التأديب والألم هو بالضبط رفض لأبوة الله. ورفض أبوة الله هو بالتمام رفض لبنوتنا له!! وكيف نقول أبانا ونحن نرفض التأديب والألم؟!

2 - الألم والتأديب نافع لنا:
  • وأما هذا (التأديب) فلأجل المنفعة (عب 7: 10).

وما هى منفعة التأديب والألم: -.

1 - دعوة للتوبة.. لأن من تألم فى الجسد كُف عن الخطية.

2 - دعوة للاستعداد للأبدية.. لأن الألم هو قوة دافعة لمشاعر الإنسان للسماء.

3 - دعوة للاتضاع والانسحاق.. لأن التأديب يجعلنا ننبذ كل كبرياء وتعالٍ.

4 - تأكد الإنسان من ضعفه.. لأن قوة الله تكمل كل ضعف.

5 - الإحساس بالآخرين المتألمين ومشاركتهم أحزانهم وآلامهم.

4 - الاشتراك فى قداسته:
  • ... لكى نشترك فى قداسته (عب 12: 10).

نحن نعرف أن الألم هو شركة مع آلام الرب وصليبه!! ولذلك نحن نشترك مع الرب فى آلامه خلال الصليب وعندئذ نشترك مع الرب فى قداسته لأنه أبطل الخطية بذبيحة جسده (على الصليب).. ونحن مقدسون بتقديم جسد يسوع (على الصليب).

ولذلك نحن نشترك فى قداسة الرب خلال الألم والتأديب الذى يسمح لنا الرب به!!

4 - التأديب والألم فى النهاية يقود للسلام والفرح:
  • ولكن كل تأديب فى الحاضر (فى هذا العالم) لا يُرى أنه للفرح بل للحزن. وأما أخيراً (فى الأبدية) فيعطى الذين يتدربون به ثمر بر للسلام (عب 12: 11).

إن الذى يتألم والذى يقع تحت تأديب الرب يجب أن يتدرب:

  1. يتدرب على قبول الألم والتأديب والمعايشة مع هذا الوضع.
  2. يتدرب على الشكر وعدم التذمر والشكوى.
  3. يتدرب على ألا يقارن نفسه بالآخرين ولا يحسد ولا يغير من الأشرار الذين لا يتألمون ولا يتأدبون!!

ومع هذه التدريبات الثلاثة الممتزجة بالصلاة لطلب معونة الله، فإن الأمر سيقود أخيراً، أى فى آخر حياتنا على الأرض، إلى ثمر بر (بر المسيح المصلوب) وسلام وفرح فى الأبدية والملكوت.

ونحن نقول بصراحة أن جميع سكان الفردوس والملكوت هم – بدون استثناء – من المتألمين الذى نالوا تأديباً وألماً من أجل الرب، بدليل قول الرب عن أولئك الذين وصلوا إلى الفردوس والملكوت.

  • وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم (رؤ 21: 4).

وما كل دمعة إلا كل ألم وكل تأديب!!

إن مشاعر الألم والتأديب يصاحبها دائماً، الحزن، والدموع، والصراخ ولكن أخيراً، هذا هو وعد الرب:

  • سأراكم أيضاً فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحد فرحكم منكم (يو 16: 22).

إن الألم يؤكد غربتنا، ويؤكد أيضاً سيرنا نحو الملكوت والأبدية وذلك لأن:

  • اضطهاداتكم والضيقات التى تحتملونها، بينه على الله العادل، أنكم تؤهلون لملكوت الله الذى لأجله تتألمون أيضاً (2تس 1: 5).
  • طوبى لرجل يؤدبه الله. فلا ترفض تأديب القدير. لأنه هو يجرح ويعصب. يسحق ويداه تشفيان (أيوب 5: 17 - 18).

ثانياً: التعزية

  • عصاك وعكازك هما يعزياننى (مز 23: 4).
  • هذه هى تعزيتى فى مذلتى لأن قولك أحيانى (مز 119: 50).
  • تذكرت أحكامك منذ الدهر يا رب فتعزيت (مز 119: 52).
تعزيات الرب:

تعزيات الرب هى مشاعر السلام والهدوء والطمأنينة التى تملأ كيان الإنسان بعد تجارب الألم والتأديب والحزن.

والعزاء الإلهى يسرى فى كيان النفس ومشاعره فيجعل الإنسان فى حالة فرح، ولكنه فرح داخلىن وفى حالة هدوء ولكنه هدوء ليس من الناس والظروف ولكن من وعد الرب بحضوره ومرافقته لنا:

1 - العصا والعكاز هما عزاء النفس

ومع أن العصا هى للتأديب ولكنها تتحول إلى تعزية. إن العصا تحدد تكريسنا للرب على النحو الآتى:

  • وأما كل عشر البقر والغنم فكل ما يعبر (تحت العصا) يكون العاشر قدساً للرب (لا 27: 32).

إن جميع البقر والغنم تعبر عبوراً عادياً أما العاشر (أى البقرة أو الغنمة العاشرة بعد مرور تسعة قبلها) تنزل عليها العصا وتصنع علامة خفيفة ولوناً على جلدها (لكى تعرف وتجمع بعد ذلك) فتكون هى قدس للرب، أى سوف تكون ذبيحة مقدمة، رمز لصليب الرب. وأى بركة وتعزية تكون لتلك النفس التى صارت قدساً للرب خلال العصا.

ولذلك نحن نقول فى القداس الإلهى:

{فيما نحن نصنع ذكرى آلامه... نقدم لك قرابينك من التى لك على كل حال ومن أجل كل حال وفى كل حال...}.

ونحن لا نصنع آلام الرب بقصة أو حكاية.. ولكن نحن نصنع آلام الرب بآلامنا حتى نتألم معه..

أما العكاز الذى يعزى فهى المعونة الإلهية التى عينها الله لنا فى كل ضعفاتنا.

2 - كلمة الرب هى تعزية للنفس المتألمة

كلمة الرب هى عزاء لكل نفس متألمة... وأياً كان نوع الألم على مستوى الجسد أو على مستوى النفس أو على مستوى الروح، فإن كلمة الله هى عزاء ما بعده عزاء..

نحن نقرأ ونشبع ونتغذى. إن كلمة الرب هى حضور إلهى. وما الحضور الإلهى إلا عزاء وفرح وسلام لكل من يتألم من أجل الرب، أو يتألم مع الرب.

وكلمة الرب ليست بعيدة وليست صعبة ولكن هى تريد منا أمانة وصدق واخلاص وتكريس لكلمة الرب فلا نتركها ولا نهمل فيها قط!!

3 - الروح القدس هو المعزى

فى آلامنا فى هذا العالم فإن الروح القدس هو العزاء لنا.. ولكن يبقى السؤال: كيف يعزينا الروح القدس؟

  • الصلاة: هى مركز عمل الروح القدس فى الإنسان ووسيلة العزاء.
  • الأسرار وخصوصاً (سرى الاعتراف والتناول).

ففى الاعتراف نحن ننال عزاء عن آلامنا التى تكون بسبب الخطية. وفى سر التناول نحن ننال العزاء بسبب وجود الرب فينا وثباته معنا.

4 - خدمة الآخرين وإسعادهم

فى آلامنا نحن نخدم الآخرين ونحاول أن نسعدهم، وعندئذ تأتى التعزية. من يُسعد آخر يسعده الله. ومن يخدم آخر يخدمه الله. إن العدو يحاول أن يحصرنا فى دائرة ذواتنا وقت الألم والتجارب ولكن ها هو صوت الله إلينا:

  • فإذا حسبما لنا فرصة فلنعمل الخير للجميع... (غل 6: 10).
  • فمن يعرف أن يعمل حسناً ولا يعمل فذلك خطية له (يع 4: 17).

إن المتألمين الذين يخدمون الآخرين يحصلون على عزاء ما بعده عزاء!!

5 - التأمل فى التاريخ

كما يقول المرنم:

  • تذكرت أحكامك منذ الدهر فتعزيت (مز 119: 52).

هكذا كان المرنم داود يتأمل فى أحكام الرب منذ الدهر ولذلك تعزى حين أدرك أن العالم والأمور كلها تحت حكم الله:

  • التأمل فى تاريخ الخليقة.
  • التأمل فى تاريخ الشعوب.
  • التأمل فى تاريخ الكنيسة وعمل الله معها وحفظه أياها.
  • التأمل فى حياتنا وتاريخها منذ دخولنا إلى العالم حتى هذه اللحظة.

ولا شك أن دراسة التاريخ والتأمل فيه يعطى عزاء للمتألمين، وكذلك التأمل فى حياتنا وتاريخنا يجلب عزاء الرب لنا.

والله هو ضابط الكل كما سبحت الملائكة قائلة:

مستحق هو الخروف المذبوح (الرب يسوع المسيح) أن يأخذ القدرة والغنى والحكمة والقوة والكرامة والمجد والبركة (رؤ 5: 12).

وفى تأملنا لأحكام الرب خلال التاريخ العام (الأمم والشعوب والكنيسة) أو تاريخ الخلاص (خلال العهد القديم) أو تاريخ معاملات الله معنا فنحن نقول مع المرنم:

  • ناموس الرب بلا عيب، يرد النفس. شهادة الرب صادقة تعلم الأطفال. فرائض الرب مستقيمة تفرح القلب (مز 19: 7 - 8).

وأى تعزية هذه التى تأتينا خلال تذكر أحكام الرب خلال التاريخ!!

الفصل الثامن: بين الدموع والتسبيح

أولاً: الدموع

  • تعبت فى تنهدى. أعّوم كل ليلة سريرى بدموعى. أذوب فراشى (مز 6: 6).
  • لأن الرب قد سمع صوت بكائى (مز 6: 8).
  • اجعل أنت دموعى فى زقك، أما هى فى سفرك (مز 56: 8).
  • وقد أكلت الرماد مثل الخبزن ومزجت شرابى بدموع (مز 102: 9).
  • كمن ينوح على أمة انحنيت حزناً (مز 35: 14).
  • عند المساء يبيت البكاء، وفى الصباح ترنم (مز 30: 5).
  • عابرين فى وادى البكاء يصيرونه ينبوعاً (مز 84: 6).

البكاء هو لغة تعامل، ولغة تواصل، يمارسه الطفل، كما يمارسه الرجل، وتمارسه المرأة أيضاً. ليس البكاء هو لغة الضعف، ولكن هو انفعال قوى وعميق يظهر فى دموع تنساق من المقلتين وتنزل لتروى الأرض الملعونة. ويتحنن قلب الله كما يتحنن قلب الأم من بكاء طفلها وضيعها. ولكن ماذا تعبر الدموع:

1 - الدموع والألم:

مع الألم هناك الدموع، وكلما اشتد الألم كلما زادت الدموع. لقد بكى يسوع على قبر العازر، كما بكى على أورشليم وكلها مشاعر عن الألم. مع العازر كان يشارك مريم ومارثا، وعلى أورشليم كان يتألم لتمردها وعنادها ورفضها للخلاص.

الطفل يتألم فيبكى، والمريض يتألم ويبكى. ونحن نتألم فنحول آلامنا إلى بكاء ودموع. ولكن الله قد شاركنا فى الألم وبكى. بكى بكاءً مشاركة مع الألم، وبكاءً ألماً على مصير أورشليم. وها نحن نبكى مشاركة مع المتألمين.

ونبكى كما قال الرسول بولس على الذين أخطأوا ولم يتوبوا بعد!!

2 - البكاء والفقدان:

الطفل يبكى حين يفقد شيئاً ثميناً لديه. والرجل يبكى على فقدان زوجته أو أحد بنيه. والمرأة تبكى على فقدان زوجها. ونحننبكى على فقدان أمر هام يخص خلاصنا وأبديتنا!!

3 - البكاء والتوبة:

إن الدموع كثيراً ما نسكبها علامة على الشعور بالخطأ، والشعور بأننا أغضبنا الله وخالفنا وصاياهز ولذلك كانت الدموع علامة من علامات التوبة والرجوع إلى الله. وكثير من الآباء القديسين أمضوا حياتهم فى بكاء ودموع على حياتهم التى ضاعت بعيداً عن الله. ألم يبكى القديس أرسانيوس حتى صنعت الدموع طريقاً من العينين إلى الخدين على الوجه.

إنها دموع ثمينة عند الله، يقبلها بل ويحبها ويفرح بها ويعلن لنا حبه وحنانه نظير دموعنا التى نسكبها كتوبة على خطايانا التى تلطخنا بها.

4 - البكاء والانسحاق:

يصعب على الإنسان المتكبر أن يبكى!! ولكن المنسحق والمتواضح القلب يبكى دائماً وبسهولة انسحاقاً واتضاعاً داخلياً وخارحياً. إذا قرأ عن حياة القديس يشعر أنه لا شئ فيبكى اتضاعاً. وإذا سمع عن فضيلة فى شخص ما فإنه يبكى لأنه بعيد عن تلك الفضيلة. وكلما تواضع الإنسان كلما اقترب من الدموع!!

ونحن لا نجرى وراء الدموع ولا نطلبها فى حد ذاتها بل هى مشاعر تملأ قلوبنا فتحرك دموعنا!!

5 - البكاء والطلب بلجاجة:

هناك طلبات نطلبها من الله بلجاجة وثقة، ونعبر عن هذه الثقة وهذه اللجاجة بدموع ساخنة نسكبها أمام الله، وخصوصاً الطلبات الروحية الخاصة بخلاصنا أو بخلاص الآخرين. لقد كان الرسول بولس ينذر الخراف الضالة بدموع. وكأنه يتذلل أمام الله من أجل عودة هذه الخراف الضالة!!

إن الدموع هنا لغة الواثق.. ضعيف فى نظر الناس ولكن قوى فى نظر الله. ألم يقل الله لعروس النشيد انه قد غلب من عيونها ودموعها!!

6 - دموع الشوق والحنين:

قد تعبرعن شوقنا للأبدية وحنينا إلى الملكوت بدموع نقدمها لله. فالشوق ولاحنين يولد دموعاً نعبر بها عن المشاعر التى تملأنا للوصول!!!

7 - دموع الفرح:

قد يبكى الإنسان فرحاً، إنها أيضاً مشاعر ولكنها مشاعر الفرح. فرح النفس مع الرب قد تولد دموعاً نسكبها من أجل أن يجعلنا نبقى مدة فى حضرته ولا تلهينا هموم العالم الزائل!! نحن نفرح بالرب، ونفرح بالشركة معه ثم نذرف دموعاً ربما على أوقات مضت بعيداً عنه، وربما إحساساً بعدم استحقاقنا لصحبته، وربما خوفاً من ضعفات ترجعنا إلى الخلف!!

إيه أيتها الدموع، بك نعبر من هذا العالم لكى نستقر فى أحضان الرب ونذوق الأبدية وعندئذ نبدأ فى التسبيح لكى نتدرب على الأبدية هنا فى الغربة.

