الأصحاح الثاني – تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى – القمص أنطونيوس فكري

الإصحاح الثاني

العدد 1

آية (1): -

"1يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَار.".

يَا أَوْلاَدِي = تعنى فى أصلها اللغوى LITTLE CHILDREN أى يا أولادى الصغار. هى صيغة التصغير الدالة على التحبب. وهكذا كان المسيح يقول للتلاميذ (يو13: 23). فيوحنا هنا يكتب كأب مهتم بأولاده بل يدللهم.

أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا = فى الإصحاح الأول قال لهم أن "دم يسوع المسيح يطهرنا من كل خطية" (1: 7). وهنا يقول لا تعتبروا هذا تصريحاً بالخطية. إذاً لا تستسهلوا الخطية. وقال أيضا أن السلوك فى النور شرط ليكون لنا شركة مع بعضنا البعض وشرط أن دم المسيح يطهرنا (آية 7). فإن أخطأ أحد فعليه أن لا يستمر طويلاً بل يقوم فوراً، بتوبة وإعتراف. فالرسول هنا يحذر من إساءة إستخدام عقيدة الخلاص بدم المسيح أى لنخطىء مادام دم المسيح سيكفر ويغفر. لا بل يجب أن نجاهد حتى لا نخطىء... ولكن من يستطيع أن لا يتعثر فى هذه الحياة؟! هنا يطمئننا حتى لا نيأس بأن المسيح شفيع لنا عند الآب.

شَفِيعٌ = جاءت الكلمة فى اليونانية باراكليت وهى لها معنيان:

  1. وسيط أو محام.
  2. معزى. فإذا جاءت عن المسيح تترجم وسيط أو شفيع وإذا جاءت عن الروح القدس تترجم معزى.

يَسُوعُ = أى مخلص أتى فى محبته لكى يقدسنا ويبررنا ويخلصنا.

الْمَسِيحُ = أى ممسوح لأجل خلاصنا.

الْبَار = فلو لم يكن باراً كيف يموت عن آخرين، لو كانت له خطية كان قد مات عن نفسه وليس عنا. إن الآب ينظر لنا فى شخص إبنه البار، وطالما نحن ثابتين فيه يرانا أبراراً بلا لوم بل نحسب كاملين (أف1: 4 + كو1: 28). ولذلك يقول لنا المسيح "إثبتوا فىَّ..." ونحن نكون ثابتين فيه إن لم نخطىء أو لو قدمنا توبة سريعة حينما نخطىء. حينئذ المسيح يشفع فينا وتغفر خطيتنا. والخلاص ليس معناه فقط أن الدم يغفر، بل أن المسيح يعطى قوة نسلك بها فهو ليس وسيط سلبى، لذلك يقول "بدونى لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً" (1يو15: 5) وبولس الرسول يقول "أستطيع كل شىء فى المسيح الذى يقوينى" (فى4: 13).

فَلَنَا شَفِيعٌ = لاحظ أن القديس يوحنا وضع نفسه معنا، فلا يوجد من لا يخطئ. وشفاعة المسيح كانت كفارية أى يغطينا بدمه، فيرى الآب الدم ويغفر، ونصير مقبولين أمامه. لذلك قال الرب وجسده مغطى بالدم على الصليب "يا أبتاه إغفر.." فجسده هو كنيسته.

ونلاحظ أنه فى (1: 3) الرسول يقول نخبركم به لكى يكون لكم شركة معنا. وفى (1: 4) يكتب لكى يكون فرحكم كاملاً. وهنا فى (2: 1) يكتب حتى لا نخطىء.

ومن هذا نفهم أن الخطية تمزق الشركة وتقضى على الفرح.

العدد 2

آية (2): -

"2 وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا.".

2 وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا = هو قدم نفسه ذبيحة كفارية فداء عنا ليغطى خطايانا (كفارة تعنى غطاء). وبهذا يعطينا مصالحة مع الله، لأن الله لا يعود يرى خطايانا بل يرى دم إبنه الذى يغطينا.

بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ = كل من يقبل إليه لا يخرجه خارجاً، فهو حمل الله الذى يرفع خطية العالم (يو1: 29).

الأعداد 3-4

الآيات (3 - 4): -

"3 وَبِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا قَدْ عَرَفْنَاهُ: إِنْ حَفِظْنَا وَصَايَاهُ. 4مَنْ قَالَ: «قَدْ عَرَفْتُهُ» وَهُوَ لاَ يَحْفَظُ وَصَايَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ وَلَيْسَ الْحَقُّ فِيهِ.".

وَبِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا قَدْ عَرَفْنَاهُ = المعرفة ليست هى المعرفة السطحية، كما يعرف إنسان إنساناً آخر، بل هى الإتحاد بالمسيح، وأنه يعطينا حياته، وإذا إتحدنا به تصبح معرفتنا به معرفة من خلال الإتحاد وهى أقوى بما لا يقاس من المعرفة الخارجية. وبهذا نعرفه حقيقة ومن يعرفه بالتأكيد سيحبه، وعلامة الحب الأكيدة طاعة وصاياه. ولهذا قال المسيح "إن حفظتم وصاياى تثبتون فى محبتى، كما إنى أنا قد حفظت وصايا أبى وأثبت فى محبته" راجع تفسير الآية (يو15: 10). والقول أن الآب يحب الإبن والإبن يحب الآب فهذا تعبير عن الوحدة بينهما، بلغة الحب الذى هو طبيعة الله، فالله محبة. ومعنى أن المسيح الإبن يحفظ وصايا أبيه الآب فهذا معناه تطابق المشيئة بسبب الوحدة بينهما. وبالنسبة لنا فكل من يحفظ الوصية يثبت فى المسيح.

