الباب الأول: لَماذا نتحدث عَن مخَافة الله

مقدمة

منذ زمان، وأنا أود أن أنشر هذا الكتاب.

وذلك لكى يقيم توازناً مع محاضراتى وكتاباتى الكثيرة عن محبة الله وحنانه ورحمته...

لدرجة أننى فكرت أن أجعله الباب الأخير من كتابى عن (المحبة) الذى نشرته فى العام الماضى.

ثم فضلّت أن أجعله كتاباً مستقلاً.

أولاً: لكى يأخذ حظه من الإهتمام، ولا يتوه وسط الأبواب الأخرى من الكتاب.

ثانياً: لكى يدخل أيضاً فى مجموعة كتب (التوبة).

وقد قدمت لكم من هذه المجموعة ثلاث كتب هى:

حياة التوبة والنقاوة – اليقظة الروحية – السهر الروحى.

فليكن كتاب المخافة هو الرابع فى هذه المجموعة.

البابا شنوده الثالث.

الباب الأول: لَماذا نتحدث عَن مخَافة الله

لعل البعض يتساءل: لماذا نتكلم عن مخافة الله؟! بينما قد بشرتنا الأناجيل بأن الله أب لنا، بكل ما تحمله كلمة أب من معانى الحنو والحب؟.. وقد تعود الناس منا أننا كنا نكلمهم باستمرار عن إلهنا الطيب الحنون، الذى يعاملنا بكل شفقة ورأفة. ويقابل خطايانا – إذ تبنا – بالمغفرة والتسامح.. فلماذا نتكلم عن المخافة إذن؟

أقول: إن الناس على نوعين: ونوع يذيبه الحب.. نوع آخر يستغل المحبة مجالاً للاستهانة والاستهتار.

وحتى الذى تذيب المحبة قلبه على نوعين:

فهناك من يحبون الله، ويعملون كما يليق بالمحبة، بكل قوة. وتظهر محبة الله فى حياتهم، وفى سلوكهم، وفى طاعتهم لله، واتفاق مشيئتهم ورغبة قلوبهم مع مشيئة الله.. وهذا هو النوع المثالى، ولكن ليس جميع الناس مثاليين..

وهناك من يحبون الله، وتنقصهم الإرادة والتنفيذ.

المحبة خاتم على قلوبهم، ولكنها ليست خاتماً على سواعدهم (نش 8: 6). مثال ذلك القديس بطرس الرسول ساعة الإنكار. لقد أنكر السيد المسيح، ومع ذلك كان يحبه. وقد قال له بعد القيامة "انت تعلم يا رب كل شئ. انت تعلم أنى أحبك" (يو 21: 17).

فى ساعة إنكاره: أكانت له المحبة، ولم تكن له المخافة؟

أقصد مخافة الله.. لأن بطرس كان وقتذاك خائفاً من الناس أن يضروه بسبب صلته بالمسيح. وكان خوفه من الله فى ذلك الوقت أقل من خوفه من الناس.. وحتى محبته لله أثناء تلك التجربة، لم تكن محبة كاملة. لأنها لو كانت محبة كاملة، لانتصرت على الخوف من الناس، وما كان قد أنكر الرب...

يا ليت بطرس فى ذلك الوقت، كانت فى قلبه مخافة الله...

أما النوع الثانى من الناس، فإنه يخطئ فهم المحبة!

فإذ يعرف أن الله يغلبه حنانه، فيغفر ولا يعاقب، لذلك فهذا النوع لا يخاف، ويخطئ..!

إنه يتدلل على الله تدللاً خاطئاً غير مقبول.

ويقول فى نفسه، وربما أمام الناس: مادمنا نتعامل مع إله رحوم، إله حنون شفوق طيب، فلا نخاف إذن مهما أخطأنا. لابد أن لله سيغفر – إنه غفر للمرأة الزانية، وغفر لمريم المجدلية التى أخرج منها سبعة شياطين (مر 16: 9). إلهنا الطيب قبل إليه زكا العشار، واختار أيضاً متى العشار رسولاً، وأشفق على الخاطئين..

وهكذا يستهين بمحبة الله، أقصد محبة الله له. أما هو فلا يكون محباً لله وهو يعصى وصاياه!

لذلك فالحديث عن مخافة الله لازم جداً، بالنسبة إلى هذا الجيل الذى نعيش فيه...

وذلك لأننا نعيش فى جيل، فقد فيه الناس خوف الله: فمنهم من ينكر وجوده، ومنهم من يهاجمه فينتقد الله ويتهمه. وفى هذا الجيل أيضاً من يتذمر على الله، ومن يكسر وصاياه بكل جرأة وبلا خوف..!