ثانياً: التسبيح

  • أحمد الرب حسب بره، وأرنم لاسم الرب العلى (مز 7: 17).
  • أيها الرب سيدنا، ما أمجد اسمك فى كل الأرض، حيث جعلت جلالك فوق السموات. من أفواه الأطفال والرضع أسست حمداً (مز 8: 1 - 2).
  • أرنم لأسمك أيها العلى (مز 9: 2).
  • رنموا للرب الساكن فى صهيون. أخبروا بين الشعوب بأفعاله (مز 9: 11).
  • لذلك أحمد يا رب فى الأمم. وأرنم لاسمك برج خلاص لملكه (مز 18: 49 - 50).
  • نجنى من الدماء يا الله إله خلاصى فيسبح لسانى ببرك. يا رب افتح شفتى فيخبر فمى بتسبيحك (مز 51: 15).
  • نترنم بخلاصك (مز 20: 5).
  • يسبح الرب طالبوه (مز 22: 26).
  • فى الجماعات أبارك الرب (مز 26: 12).
  • من قلبك تسبيحى فى الجماعات العظيمة. أوفى بنذورى قدام خئفيه (مز 22: 25).

من الدموع إلى التسبيح، تقف نعمة الرب لتعمل فى القلب عملاً خفياً لترفع الإنسان بمشاعر صادقة عميقة نحو التلاميس مع الرب. نعم أنها أوقات زيارات النعمة وقت سكب الدموع والعزلة والتذلل.

هنا يكون الهدوء هو المناخ الروحى الذى تعمل فيه النعمة. ليس فقط الهدوء الداخلى بل وأيضاً الخارجى. حيث يحتاج الإنسان وقت الدموع أن ينسحب من وسط الناس والمشغوليات، ويركن إلى مكان هادئ حيث تستقبله النعمة لتعمل داخله وترفعه من الدموع إلى التسبيح:

1 - تسبيح الل خلال الطبيعة:

الطبيعة بكل ما فيها - المحيطات – البحار – الأنهار – الجبال – الزروع – الرعد – الزلازل – الفيضانات – الليل – النهار – الشمس والقمر والنجوم. كلها تدعونا لرؤية الله وتسبيحه على عظمته كخالق باهر ضابط الكل ومُسّير الطبيعة وضابط حدودها. ألا نصير مثل الطبيعة التى تخضع لأصابع الله التى تشكلها حيثما يريد الخالق الماهر.

نعم وسط الطبيعة نرفع قلوبنا بصلاة التسبيح، حيث نتلامس مع الله الخالق. هنا نترك دموعنا لنرى الله الخالق المدبر والمُسّير لهذا الكون وهذه الطبيعة وهذه المحيطات الهائلة الشاسعة التى وضع لها حدوداً لا تتخطاها.

إن الطبيعةمجال خصب للتأمل والتسبيح والصلاة. لذلك وقت دموعنا ليس أمامنا إلا بستان جثيمانى حيث الأشجار والخضرة والطبيعة والهدوء. هناك نلمس أصابع الله التى تسبغ جمالاً ونسقاً خاصاً لهذه الطبيعة. فنسبح الله ونسلم أنفسنا ليد الله لنكون مثل الطبيعة التى تفيض جمالاً وسيماً وسبحاً.

2 - تسبيح الله خلال أعماله:

أعمال الله فى التاريخ، واعمال الله مع الناس، وأعمال الله فى الكنيسة، وأعمال الله مع القديسين، وأعمال الله فى حياتنا نحن. كلها أمور نتأمل فيها فترفعنا لنسبح الله ونشكره. نعم التسبيح، والحمد والشكر متلازمان وكيف نشكر دون أن ندرك عمل الله فى التاريخ وفى حياتنا؟!

هذه الأعمال هى أعمال تبدو للبعض أنها أعمال عادية، ولكن الحقيقة أنها أعمال من صنع الله لا يستطيع الإنسان أن يصنعها أو يتجاهل صانعها ولذلك نحن نسبح الله على حفظه إيانا وعلى ستره ومعونته. ألا يعتبر حب الله هو المُسّير لكل عمل من الأعمال المحيطة بنا؟!!

3 - تسبيح الله على الخلاص الممنوح لنا:

الفداء والخلاص هو أكبر عمل إلهى قدمه الله للبشرية الساقطة!! ولماذا هذا الخلاص والفداء؟ أليس هو حب الله المقدم للبشرية الضعيفة؟ وماذا نفعل حيال هذا الخلاص؟ نأخذ ونفرح ونشكر ونسبح!! نعم إننا قد اشترينا بثمن فلنقدم مجداً لله وتسبيحاً لمن مات على الصليب!! ألم تقدم الملائكة تسبيحاً لخلاص الله المعطى للبشرية!! ألم تقدم الملائكة تسبيحاً من أجل ما رأوه أن رب الحياة يموت عن الخطاة!! نعم نحن نغنى نسبح الله من أجل مراحمه وغفرانه، من أجل صليبه وفدائه!!

هنا يكون التسبيح صلاة شكر وتمجيد لعمل الله الخلاص للبشرية المحتاجة إلى معونة الخلاص!!

ولكن ما هو التسبيح؟!

هو صلاة شكر، وصلاة حمد مقدمة لله!!

هو التغنى بأعمال الله وصفاته الفائقة!!

إن التسبيح هو رؤية الله خلال الخليقة!!

إن التسبيح هو عمل الملائكة وهو عملنا فى الأبدية!!

لذلك من يسبح الله يتشبه بالملائكة ويتدرب على الأبدية!!

نعم التسبيح هو عمل القديسين هنا وفى الأبدية!!

لنترك صلاة الطلب لفترة من الزمن ونبدأ فى صلاة التسبيح!!

الفصل التاسع: بين الصراخ والأستجابة

أولاً: الصراخ

  • فصرخوا إلى الرب فى ضيقهم، فأنقذهم من شدائدهم (مز 107: 6).
  • بصوتى إلى الرب أصرخ (مز 3: 3).
  • فى يوم دعوتك أجبتنى. شجعتنى قوة فى نفسى (مز 138: 3).
  • تأمل صراحى. استمع لصوت دعائى، لأنى إليك أصلى (مز 5: 2).
  • من صرخة البائسين، الآن أقوم يقول الرب (مز 12: 5).
  • اسمع يا رب.. أنصت إلى صراخى.. أصغ إلى صلاتى (مز 17: 1).
  • يصرخون ولا مخلص. إلى الرب فلا يستجيب لهم (مز 18: 41).
  • عند صراخه اليه استمع (مز 22: 24).
  • خلص أنت عبدك المتكل عليك. ارحمنى يا رب لأنى إليك أصرخ اليوم كله (مز 86: 2 - 3).
  • أما أنا فإلى الله اصرخ والرب يخلصنى. مساءً وصباحاً وظهراً أشكو وأنوح فيسمع صوتى (مز 55: 16 - 17).
  • أصرخ إلى الله العلى. إلى الله المحامى عنى. يرسل من السماء ويخلصنى (مز 57: 2 - 3).
  • إليك يا رب أصرخ. يا صخرتى لا تتصادم من جهتى، لئلا تسكت عنى فأشبه الهابطين فى الجب (مز 28: 1).
  • استمع يا رب صوت تضرعى إذ استغيث بك وارفع يدى إلى محراب قدسك (مز 28: 2).
  • هذا المسكين صرخ والرب استمعه ومن كل ضيقاته خلصه (مز 34: 6).
  • خلصنى يا الله، لأن المياه قد دخلت إلى نفسى. غرقت فى حماة عميقة... تعبت من صراخى يبس حلقى (مز 69: 1 - 3).
  • أولئك صرخوا والرب سمع (لهم) ومن كل شدائدهم أنقذهم (مز 34: 17).
  • فى ضيقى دعوت الرب. وإلى إلهى صرخت فسمع من هيكله صوتى (مز 18: 60).
  • يا رب، استمع صلاتى، وليدخل إليك صراخى. لا تحجب وجهك عنى فى يوم ضيقى. أمل إلىّ أذنك فى يوم أدعوك. استجب لى سريعاً... من صوت تنهدى لصق عظمى بلحمى (مز 102: 1 - 2 و5).
  • إليك صرخوا فنجوا. عليك اتكلوا فلم يخزوا (مز 22: 4 - 5).
  • إليك يا رب أصرخ وإلى السيد أتضرع (مز 30: 8).
  • بصوتى إلى الرب أصرخ. بصوتى إلى الرب اتضرع. أسكب أمامه شكواى بضيقى ٌدامه اخبر (مز 142: 1 - 2).
  • استمع يا الله صراخى. واصغ إلى صلاتى. من أقصى الأرض أدعوك (مز 61: 1 - 2).
  • عندما أعيت روحى فىّ، وأنت عرفت مسلكى. فى الطريق الذى أسلك أخفوا لى فخاً... ليس من يسأل عن نفسى صرخت إليك يا رب. قلت أنت ملجأى، نصيبى فى أرض الأحياء. أصغ إلى صراخى لأنى قد تذللت جداً. نجنى من مضطهدى لأنهم أشد منى. أخرج من الحبس نفسى (مز 142: 3 - 7).
  • ليبلغ إليك صراخى يا رب. حسب كلامك فهمنى (مز 119: 169).
  • يا رب إليك صرخت. أسرع إلىّ. أصغ إلى صوتى عندما أصرخ إليك (مز 141: 1).
  • من الأعماق صرخت إليك يا رب. يا رب اسمع صوتى (مز 130: 1).
  • صرخت من كل قلبى. استجب لى يا رب (مز 119: 145).

الصراخ هو استغاثة مرفوعة من ضعيف إلى قوى، ومن عاجز إلى قادر، ومن غير قادر إلى من هو قادر على كل شئ.

وحينما يكون الصراخ من الإنسان إلى الله فهو تعبير عن مشاعر كثيرة نوجزها فيما يلى:

1 - صراخ الاستغاثة:

الاستغاثة من غريق يكاد يغوص فى أعماق البحر ويسلم روحه. فهو يستغيث طلباً للإنقاذ ممن يستطيع ذلك. ليس الغرق المادى أو الحريق أو الزلازل والفيضانات هى الخطر. ولكن هناك أخطار روحية تفوق الأخطار المادية.

لذلك كان الصراخ طلباً للاستغاثة هو ما يلى:

  • استغاثة من خطر العدو.. الشيطان الذى يجول ملتمساً من يبتلعه.
  • استغاثة من خطر السقوط فى خطية أو شهوة نضعف أمامها. فنحن نصرخ لمن يستطيع أن ينجينا.
  • استغاثة من ظروف خارجية تضغط علينا لكى نسقط فى بالوعة اليأس والفشل والموت (كوارث الطبيعة – الظروف الاجتماعية).

إن الصراخ طلباً للاستغاثة يشبه من يستنجد بالشرطة طالباً رقم 122 أو فى الخارج طلب رقم 911 فهو صراخ سريع وصراخ شديد وصراخ مرفوع إلى الله مباشرة حتى ينظر إلينا ويجيبنا ويسرع لإغاثتنا مثلما أسرع وأمسك يد بطرس منقذاً إياه من الغرق.

2 - صراخ الألم:

فى آلامنا الجسدية نحن نصرخ من الوجع الذى يؤلمنا.. ولكن ماذا ينفع هذا الصراخ. إنه حركة لا إرادية. حيث الألم فهناك الصراخ وكلما يزداد الألم كلما يزداد الصراخ.

ولكن ألامنا الروحية وثقل الصليب الذى نحمله يجعلنا نصرخ. ولكن صراخنا يحنن قلب الله جداً ويجعله يدخل معنا ليحمل معنا الصليب ويتألم معنا. إنه يعين المجربين ويسند المتألمين ويعزى النائحين.

3 - صراخ الضجر والملل والكآبة والحزن:

إنه صراخ صادر من الأعماق، من أجل ما يواجهه الإنسان من ضجر وملل وكآبه. يشعر القلب بحزن، وتشعر المشاعر بأنها فى ضيق، ويشعر الفكر بأنه بلا سلام وفى حالة تشتت. هنا لا ينفع غير الصراخ إلى الله. صراخ من أجل أن يعود الأمان إلى النفس، وتعود الطمأنينة إلى القلب. ويهدأ الإنسان بالتمام ويرجع له الإحساس بحضور الله الذى يملأ القلب سلاماً وهدوءاً وطمأنينة.

وفى وقت الضيق والملل والضجر والحزن نحن نصرخ إلى الله من الأعماق كما يقول المزمور فتأتى الاستجابة:

  • من الأعماق صرخت إليك يا رب، يا رب استمع صوتى، لتكن أذناك مصغيتين إلى صوت تضرعى (مز 130: 1 - 2).
  • إليك يا رب صرخت فى حزنى فاستجبت لى. يا رب نج نفسى (مز 120: 1).
  • من أقاصى الأرض صرخت إليك يا رب... صرت رجائى وبرجاً حصيناً... فأسكن فى مسكنك إلى الدهر (الأبدية) وأستظل بستر جناحيك (مز 61: 1 - 3).

هنا نقول أن الملل والضجر والكآبة والحزن هى دعوة للصراخ إلى الله، والصراخ إلى الله يجعل الرب يقترب منا مثل اقتراب الأم إلى رضيتها لكى تمنحه الأمان والسلام والرجاء والطمأنينة!!! عندئذ تكون الاستجابة هى السلام والفرح!!

4 - صراخ الظلم:

إن الله يتحنن جداً على صراخ المظلومين وبحبه يقوم ليحكم للمظلومين. لأنه ظلم وتذلل لكنه كان يسلم لمن يقضى بعدل. ولذلك فإن صراخ المظلومين هو تفويض لله فى قضيتهم وظلمهم.

  • هو ذا أجرة الفعلة الذين حصدوا حقولكم المبخوسة منكم تصرخ وصياح الحصادين قد دخل إلى أذنى رب الجنود (يع 5: 4).

إن صوت صراخ المظلومين يدخل إلى أذنى رب الجنود. وهذا ما حدث مع شعب بنى اسرائيل أثناء السخرة والظلم. إنهم صرخوا إلى الله فسمع صراخهم وأنينهم، وأرسل لهم مخلصاً ومنقذاً لكى ينقذهم من ظلم المصريين واستعبادهم لهم:

  • وتنهد بنو اسرائيل من العبودية وصرخوا، فصعد صراخهم إلى الله من أجل العبودية. فسمع الله أنينهم (مز 2: 23 - 24).

إن الله دائماً يسمع صراخ المظلومين ويرسل لهم من هو مثل موسى لكى ينقذ ويخلص. ولكن حين يتأخر الله كما تأخر فى استجابة صراخ يوسف فى الجب وفى السجن، فإنما كان يُعد له وظيفته وعملاً وخدمة وكرامة. ولكن الصراخ للمظلوم مسموع، والدموع لا تضيع، والظلم لن يدوم قط!!

إن الله يصير للمظلوم محامياً يخلصه وينقذه من كل ظلم:

  • أصرخ إلى الله العلى. إلى الله المحامى عنى. يرسل من السماء ويخلصنى (مز 57: 2 - 3).
الخلاصة:

أياً كان سبب صراخنا، فإن الرب يسوع المسيح جمع جميع صراخنا وصرخ نيابة عنا فوق الصليب:

  • ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً... إلهى إلهى لماذا تركتنى (مت 27: 46).