من يعرفه سيعرف أن المسيح قدم له كل شىء وهنا سيعرف أن دوره أن يحفظ وصاياه = إِنْ حَفِظْنَا وَصَايَاهُ وقارن مع (يو 14: 15، 21، 23).

وتشديد الرسول على حفظ الوصايا فيه رد على الغنوسيين.

إن من يرى الوصية صعبة هو لم يحب. فالعيب ليس فى صعوبة الوصية بل فى عجز القلب عن أن يحب. لذلك فيوحنا الذى أحب المسيح يقول "وصاياه ليست ثقيلة" (1يو3: 5).

ولكى نحب الله علينا أن نمتلىء من الروح القدس الذى يسكب محبة الله فى قلوبنا (رو5: 5). والروح القدس يُعطَى لمن يسأل (لو13: 11) إذاً علينا أن نجاهد فى الصلاة والتسبيح (أف5: 18 - 21).

العدد 5

آية (5): -

"5 وَأَمَّا مَنْ حَفِظَ كَلِمَتَهُ، فَحَقًّا فِي هذَا قَدْ تَكَمَّلَتْ مَحَبَّةُ اللهِ. بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا فِيهِ:".

تَكَمَّلَتْ مَحَبَّةُ اللهِ = هل محبة الله ناقصة لكى تكمل؟ قطعاً لا فإن محبة الله كاملة. لكن ينقص أن يكون هناك من يتقبلها ويكون مستعداً لذلك. فمحطة إرسال التليفزيون تقوم بإرسال إشارات على موجات لاسلكية بصورة ممتازة، ولكن لكى يكمل العمل، لابد من وجود جهاز تليفزيون فى حالة جيدة لإستقبال هذه الموجات وتحويلها إلى صورة.

ومن هو الذى يستطيع أن تكمل محبة الله فيه؟ من حفظ كلمته لماذا؟ لأن حفظ الوصية يزيد ثباتنا فيه، وعدم حفظ الوصية هو ظلمة، ولا شركة للنور مع الظلمة. ومن يزداد ثباته فى المسيح سيعرفه بالأكثر وسيكتشف محبته، وتكمل فيه محبة الله (كجهاز تليفزيون ستظهر فيه صورة الله، والله محبة). وكلما إكتشفنا محبة الله تزداد رغبتنا فى حفظ وصاياه، وكلما حفظنا وصاياه نثبت فيه فتكمل فينا المحبة، فنزداد رغبة فى حفظ وصاياه... وهكذا إلى أن تكمل فينا محبة الله. وبهذا نعرف أننا فيه بأن المحبة تنمو والرغبة فى حفظ الوصايا تزداد.

العدد 6

آية (6): -

"6مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضًا.".

مَنْ قَالَ إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ = أى صارت له حياة المسيح، وله شركة ثابتة فيه.

يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ = كما سلك المسيح الذى أطاع حتى الموت، موت الصليب، وفى حياته أكمل كل بر، وأطاع الناموس، وكان بلا خطية (مت15: 3) + (غل4: 4). فالمسيح لا يثبت إلا فيمن هو فى توافق معه.

هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضًا = علينا الإقتداء بالمسيح، أى لنسأل أنفسنا دائماً، ماذا كان المسيح يفعل لو كان مكانى. ولو تغصبت وسلكت كما سلك المسيح أزداد ثباتاً فيه، وهنا سيعطينى المسيح قوة لطاعة الوصية (يو4: 15) وهذه القوة هى عمل النعمة. إذاً لنغصب أنفسنا أن نطيع الوصايا ونحب الآخرين ونغفر لمن أساء إلينا، ولا نحب العالم وما فيه من شهوات... فنثبت فى المسيح.

الأعداد 7-8

الآيات (7 - 8): -

"7أَيُّهَا الإِخْوَةُ، لَسْتُ أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ وَصِيَّةً جَدِيدَةً، بَلْ وَصِيَّةً قَدِيمَةً كَانَتْ عِنْدَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ. الْوَصِيَّةُ الْقَدِيمَةُ هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي سَمِعْتُمُوهَا مِنَ الْبَدْءِ. 8أَيْضًا وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ، مَا هُوَ حَق فِيهِ وَفِيكُمْ: أَنَّ الظُّلْمَةَ قَدْ مَضَتْ، وَالنُّورَ الْحَقِيقِيَّ الآنَ يُضِيءُ.".

يوحنا هنا لم يفصح عن الوصية القديمة والجديدة فى وقت واحد ولكننا نفهم أنها وصية المحبة (1يو21: 4). فهى قديمة إذ أن الإنسان يدركها منذ القديم، فالكتاب يتلخص فى حب الرب إلهك... وحب قريبك (لو10: 28، 27). وهى جديدة للأسباب الآتية: -.