هذا الجيل الذى تفشت فيه الاستباحة وألوان من الاستهتار. وأصبح كثيرون يثورون على القيم والمبادئ، ويسيرون بأسلوب قاضى الظلم الذى قيل عنه إنه كان "لا يخاف الله، ولا يهاب إنساناً" (لو 18: 2).

نعم، ينبغى أن نتحدث عن مخافة الله فى هذا الجيل، الذى نزع فيه الخوف من قلوب الكثيرين، حتى من الصغار.

وأصبح لا خوف من أب ولا من أم، ولا من معلم ولا شيخ، ولا من رئيس.. بل هى ثورة حتى على الأنظمة والقوانين، وعلى كل سلطة فى البيت أو فى المدرسة أو فى الشارع، أو فى العمل.. هذا الوقت يلزمه الحديث عن المخافة، أكثر من أى وقت آخر..

وقد يحتج البعض بأن المخافة هى من سمات العهد القديم. أما العهد الجديد فهو عهد النعمة والمحبة.

وهذا تعلم خاطئ لأن الله هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد (عب 13: 8). "ليس عنده تغيير ولا ظل دوران" (يع 1: 17). إن كانت هناك مخافة فى العهد القديم، فقد كانت فيه وصية المحبة أيضاً "تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك" (تث 6: 5). وقال السيد المسيح إنه بهذه المحبة "يتعلق الناموس كله والأنبياء" (مت 22: 4).

وإذ ثبت العهد الجديد هذه المحبة، فإنه تحدث عن المخافة أيضاً، فى أقوال السيد المسيح ورسله القديسين. يكفى أن أسجل قول السيد الرب:

"أريكم ممن تخافون: خافوا من الذى بعد ما يقتل، له سلطان أن يلقى فى جهنم. نعم أقول لكم: من هذا خافوا" (لو 12: 5، 4) (مت 10: 28).

وهكذا عبارة الخوف ثلاث مرات فى وصية واحدة، بدأها بعبارة "أقول لكم يا أحبائى.." (لو 12: 4). إذن المحبة لا تتعارض مطلقاً مع الخوف.

والقديس بطرس يقول للكل "سيروا زمان غربتكم بخوف" (1 بط 1: 17). ويقول للنساء "ملاحظين سيرتكن الطاهرة بخوف" (1 بط 3: 2).

صدقنى يا أبى ومعلمى القديس بطرس، لقد تحدثت عن الخوف فى رقة، فهوذا القديس بولس يقول:

"تمموا خلاصكم بخوف ورعدة" (فى 2: 12).

فأضاف إلى الخوف كلمة الرعدة، وهى أشدّ...

ولعل من أوضح الآيات الكتابية عن المخافة فى العهد الجديد هى قول القديس بولس الرسول أيضاً "مكملين القداسة فى خوف الله" (2 كو 7: 1).

ويقول القديس يهوذا الرسول "ارحموا البعض مميزين. وخلصوا البعض بالخوف، مختطفين من النار، مبغضين حتى الثوب المدنس من الجسد" (يه23، 22).

وبهذا نرى أن الخوف يصلح أن يكون أسلوباً من أساليب الرعاية وانقاذ النفوس.

البعض نرحمه مميزين. والبعض نخلصه بالخوف، نخطفه من النار حتى لا يحترق. فالنفوس ليست كلها واحدة. منها بلا شك من ينفعه الخوف.

وفى هذا المعنى نفسه يقول القديس بولس لتلميذه تيموثاوس الأسقف "الذين يخطئون، وبخهم أمام الجميع، لكى يكون عند الباقين خوف" (1 تى 5: 20). هذا الخوف نافع، حتى لا يستهتر الباقون...

وكانت سياسة الخوف نافعة فى معاقبة حنانيا وسفيرا.

لأنه كان من الممكن أن يتكرر الخطأ الذى صدر من حنانيا وسفيرا، ويسلك بنفس سلوكهما آخرون. ولكن لما أوقع القديس بطرس عليهما العقوبة، على الرغم من شدتها، يقول سفر أعمال الرسل "فصار خوف عظيم على جميع الكنيسة، وعلى جميع الذين سمعوا بذلك" (أع 5: 11). وكان هذا الخوف لصالح الكنيسة واستقرارها منذ تأسيسها.

هكذا عاشت الكنيسة فى تعليمها منذ أيامها الأولى. لماذا يحاول البعض إذن – فى هذه الأمور الروحية – أن يفرّق بين تعليم العهد القديم وتعليم العهد الجديد؟! أليس الكتاب وحده واحدة متجانسة، يقول عنها الرسول:

كل الكتاب هو موحى به من الله، ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذى فى البر "(2 تى 3: 16).