وهكذا فإن صراخنا يجب ألا يكون بعيداً عن صليب الرب. فنحن نصرخ إلى الرب ولكن من تحت الصليب، لكى يتحد صراخنا مع صراخ الرب. وعندئذ تحول الترك إلى استجابة، ويتحول الصراخ إلى مثول بين يدى الرب. ولن يُسّكت صراخنا غير صراخ الرب لأن صراخ الرب هو صراخنا نحن. وهو ينوب عنا ويصرخ عنا للآب. ولا شك أن الآب قد سمع صراخ الرب يسوع المسيح الابن واستجاب له فى الحال. لذلك صرخاتنا مجابه حين تتحد مع صراخ الرب عند الصليب.

آمين يا رب اسمع صراخى وضم هذا الصراخ إلى صراخ الصليب الذى اشتمه الآب وقبله وتحول إلى استجابة وأفراح وأمجاد فى القيامة!!

ثانياً: الأستجابة

  • بصوتى إلى الرب أصرخ فيجيبنى من جبل قدسه (مز 3: 3 - 4).
  • يا رب إلهى استغثت بك فشفيتنى (مز 30: 2).
  • يا رب إلهى عليك توكلت. خلصنى من كل الذين يطردوننى، ونجنى لئلا يفترس (الشيطان) كأسد نفسى هاشماً إياها ولا منقذ (مز 7: 1 - 2).
  • مبارك الرب، لأنه سمع صوت تضرعى (مز 28: 6).
  • عيناً الرب نحو الصديقين. واذناه إلى صراخهم (مز 34: 15).
  • أولئك صرخوا والرب سمع ومن كل شدائدهم أنقذهم (مز 34: 17).
  • عليك اتكل آباؤنا. اتكلوا فنجيتهم، (إليك صرخوا فنجوا) عليك اتكلوا فلم يخزوا (مز 22: 4 - 5).
  • عندما اعيت روحى فىّ، وأنت عرفت مسلكى. فى الطريق الذى أسلك اخفوا لى فخاً... ليس من يسأل عن نفسى. صرخت إليك يا رب. قلت أنت ملجأى نصيبى فى أرض الأحياء. اصغ إلى صراخى لأنى قد تذللت جداً. نجنى من مضطهدىّ لأنهم أشد منى. أخرج من الحبس نفسى (مز 142: 3 - 7).
  • من أقاصى الأرض صرخت إليك عندما ضجر قلبى، على الصخرة رفعتنى وأرشدتنى صرت رجائى وبرجاً حصيناً فى وجه العدو. فأسكن فى مسكنك إلى الدهر وأستظل بستر جناحيك (مز 61: 1 - 3).

إن كان الصراخ هو صلاة وطلب معونة من إنسان مشرف على الموت والهلاك، فإن الله فى حبه وحنانه وأبوته دائماً ينظر ويسمع وينصت إلى كل صراخ يصعد إليه. وأياً كانت حياتنا الروحية فإن الصراخ إلى الله هو بمثابة طلب النجاة من الله القادر على كل شئ ولذلك فإن الاستجابة لها ثلاث حالات وأشكال:

1 - الاستجابة الفورية:

مثل استجابة الله لصراخ دانيال والثلاثة فتية. فإنها استجابة فورية أطفأت قوة النار من تأثيرها على الثلاثة فتية، ومن الأسود الجائعة وتأثيرها على دانيال.

2 - الاستجابة بعد حين:

مثل استجابة الله لصراخ بنى اسرائيل من العبودية لفرعون والمصريين. فإنها استغرقت وقتاً لكى يعد لهم الخروج بعد ضربات عشر استغرقت وقتاً من الزمن.

3 - الاستجابة الطويلة المدى:

مثل استجابة الله لصراخ الشهداء.

  • وصرخوا بصوت عظيم قائلين: حتى متى أيها السيد القدوس والحق لا تقضى وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الأرض؟ فأعطوا كل واحد ثياباً بيضا، وقيل لهم أن يستريحوا زماناً يسيرا أيضاً حتى يكمل العبيد رفقاؤهم، وأخوتهم أيضاً، العتيدون أن يقتلوا مثلهم (رؤ 6: 10 - 11).

وهكذا منذ القرن الرابع – قرن الاستشهاد – والشهداء يصرخون ولم ينتقم ولم يقض الرب لدمائهم... حتى يكمل الشهداء استشهادهم.

وها نحن نصرخ كل يوم من أجل أن ينقذنا الله من العدو الشرير ولكنه لم ينفذ حكمه بعد بأن يلقى الشيطان فى البحيرة المتقدة بنار وكبريت ولكن ها نحن نصرخ كل يوم ونقول له "نجنا من الشرير" ومن هو هذا الشرير غير الشيطان الحاقد والحاسد الذى يجول كل لحظة ملتمساً أن يبتلع من يتراخى ويتكاسل ويضعف!! ولكن أياً كانت الاستجابة، فورية أو بعد حين أم طويلة المدى، فنحن نصرخ والرب يسمح صراخنا. وبحنانه يؤكد لنا وقوفه بجوارنا واقترابه إلينا وأننا ممسوكين بيده ومنقوشين على كفه ومحروسين بعنايته ومباركين ببركته.

نعم صراخنا مسموع وأذنيه نحونا ومع المرنم نقول:

  • أعظمك يا رب لأنك نشلتنى ولم تشمت بى أعدائى. يا رب إلهى استغثت بك فشفيتنى يا رب، أصعدت من الهاوية نفسى. احييتنى من بين الهابطين فى الجب (مز 30: 1 - 3).

الفصل العاشر: بين الخزى والمجد

أولاً: الخزى

  • عليك يا رب توكلت، لا تدعنى أخزى مدى الدهر. بعدلك نجنى (مز 31: 1).
  • اليوم كله خجلى أمامى، وخزى وجهى قد غطانى. من صوت المعير والشاتم. ومن وجه عدو ومنتقم (مز 44: 15 - 16).
  • يا بنى البشر حتى متى يكون مجدى عاراً (مز 4: 2).
  • يا إلهى عليك توكلت فلا تدعنى أخزى (مز 25: 2).
  • أيضاً كل منتظروك لا يخزون، ليخز الغادرون بلا سبب (مز 25: 3).
  • صرنا عاراً عند جيراننا، هزءاً وسخرة للذين حولنا (مز 79: 4).
  • عند كل أعدائى صرت عاراً، وعند جيرانى بالكلية. ورعباً لمعارفى الذين رأونى خارجاً هربوا منى. نسيت من القلب مثل الميت. صرت مثل إناء متلف لأنى سمعت مذمة من كثيرين (مز 31: 11 - 13).
  • احفظ نفسى وانقذنى. لا أخزى لأنى عليك توكلت (مز 25: 2).
  • نظروا إليه واستناروا ووجوههم لم تخجل (مز 34: 5).
  • لا يرجعن المنسحق خازياً (مز 74: 21).
  • لا أخزى لأنى عليك توكلت (مز 26: 20).
  • عينى ذابت من الذل. دعوتك يا رب كل يوم (مز 88: 9).
  • دحرج (ابعد) عنى العار والاهانة (الخزى) (مز 119: 22).
  • تذللت إلى الغاية. يا رب احيينى حسب كلامك (مز 119: 107).
  • وأتكلم بشهاداتك قدام الملوك ولا أخزى (مز 119: 46).
  • خير لى أنى تذللت لكى أتعلم فرائضك (مز 119: 71).
  • فرحنا كالأيام التى فيها أذللتنا. كالسنين التى رأينا فيه شراً (ضيقاً) (مز 90: 15).
  • وأنا صرت عاراً عندهم. ينظرون إلىّ وينفضون رؤوسهم (مز 109: 25).
  • ويعلى المسكين من الذل (مز 107: 41).
  • ليكن قلبى كاملاً فى فرائضك لكيلا أخزى (مز 10: 80).
  • أما أنا فمسكين وبائس. الرب يهتم بى (مز 40: 17).
  • بك يا رب احتميت فلا أخزى إلى الدهر (مز 71: 1).
  • لا يخزى منتظروك يا سيد رب الجنود. لا يخجل بى ملتمسوك يا إله اسرائيل.. أنت عرفت عارى وخزيى وخجلى (مز 69: 6 و19).

لا يقدر أن يصف الخزى والعار والمذلة إلا من ذاقها. ولكن ها نحن نرى الرب يسوع المسيح فى الصليب يذوق الذل والخزى والعار بكل أنواعها وأشكالها وصورها المتعددة. فى الاتهامات وفى الآلام وفى الشتائم وفى كل مواجهات الصليب. ولكن احتمل بصبر ورضى وشكر.

ولذلك يقول الرسول بولس الذى غاص فى أعماق الصليب فقال عن الرب يسوع المسيح المصلوب عنا أنه أحتمل الصليب مستهيناً بالخزى (عب 12: 2) ولماذا احتمل الرب يسوع هذا الخزى؟ يقول الرسول بولس أيضاً:

  • من أجل السرور الموضوع أمامه (عب 21: 2).

وقد احتار البعض فيما هذا السرور الموضوع أمامه؟ هل هو سرور القيامة والمجد والجلوس عن يمين الآب؟ أم هو سرور الخلاص الممنوح للبشرية؟ أم هو سرور رفع كل خزى عن البشرية كلها؟ نعم انه احتمل الصليب واستهان بالخزى لكى يرفع عن البشرية خزيها:

وبقى سؤال:

ما هو خزى البشرية الذى رفعه الرب بالصليب؟

1 - خزى الجحيم وجهنم!!

انه خزى يفوق كل خزى ألا وهو الحرمان من الفردوس والملكوت.

أى خزى هذا الذى يصيب الإنسان الذى سوف يسمع ذلك الصوت:

  • اذهبوا عنى يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته (مت 25: 41).

أى خزى هذا الذى يصيب الإنسان حيث لا يستطيع أن يغير مصيره ويعدل سكناه؟ إنه خزى يفوق كل خزى لأنه مصير حتمى!!

2 - خزى الهزيمة والسقوط!!

حيث ينتصر الشيطان هناك الخزى والعار. إن لذة الخطية تتحول إلى خزى وعار. فالخطية لازمة للخزى والعار باستمرار. ولذلك فإن المرنم داود يصرخ قائلاً:

  • انزع عنى العار الذى حذرت منه 0مز 119: 39).
  • انزع عنى العار والخزى (مز 119: 22).
  • أنت عرفت عارى وخزى وخجلى... العار قد كسر قلبى فمرضت (مز 69: 19 - 20).

لقد ذاق داود مرارة الخزى والعار حيث سقط فى خطية الزنا والقتل ولذلك ظل يبكى طوال حياته لينزع الرب عنه خزى وعار السقوط.

3 - خزى الإنكار والابتعاد!!

لقد ذاقه بطرس الرسول حين أنكر الرب يسوع ثلاث مرات. وفى انكاره ابتعد عن الرب فذاق هذا الخزى ولذلك بكى بكاءاً مراً.. إنها دموع مرارة الإنكار والابتعاد.

ونحن حين ننكر الرب فإننا نصاب بالخزى والعار لأنه هو يظل أميناً فى حبه رغم عدم أمانتنا نحن. ولكن ها هو الرب فى حنانه ولطفه وأبوته يمسح دموعنا ويزيل عنا الخزى والعار حين يؤكد حبه ويشفى بجراحات صليبه:

  • ويخُبره (جراحاته) شفينا (أش 53: 5).

إن خزى السقوط وخزى الإنكار والابتعاد لا يرفعه غير صليب الرب وجروح ودم الرب الذى يشفينا من كل خزى وكل عار وكل مذلة!!

وعندما نقترب من صليب الرب نصرخ قائلين:

  • لصقت بشهاداتك يا رب لا تخزنى (مز 119: 31).

ثانياً: المجد والعز والكرامة

  • مجدى ورافع رأسى (مز 3: 3).
  • الرب عزى وترسى (مز 28: 6).
  • الرب عز لهم وحصن خلاص مسيحه هو (مز 28: 8).
  • الرب يعطى عزاً لشعبه (مز 29: 11).
  • فمن هو الإنسان حتى تذكره؟ وابن آدم حتى تفتقده؟ وتنقصه قليلاً عن الملائكة. وبمجد وبهاء تكلله (مز 8: 4 - 5).
  • عظيم مجده بخلاصك (مز 21: 5).
  • بالرب تفتخر نفسى (مز 34: 2).
  • طوبى لأناس عزهم بك (مز 84: 5).
  • الرب يعطى رحمة ومجداً (مز 84: 11).
  • جلالاً وبهاءً نضع عليه (مز 21: 5).
  • وضعت على رأسه تاجاً من ابريز (مز 21: 3).
  • يا رب أحببت محل بيتك وموضع مسكن مجدك (مز 26: 8).

بينما الخطية لا تعطى غير الخزى والعار، إذ بالرب يسوع المسيح المصلوب عنا يعطى المجد والكرامة والعزة لمن يخلص له ويتبعه ويسير خلفه فى اخلاص وأمانة حتى الموت!!

وهكذا صلى الرب يسوع من أجل تابعيه، المؤمنين به، المخلصين له، المنفذين وصاياه:

  • أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين اعطيتنى يكونو معى حيث أكون أنا، لينظروا مجدى الذى أعطيتنى (يو 17: 24).

إن صلاة يسوع قوة واستجابة، لأنه طلب ودفع ثمن الطلب، طلب وسدد التزامات الطلب. طلب لنا مجد الملكوت والأبدية ودفع الثمن والرسم ألا وهو الدم المسفوك على الصليب.

وها هى العطايا: المجد والكرامة والعزة!!

ويبقى السؤال: أين نجدها؟!

1 - فى شخصه:

فى شخص الرب يسوع المسيح نحن نجد الكرامة والعزة والمجد.. هو المجد وهو الكرامة وهو العزة. ولذلك فإن الذين تألموا مع الرب والذين أهينوا مع الرب والذين صلبوا مع الرب، والذين شُتموا من أجل الرب، كل هؤلاء لم يفقدوا كرامتهم ولا مجدهم لأنهم كانوا مع الرب لم يتركوه ولم يتركهم، فعاشوا فى كرامة ومجد الرب الذى رافقهم تعبيراً عن تمسكهم به.

وهكذا نقول أنه فى شخصه نحن ننال الكرامة والمجد والعزة والبهاء وهذا ما اختبره الرسول بولس حين قال:

  • لأننا نحن الأحباء نسلم دائماً للموت من أجل يسوع، لكى تظهر حياة يسوع أيضاً فى جسدنا المائت (2كو 4: 11).

وما هى حياة يسوع التى تظهر فى جسدنا المائت غير كرامة ومجد.

2 - فى مواهبه:

ان المواهب كلها يجب أن نستثمرها لحساب مجد المسيح. وكل مجد يأتينا من وراء الخدمة والعمل والمواهب الممنوحة لنا إنما نعيده للرب. ولا نعمل لحساب مجدنا بل لحساب مجد الرب. ولو أن الرب سمح لنا أن نذوق هذا المجد فهو ليس مجدنا بل مجد الرب، ويجب أن نعطى المجد للرب:

  • من افتخر فليفتخر بالرب (1كى 1: 31).

إن كثيرين ضاعوا ولحقهم الخزى لأنهم حبسوا المجد عند ذواتهم ولم يعيدوه للرب.

3 - فى ملكوته:

فى ملكوت الرب مجد يفوق كل أمجاد الأرض الزائلة.. هو طلب لنا أن يكون لنا نصيب فى هذا المجد!! وصورة مجد الملكوت نجدها فى الكنيسة حيث الأسرار وحضور الرب. وهنا نحن ننظر مجد الرب خلال برقع الجسد والحواس. ونقبل الضغط علينا من العالم. ولكن فى العالم الآخر سوف ننظر مجد الرب بوجه مكشوف:

  • ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف، كما فى مرآه نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح (2كو 3: 18).

إن الروح القدس هو الذى يقودنا من مجد إلى مجد ويغير صورتنا الأرضية الزائلة لتشابه صورة الرب يسوع المسيح.

ولذلك نحن نترك أمجاد العالم الزائل لكى نلصق بأمجاد السماء والقديسين. وصورة هذا المجد نحن نعاينها بالإيمان فى الكنيسة، ثم نجاهد حتى نلامسها ويكون لنا شركة مع القديسين فى مجد المسيح فى الفردوس والملكوت!!

إن مجد العالم زائل، بينما مجد المسيح دائم!!

إن مجد الجسد يقود غلى الخزى والعار، بينما مجد المسيح يقود إلى العزة والبهاء!!

إن مجد الناس متقلب ومذبذبن بينما مجد المسيح ثابت وقوى لا يتزعزع!!

إن مجد العالم فيه غش، بينما مجد المسيح حقيقى!!

لذلك نحن نجاهد لكى نترك كل مجد زائل لكى يكون لنا نصيب فى المجد الدائم الذى فى شخص الرب يسوع المسيح!!!

الفصل الحادى عشر: بين الترك والرجوع

أولاً: الترك

  • حجب وجهك عنى فصرت مرتاعاً (مز 30: 7).
  • يا رب لماذا تقف بعيداً؟ لماذا تختفى فى أزمنة الضيق (مز 10: 1).
  • قال فى قلبه إن الله قد نسى. حجب وجهه. لا يرى إلى الأبد (مز 10: 11).
  • إلى متى يا رب تنسانى كل النسيان؟ إلى متى تحجب وجهك عنى (مز 13: 1).
  • لا تطرحنى من قدام وجهك وروحك القدوس لا تنزعه منى (مز 51: 11).
  • إلهى إلهى لماذا تركتنى بعيداً عن خلاصى، عن كلام زفيرى، إلهى فى الليل أدعو فلا تستجيب، فى الليل أدعو فلا هدوء لى (مز 22: 1 - 2).
  • اما أنا فدودة لا إنسان. عار عند البشر ومحتقر (من) الشعب. كل الذين يروننى يستهزئون بى. يفغرون الشفاه وينغضون الرأس قائلين اتكل على الرب فلينجه. لينقذه لأنه سر به (مز 22: 6 - 8).
  • إن أبى وأمى قد تركانى والرب بضمنى (مز 27: 10).
  • فنيت روحى. لا تحجب وجهك عنى فأشابه الهابطين فى الجب (مز 143: 7).
  • وضعتنى فى الجب الأسفل، فى ظلمات، فى أعماق (مز 88: 6).
  • حتى متى يا رب تختبئ كل الاختباء (مز 89: 4).
  • لا تحجب وجهك عن عبدك. لأن لى ضيقاً. استجب سريعاً (مز 69: 17).
  • يا صخرتى لا تتصامم من جهتى لئلا تسكت عنى فأشابه الهابطين فى الجب (مز 28: 1).
  • ... لماذا رفضتنى (مز 43: 2).

انها مشاعر تهزنا هزأ، وتجعلنا فى احساس بالضعف الذى لا يدانيه أى ضعف. تلك هى مشاعرالترك. حيث يشعر الإنسان أن الله تركه فكيف يواجه العواصف والأمواج والريح. إنه احساس بالوحدة والتخلى. ولكن هناك نوعين من الترك، أحدهما ترك حقيقى والآخر ترك تدريبى:

1 - الترك الحقيقى:

حيث يتركنا الله بسبب الخطية التى نحن ساقطين فيها بنوع من البلادة والاستكانة وعدم الاحساس بأننا نسير فى طريق خاطئ. انها نتيجة من نتائج الخطية حيث نطرح من حضرة الله، ونفقد الإحساس بوجود الله. أليس هذا هو ما قاله يشوع للشعب:

  • لا تقدرون ان تعبدوا الرب لأنه إله قدوس وإله غيور هو... وإذا تركتم الرب وعبدتم إلهة غريبة يرجع فيسئ إليكم ويفنيكم بعد أن أحسن إليكم (يش 24: 29).

هنا تكون الإلهة الغريبة التى يعبدها الإنسان هى السبب فى ترك الله. وما هذه الإلهة الغريبة إلا الخطايا والشهوات التى تبعدنا عن الشركة والحضرة الإلهية.

وإذا شعر الإنسان بهذا الترك فليطع قول يشوع للشعب:

  • فالآن انزعوا الإلهة الغريبة التى فى وسطكم وأميلوا قلوبكم إلى الرب إله إسرائيل (يش 24: 23).

إن الترك هو دعوة للتفتيش عن الإلهة الغريبة، والتوبة عن كل خطية مهما صغرت فى نظرنا. وحسب قول الرسول بولس:

  • فإن طهر أحد نفسه من هذه. يكون إناء للكرامة، مقدساً، نافعاً للسيد، مستعداً لكل عمل صالح (2تى 2: 21).

ولكن هناك نوع آخر من الترك نسميه الترك التدريبى:

2 - الترك التدريبى:

وهنا يدربنا الله على الجهاد والصراع معه والصراخ إليه وطلبه والاستماتة فى الطلب حتى يشرق الرب وجهه علينا. مثل الأم التى تمسك بيد طفلها لتدربه على المشى، ثم تتركه حتى يخطو بمفرده خطوات وتقوى عضلاته فيسير ويعيشز.

وهذا هو ما حدث مع الرب يسوع حين كان نائماً فى مؤخرة السفينة. وخُيل للتلاميذ أنه قد تركهم ولكن هم صرخوا متأكدين من وجوده. فلم يكن النوم تركا بل تدريباً على النضج الروحى والصراخ إلى الرب فيسندهم ويباركهم ويأمر الريح والأمواج لتسكت وتهدأ (مت 8: 23 - 27).

إنه ليس نواماً ولا تركاً بل هو تدريب على الإيمان العملى وعدم الخوف.

ثانياً: الوعود

  • لأنك لن تترك نفسى فى الهاوية لن تدع تقيك يرى فساداً (مز 16: 10).
  • الرب قريب لكل الذين يدعونه، الذين يدعونه بالحق (مز 145: 18).
  • لأنه لم يحتقر ولم يرذل مسكنه المسكين ولم يحجب وجهه عنه (مز 22: 24).
  • ويتكل عليك العارفون اسمك. لأنك لم تترك طالبيك يا رب (مز 9: 10).
  • ير نفسى يهدينى إلى سبل البر من أجل اسمه (مز 23: 3).

إن الوعود الإلهية هى القوة التى يتشدد بها الإنسان فى وقت الضعف والترك. والوعد الأكيد هو الذى نطق به الرب قبل صعوده إلى السماء:

  • وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر (مت 28: 20).

إن وعد وجود الله معنا هو الوعد الأكيد الذى نتمسك به حيث ثار اسم الله فى عهد النعمة هو:

  • عمانوئيل الذى تفسيره الله معنا (مت 1: 23).

والتفسير ليس بالكلام والوعظ ولكن بالإيمان والاختبار، إن الله معنا حتى لو ساد الشعور بالترك.

إن مواعيد الله تحتاج أن نقول لها آمين.

ومعنى كلمة آمين هو حقاً نحن نصدق ونؤمن. لذلك نريد أن مشاعرنا تتحول من الإحساس بالترك إلى الإيمان بمواعيد الله. وخلال ابوة الله نحن نتقبل هذه المواعيد:

  • لأن الذى وعد هو أمين (عب 10: 23).

إن أبطال العهد القديم لم ينالوا المواعيد، أما نحن فإننا فى المسيح يسوع ننال المواعيد:

  • فى الإيمان مات هؤلاء أجمعون (أبرار العهد القديم) وهم لم ينالوا المواعيد، بل من بعيد نظروها وصدقوها وحيوها (عب 11: 13).
  • لأن مهما كانت مواعيد الله فهو فيه النعم وفيه الآمين لمجد الله بواسطتنا (2كو 1: 20).

هناك بعض المواعيد تستطيع أن تقبلها أو ترفضها أى فيها نعم ولا. وهذا هو موضوع الخلاص الذى ممكن للإنسان ان يرفضه أو يقبله:

  • لأن ابن الله يسوع المسيسح الذى كرز به بينكم بواسطتنا لم يكن نعم ولا بل كان فيه نعم (1كو 1: 19).

أى أنهم قبلوا الخلاص ولم يرفضوه. ثم بعد قبول الخلاص فى المسيح خلال الأسرار تبقى المواعيد الأخرى الخاصة بعمل الله معنا وصحبته إيانا ورفقته لنا فيه "الآمين" أى التصديق والإيمان والقبول.

ولكن هذه المواعيد التى نقول فيها آمين أى حقاً نؤمن ونصدق تحتاج منا إلى صلاة ودعاء.

ثالثاً: الصلاة والدعاء

  • يا الله ارجعنا وأنر بوجهك فنخلص (مز 80: 3).
  • لا تحجب وجهكعن عبدك، لأن لى ضيقاً. استجب لى سريعاً. اقترب إلى نفسى. فكها (مز 69: 17 - 18).
  • لا ترفضنى عند زمن الشيخوخة. لا تتركنى عند فناء قوتى... وأيضاً إلى الشيخوخة والشيب يا الله لا تتركنى، حتى أخبر بذراعك الجيل المقبل، وبقوتك كل آت (مز 71: 9 و18).
  • قد رأيت يا رب، لا تسكت. يا سيد لا تبعد عنى استيقظ وانتبه إلى حكمى. اقضى لى حسب عدلك يا رب وإلهى فلا يشمتوا بى... ولا يقولون قد ابتلعناه (مز 35: 22 - 25).
  • وأنا قلت فى حيرتى: إنى قد انقطعت من قدام عينيك ولكنك سمعت صوت تضرعى إذ صرخت غليك (مز 31: 22).
  • أما انت يا رب فلا تبعد (مز 22: 19).
  • وصاياك أحفظ فلا تتركنى إلى الغابة (مز 119: 8).
  • لا تحجب وجهك عنى. لا تخيب بسخط عبدك. قد كنت عونى فلا ترفضنى ولا تتركنى يا إله خلاصى (مز 27: 9).
  • استيقظ! لماذا تتفانى يا رب؟ انتبه لا ترفض إلى الأبد لماذا تحجب وجهك وتنسى مذلتنا وضيقنا (مز 44: 23 - 24).
  • يا رب استمع صلاتى، وليدخل إليك صراخى. لا تحجب وجهك عنى فى يوم ضيقى. أمل إلىّ أذنك فى يوم أدعوك استجب لى سريعاً (مز 102: 1 - 2).
  • عد يا رب نج نفسى. خلصنى من أجل رحمتك (مز 4: 6).

إن الذى ذاق مشاعر الترك، سواء كان تركاً حقيقياً أو تركاً تدريبياً، والذى ذاق مواعيد الله وصدقها وآمن بها، ما عليه إلا أن يصرخ ويطلب من الله فيعطيه ويستجيب لطلبه وصراخه.

وما هذا الصراخ والطلب إلا الصلاة لكى لا يحجب الرب وجهه عنا، أو بمعنى آخر ان يرجع الأمان والطمأنينة والثقة بوجود الرب. تلك هى المعية الإلهية للإنسان التى تحتاج إلى صراخ. ولا شك أن الطفل الذى يتعلم المشى حين يبدأ فى التعثر والوقوع وحين يبكى ويصرخ سوف يجد أمه تلتقط يديه بسرعة وتحتضنه لكى تؤكد له أنها موجودة بالقرب منه.

وفى وقت الإحساس بالترك علينا بمضاعفة الصراخ ومضاعفة الصلاة، والتركيز على طلب واحد فقط هو الإحساس بوجود الرب معنا والعلامة هى السلام الذى يستعيده الإنسان.

إن الموج والريح يسببان الخوف، والترك يسبب الاضطراب، ولكن عودة مسيرنا مع الرب مثل تلميذى عمواس سوف يعيد إلينا السلام والهدوء والطمأنينة!!

إنها مشاعر الترك، التى تقود إلى البحث عن مواعيد الله، ثم الصراخ والبكاء والطلب المستمر الذى لا يهدأ ولا يكف، وأخيراً استعلان الرب فى قلوبنا بالسلام العميق الذى نحصل عليه خلال وجود الرب بقوة وشدة، حين نتناولمن الافخارستيا سر جسد الرب ودمه، ومن القراءة فى الإنجيل، والصلاة التى تمتلئ بالصراخ والدموع والطلب.

لك المجد يا رب فى حضورك ورجوعك إلينا ورجوعنا إليك!!

رابعاً: الرجوع

  • أضئ بوجهك على عبدك خلصنى برحمتك (مز 31: 16).
  • الرب قريب لكل الذين يدعونه، الذين يدعونه بالحق (مز 145: 18).
  • من أجل اسمك تهدينى وتقودنى (مز 31: 3).
  • ارجع يا رب، حتى متى؟ وترآف على عبيد (مز 90: 13).

الرجوع هو رجوع الله للإنسان ورجوع الإنسان إلى الله. إنها تبادلية الحب. تبدأ من الله وتنتهى فى الله والإنسان هو إناء قبول الحب وقبول عمل النعمة فيه حتى يستريح فى الرجوع إلى الله. إنه قريب جداً إلينا ولكن هناك عوائق وفواصل، إذ نتوب عنها ونتطهر منها يستعلن الرب إلينا نوراً وحباً وسلاماً وطمأنينة. يهدينا ويقودنا إلى أحضان إليهة نستريح فيها ونتأكد من وعوده كما نتأكد من قبوله لصراخنا. إن رجوع الابن الضال إلى حنان الأبوة هو تأكيد لأبوة الله الذى ينتظرنا.

وفيما نحن نصرخ لله قائلين:

1 - يا رب تراءف علينا. إياك انتظرنا (أش 33: 2).

نسمع الصوت الإلهى يقول لنا:

2 - ولذلك ينتظر الرب ليتراءف عليكم (أش 30: 18).

هنا تتلاقى الإرادتين معاً. إرادة الله وإرادة الإنسان، وعندئذ يكون الاستعلان الإلهى لأبوة الله لنا وراحتنا وسلامنا فى الأحضان الأبوية... هنا وهنا فقط نستريح من مشاعر الترك ونتأكد من الحب الإلهى ونميز اقتراب الله إلينا حسب قول المرنم:

3 - جعلت الرب أمامى فى كل حين، لأنه عن يمينى فلا أتزعزع. لذلك فرح قلبى، وابتهجت روحى. جسدى أيضاً يسكن مطمئناً (مز 16: 8 - 9).