  1. هذه المحبة لله غير ممكنة إلا بالروح القدس الذى يسكب محبة الله فى قلوبنا (رو5: 5). وكان رد المسيح على الناموسى الذى قام ليجربه "إفعل هذا فتحيا" كنوع من التحدى بمعنى "وأنت ناموسى حافظ للناموس لم تستطع ولن تستطيع أن تنفذ هذا. فهذا لا يتم تنفيذه إلا بالروح القدس، والذى من ثماره المحبة لله وللإخوة، بل حتى للأعداء.
  2. هى محبة باذلة على شكل محبة المسيح "وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم" (يو34: 13). إذاً المحبة إكتسبت فى العهد الجديد أبعاداً جديدة وصلت لأن المسيح بذل نفسه عن الخطاة. إذاً المحبة ليست عواطف وإنفعالات بل بذل حتى للأعداء الذين يكرهوننا.

سَمِعْتُمُوهَا مِنَ الْبَدْءِ = فهذا تعليم موسى (تث5: 6).

مَا هُوَ حَق فِيهِ وَفِيكُمْ = الحب هو الحق الذى في المسيح، أما البغضة فهى باطل. الحب والنور والحق هى طبيعة الله، هى صفاته. ولاحظ قوله فِيهِ وَفِيكُمْ = هذه مثل قوله "إلهى وإلهكم..." الحق الذى فيه هو طبيعته والحب الذى فيه هو طبيعته، لكن الحق والحب فينا هما عطية منه على قدر ما نتقبل ان نأخذ. وهذا إذا جاهدنا أن نقتدى به يعطيها لنا. هما عطايا الروح القدس.

وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ...... أَنَّ الظُّلْمَةَ قَدْ مَضَتْ، وَالنُّورَ الْحَقِيقِيَّ الآنَ يُضِيءُ. هذا سبب أن الوصية جديدة، أن صارت لنا إمكانيات جديدة، فالمسيح النور صار يضىء الآن فى قلوبنا، وأعطانا حياته، وأعطانا أن نكون خليقة جديدة (2كو17: 5)، ونكون نوراً للعالم وأن يتصور هو فينا (غل19: 4). والروح القدس ساكن فينا ومن ثماره المحبة. وكل هذا لم يكن ممكناً قبل المسيح.

العدد 9

آية (9): -

"9مَنْ قَالَ: إِنَّهُ فِي النُّورِ وَهُوَ يُبْغِضُ أَخَاهُ، فَهُوَ إِلَى الآنَ فِي الظُّلْمَةِ.".

فى هذه الآية يكشف الرسول صراحة عن الوصية الجديدة التى يبشر بها، ألا وهى المحبة. من قال أنه فى النور = أى متحد بالمسيح، وفى المسيح، ويرى الطريق بنور المسيح، فالمسيح نور.

وَهُوَ يُبْغِضُ أَخَاهُ = هذا لا يمكن، فكما أن المسيح نور، فهو أيضاً محبة بالطبيعة. والبغضة ظلمة، فكيف يكون فى داخل إنسان نور وظلمة معاً. نحن دعينا ليكون لنا شركة مع المسيح هى شركة فى طبيعته الإلهية، وطبيعته الإلهية هى المحبة، فالله محبة (1يو8: 4) وبالتالى تدخل المحبة لحياتنا وتكون بالضرورة صفة للمسيحى.

العدد 10

آية (10): -

"10مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ يَثْبُتُ فِي النُّورِ وَلَيْسَ فِيهِ عَثْرَةٌ.".

مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ يَثْبُتُ فِي النُّورِ = أى فى المسيح (يو15: 9). ومن يثبت فى المسيح نور العالم، يضىء له المسيح فلا يتعثر فى طريقه ولا يعثر أحداً. يضىء له طريق الإيمان فلا يتعثر فى هرطقة، يضىء له طريق الطهارة فيكره الخطية = لَيْسَ فِيهِ عَثْرَةٌ وقوله ليس فيه عثرة تعنى: -.

  1. لا يتعثر الشخص نفسه فى طريقه، فالنور يوضح له الطريق فلا يتعثر. وتكون أحكامه صحيحة، وينمو روحياً.
  2. لا يكون عثرة لأحد. فمن يتكلم عن المحبة ولا يحياها يعثر الناس. وهذا ما سبق الرسول وقاله فى (1: 5، 6). وما أضافه هنا هو أن المحبة هى شرط أن نثبت فى النور.

العدد 11

آية (11): -

"11 وَأَمَّا مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ فِي الظُّلْمَةِ، وَفِي الظُّلْمَةِ يَسْلُكُ، وَلاَ يَعْلَمُ أَيْنَ يَمْضِي، لأَنَّ الظُّلْمَةَ أَعْمَتْ عَيْنَيْهِ.".

هنا نرى الرباط بين المحبة والنور، فالله محبة والله نور، ولا شركة للنور مع الظلمة. والمكان الخالى من المحبة هو خالى من الله، والله نور. إذاً هذا المكان ظلمة. ومن إمتلأ قلبه بغضة لا يسكن فيه الله، وبالتالى لا يسكن فيه النور فتظلم عينيه ويتعثر فى كل شىء. إذاً لنتجنب الظلمة علينا أن نحب إخوتنا، حتى من يسيئون إلينا.

الأعداد 12-14

الآيات (12 - 14): -

"12أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، لأَنَّهُ قَدْ غُفِرَتْ لَكُمُ الْخَطَايَا مِنْ أَجْلِ.