إن إله العهد القديم، هو نفسه إله العهد الجديد لم يتغير. فلا تظنوا أن الله كان مشدداً من جهة الخطية فى العهد القديم، ومتساهلا من جهتها فى العهد الجديد!!.. حاشا. فالخطية هى هى فى كل بشاعتها. والله هو هو، الكلى الصلاح، والكلى القداسة، والكلى العدل، فى العهدين كليهما...

ليس العهد القديم إذن هو عهد الخوف والعقوبة، وليس العهد الجديد هو وحده عهد النعمة والمحبة.

فالخوف والفرح فيهما كليهما. الفرح للذين يؤمنون ويثبتون فى الإيمان. والخوف لغير المؤمنين، وللذين يسقطون أو ينحرفون.

وليس العهد القديم هو عهد التهديد والوعيد، بينما العهد الجديد هو عهد الوعود!!..

فالوعيد والوعود فيهما معاً. ولا ننسى أنه فى العهد الجديد يقول الإنجيل:

"كل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً، تقطع وتلقى فى النار" (مت 3: 10).

وبقول السيد المسيح فى كل محبته "إن كان أحد لا يثبت فىّ، يطرح خارجاً كالغصن، فيجف، ويطرحونه فى النار فيحترق" (يو 15: 6).

إن الله يعرف طبيعة الإنسان، ويعرف أن المخافة نافعة ولازمة لهذه الطبيعة. ولذلك تحدث عن المخافة فى كلا العهدين، القديم والجديد.

وفى العهد القديم، لم يتحدث عن المخافة فقط فى مجال التهديد، بل فى مجال الحب والنعمة أيضاً.

فقيل فى سفر المزامير:

"سر الرب لخائفيه" (مز 25: 14).

"عين الرب على خائفيه" (مز 33: 18).

"ملاك الرب حال حول خائفيه وينجيهم" (مز 34: 7).

"خلاصه قريب من خائفيه" (مز 85: 9).

"قويت رحمته على خائفيه" (مز 103: 11).

"يتراءف الرب على خائفيه" (مز 103: 13).

"من هو الإنسان الخائف الرب. يعلّمه طريقاً يختاره. نفسه فى الخير تبيت. ونسله يرث الأرض" (مز 25: 12).

ويقول الرب فى سفر ارمياء النبى "وأعطيهم قلباً واحداً وطريقاً واحداً، ليخافونى كل الأيام لخيرهم وخير اولادهم" "وأقطع لهم عهداً أبدياً أنى لا أرجع عنهم، لأحسن إليهم، وأجعل مخافتى فى قلوبهم، فلا يحيدون عنى" (ار 32: 38 - 40).

فى العهد الجديد، وردت مخافة الله مرتبطة بفضائل، وعدم المخافة مرتبطاً بالخطية.

فقد قيل عن كرنيليوس البار إنه "تقى وخائف الله مع جميع بيته، يصنع حسنات كثيرة للشعب، ويصلى كل حين" (أع 10: 2).

وامتزج الخوف مع تمجيد بالنسبة للذين رأوا شفاء المفلوج "فاخذت الجميع حيرة، ومجدوا الله وامتلأوا خوفاً، قائلين إننا قد رأينا اليوم عجائب" (لو 5: 26).

وعند إقامة ابنة ارملة نايين "أخذ الجميع خوف، ومجدوا الله" (لو 7: 16).

وفى سفر الرؤيا، رأى القديس "ملاكاً طائراً فى وسط السماء، معه بشارة أبدية ليبشر الساكنين على الأرض، وكل أمة وقبيلة ولسان وشعب، قائلاً بصوت عظيم" خافوا الله وأعطوا مجداً (رؤ 14: 7، 6).

ورأى القديس يوحنا ملائكة يسبحون الله قائلين "من لا يخافك يا رب ويمجد اسمك، لأنك أنت وحدك قدوس" (رؤ 15: 4).

ويشبه هذا قول القديس بطرس الرسول "أحبوا الأخوة. خافوا الله" (1 بط 2: 17).

وكما تمتزج المخافة بالفضيلة، يمتزج عدم المخافة بالخطية. وهكذا نجد على الصليب، أن اللص التائب ينتهر اللص الآخر الذى كان يجدف على الصليب، ويقول له "أو ما تخاف الله، إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه؟! أما نحن فبعدل ننال استحقاق ما فعلنا" (لو 23: 41، 40).

وقيل عن قاضى الظلم إنه "لا يخاف الله" (لو 18: 1).

وأبونا ابراهيم أبو الآباء، لما تغرب فى أرض جرار، وصف شرها بقوله "إنى قولت ليس فى هذا الموضع خوف الله البتة. فيقتلونى لأجل امرأتى" (تك 20: 11).

+ + +.



أضف تعليق

الباب الثانى: أسَباب الخوف

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات