أسرار الكنيسة السبعة – الباب السابع – القس أنطونيوس فكري

هذا الفصل هو جزء من كتاب: أسرار الكنيسة السبعة – القس أنطونيوس فكري. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

الجذور اليهودية للإيمان المسيحى

خروف الفصح

سبقت يد الله ومهدت الطريق لفهم كل أسرار العهد الجديد، كسر التجسد وسر الفداء وسر الإفخارستيا. وذلك من خلال كل أحداث وطقوس العهد القديم، بل ومن تعاليم الربيين اليهود الأمناء، وهذا ما رأينا مثالا له فى الصفحات الماضية. وكنا قد رأينا فى الصفحات الماضية ماذا أعد الله لنا فى سر الإفخارستيا الذى سيتممه فى خروجه الجديد أو العبور الثانى أو الخروج الثانى.

كان العشاء الربانى هو فصح جديد فهو: 1) ليس عشاء عاديا.  2) ولم يكن عشاء فصح يهودى عادى. بل أن المسيح حقق لتلاميذه ما كانوا يتوقعونه وفهموه من تعاليم الربيين، أنه فى ليلة من ليالى الفصح اليهودى سيحقق المسيا المنتظر العبور الجديد أو الخروج الجديد، ويقدم لهم فصح جديد. وهذا ما عمله المسيح فعلا. ولكنه بتأجيله شرب الكأس الرابع حتى الصليب، وحَّد بين صليبه وبين الفصح الجديد أى العشاء الربانى، وأمر تلاميذه أن يكون هذا الفصح أبديا “إصنعوا هذا لذكرى”. فالمسيح قدم نفسه ذبيحة فصحية جديدة وطلب الأكل من جسده كما يؤكل لحم الخروف ولكن على صورة خبز وخمر.

رأى القديس يوحنا المسيح “فى وسط العرش .. خروف قائم كأنه مذبوح” (رؤ5 : 6) . وهذا القول فيه شرح لسر الإفخارستيا. فالمسيح هو الخروف الذى قدم ذبيحة لكنه قائم أى حى .. وهكذا شرح بولس الرسول قائلا “لأن فصحنا أيضاالمسيح قد ذبح لأجلنا” (1كو5 : 7 – 8) . وبهذا الفصح جعلنا المسيح نعبر من حياة العالم إلى الحياة مع الله. وكما كان اليهود يرتحلون سنويا إلى أورشليم ليعيدوا هناك عيد الفصح، صرنا نحن كمسيحيين فى كل قداس الآن، وبالفصح الجديد ننتقل إلى أورشليم السماوية.

أعطى المسيح بالعشاء الربانى معنى الفصح اليهودى. فكان الفصح القديم نبوة مسبقة عن الفصح الجديد، بل وكان نبوة مسبقة عن إنتقال وعبور الكنيسة للمجد السماوى.

ولاحظ أنه بالإفخارستيا يظل الصليب حاضرا كل الأيام، والفصح الجديد (الإفخارستيا) حاضرا كل الأيام، وتظل ذبيحة المسيح التى قدمها على الصليب حاضرة كل الأيام ولنهاية الأيام. وصار لقب المسيح كما قال الملاك للمريمات بعد قيامته “يسوع المصلوب .. لأنه قام كما قال” (مت28 : 5 ، 6) .

صار المسيح هو الذبيحة الحية فى الإفخارستيا دائما، هو كما رآه القديس يوحنا فى السماء “فى وسط العرش … خروف قائم كأنه مذبوح” ولاحظ أن الملاك لم يقل عن المسيح “يسوع القائم من الأموات” بل يسوع المصلوب، ومع أن الملاك قال عن المسيح … أنه قام ولكن المسيح يريد الإحتفاظ بلقب المصلوب. ولذلك يقول بولس الرسول لأهل غلاطية “أنتم الذين أمام عيونكم قد رسم يسوع المسيح بينكم مصلوبا” (غل3 : 1) . فالمسيح يريد أن يظل بيننا، مقدما لنا نفسه فى صورة المحبة الفائقة، المسيح المصلوب والحى القائم من الأموات، على صورة الذبيحة الحية الإفخارستية، غفرانا لخطايانا (بموته) وحياة أبدية أعادها لنا (بقيامته). وهكذا ركز بولس الرسول على صورة المسيح المصلوب أمام أهل غلاطية كما عمل الملاك مع المريمات يوم القيامة.

ولكى تكمل الصورة نكمل بهذا الجزء المقتبس من سر الإفخارستيا

وهذا ما كان يعنيه القديس بولس الرسول بقوله  “فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع. طريقا كرسه لنا حديثا حيا بالحجاب أى جسده” (عب10 : 19 ، 20) .

حديثا = NEW وأصل الكلمة باليونانية ( PROSPHATOS ) وتعنى “مذبوح حديثا” وهى كلمة مشتقة من فعل يعنى ذبح حيوان لأكله أو لتقديمه ذبيحة وذلك بحسب قاموس (strongs) الأمريكى . وتعنى أيضا أن هذه الذبيحة هى ذبيحة (fresh) أي مذبوحة حالاً وهذا أيضا بحسب نفس القاموس .

حياً= وهنا نجد صفة جديدة لهذه الذبيحة وهو أنها ليست ميتة بل هى حية ، فهى جسد المسيح المتحد بلاهوته الذى لا يموت = “خروف قائم كأنه مذبوح” (رؤ5 : 6) .

هذه هى ذبيحة الإفخارستيا التى نقدمها يوميا على مذابح كنيستنا، المسيح بنفسه وسطنا

بجسده المذبوح يعمل على أن تموت فينا الحياة العتيقة (الإنسان العتيق) فتغفر خطايانا. ولكن جسده هذا حى بلاهوته فيعطينا حياة أبدية .