اسْمِهِ. 13أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ، لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي مِنَ الْبَدْءِ. أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَحْدَاثُ، لأَنَّكُمْ قَدْ غَلَبْتُمُ الشِّرِّيرَ. أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الآبَ. 14كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ، لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي مِنَ الْبَدْءِ. كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَحْدَاثُ، لأَنَّكُمْ أَقْوِيَاءُ، وَكَلِمَةُ اللهِ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَقَدْ غَلَبْتُمُ الشِّرِّيرَ. ".

يكتب الرسول هنا لثلاث فئات.

  1. الأَوْلاَدُ: - LITTLE CHILDREN أى صغيرى السن.
  2. الآبَاءُ: - FATHERS أى كبار السن.
  3. الأَحْدَاثُ: - YOUNG MEN أى الشباب.

ويمكن فهم الثلاث مراحل روحياً.

  1. الأَوْلاَدُ: - المبتدئين روحياً أو حديثى الإيمان، صاروا أولاداً لله بالمعمودية. وبالمعمودية تغفر الخطايا. ولكن اصحاب السن الصغير أو حديثى الإيمان هم معرضين للخطأ كثيراً فيكلمهم عن غفران الخطايا، وهذه تكون بالتوبة.
  2. الآبَاءُ: - هم من لهم عمق ورجولة روحية، متقدمين فى الإيمان، هؤلاء يكلمهم عن معرفة المسيح، أى خبرة الإتحاد بالمسيح، وحياة المسيح فيهم. فالمعرفة حياة (يو7: 17).
  3. الأَحْدَاثُ: - هم دخلوا الإيمان ولهم بعض الخبرات. وإختبروا القوة التى يعطيها لهم الله وبها يغلبون الشر والشرير. هم ليسوا بضعفاء إذ هم مازالوا أحداث. بل الله يعطيهم قوة تتناسب مع إغراءات الشر التى يتعرضون لها. وهم أقوياء لشبابهم.

إذاً هنا نرى 3 هبات.

  1. غفران.
  2. معرفة.
  3. غلبة بقوة.

وليس معنى هذا التقسيم أن الأباء لم يغلبوا الشرير، أو هم ليسوا أقوياء لكن هم أقوياء.

وغلبوا الشرير ولكنهم أكثر معرفة، فكلما دخلنا للعمق تزداد معرفتنا بالله أى إتحادنا به وثباتنا فيه وإدراكنا لحياة المسيح التى صارت فينا. فهو أى الرسول يكلم كل فئة بما يناسبها.

ونلاحظ أن الرسول يكتب مرة بصيغة الماضى ومرة بصيغة الحاضر فمرة نجده يقول أكتب. ومرة نجده يقول كتبت. وهذا لأن: -.

  1. هبات الله مستمرة "يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد".
  2. طالما الله يعطى دائماً فهذا حق لنا، علينا أن نطالب به دائماً.
  • الأَوْلاَدُ قَدْ = غُفِرَتْ لَكُمُ الْخَطَايَا = الأولاد كثيرو الخطايا، فهو يطمئنهم أن هناك غفران لخطاياهم الكثيرة.

مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ = أى أن الغفران مبنى على دم المسيح. فإسمه هو يسوع أى المخلص. والاسم يشير لقدرات الشخص، ودم المسيح يطهرنا من كل خطية. والخطايا تغفر بالمعمودية أولاً ثم بالتوبة. والتوبة تعطى أن نعرف محبة الآب الغافرة التى شعر بها الإبن الضال فى أحضان أبيه لذلك قال لهم = لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الآبَ. هم عرفوه إذ شعروا بمحبته الغافرة.

  • الآبَاءُ = فى المرتين قال نفس الشىء لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي مِنَ الْبَدْءِ = وهذا لأن المعرفة تنمو، أى أن الإتحاد مع المسيح يزداد، والثبات فيه يزداد.
  • الأَحْدَاثُ = الله أعطاهم قوة يغلبون بها الشرير. لكن هذه القوة ليسوا هم مصدرها.

بل سر القوة = وَكَلِمَةُ اللهِ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ.

العدد 15

آية (15): -

"15لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآب.".

لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ = ليس المقصود أن لا نحب الناس فهذا ضد ما ينادى به الكتاب المقدس.

وليس المقصود أن لا نحب الطبيعة الجميلة التى نسبح الله عليها لكن المقصود: -.

  1. العالم الشرير الذى يخلو من الله، بعثراته وشهواته الخاطئة.
  2. أن لا نحب أحداً أكثر من الله "من أحب أباً أو أماً أكثر منى فلا يستحقنى... (مت37: 10).

وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ = الله خلق العالم والأشياء التى فيه لنستعملها فمن يتعلق بالأشياء التى فى العالم، ويخلو قلبه من محبة الله يكون كزوجة تتعلق بهدايا زوجها ولا تحبه هو لشخصه.

إذن المطلوب أن لا يجعل المرء قلبه على الأمور الزمنية، ولا يتعلق بما هو فانٍ وباطل تاركاً الله. الله خلق العالم لنستعمله لا لنعبده ويكون هو هدفنا، نحزن إن خسرناه وننتفخ لو حصلنا على الكثير منه. من يحب العالم هكذا لن يكون فى قلبه متسع لكى يحب الله، لذلك قيل أن محبة العالم عداوة لله (يع4: 4). بل لا يستطيع إنسان أن يحب الحق (الله) والباطل (العالم) معاً = إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ.

بل الله يقول "يا إبنى إعطنى قلبك" ومن يستطيع أن يفعل ويحب الله من كل قلبه سيملأ الفرح قلبه. أما الذى قلبه منقسم بين محبة الله ومحبة العالم فلن يعرف الفرح. بل إن محبة العالم تدفع الناس للصراع حتى يحصلوا على أكبر نصيب منه. أما من يحب الله فلن يسقط فى هذا الصراع، بل ستكون له القناعة إذ هو شبعان بالله (فى4: 11، 12). علينا أن نشعر أن الله يعطينا أفضل شىء يوصلنا للسماء.

وفضلاً عن أن محبة العالم ستشغلنا عن محبة الله، فإننا نرى فى الآية القادمة لماذا لا يجب أن نحب العالم.

العدد 16

آية (16): -

"16لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ، لَيْسَ مِنَ الآبِ بَلْ مِنَ الْعَالَمِ.".

شَهْوَةَ الْجَسَدِ = شهوة الجنس والأكل. هذا إنسان لا تحركه سوى حواسه وغرائزه.

شَهْوَةَ الْعُيُونِ = كل ما تراه العيون تشتهيه، حب إقتناء وحسد الغير.

تَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ = عدم قناعة الإنسان بوضعه، دائماً يطلب الرفاهية الزائدة ويطلب مديح.

الناس والشهرة.

ولقد جرب عدو الخير السيد المسيح فى هذه الأمور الثلاثة.

شَهْوَةَ الْجَسَدِ = إرضاء الرغبة الجسدية وإشباعها = تحويل الحجارة إلى خبز.

شَهْوَةَ الْعُيُونِ = أراه كل ممالك العالم ومجدها ليشتهيها.

تَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ = شهوة ما ليس فى إستطاعة البشر كعمل المعجزات = إطرح نفسك فلا يصطدم بحجر رجلك = هذه معجزة باهرة حينما يراها الناس لابد وأنهم سوف يؤمنون، لكن المسيح رفض وإختار الصليب.

وبنفس الأسلوب جرب عدو الخير أبوينا الأولين آدم وحواء.

شَهْوَةَ الْجَسَدِ = رأت حواء الشجرة جيدة للأكل.

شَهْوَةَ الْنظر = رأت حواء الشجرة بهجة للنظر.

تَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ = أرادت الأكل من الشجرة لتصبح كالله عارفة الخير والشر.

مرة أخرى... الله خلق العالم لنستعمله، والله لا يحزن ولا يغضب إن أكلنا وشربنا ولبسنا مما أعطاه لنا، ولكن الله لا يريد لنا أن ننشغل عنه بما أعطاه لنا، الله لا يريد أن نفرغ قلوبنا من محبته لنحب ما أعطاه لنا، لئلا يستعبدنا هذا الشئ الذى ننشغل به. الله وحده ننشغل به فيعطينا الفرح وهو وحده الذى يحرر ن والله لا يحب أن أحدا يستعبد أولاده.

المسيح صار زمنياً (دخل فى الجسد) ليجعلنا نحن الزمنيين، أبديين... فلماذا نصر أن نبقى زمنيين (أى متعلقين بالعالم).

فلنستعمل العالم شاكرين الله على عطيته قانعين بما أعطاه وقسمه لنا.

العدد 17

آية (17): -

"17 وَالْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ فَيَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ.

الْعَالَمُ يَمْضِي = فكل شىء مصيره الفناء، فلماذا نتمسك بهذا الفانى.

أَمَّا الَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ = أى يحب الله ويعطى كل قلبه لله، ويطيع الله الذى أحبه.

فَيَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ = راجع تفسير آيات 1 - 6 من هذا الاصحاح لترى أن الثبات فى المسيح شرطه حفظ الوصية، ومن يفعل يثبت فى الله ويجد لذته فى الله للأبد، ويثبت فى المسيح أى يثبت فى حياة أبدية. كأن الرسول يوجه سؤالاً لنا. هل تريد أن تصبح أبدياً أم أن تظل زمنيا، هل تريد ان تجد لذتك فى الله الحى أم العالم الفانى. ولاحظ أن الرسول لم يقل وأما الذى يحب الله فيثبت. لأن من يحب الله سيصنع مشيئته (يو14: 21، 23).

العدد 18

آية (18): -

"18أَيُّهَا الأَوْلاَدُ هِيَ السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ. وَكَمَا سَمِعْتُمْ أَنَّ ضِدَّ الْمَسِيحِ يَأْتِي، قَدْ صَارَ الآنَ أَضْدَادٌ لِلْمَسِيحِ كَثِيرُونَ. مِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ.".

أَيُّهَا الأَوْلاَدُ = لقد ولدتم فى الكنيسة على أساس إيمان سليم فلا تتركوه.

هِيَ السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ = قد تعنى: -.

  1. التدبير الأخير فى حياة البشرية، أو التدبير الذى سوف يستمر لنهاية الدهور.

التدبير الأول = الخليقة.

التدبير الثانى = الناموس.

التدبير الثالث = الأنبياء.

التدبير الأخير = الخلاص بالمسيح.