الفصل الثانى عشر: بين الضعف والقوة

أولاً: ضعف الإنسان

  • قلبى خافق. قوتى فارقتنى. ونور عينى أيضاً ليس معى (مز 38: 10).
  • ارحمنى يا رب لأنى ضعف (مز 6: 1).
  • أما أنا فدودة لا إنسان (مز 22: 6).
  • يبست مثل شقفة قوتى (مز 22: 15).
  • ضعفت بشقاوتى قوتى وبليت عظامى (مز 31: 10).
  • صرت كرجل ولا قوة له (مز 88: 4).

إنها سمة من سمات الإنسان وهى الضعف. ويشعر الإنسان بضعفه أمام أمور سبعة هى:

1 - أمام المرض والموت.

2 - ضعف الإرادة.

3 - أمام الخطية والسقوط.

4 - ضعف الجسد.

5 - أمام المقاومين والمعاندين.

6 - أمام الشياطين والأرواح الشريرة.

7 - ضعف الطبيعة البشرية بصفة عامة.

  • صرت كرجل ولا قوة له (مز 88، 4).

إن كل ما يدور حولنا من حوادث واحداث وعلاقات إنما يشعرنا بضعفنا، ويؤكد لنا أننا ضعفاء. وهذا الضعف يقودنا إلى قوة ستندنا تفوق ضعفاتنا. وما هذه القوة إلا قوة الله.

إن قوة الله تعمل فى الضعفاء حتى يصرخ الإنسان ويقول:

  • ليقل الضعيف بطل أنا (يوئيل 3: 10).

وكيف يقول الضعيف بطل أنا إن لم يتعرف على ضعفه. ولذلك يقول الرسول بولس:

  • افتخر بالحرى بأمور ضعفى لكى تحل على قوة الله... لأنه حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوى (2كو 12: 9 - 10).

إن نعمة الله أحياناً تتخلى عن الإنسان المتكبر لكى يتعثر ويسقط وعندئذ يشعر بضعفه، فيصرخ إلى الله فتسرى فيه القوة الإلهية.

وها هى نواحى الضعف فى حياة الإنسان:

1 - أمام المرض والموت:
  • الرب يعضده وهو على فراش الضعف مهدت مضجعه كله فى مرضه (مز 41: 3).
  • يمخص قلبى فى داخلى وأهوال الموت سقطت على (مز 55: 4).

أمام المرض نحن ضعفاء جداً، نصرخ ونتوجع ومن الأعماق نصدر الآهات، وكل آه تصاحبها دموع ووجع. ومن يسندنا فى ضعفنا غير قوة الرب. قوة الرب الشافية حسب وعده الإلهى:

  • فإنى أنا الرب شافيك (خر 15: 26).

ولكن قد لا يتم الشفاء بالمفهوم الذى نفهمه نحن ولكن يكون الشفاء هو الإعداد للملكوت والأبدية. ويكون الشفاء باحتمال الألم الذى يقودنا إلى الإحساس بالضعف والارتماء بين يد الله القوية التى تقودنا للملكوت.

ويزداد ضعفنا كلما اقتربنا من الموت فنصرخ مع المرنم داود:

  • أنظر واستجب لى يا ربى وإلهى. أنر عينى لئلا أنام نوم الموت (مز 13: 3).

وهنا نرفع عيوننا وقلوبنا ويتحول الضعف إلى قوة حين نبصر قبس من نور الأبدية، فيتحول الضعف الذى فينا إلى قوة مشاهدة بعض من مناظر الأبدية السعيدة.

وهكذا فإن ضعف المرض وضعف الإنسان أمام الموت إنما يتحول إلى قوة فى شخص الرب يسوع المسيح.

2 - ضعف الإرادة:

الإنسان يتسم بالضعف فى إرادته. كثيراًما يريد ولكنه لا يقوى على تنفيذ ما يريده. ولذلك يقول المرنم:

  • ولكنهم فى ظلعى (الظلع هو العَرج وعدم القدرة على المشى) فرحوا واجتمعوا علىّ شاتمين (مز 35: 15).
  • لا تتركنى عند فناء قوتى (إرادتى) (مز 70: 9).

إن الإرادة الضعيفة هى التى أعجزتنا عن تنفيذ نذورنا ووعودنا وتكريسنا للرب. ولا شئ أضعف إرادتنا غير السقوط المتكرر والتمرغ فى الخطية.

ولكن هناك شفاء من ضعف الإرادة فى شخص الرب يسوع المسيح:

  • استطيع كل شئ فى المسيح الذى يقوينى (فى 4: 13).

هنا تعمل قوة الرب فى إرادة الإنسان لتطييبها وتجعلها تتقوى.

لإن الإرادة مثل العضلات الجسدية تتقوى فى الرب، وتتقوى بالتدريب المتواصل وبالجهاد الذى لا يكف قط:

  • ولنحاضر بالصبر فى الجهاد الموضوع امامنا. ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع الذى من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهيناً بالخزى (عب 12: 1 - 2).

لذلك نحن ندرب أنفسنا فى صبر وجهاد، وفيما نحن ندرب أنفسنا لا تغفر أعيننا عن النر إلى الرب يسوع لأنه هو يقوى إرادتنا حسب اختبار الرسول بولس:

  • لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا (فى 2: 13).

فهو يعمل فينا لكى نريد ولكى ننفذ ما نريده. والفضل راجع إلى قوة الله التى تقوى إرادتنا:

  • أخيراً يا اخوتى تقووا فى الرب وفى شدة قوته (أف 6: 10).
3 - ضعفنا أمام الخطية والسقوط:
  • يا قوتى أسرع إلى نصرتى (مز 22: 19).
  • اللهم باسمك خلصنى وبقوتك أحكم لى (مز 54: 1).
  • قوتى وترنمى الرب وقد صار لى خلاصاً (مز 118: 14).
  • صخرة قوتى محتماى فى ا لله (مز 62: 7).

نحن ضعفاء أمام اغراءات الخطية قبل السقوط، ونحن ضعفاء أثناء الخطية، ولا شك أننا بعد الخطية نزداد شعوراً بالضعف.

ليس لأن الخطية لها سلطان علينا، ولكن لأننا ضعفاء وأصبحنا نفقد قوة المقاومة وقوة الرفض.

ولذلك نحتاج إلى قوة الرب تسرى فينا:

قبل السقوط لكى نرفض الخطية.

ولو سقطنا فإننا نحتاج إلى قوة القيام.

وحينما نسقط ونقوم بقوة الرب فإننا نتقوى:

  • يذهبون من قوة إلى قوة (مز 84: 7).
  • يا رب السيد، قوة خلاصى (مز 140: 7).
  • أعط عبدك قوتك (مز 86: 16).

ولذلك نحن نحتاج دائماً للصراخ إلىالرب لكى تسرى فينا قوة الرب لكى لا نسقط، وإذا سقطنا لكى نقوم وإذا قمنا لكى لا نسقط ثانية:

  • أعطِ عبدك قوتك (مز 86: 16).

وهذا هو وعد الرب لكل خاطئ ضعيف:

  • هو المعطى قوة وشدة للشعب (مز 68: 35).

وفى التناول من جسد الرب ودمه نحن ننال تلك القوة الغافرة وتلك القوة التى تقيمنا من كل سقوط.

4 - ضعف الجسد:
  • صرت كرجل لا قوة له (مز 88: 4).

الجسد يبدأ ضعيفاً فى المهد والطفولة. ثم يتقوى فى الشباب والرجولة، ولا يلبث فى الشيخوخة أن يضعف ويهزل إلى أن ينفض هذا البيت الأرضى.

ولا شك أن ضعف الجسد يعطينا الإحساس العام بالضعف حينما لا نقوى على ممارسات العبادة والتقوى. لأننا ضعفاء فى ممارسات كثيرة لا نقوى عليها، مثل الأصوام الإنقطاعية لمدد طويلة، والمطانيات، والسهر المتواصل، والصلوات لمدد طويلة.

ولكن ماذا نفعل أمام ضعف الجسد؟ أحياناً نحن نخدع من الجسد ويكون لديه الإمكانية ولكنه يخدعنا، ولكن أحياناً أخرى يكون ضعيفاً فعلاً.

هنا نحن نتقوى بالروح ونتشدد بالروح وحسب قول الرب يسوع أن الجسد ضعيف ولكن الروح قوى!! لذلك أمام ضعف الجسد نحن نستمر فى العبادة ولا نكف عنها. وإن لم نستطع أن نقف فلنسجد أو نركع. وإن لم نستطع أن نسهر طوال الليل فليكن لنا نصيباً من السهر ما يكفى شبعنا الروحى!!

5 - أمام المقاومين والمعاندين:
  • يا رب ما أكثر مضايقى! كثيرون قائمون علىّ كثيرون يقولون لنفسى: ليس له خلاص بإلهه (مز 3: 1 - 2).

نحن ضعفاء أمام المقاومين والمعاندين والشاتمين إيانا والمضطهدين لنا.

والخدام والكارزين والرعاة فى عملهم وخدمتهم إنما يواجهون هؤلاء المقاومين والمعاندين الذين يعملون بكل قوتهم لكى يعيقوا الخدمة والرعاية والكرازة. ونحن نقف أمامهم ضعفاء، ولا نريد أن نرد عليهم بأسلوبهم ولا نريد أن نكف عن العمل الرعوى والكرازة وليس أمامنا سوى أن نصرخ إلى الله حسب وعده:

  • عصا قوة يرسل لك الرب من صهيون وتسود فى وسط أعدائك (مز 110: 2).
  • لأن صلاتى أيضاً عسيرة قد ابتلعت أقويائهم عند الصخرة (الصخرة هى المسيح) (مز 141: 5 و6).

وفى النهاية فإن خدمتنا وكرازتنا سوف تشهد بقوة الرب التى رافقتنا وسوف نسبح الرب حين نقول مع المرنم:

  • خلص نفسى من بين الأشبال إذ نمت مضطرباً (مز 57: 4).
  • عند رجوعى أعدائى إلى خلف يسقطون ويهلكون من قدام وجهك لأنك أقمت حقى ودعواى (العداوة من قبل الآخرين ضدنا ولكن نحن ليس فى داخلنا أى عداوة لهم) (مز 9: 3 - 4).
6 - أمام الشياطين والأرواح الشريرة:

لا شك أننا ضعفاء أمام الشياطين وحروبهم، وحيلهم، وألاعيبهم، هم بارعون فى الحرب.

ولن نستطيع أن نواجههم بضعفنا وإمكانياتنا. ولذلك الصراخ لطلب الخلاص، هو صراخ لطلب قوة الرب ضد الشياطين والأرواح الشريرة التى تحاربنا:

  • لأنك ضربت كل أعدائى على الفك. هشمت أسنان الأشرار (مز 3: 7).
  • يا رب أهدنى إلى برك بسبب أعدائى. سهل قدامى طريقك (مز 5: 8).
  • الرب صخرتى وحصنى ومنقذى. إلهى صخرتى به أحتمى ترس وقرن خلاص وملجأى (مز 18: 1 - 2).
  • ترس هو لجميع المحتمين به (مز 18: 30).
  • الإله الذى يمنطقنى بالقوة ويصير طريقى كاملاً (مز 18: 32).

ولذلك أمام حروب الشيطان وجنوده، نحن نسرع إلى قوة الله خلاص الاسم القدوس، ألا وهو اسم الرب يسوع المسيح. إن الشياطين والأرواح الشريرة تهرب من قوة هذا الاسم. ولذلك نحن نصرخ إلى اسم يسوع لكى ينقذنا ويبدد كل ضعف فينا أمام حروب الشياطين وعندئذ نصرخ ونقول:

  • أحبك يا رب يا قوتى (مز 18: 1).
  • أصابونى فى يوم بليتى. وكان الرب سندى. أخرجنى إلى الرحب. خلصنى لأنه سر بى (مز 18: 18 - 19).
  • لا ترفضنى فى زمن الشيخوخة. لا تتركنى عند فناء قوتى (مز 71: 9).
7 - ضعف الطبيعة البشرية بصفة عامة:
  • أنا مسكين ومُسّلم الروح منذ صباى (مز 88: 15).
  • أما أنا فأعنى بقوتك.. لأنك كنت ملجأ لى ومناصاً فى يوم ضيقى (مز 59: 16).

أمام الكوارث والزلازل والبراكين نحن ضعفاء. وأمام المشاكل والمتاعب نحن ضعفاء. وأمام المقاومين والمعاندين والمشاكسين نحن ضعفاء. وأمام عناد ومقاومة البعض لعمل الله نحن ضعفاء. أمام المرض وأمام الموت نحن ضعفاء. وهكذا فإن الإحساس العام هو الشعور بالضعف. ولذلك ليس أمامنا سوى الالتجاء إلى قوة الله لتسرى فى ضعفنا وتحول الضعف إلى قوة:

  • هو المعطى قوة وشدة للشعب (مز 68: 35).
  • الإله الذى يمنطقنى بالقوة ويصير طريقى كاملاً (مز 18: 32).
  • الله لنا ملجأ وقوة عوناً فى الضيقات وجد شديدا (مز 46: 1).

وعندئذ نسبح لقوة الرب التى تعمل فينا ونقول مع المختارين:

  • يذهبون من قوة إلى قوة... (مز 84: 7).
  • لأنى أنا قد عرفت أن الرب عظيم (مز 135: 5).
  • يا قوتى لك أرنم لأن الله ملجأى. إله رحمتى (مز 59: 17).

ثانياً: قوة الله

  • هو المعطى قوة وشدة للشعب (مز 68: 35).
  • الإله الذى يمنطقنى بالقوة ويصير طريقى كاملاً (مز 18: 22).

إن صفات الله هى صفات غير محدودة لأن الله غير محدود. ولذلك فإن قوته هى قوة غير محدودة وتفوق الوصف والتعبير والتشبيه. نحن لا نستطيع أن ندرك قوة الله ذاتها ولكن نستطيع أن نلمس أثر تلك القوة فى نواحى عديدة يعلنها الله للشعوب:

  • عرفت بين الشعوب قوتك (مز 77: 14).

تلك هى:

1 - قوة كلمة الله.

2 - قوة سلطان الله على الطبيعة.

3 - قوة خلاص الله.

4 - قوة صليب الرب وقيامته.

5 - قوة سحق الشيطان والأرواح الشريرة.

6 - قوة حماية المؤمنين وحفظهم (خلال الاسم القدوس).

7 - قوة غضب الله (التأديب والعقاب).

  • يا رب إله الجنود من مثلك؟ قوى!! (مز 89: 8).
1 - قوة كلمة الله:
  • لأنه قال فكان. هو أمر فصار (مز 33: 9).
  • لأنك قد عظمت كلمتك (مز 138: 2).
  • هوذا يعطى صوته صوت قوة (مز 68: 33).

هناك فرق بين كلمة الإنسان وكلمة الله. كلمة الإنسان ربما تختلف ولا تتطابق مع عمله. بمعنى أن يقول شيئاً ويفعل عكسه. أما كلمة الله فهى فعل وهى مطابقة للفعل تماماً. فالفعل والكلمة بالنسبة لله هما أمر واحد:

  • لأنى أنا الرب أتكلم، والكلمة التى أتكلم بها تكون... أقول الكلمة وأجريها، يقول السيد الرب (حز 12: 25).

لذلك فإن كلمة الله كما وصفها واختبرها القديس بولس هى:

  • حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذى حدين... (عب 4: 12).