وهذا ما نردده فى القداس ……” يعطى لغفران الخطايا وحياة أبدية لمن يتناول منه ”

هذه الذبيحة هي عينها التي قدمت على الصليب، لأن الذي يقدم على المذبح الآن هو حمل الله نفسه الذي قدم ذاته على الصليب لأجل خطايا العالم. والمسيح صلب مرة واحدة ولن يصلب ثانية (عب25:9+ عب1:10-3 + 11،12). قدم المسيح نفسه ذبيحة دموية على الصليب، وفي الإفخارستيا تتم الإستحالة بطريقة سرية بدون هرق دم ولا موت، لذلك تسمى ذبيحة غير دموية. وهذا بالضبط ما عمله المسيح ليلة خميس العهد.

المن

من أقوال الربيين عن الفصح

  • “المن الذى يأتى به المسيح سيكون أعظم من المن الذى أتى به موسى” .
  • “شرط دخول العالم الآتى (الخليقة الجديدة) هو الأكل من خبز الحياة الآتية”.
  • “هذا الخبز هو حقيقة وليس رمز” .

ونرى هنا كيف أن الروح القدس كان يتعامل مع أباء اليهود لتمهيد الطريق. فهذا هو نفسه تعليم المسيح . ومن قول الرب هذا نفهم أن هذا الخبز الذى نتناوله ليس خبزا عاديا بل خبز معجزى فائق للطبيعة، ومن يأكله يحيا للأبد. وكما كان المن تذوق مسبق لخيرات أرض الميعاد من اللبن والعسل، هكذا هى الإفخارستيا، فهى تذوق مسبق للحياة الأبدية بقيامة الأجساد “من يأكلنى يحيا بى” (يو6 : 58) . وهذه هى أهمية الإفخارستيا لكل إنسان، أنها تعطى قيامة للأجساد بعد الموت.

وكانت معجزة الخمس خبزات قبل الصليب بعام، فهى كانت فى الفصح السابق للفصح الذى صلب فيه المسيح، وهذه المعجزة كانت رمزا واضحا لسر الإفخارستيا. ولنقارن بين الحادثتين.

إطعام الـ 5000 بخمس خبزات العشاء الربانى ليلة خميس العهد

تم فى المساء (مت14 : 15)                                تم فى المساء

طلب الرب أن يتكئ الناس كعادة الفصح                 كان يسوع وتلاميذه متكئين

أخذ يسوع خمسة أرغفة                                     أخذ يسوع خبزا

شكر                                                             شكر

كسر يسوع الخبز وأعطى التلاميذ (مت14 : 19)     كسر يسوع الخبز وأعطى التلاميذ

يوحنا يشير أنهم قرب الفصح فهو يريد أن يقول أن هذه المعجزة رمز للفصح الجديد

كان الإتكاء فى الفصح إشارة للراحة التى حصل عليها الشعب بعد الخروج من عبودية المصريين.

ونرى مما سبق أن معجزة الخمس خبزات كانت رمزا وإشارة للإفخارستيا التى سيتممها المسيح ليلة خميس العهد فى العلية. ولذلك فبعد المعجزة مباشرة وفى إنجيل يوحنا أعطى المسيح تعليمه عن المن السماوى النازل من فوق. ثم إنتقل صراحة إلى ضرورة الأكل من جسده وشرب دمه، وهذا ما نفذه فى العلية. فالمسيح بدأ بالرمز (معجزة إشباع الجموع) وأنهى كلامه بالإفخارستيا.

وكما كان المن غذاء حقيقى، فجسد المسيح فى الإفخارستيا هو غذاء حقيقى. وكما كان المن غذاء يساند الشعب فى رحلتهم لأورشليم الأرضية، فالإفخارستيا هى خبز فائق للطبيعة يساندنا خلال رحلة الحياة إلى أورشليم السماوية الموعودة (أرض الميعاد الجديدة لنا) . ومن يغلب سيعطيه المسيح أن يأكل من المن المخفى (رؤ2 : 17) . والمن المخفى هو المسيح المتجسد، المن النازل من السماء ليتجسد ويموت ويقوم. وفى المعمودية أولا ثم فى الإفخارستيا يعطينا المسيح أن نشترك معه ونتحد به فى موته وقيامته وتكون لنا الحياة الأبدية. فيكون الأكل من المن المخفى إشارة لثبات حياة المسيح فينا وحصولنا على الحياة الأبدية.

خبز الحضرة

فيه كان الرب يسوع يريد أن يكون حاضرا معنا كل الأيام. وكما كان الكهنة اليهود يقولون للشعب “أنظروا محبة الله لكم”. فالمسيح يقول فى الإفخارستيا “أنظروا محبتى لكم” .

خروف الفصح والمن وخبز الحضرة

فى الثلاثة طلب الرب فى العهد القديم أن يظل شعب إسرائيل يقدمونهم طوال الأيام ولكن لاحظ:-

  • خروف الفصح هو تذكار للفصح. ولكنه يؤكل.
  • المن محفوظ كتذكار فى داخل تابوت العهد. والمن المحفوظ هو من نفس المن الذى أكلوه.
  • خبز الحضرة تذكار للمأدبة السماوية. ويؤكل كل يوم سبت.

وهكذا الإفخارستيا هى تذكار للصليب والقيامة، بل هى نفسها ذبيحة الصليب، وهى أيضا تؤكل. وبها يظل الصليب حاضرا معنا كل الأيام.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.