  1. أن أيامنا نحن قد إقتربت فلا نترك الإيمان المسلم لنا.
  2. قوله ساعة أى تَبَقَّىَ وقت قليل.

وفى التدبير الأخير ومع إقتراب أيام النهاية وحتى مجىء المسيح الثانى سيظهر أضداد للمسيح يشككون فى العقيدة الصحيحة وهم مخادعين، كذابين، مقاومين للمسيح وكنيسته، يثيرون بدع مهلكة. وهذا راجع لإزدياد محاولات الشيطان لتحطيم الكنيسة. وهذا ما نراه فى الغرب الآن، فى مئات الطوائف الموجودة. ومن هذه الطوائف من ينكر ألوهية المسيح أو دوره كمخلص للبشرية، بل هناك من عبدوا الشيطان.

ضِدَّ الْمَسِيحِ = عرف الرسل من المسيح أنه فى نهاية الأيام سيأتى هذا الضد للمسيح،.

وستنتشر الضلالات، وربما إذ شعر يوحنا بزيادة الهرطقات أيامه شعر أنها الساعة الأخيرة. وبنفس المفهوم تكلم بولس الرسول فى (2تس2) وأسماه إنسان الخطية. ولكن ضد المسيح هو لقب عام قد يطلق على كل من يقاوم الإيمان بالمسيح آخذاً شكل المسيح ولكن فى كذب، أى سيَدَّعى أنه المسيح، رافضاً الإيمان بالمسيح الحقيقى.

العدد 19

آية (19): -

"19مِنَّا خَرَجُوا، لكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَّا، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا. لكِنْ لِيُظْهَرُوا أَنَّهُمْ لَيْسُوا جَمِيعُهُمْ مِنَّا.".

هم كانوا فى الكنيسة، لكن قلبهم كان فى مكان آخر، وجاء وقت لم يحتملوا فيه أن يستمروا فى الكنيسة، فخرجوا ساعين وراء شهوات قلوبهم وكبريائهم، هؤلاء الهراطقة قال عنهم القديس أغسطينوس أنهم كانوا كالدمل فى الجسد، ولن يتعافى الجسد إلا إذا خرج هذا الدمل منه. هم إعتمدوا وكان لهم شركة فى الكنيسة ولكنهم كانوا كيهوذا، لأجل شهواتهم الخاصة إنشقوا على الكنيسة. أما الذين خرجوا من الكنيسة لفترة وعادوا تائبين فهم منا أى من جسد الكنيسة.

مثال لهؤلاء المنحرفين... ديماس... ترك بولس إذ أحب العالم الحاضر. هذا كان موجوداً لفترة مع بولس لكن كان حب العالم يملأ قلبه.

كَانُوا مِنَّا = معمدين وعائشين فى الكنيسة ثابتين فى المسيح.

لَمْ يَكُونُوا مِنَّا = كانوا فى خداع قلبهم فى مكان آخر، لم يكونوا ثابتين فى المسيح.

العدد 20

آية (20): -

"20 وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَكُمْ مَسْحَةٌ مِنَ الْقُدُّوسِ وَتَعْلَمُونَ كُلَّ شَيْءٍ.".

فَلَكُمْ مَسْحَةٌ مِنَ الْقُدُّوسِ = يقصد الروح القدس الذى يحل فى المؤمنين بمسحة الميرون. والروح القدس يعلمنا ويذكرنا بكل ما قاله السيد المسيح (يو26: 14). فهو نور ينير لنا فنرفض أى هرطقة، وهو يعلمنا حقيقة التجسد فلا نتشكك. ويعطينا أن نحب المسيح، فحتى لو خرجنا عن محبته يحركنا الروح بالتوبة فنتوب ونرجع. وبهذا نثبت فى المسيح ونرفض كل بدعة غريبة عن الكنيسة. أما الهراطقة فلأن لهم شهواتهم الخاصة وإرادتهم المختلفة عن إرادة الله، فهم أحزنوا الروح وأطفأوه لعنادهم ومقاومتهم لصوت الروح وذلك بسبب كبريائهم، فما عادوا يسمعون صوته.

والسؤال لنا... هل نعطى أنفسنا فرصة لسماع صوت الروح القدس، وهذا يحتاج للصلاة والدراسة والجلوس بهدوء للتأمل فى الكتاب المقدس. ويحتاج أيضا للإمتلاء من الروح القدس.... وهذا يتطلب أن 1) نجاهد رافضين كل شر وشبه شر، فالسعى وراء الشر هو مقاومة للروح القدس وهذه المقاومة تحزن الروح وتطفأه 2) الصلاة والتسبيح (أف5: 18 – 21).

العدد 21

آية (21): -

"21لَمْ أَكْتُبْ إِلَيْكُمْ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ الْحَقَّ، بَلْ لأَنَّكُمْ تَعْلَمُونَهُ، وَأَنَّ كُلَّ كَذِبٍ لَيْسَ مِنَ الْحَقِّ.".

بَلْ لأَنَّكُمْ تَعْلَمُونَهُ = الرسول يقول انه لا يتهمهم بأنهم لا يعرفون الحق، بل هم يعرفونه، ولكن مع إزدياد الهرطقات يقول لهم "اننى أعود واؤكد ما تعلمتموه سابقا واؤكده لكم. فانا أكتب لكى تثبتوا فى الحق الذى تعلمونه". ونحن لا نحتاج إلى تعاليم جديدة من خارج كنيستنا، بل لعمل الروح القدس الذى يذكرنا بالحق. ويهبنا التمييز الذى به نرفض الكذب ونقبل الحق فقط.