إن كلمة الله قوية وتقوى كل ضعف وتسند كل مجاهد:

  • وسيف الروح الذى هو كلمة الله (أف 6: 17).

ولذلك فإن شركتنا مع الكتاب المقدس بعهديه هى شركة مع قوة الرب التى تشددنا وتقوينا!

  • صوت الرب بالقوة. صوت الرب بالجلال... صوت الرب يقدح لهيب النار. صوت الرب يزلزل البرية... (مز 29: 4 - 8).
2 - قوة سلطان الله على الطبيعة:
  • أنت متسلط على كبرياء البحر. وعند ارتفاع لججه أنت تسكتها (مز 89: 9).
  • صنع القمر للمواقيت. الشمس تعرف مغربها (مز 104: 19).
  • فوق الجبال تقف المياه من انتهارك تهرب (مز 104: 6 - 7).
  • الرب صنع السموات والأرض (مز 121: 2).
  • كل ما شاء الرب صنع فى السموات وفى الأرض، فى البحار وفى كل اللجج. المصعد السحاب من أقاصى الأرض. الصانع بروقاً للمطر. المخرج الريح من خزائنه (مز 135: 6 - 7).
  • ترسل روحك فتخلقن وتجدد وجه الأرض (مز 104: 30).
  • المحول الصخرة إلى غدران مياه. الصوان إلى ينابيع مياه (مز 114: 8).
  • الذى له البحر وهو صنعه ويداه سبكتا اليابسة (مز 95: 5).
  • المثبت الجبال بقوته (مز 65: 6).

وهكذا كان داود يتأمل فى الطبيعة ويحيا فيها، فكان يلمس قوة الله التى تسيرها وتحكمها.

ومن خلال تأملنا فى الطبيعة نحن نطلب قوة الله أن تسيرنا وتقودنا وتحكمنا وتضبطنا، ونتوسل إلى النعمة أن تجعلنا نشير إلى قوة الله كما تفعل الطبيعة!!

وحينما نجتاز مشاعر الضعف فإننا نلجأ إلى الطبيعة حيث نلمس قوة الرب فنقول مع المرنم:

  • عظيم هو ربنا وعظيم القوة لفهمه (مز 147: 5).
  • أرى السموات عمل أصابعك. القمر والنجوم التى كونتها (مز 8: 3).
3 - قوة خلاص الله:
  • وتجعل لى ترس خلاصى ويمينك تعضدنى ولطفك يعظمنى (مز 18: 35).
  • أما الرب فعضدنى. قوتى وترنمى الرب وقد صار لى خلاصا (مز 118: 14).
  • أعط عبدك قوتك (مز 86: 16).
  • يا رب السيد قوة خلاصى (مز 140: 7).

إن الخلاص الذى اختبره شعب بنى إسرائيل كان مقترنا بقوة فاقت كل تصور. قوة الخروج، وقوة شق البحر الأحمر، وقوة غرق فرعون وجنوده، وقوة الانتصار على الأعداء فى الطريق، وقوة القيادة حتى دخول أرض الموعد، مع قوة التدبير الروحى والنفسى والجسدى لهم.

إن قوة الخلاص فى العهد القديم كانت هى استعلان لقوة الله شخصياً أمام الأمم والأوثان وكل المعوقات.

وكلما كان الشعب يضعف ويسقط ويلجأ إلى الآلهة الوثنية كان الله يؤدبهم ويحرمهم من الخلاص حتى يتوبوا ويرجعوا ويعبدوه:

  • وقطع الرب معهم عهداً وأمرهم قائلاً: لا تتقوا إلهة أخرى ولا تسجدوا لها ولا تعبدوها ولا تذبحوا لها. بل إنما اتقوا الرب الذى أصعدكم من ارض مصر بقوة عظيمة وذراع ممدودة، وله اسجدوا، وله اذبحوا واحفظوا الفرائض والأحكام والشريعة والوصية التى كتبها لكم لتعملوا بها كل الأيام... (2مل 17: 35 - 37).

وهكذا كان الخلاص مرتبطاً بعدم عبادة الأوثان من ناحية ومن الناحية الأخرى الالتزام بالعهد والوصية والشريعة وعندئذ كان يستعلن الخلاص.

أما فى العهد الجديد فإن الخلاص إستعلن فى الصليب والقيامة. وبقى الشرط كما هو الإيمان بالمسيح المخلص مع قبول وسائط الخلاص الكامنة فى أسرار الكنيسة ومن الناحية الأخرى الالتزام بالوصية والجهاد فى الأعمال والفضائل.

أما مضمون الخلاص فلم يعد مثل العهد القديم خلاص من عدو مادى أو عبور من مياه إلى أرض تفيض لبناً وعسلاً، بل أصبح الخلاص هو عبور من هذا العالم واستيطان فى الملكوت والفردوس والأبدية. وبين الموت والعبور للفردوس يكون الخلاص هو سحق الشيطان وجنوده والانتصار على الحروب التى تعيق مسيرتنا الروحية:

4 - قوة الصليب والقيامة:
  • لك ذراع القدرة. قوية يدك (على الصليب) مرتفعة يمينك (مز 89: 13).
  • أقامنا معه (مز 68: 1).
  • أحصى كل عظامى. وهم ينظرون ويتفرسون فى. يقسمون ثيابى بينهم، وعلى لباسى يقترعون (مز 22: 17 - 18).

إن كان الصليب ضعفاً، فإن القيامة قوة. ولذلك صرخ الرسول بولس فى اختبار حلو قائلا:

  • لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه، متشبهاً بموته، لعلى أبلغ إلى قيامة الأموات (فى 3: 10 - 11).

ونحن فى الصليب ننال قوة الغفران وقوة الصلح مع الآب. وفى القيامة نأخذ قوة الدخول إلى الفردوس والاستعداد للأبدية والقيامة من كل ضعف!!

وحين ينتابنا ضعف الطبيعة البشرية وتسود علينا الكراهية والرغبة فى الانتقام والرد على الشر بشر يماثله، فإننا ننظر إلى الصليب فتأتينا قوة الحب وقوة الغفران وقوة قبول ما يفعله الأشرار فينا. نعم إنها قوة لا يستطيع أن ينالها غير أولئك الذين لهم شركة مع صليب الرب. ولذلك قد استلمنا من الآباء والقديسين تقليد إشارة الصليب الذى نمارسه طوال يومنا وخلال ممارستنا وعبادتنا ووظائفن وأعمالنا الخاصة.

5 - قوة سحق الشيطان والأرواح الشريرة:
  • مسكن الحروب إلى أقصى الأرض. يكسر القوس ويقطع الرمح. المركبات يحرقها بالنار (مز 46: 9).

إن الشيطان وجنوده لهم حرب مع أبناء الله، لهدف واحد هو حرمانهم من ملكوت السموات وإدخالهم بكل حيلة إلى مملكة الشيطان. والرب بقوته يسحق الشيطان، والأرواح الشريرة يبيدها بقوة الصليب المقدس.

وفى كل حروب الشيطان وجنوده، إذ ندخل الرب معنا إلى المعركة، ينتصر فنفرح ونسبحه قائلين مع المرنم:

  • يا رب إله الجنود من مثلك؟ قوى (مز 89: 8).

إنها معركة نخوضها فى هذا العالم. ولكن علينا أن نتعرف على حيل الشيطان، ومواضع الضعف التى فينا ثم نلجأ إلى قوة الرب لكى تسندنا فى هذه الحرب حتى ننتصر ونكون مع الرب فى الأبدية والملكوت وعندئذ نقول مع المرنم: -.

  • صخرة قوتى محتماى فى الله (مز 62: 7).
  • حينئذ ترتد أعدائى إلى الوراء فى يوم أدعوك فيه (مز 56: 9).

ومهما كانت الحرب شديدة، ومهما كانت حيل الشيطان وألاعيبه قوية ولو كانت كالجبال فإنها سوف تذوب أمام قوة الرب، وكأنها شمع يسيل أمام نار قوته:

  • ذابت الجبال مثل الشمع قدام الرب (مز 97: 5).

ولكن أمام حروب الشياطين علينا أن نضاعف الصلاة والتضرع والانسكاب أمام الله، وعلينا أيضاً أن نتأكد من ضعفنا فنتقوى بالرب وبشدة قوته حسب قول الرسول بولس:

  • أخيراً يا إخوتى تقووا فى الرب وفى شدة قوته (أف 6: 10).

وعندئذ نسبح مع المرنم داود الذى اختبر قوة الرب فى الحروب فقال:

  • تمنقطنى بقوة للقتال. تصرع تحتى القائمين على (مز 18: 19).

وذلك بعد أن صرخ إلى الرب وقت الحرب وقال:

  • يا قوتى أسرع إلى نصرتى (مز 22: 19).
6 - قوة حماية المؤمنين وحفظهم ومعجزات الله معهم:
  • أنت الإله صانع العجائب، عرفت بين الشعوب قوتك (مز 77: 14).
  • وتجعل لى ترس خلاصى، ويمينك تعضدنى، ولطفك يعظمنى (مز 18: 35).
  • وإله إسرائيل هو المعطى قوة وشدة للشعب (مز 68: 35).
  • ليرسل لك عوناً من قدسه. ومن صهيون ليعضدك (مز 20: 2).
  • أما أنا فأعنى بقوتك (مز 59: 16).

ما أحوجنا إلى قوة حماية الرب لنا وحفظه إيانا. نحن ضعفاء وكثيراً ما يجتاحنا الشعور باليأس والخوار والإحساس بالوحدة. ولذلك نحن نلجأ إلى قوة الرب لحمايتنا وحفظنا.

ونتلمس هذه القوة الحامية والحافظة إيانا خلال اسمه القدوس. ولذلك نحن لا نكف عن الصراخ إلى الله خلال اسم الخلاص وهو "الرب يسوع المسيح" نحن ننطق اسم الرب يسوع المسيح فننال هذه الحماية وهذه الحراسة المقدسة!!

وعندئذ نرنم ونسبح مع المرنم:

  • أما الرب فعضدنى.. قوتى وترنمى وقد صار لى خلاصا (مز 118: 14).

إنها صلاة قصيرة ولكنها مثل السهم الذى يصيب الهدف، لذلك نحن لا نكف عن ترديد اسم الرب يسوع المسيح فننال قوة حمايته وحفظه لنا.

7 - قوة غضب الله (فى العقاب والتأديب):
  • لأننا قد نفينا بسخطك وبغضبك ارتعبنا (مز 90: 7).
  • من يعرف قوة غضبك (مز 90: 11).
  • حينئذ يتكلم عليهم بغضبه ويرجفهم بغيظه (مز 2: 5).
  • فأقسمت فى غضبى لا يدخلون راحتى (مز 95: 11).

إن الله طويل الروح، رحوم، أناته ولطفه ليس لها حدود. ولكن طول أناة الله هى دعوة للتوبة والرجوع إلى الله وتصليح المسار. ولكن حين يصر الإنسان على العناد واللوع وعدم التوبة، عندئذ يبدأ الله فى التأديب والعقاب هنا، لعل الإنسان يرتدع ويفهم رسالة التأديب هنا. ولكن إن لم يفهم الإنسان عندئذ يكون العقاب الأبدى حيث العذاب والنار والدود وصرير الاسنان وخلافه.

ولذلك فإن الله القوى فى رحمته ليعود الإنسان لكى يستثمر لطف الله فى التوبة، وإلا فالعقاب شديد وقوى.

ولكن الرب يسوع المسيح الفادى مستعد ان ينفذنا من هذا الغضب بشرط الإيمان به، والتوبة إليه وقبوله فاديا ومخلصاً وطاعة وصاياه وممارسة أسراره المقدسة:

  • يسوع الذى ينقذنا من الغضب الآتى (1تس 1: 10).

إن كثيرين يستهينون بغضب اللهن ولكن كما يقول الرسول بولس:

  • ألعل الله الذى يجلب الغضب ظالم؟ أتكلم بحسب الإنسان. حاشا! فكيف يدين الله العالم إذ ذاك (رو 3ك 5 - 6).

وأخيراً حين نتأمل فى قوة الله نرنم مع المزمور ونقول:

  • رنموا لله قوتنا، اهتفوا لإله يعقوب (مز 81: 1).

الفصل الثالث عشر: بين الأنكسار والتكريس

  • اليوم كله خجلى أمامى، وخزى وجهى قد غطانى، من صوت المعير والشتائم. من وجه عدو ومنتقم (مز 44: 16).
  • لأنى من أجلك احتملت العار. غطى الخجل وجهى (مز 69: 7).

انكسار نفس الإنسان، حين يشعر بالقهر من الآخرين، حين يجتاز الهزيمة أمام عنف الإنسان وقسوته، حين يُشتم الإنسان ولا يستطيع أن يرد، وحين يهان ويرذل ولا يكون أمامه سوى القبول، وحين يطرد وينبذ ولا يكون له حتى مجرد رأى. ألم يصف أشعياء النبى الرب يسوع وهو حامل صليبه حين قال عنه:

  • محتقر ومخذول من الناس! رجل أوجاع ومختبر الحزن!! محتقر فلم نعتد به!! (أش 53: 3).
  • ظلم أما هو فتذلل!! ولم يفتح فاه!! كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامته أمام جازيها فلم يفتح فاه!! (أش 53: 7).

إن هذا الانكسار لن يشعر به أو يتخيله إلا من ذاقه. ونحن نذوق هذا الانكسار كمشاركة بسيطة فى آلام الرب وصليب الحب!!

ولن يعزينا فى وقت انكسارنا إلا نظرة إلى صليب الرب يسوع المسيح!!

وقد يسمح الرب فى خدمتنا وكرازتنا بأن نذوق هذا الانكسار من الناس أو من الأشرار المحيطين بنا، وأحياناً من أولادنا. لقد ذاق داود النبى هذا الانكسار من ابنه ابشالوم ومن آخرين مثل أخيتوفل ومن الرعية مثل شمعى بن جيرا الذى كان يسبه ويشتمه ولم ينتقم منه بل قال للآخرين الذين أرادوا أن ينتقموا منه.

  • دعوه يَسُب (يشتم) لأن الرب قال له. لعل الرب ينظر إلى مذلتى ويكافئنى الرب خيراً عوض مسَبّته (شتيمته) بهذا اليوم (2صم 16: 11 - 12).

ولقد اختبر داود النبى هذا الانكسار وذاقه، ولكن كافئه الرب بمشاعر أخرى رفعته من الانكسار إلى التكريس.

وها نحن نطوف بين دفتى سفر المزامير لنذوق مع المرنم داود مشاعر التكريس بعد أن ذقنا مشاعر الانكسار.

ونصيحتى لكل من يذوق مشاعر الانكسار النفسى أن يقرأ سفر المزامير قراءة خاصة لكى تسنده النعمة وتقوده من الانكسار إلى التكريس، وعندئذ نسبح الرب ونشكره وتتغير نفسياتنا من المذلة والمهانة إلى أن يرفع رأسنا ويجعل رأسنا على صدره فنذوق حنانه وحبه ونؤكد تكريسنا له بالتمام.

أولاً: الأنكسار

  • وضعوا علىّ شراً بدل خيراً، وبغضاً بدل حبى (مز 109: 5).
  • فإنى فقير ومسكين أنا وقلبى مجروح فى داخلى (مز 109: 22).
  • الرب مجرى العدل والقضاء لجميع المظلومين (مز 103: 6).
  • المقيم المسكين من التراب، الرافع البائس من المزبلة، ليجلسه مع أشراف، مع أشراف شعبه (مز 113: 7 - 8).
  • تذللت فخلصنى (مز 116: 6).
  • الرب عن يمينك يحطم فى يوم رجزه ملوكاً. يدين بين الأمم. ملأ جثثاً أرضاً واسعة سحق رؤوسها. من النهر يشرب فى الطريق لذلك يرفع الرأس (مز 110: 5 - 7).
  • أنا تذللت جداً (مز 116: 10).
  • لأنى من أجلك احتملت العار. غطى الخجل وجهى (مز 69: 7).
  • أنت عرفت عارى وخزى وخجلى... العار قد كسر قلبى فمرضت (مز 69: 19 - 20).
  • اليوم كله خجلى أمامى، وخزى وجهى قد غطانى، من صوت المُعّير والشاتم. من وجه عدو ومنتقم. هذا كله جاء علينا (مز 44: 16 - 17).
  • أنا مسكين ومسّلم الروح منذ صباى (مز 88: 15) تميل اذنك لحق اليتيم والمنسحق، لكى لا يعود أيضاً يرعبهم إنسان من الأرض (مز 10: 17 - 18).

إن أهم ما فى الأمر ألا يكون هذا الانكسار بسبب خطية سقطنا فيها أو بسبب كبرياء ملأ قلوبنا. وذلك حتى نستطيع أن نشارك بانسكارنا فى صليب الرب فيرفعنا من الانكسار إلى التكريس:

  • لأن هذا فضل، إن كان أحد من أجل ضمير نحو الله يحتمل أحزاناً متألماً بالظلم. لأنه أى مجد هو إن كنتم تلطمون مخطئين فتصبرون. بل إن كنتم تتألمون عاملين الخير فتصبرون فهذا فضل عند الله لأنكم لهذا دعيتم. فإن المسيح أيضاً تألم لأجلنا تاركاً لنا مثالاً لكى تتبعوا خطواته (1بط 2: 19 - 21).

وهنا يقود القديس بطرس الرسول أولئك المنكسرين – بشرط ألا يكونوا مخطئين – إلى المسيح المتألم على الصليب لكى نتبع خطواته.

ولا يشفى انكسارنا شكوى إلى الناس، ولا عاطفة من المحبين، ولا وعد من الرؤساء، ولكن يشفينا فقط وقت انكسارنا نظرة إلى صليب الرب.

أما دموعنا وقت انكسارنا فإنها محسوبة عند الرب، وغالية جداً وثمينة للغاية. وسجودنا حتى تصل هاماتنا إلى التراب فهى التى تحنن قلب الرب نحونا لكى يرفعنا من التراب الذى نحن ساجدين ومتلامسين معه ليجلسنا مع القديسين فى حضرة الرب.

وليست الدموع والمطانيات وقراءة سفر المزامير هى كافية لشفاء نفوسنا من هذا الانكسار، بل شركة مع جسد الرب المكسور من أجلنا، وارتشاف من دم الرب المسفوك عنا هو الذى يشفينا.

نحن وقت انكسارنا لا نستجدى عطف الناس لئلا نحرم من عطف الله وحنانه، ولا ننشغل بشكوانا للناس لئلا تغيب الرؤيا الحلوة لصليب الرب. ربما يشفق علينا الناس وقت انكسارنا ولكن لنهرب إلى الطبيعة حيث فعل الرب يسوع حين ذهب إلى بستان جثيمانى، وقت حزنه وانكساره حين حمل على كتفيه خطايا البشرية بأكملها!!

فى الطبيعة نحن نرى يسوع فى جثيمانى راكعاً يصلى!! ودموعه تنساب وعرقه يتصبب – فى عز شتاء فلسطين القارس – كقطرات الدم!!

هنا وهنا فقط نتعلم سر الصلاة، حيث نكتشف سر الصليب. وعندئذ يقودنا الرب ويقودنا انكسارنا – خلال الصلاة والدموع – إلى التكريس الكامل للرب. حيث يزهد الإنسان المنكسر فى المديح والمجد الباطل وكل ماهو مرئى وكل ما هو زائل، وفى وقت انكسارنا ربما ننعزل عن الناس فترة أو برهة من الزمن، لئلا يظنوا فينا شيئاً أو يرونا فى ضعفنا. ولكن لا يهمنا رأى الناس فى ضعفنا. لقد استعلن صليب الرب يسوع المسيح للقديس بولس وقت انكساره فى الخدمة حين قال:

  • بل فى كل شئ نظهر أنفسنا كخدام الله!! فى صبر كثير!! فى شدائد!! فى ضرورات!! فى ضيقات!! فى ضربات (أى أنه كان يُضرب من الناس)!! فى سجون!! فى اضطرابات!! فى أتعاب (جمع تعب)!! فى أسهار!! فى أصوام (إرادية أو غير ارادية بمعنى الجوع والفقر والعوز)!!... بمجد وهوان!! بصيت ردئ وصيت حسن (2كو 6: 4 - 10).

أما الرب يسوع المسيح الذى استعلن للرسول بولس وقت انكساره فى الخدمة فهو هكذا:

  • لأن جهالة الله (الصليب) أحكم من الناس! وضعف الله (فى الصليب أيضاً) أقوى من الناس (1كو 1: 25).

ولذلك قبل الرسول بولس أن يكون ضعيفاً ومنكسراً بلا كرامة لكى تظل رؤية صليب الرب يسوع المسيح منيرة له طوال مسيرته ولذلك يقول:

  • نحن ضعفاء وأما أنتم فأقوياء!! أنتم مكرمون وأما نحن فبلا كرامة!!... صرنا كاقذار العالم ووسخ كل شئ إلى الآن (1كو 4: 10 و12).

أى انكسار هذا الذى يقوله الخادم عن نفسه:

انه ضعيف، وبلا كرامة، وصار محتقر ومرذول ومُداس من أرجل الناس وكأنه زبالة (أقذار ووسخ).

ولكن..

من تحت أقدام الناس الذين يدوسوننا!!

ومن بين أصوات الذين يتطاولون علينا بألسنتهم شاتمين إيانا. نحن نرى مع اسطفانوس حين كان يرجم:

  • ها أنا أنظر السموات مفتوحة وابن الإنسان قائماً عن يمين الله (أع 7: 56).

وهناك أقوى من الرجم بالحجارة وهى الرجم بالشتائم والافتراءات!! ولكن ها هى وعود الرب للنفوس المكسورة:

  • لا يرجعن المنسحق خازياً. الفقير والبائس ليسبحا اسمك (مز 74: 21).
  • الرب مجرى العدل والقضاء لجميع المظلومين (مز 103: 6).
  • الله هو القاضى. هذا يضعه وهذا يرفعه (مز 75: 7).
  • ويكون الرب ملجأ للمنسحق. ملجأ فى أزمنة الضيق (مز 8: 9).
  • الرب يشفى المنكسرى القلوب، ويجبر جميع كسرهم (مز 147: 3).
  • وتبيد كل مضايقى نفسى، لأنى أنا عبدك (مز 143: 12).
  • قريب هو الرب من المنكسرى القلوب ويخلص المنسحقى الروح (مز 34: 18).
  • ذبائح الله هى روح منكسرة. القلب المنكسر والمنسحق يا الله لا تحتقره (مز 51: 17).

وأخيراً يكفينا نظرة الله إلينا، نظرة الحب والحنان والشفقة والطمأنينة:

  • عيناه تراقبان المسكين (مز 10: 8).

وها هى صلوات القديسين عن المساكين المنكسرين:

  • قم يا رب. يا الله ارفع يدك. لا تنسى المساكين (مز 10: 12).

ولا يفوتنا قط أن الشيطان هو الذى يهيج الناس ضدنا ولذلك لا نحمل فى قلوبنا أى مشاعر كراهية نحو هؤلاء الذين هم سبب فى انكسارنا بل نحبهم ونصلى لأجلهم ونشتاق لخلاصهم وفى قلوبنا سلام وحب لهم جميعاً!!

ثم نجول مع المرنم داود لكى نأخذ اختباراً جديداً بعد معاينة صليب الرب المضئ والمعزى لنا.. ذلك هو اختيار التكريس.

ثانياً: التكريس

  • المستقيمون يجلسون فى حضرتك (مز 140: 13).
  • استيقظت وأنا بعد معك (مز 139: 18).
  • التصقت نفسى بك (مز 63: 8).
  • أما أنا (وقت انكسارى) فلاقتراب إلى الله حسن لى (مز 73: 28).
  • التصقت نفسى بك (وقت انكسارى) يمينك تعضدنى (مز63: 28).
  • يداك صنعتانى وأنشأتانى (مز 119: 73).
  • هذا قد علمته لأن الله لى (مز 56: 9).
  • أما أنا فمثل زيتونة خضراء فى بيت الله (مز 52: 8).
  • هذا كله جاء علينا (الشتائم والتعيرات)، وما نسيناك ولا خُنّا عهدك. لم يرتد قلبنا إلى وراء. ولا مالت خطواتنا عن طريقك (مز 44: 17 - 18).
  • عطفت قلبى لأصنع فرائضك إلى الدهر إلى النهاية (مز 119: 112).
  • وأقمتنى قدامك إلى الأبد (مز 41: 12).
  • لأن الله هذا هو إلهنا إلى الدهر والأبد (مز 48: 14).
  • هلم نسجد ونركع ونجثو أمام الرب خالقنا، لأنه هو إلهنا ونحن شعب مرعاه وغنم يده (مز 95: 6 - 7).
  • تمسكت خطواتى بآثارك... (مز 17: 5).
  • جعلت الرب أمامى فى كل حين لأنه عن يمينى (مز 16: 8).
  • طوبى للذى تختاره وتقربه ليسكن فى ديارك. لتشبعه من خير بيتك. قدس فى هيكلك (مز 65: 4).

إن التكريس هو تخصيص نفوسنا للرب يسوع المسيح. نصير له وهو يصير لنا حسب قول المزمور:

  • اعلموا أن الرب هو الهنا. هو صنعنا وليس نحن، ونحن شعبه وغنم رعيته (مز 100: 3).

وليس التكريس تغييراً فى الملبس (ملابس سوداء أو ملابس تكريس أخرى) أو تغييراً فى الأسماء، ولكن التكريس هو تغيير مسارنا بحيث نتجه بالتمام إلى الملكوت خلال شخص الرب يسوع فنقول مع المرنم:

  • من لى فى السماء؟ ومعك لا أريد شيئاً فى الأرض (مز 73: 25).

هنا يكون التكريس هو استعداد الإنسان فى أى لحظة أن يقبل الانفصال التام عن الجسد وعن العالم لكى يبدأ ملكوته وأبديته، فالتكريس هو تقديس الإنسان خلال عمل الروح القدس لكى يحيا حسب مشيئة الرب فى كل خطوة من خطواته.

والتكريس يزداد قوة وثباتاً مع الضيق والألم. فلا يثبتنا فى صليب الرب غير الضيق والألم. ولا يؤكد تكريسنا غير رفض كل مجد باطل وكل مديح وكل شهوة زائلة وكل خطية مهما كانت تافهة!!

الفصل الرابع عشر: بين الموت والحياة

أولاً: الموت

فى العهد القديم – قبل الفداء – كان الموت مخيفاً، بل مرعباً جداً، ويحاول الإنسان أن يهرب منه. بل وصل الأمر إلى الملك حزقيا أنه انسكب أمام الله وتضرع إلى الله أن يطيل عمره لسنوات فأجابه الله.

ولكن لماذا كان الموت مخيفاً فى العهد القديم؟ أولاً: لأنه كان مجهولاً فيما سوف يراه الإنسان أو يواجهه بعد موته. إلى أين سوف يذهب؟ وماذا سيواجه؟ وأين هو مكان الهاوية أو الجحيم الذى كان يجمع كل الأرواح معاً، وأين ذهب جماعة قورح ومن معه الذين فتحت الأرض فاها وانشقت وابتلعتهم!! نعم كان الموت مخيفاً لأننا نجهل المصير، وكان الموت مخيفاً لأنه لم يوجد من يساعدنا ويسندنا ويقودنا فى طريق الموت.

هذا هو الموت المادى أى انفصال الروح عن الجسد ونزول الجسد إلى التراب، وذهاب الروح إلى الهاوية، حيث يُجمع جميع الأرواح مكان واحد (الهاوية – الجحيم). ولكن هناك موت آخر تحدث عنه سفر المزامير ألا وهو موت الأهوال، أو موت الشدائد والمحن والمصائب. حيث يكون الإنسان فى حكم الميت لشدة المصائب والمحن والضيقات والحروب.

أما الموت الثالث فهو انفصال الإنسان عن الله انفصالاً أدبياً ومعنوياً. فيتحدث الإنسان وكأنه يتحدث مع نفسه، ويطلب الله وكأنه غير موجود!! هنا نقول أن الموت هو انفصال الإنسان عن الله ليس بسبب الله ولكن بسبب خطية الإنسان وعدم توبته!!

وقد واجه داود النبى هذه الأنواع الثلاث من الموت. موت الجسد وموت الشدائد، وموت الروح. وله تضرعات إلى الله. فيما يتعلق بموت الجسد، كان يصلى إلى الله لكى يمنحه حياة أبدية معه. وفما يتعلق بموت الشدائد والأهوال فكان يطلب صحبة الرب معه حتى لا يخاف، أما بالنسبة لموت الروح فقد اجتاز أكبر مشكلة فى حياته، حين سقط فى خطية الزنا والقتل، فكان يصلى إلى الله دائماً طالباً الغفران والصفح والصلح. وها نحن نطوف مع مزامير داود النبى لنلمح هذه الأنواع الثلاث من الموت (موت الجسد – موت الشدائد – موت الروح).

1 - موت الجسد (انفصال الروح عن الجسد):

وهذا هو ما نسميه بالموت المادى والموت الحسى. ولقد أحس به داود النبى فتحدث كثيراً عن الغربة. ولكنه فى نفس الوقت رأى موت الرب على الصليب وسمع صوت المخلص حين تمم الفداء والخلاص فصرخ قائلاً:

  • فى يدك أستودع روحى (مز 31: 5).

وقد اختبر حياة الشركة معم الله طوال غربته حتى تنتهى حياته من غربة هذا العالم فقال:

  • هو يهدينا حتى إلى الموت (مز 48: 14).

وطالما كان داود المرنم يفكر فى الموت والغربة فكان يرفض مجد هذا العالم الزائل فقال:

  • لا تخشى إذا استغنى إنسان إذا زاد مجد بيته. لأنه عند موته كله لا يأخذ. لا ينزل وراءه مجده (مز 49: 16 - 17).