كُلَّ كَذِبٍ = هو ما ينادى به أضداد المسيح،.

لَيْسَ مِنَ الْحَقِّ = ليس من عند الله.

الأعداد 22-23

الآيات (22 - 23): -

"22مَنْ هُوَ الْكَذَّابُ، إِلاَّ الَّذِي يُنْكِرُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ؟ هذَا هُوَ ضِدُّ الْمَسِيحِ، الَّذِي يُنْكِرُ الآبَ وَالابْنَ. 23كُلُّ مَنْ يُنْكِرُ الابْنَ لَيْسَ لَهُ الآبُ أَيْضًا، وَمَنْ يَعْتَرِفُ بِالابْنِ فَلَهُ الآبُ أَيْضًا.".

الرسول يهاجم هرطقات القرن الأول التى أنكرت حقيقة التجسد. هنا نرى الرسول يتكلم عن الكذاب وهو إبليس (يو44: 8). وإبليس يريد أن يلغى التجسد فهو سر التقوى وبدونه لا خلاص (1تى16: 3).

مَنْ هُوَ الْكَذَّابُ = هو إبليس. وهذا فى مقابل الحق الذى هو المسيح ومن يخضع لإبليس الكذاب يردد كذبه. ومن يثبت فى المسيح يعرف الحق.

يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ = هذا هو الحق أن المسيح هو المخلص، هو الله الذى تأنس ليخلصنا. الذى ينكر الآب والإبن = أى من ينكر أن الله الآب أرسل إبنه الوحيد ليخلص البشرية = هذَا هُوَ ضِدُّ الْمَسِيحِ.

كُلُّ مَنْ يُنْكِرُ الابْنَ لَيْسَ لَهُ الآبُ أَيْضًا = فنحن حصلنا على البنوة للآب عن طريق إتحادنا بإبنه يسوع المسيح، فمن ينكر الإبن لن يتحد به ويفقد البنوة للآب. (راجع يو23: 15 + يو14: 7، 9، 10 + مت27: 11 + يو19: 8). ومن يعرف الإبن ويحبه فلسوف يعرف الآب، فالإبن هو صورة الآب. ومن عرف الإبن وأحبه، فهذا لأنه كان يعرف الله بطريقة صحيحة، ولذلك آمن التلاميذ البسطاء بالمسيح إذ كانوا فى بساطة قلوبهم قد أحبوا الله غير طالبين مجد أنفسهم مثل الكتبة والفريسيين.

العدد 24

آية (24): -

"24أَمَّا أَنْتُمْ فَمَا سَمِعْتُمُوهُ مِنَ الْبَدْءِ فَلْيَثْبُتْ إِذًا فِيكُمْ. إِنْ ثَبَتَ فِيكُمْ مَا سَمِعْتُمُوهُ مِنَ الْبَدْءِ، فَأَنْتُمْ أَيْضًا تَثْبُتُونَ فِي الابْنِ وَفِي الآبِ.".

أَمَّا أَنْتُمْ = الذين لم تنشقوا عن الكنيسة.

فَمَا سَمِعْتُمُوهُ مِنَ الْبَدْءِ = أى رسالة الإنجيل الذى سمعتموه جيلاً بعد جيل (يه3).

فَلْيَثْبُتْ إِذًا فِيكُمْ = أى يتأصل فى أعماقكم. وعلينا أن نصر أن لا نغير فى إيماننا حرف واحد.

إِنْ ثَبَتَ فِيكُمْ مَا سَمِعْتُمُوهُ = وهو الحق الإلهى بخصوص التجسد. وأن الآب أرسل إبنه متأنساً ليتحد بنا ويعطينا البنوة للآب = تَثْبُتُونَ فِي الابْنِ وَفِي الآبِ. فمن يثبت فى الإبن سيثبت فى الآب، فالإبن فى الآب. ولكن من الذى يثبت فيه ما سمعه؟ هو من يتعلم من الروح القدس ولا يعاند. وهو من يواظب على الصلاة ودراسة الكتاب فى هدوء فيسمع من الروح القدس ويتعلم. وهو من إذا أخطأ يستجيب لصوت تبكيت الروح القدس ويتوب ولا يقاوم الروح. وهو من لا يرفض تعاليم الكنيسة فى كبرياء. فكل الهرطقات نشأت بسبب كبرياء الهراطقة.

العدد 25

آية (25): -

"25 وَهذَا هُوَ الْوَعْدُ الَّذِي وَعَدَنَا هُوَ بِهِ: الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.".

من يثبت فى الإبن تكون له حياة الإبن وهى حياة أبدية، وهذا هو وعده (يو25: 11).

"من آمن بى ولو مات فسيحيا... أنا هو القيامة والحياة".

العدد 26

آية (26): -

"26كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ هذَا عَنِ الَّذِينَ يُضِلُّونَكُمْ.".

أكتب هذا إليكم حتى لا تنخدعوا بضلالات أضداد المسيح.

العدد 27

آية (27): -

"27 وَأَمَّا أَنْتُمْ فَالْمَسْحَةُ الَّتِي أَخَذْتُمُوهَا مِنْهُ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَلاَ حَاجَةَ بِكُمْ إِلَى أنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ، بَلْ كَمَا تُعَلِّمُكُمْ هذِهِ الْمَسْحَةُ عَيْنُهَا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَهِيَ حَق وَلَيْسَتْ كَذِبًا. كَمَا عَلَّمَتْكُمْ تَثْبُتُونَ فِيهِ.".

كما قلنا فالروح القدس يعلم (يو26: 14) ويعطى إستنارة.

وَلاَ حَاجَةَ بِكُمْ إِلَى أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ = لو فهمنا الآية بطريقة خاطئة، إذاً فما الداعى أن يوحنا الرسول يكتب رسالته ويعلمهم، أما كان الروح القدس قادر على هذا. هذه الآية لا تعنى عدم حاجتنا للتعليم، فنحن نحتاج لمن يعلمنا. لذلك وضع الله فى الكنيسة معلمين (أف11: 4). والمعلم يزرع ويسقى الزرع والله هو الذى ينمى (1كو3: 7).

فلا يوجد إنسان مملوء من الروح ومعصوم من الخطأ. وكلام الخدام الأرثوذكسيين الحقيقيين الذين لا يشوهوا الإيمان يكون عملهم هو جذب إنتباه السامع. والروح القدس الذى يعطى كلمة للمتكلم هو يعمل فى قلب السامع ليفهم، ولكن إن لم يكن السامع لديه الروح القدس فعبثاً ينادى المعلم. التعليم الخارجى كالبستانى يروى الأشجار والذى ينمى هو الله، أى المسحة التى نأخذها. والروح القدس أيضاً يعطى للسامع أن يميز، هل هذا التعليم من الله أم لا.

وَهِيَ حَق = أى المسحة هى حق، أى أن عمل الروح القدس فينا هو عمل حقيقى.

كَمَا عَلَّمَتْكُمْ تَثْبُتُونَ فِيهِ = إذا أراد المؤمن حقيقة أن يسمع صوت الروح فى داخله فسوف يسمعه. وإن كنا فى شك فلنصل ونطلب والروح الذى فينا سيخبرنا بالحق، والكتاب المقدس يحوى التعليم الحق، وتعليم الأباء المرتشدين بالروح حق، وعندئذ علينا أن نطيع صوت الروح.

كَمَا عَلَّمَتْكُمْ تَثْبُتُونَ فِيهِ = فمن لا يعاند صوت الروح القدس، ويكون له إيمان صحيح بالمسيح سيثبت فى المسيح. أما الهراطقة فلا يثبتون فيه.

العدد 28

آية (28): -

"28 وَالآنَ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، اثْبُتُوا فِيهِ، حَتَّى إِذَا أُظْهِرَ يَكُونُ لَنَا ثِقَةٌ، وَلاَ نَخْجَلُ مِنْهُ فِي مَجِيئِهِ.".

إذ يثبت أولاد الله فى كلامه وإيمانه سيفرحون بمجيئه، بل يتشوقون إليه "آمين تعال أيها الرب يسوع" ليفرحوا معه للأبد. أما غير الثابتين فسيقولون للجبال غطينا.

إِذَا أُظْهِرَ = إذا = تفيد عدم معرفة موعد ظهوره. إذاً لابد من الإستعداد الدائم.

العدد 29

آية (29): -

"29إِنْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ بَارٌّ هُوَ، فَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ يَصْنَعُ الْبِرَّ مَوْلُودٌ مِنْهُ.".

أنه بار... كُلَّ مَنْ يَصْنَعُ الْبِرَّ مَوْلُودٌ مِنْهُ = فالمولود يشابه أبيه.

تكلم فى الآية السابقة عن عدم الخجل من المسيح عند ظهوره. وهنا يعطينا العلامة التى تجعلنا لا نخجل عند ظهوره، وهى أن نصنع البر مثله. ولنفهم أن المؤمنين الذين إعتمدوا ليسوا مجرد أناس عاديين يحاولون أن يحيوا على نحو أفضل، ولكنهم صاروا خليقة جديدة، أولاداً لله (2كو17: 5). ولنفهم أن البر الكامل لن يوجد هنا على الأرض، فنحن مازلنا فى الميدان نحارب، نَضرِب ونُضرَب، ومن ينتصر هو من يعتمد فى صراعه على قوة الله. ونلاحظ أن المسيح أعطى لنا قوة لنسلك فى البر، بل أعطى لكل من إعتمد حياته ليحيا بها فى بر، حياة المسيح البار تسكن فيه، ويستخدم أعضاءه كآلات بر، فيصنع البر. وهكذا فلأن المسيح بار وهو أعطى حياته للكثيرين، فهو يبرر الكثيرين. والمسيح أعطانا الروح القدس الذى يبكتنا إن فعلنا خطية وأيضاً إن لم نفعل البر. فالمولود من الله البار يتشبه به ويكون باراً، باراً نسبياً على الأرض، فالبر الكامل فى السماء.

No items found

الأصحاح الثالث - تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى - القمص أنطونيوس فكري

الأصحاح الأول - تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى - القمص أنطونيوس فكري

تفاسير يوحنا الرسول الأولى الأصحاح 26
تفاسير يوحنا الرسول الأولى الأصحاح 26