وهكذا أصبح الموت حقيقة تدخل فى كيان الإنسان ووجدانه وذلك لكى يستعد للأبدية:

  • أفنينا سنيناً كقصةز أيام سنينا هى سبعون سنة. وإن كانت مع القوة فثمانون سنة وأفخرها تعب وبليه. لأنها تقرض سريعاً (بالموت) فنطير (مز 90: 9 - 10).
  • أى إنسان يحيا ولا يرى الموت؟ أى ينجى نفسه من يد الهاوية (مز 89: 48).
2 - موت الشدائد:

الأهوال والمصائب والكوارث والمحن التى يواجهها الإنسان، مثل الفيضانات والزلازل والحوادث التى يواجهها الإنسان ولها عنصر المفاجأة، وتحمل فى طياتها إمكانية الموت المفاجئ:

  • وأهوال الموت سقطت علىّ (مز 55: 4).
  • بين الأموات فراشى مثل القتلى المضجعين فى القبر (مز 88: 5).
  • إكتنفتنى حبال الموت. وسيول الهلاك أفزعتنى. حبال الهاوية حاقت بى. أشراك الموت انتشبت بى (مز 18: 4 - 5).

ووسط هذه الأهوال والشدائد رأى دانيال الرب وسط الأسود، ورأى الثلاثة فتية الرب وسط النيران. ورأى داود فى مزاميره يد الرب تمسك به وتنتشله وتنجيه:

  • لأنك نجيت نفسى من الموت. نعم ورجلىّ من الزلق. لكى أسير قدام الله فى نور الأحياء (مز 56: 13).
  • يا رب أصعدت من الهاوية نفىس. احييتنىمن بين الهابطين فى الجب (مز 30: 3).
  • "هو ذا عين الرب على خائفيه الراجين رحمته. لينجى من الموت أنفسهم وليستحييهم فى الجوع (33: 18 - 19).

ولعل الشدائد والأهوال هى ظل الموت الذى قال عنه المرنم:

  • وإن سرت فى وادى ظلال الموت لا أخاف شراً لأنك أنت معى (مز 23: 4).
3 - الموت الروحى:

الموت الروحى هو انفصال الإنسان عن الله بسبب خطية الإنسان ونجاسته. وهنا يصرخ المرنم لكى يأخذ حياة من الله يبدد بها هذا الموت:

  • لصقت بالتراب نفسى. فأحينى حسب كلمتك (مز 119: 25).
  • حول عينىّ عن النظر إلى الباطل. فى طريقك احيينى (مز 119: 37).
  • أحسن إلى عبدك فأحيا وأحفظ أمرك (مز 119: 17).

ولأن المزمور 119 هو مزمور كلمة الله، فإن كلمة الحياة أو طلب الحياة متكررة كثيراً. وهذا معناه أن كلمة الله تحوى حياة. والموت الذى يجتازه الإنسان فى الانفصال عن الله، يرجع إليه مع التوبة والاعتراف والقراءة المستمرة فى كلمة الله.

ثانياً: الحياة

  • حياة سألك فأعطيته (مز 21: 4).

الحياة تشمل ثلاث معانى:

المعنى الأول هو الحياة المادية من مأكل وملبس ومشرب وكل ما هو ملموس ومحسوس. والمعنى الثانى هو الحياة مع الله والشركة معه. والمعنى الثالث هو الحياة الأبدية.

1 - الحياة المادية:
  • الأشبال احتاجت وجاعت وأما طالبو الرب فلا يعوزهم شئ من الخير (مز 34: 10).
  • القليل الذى للصديق خير من ثروة أشرار كثيرين (مز 37: 16).
  • أيضاً كنت فتى وقد شخت، ولم أرى صديقاً تخلى عنه ولا ذرية له تلتمس خبزاً. اليوم كله يتراءف ويقرض ونسله للبركة (مز 37: 25 - 26).
  • إذا زاد الغنى فلا تضعوا عليه قلباً (مز62: 10).

الإنسان الذى يحيا مع الله، ويستعد للأبدية، لا ينشغل قط بأمور هذه الحياة الفانية. موضوع المأكل والمشرب والملبس والسكن والوظيفة وكل الأمور المادية هى أمور لا تستحق أن تأخذ من تفكيرنا أو من حبنا أو من انشغالنا.

هى أمور متروكة لله يدبرها حسبما يشاء. إذا أعطى فلنشكر ونعطى الآخرين، وإذا لم يعطى فنحن نشكر ونحيا فى حدود الإمكانيات. الرضى والشكر والبركة هى شعارنا فى هذه الأمور المادية. ولذلك فإن الحياة ليست هى الأكل والشرب والزواج حسب قول الرب يسوع:

  • لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس؟ (مت 5: 25).

فإذا كانت الحياة ليست هى الأكل والشرب والملبس والزواج، فما هى الحياة إذن؟

2 - الحياة هى الشركة مع الله:
  • تعرفنى سبل الحياة (مز 16: 11).
  • لا أموت (أى لا أنفصل عن الله) بل أحيا وأحدث بأعمال الرب (مز 118: 17).

إن الحياة الحقيقية هى سريان شريان الحب من الله إلينا. خلال الصلاة، وخلال الإنجيل، وخلال الأسرار المقدسة، تسرى الحياة الإلهية فينا. نحن بدون الله لا حياة فينا. ولذلك اختبر الرسول بولس حين قال:

  • لى الحياة هى المسيح.. (فى 1: 21).

وإذا كان المسيح هو الحياة فإن الشركة معه والاتحاد به هو سريان حياة المسيح إلينا. نحن نحيا فى المسيح، ونحيا مع المسيح ونحيا لأجل المسيح وهذا ما اختبره الرسول بولس حين قال:

  • إن عشنا فللرب نعيش، وإن متنا فللرب نموت، فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن (رو 14: 8).

ويقول الرب لملاك كنيسة سادرس:

  • أنا عارف أعمالك، إن لك اسماً أنك حى وأنت ميت (رؤ 3: 1).

وهكذا فإن الحياة هى الشركة والاتحاد مع الرب، الذى يقودنا للحياة الأبدية.

3 - الحياة الأبدية:
  • تحيا قلوبكم إلى الأبد (مز 22: 21).
  • حياة سألك فأعطيته طول الأيام إلى الدهر والأبد (مز 21: 4).
  • وقد أقمتنى قدامك إلى الأبد (مز 41: 12).

إن الحياة الأبدية كانت فى العهد القديم لغزاً، ولكن الأنبياء تنبئوا عنها وبالإيمان ذاقوا حلاوتها، إلى أن جاء الرب يسوع المسيح وكشفها لنا. ومسك أيدينا وقادنا للدخول فيها. والمزامير هى تسبحة من تسابيح الأبدية، خلالها نشهد حلاوة الرؤيا للملكوت ونشاهد بعض من مشاهد الأبدية ولذلك فإن التسبيح والحب هما عمل الملكوت أو بمعنى آخر هو عملنا فى الملكوت. ولذلك فإن تسبيح المزامير هو تدريب وإعداد للحياة فى الملكوت.

ولك من لم يذق تسبيح المزامير أو صلاة الأجبية فلن يفتح له باب الرؤية والمشاهدة لمناظر الملكوت.

ان الملكوت ليس فى المستقبل ولكن هنا نحن نرى ونعاين ونذوق ونلمس، إلى أن تنتهى غربتنا فنكمل إيماننا بالعيان والحب والتسبيح الذى لا ينتهى!!

الفصل الخامس عشر: بين التأرجح والثبات

أولاً: التأرجح

  • جيلاً زائخاً ومارداً. جيلاً لم يثبت قلبه، ولم تكن روحه أمينة لله (مز 78: 8).

التأرجح هو أن يكون للإنسان رأيين متعارضين تماما التعارض. فهو أحياناً يميل نحو الحق، وأحياناً أخرى يميل نحو الباطل. أحياناً نحو الخير، وأحياناً أخرى نحو الشر.

التذبذب أو التأرجح هو علامة على عدم الثبات، وعدم الثبات هو نوع من الضعف الروحى والضعف الفنسى الذى يصيب الإنسان فيجعله متخلفاً عن موكب القديسين، وشيئاً فشيئاً نجد ذلك الإنسان منتمياً لمملكة الشيطان، ولذلك لابد ان نجول معاً فى سفر المزامير لنرى تلك المشاعر التى تضعف وتنهك القوى الروحية والنفسية للإنسان حينما يواجه مشاعر التأرجح والتذبذب:

  • ليس كذلك الأشرار، لكنهم كالعصافة (القشة) التى تذريها الريح. لذلك لا تقوم الأشرار فى الدين... أما طريق الأشرار فتهلك (مز 1: 4 - 6).
  • ولا يكونون مثل آبائهم، جيلاً زائغاً ومارداً، جيلاً لم يثبت قلبه ولم تكن روحه أمينة لله (مز 78: 8).
  • المتقلبين أبغضت (مز 119: 113).
  • اما قلوبهم فلم تثبت معه. ولم يكونوا أمناء فى عهده (مز 78: 37).

وهكذا نقول أن التأرجح هو نوع من التقلب، والتقلب هو التغيير، وليس التغيير للأصلح والأفضل، بل هو تقلب أحياناً للأفضل وأحياناً أخرى للأسوأ.

وهناك أسباب لهذا التقلب بعضها من الداخل والبعض الآخر من الخارج:

1 - أسباب داخلية:

تتلخص فى عدم الاقتناع بالوصية اقتناعاً كاملاً. بل هو تذبذب داخلى. يجعل الإنسان يسير مع التيار. فإذا وجد تياراً صالحاً سار معه وإذا تغيرت الظروف ووجد تياراً شريراً سار وراءه أيضاً.

2 - أسباب خارجية:

مثل أصدقاء السوء، والخلطة الرديئة، والمجتمع الهابط وأحياناً الأسرة الشريرة التى ينشأ فيها الإنسان، واحتياجه للقدوة المتمثلة فى الأبوة والأمومة. فأبوة الجسد تمثل أبوة الله، وأمومة الجسد تمثل خلاص الكنيسة. فماذا يمكن أن يكون عليه ذلك الإنسان الذى لم يجد أبوة الله فى أبوه الجسدى، ولم يجد سعادة العبادة فى الكنيسة خلال الأم الجسدية؟!

ولكن:

الروح القدس خلال سر الأبوة الروحية الذى هو سر الاعتراف والتوبة يستطيع الإنسان أن يعبر من التأرجح والتقلب إلى الثبات. ولكن الأمر يحتاج إلى إرادة قوية، ومشورة سوية، وبعد عن الأوساط المعثرة. والذى لا شك فيه أن التأرجح والتقلب ينشئ ضيقاً، بينما الثبات وعدم التزعزع ينشئ فرجاً!!!

ثانياً: الثبات

  • قلبه ثابت متكلاً على الرب (مز 112: 7).
  • لا يدع الصديق يتزعزع إلى الأبد (مز 55: 22).
  • لأن الملك يتوكل على الرب، وبنعمة العلى لا يتزعزع (مز 21: 7).
  • ثابت قلبى يا الله، ثابت قلبى (مز 57: 7).
  • وأنا قلت فى طمأنينتى لا أتزعزع إلى الأبد (مز 30: 6).
  • إنما هو صخرتى وخلاصى، ملجأى لا أتزعزع كثيراً (مز 62: 2).
  • الله فى وسطها فلن تتزعزع. يعينها الله عند اقبال الصبح (مز 46: 5).
  • وانا قلت فى طمأنينتى لا أتزعزع إلى الأبد (مز 30: 6).

الثبات وعدم التزعزع فضيلة يحيا فيها الإنسان المؤمن. ولكن هذه الفضيلة تسرى فينا خلال الكنيسة والقديسين. ولذلك لكى نكون ثابتين غير متزعزعين لابد أن يكون لنا شركة مع الكنيسة كأعضاء فى جسد المسيح. ولذلك فإن الرسول بولس يوصينا قائلاً:

1 - كونوا راسخين غير متزعزعين مكثرين فى عمل الرب كل حين عالمين أن تعبكم ليس باطلاً فى الرب (1كو 15: 58).

وهكذا نحن نتعلم الثبات خلال الكنيسة مع شركة القديسين:

1 - ثبات الكنيسة:
  • الله فى وسطها فلن تتزعزع. يعينها الله عند اقبال الصبح (مز 46: 5).

منذ تأسست الكنيسة فى يوم حلول الروح القدس. وهى ثابتة أكثر من ثبات الصخر والجبال. الرب يحميها يحفظها حسب وعده الإلهى أن أبواب الجحيم لن تقوى عليها.

  • أنا الرب حارسها أسقيها كل لحظة. لئلا يوقع بها أحرسها ليلاً ونهاراً (أش 27: 3).

وهكذا عاشت الكنيسة، ولسوف تعيش حتى المجئ الثانى، ثابتة لم تتغير ولم تنقض ولم تذبل، ولم ينل منها الحكام والأباطرة، بل زادت قوة وزادت ثمراً وزادت كرازة وتبشير وقت الاضطهاد والاستشهاد.

2 - ثبات العقيدة:

وخلال الكنيسة كانت العقيدة ثابتة جداً، لم ينل منها الهراطقة شيئاً قط. لم تتزعزع فى عقيدتها. بل حافظت عليها وسلمتها لنا كى نثبت فيها ولا نتزعزع بل نتمسك بها لأن الإيمان والعقيدة غاليين وثمينين جداً.

3 - ثبات المؤمني:

ولا شك أن ثبات المؤمنين ثاتج من ثباتهم فى الرب وثباتهم فى الكنيسة. لن يتزعزعوا ولن يحيدوا عن الحق والصواب:

1 - ثبات فى الوصية والإنجيل والأسرار الكنسية.

2 - ثبات فى المبادئ والقيم والاخلاقيات.

3 - ثبات فى المحبة مع بعضهم بعضاً بحيث لا تسقط قط.

4 - ثبات فى العبادة المستمرة بحرارة لا تعرف الفتور.

5 - ثبات مع القديسين فى شركة دائمة.

وعن هذا الثبات يقول المرنم الحلو:

  • انا قلت فى طمأنينتى لا أتزعزع إلى الأبد (مز 30: 6).
  • طوبى للرجل الذى لم يسلك فى مشورة الأشرار، وفى طريق الخطاة لم يقف وفى مجلس المستهزئين لم يجلس... فيكون كشجرة مغروسة عند مجارى المياه، التى تعطى ثمرها فى أوانه، وورقها لا يذبل... (مز 1: 1 و3).
  • جعلت الرب أمامى فى كل حين لأنه عن يمينى فلا أتزعزع (مز 16: 8).
  • وبنعمة العلى لا يتزعزع (مز 21: 7).
  • الذى يصنع هذا (تنفيذ الوصية) لا يتزعزع إلى الدهر (مز 15: 5).
  • سعيد هو الرجل الذى يترأف ويقرض، يدبر أموره بالحق. لأنه لا يتزعزع إلى الدهر (مز 112: 5 - 6).

ولا شك أن الثبات يحتاج إلى نعمة من الله، ولذلك خلال الثبات فى وسائط النعمة نحن نثبت فى الرب بعزم القلب. بمشاعر حب ثابتة وفكر متماسك فى الرب وبارادة قوية يقويها الرب يسوع المسيح وتسقيها النعمة بمصادرها المتعددة!!



الباب الثانى: العبور من الضيق إلى الفرج - المشاعر في سفر المزامير بين الضيق و الفرج - القمص أشعياء ميخائيل

الضيق - المشاعر في سفر المزامير بين الضيق و الفرج - القمص أشعياء ميخائيل

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات